Полный текст (697 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
لكن الكسائي احتج إلى ذلك بآية أخرى، هي قوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم (. الأنعام /٩٦ فقد قرئ (وجاعل الليل سكناً (كما قرئ (فَلَق الإصباح (. وقد تقدم هذه الآية، قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى (. فقدر في هذا معنى المضي، كما قدَّر فيه معنى الحال. قال أبو البقاء عبد الله العكبري في (إعراب القرآن) : "قوله تعالى (فالق الحب (يجوز أن يكون معرفة لأنه ماضٍ، وأن يكون نكرة على أنه حكاية". أي يجوز أن تكون إضافة (فالق) محضة تفيد التعريف فتفيد المضي فيلغى عمل اسم الفاعل، كما يجوز أن تكون إضافته غير محضة فلا تفيد تعريفاً فتدل على الحال ويكون اسم الفاعل عاملاً. ويمضي العكبري فيقول: "وجاعل الليل مثل فالق الإصباح في الوجهين". أي في كون الإضافة محضة أو غير محضة، وفي إعمال اسم الفاعل أو إلغائه، وإفادة الحال، أو الماضي. وبقي الخلاف في نصب (سكناً) من قوله تعالى: (وجاعل الليل سكناً (. قال العكبري: "وسكناً مفعول جاعل إذا لم تعرفه، وإن عرفته كان منصوباً بفعل محذوف أي جعله سكناً"، أي أن الإضافة إذا لم تكن محضة فاسم الفاعل عامل يفيد الحال، و (سكناً) مفعول لاسم الفاعل. وإذا كانت محضة فاسم الفاعل ملغى يفيد المضي و (سكناً) مفعول لفعل محذوف. وهنا محل الخلاف، فالكسائي قد ذهب إلى أن نصب (سكناً) مع دلالة اسم الفاعل على المضي، دليل على عمل اسم الفاعل ولو أفاد الماضي و (سكناً) مفعول لاسم الفاعل، خلافاً للبصريين الذين اشترطوا لعمل اسم الفاعل أن يدل على الحال أو الاستقبال، دون الماضي، فإذا دل على المضي فقد ألغي عمله، وهذا ما قادهم إلى أن يقدروا فعلاً محذوفاً ينصبون به (سكناً) على المفعولية، بعد أن ألغوا اسم الفاعل حين قدروا فيه معنى المضي. وقد أخذ العكبري في (إعراب القرآن) ، عامة بمذهب البصرية.
стр. 247
ولا يعني ما تقدم من قول العكبري أن لنا أن نقدر في كل (اسم فاعل مضاف) أن تكون إضافته غير محضة فيكون عاملاً ويدل على الحال ولا يفيد التعريف، أو تكون إضافته محضة فيكون ملغى ويدل على الماضي ويفيد التعريف، فإن مرد ذلك إلى القرينة. فقد جاء قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. بإضافة (ذائقة) إلى الموت إضافة غير محضة، وليس ثمة ما يتسع هنا لإضافة (ذائقة) إلى الموت إضافة محضة. قال العكبري في إعراب القرآن: (وإضافة ذائقة غير محضة لأنها نكرة يُحكى بها الحال، وقرئ شاذاً ذائقة الموت بالتنوين والإعمال) .
*الفراء واسم الفاعل:
نهج الفراء يحيى بن زياد (٢٠٧ هـ) ، وهو عَلَمْ من أعلام الكوفية، نهج الكسائي في اتخاذ أصول الكوفية، وتجلَّى ذلك في كتابه الأول (معاني القرآن) . وقد عمد فيه (١/ ٤٥) . إلى تمييز اسم الفاعل العامل فأسماه (فعلاً دائماً) ، من اسم الفاعل غير العامل، وقد أبقاه على الأصل (اسماً) .
قال الفراء في تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. الأنبياء /٣٥. بإضافة (ذائقة) إلى الموت، قال في كتابه (معاني القرآن) : "ولو نونت ذائقة ونصبت كان صواباً". وهذا يعني أن (ذائقة الموت) بتنوين الأول ونصب الثاني، على إعمال اسم الفاعل، جائز جواز (ذائقة الموت) بالإضافة غير المحضة، فكلاهما يفيد الحال أو الاستقبال. وأردف: "وأكثر ما تختار العرب التنوين والنصب في المستقبل"، ومؤدَّى ذلك أن العرب قد تعني المضي في اسم الفاعل العامل، ولو أن الكثير الغالب أن تعني المستقبل. ويمضي الفراء قائلاً: "فإذا كان معناه ماضياً لم يكادوا يقولون إلا بالإضافة"، وفحوى ذلك أن المضي إنما يعبر عنه غالباً بالإضافة، ولكن قد يعبر عنه بإعمال اسم الفاعل أيضاً، وهذا رأي الكوفية خلافاً للبصرية التي لا ترى في الأعمال إلا دلالة الحال والاستقبال، لكنها ترى في الإضافة دلالة الحال إذا لم تكن محضة، والمضي إذا كانت محضة.
*البصريون واسم الفاعل:
стр. 248
ذهب البصريون إلى أن اسم الفاعل إما أن يفيد الماضي، ولا يتأتى ذلك إلا بإضافته إضافة محضة تفيد التعريف، وإما أن تفيد الحال أو الاستقبال، ولا يكون هذا إلا بإعمال اسم الفاعل وتنوينه، أو بإضافته إضافة غير محضة لا تفيد تعريفاً.
وقد بسط القول في ذلك القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري في تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. آل عمران/ ١٨٥. قال القرطبي: " (ذائقة الموت (. بالإضافة، وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق ذائقة الموت بالتنوين ونصب الموت. قالوا لأنها لم تذق بعد". وأردف: "ذلك أن اسم الفاعل على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى المضي، والثاني بمعنى الاستقبال. فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده، كذلك قولك: هذا ضارب زيد أمس ... لأنه يجري مجرى الاسم الجامد وهو العلم ... "، أي أن الإضافة فيه محضة. وتابع يقول: "وإن أردت الثاني جاز الجر والنصب والتنوين، فيما هذا سبيله هو الأصل، لأنه يجري مجرى الفعل المضارع، فإن كان غير متعدٍ لم يتعدَّ نحو قائم زيد. وإن كان متعدياً عدّيته ونصبت به فتقول: زيد ضارب عمرواً بمعنى يضرب عمرواً. ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفاً"، ومعنى هذا أن تنوين اسم الفاعل ونصبه المفعول به، كحذف تنوينه مع إضافته، في إفادة الحال، مادامت الإضافة غير محضة.
*اسم الفاعل والاستمرار:
إذا قيل أن دلالة اسم الفاعل هي (الاستمرار) فسِّر ذلك على أحد وجهين: الأول أن يعني الاستمرار اشتمال هذه الدلالة على الحال أو الاستقبال حيناً وعلى الماضي حيناً آخر. وهذا ما حمل الكوفيين على أن يسمُّوا اسم الفاعل بالفعل الدائم. وقد جاء في الكليات لأبي البقاء: "اسم الفاعل إذا كان للاستمرار يصح إعماله نظراً إلى اشتماله على الحال أو الاستقبال، وإلغاؤه نظراً إلى اشتماله على الماضي ـ ٥/٣١٧"، كما ذكرنا ذلك قبل، ولا ننسى أن الكوفيين قد اعتقدوا اشتماله على الماضي أيضاً، ولو كان عاملاً.
стр. 249
الثاني: أن يعني الاستمرار الثبوت في الأزمنة المختلفة. وقد أشار صاحب الكليات إلى هذا حين قال:"معنى الاستمرار هو الثبوت من غير أن يعتبر معه الحدث في أحد الأزمنة ـ ٥/٣٢٣"، وهو الأصل فيه، إذ قال: "اسم الفاعل يستفاد منه مجرد الثبوت صريحاً بأصل وضعه ـ ٥/١٧٣".
ولكن متى يدل اسم الفاعل على الثبوت أي الاستمرار في الأزمنة المختلفة؟ ...
أقول يدل اسم الفاعل على الثبوت أو الدوام أو الاستمرار في الأزمنة المختلفة، إذا أضفته إضافة محضة، أي إضافة معنوية أو حقيقية، فجرى مجرى الاسم الجامد، وقد يدل في هذه الحال أيضاً على الماضي، والقرينة تفصل بين الدلالتين.
قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم (الأنعام /٩٦". وقرئ فالق الإصباح بالنصب على المدح وجاعل الليل سكناً ونصبه بفعل دلَّ عليه جاعل لا به، فإنه في معنى الماضي ويدل عليه قراءة الكوفيين وجعل الليل"، أي وقرئ (جاعل الليل ساكناً) ، وقد نصب (سكناً) ، بفعل محذوف لدلالة جاعل على الماضي، لأن عمل اسم الفاعل ونصبه للمفعول مشروط بدلالته على الحال أو الاستقبال، دون الماضي، خلافاً للكسائي، وابن هشام وابن مضاء. ومضى الإمام البيضاوي يقول:"..... وبه على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة". أي وقرئ (وجاعل الليل سكناً) ، على أن المراد جعل الخالق الليل كذلك مستمراً على الدوام. فثبت بهذا أن إضافة اسم الفاعل الإضافة المحضة أو المعنوية الحقيقية قد تنطوي على دلالته على الماضي، كما تنطوي على دلالته على الاستمرار، والقرينة تميز إحداهما من الأخرى.
стр. 250
وانظر إلى ما جاء في شرح الإمام عبد الرحمن بن محمد الجامي لكافية ابن الحاجب. قال ابن الحاجب: "فإن كان للماضي وجب الإضافة معنى، خلافاً للكسائي". فقال الجامي: "فإن كان اسم الفاعل المتعدِّي للزمان الماضي بالاستقلال، أو في ضمن الاستمرار، وأريد ذكر مفعوله وجبت الإضافة، أي إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله معنى أي إضافة معنوية لفوات شرط الإضافة اللفظية مثل زيد ضارب عمرو أمس، خلافاً للكسائي فإنه ذهب إلى عدم وجوب إضافته، لأنه يعمل عنده سواء كان بمعنى الماضي أو الحال أو الاستقبال فيجوز أن يكون منصوباً على المفعولية وعلى تقدير إضافته ليست إضافته معنوية لأنها عنده من قبيل إضافة الصفة إلى معمولها ... "، أي أنه لابد لإعمال اسم الفاعل المتعدِّي ونصبه مفعولاً، من أن يدل على الحال أو الاستقبال دون الماضي، فينون أو يضاف إضافة لفظية، لا معنوية. وقد جاء ذلك في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. فقرئ (ذائقة) بالإضافة وبالتنوين.
فإذا أريد دلالة اسم الفاعل على الماضي أو على الاستمرار فلابد من إضافته. وإضافته ها هنا معنوية كقولك زيد ضارب عمرو أمس، خلافاً للكسائي الذي أجاز إعمال اسم الفاعل، ولو دلَّ على الماضي، فلم ير ضرورة إضافته في هذه الحال الإضافة المعنوية المحضة التي أوجبها البصريون.
وهكذا إذا قصد تعريف الصفة المضافة إلى معمولها كاسم الفاعل تعرَّفت بدلالة الوصف على الاستمرار في الأزمنة المختلفة، وكانت إضافتها محضة معنوية، فوصفت بها المعرفة. قال الإمام السيوطي في همع الهوامع: "فإن قصد تعريفها، أي الصفة المضافة إلى معمولها بأن قصد الوصف بها من غير اختصاص بزمان دون زمان تعرَّفت، ولذا وصفت بها المعرفة، في قوله تعالى.... غافر الذنب ـ ٢/ ٤٨".
стр. 251
قال تعالى: (حم (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (غافر الذنب وقابل التوب (شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (غافر/٣". فقال أبو البقاء العكبري في (إعراب القرآن) ."غافر الذنب قابل التوب كلتاهما صفة لما قبله والإضافة محضة". أي صفة لله، وأردف: "وأما شديد العقاب منكرة لأن التقدير شديد عقابه فيكون بدلاً. ويجوز أن يكون شديد بمعنى مشدِّد. فتكون الإضافة محضة فيتعرف ويكون وصفاً أيضاً. أما ـ ذي الطول فصفة أيضاً".
وقال تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم (ـ الأنعام /٩٦". فجاء في إعراب القرآن للعكبري أن دلالة (فالق الإصباح) قد تكون الماضي والإضافة محضة تفيد التعريف، وقد تكون الحال والإضافة غير محضة تفيد التنكير. فهل ثمة وجه تكون الدلالة الزمنية فيه، هي الاستمرار والإضافة محضة؟ ...
أقول جاء في تفسير القرطبي قوله: "فالق الإصباح، نعت لاسم الله تعالى، أي ذلكم الله ربكم فالق الإصباح"، فثبت بهذا أن إضافته محضة تفيد التعريف لأن النعت يتبع المنعوت في تعريفه وتنكيره. وقد قال القرطبي في دلالته الزمنية: "وقيل المعنى أن الله فالق الإصباح، والصبح والصباح أول النهار وكذلك الإصباح، أي فالق الصبح كل يوم، والإصباح مصدر أصبح"، وأردف: "وقال الضحاك فالق الإصباح خالق النهاروهو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين"، فثبت بقوله: (فالق الصبح كل يوم) ، أنه دال على الاستمرار.
стр. 252
وقد جاء في إعراب (الفاتحة) للإمام خالد الأزهري في كتابه (الأزهري في علم النحو) : "الحمد مبتدأ، لله جار ومجرور.... رب نعت أول لله وهو مضاف، العالمين مضاف إليه، الرحمن نعت ثان لله، الرحيم نعت ثالث لله، مالك نعت رابع لله، وصح ذلك لدلالته على الدوام والاستمرار لكونه من صفات الباري تعالى وهو مضاف إضافة محضة/ ١٨٦". فقد رأيت كيف جعل اسم الفاعل المضاف إضافة محضة وهو (مالك) نعتاً لمعرفة، ذلك لدلالته على الدوام الاستمرار.
*المخزومي والسامرائي ودلالة اسم الفاعل على الاستمرار:
أشرنا فيما تقدم إلى أن وصف اسم الفاعل بالمستمر أو الدائم يعني أحد أمرين:
الأول: دلالة هذه الصيغة على الماضي حيناً والمضارع والمستقبل حيناً آخر، وهذا ما عناه الكوفيون بوصفهم اسم الفاعل بأنه (الفعل الدائم) . ويطابق ذلك ما أراده الباحث (بول كراوس) في (محاضراته عام ١٩٤٣) ، وقد تحدث عنها الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اللغات السامية /١٦) ، حين أشار إلى أن اللغات السامية قد عرفت عهداً غابراً، لم يكن لها فيه صيغة للماضي وأخرى للمضارع أو المستقبل، وإنما كانت هناك صيغة تستعمل في التعبير عن الأزمنة جميعاً. وهذا ما ذكره الدكتور مهدي المخزومي في كتابه (في النحو العربي/١١١) ، إذ قال: "يرى بعض فقهاء اللغة المحدثين من المستشرقين والمعنيين بالدراسات المقارنة أن الزمان ليس شيئاً أصيلاً، وأن اقتران الفعل العربي به حديث النشأة، بعد أن وجدت صيغة ـ فَعَلَ ـ المتطورة عن صيغة ـ فَعل ـ وهي الصيغة التي يسمونها: برمانسيف أو الفعل الدائم في تعبير الكوفيين، والتي يعدونها أقدم وجوداً من الفعل الماضي.
стр. 253
أقول إن التعبير بصيغة واحدة عن أزمنة مختلفة لا ينفي البتة اقتران الفعل بدلالته الزمنية. قال الدكتور ولفنسون: "كذلك يعتقد العلماء أن صيغة المضارع كانت في مدى قرون كثيرة تدل على جميع الأزمنة، كما هو الحال في اللغة الصينية وفي اللغة الأندرو جرمانية الأصلية/١٦".
وهكذا فإن اسم الفاعل صيغة واحدة تدل على الماضي حيناً كما تدل على الحال والاستقبال حيناً آخر. وهذا ما حمل الكوفيين على تسميته بالفعل الدائم.
الثاني: دلالة اسم الفاعل على الاستمرار في مختلف الأزمنة، دون زمن معين، قال المخزومي في كتابه (في النحو العربي/١٣٩) : "وأما مثال فاعل فهو أحد أقسام الفعل، وهو الفعل الدائم الذي لا دلالة له على زمان معين إذا لم يوصل بصلة من مضاف إليه أو مفعول". وفي كلام المخزومي هذا نظر من ناحيتين:
ـ الأولى: أن الكوفيين لم يعنوا بالفعل الدائم الفعل الذي لا دلالة له على زمان معين، وإنما عنوا به الفعل الذي يدل على الماضي تارة وعلى المضارع أو المستقبل تارة أخرى.
الثانية: إن قول المخزومي: "الذي لا دلالة له على زمان معين"، يعني الإشارة إلى صفة الاستمرار في اسم الفاعل، ودلالة اسم الفاعل على الاستمرار ليست مرهونة بعدم إضافته، فقد يدل اسم الفاعل على الاستمرار ويكون مضافاً، وقد مثلنا لذلك بقوله تعالى: (غافر الذنب (. غافر/٣"، كما مثلنا له بقوله تعالى: (فالق الإصباح (الأنعام /٩٦".
وقد بحث هذا الدكتور إبراهيم السامرائي في كتابه (الفعل زمانه وأبنتيه) وانتهى منه إلى القول: "والقول بدلالة فاعل على الاستمرار مما انفرد به المخزومي، فقد اقتصر السابقون على دلالة فاعل على المستقبل، وهو اسم الفاعل المنون العامل نحو أنا صائم يوم الخميس أي سأصوم، وعلى المضي وهو اسم الفاعل المضاف نحو هو قاتل أخيه، أي قتل ـ ٤٣". قال السامرائي هذا وقد ثبت بما لا وجه فيه لشك أو ارتياب، دلالة اسم الفاعل على الاستمرار، كما رأيت.
стр. 254
ولا ننسى قول أبي البقاء الحسيني الكفوي في (كلياته) : "اسم الفاعل يستفاد منه مجرد الثبوت صريحاً بأصل وضعه، وقد يستفاد منه غيره بقرينة، وكذا حكم اسم المفعول. وأما الصفة المشبهة فلا يقصد بها إلا مجرد الثبوت وضعاً أو الدوام باقتضاء المقام ـ ٥/ ١٧٣ ـ ١٧٤". وقد أبان عن معنى الاستمرار فقال: "معنى الاستمرار هو الثبوت من غير أن يعتبر معه الحدث في أحد الأزمنة ـ ٥/٣٢٣"، وقد دل على ذلك الحجج الملزمة والبنيات المسلمة.
أبواب الفعل
للفعل الثلاثي المجرد ستة أوزان أسموها بالأبواب، فهو إما أن تتفق حركة عينه بين الماضي والمضارع فيكون مفتوح العين فيهما كفتح يفتح وظهر يظهر، وهو الباب الثالث، أو يكون مضموم العين فيهما كشرف يشرف، وهو الباب الخامس الذي لا يكون فعله إلا لازماً، دون سائر الأبواب. أو يكون مكسور العين فيهما كحسب يحسب ووثق يثق، وهو الباب السادس الذي لا يأتي عليه الفعل إلا نادراً، لأن أكثر ما جاء على فعل بالكسر جاء مضارعه بالفتح.
وأما أن تختلف حركة عينه بين الماضي والمضارع فتفتح في الماضي وتضم في المضارع كنصر ينصر وقعد يقعد، وهو الباب الأول، أو تفتح في الماضي وتكسر في المضارع ككسر يكسر ونزل ينزل، وهو الباب الثاني. أو تكسر في الماضي وتفتح في المضارع، وهو الباب الرابع كفهم يفهم وفرح يفرح. وتعد هذه الأبواب التي تختلف فيها حركة العين بين الماضي والمضارع دعائم الأبواب، لأنها تضم أكثر الأفعال، ومن ثم كان الأصل في الفعل أن تختلف حركة العين بين ماضيه ومضارعه. وقد رتب النحاة أبواب الثلاثي المجرد، بملاحظة حركة عين ماضيه فعين مضارعه، فقالوا: فتحُ ضمٍ، فتحُ كسرٍ، فتحتان: كسر فتحٍ، ضم ضمٍ، كسرتان.
القياس في بعض أبواب الثلاثي
*قول من قال بإطلاق القياس في بعض أبواب الثلاثي:
стр. 255
قال كثيرون بإطلاق القياس في بعض أبواب الثلاثي لازمة ومتعدية. فقد ذهب أبو العباس بن محمد بن يزيد المبرد (٢٨٥هـ) ، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (٢٩١هـ) . إلى جواز الكسر والضم في مستقبل (فَعَل) المفتوح العين، في جميع الباب، كما جاء في المخصص لابن سيده (١٤/ ١٢٤) .
وقال ابن درستويه (٣٤٧هـ) : في شرح الفصيح: "كل ماكان ماضيه على فَعَلت بفتح العين، ولم يكن ثانية ولا ثالثة من حروف اللين ولا الحلق، فإنه يجوز في مستقبله يفعلُ بضم العين ويفعِل بكسرها، كضرب يضرب وشكر يشكر، وليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا فيه عند العرب إلا الاستحسان والاستخفاف"، كما جاء في المزهر للسيوطي (٦/ ١٢٥ ـ ط/ ١٣٢٥هـ) .
ونحا أبو علي الفارسي هذا النحو (٣٧٧هـ) ، فقد جاء في المخصص لابن سيده (١٤/١٢٣) : "قال أبو علي هذان المثالان، يفعل بالكسر ويفعل بالضم، جاريان على السواء في الغلبة والكثرة، قال أبو الحسن يفعل بالكسر أغلب من يفعل بالضم. قال أبو علي: وذلك ظن، إنما توهم ذلك من أجل الخفة فحكم أن يفعل بالكسر أكثر من يفعل بالضم، ولا سبيل إلى حصر ذلك فيعلم أيهما أكثر وأغلب، غير أنا كلما استقرينا باب فعل المفتوح العين الذي يعتقب عليه المثالان يفعل بالكسر، ويفعل بالضم، وجدنا الكسر فيه أفصح وذلك للخفة كقولنا: خفق الفؤاد يخفق بالكسر ويخفق بالضم، وحجل الغراب يحجل ويحجل، وبرد الماء يبرد ويبرد، وسمط الجدي يسمطه ويسمطه، وأشباه ذلك مما تقصَّاه متقنو اللغة كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيد وابن السكيت وأحمد بن يحيى، فهذا مذهب أبي علي في يفعل بالكسر ويفعل بالضم..."، وقال ابن سيده: "وحكى عن محمد بن يزيد وأحمد بن يحيى أنه يجوز الوجهان في مستقبل فَعَل في جميع الباب".
стр. 256
وجاز ابن جني (٣٩٢هـ) ، مجاز هؤلاء، لكنه اعتد (يفعل) بالكسر هو الأصل، و (يفعل) بالضم فرعاً عليه، قال ابن جني في الخصائص (٣/ ٨٦) : "ومن ذلك ما يبيحه القياس في نحو يضرب ويجلس ويدخل ويخرج من اعتقاب الكسر والضم على كل واحدة من هذه العيون، وأن يقال يخرج بالضم ويخرج بالكسر، ويدخل بالضم ويدخل بالكسر، قياساً على ما اعتقب عليه الحركتان معاً، نحو يعرش بالكسر ويعرش بالضم، ويشنق ويشنق ويخلق ويخلق بالضم والكسر في كل منها، وإن كان الكسر في عين المضارع فَعَل بالفتح أولى من يفعل بالضم، لما قد ذكرنا، في شرح تصريف أبي عثمان، فإنهما على كل حال مسموعان أكثر السماع في عين مضارع فَعَل، فاعرف ذلك ونحوه مذهباً للعرب، فمهما ورد منه فتلقه عليه".
وقد علل ابن جني رجحان الكسر في مضارع (فَعَل) المفتوح العين في المنصف فقال (١/ ١٨٥) "أرادوا أن تخالف حركة العين في المضارع حركتها في الماضي، لأن كل واحد منهما بناء على حيال، غير أنهم ألزموا فعل المضموم العين أن تكون العين في مضارعه مضمومة أيضاً كالماضي، لأن هذا بناء على حدته لا يكون متعدياً أبداً، إنما يكون للهيئة التي يكون الشيء عليها. أما البناءان الآخران: فَعَل المفتوح العين، وفعل المكسور العين فيكونان متعديين، فلزموا أن تخالف حركة العين في مضارع كل منهما حركتها في الماضي، وقد استبدل فعل المكسور العين بـ ـ يفعل ـ بفتحها، فكان القياس أن يستبد فَعَل المفتوح العين بـ ـ يفعِل ـ بكسرها. ومن هنا كان يفعل بالضم فيه داخلاً على يفعِل بالكسر"، فجعل الأصل في مضارع (فَعَلَ) ، المفتوح العين يفعِل بكسرها.
*قول من لم يطلق القياس فقصره على مالم يسمع أو يعرف:
стр. 257
ومن الأئمة من قصر القياس في ذلك على مالم يعرف أو يسمع، وإلا فالسماع هو الأصل، فما سمع بالكسر أو بالضم أو بهما معاً أخذ بسماعه. ومالم يعرف أو يسمع أخذ فيه بالقياس فجاز فيه الوجهان، الكسر والضم، وقد يؤثر الكسر لخفته. فقد جاء في المخصص لابن سيده (١٤/ ١٢٣) : "وقال بعض النحويين إذا علم الماضي على فَعَل المفتوح العين، ولم يعلم المستقبل على أي بناء هو، فالوجه أن يجعل يفعِل بالكسر، وهذا أيضاً لما قدّمنا من أن الكسرة أخف من الفتحة، وقيل هما يستعملان فيما لا يعرف". وقد جاء نحو من هذا في شرح المفصل لابن يعيش (٧/ ١٥٢) : "وقال بعضهم إذا عرف أن الماضي على فَعَلَ بفتح العين ولم يعرف المستقبل، فالوجه أن يكون يفعِل بالكسر لأنه أكثر، والكسر أخف من الضم، وقيل هما سواء فيما لا يعرف".
وكان ابن عصفور (٦٦٣هـ) ، قد أطلق القياس، فردّ قوله أبو حيان الأندلسي (٧٤٥هـ) ، ورد الأمر إلى السماع ما عرف السماع. فقد جاء في المزهر للسيوطي (٢/ ٢٥) : "وقال ابن عصفور يجوز الأمران إن سمعا أو لم يسمعا. قال أبو حيان والذي يختار إن سمع وقف مع السماع، وإن لم يسمع فأشكل جاز يفعل بالكسر ويفعل بالضم ... "، وحكى الفيومي في المصباح نحواً من هذا فقال: "وإن لم يسمع في المضارع بناء فإن شئت ضممت وإن شئت كسرت"، وأردف: "إلا الحلقي العين أو اللام فالفتح للتخفيف، وإلحاقاً بالأغلب"، وقد علل ابن جني فتح العين في مضارع (فَعَل) المفتوح العين، إذا كان حلقي العين أو اللام، في كتابه (التصريف /٦٨) ، فقال: "ومن ذلك أيضاً قولهم فَعَلَ يفعل بفتح العين فيهما، فيما عينه أو لامه حرف حلقي نحو سأل يسأل وقرأ يقرأ وسعر يسعر وقرع يقرع وسحل يسحل وسنح يسنح، وذلك لأنهم ضارعوا بفتحة العين في المضارع جنس حرف الحلق، لما كان موضعاً منه مخرج الألف التي منها الفتحة".
*قول من قصر القياس على ما لم يشتهر وهو أبو زيد:
стр. 258
توسط جماعة بين من أطلق القياس في مضارع فعل المفتوح العين فأجازوا فيه كسر العين وضمها، ومن قصر القياس في ذلك على ما لم يسمع، فقالوا بقياس مالم يشتهر سمع أم لم يسمع، وأول هؤلاء أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (٢١٥هـ) .
فقد جاء في المزهر للسيوطي (٢/ ٦٢ ـ ط ١٣٢٥هـ) : "والثلاثي الصحيح ثلاثة أضرب فَعَلَ بالفتح وفعُل بالضم وفعِل بالكسر، فما كان على فَعَل بالفتح من مشهور الكلام مثل ضرب ودخل فالمستقبل فيه على ما أتت به الرواية وجرى على الألسنة نحو يضرب بالكسر ويدخل بالضم، وإذا جاوزت المشهور فأنت بالخيار، إن شئت قلت يفعِل بالكسر، وإن شئت قلت يفعُل بالضم، هذا قول أبي زيد، إلا ما كان عين الفعل أو لامه أحد حروف الحلق فإنه يأتي على يفعَل بالفتح، إلا أفعال يسيرة جاءت بالفتح والضم مثل جنح ودبغ، وأفعال بالكسر مثل هنأ يهنئ ونزع ينزع". ولم يذهب أبو زيد إلى ما ذهب إليه حتى طاف في القبائل يتعرَّف في ما يجري على ألسنتها في مستقبل (فَعَل) المفتوح العين. قال أبو زيد: "طفت في عليا وتميم مدة طويلة أسأل عن هذا الباب صغيرهم وكبيرهم لأعرف ماكان منه بالضم أولى، وماكان بالكسر أولى، فلم أجد لذلك قياساً، وإنما يتكلم به كل امرئ منهم على ما يستحسن ويستخف لا على غير ذلك"، وأردف: "وقد يلتزمون أحد الوجهين للفرق بين المعاني في بعض ما يجوز فيه الوجهان ـ المزهر ـ ١/ ١٥٢ ـ ط / ١٣٢٥هـ".
وقد أشار ابن سيده إلى مذهب أبي ز يد هذا في المخصص حين حكى ما انتحاه قوم من النحويين في هذا الصدد فقال: "إن ما كثر استعماله على يفعِل بالكسر وشهر لم يجز فيه ما استعمل على غير ذلك نحو ضرب يضرب بالكسر وقتل يقتُل بالضم، ومالم يكن من المشهور جاز فيه الوجهان ـ ١٤ / ١٢٤".
*الإمام الرضي ومذهب أبي زيد:
стр. 259
وقد بحث الرضي في شرح الشافية مضارع (فَعَل) المفتوح العين، فقال (١/ ١١٧) : "قياس مضارع فَعَل المفتوح عينه إما بالضم أو الكسر"، ويعني هذا أن الرضي قد قال بالسماع فمضارع فَعَلَ المفتوح العين إما بالضم أو الكسر، والحكم في ذلك للرواية. ثم ذكر مذهب أبي زيد فقال: "وتعدَّى بعض النحاة وهو أبو زيد، وقال: كلاهما قياس وليس أحدهما أولى به من الآخر، إلا أنه ربما يكثر أحدهما في عادة ألفاظ الناس حتى يطرح الآخر ويقبح استعماله، فإن عرف الاستعمال فذاك وإلا استعملا معاً، وليس على المستعمل شيء"، فدل هذا على أن أبا زيد قد تعدى السماع إلى القياس فأجاز الكسر والضم في مضارع فعل المفتوح العين، لكنه استدرك فاستثنى من القياس ماليس معروفاً، ولا يعرف الاستعمال إلا بالاشتهار، فإن عرف الاستعمال فلا قياس وإن لم يعرف أي يشتهر كنت في الخيار بين الوجهين، ولكن ما ضابط الشهرة هذه في الرواية.
*ضابط الشهرة في مذهب أبي زيد:
стр. 260
أقول كان التعويل على الشهرة محل رعاية يوم بدئ بتدوين اللغة بظهور المعاجم. فقد عاش أبو زيد في أواخر القرن الثاني للهجرة وتوفي في أوائل القرن الثالث (ـ ٢١٥هـ) ، وبدأ الرواد بوضع معاجمهم منذ أواخر القرن الثاني وحتى أواخر القرن الرابع. فقد وضع معجم العين للخليل (ت ١٧٠ هـ) ، ويعد الخليل رائداً في وضع المعاجم العربية، وتلا (العين) معاجم في المعاني والموضوعات وأخرى في الألفاظ والمفردات. ومما ألف في الألفاظ والمفردات الجمهرة لابن دريد (ـ ٣٢١هـ) ، وديوان الأدب للفارابي (ـ ٣٥٠ هـ) ، والبارع لأبي علي القالي (ـ ٣٥٦هـ) ، والأفعال لابن قوطية (ـ ٣٦٧هـ) . والتهذيب للأزهري (ـ ٣٧٠ هـ) ، ثم الصحاح للجوهري (ـ ٣٩٣هـ) ، والمقاييس والمجمل لابن فارس (ـ ٣٩٥ هـ) . وإذا كان الأوائل من هؤلاء قد عولوا غالباً على التمييز بين المشهور وغير المشهور من اللغات المسموعة عامة، وأشاروا إلى غير الثابت غالباً ولم يشيروا إليه حيناً، فقد عوَّل الجوهري من المسموع على الصحيح الثابت مشهوراً كان أو غير مشهور، وأسمى معجمه (الصحاح) . قال السيوطي في المزهر (١/ ٦٠ ـ ط = ١٣٢٥هـ) : "وغالب هذه الكتب لم يلتزم فيها مؤلفوها الصحيح، بل جمعوا فيها ما صحَّ وغيره، وينبهون على مالم يثبت غالباً، وأول من التزم الصحيح مقتصراً عليه الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، ولهذا سمَّى كتابه: "الصحاح"، وهكذا أصبح الصحيح الثابت لديه، هو المسموع المعوَّل عليه. وقد فعل ابن فارس في مجمل ما فعل الجوهري في صحاحه.
стр. 261
وإذا كان ابن القوطية قد أخذ بمقالة أبي زيد حين قال في مقدمة كتابه (الأفعال) : "فما كان منه على فَعَل من مشهور الكلام مثل ضرب ودخل، فالمستقبل منه على ما أتت فيه الرواية وجرى على الألسنة: يضرب بالكسر ويدخل بالضم، وإذا جاوزت المشهور فأنت بالخيار، إن شئت قلت يفعِل بالكسر ويفعُل بالضم، هذا قول أبي زيد ... "، فقد اهتم الأئمة بعد بما ثبت وصحَّ من المسموع فعرف، قال ابن يعيش في شرح المفصل (٧/ ١٥٢) : "وقال بعضهم إذا عرف أن الماضي على فَعَل بفتح العين ولم يعرف المستقبل، فالوجه أن يكون يفعِل بالكسر لأنه أكثر، والكسر أخف من الضم، وقيل هما سواء فيما لا يُعرف". وقال ابن عصفور: "يجوز الأمران إن سمعا أو لم يسمعا"، فقال: أبو حيان الأندلسي:"والذي يختار إن سمع وقف على السماع، وإن لم يسمع فأشكل جاز يفعل بالكسر ويفعل بالضم"، وكذلك فعل الفيومي في المصباح إذ قال:"وإن لم يسمع في المضارع بناء فإن شئت ضممت وإن شئت كسرت.."، وقد تقدم ذكر ذلك.
стр. 262
الفعل تعريفُه وأقسامه وأبوابه وشأنه في التعبير
تقدم الكلام في العدد السابق من المجلة على الفعل (تعريفه وأقسامه وأبوابه) ، فعرّفت الفعل بالمثال وبدلالتيه الحدث والزمن، كما عرّفته بشأنه في الإسناد وبعلاماته، وأضفت إلى ذلك الكلام على أزمنة الفعل: الماضي والمضارع والأمر، وعلى الفعل الدائم. ثم انتهيت إلى أبواب الفعل والقياس في بعضها، والخلاف بين إطلاق هذا القياس وقصره على ما لم يُسمع.
وها نحن أولاء نتابع البحث في قياس أبواب الفعل: قياس المتعدّي واللازم، وقياس ما كان ثانيه أو ثالثه من حروف الحلق، وما جاء مضاعفاً أو كان من أفعال المغالبة، ثم نختم الفصل بالكلام على شأن الفعل في التعبير فنأخذ منه بنصيب، استيفاء للبحث واستجماعاً لأصوله.
ميز قياس الفعل المتعدّي من اللازم
في مضارع فَعَلَ المفتوح العينفرّق جماعة في قياس مضارع (فَعَل) بفتح العين، بين المتعدي واللازم من الأفعال، فجعلوا (يفعلُ) بالضم قياساً للازم و (يفعِلُ) بالكسر قياساً للمتعدي.
قال ابن جني في (المحتسب- ١/٢٨١) : "ومن ذلك قراءة الأشهب العقيلي: فاجنح لها، بضم النون، - الأنفال /٤٢- قال أبو الفتح: حكى سيبويه جنح يجنح بالضم، وهو في طريق ركد يركد وقعد يقعد وسفل يسفل، بضم عين مضارعها، في قربها ومعناها. ويؤيد ذلك أيضاً ضرب من القياس وهو أن جنح غير متعد، وغير المتعدي الضم أقيس فيه من الكسر، فقعد يقعد أقيس من جلس يجلس، وذلك أن يفعل بالضم باب لماضيه فعُل بالضم نحو شرف يشرُف. ثم أُلحق به قعد. وباب يفعِل بالكسر باب لما يتعدى نحو ضرب يضرب بالكسر، فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل، كما أن قعد يقعد أقيس من جلس يجلس، وقد تقصيت هذا الفريق في كتابي المنصف - ص /١/ ١٥٨- وما بعدها". وأكد ابن جني مذهبه هذا في الخصائص أيضاً (١/٣٨٥-ط/ ١٩١٣) .
وقال ابن يعيش في شرح المفصل (٧/١٥٣) : "وقيل أن الأصل في مضارع المتعدي الكسر نحو يضرب، وأن الأصل في مضارع غير المتعدّي الضم نحو سكت يسكت وقعد يقعد، هذا هو مقتضى القياس". ثم استدرك فقال: "إلا أنهما قد يتداخلان فيجيء هذا في هذا، وربما تعاقبا على الفعل الواحد نحو عرش يعرش بالكسر ويعرش بالضم، وعكف يعكف بالكسر ويعكف بالضم، وقد قرئ بهما".
ما يستحب الأخذ به من قياس مضارع فعَلَ المفتوح العين
إذا كان متعدياً أو لازماً
ويمكن أن يقال بعدما تقدم من الكشف عن مختلف المذاهب في قياس مضارع فعل المفتوح العين أن المستحب أن ينظر إلى المضارع فإذا عرف فيه الكسر أو الضم أخذ به سماعاً، على أن يضاف إلى هذا وجه من القياس.
стр. 263
تقول قتله يقتله بالضم لأنه السماع وتضيف إليه يقتله بالكسر لأنه قياس المتعدي فيكون للفعل وجهان: سماعي بالضم وقياسي بالكسر. وتقول جلس بالكسر لأنه السماع وتضيف إليه يجلس بالضم لأنه قياس اللازم، فيكون لمضارع جلس وجهان: سماعي بالكسر وقياسي بالضم. وكلما صح في الفعل وجهان سماعي وقياسي، كان الوجه الذي قضى به السماع هو الأولى، ولا يعدّ الآخذ بالوجه الآخر مخطئاً.
فإذا طابق القياس السماع كان للفعل وجه واحد لا يتجاوزه. تقول سجد يسجد بالضم وحده لأنه السماع فيه، وهو القياس كذلك للزوم الفعل. وهكذا خرج يخرج فليس فيه إلا الضم. وتقول ضرب يضرب بالكسر وحده لأنه السماع، وهو القياس أيضاً لتعدّيه. وكذلك كَسَر فليس فيه إلا يكسر بالكسر لأنه السماع، وهو القياس لتعدّيه.
وقد شاع على ألسنة الكتَّاب قولهم (يعذُر) بالضم، وتعقّبهم في ذلك الأستاذ محمد العدناني، في معجم الأخطاء الشائعة، واعتدّ الصواب (يعذر) بالكسر. أقول القياس في هذا الكسر لتعدّيه، وقد اقتصر على الكسر الجوهري في الصحاح. ولكن سمع الضم أيضاً. قال ابن سيده في المخصص (١٣/٨١) : "عذرته أعذره بالكسر وأعذره بالضم عذراً أو معذرة بكسر الدال ومعذرة بفتحها، حكاه سيبويه". وجاء في القاموس واللسان نحو من ذلك فثبت بذلك صواب قولك (يعذره) بالضم، لورود السماع به، وإن رجح عليه الكسر لأنه السماع والقياس.
стр. 264
وثمة (حشره) فقد جاء مضارعه بالكسر فقيل (يحشره) ، وبالضم فقيل (يحشُره) . ففي الصحاح: "وحشرت الناس أحشرهم بالكسر وأحشرهم بالضم حشراً جمعتهم، ومنه يوم الحشر". وفي المختار: "حشرت الناس جمعتهم وبابه ضرب ونصر ومنه يوم الحشر". وجاء في التنزيل "يوم يحشرهم جميعاً- الأنعام/ ١٢٨" بضم الشين، وقرأ بعضهم بكسرها، وذكر ابن عطية أن ذلك، أي الكسر، قليل في الاستعمال قوي في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين، وقد عقب على ذلك أبو حيان الأندلسي بأنه فعل المتعدي، الصحيح جميع حروفه، إذا لم يكن للمبالغة ولا حلقي عين ولا لام، فإنه جاء على يفعِل بالكسر ويفعل بالضم كثيراً، فإن شهر أحد الاستعمالين اتبع وإلا فالخيار، حتى إن بعض أصحابنا خير فيهما سُمعا للكلمة أو لم يسمعا.
وعلى ذلك فثمة مذاهب ثلاثة: مذهب ابن عطيّة القائل بقياس الكسر في المتعدّي، والضم في اللازم إذا لم يخالفهما سماع، ويستنبط منه أنه إذا خالفهما سماع ضُم إليه القياس بضم العين في لازمه وكسرها في متعديه وهو ما رأينا الأخذ به. وابن عطية هذا هو عبد الحق بن غالب.. ابن عطية المحاربي الغرناطي- (٤٨١-٥٤١هـ) العالم المشارك في الفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة وصاحب الجامع المحرر والصحيح الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ومذهب أبي حيان الأخذ بالسماع، فإذا لم يعرف تساوى الوجهان في المضارع عامة. وأبو حيان هذا هو أبو عبد الله.. ابن حيان الأندلسي الغرناطي (٦٥٤-٧٤٥) العالم المشارك صاحب التفسير المسمى بالبحر المحيط وشرح التسهيل والارتشاف.
ومذهب ثالث في الأخذ بقياس الوجهين جميعاً عرف في المضارع السماع أم لم يعرف.
стр. 265
وقد وطأ للأخذ بالمذهب الأول جماعة منهم ابن جني، كما تقدم. قال ابن جني في الخصائص (١/٣٨٥) : "وأنا أرى أن يفعل بالضم فيما ماضيه فعَل غير المتعدي أقيس من يفعل بالكسر، فضرب يضرب إذاً أقيس من قتل يقتل، وقعد يقعد أقيس من جلس يجلس" وعلل ذلك فقال: "وذلك أن يفعُل بالضم إنما هي في الأصل لما لا يتعدى نحو كرم يكرم، على ما شرحنا من حالها، فإذا كان كذلك كان أن يكون في غير المتعدي فيما ماضيه فعل أولى وأقيس..".
قياس مضارع فعل المفتوح العين
إذا تعاقب على الفعل الواحد التعدي واللزوم
إذا اتفق لفعل أن يأتي لازماً ومتعدياً، ويجيء مضارعه مضموم العين ومكسورها، فالضم للازم والكسر للمتعدي، هذا قياس ما وطأ له ابن جني. قال ابن جني في المحتسب (١/٩٢) : "قد بينا في كتابنا المنصف، وهو تفسير تصريف أبي عثمان، أن باب فعل المفتوح العين المتعدي أن يجيء على يفعل مكسور العين كضرب يضرب وحبس يحبس، وباب فعل المفتوح العين غير المتعدي أن يكون يفعُل مضموم العين كقعد يقعد وخرج يخرج، وإنهما يتداخلان فيجيء هذا في هذا، كقتل يقتل بالضم وجلس يجلس بالكسر، إلا أن الباب ومجرى القياس على ما قدمناه. فهبط يهبط بالضم على هذا، أقوى قياساً من يهبط بالكسر، فهو كسقط يسقط، لأن هبط غير متعدّ في غالب الأمر كسقط". ومضى ابن جني في تفسير قوله تعالى: "وإن منها لما يهبط من خشية الله- البقرة/ ٧٤" فقال: "وقد ذُهب في هذا الموضع، إلى أن هبط هنا متعد.. وقد جاء هبطته متعدياً كما ترى. قال:
ما راعني إلا جناح هابطاً على البيوت قوطه العُلا بطا
стр. 266
-جناح اسم راعٍ، والقوط: القطيع من الغنم، والعلابط جمع علبطة: القطيع لا يقل عن خمسين –وأعمله في القوط. فعلى هذا نقول: هبط الشيء وهبطته، وهلك الشيء وهلكته ... وإذا كانت كذلك وكانت هبط هنا قد تكون متعدية فقراءة الجماعة لما يهبط بكسر الباء أقوى قياساً من يهبُط بالضم، لأن معناه لما يهبط مبصره ويحطه من خشية الله. ومن ذهب فيه إلى أن يهبط غير متعد فكأنه قال: وإن منها ما لو هبط شيء غير ناطق من خشية الله لهبط هو، لا أن غير الناطق تصح منه هذه الخشية".
أقول إذا عدنا إلى تمام الآية: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (
وجدنا أن (يهبط) في الآية قد جاء بالكسر، وقرئ بالضم أيضاً. ومعنى الآية "أن الحجارة تتأثر وتنفعل، فإن منها ما يتشقق فيقع مِنْهُ الماء وتتفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقياداً لما أراد الله تعالى به. وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى. والتفجر التفتح بسعة وكثرة، والخشية مجاز من الانقياد ... " كما قاله البيضاوي في تفسيره.
وهكذا حاول ابن جني، فيما تقدم من كلامه في المحتسب (١/٩٢) ، أن يصرف القول إلى أن قراءة (يهبط) في الآية بالكسر إنما تنم على تعدّي الفعل، وبالضم على لزومه. فإذا صح قياس ابن جني هذا في فعَل المفتوح العين، مما تعاقب عليه اللزوم والتعدي وسمع في مستقبله الضم والكسر، خص الكسر بمستقبل المتعدي منه، والضم بمستقبل غير المتعدي. ومن هذا قولك هدر الدم فإنه من بابي ضرب وقتل، وهو يتعدى ولا يتعدى، فالكسر لمستقبل المتعدي والضم لمستقبل غير المتعدي، فإذا سمع في الفعل الكسر وحده كنزف أضيف الضم إلى مضارع اللازم منه. أو سمع الضم وحده كنقص الشيء أو قطر الدم أضيف الكسر إلى المتعدي.
نص المعاجم فيما جاء مضارعه بالكسر والضم وكان متعدياً ولازماً
стр. 267
درجت المعاجم على الأخذ بما ثبت لها بالرواية والاقتصار عليه. ففي مادة (هبط) ذكر الصحاح أوزان مصدره لازماً ومتعدياً وسكت عن باب الفعل فلم يشر إلى حركة العين في مضارعه، وقد اعتاد أن يشير إلى ذلك غالباً حين يصح في مضارع الفعل الكسر والضم إذ قال مثلاً عكفه أي حبسه ووقفه بعكفه بالكسر ويعكفه بالضم عكفاً، كما قال: وفسق الرجل يفسق بالضم ويفسق بالكسر أيضاً عن الأخفش فسقاً وفسوقاً أي فجر. أما في (هبط) فقد قال الجوهري "هبط هبوطاً نزل وهبطه هبطاً أي أنزله، يتعدى ولا يتعدى". فتدارك ذلك الرازي في مختار الصحاح فجعل الكسر لعين المضارع اللازم والمتعدي على السواء، فقال: "هبط نزل وبابه جلس وهبطه أنزله وبابه ضرب، يتعدى ويلزم" وأهمل الرازي رواية الضم في عين المضارع على ثبوت حكاية الضم في الآية. وتدارك ذلك الفيومي في مصباحه فقال: "هبط الماء ونحوه هبطاً من باب ضرب ونزل" فهو إذاً بالكسر والمصدر على الهبط والهبوط، إذا كان لازماً وأردف: "وفي لغة قليلة يهبط هبوطاً من باب قعد" فخص اللازم بالضم في لغة قليلة، أما الكسر فلهما جميعاً، إذ قال: "وهبطته أنزلته يتعدى ولا يتعدى".
شرط مجيء الفعل على فعَل يفعَل
بفتح العين فيهما
ذهب جمهرة النحاة إلى أن ما جاء على فعَل بفتح العين فيهما، وهو ما أسموه (الباب الثالث) فشرطه أن تكون عينه أو لامه من حروف الحلق، هذا هو القياس، وقد شذ من ذلك أحرف معلومة. قال ابن خالويه في شرح المقصورة الدريدية، على ما حكاه السيوطي في المزهر (٢/٦٠) : "قال ابن خالويه في شرح المقصورة: ليس في كلام العرب فعل يفعل بفتح الماضي والمستقبل، إلا إذا كان فيه أحد حروف الحلق عيناً أو لاماً نحو سحر يسحر، وليس فيه أحد حروف الحلق عيناً أو لاماً، في خمسة أحرف: عشى يعشى وقلى يقلى وجبى يجبى وركن يركن، فقل في ذلك خلاف، وأبى يأبى لا خلاف بين النحويين فيه فلذلك خُص بالذكر".
стр. 268
ويفهم مما تقدم أن ما جاء على (فعل يفعل) بفتح الماضي والمستقبل، لا بد أن تكون العين أو اللام فيه من حروف الحلق، إلا أمثلة شذت. وقد أجمع النحويون على شذوذ مثال واحد هو (أبى يأبى) واختلفوا فيما بقي منها فأولوه.
وجاء في المخصص لابن سيده (١٤/١٢٥) : "وقد ذكر سيبويه أنه جاء حرف واحد على فعل يفعل بفتح العين هو أبى يأبى، وليس عينه ولا لامه حرفاً من الستة، وأردف "وقال بعض النحويين شبهوا الألف بالهمزة لأنها من مخرجها، وهو شاذ ليس بأصل، وزاد ابن السكيت عن أبي عمرو: ركن يركن..".
وقد جاز ابن جني هذا المجاز فلم يعتد بشذوذ الأمثلة التي جاءت في الظاهر على غير القياس، ذلك أنها لم تكن من أصل اللغة، ولو بدت كذلك، بل اتهم من قال بشذوذها بضعف النظر، حين وقفوا من الأمثلة عند الظاهر. ولم يتجاوزوه إلى أصولها الأولى.
قال ابن جني في باب (تركب اللغات) من الخصائص (١/٣٧٩) : "اعلم أن هذا موضع قد دعا أقواماً ضعف نظرهم، وخفت إلى تلقي ظاهر هذه اللغة أفهامهم، أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم وادعوا أنها موضوعة من أصل اللغة..". وقد ذكر مما قيل بشذوذه: قلى يقلي وسلى يسلي وعشى يعشى وجبى يجبى وركن يركن وقنط يقنط، ومضى في تخريجها على الأصل فقال: (١/٣٨١) : "إنهم قد قالوا قليت الرجل بالفتح وقليته بالكسر. فمن قال قليته بالفتح فإنه يقول أقليه بالكسر. ومن قال قليت الرجل بالكسر قال أقلاه بالفتح، وكذلك من قال سلوته بالفتح قال أسلوه بلاضم، ومن قال سليته بالكسر قال أسلاه بالفتح" وأردف: "ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا، وهذا لغة هذا، فأخذ كل منهما من صاحبه ما ضم إلى لغته فتركب هناك لغة ثالثة، كأن من يقول سلا بالفتح أخذ مضارع من يقول سلي بالكسر فصار في لغته سَلَى يسلَى بالفتح فيهما".
стр. 269
وهكذا حكى ابن جني لعشى يعشى لغتين: عشا يعشو كسلا يسلو بفتح الماضي وضم المضارع وعشي يعشى بكسر الماضي وفتح المضارع، فكان ثمة من قال عشى يعشى بالفتح فيهما".
أما جبى فقد حكى لماضيه المفتوح يجبي بالكسر، ثم حصل جبى على قرأ وهدأ تشبيهاً للألف بالهمزة لأنها من مخرجها، كما حمل مضارعه على يقرأ فكان له جبى يجبى بالفتح فيهما، وكذلك فعل في (أبى يأبى) .
وأما ركن يركن فقد حكى فيه لغة كنصر ينصر وأخرى كعلم يعلم، ثم أخذ مستقبل هذه وضمه إلى ماضي تلك فكان منهما ركن يركن بالفتح فيهما.
وهكذا فعل في قنط يقنط إذ حكى فيه لغة على جلس يجلس وأخرى على تعب يتعب فكان منهما قنط يقنط بالفتح (١/٣٨١-٣٨٦) ، قال ابن جني: "وكذلك حال قولهم قنط يقنط بالفتح فيهما، إنما هما لغتان تداخلتا، وذلك أن قنط يقنط بفتح الماضي وكسر المضارع لغة، وقنط يقنط بكسر الماضي وفتح المضارع لغة أخرى، ثم تداخلتا فتركبت لغة ثالثة، فقال من قال قنط يقنط بالفتح فيهما، ولم يقولوا قنط يقنط بالكسر فيهما، لأن آخذاً إلى لغته لغة غيره قد يجوز أن يقتصر على بعض اللغة التي أضافها إلى لغته دون بعض".
فثبت بما تقدم أن ما جاء على (فعل يفعل) بفتح العين فيهما، لا بد أن تكون العين أو اللام فيه من حروف الحلق، وقد شذ من ذلك أحرف اجتهد النحاة في تأويلها وتخريجها. وقد جاء نحو من ذلك في أمالي ابن الشجري (أبو السعادات هبة الله بن علي – ٥٤٢هـ) . (ج١-ص/١٧١-١٧٤) . ولكن هل يصح العكس في ذلك أي هل يشترط فيما كانت عينه أو لامه حرفاً من حروف الحلق أن يجيء بالفتح على (فعل يفعل) بالفتح فيهما فيكون من الباب الثالث.
قياس مضارع ما جاء على فَعَل
إذا كان ثانيه أو ثالثه من حروف الحلق
стр. 270
أقول إذا جعل الشرط في المسألة مجيء الفعل من الباب الثالث، بفتح ماضيه ومستقبله، كان المشروط مجيء العين أو اللام فيه من حروف الحلق، وليس يستلزم إذا ثبت المشروط، وهو وجود حرف الحلق، أن يثبت الشرط، وهو مجيء الفعل من الباب الثالث. فشرط قيام الصلاة، فيما مثلوا، وجود الوضوء، ولا يستلزم وجود الوضوء قيام الصلاة. ولذا قيل أن مجيء ما كانت عينه ولامه من حروف الحلق، على (فعل) بفتح العين، لا يستلزم أن يكون مضارعه على (يفعَل) بفتح العين، ولكن يكثر.
قال ابن سيده في المخصص (١٤/١٢٥) : "وقد يكون الآتي من فعَل يفعل بفتح العين فيهما، إذا كانت لامه أو عينه حرفاً من حروف الحلق، وليس هذا الموضع كلياً.
стр. 271
بل قد يجيء مما عينه ولامه حرف من حروف الحلق على القياس كثيراً". فقول ابن سيده: قد يكون الآتي أي المضارع من فعل يفعل بفتح العين فيهما إذا كانت لامه أو عينه حرفاً من حروف الحلق وليس هذا الموضع كلياً، قوله هذا يعني أن مجيء حرف الحلق في (فَعَل) المفتوح العين، لاماً أو عيناً، لا يقتضي فتح العين في مضارعه باطراد. قال ابن سيده: "وبعض ذلك على الأصل على فعَل يفعِل بالكسر أو يفعُل بالضم". وقد ذكر مما جاء مضارعه على الكسر وكانت عينه أو لامه حرف حلق (تحت ينحت وصهل يصهل ورجع يرجع) ومما جاء على الضم (قعد يقعد وشجب يشجب) ، وأردف: "وذلك كثير". وذكر سيبويه الكثير مما جاءت عينه أو لامه من حروف الحلق من (فعَل) المفتوح العين، وكان مضارعه بالكسر وبالضم (٢/٢٥٣) . وقول ابن سيده "وبعض ذلك على الأصل" يعني أن الأصل أن تغاير حركة المضارع حركة الماضي، فإذا اتفقت الحركتان كان ذلك لقصد. قال ابن جني في تغاير حركتي الماضي والمضارع في الأصل، واتفاقهما حيناً: "فإن قلت فقد نجد في الثلاثي ما تكون حركة عينيه في الماضي والمضارع سواء، وهو من باب فعُل يفعل بالضم نحو كرم يكرم وظرف يظرف، قيل على كل حال فاؤه في المضارع ساكنة، وأما موافقة حركة عينيه فلأنه ضرب قائم في الثلاثي برأسه، ألا تراه غير متعدّ البتة. وأكثر باب فعَل بالفتح وفعِل بالكسر متعدّ، فلما جاء هذا مخالفاً لهما، وهما أقوى وأكثر منه، خولف بينهما وبينه، فوفق بين حركة عينيه وخولف بين حركتي عينيهما". وأردف: "إذا ثبت وجوب خلاف صيغة المضارع، وجب أن يكون ما جاء من نحو سلى يسلى وقلى يقلى بالفتح، مما التقت فيه حركتا عينيه منظوراً في أمره- /٣٨١/ الخصائص". وقد ذكر ابن جني نحواً من ذلك في كتابه (المنصف- ١/١٨٥) .
стр. 272
ولكن لم كان الغالب في مضارع ما جاء من (فعَل) مفتوح العين، مفتوح العين كماضيه، إذا كانت عين الفعل أو لامه من حروف الحلق؟ أقول قد اعتل بعضهم لذلك بثقل الضمة والكسرة، إلى ثقل حروف الحلق، فتفادوا من الجمع بين الثقلين بإبدال الفتحة من أختيها وهي أخف الحركات، جاء ذلك في تلخيص الأساس في شرح البناء لعلي بن عثمان (ص/ ٢١) . وهو علي بن عثمان الأقشهري المتوفى (١٢٨٥هـ) واعتل ابن جني لذلك بعلة أخرى إذ قال في الخصائص (١/٥٣٥) : "ومن ذلك أيضاً قولهم فعَل يفعَل بفتح العين وسحل يسحل وسبح يسبح، وذلك لأنهم ضارعوا بفتحة العين في المضارع جنس حرف الحلق، لما كان موضعاً منه مخرج الألف التي منها الفتحة".
حروف الحلق:
حروف الحلق ستة هي (الهمزة والهاء) و (العين والحاء) و (الغين والخاء) . وقد ضم بعضهم إليها (الألف) ، كما فعل الشاطبي أبو القاسم (٥٩٠هـ) فجعلها سبعة خلافاً للجمهور. ذلك أن الجمهور على أن الألف كما قال الجزري شمس الدين محمد ابن محمد (٨٣٣هـ) مع أختيها الواو والياء، إنما هي حروف الجوف الثلاثة إذا سكنت وسبقتها حركة مجانسة، أي الفتح قبل الألف والضم قبل الواو والكسر قبل الياء.
وقد جاء في تلخيص الأساس لعلي بن عثمان: "وقيل سبعة سابعها الألف لكن الجمهور لم يقل به. قال المرعشي، ﵀، في جهد المقلّ: وقع في بعض الرسائل أقصى الحلق ينقسم إلى ثلاثة مواضع يخرج من ثالثها الألف المدّية، أي ألف المدّ. قلت ما ذكر فيه من الأقسام صحيح، لكن جعل الموضع الثالث مخرج الألف المدّية مجاز، وإنما هو مبدأ صوته، والجمهور لما لم يقولوا بهذا المجاز، بل جعلوا حروف المدّ جوف الحلق سلكت مسلكهم"، وأردف: "وإنما سميت حروف الحلق لخروجهن من الحلق.
стр. 273
فالأولان، الهمزة والهاء، يخرجان من أقصى الحلق أي أبعدها من الفم، وهو ما ولي الصدر، والمتوسطان: العين والحاء، من وسط الحلق، والآخران: الغين والخاء من أدنى الحلق، أي أقرب إلى الفم، وهو أوله مما يلي الفم، على ما في شرح الجزري – ص/ ٢١ و ٢٢".
قياس يفعل فيما جاء من الثلاثي مضاعفاً
ذهب كثير من الأئمة كوفيين وبصريين إلى أن مضارع ما جاء من الثلاثي مضاعفاً إنما يكون مضموم العين إذا كان الفعل متعدياً، وبالكسر إذا كان لازماً، خلافاً لما تقرر غالباً، في غير المضاعف من الثلاثي. ومن ذلك ما قاله الفراء أبو زكريا يحيى بن زياد، شيخ الكوفة (٢٠٧هـ) . فقد جاء في الصحاح (مادة شد) : "قال الفراء ما كان على فعلت من ذوات التضعيف غير واقع، أي غير متعد، فإن يفعل منه مكسور العين مثل عففت أعف بالكسر، وما كان واقعاً أي متعدياً مثل وددت ومددت فإن يفعل منه مضموم العين إلا ثلاثة أحرف جاءت نادرة، وهي: شدّه يشدّه بالضم ويشدّه بالكسر، وعلّه يعلّه ويعلّه من العلل وهو الشرب الثاني، ونم الحديث ينمه وينمه. قال فإن جاء مثل هذا أيضاً مما لم يسمعه فهو قليل وأصله الضم، وقد جاء حرف واحد بالكسر من غير أن يشركه الضم، وهو حبه يحبه".
وهكذا جعل الفراء القياس في المضاعف من الثلاثي، أن يضم مضارعه إذا كان متعدياً، وأن يكسر إذا كان لازماً. فإذا سمع من المتعدي ما كسرت عين مضارعه، فلا بد أن يكون إلى جانبه ضم العين، كما هو الحال في شدّه وعلّه ونمِّه، ولم يأت بالكسر وحده إلا حرف واحد شاذ، هو حبه يحبه.
وجاء في الصحاح: "يقال أحبه فهو محب، وحبّه يحبه بالكسر فهو محبوب. وهذا شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر إلا ويشركه يفعُل بالضم إذا كان متعدياً، ما خلا هذا الحرف". وفي المصباح. "وحببته أحبه من باب ضرب والقياس أحبه بالضم لكنه غير مستعمل..".
стр. 274
وقد حكى ابن قتيبة عن الفراء ما ذهب إليه (أدب الكاتب/ ٤٧١) وذكر مما جاء باللغتين من المتعدي ما ذكره وزاد: بت الشيء يبته بالضم ويبته بالكسر، كما ذكر مما جاء باللغتين من اللازم، جد يجد ويجد، وشب الفرس يشب ويشب، وجم يجم ويجم وصدّ يصد ويصد بمعنى ضجّ، وشح يشح ويشح، وقال: "وعن أبي زيد فحَّت الأفعى تفحّ وتفحّ".
وهكذا جاء من المتعدي باللغتين ثلاثة أحرف حكاها الفراء، كما تقدم، ورابع حكاه ابن قتيبة عن سواه هو (بتّ) . وجاء باللغتين من اللازم خمسة أحرف هي (جدّ وشبّ وجمّ وصدّ وشحّ) وزاد أبو زيد (فحّ) . فإذا سمع الكسر في المضاعف المتعدّي فالضم إلى جانبه لأنه القياس، أو سمع الضم في اللازم منه فالكسر إلى جانبه، لأنه القياس أيضاً. وحكى ابن السكيت في الإصلاح (٢٤٤هـ) عن الفراء ما حكاه الجوهري وابن قتيبة وقد نحا هذا النحو المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد (٢٨٥هـ) وهو شيخ البصرة، في كتابه الكامل (ص/ ١٠٩٩) ، كما نحاه الفارسي أبو علي الحسن (٣٧٧هـ) في تذكرته، على ما حكاه السيوطي في مزهره (٢/٧١) .
وهكذا فعل ابن جني أبو الفتح (٣٩٢هـ) في الخصائص (١/٣٨٥) ، كما فعله المعرّي أبو العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي (٤٤٩هـ) في رسالة الغفران (ص/ ١٣٧-ط دار كرم دمشق) .
وجرى هذا المجرى ابن الحاجب أبو عمرو عثمان (٦٤٦هـ) في شافيته، وشارحو هذه الشافية ومنهم رضي الدين محمد بن الحسن (٦٨٦هـ) في شرح الشافية (ص/ ٥٢ و ٥٣) .
ويمم سمت هؤلاء جميعاً ابن عصفور علي بن مؤمن الحضرمي الإشبيلي (٦٦٣هـ) في كتابه (الممتع في التصريف/ ١٧٤) . وقد تقدم أنه أخذ بقياس يفعل ويفعل بالكسر والضم في فعل المفتوح العين من الصحيح غير المضاعف، سمع أم لم يسمع.
стр. 275
على أن ممن بسط القول في هذا الموضع ابن القوطية أبو بكر محمد الأندلسي (٣٦٧هـ) في مقدمة كتابه (الأفعال) إذ قال: "والضم يستثقل في المضارع، فما كان منه على فَعَل مفتوح العين متعدياً فإن مستقبله على يفعل بضم العين مثل: ردّه يردّه وشدّه يشدّه، غير أفعال جاءت باللغتين: هرّه يهرّة ويهرّه: كرهه، وعلَّه بالشراب يعله ويعله، وشده يشدّه ويشدّه، وقال الفراء نمّ الحديث ينُمّه وينمه، وبتّ الشيء يبته ويبته. وشذ من ذلك حَبَّ الشيء يحِبُّه بالكسر" وأردف: "وقرأ العطاردي: فاتبعوني يحببكم الله- آل عمران/ ٣١" أي قرأ: يحببكم بكسر عين المضارع من (حبه) المضاعف الثلاثي. والقراءة المشهورة (يحببكم) بضم أوله من أحبه. ثم قال: "وما كان غير متعد فإنه على يفعل بالكسر، غير أفعال أتت باللغتين: شحّ يشح ويشح، وجدّ في الأمر يجد ويجد، وجم الفرس يجمّ ويجمّ، وشب يشب ويشب، وفحت الأفعى تفحّ وتفحّ، وترّت يده تترّ وتترّ، وترّت: غلظت، وطرّت المرأة تطرّ وتطرّ: تدللت في الشيء وفي المثل: أطرّي فإنك ناهلة، وصدّ عني يصدّ ويصدّ، وحدّت المرأة تحدّ وتحدّ: إذا تركت الزينة، وشذّ الشيء يشذ ويشذ، ونسّ الشيء ينسّ وينس إذا يبس، وشطَّت الدار تشط وتشط: بعُدت، ودرّت الناقة وغيرها تدرّ وتدرّ"
стр. 276
ثم استدرك فقال: "وأما ذرّت الشمس وهبت الريح فإنهما على يفعل بالضم، إذ فيهما معنى التعدي وشذ منه أل يؤل بالضم: بَرَق، وألّ الرجل أليلاً: رفع صوته ضارعاً". وفي تأويل مجيء غير المتعدي من المضاعف حيناً بالضم، والقياس فيه الكسر، يقول الفيومي في مصباحه: "وإن كان متعدياً أو في حكم المتعدي فقياس المضارع الضم نحو يردّه ويمدّه ويذب عن قومه ويسدّ الخرق، وذرّت الشمس تذر لأنه بمعنى أنارت غيرها، وهبت الريح تهب، ومدّ النهر إذا زاد يمدّ بالضم لأن معناه ارتفع فغطى مكانه مرتفعاً منه". يريد أن يقول: جاء يذب عن قومه بالضم لأنه بمعنى حمى المتعدّي، كما جاء مدّ النهر بالضم لأنه بمعنى غطى بفيضانه ضفتيه.
ولكن ما علة جريان الثلاثي من المضاعف، في مستقبله، مجرى الضد من غير المضاعف؟ قال ابن جني في الخصائص (١/٣٨٥) : "قيل إنما جاء هذا في المضاعف لاعتلاله، والمعتل كثيراً ما يأتي مخالفاً للصحيح".
وقد عرض الجوهري أبو نصر (٣٩٣هـ) لهذا في صحاحه، فحدّ ما جاء باللغتين من اللازم بسبعة أحرف، ومن المتعدّي بخمسة أحرف، إذ أغفل مما ذكره ابن القوطية من اللازم (شذ ونسّ وشطّ ودرّ وطرّ) لكنه زاد (علّ) ، كما أغفل مما ذكره من المتعدّي (هرّ) ، لكنه زاد (رمّ) . ولم يذكر مما جاء على غير الأصل من المتعدي ألا (حبَّه) وقد ذكره في مادته، ولم يذكر مما جاء على غير الأصل من اللازم، خلافاً لابن القوطية.
على أن من الأئمة من لم يفرّق بين مضاعف وغير مضاعف فقال بغلبة مجيء يفعل بالكسر والضم، فيما كان ماضيه على (فعَل) بفتح العين، وإيثار الكسر فيه لخفته فيما لم يسمع بابه من المضارع.
стр. 277
قال ابن سيده في المخصص (١٤/١٢٣) : "وقال بعض النحويين إذا علم الماضي على فعَل بالفتح، ولم يعلم المستقبل على أي بناء هو فالوجه أن يجعل يفعل بالكسر، وهذا أيضاً لما قدّمت من أن الكسرة أخف من الضمّة، وقيل هما يستعملان فيما لا يعرف وحكي عن محمد بن يزيد وأحمد بن يحيى أنه يجوز فيه الوجهان في مستقبل فعَل بالفتح، في جميع الباب".
ومضى ابن سيده يذكر ما اعتقب عليه المثالان من المضاعف وغير المضاعف، فقال: فأما ما يعتقب عليه هذان المثالان من المضاعف نحو شدّ وشحّ وعلّ ونمّ، فسأستقصيه في موضعه إن شاء الله تعالى، وأشباه هذا في الكلام كثير جداً لكني ذكرت منه عامة ليدلك على أن المثالين يكثران..". قال هذا ولم يفرّق في المضاعف بين متعد وغير متعدّ. وجرى ابن سيده هذا المجرى في موضع آخر (المخصص – ١٥/٦٤-٦٨) ؛ فقال: "قد ذكرت اختلاف النحويين في هذا الفصل وما ذهبوا إليه، وأذكر الآن شيئاً من المسموعات وأوجز في ذلك". وأخذ يعدد ما جاء بالكسر والضم من المضاعف وغيره، والمتعدى من ذلك وغير المتعدى.
القياس في مضارع أفعال المغالبة
إذا كان الفعل جارياً بين اثنين وغلب أحدهما فيه الآخر، أحلت باب المفاعلة فيه إلى باب نصر، ولو كان في الأصل من غير هذا الباب فضممت عين مضارعه، هذا هو الغالب.
فأنت تقول شاتمته فشتمته أشتمه بضم عين المضارع، ما دام للمغالبة، والشتم في الأصل من باب ضرب.
ويمكن النظر إلى القياس في أفعال المغالبة من جهتين:
стр. 278
الأولى: هل لك أن تقيس في كل فعل جاء على (فاعلته) فتأتي منه بفعلته أفعله من باب نصرته أنصره بالضم، إذا أردت المغالبة؟ أقول لا قياس في هذا فأنت تقول نازعني فلان ولا تأتي منه بنزعته أنزعه من باب نصر للمغالبة، قال سيبويه في الكتاب (٢/٢٣٩) : "واعلم أن يفعل من هذا الباب، باب المغالبة، على مثال يخرج بالضم نحو عازّني فعززته أعزُّه، وخاصمني فخصمته أخصمه، وشاتمني فشتمته أشتمه، بضم عين المضارع فيها.. وكذلك جميع ما كان من هذا الباب، إلا ما كان من الياء مثل رميت وبعت، وما كان من باب وعدَ، فإن ذلك لا يكون إلا على أفعله بكسر عين المضارع، لأنه لا يختلف ولا يجيء إلا على يفعل بكسر العين"، وأردف: "وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول نازعني فنزعته أنزعه، أستغني عنها بغلبته وأشباه ذلك".
الثانية: هل ينبغي لكل فعل جاء على (فاعلته ففعلته أفعله) على سبيل المبالغة أن يكون (فعلته أفعلُه) فيه، من باب نصر قياساً مطرداً؟ أقول في ذلك مذاهب:
المذهب البصري:
أما البصريون فيقولون بضم عين المضارع في الصحيح من أفعال المغالبة مطلقاً، ويجعلون هذا قياساً مطرداً. فإذا سُمع فيه غير الضم أوجبوا الضم فيه، ما دام الفعل صحيحاً. قال السيوطي في المزهر (٢/٢٥) : "وشذ الكسر في قولهم خاصمني فخصمته أخصمه بكسر الصاد، ولا يجيز البصريون فيه إلا الضم، وهذا ما لم يكن المضارع وجب فيه الكسر فإنه يبقى على حاله في المغالبة، نحو سايرني فسِرته أسيره، وواعدني فوعدته أعِدُه، وراماني فرميته أرميه".
стр. 279
والبصريون يقولون بالضم، ولو كانت عين المضارع أو لامه حرفاً حلقياً. قال السيوطي في المزهر (٢/٢٥) : "وأما فَعَل بفتح العين، الصحيح، إن كان لمغالبة، فمذهب البصريين أن مضارعه بضم العين مطلقاً نحو كاتبني فكتبته أكتبه، وعالمني فعلمته أعلمه، وواضأني فوضأته أوضؤه". فقد جاء بعين المضارع فيها جميعاً مضمومة، ولام الفعل في واضأني فوضأته أوضؤه، من حروف الحلق.
مذهب الكسائي والجوهري وجماعة:
إذا كان البصريون قد رأوا ضم عين الفعل في المضارع ما دام للمغالبة، مهما كان بابه في الأصل، فقد ذهب الكسائي في هذا، وهو شيخ الكوفية، مذهباً آخر، فقد علَّق الضم الذي تستوجبه المغالبة على خلو الفعل من حرف حلقي عيناً أو لاماً، فإذا كان الفعل حلقياً وجب الفتح في عين مضارعه. وقد أخذ على الكسائي في هذا أن حلقي الفعل لا يجب الفتح في عين مضارعه أصلاً، كما تقدم، ولو كثر فيه ذلك. فالفتح في عين المضارع يستلزم أن يكون الفعل حلقياً، ولا عكس كما فصَّلناه. والكسائي، حين أوجب الفتح في حلقي العين من أفعال المغالبة، لم يلتزم فيه وحسب، بل ألغى ما كان يستدعيه قياس المغالبة الذي أخذ به النحاة. فقد جاء في التاج (مادة شعر) : "شاعره فشعره يشعره بالفتح، أي كان أشعر منه وغلبه، قال شيخنا: وإطلاق المصنف في الماضي يدل على أن المضارع بالضم ككتب على قاعدته لأنه من باب المغالبة، وهو الذي عليه الأكثر".
فصاحب التاج قد حكى (يشعره) الذي هو من أفعال المغالبة بالفتح، كما فعل الجوهري، لكنه أشار إلى أن المصنف، أي صاحب القاموس، قد جاء به بالضم، كما هو شأن أفعال المغالبة.
стр. 280
وقد حكاه أبو زيد بالضم كذلك. وأردف صاحب التاج: "وضبطه الجوهري بالفتح كمنع ذهاباً إلى قول الكسائي في أعمال الحلقي حتى في باب المغالبة". وفي هذا ما يشير إلى أن الجوهري قد أخذ بمذهب الكسائي في أعمال الحلقي، في باب المغالبة. قال السيوطي في المزهر (٢/٢٥) : "وجوز الكسائي في حلقي العين فتح عين مضارعه، كحاله إذا لم يكن لمغالبة" والجمهور لم يوجب الفتح في حلقي العين في غير المغالبة ليوجبها في المغالبة.
وثمة (فاخره ففخره يفخره) ، وهو حلقي العين، من أفعال المغالبة، وقد جاء به القاموس بالضم، وجاء بـ (يشعره) كذلك، كما تقدم، وكذلك حكاه اللسان والتاج، أي (يفخره) بالضم. على حين جاء به الجوهري في صحاحه بالفتح. قال الجوهري: "فاخرت الرجل ففخرته أفخره فخراً إذا كنت أكرم منه.." وعلق الهوريني أبو الوفا على ذلك فقال: "قوله ففخرته أفخره، بفتح الخاء في الماضي والمضارع، فإن قلت قاعدة باب المغالبة أن المضارع الصحيح فيه، يكون من باب نصر.. قلت محل ذلك ما لم تكن عينه حرف حلق، كما هنا، وإلا كان بالفتح..
وجاء (خاصمه فخصمه يخصمه) بكسر عين مضارعه، فحكاه الجوهري بالكسر، ونفى عنه الضم، إذ قال: "وخاصمت فلاناً فخصمته أخصمه بالكسر، ولا يقال بالضم، وهو شاذ"، وكذلك حكاه القاموس، لكن أبا حيان الأندلسي قد أضاف إلى الكسر الضم. فقد جاء في التاج: "خاصمه فخصمه يخصمه بالكسر، من حدّ ضرب، ولا يقال بالضم، غلبه، وهو شاذ مخالف للقياس والاستعمال، قال شيخنا: لكن حكى أبو حيان أنه يقال على القياس أيضاً بالضم".
المختار في أفعاله المغالبة:
والمختار في قياس الصحيح من أفعال المغالبة، أن يؤخذ بالسماع أولاً، فإذا سمع فيها غير الضم في عين المضارع أخذ به، وأضيف إليه قياس المغالبة وهو الضم، سواء أكان حلقي العين أم لم يكن، وقد أخذ بهذا جماعة.
القياس في ما اعتل من أفعال المغالبة
стр. 281
القياس في فعل المغالبة، إذا اعتلت، فاؤه (كوعد) ، أو اعتلت عينه أو لامه بالياء (كباع ورمى) أن يبنى عين مضارعه على الكسر. تقول واعدته فوعدته أعده، وبايعته فبعته أبيعه، وراميته فرميته أرميه، بكسر عين المضارع فيها جميعاً. قال سيبويه في الكتاب (٢/٢٣٩) : "وتقول خاصمني فخصمته أخصمه بالضم، وكذلك جميع ما كان من هذا الباب، إلا ما كان من الياء مثل رميت وبعت، وما كان باب وعد، فإن ذلك لا يكون إلا على أفعله بالكسر، لأنه لا يختلف ولا يجيء إلا على يفعل بالكسر". فإذا اعتلت عين المضارع أو لامه بالواو، فإنها تبنى على الضم كخاف وأصله خوف بفتح فكسر، ورضي وأصله رضو بفتح فكسر، قال الجوهري في الصحاح (مادة خصم) : "وأما ما كان من المعتل مثل وجدت وبعت ورميت وخشيت وسعيت، فإن جميع ذلك يردّ إلى الكسر، إلا ذوات الواو فإنها ترد إلى الضم تقول راضيته فرضوته أرضوه وخاوفني فخفته أخوفه".
وقد جاء في أساس البلاغة للزمخشري: "وخايرته فخرته بالضم، أي كنت خيراً منه"، وهو خلاف ما يوجبه ما تقدم من النص، فما اعتلت عينه بالياء من أفعال المغالبة، بنيت عين مضارعه على الكسر. فالأصل أن تقول (خايرته فخرته بالكسر أخيره) لا (خرته أخوره) أي كنت خيراً منه، وما أظن ما جاء في أساس البلاغة إلا محرّفاً. وفي اللسان: "وخايرته فخِرته بالكسر، أي غلبته".
شأن الفعل في التعبير
стр. 282
الفعل ركن مهم في بناء الجملة الفعلية، وبعض أشكال الجملة الاسمية. وعلى ما للفعل من موقع رئيس في تأليف الجملة عامة وشدة اتصاله بالاسم، فقد نزع النحاة إلى الاهتمام بالاسم خاصة، وجعلوا الجملة الاسمية محل عنايتهم ومحور بحثهم ودراستهم، وتولوا أمر الإعراب فيها برحب صدر وسعة ذرع، دون الإعراب في الجملة الفعلية، ذلك أن علم النحو لديهم كان هو الإعراب، كما أشار إليه الزمخشري في (المفصل) ، والإعراب يتناول في الجملة الاسمية جانبيها غالباً، المسند والمسند إليه على السواء، لتغير الآخر فيهما، على حين لا يتناول في الجملة الفعلية إلا أحد جانبيها، وهو المسند إليه، أي الفاعل. أما المسند وهو الفعل فيحكمه البناء في معظم أحواله، فلا يتغير آخره بعوامل الإعراب. وقد تركوا لعلم الصرف أمر تصريف الفعل، في صيغه المختلفة ليعبر عن متباين دلالاته.
مذهب الجارم في الفعل والجملة الفعلية:
عمد الشيخ علي الجارم، ﵀، إلى بحث الجملة الفعلية، في مقال له، في الجزء السابع من مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، عام ١٩٣٥ للميلاد، فقال: "تقتضي العقلية العربية أن تكون الجملة الفعلية، الأصل والغالب الكثير في التعبير، لأن العربي جرت سليقته ودفعته فطرته إلى الاهتمام بالحدث، في الأحوال العادية الكثيرة، وهي التي لا يريد فيها أن ينبه السامع إلى الاهتمام بما وقع منه الحدث، أو التي لا يهتم هو فيها بمن وقع منه الحدث، فالأساس عنده في الأخبار أن يبدأ بالفعل فيقول: عدا الفرس، ورعت الماشية، وعاد المسافر. وقد يلتجئ العربي إلى الجملة الاسمية، إذا كان القصد إلى الفاعل، وإلى الإسراع بإزالة الشك فيمن صدر منه الفعل، فيبدأ بذكره أولاً، قبل أن يذكر الفعل لكي يخصصه به أو لكي يُبعد الشبهة عن السامع، ويمنعه من أن يظن به الغلط أو التزيد".
стр. 283
وقد كشف الأستاذ زكي الأرسوزي، ﵀، بحدسه، في كتابه (العبقرية العربية في لسانها/ ٢٢٧) عن نحو من هذا في شأن الفعل في اللسان العربي، فقال: "إن اللسان العربي لسان بدئي، نشأ مع يقظة الحياة على المعنى، فسجل حركات الفعل، في حين أن اللغات الأخرى حديثة، وتحمل طابع المنطق فتهتم بالموضوع، أي الفاعل الذي يبدأ الجملة عندهم".
وعقب الدكتور إبراهيم السامرائي، في كتابه (الفعل زمانه وأبنيته) على ما ذهب إليه الجارم، فقال: "إن الجارم مفتقر أن يثبت هذا الرأي بالاستقراء الوافي الشافي، ليطلع علينا فيقول: أن الأساس عند العربي في الأخبار أن يبدأ بالفعل.. وأنى له أن يحقق هذا الاستقراء، وكيف يتحقق وكلام العرب المأثور لا يظفر به إنسان، والذي ضاع من كلامهم أكثر/ ٢٠٦".
أقول قد جاء الجارم في كلامه هذا، بطرف مما جاء به الإمام عبد القاهر الجرجاني (٤٨١هـ) ، في كتابه المعروف (دلائل الإعجاز) ، في تمييز الجملة الفعلية من الاسمية، وقد استعاد بعض ألفاظه، كما سنبسط القول فيه، بعد.
وقول الجارم أن الجملة الفعلية، هي الغالب الكثير في التعبير، وأن الأساس عند العربي في الأخبار أن يبدأ بالفعل، يصِحُّ فيه الاستقراء، إذا طال من كلام الفصحاء، قدراً وافياً من الأمثلة. وهذا ما عمد إليه الإمام الجرجاني حين استقرأ أي التنزيل وكثيراً من شعر الأوائل، فتبين له أن العرب إنما تقدم الفاعل (في المعنى) إذا كان ثمة داع إلى تقديمه، كتبديد الشك أو دفع الإنكار في ذهن السامع، فتبدأ بذكره وتوقعه أولاً، فإذا لم يكن الحديث ما يتطلب ذلك، وهو الأكثر والأغلب، فإنها تبدأ بالفعل لتخبر السامع بحدث ابتدائي، أي بخبر خلاذهن المخاطب عنه وعن التردد فيه (دلائل الإعجاز/ ٨٩) .
стр. 284
ولا شك في أن الاستقراء أقصر سبيل للفحص عن ذلك والوصول إلى الحكم فيه، ولكنه ليس السبيل الوحيد، في كل حال، كما أراد السامرائي أن يقول، إذ ثمة سبل أخرى، ومنها النظر في حال (الفعل) وشأنه في اللغات التي أسموها بالسامية.
فإذا كان الأرسوزي قد نحا نحو المثالية والمتصوفة في الاهتداء إلى شأن الفعل في اللسان العربي، فقد دل البحث أن الفعل هو الركن الرئيس، الشائع في التعبير، في هذه اللغات، كما أشار إلى ذلك الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اللغات السامية) حين قال:
"أما في اللغات السامية فالفعل هو كل شيء، فمنه تتكون الجملة، ولم يخضع للاسم والضمير، بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً/ ١٥". فالفعل هو الغالب في التعبير، ومتى ارتبط الاسم الظاهر أو الضمير بالفعل ارتباطاً وثيقاً، كان فاعلاً للفعل وكانت الجملة فعلية، على أن صحة التعبير أن يقال: "أسند الفعل إلى الضمير أو الظاهر، لا العكس. ولا يمنع شيوع استعمال الفعل في التعبير أن يخلو الكلام المفيد منه حيناً، على حين لا يخلو من الاسم البتة.
ولا يخفى أن الذي عنوه باللغات السامية اللغات الآكادية والآشورية والبابلية والكنعانية والآرامية ... وهي تعد أخوات للغة العربية، بل هي لهجاتها الموغلة في القدم. ومن هذه اللغات: الأوغاريتية، أو الكنعانية الشمالية التي كشفت حديثاً في رأس شمرة، على بعد تسعة كيلو مترات من اللاذقية. وقد اعتدها عضو المجمع الفرنسي، كلود شيفر، أقدم مصدر للغة العربية، وهي في حقيقة الأمر أقدم لغة ذات أبجدية، إذ ترجع إلى القرن الرابع عشر، قبل الميلاد. والأوغاريتية تشبه العربية كل الشبه، لا من حيث ألفاظها وحسب، بل من حيث قواعد نحوها في الأداء والتعبير، فهي ليست إلا لهجة عربية قديمة، عدا شبهها بالآشورية والبابلية والآرامية.
стр. 285
ومن هذه اللهجات لهجة قديمة داخلية تحدثت رقمها التي كشفت في موقع أو مدينة إبلا عن حضارة شامية زاهرة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد سطرت بخط مسماري لا يتألف من حروف، بل من رموز مقطعية، وقد بسط القول فيها علماء في مقدمتهم العالم الإيطالي جيوفاني بيتيناتو.
وقد كتبت الآكادية وفروعها بالكتابة المسمارية التصويرية والمقطعية أيضاً، كما كتبت بها اللغة السومرية، وليست السومرية هذه من أخوات العربية، بل هي لغة قائمة برأسها، ولو كانت حضارة السومريين سلفاً حضارياً للأكاديين خاصة، بل أقدم سلف حضاري للعرب عامة. شأنها في ذلك شأن الحضارة المصرية القديمة. على أن من العلماء من قال حديثاً بتقارب اللغتين السومرية والأكادية وإنهما ذواتا أصول واحدة وقد أثبتت الكشوف الأثرية أن بلاد الشام مهد حضاري تلاقت به ثقافات لم تخف فيها ملامح الوحدة، وهي تؤلف وبلاد الرافدين جزءاً من وحدة جغرافية، هي بلاد العرب جميعاً. وأثمن ما حملته حضارتها أبجدية الكتابة والوحدانية في الدين والعقيدة.
الاستئناس بأصول ما أسمي باللغات السامية في تبين أصول العربية
وليس الاستئناس بأصول هذه اللغات للكشف عن بعض أصول اللغة العربية بدعاً، في هذا الباب، فقد شاع في لغة طيء وبني الحارث من كعب وأزدشنودة، إسناد الفعل إلى الضمير وإلى الظاهر معاً، وقد أسموا هذا لغة (أسروا النجوى الذين ظلموا) أو لغة (أكلوني البراغيث) . وقد عمد النحاة إلى تأويل ما جاء من ذلك بإبدال الظاهر من الضمير، أو رفع الظاهر على أنه مبتدأ مؤخر، أو أن ما يتصل بالفعل حروف تدل على التثنية والجمع، لا ضمائر، وهو الأكثر.
следующие страницы →