← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2120

دراسات في النحو

صلاح الدين الزعبلاوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والثاني من التأويلين أن تقدير (حروف المعجم) هو (حروف الإعجام) . أي أن المعجم هنا مصدر ميمي. تقول أعجمته معجماً أي إعجاماً، كما تقول أكرمته مكرماً أي إكراماً، أو أدخلته مدخلاً أي إدخالاً. قال ابن جني في سر صناعة الإعراب (١/٣٨) : (إن سأل سائل فقال ما معنى حروف المعجم، هل المعجم صفة لحروف هذه.. والصواب في ذلك عندنا ما ذهب إليه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، رحمه الله تعالى، من أن المعجم مصدر بمعنى الإعجام، كما تقول أدخلته مدخلاً، وأخرجته مخرجاً، أي إدخالاً وإخراجاً. وحكى أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش أن بعضهم قرأ: ومن يهن الله فما له من مُكرَم، بفتح الراء، أي إكرام. فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام. فهذا أسدّ واصوب من أن يذهب إلى أن قولهم حروف المعجم بمنزلة قولهم: صلاة الأولى ومسجد الجامع. لأن معنى ذلك صلاة الساعة الأولى أو الفريضة الأولى، ومسجد اليوم الجامع، فالأولى غير الصلاة في المعنى، والجامع غير المسجد في المعنى أيضاً. وإنما هما صفتان حذف موصوفاهما وأقيما مقامهما، وليس كذلك حروف المعجم. لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم، ولا حروف اللفظ المعجم، وإنما المعنى أن الحروف هي المعجمة. فصار قولنا حروف المعجم من باب إضافة المفعول إلى المصدر، كقولهم هذه مطية ركوب، أي من شأنها أن تركب، وهذا سهم نضال، أي من شأنه أن يناضل به، وكذا حروف المعجم، أي من شأنها أن تعجم..) .

стр. 317

هذا وقد رد أبو محمد الخفاجي في سر الفصاحة على ابن جني فقال: (وليس يبعد عندي ما أنكره أبو الفتح، بل يجوز أن يكون التقدير: حروف الخط المعجم..) كما أسلفنا. لكنه إذا صح أن القصد بـ (المعجم) هو الإعجام، فقياس المصدر الميمي إذا سمي به أن يكسر فيقال في جمعه (المعاجم) ولا قياس له سواه. ذلك أن علماء اللغة قد استثنوا من التكسير كل صفة جاءت على الفعل نحو (مفعل ومفعل) اسم فاعل أو اسم مفعول من (أفعل) ، كما أورده الرضي في شرح الشافية حين قال: (إن كل ما جرى على الفعل من اسمي الفاعل والمفعول، وأوله ميم، فبابه التصحيح لمشابهته الفعل لفظاً ومعنى) ، وما دام المعجم قد اعتد في هذا التأويل مصدراً لا صفة فجمعه على الأصل في تكسير الاسم الرباعي من أمثاله على (مفاعل) . وقال ابن جني في سر صناعة الإعراب (١/٤٤) : (فإن قيل أن جميع هذه الحروف ليس معجماً، إنما المعجم بعضها، ألا ترى أن الألف والحاء والداء ونحوها ليس معجماً، فكيف استجازوا تسمية جميع هذه الحروف –حروف المعجم – قيل إنما سميت بذلك لأن الشكل الواحد إذا اختلفت أصواته فأعجمت بعضها وتركت بعضها، فقد علم أن هذا المتروك بغير إعجام، هو غير ذلك الذي من عادته أن يعجم. فقد ارتفع إذن بما فعلوه، الإشكال والاستبهام عنها جميعاً.. وهذا كله رأي أبي علي وعنه أخذته) . حجة من جمع معجم على معاجم:

стр. 318

جمع الأب أنستاس ماري الكرملي (معجماً) على معاجم، فقال في كتابه (أغلاط اللغوين الأقدمين/١١٩) : (أما معجم فهو وزن مصحف ومخدع، وما كان على هذا الميزان، يكسر على مفاعل: معاجم، كما يقال مصاحف ومخادع. هذا من جهة القياس، واللغويون لا يدونون في معاجمهم المقيسات. وأما من جهة السماع فإن المعاجم لم تكن معروفة في الجاهلية حتى نسمع من أبنائها هذه الكلمة. إنما المعاجم وضعها المولدون ونطقوا بها مكسرة على هذا الوجه إذا أرادوا الكثرة. أما إذا أرادوا القلة فإنهم يقولون: المعجمات. وقد يقال في هذا الجمع المعاجيم أيضاً من باب القياس..) وأردف (أما أنه ورد معاجم فهو مما لا يختلف فيه اثنان. قال السيد الزبيدي في كلامه على –أثال- هو تمامة بن أثال بن النعمان من بني حنيفة، كما هو في المعاجم – أهـ. وكذلك ورد المعاجم فقد قال المذكور في –زرير- كزبير: ولعله في معجم آخر من معاجيمه) . أقول في التعقيب على كلام الأب، أما أن (مُفعَل) يطرد على (مفاعل) فغير صحيح، ذلك أن صيغة الجمع تحد بوزن المفرد من جهة، كما تحد بأصل بنيته اسماً أو وصفاً أو صفة غالبة. وأما أن الزبيدي صاحب التاج قد جمع معجماً على معاجم فليس في ذلك ما يلزم الأخذ به، ولو كان فيه ما يبعث على بحثه وتدبره واستبانة وجهه. حجة من أنكر المعاجم جمعاً وأقر المعاجيم:

стр. 319

قال الدكتور مصطفى جواد في كتابه (دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم/ ١٦٠) : (أراد بالمعاجيم جمع المعجم أي المعجمات والمعاجيم. مع أن المعاجم جمع المعجم بفتح أوله على وزن المذهب، وهو موضع العجم، أي العض للاختبار: اختبار الصلابة أو الرخاوة، على حسب الشيء المعجم. ودخلت الكلمة ميدان المجاز. قال العلامة الزمخشري في أساس البلاغة: وفلان صلب المعجم لمن إذا عجمته الأمور وجدته متيناً: وقال في – ص د ق- من الأساس: وفلان صدق وصدق المعاجم أ. هـ. فالمعاجم جمع المعجم بالمعنى المذكور. أما المعجم بضم الميم فالقاعدة في جمعه زيادة الألف والتاء فيكون: المعجمات) وأردف (ويجوز عندي جمعه جمع تكسير بشرط أن تطبق عليه قاعدة الأسماء المضمومة الميم كالمُفطرِ والموسر والمُنكَر والمطفل.. فيكون المعاجيم كالمفاطير والمياسير والمطافيل.. ويجوز حذف يائه لوزن الشعر حسب، أو لخوف الالتباس) . أقول في الجواب عن ذلك أن جمع المعجم على المعجمات لا يمنع من جمعه على معاجم ما دام صفة غالبة قد استغنت عن موصوفها وأغنت مغناه. ولا تكفي زنة المفرد للقطع بصيغة جمعه، بل لا بد من الكشف عن بنيته اسماً أو صفة، استبانة نوع اسميته وصفته أيضاً. وليس يمتنع معاجم جمعاً لمعجم بضم الأول، ولو صح أنه جمع لمعجم بفتح الأول. فمذاهب جمع لمذهب بضم الميم وفتح الهاء ومذهب بفتح الميم، كما سنراه. ومسان جمع لمسن بكسر الميم اسم آلة من (سن) ، ومسن اسم فاعل من (أسن) صفة غالبة. ومجاسد جمع لمجسد بضم الميم. وهو ما أشبع صيغة من الثياب، ومجسد بكسر الميم للثوب الذي ألصق بالجسد.

стр. 320

أما إنكار جمع معجم على معاجم وإقرار جمعه على المعاجيم، فهو غريب. فالأصل فيما جاز تكسيره من (مفعل) بفتح العين على (مفاعل) ألا يجمع على (مفاعيل) . لأن هذا هو جمع (مفعال ومفعيل) بحرف مد. على أن الكوفيين قد أجازوا فيما جمع على مفاعل أو هيئته كفواعل وفعالل، أن تزاد فيه الياء، وفيما جمع على (مفاعيل) أن تحذف فيه الياء، كما جاء في الهمع للسيوطي (٢/١٨٢) . وقد أخذ بهذا جماعة وجعلوا إضافة الياء إشباعاً للكسرة أو مطلاً لها، كما نص عليه ابن جني في الخصائص (٣/١٥١) والمحتسب (١/٣٥٧) ورده الأنباري في الإنصاف، إلا في الشعر. قال السيوطي في الهمع حول جمع مندوحة على منادح (والأصل مناديح لأنه جمع مندوحة، وقوله سوابيغ.. والأصل سوابغ لأنه جمع سابغة. وأجاز الكوفية الأمرين في الاختيار، واستدلوا بقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب (، والأصل مفاتيح لأنه جمع معذرة. وتأول البصريون ذلك، على أنه جمع مفتح بلا ألف، ومعذار بألف. ووافق ابن مالك الكوفيين، فأجاز في سربال وعصفور: سرابل وعصافر، وفي درهم وصيرف: دراهيم وصياريف) . وقال الزبيدي في التاج (المسند كمكرم جمعه مساند على القياس، ومسانيد بزيادة التحتية إشباعاً، وقد قيل إنه لغة، وحكي في مثله القياس أيضاً) . ويبدو أن الزبيدي قد جمع معجماً على معاجم ومعاجيم آخذاً بهذا الرأي. -ولكن كيف عمد الدكتور جواد إلى جمع معجم على معاجيم بالياء، وأبى جمعه على معاجم بلا ياء والمعاجيم في جمع المعجم هو فرع المعاجم؟ أقول حاول جواد الاقتباس بمفطر وموسر ومنكر ومطفل، بضم الميم فيها، وهي تجمع على مفاطير ومياسير ومناكير ومطافيل، ولكن هل هذه نظائر لـ (معجم) حقاً، وهل هي محل قياس له فعلاً؟

стр. 321

قال الرضي في شرح الشافية (٢/١٨٠) (وقالوا أيضاً في مفعل المذكر كموسر ومفطر، وفي مفعل كمنكر: مياسير ومفاطير ومناكير. وإنما أوجبوا الياء فيهما مع ضعفها في نحو معاليم جمع مُعلَم، ليتبين أن تكسيرهما خلاف الأصل، والقياس التصحيح) . وقال أيضاً: (والأغلب في المفعل المختص بالمؤنث التجرد عن التاء، فلا يصحح، بل يجمع على مفاعل كالمطافل والمشادن والمراضع.. وجوزوا في جمع هذا المؤنث زيادة الياء أيضاً ليكون العوض من الهاء المقدرة، فنقول مطافيل ومراضيع ومشادين، ويجوز تركه، قال تعالى: (وحرمنا عليه المراضع ((القصص/ ١٢) . أقول قاس الأستاذ جواد (المعجم) على المطفل بكسر الفاء، وعلى المنكر بفتح الكاف. أما (المطفل) على صيغة اسم الفاعل فقد جمع على مفاعيل لكنه جمع على مفاعل أيضاً، فكيف يستظهر به الدكتور جواد على جمع (معجم) على معاجيم دون معاجم. قال الرضي (بل يجمع على مفاعل كالمطافل.. وجوزوا.. زيادة الياء أيضاً.. فنقول مطافيل..) . هذا وليس (مطفل) كمعجم، لأن الأول مختص بالمؤنث. قال الرضي (وجوزوا في جمع هذا المؤنث زيادة الياء أيضاً ليكون كالعوض من الهاء المقدرة فتقول مطافيل..) فكيف يصح (مطفل) مثالاً في القياس لمعجم؟ أما (منكر) على صيغة اسم المفعول، فقد جمع تكسيراً على مناكير دون مناكر، فقاس عليه جواد (المعجم) فذهب إلى جمعه تكسيراً على معاجيم دون معاجم. ولكن هل يقاس معجم على منكر حقاً؟. -أما أن (المنكر) قد جمع تكسيراً على مناكير بالياء دون مناكر بحذفها، فصحيح.

стр. 322

وقد جمع تصحيحاً على (المنكرات) أيضاً. قال صاحب الأساس (وهم يركبون المنكرات والمناكير) . ولكن ما سر جمعه على مناكير دون مناكر؟ قال الرضي (وإنما أوجبوا الياء فيهما مع ضعفها في نحو معاليم جمع معلم، ليتبين أن تكسيرهما خلاف الأصل، والقياس التصحيح) . فإذا صح هذا فإنه يعني أنهم أرادوا أن ينبهوا على شذوذ جمع منكر تكسيراً، فضموا إلى شذوذه هذا في الجمع شذوذاً آخر، وهو إضافة الياء! وعندي أن لجمع منكر على مناكير تأويلاً آخر. ذلك أنه جاء منكر ومنكور بمعنى، فاستغنوا بجمع منكور وهو مناكير عن جمع منكر على مناكر واكتفوا بمناكير جمعاً لمنكر ومنكور. ففي الاشتقاق لابن دريد (٣٢٩) : (نكرة بضم الأول فعلة من الشيء المنكر والمنكور، نكرته وأنكرته) فنكره كأنكره والمنكور كالمنكر. ففي الأساس (أنكر الشيء ونكره بالكسر واستنكره، وقيل نكر أبلغ من أنكر، وقيل نكر بالقلب وأنكر بالعين) . وليس يصح التعلق بتأويل والتعويل عليه لأنه إذا صدق هذا في جمع منكر على مناكير حار الرأي في تأويل مفطر على مفاطير. وليس بدعاً على كل حال أن تشرد ألفاظ فتنبو على الأصل على أن بيت القصيد هو أن جمع المنكر جمع تكسير ليس شذوذاً في الأصل، ولو ذهب إلى هذا كثيرون فسترى أن كثيراً مما قالوا بشذوذه في هذا الباب. كان تفرده في الحكم لسبب رعوه. فالمنكر إذا جاء وصفاً جارياً على فعله فبابه التصحيح على الأصل. فأنت تقول (الأمر المنكر معيب عقلاً وشرعاً) وتقول في جمعه (الأمور المنكرة أو المنكرات معيبة عقلاً وشرعاً) . أما قول الزمخشري (وهم يركبون المنكرات) فليس (المنكرات) فيه صفة جارية على فعلها وإنما هي صفة غالبة فارقت موصوفها فقامت مقامه وأغنت مغناه فشابهت الاسم، لكنها لم تغادر الوصف في دلالتها، ولو خصصت.

стр. 323

قال صاحب المفردات (المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف عن استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة) . وقال صاحب التعريفات (١٦٢) : (المنكر ما ليس فيه رضا الله من قول أو فعل والمعروف ضده) . أما قول الزمخشري (وهم يركبون المناكير) فالمناكير فيه صفة غالبة أيضاً، أنزلت منزلة الأسماء وانقطع ما بينها وبين الوصف، وقد جاء في الأشباه والنظائر للإمام السيوطي (٢/١٥٧) : (قال في البسيط: كل صفة كثر استعمالها من غير موصوفها، قوي تكسيرها لالتحاقها بالأسماء) . والمعجم بمعناها الشائع صفة غالبة قامت مقام الاسم وفارقت موصوفها. ووهى ما بينه وبين (المعجم) الصفة الجارية على موصوفة، فقوي فيه التكسير. ولا يصح منع معاجم جمعاً للمعجم، وإقرار (معاجيم) بالياء، كما ذهب إليه الدكتور جواد، حملاً على (منكر ومناكير) لأن الحمل إنما يكون على أصل ثابت، ومناكير في وجوب زيادة الياء مثال شاذ. هذا وقد عبروا عن إضافة الياء في نحو (مفاعيل) وما كان على هيئته بأنه إشباع للكسرة، كما جاء في الإنصاف، وأسماه ابن جني في الخصائص (٣/١٢١) وفي المحتسب (١/٣٥٧) إشباعاً للحركة أو مطلها. وذكروا من ذلك جمع (صيرف) في شعر الفرذدق على (صياريف) بدلاً من (صيارف) . وجمع (مرجل) في شعر عبدة بن الطيب على (مراجيل) والأصل (مراجل) . وقال الأنباري في رده على الكوفيين في كتابه الإنصاف (١/٣١) : (وهذا القول ظاهر الفساد لأن إشباع الحركات إنما يكون في ضرورة الشعر، كما أنشدوه في الأبيات. وأما في حال اختيار الكلام فلا يجوز ذلك بالإجماع) . وقد قال الأنباري فيما تقدم بمذهب البصريين. فثبت بما أسلفنا أن قولك (معاجيم) محمول على إضافة الياء إلى (معاجم) بإشباع حركة الجيم اختياراً عند الكوفيين ومن أخذ أخذهم، وإن إقرار (معاجيم) ، موقوف على إساغة (معاجم) في الأصل. أما إنكار (معاجم) وإثبات (معاجيم) كما ذهب إليه الأستاذ فما أظن له وجهاً.

стр. 324

الجواب عن استيضاح من استوضح صحة الجمع على معاجم أو معجمات: عقد الدكتور ناصر الدين الأسد، في الجزء الخامس والعشرين من مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فصلاً حول (معاجم ومعاجيم ومعجمات) . قال الدكتور الأسد: (وسواء أكان المعجم مصدراً بمنزلة الإعجام، كما ذهب إليه المبرد وتابعه غيره، أم صفة لموصوف محذوف، فإن في هاتين الحالتين لا يجمع عندهم على معاجم لأن المصدر لا يجمع، إذ أنه اسم معنى، وليس له ذوات متفرقة حتى يحتاج إلى جمعها، ولأن الوصف من اسمي الفاعل والمفعول وأوله ميم فبابه التصحيح، ولا يكسر لمشابهة الفعل لفظاً ومعنى، وأن نصوا على ألفاظ جاءت مكسرة شذوذاً) . أقول الجواب عن ذلك من وجوه. أما أن (المعجم) في أحد التأويلين مصدر والمصدر لا يجمع فحقيقة الأمر أن (المعجم) ليس مصدراً، بل هو معدول به عن المصدر إلى الاسم.

стр. 325

فالمصدر جنس لفعله كما يقول ابن جني في الخصائص (١/٢٥) . فهو يدل على الحدث من حيث تعلقه بفاعله، على وجه العموم والإبهام. ومن ثم امتنع جمعه وتثنيته، لا لأنه يتناول الجنس والجنس يدل على القليل والكثير فحسب، بل لدلالته على الحدث المتعلق بفاعله من حيث هو حدث أيضاً. فالمصدر الذي لا يجمع هو المصدر الذي يصدق عليه تعريفه وحدّه هذا. فإذا خرجوا به عن جنسه أو حدثه العام عاد إليه ما كان عليه الاسم في الأصل، من جواز جمعه. قال صاحب المصباح (والجمع يكون في الأعيان كالزيدين، وفي أسماء الأجناس إذا اختلفت مالأرطاب والأعناب واللحوم) وأردف (وفي المعاني المختلفة كالعلوم والظنون) . فأشار بذلك إلى أن (العلم والظن) إذا جمعا فقد عريا من الحدث وجنسه، إذ أصبحا مجرد اسمين للمعنى. وقال في موضع آخر للاعتلال لجمع (العلم) : (إن ضرباً يخالف ضرباً في كثرته، وعلماً يخالف علماً في معلومه ومتعلقه كعلم الفقه وعلم النحو) . والصحيح أن ليس في (العلم) من قولك (علم الفقه وعلم النحو) ما يدل على الحدث المبهم، بل ليس فيه ما يصدق على الجنس أيضاً، ومن ثم جاز جمعه جمعك الأسماء. وكل ما جمعته من ذلك فقد جذبته إلى الاسمية وخرجت به عن المصدرية. قال صاحب المصباح (واستعمل العيب اسماً وجمع على عيوب) وقال (واستعمل المصدر اسماً – أي اللفظ – وجمع على ألفاظ كفرخ وأفراخ) . وقال (والمكس الجباية وهو مصدر.. ثم سمي المأخوذ مكساً تسمية بالمصدر وجمع على مكوس) ، وهكذا.. فأصل (المعجم) مصدر بمعنى الإعجام في الأصل، لكنه استعمل اسماً فصح جمعه جمع الأسماء.

стр. 326

وأما أن (المعجم) في التأويل الآخر صفة أصلية جارية على الفعل، والصفة بابها التصحيح، فليس ذلك هو الوجه. فـ (المعجم) في هذا التأويل صفة غالبة انقطعت عن موصوفها فجرت مجرى الأسماء. وإلا فكيف جمعوا (المخزية والمصيبة والمدينة والمعقبة والمطيحة والمعجمة) على (المخازي والمصائب والمداين والمعاقب والمطاوح والمعاجم) ؟ فيما جمع على المهارق والمصاحف والمواسي والمطارف والمجاسد والمساند والمصاعب والمذاهب والمراسل. وأورد الدكتور ناصر الدين الأسد (المهرق والمصحف والموسى والمطرف والمجسد والمسند والمصعب والمذهب والمرسلة) ، وقال: (ولم نجد نصاً فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة يجمع هذه الألفاظ التي أوردناها جمعاً سالماً، فلم نسمع مسندات جمعاً لمسند) !. أقول الجواب عن هذا أن من هذه الألفاظ ما هو اسم، والأصل في جمع الأسماء هو التكسير فكيف يجمع جمع سلامة؟ فالمُهرق: اسم لا صفة، ولو كان على صيغة اسم المفعول، وهو معرب أصله فارسي ومعناه الصحيفة. قال الجوهري في الصحاح (المهرق الصحيفة فارسي معرب والجمع المهارق) . وقال الجاحظ في الحيوان (١/٧٠) : (والمهارق ليس يراد بها الصحف والكتب. ولا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب دين أو كتب عهود وميثاق وأمان) . وجاء في المعرب للجواليقي (٣٠٣) : (والمهرق الصحيفة وهي بالفارسية مهره) . فالميم أصلية لا زائدة وقد أبدلت الهاء بالتعريب قافاً. وإذا صح هذا كان قياس جمع المهرق المهارق تكسيراً. أما (المصحف) فقد اطرد جمعه على (المصاحف) ، لا جمع له سواه. وليس هو اسم مفعول، ولو رد إلى هذا الأصل. ذلك أن النحاة قد ذكروا أسماء حكوها عن العرب، قالوا أنها ليست جارية على الفعل، على حد أحد من المشتقات. ونقلوا من ذلك (المدهن) بضم الميم والهاء لأداة الدهن وقارورته التي يوضع فيها. قال سيبويه في الكتاب (١/٢٤٨) : (وكل هذه الأبنية تقع اسماً للتي ذكرنا من هذه الفصول، لا لمصدر ولا لموضع العمل) .

стр. 327

وقال الزمخشري في الفصل (وما جاء مضموم الميم والعين من نحو المسعط والمنخل والمدق والمدهن.. فقد قال سيبويه لم يذهب بها مذهب الفعل، ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية) . وقال أيضاً (ومنخل ومصحف..) بضم الميم والخاء في الأول، وضم الميم وفتح الحاء في الثاني) . فجعل المصحف من هذه الأسماء ولورد إلى أصل مشتق. وقال سيبويه في الكتاب (٢/٣٧٨) : (ويكون الاسم على مفعل نحو مصحف ومخدع وموسى..) فدل هذا على أن (المصحف) قد اعتد في الأسماء. وقد شرح ابن يعيش قول الزمخشري في المفصل فقال (ومنه منخل اسم لآلة النخل.. ومنه المصحف من لفظ الصحيفة، تقول: أصحفته في مصحف أي جعلته صحيفة، وربما كسروا أوله وقالوا: مِصحف يشبهونه بالآلة..) . وفي مفردات الراغب (والمصحف ما جعل جامعاً للصحف المكتوبة وجمعه مصاحف) . ويتبين بما تقدم أن (المصحف) اسم أفرد عن المشتقات، وقد جاء مكسور الأول كاسم الآلة، وفارقه بأن أصله الضم. ففي أدب الكاتب لابن قتيبة (وكذلك قالوا مصحف وهو مأخوذ من أصحف أي جمعه فيه الصحف، وكسر أوله بعضهم استثقالاً للضم، وأصله الضم) . هذا وقد ورد في (المصحف) الفتح أيضاً فميمه مثلثة كما في اللسان والتاج. أما (الموسى) لآلة الحديد ففيه خلاف: إذ ذهب بعضهم إلى أنه من أوسى رأسه إذا حلقه، فرأسه موسى. وهو على هذا اسم مفعول على مفعول بضم الميم وفتح العين، وهو مذكر، لكنه لم يستمر على هذا الأصل، إذ سمي به آلة الحديد فاستعمل لما (يوسى به) أي يحلق به. وقد اعتده سيبويه من الأسماء كما أشرنا إليه قبل (٢/٣٧٨) ، فجمع على (المواسي) كشأن الأسماء. قال صاحب المصباح (وأوجز ابن الأنباري فقال الموسى يذكر ويؤنث، وينصرف ولا ينصرف، ويجمع على قول الصرف: المواسي) . وذهب آخرون أنه مؤنث على (فُعلى) ممنوع من الصرف ميمه أصلية.

стр. 328

فقد جاء في أدب الكاتب لابن قتيبة (٢٨٦) : (الموسى قال الكسائي هي فعلى، وقال غيره هو مفعل من أوسيت رأسه أي حلقته، وهو مذكر إذا كان مفعلاً، ومؤنث إذا كان فُعلى) . وإذا أن (الموسى) على فعلى عند هؤلاء فهي كحبلى ممنوعة من الصرف، وجمعها على موسيات كحبليات. قال صاحب المصباح (ويجمع على قول الصرف – أي قول من صرف الموسى لأنه على زنة مفعل – المواسي، وعلى قول المنع – أي قول من منع موسى من الصرف لأنه على زنة فعلى – الموسيات كالحبليات) . وقد جاء في معجم الصحاح، وفي المخصص لابن سيده (١٧/١٨) وفي النوادر لأبي مسحل الأعرابي (٨٥/٨٦) ما يؤيد ذلك. أما قول العامة (أمواس) على تقدير أن واحدة (موس) فلا وجه له، وقد كان شائعاً عند عامة أهل الأندلس وصقلية، كما أشار إليه الدكتور عبد العزيز مطر في كتاب لحن العامة في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة (ص/٢٧٢) . أما (المُطرف) على صيغة اسم المفعول، فهو اسم أيضاً، ولو رد إلى أصل مشتق.

стр. 329

فالمطرف رداء من خزله علمان، اشتق في الأصل، من أطرفه أطرافاً. قال صاحب المصباح (وأطرفته أطرافاً جعلت في طرفيه علمين فهو مطرف) . وأردف: (وربما جعل اسماً برأسه غير جار على فعله، وكسرت الميم تشبيهاً بالآلة والجمع مطارف) ، فدل هذا على انتقاله من الوصفية إلى الاسمية. ولذا كان بابه في الجمع هو التكسير على مطارف. وفصل صاحب التاج فقال (والمطرف كمكرم، هكذا في سائر النسخ، والصواب كمنبر ومكرم، كما في الصحاح والعباب واللسان. فالاقتصار على الضم قصور ظاهر. وهو رداء من خز مربع ذو أعلام، جمعه مطارف. وقال الفراء: ثوب من الثياب جعل في طرفيه علمان. والأصل مطرف بالضم، فكسروا الميم ليكون أخف، كما قالوا: مغزل وأصله: مغزل من أغزل أي أدير، وكذلك المصحف والمجسد. ونقل الجوهري عن الفراء ما نصه: أصله الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف أي جعل في طرفيه العلمان، ولكنهم استثقلوا الضم فكسروه. وقد ورد أيضاً بفتح الميم، نقله ابن الأثير في تفسير حديث: رأيت على أبي هريرة مطرف خز، فهو إذاً مثلث الميم) . أما (المجسد) بضم الميم وفتح السين فهو صفة غالبة فارقت موصوفها (وهو الثوب) فأغنت مغناه، وأنزلت منزلة الأسماء. وقيل أجسد الثوب فهو مجسد: صبغ بالجساد. قال صاحب المصباح (وأجسدت الثوب من باب أكرمت صبغته بالزعفران أو العصفر، قال ابن فارس: ثوب مجسد صبغ بالجساد) وأردف (وقد تكسر الميم) . وقيل: أجسد الثوب فهو مجسد: ولي الجسد. قال صاحب الأساس (ولبس المجاسد وهي الشُعر جمع مجسد بالكسر ومجسد بالضم) . والشعر جمع شعار ككتب وكتاب. ففي المصباح (والشعار بالكسر ما ولي الجسد من الثياب) . وفي الأساس (وعليهم شعار وعليهم شعر) .

стр. 330

ومهما يكن من شيء فالأصل هو الضم على صيغة اسم المفعول، وأن كسر الميم تصرف اقتضاه الاستعمال، طلباً للخفة في اللفظة، كما جرى في المصحف والمطرف والمغزل ففي اللسان: (قال أبو زيد: تميم تقول المغزل والمطرف.. والمجسد، بكسر الميم، وقيس تقول المغزل والمطرف.. والمجسد، بضم الميم) . -وأما (المسند) بضم الميم وفتح النون، على صيغة اسم المفعول، فهو صفة غالبة انقطعت عن موصوفها وهو (الحديث) وأغنت مغناه فأنزلت منزلة الأسماء أيضاً. قال الحافظ بن حجر في شرح نخبة الفكر، على ما جاء في كتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر/ ٦٥) للشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي: (والمسند في قول أهل الحديث – هذا حديث مسند – هو مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال) . فالأصل في (المسند) إذاً (الحديث المسند) كما ذكر الحافظ. وقد جاء في تعريفه (هو مرفوع صحابي بسند) أي الحديث الذي يرفعه الصحابي (لا التابعي) بسند ظاهره الاتصال إلى رسول الله (. أي هو الحديث الذي اتصل إسناده إلى الرسول (كما جاء في تعريفات الجرجاني (١٤٤) ، إذ قال (المسند من الحديث خلاف المرسل وهو الذي اتصل إسناده إلى الرسول () . وقد جمع على مساند مسانيد. ففي التاج (المسند كمكرم.. جمعه مساند على القياس، ومسانيد بزيادة التحتية إشباعاً) .

стр. 331

وهذا قياسه، ما دام قد أنزل منزلة الأسماء وتميز من الصفة بخصوصه في الدلالة واستغنائه عن موصوفه، فإذا أوردته مورد الصفة بأن تضيفه إلى موصوفه فتقول (هذه مسندات الأحاديث) أو ما يشبه الإضافة لأنه في معناها كقولك (هذه المسندات من الأحادث) جمعته جمع مؤنث سالماً، على الأصل. وخلاف (المسند) : المرسل. قال الجرجاني في تعريفاته (المرسل من الحديث ما لم يتصل إسناده إلى الرسول الأعظم، بل إلى التابعي، وبسند التابعي إلى الرسول فلا يذكر من رواه عنه) . وقد جمع (المرسل) على (المراسل والمراسيل) . لكنه جمع على (المرسلات) حين أوقع موقع الصفة. فقد جاء في المتن (والمرسلات من الأحاديث التي تصل بإسنادها إلى التابعي، ويقول التابعي: قال رسول الله (، ولا يذكر الصاحب الذي تلقاها عنه) . وإنما كشف المراد بـ (المسندات) و (المرسلات) بذكر (الأحاديث) لعموم معنى الوصف وشموله.

стр. 332

وأما (المصعب) فهو صفة على صيغة اسم المفعول، ويقع صفة غالبة في مثل قول الجوهري في الصحاح (والمصعب الفحل، وبه سمي الرجل مصعباً) وقول ابن دريد في الاشتقاق (واشتقاق مصعب من الفحل من الإبل، يترك للضراب ولا يستعمل..) أي اشتقاق (مصعب) اسم الرجل من (مصعب) اسم الفحل من الإبل، يترك للضراب ولا يركب. ونحو ذلك ما جاء في التاج (المصعب كمكرم، قال ابن السكيت: الفحل الذي يودع ويعفى من الركوب) . فأنت ترى أنك متى قلت (المصعب) فهم أنه الفحل المودع للضراب، فالوصف قد فارق موصوفه وأغنى مغناه واختص بدلالة فأنزل منزلة الأسماء. ومن ثم كان جمعه مصاعب ومصاعيب كما ذكره اللسان والتاج. وأصله الصفة الخالصة، كما في قول الجوهري في الصحاح (وأُصعِب الجمل فهو مصعب إذا تركته فلم تركبه.. حتى صار صعباً) . فإذا أجريت الصفة على فعلها قلت في الجمع: وأصعبت الجمال فهي مصعبات، كما تقول هذه المصعبات من الإبل. أما قولك (جمال مصاعب ومصاعيب) بذكر الموصوف قبل الصفة الغالبة، فمجيئه على حد قولك (هذه أراض صحراوات، وهؤلاء أسرى رهائن) والصحراوات والرهائن والمصاعب صفات غالبة. ومن ذلك المُذهَب وجمعه المذاهب. وقد جاء في شرح ديوان قيس بن الخطيم لابن السكيت أنها جلود فيها خطوط مذهبة بعضهاأثر بعض فكأنها متتابعة.. وهكذا جاء بالمذهب صفة غالبة تقع موقع الاسم. وقال الزمخشري (ولوح مذهب ومذهَّب، واطلب لي المذاهب، وهي السيور المموهة بالذهب، فأتى به وصفاً جارياً على فعله حين قال (لوح مذهب ومذهَّب) فدل على الأصل ثم صفة غالبة حين قال (واطلب لي المذاهب وهي السيور) فأشار بذلك إلى انتقال الوصف إلى الاسم.

стр. 333

وكذلك (المرسلة) . قال الزمخشري في الأساس (وفي عنقها مرسلة، وفي أعناقهن مراسل: قلائد) . فالمرسلة القلادة والمراسل القلائد، هذا على الصفة الغالبة. أما الصفة الأصلية فقد نبه عليها صاحب القاموس حين قال (المرسلة كمكرمة قلادة طويلة تقع على الصدر..) فأصل (المرسلة) : القلادة المرسلة أي المطلقة أو (الطويلة) على حد قول الفيروز أبادي. وقد أفرد الوصف أي (المرسلة) عن الموصوف (أي القلادة) واكتفي به اسماً للقلادة المطلقة. أيصح فيما أنزل من الصفات منزلة الأسماء أن يجمع جمع الأسماء وجمع الصفات: ويقول الدكتور ناصر الدين الأسد: (هل نستطيع أن نضيف إلى ذلك أن الصحيح في جمع الألفاظ الأخرى التي على هذا البناء، وهو مفاعل، حين تجري هذه الألفاظ مجرى الأسماء فنقول في جمع (ملحق) ملاحق، وليس ملحقات، كما أصبح حديثاً يحرص نفر من محققينا ومؤلفينا على استعماله) أقول لا يقتصر الأمر فيما أنزل من الصفات منزلة الأسماء على زنة مخصوصة كمفعل بكسر العين أو مفعل بفتحها أو مفعول أو فاعل، وإنما يجري الحكم في ذلك على إطلاقه. فأنت إذا أفردت الصفة عن موصوفها وخصصتها بدلالة نأت بها عما تدل عليه الصفة الجارية على فعلها، عوملت في الجمع معاملة الأسماء. وإذا بقيت، إلى ذلك، تمت بسبب إلى ما كانت تدل عليه هذه الصفة، صح أن تعامل في الجمع معاملة الصفات. ولنأت بأمثلة تبين عما قصدنا إليه. فـ (الملحق) إذا أردت به مسمى خاصاً بعدت به عن الأصل، فأطلقته على ما يعد ذيلاً (للمعاهدة) من شروح وشروط، قلت في جمعه (الملاحق) لأنه جرى على ما جرت عليه الأسماء من حيث انفرادها غالباً بمعنى يقصر عليها. وإذا عنيت بـ (الملحق) ما يمكن أن يكون ذيلاً يتبع أصلاً من الأصول، جمعته على (الملحقات) كما اعتاد النحاة أن يجمعوه حين يقولون مثلاً (الملحقات بلا سيما) أو (الملحقات بأفعال القلوب) أو سوى ذلك.

стр. 334

وقد جاء في التنزيل (والمرسلات عرفاً ((المرسلات/١) . قال الزمخشري في الكشاف: (أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره..) . وجاء في التاج (والمرسلات في التنزيل: الرياح أرسلت كعرف الفرس، أو الملائكة عن ثعلب، أو الخيل لأنها ترسل أي تطلق في الحلبة) ، وما دام قد صح الاستغناء بـ (المرسلات) عن موصوفها المعين ملائكة كانت أو رياحاً أو خيلاً، فلا شك أنها صفة غالبة. قال أبو حيان في البحر المحيط (٨/٤٠٣) : (ولما كان المقسم به موصوفات قد حذفت وأقيمت صفاتها مقامها، وقع الخلاف في تعيين تلك الموصوفات) . على أنه بقي للصفة الغالبة من عموم الدلالة، ما كان للصفة الجارية على فعلها، أو كاد الأمر أن يكون كذلك، لتعدد ما يمكن أن يكون الموصوف المحذوف، وكان هذا مرجعها جمع الصفات. وجاء في التنزيل (وأنزلنا من المُعصرات ماء ثجَّاجاً ((النبأ/ ٤) . قال الجوهري في الصحاح (والمعصرات السحائب تعتصر بالمطر، وعُصر القومُ أُمطروا) . وقال الإمام البيضاوي (السحائب إذا أعصرت، أي شارفت أن تعصرها الرياح، كقولك: أحصد الزرع إذا حان أن يحصد.. أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب) . وقال أبو حيان في المحيط (.. وجاء هنا من أعصر، أي دخلت في حين العصر، فحان لها أن تعصر، فعل للدخول في الشيء) . فالمعصرات صفة غالبة أنزلت منزلة الأسماء، لكنها بقيت تدل على ما دلت عليه الصفة الجارية على فعلها، سواء أكان موصوفها المحذوف سحائب أو رياحاً. ومن ثم جمعت جمع التصحيح. وجاء في التنزيل (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشِّرات ((الروم/ ٤٦) فجاء (مبشِّرات) صفة جارية على فعلها، في موضع الحال، لكنها استعملت صفة غالبة. قال الجوهري (والمبشِّرات الرياح التي تبشر بالغيث) . ومثل ذلك ما جاء في الأساس (وهبَّت المبشرات، وهي الرياح التي تبشر بالغيث) . وجاء في فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (المبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث، والسوافي التي تسفي التراب) .

стр. 335

فانتقلت (المبشِّرات) بهذا من الصفة الجارية على موصوفها، إلى الصفة الغالبة المفردة عن موصوفها، فأنزلت منزلة الأسماء، وقد بقيت تدل على ما كانت تبين عنه الصفة الأصلية، فجمعت جمع التصحيح. وكذا (المعجزة) واحدة المعجزة. وهي صفة غالبة ما تزال تدل على ما هي عليه الصفة الأصلية، من قولك أعجزه الشيء إذا فاته فعجز عن الإتيان بمثله. ففي الصحاح (والمعجزة واحدة معجزات الأنبياء) . ونحو من ذلك في اللسان والتاج. وفي التعريفات (المعجزة كل أمر فارق للعادة) .. ولكن هل تقول في (المرسلات والمعصرات والمبشرات والمعجزات) : مراسل ومعاصر ومباشر ومعاصر، كما تقوله في الصفات الغالبة عامة. أقول الأصل جواز ذلك، ما لم يمنع منه ليس في المعنى، وما يشبه العموم في الدلالة. فقد جاء المراسل والمعاصر صفتين غالبتين بمعنى آخر. فالمراسل والمراسيل جمع للمرسلة وهي القلادة كما مر، والمعاصير جمع معصر من قولك أعصرت المرأة إذا أدركت فهي معصر. أما المبشرات فلا تكاد تختص بدلالة، بل لها من شبه العموم ما قرب أن تتناول به كل ما يبشر. فقد جاء في مفردات الراغب حول قوله تعالى (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات (: (أي تبشر بالمطر، وقال (وهكذا (المرسلات) التي قيل إنها الرياح والملائكة والخيل، ونحو من ذلك المعجزات التي تعني كل ما يعجز. ***

стр. 336

ويستبين بما تقدم أن الذي عليه مدار الكلام ومتصرفه أن الشاذ المتأول يثبت الأصل الذي انزوى عنه، وينبه على أن مفارقته لهذا الأصل وانفراده عنه بالحكم، إنما كان لعلة موجبة أو مجيزة. وأنه لو أُحكمت القاعدة التي بني عليها الأصل وخصصت، ما اعتد الشاذ المتأول شاذاً. أما أن يعتمد الشاذ المتأول فترسى فيه قدم قياس ويبطل به أصل ثابت، فلا يليق أن يتخذ مذهباً بوجه من الوجوه. وإلا فهل تقول (أحداث مشاهيد وأيام معاديد وأشهر معاليم وأشياء مواضيع، وأرزاق مباسيط) أو تقول (وهؤلاء مسارير ومآسير ومشاكير ومناصير) . هذا مقتضى ما أخذ به مجمع اللغة العربية القاهري وجماعة من اللغويين المحدثين، في إطلاق جمع مفعول على مفاعيل، فكيف نسلم صحة هذا المذهب فننحو هذا النحو وننهج هذا السبيل؟

стр. 337

القياس وصيغ المبالغة "توطئة في القياس " القياس هو حمل الفرع على الأصل لعلة جامعة بينهما، بإعطاء المقيس حكم المقيس عليه. وقد تشعبت آراء الأئمة في الأخذ به في مسائل كثيرة. فمنهم من اشتد فنهج له حدوداً ضيقة لا يعدوها، ومنهم من تعلَّق به فجرى فيه بغير عنان. وإذا كان لا بد من التوجه إلى القياس ما سمحت به طرائق العربية، لأنه المعوّل عليه في نماء اللغة وارتقائها، والسبيل إلى تسني ما تعسر فعز ماله من نادّها وشاردها، ذلك لتكفي ما تُستكفى وتؤدي ما تُستأدى من مسايرة شؤون العصر ومستحدثاته، أقول إذا صح التوجه إلى القياس ما جادت به أصول العربية، فإن ما نعنيه بالقياس هنا، هو قياس التصريف والاشتقاق، وقياس النقل والمجاز. وقد بسطنا القول في ذلك حين الكلام على تدرج المعاني والاشتقاق الصغير والكبير من فصول المجلة. أما قياس النحو الذي يُراد به الاستدلال الذهني لاستنباط القواعد وتعليلها فإن في الغلو فيه بعداً عن خصائص اللغة، ونأياً عن طبيعتها. ذلك أن في تحكيم المقاييس العقلية في كثير من مسائل النحو ما يضيِّق واسعاً ويمنع سائغاً، بل يحظر صحيحاً فصيحاً. فطرائق العربية لا تقاس بمقاييس عقلية كما تقاس مسائل المنطق وقضايا الفلسفة وعلم الكلام. وليس النحو قياساً كله. قال ابن جني في الخصائص (٢/٤٢) : (ومعاذ الله أن ندعي أن جميع اللغة تُستدرك بالأدلة قياساً. لكن ما أمكن ذلك منه قلنا ونبهنا عليه) . وليس الوجه أن يقال (النحو كله قياس) كما قال أبو البركات ابن الأنباري (ت ٥٧٧هـ) في كتابه (لمع الأدلة/ ٩٥) في الرد على من أنكر القياس. ففي كلامه سرف وإيغال اقتضاهما المناظرة والجدال من جهة، ومهد لهما تحكيم الفلسفة في النحو من جهة أخرى.

стр. 338

هذا ولا شك أن المستحب من قياس النحو هو ما اعتمد لوضع القاعدة واستنباط الحكم فأفاد في تهذيب اللغة وتشذيبها. والذي اتخذ لتعليل الظاهرة اللغوية فكان وسيلة إلى وعي نظم اللغة وتعليمها. ويرتكز مثل هذا القياس على ما أسموه (العلة التعليمية) و (العلة القياسية) . أما العلة التعليمية فقولك هذا مرفوع لأنه فاعل، وذاك منصوب لأنه مفعول به. وأما القياسية فالتي تقوم على اشتراك المقيس والمقيس عليه فيما تصوروا أو ظنوا أنه علة موجبة للحكم فيهما، كحملهم بناء اسم (لا) النافية للجنس، على بناء (خمسة عشر) . وتتعدد الآراء في تحديد العلة القياسية فتختلف باختلاف وجهات النظر والاعتبار. وقد تتجاذب الحكم الواحد علتان أو أكثر فيبنى على قياسين أو أكثر. كما يتأتى أن يكون حكمان متضادان في المسألة الواحدة فتقتضيهما علتان مختلفتان، فيُبنى كل منهما على قياس. كما مثل له ابن جني في الخصائص (١/١٧١- ط ١٩١٣) . ومن ثم ذهب المجددون في النحو إلى إنعام النظر في هذه العلل، والعمل على الاهتداء إلى الأشمل منها في الحكم، والأظهر في التعليل، والألصق بالعربية. ومهما يكن من شيء فإن القياس الذي استند فيه إلى إحدى العلتين التعليمية والقياسية، إنما يجانس طبيعة اللغة وخصوصها، دون القياس الذي اعتمد على العلة الجدلية النظرية فنحا نحو الفلسفة واتسم بسمتها، وغدا صناعة أو رياضة عقلية ونشاطاً ذهنياً، بل جُعل التعليل فيه أصلاً وغاية، لا وسيلة وحاجة. وبين القياسين من التفاوت والتنافر ما لا خفاء به ولا لبس. فقولك (إن وأخواتها) أشبهت الفعل المتعدي إذا تقدم مفعوله على فاعله، فنصبت اسمها ورفعت خبرها، كما نصب الفعل مفعوله ورفع فاعله، قولك هذا تعليل قياسي. لكن إيغالك في البحث عن وجه هذا الشبه، وقولك إن (إن) تشبه الفعل لفظاً لأنها ثلاثية، ومعنى لأنها تفيد التوكيد، فإذا خُففت ذهب شبه الفعل فقل عملها، قولك هذا تعليل جدلي نظري.

стр. 339

هذا وقد وفق ابن جني في إنكار العلل الثواني أو علة العلل، فاعتد منها ما جاء تتميماً للعلة الأولى وشرحاً لها. لأنك إذا ابتغيت علة لكل علة فطلبت العلل الثوالث فيما بعد، أدّاك هذا إلى ما لا يُعد منها ولا يُحصى. وشيء آخر لا بد من التعويل عليه في التعليل، وهو اقتران صحة الحكم النحوي بسلامة المعنى دون التعلق بما تقتاد إليه براعة الصناعة والافتنان بها من الجدل والتأويل. كذلك كان كثير من الأوائل. وقد أراد عبد القاهر الجرجاني (٤٧١هـ) بكتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة أن يشير، فيما نبه عليه، إلى أن أصل المعنى يمكن أن يعبر عنه بطرق مختلفة وأساليب متباينة، وأن لكل عبارة من ذلك معنى تتفرد به. وليس يسوغ أن تؤدي العبارتان معنى واحداً، إلا إذا اتفقتا بنية وتركيباً من كل وجه.

стр. 340

وإذا كان ابن جني قد نبه على نحو من هذا حين قال في الخصائص (١/٣٤٥) : (ووجه جوازه من قبل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين لمعنيين) وقال (لكن لما اختلف المعنيان جاز أن يختلف التقديران، فاعرف ذلك) . أقول إذا كان بعض النحاة قد أشار إلى ذلك ووعاه فقد فات الكثير منهم أن يُعنوا به ويفصحوا عنه ويأخذوا بمنهاجه، فقد تنكبوا سبيل المعاني وأغرقوا في العناية بالصناعة اللفظية وقصروا الاهتمام على ضبط الأواخر. ولا يخفى أن النحو عند الأوائل هو علم العربية الذي يعرف به وجهة كلام العرب وما يقصدون إليه في التعبير عن أغراض النفس. وقد أشار إلى ذلك الأشموني حين قال (وهو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها) كما أشار إليه ابن عصفور في المقرّب حين ذكر (أن المراد هنا بالنحو قولنا علم العربية، لا قسيم الصرف) . أما عند المتأخرين فقد غدا النحو (علم الإعراب والبناء) كما نبه عليه الصبان حين قال (واصطلاح المتأخرين تخصيصه بفن الإعراب والبناء وجعله قسيم الصرف) ، وأردف (وعليه فيعرّف بأنه علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناء، وموضوعه الكلم العربية من حيث ما يعرض لها من الإعراب والبناء) . وهكذا تحول النحو مما كان عليه من البحث في صحة تأليف الكلم للتعبير عما في النفس من أغراض، إلى البحث في ضبط الأواخر إعراباً وبناء، ضماناً لسلامة اللسان من اللحن، وبسط الكلام في عوامل ذلك والإسهاب في تعليله بالجدل النظري. فبدا النحو بذلك وقد غار ماؤه وشاه بهاؤه وساء مذاقه. وإلا فإن توكيد العناية بالمعاني كان يوجب دراسة اللفظ في تركيب الجملة بدراسة موقعه من التركيب عامة من حيث اتصاله بالأجزاء الأخرى وتأثره بها وتأثيره فيها. ثم دراسة الجملة مجتمعة الشمل من حيث صورة التعبير وأسلوبه. وقد جُرد النحو من هذا كله وخُصت به علوم البلاغة كالمعاني والبيان.

стр. 341

وإذا كان المتأخرون قد آثروا الجملة بطرف من الدراسة فقد قصروا كلامهم في ذلك غالباً على موقعها من الإعراب. أما دراسة الجمل من حيث توظيفها في المعاني والتعبير عنها فقد بعد أن يكون من خصوص النحو وموضوعه. نشأة القياس واتساعه: إذا عدنا إلى الأوائل من النحاة رأينا أن أول من عمل بالقياس من الأئمة هو عبد الله ابن أبي اسحاق الحضرمي (ت ١١٧هـ) . فكان أقدم من انتهج القياس وارتاح إليه وأخذ بالأكثر والأغلب. ففي طبقات الزبيدي (٢٥) : (قال ابن سلاّم: عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي كان أول من بعج النحو ومد القياس وشرح العلل) . ونحو من ذلك في نزهة الألباء (٢٣) لأبي البركات كمال الدين بن الأنباري. أما ما اشتهر واستفاض من أن أول خطة اتخذت لوضع النحو كانت لأبي الأسود الدؤلي الكناني (٦٩هـ) كما جاء في مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي (ت ٣٥١هـ) والزبيدي في طبقاته (٣٧٩هـ) وابن النديم في الفهرست (٤٠٠هـ) وسوى ذلك، فيبدو أن هذه الخطة لم تكن تعدو عند التحقيق (نقط المصحف) . والمراد بذلك الاهتداء إلى ما اتخذ رمزاً للشكل في الرفع والنصب والجر. صوناً للسان من اللحن. وقد وفق الأستاذ أحمد أمين ﵀ في ضحى الإسلام، حين أشار إلى ذلك، وأيده فيه الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أصول النحو) حين قال: (والشكل أعود على حفظ النصوص من حدود النحو. ولعله أعظم خدمة قدمت للعربية حتى الآن) . فالدؤلي لم يعمد إلى تأصيل الأصول النحوية وتقعيد قواعدها فيما أسموه بـ (التعليقة) . ودليلنا على ذلك هو كتاب سيبويه نفسه، وهو دليل فاصل. فقد روى سيبويه في كتابه عن الخليل غالباً كما روى عن الأخفش الأكبر، وروى عن عيسى بن عمرو عن أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب. وروى عن عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي. لكنه لم يتجاوز الحضرمي إلى إمام قبله. فما الذي يعنيه هذا؟ أغلب الظن أن الحضرمي هو أول من وضع أصول النحو وقياسه فهو رأس البصرية.

стр. 342

وخلف الحضرمي أئمة أخذوا بالأكثر والأغلب وعولوا على القياس كعيسى بن عمر (١٤٩هـ) وأبي عمرو زبَّان بن العلاء (١٥٤هـ) ويونس بن حبيب (١٨٢هـ) . ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٧٥هـ) وهو يعد بحق عميد النحاة (فهو الذي بسط النحو ومد أطنابه وسبب علله وفتق معانيه.. واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه. ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته، فحمل ذلك عنه وتقلده، وألَّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم وامتنع على من تأخر بعده) كما ذكره الزبيدي في (مختصر كتاب العين) . وقد شف عمل الخليل حقاً عن عبقرية نادرة فاختط للنحو نهجاً لغوياً سليماً، وألَّف في اللغة فكان فسيح الخطوة بعيد الغور، في معجمه الفريد كتاب العين، بل رصد الأصوات اللغوية وصفاتها فكان له فيها رأي متقدم حصيف، وتعلق بموسيقا الشعر وكشف عن لطافة الحس فاتخذ لأوزان الشعر ستة عشر بحراً. ثم توالى الأئمة فجاء الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد (١٧٧هـ) فروى عنه سيبويه. وهو لم يعرف بأنه من أهل القياس والتعليل، فإذا عمد إليهما كان أدنى إلى خصوص اللغة ومراعاة سلامة المعنى في تعدد وجوه الإعراب. وجاء سيبويه عمرو بن عثمان (١٨٠هـ) فطلع على الملأ بكتابه الفذ، يعوّل فيه على الأكثر والأغلب. ينهج طريق القياس والتعليل ويعلِّم البحث فيهما كما يعلِّم النحو. وقد اختلف سيبويه إلى مجلس أستاذه الخليل، وأقبل عليه وأطال التلقي عنه، فلفت نظر أستاذه فكان محل عنايته وموضع اختصاصه. استوفى سيبويه ما أُملي عليه رواية ورأياً وتعليقاً وشرحاً ففاضل ووازن وأحكم الرأي فأدى فأحسن التأدية وكان صادقاً فيما أداه. وجاء الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (٢١٥هـ) وتضاربت فيه الآراء وتدافعت، وقد امتدحه الكوفية. والثابت أنه كان من الحفاظ النقلة، لكنه كان يتكسب بعلمه.. واشتهر قطرب محمد بن أحمد بكتابه العلل في النحو (٢٠٦هـ) ، والمازني أبو عثمان بكتابيه علل النحو والتصريف.

стр. 343

ثم اتسع القياس وجعل ينحو نحو المنطق والفلسفة كما تجلى ذلك عند المبرّد أبي العباس بن أبي يزيد (٢٨٥هـ) وقد خلَّف الكامل والمقتضب، والزجاج أبي اسحاق (٣١١هـ) فألف الاشتقاق والأمالي، وابن السراج أبي بكر (٣١٦هـ) وقد وضع الأصول وتلمذ للمبرد وصادق الفيلسوف الفارابي وكان قوي الصلة به فتلمذ له في المنطق، كما تلمذ الفارابي لصاحبه في النحو. وقد أخذ عن هؤلاء أبو سعيد السيرافي (٣٦٨هـ) وله شرح الكتاب، وعلي بن عيسى الرماني (٣٤٨هـ) وله التفسير، وأبو علي الفارسي (٣٧٧هـ) وله الإيضاح والتكملة، وأبو الفتح عثمان بن جني (٣٩٢هـ) وله الخصائص وسر صناعة الإعراب والمحتسب. وقد استفاضت شهرة ابن جني فسبق أقرانه وشآهم شأواً فبلغ الذروة في الأصالة وكان إماماً مقدماً في القياس. وعُرف من أئمة القياس بعد أبي علي وأبي الفتح جار الله أبو القاسم محمد بن عمر الزمخشري صاحب الكشاف والمفصَّل (٥٣٨هـ) وابن الشجري هبة الله أبو السعادات العلوي صاحب الأمالي (٥٤٢هـ) وأبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن الأنباري صاحب المصنفات النفيسة، لا سيما الاعراب في جدل الإعراب والإنصاف في مسائل الخلاف ولمع الأدلة (٥٧٧هـ) والعكبري عبد الله بن الحسن صاحب اللباب وإعراب القرآن وتفسيره (٦١٦هـ) . ***

стр. 344

هذا وإذا كان الحضرمي هو رأس البصرية (١١٧هـ) فقد اختلف فيمن يمكن أن يكون رأس الكوفية فقد جاء في المظان أن بعض أئمة البصرة قد هجروها إلى الكوفة فأقاموا بها، وكان أشهر هؤلاء أبو جعفر الرؤاسي محمد بن أبي سارة (١٩٠هـ) وهو أول من وضع كتاباً في النحو من أهل الكوفة فأخذ عنه الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة (١٨٩هـ) وهو إمام الكوفية، كما كان الخليل إمام البصرية، وأخذ عن الرؤاسي الفرّاء أبو زكريا يحيى بن زياد (٢٠٧هـ) ، وهو علم الكوفية بعد الكسائي. وإذا قال سيبويه (قال الكوفي) فقد عنى الرؤاسي هذا. وبذلك يمكن أن يعد الرؤاسي رأس الكوفية مع عمه معاذ بن مسلم الهرّاء مبدع علم التصريف، وقد عمر طويلاً (١٨٩هـ) . قال الفيروز ابادي في البلغة: (أبو جعفر الرؤاسي أستاذ أهل الكوفة في العربية) . وإذا كان الكسائي قد نهج حدود المذهب الكوفي في التعويل على النقل خلافاً للبصرية في اعتمادها على النظر العقلي فإن الفراء قد شايع الكوفي فيما استن من أصول، ولو خالفه في كثير من المسائل، بل دافع عن النهج الكوفي حتى غدا وكأنه أمام الكوفية. وهكذا قد استمسك بالرواية وأبى للنحوي أن ينهج نهج المتكلمين والمناطقة والمتفلسفين. وكان القرآن مادته الأولى في روايته، فبدا أميناً على خصوص اللغة وطبيعتها، كما كان ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى (٢٩١هـ) من بعده مخلصاً لهذا النهج مردداً لأقول الفراء، محتجاً بآرائه، غير عابئ بالتعليل. ولم يعرف عن ثعلب أنه حاول فلسفة اللغة أو منطقة النحو، كما حاول البصريون وخصمه منهم، وهو المبرّد. ويُعزى إلى ثعلب الفضل في إشاعة المذهب الكوفي والتبشير به، كما يُعزى إلى المبرّد دعوته إلى البصرية وبراعته في الإغراء بها. قياس البصرة وقياس الكوفة:

стр. 345

هذا وإذا كان البصريون قد عُنوا بالقياس ومضوا فيه وأوغلوا حتى تجاوزوا طبيعة اللغة وخصوصها، فقد كان للكوفيين أصولهم وقياسهم وعللهم. وهم لم يقتصروا على الوصف دون الاستدلال والاعتلال. ولا ننسَ قول الكسائي: إنما النحو قياس يُتبع وبه في كلِّ أمر ينتفع بل لا ننس منزلة الفراء في التعليل والقياس، وقد اعتمد الكوفيون على السماع والقياس، كما فعل البصريون، وكان أوائلهم أعنى بالسماع منهم بالقياس، وأشد حرصاً على الوصف منهم على التعليل، كما كان أوائل البصريين أنفسهم. وإذا كان الكوفيون لم يدركوا شأو البصريين في الأخذ بالقياس، وكانوا أدنى إلى القصد منهم إلى الإيغال، فليس صحيحاً أنهم عولوا على كل مسموع. ولو صح أن الكوفيين يعملون بكل شاذ ويقيسون عليه، لما استقام لهم أصل أو حكم أو قياس. وإني لأستشرف قول الأستاذ أحمد أمين، ﵀، في كتابه ضحى الإسلام (٢/٢٥٩) : (أما الكوفيون فلم يروا هذا المسلك، ورأوا أن يحترموا كل ما جاء عن العرب، ويجيزوا للناس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة. بل يجعلون الشذوذ أساساً لوضع قاعدة عامة) ، أقول إني لأستكثر هذا القول ولو شد منه قول السيوطي في بغيه الوعاة (إن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلاً ويقيس عليه) .

стр. 346

ذلك أن الكوفية إنما تجيز استعمالاً قد يند عن قواعد البصرية ويشرد عليها، ولكنها لا تقر استعمالاً يخرج عن قواعدها هي. وقد يكون في ضوابط البصرية ما يمنع مسموعاً، وفي ضوابط الكوفية ما لا يطرحه ولا يأباه. ذلك أن مذهب الكوفية أكثر تشعباً وأوسع رواية، ومذهب البصرية أوسع قياساً وأضيق رواية. على أن اتساع القياس البصري المبني على العلل العقلية المنطقية قد يمنع السائغ، ويضيق عن المسموع. وهذا ما دعا المتأخرين من النحاة ألا يجروا على منهاجهم أو يأخذوا أخذهم. قال أبو حيان (نحن لم نتعبد بمذهب البصرية وإنما نتبع الدليل) . وقال في البحر المحيط (٢/٣٦٣) : (والقراءات لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه) . وقال: (٤/٢٧١) : (هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراءة، ولا يجوز لهم ذلك) . وقال أبو عمرو الداني في جامع البيان (وأئمة القراء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة) . وقال الشيخ عبد العظيم الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان ٤١٥) : (فإذا ثبتت قرآنية القرآن بالرواية المقبولة، كان القرآن هو الحكم على علماء النحو، وما قعَّدوا من قواعد..) . وهكذا تحلل ابن مالك وابن هشام فيما اجتهدا فيه، من حدود البصرية في كثير من الأحيان ولو تهيأ للنحو من الأئمة من استنوا بهذه السنة ونهجوا هذا السبيل فتمنعوا على المتابعة والمشايعة، وفازوا من التعبد بمذهب مخصوص، ونجوا مما لا تحتمله طبيعة اللغة، أو يأباه خصوصها من الجدل، وعنوا بنحو الكوفية كلما أوغلت البصرية في التعليل فتنكبت الجادة، وعولوا على القرآن وآثروا ما جاء فيه على كل مروي، لكان لهم خطة سديدة سوية في التجديد والإحياء. الظاهرية والقياس:

стр. 347

إذا كانت هناك طائفة قد مجَّت القياس فهي الظاهرية. لكنها أنكرته في الفقه خاصة. وقد بدا أن بعض النحاة قد دعوا إلى ذلك في النحو أيضاً. والمذهب الظاهري في الأصل مذهب فقهي دعا إليه في القرن الثالث الهجري أبو داود بن علي بن خلف البغدادي إمام أهل الظاهر في المشرق وتولى الدعوة إليه والاحتجاج له والمنافحة عنه في القرن الخامس الهجري الإمام علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، معتقداً أن القرآن إنما يجب أن يُحمل على ظاهره ولا يحال عن ظاهره البتة، اللهم إلا أن يأتي نص أو إجماع أو ضرورة حس على أن شيئاً منه ليس على ظاهره، وأنه نقل من ظاهره إلى معنى آخر. فالانقياد حينئذ واجب لما يوحيه ذلك النص والإجماع والضرورة. وقد جاء تفصيل ذلك في كتب ابن حزم الأندلسي لا سيما (إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل) . ابن مضاء والقياس: عاش ابن مضاء في القرن السادس الهجري فبدا أنه اتخذ مذهبه في النحو على مثال مذهب الظاهرية في الفقه. أي أنه أنكر القياس كما أنكرته وعوَّل على النص كما عوّلت عليه، وذلك في كتابه الشهير (الرد على النحاة) ، لكن هذا لا يتسنى في الأصل لأن في علل النحو من فسحة النظر ما لا تتسع له علل الفقه أحياناً كثيرة. كأن يكون البحث في علة مناسك الحج وترتيبها، وفرائض الصلاة وعدد ركعاتها فتجد مرد وجوبها إلى ورود الأمر بها بحكم الشريعة، أي بالنص. قال ابن جني في الخصائص (١/٥٢-ط /١٩١٣م) : (فأول ذلك أنا لسنا ندّعي أن علل العربية في سمت العلل الكلامية البتة، بل ندّعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهية) . وأردف: (وإذا حكمنا بديهة العقل وترافعنا إلى الطبيعة والحس، فقد وفينا الصنعة حقها، وَرَبأنا بها أفرع مشارفها) .

стр. 348

أقول إنما ثار ابن مضاء على النحاة وعاف مذهبهم في (العامل) لغلوّهم في التعليل، فاستبعد الجدل النظري والحجاج الفلسفي، وكل ما ينأى باللغة عن طبيعتها وينحرف عن خصوصها، وعوّل على النص وأغفل القياس من هذه الجهة. لكن ابن مضاء قد أخذ نفسه بنوع من القياس، ذلك أنه أقرّ (العلّة) وأبى (علَّة العلَّة) أو العلل الثواني والثوالث، كما أنكرها ابن جني نفسه، وإقرار (العلة) يدعو إلى البحث في العلة الجامعة والتماس القياس الذي لا بد منه. وإلا فكيف يمكن أن تنهض لغة لا يعمل قياس على رسم ضوابطها وشرع حدودها، ويمهد لها سبيل التوليد والنماء ومذاهب الاتساع والارتقاء. القياس والسماع: إذا كان التعويل على السماع مرده في الأصل إلى الحرص على ضبط اللغة وكفالة سلامتها أيام كان يعمل الأئمة على حصرها وتدوينها، فينبغي ألا يكون حائلاً دون ما يمكن أن يلتمس فيه علة جامعة فيبنى عليه قياس، في كل ما تدعو إليه حاجة التعبير والاصطلاح فتأذن به طرائق النقل والمجاز وسبل التصريف والاشتقاق. وإلا كان السماع قيداً يحجر اللغة عن التوالد والانبساط ويقصر خطاها عن استجابة أو مؤاتاة. ولا خفاء بأن سبل التصريف وضوابط الاشتقاق لا يشوبها من سرف التعليل في ذكر الأسباب ومسبباتها ما يشوب القياس في قواعد النحو. ومن ثم لم يفضِ التعويل عليها على شيء مما آل إليه الإغراق في قياس النحو وتعليله، من النأي باللغة عن خصوصها وتحيِّف طبيعتها والانزواء بها عن سبيل المعاني إلى الافتنان بصناعة الإعراب، حتى انقبض هذا الإعراب عن أن يكون دليل المعاني وسبيل الإبانة والإفصاح. وقد أخذ مجمع اللغة القاهري بقياس التصريف والاشتقاق هذا في مؤتمراته حين أجرى القياس في كثير من المشتقات على ما ذكرناه ونذكره في أبوابه. القياس في صيغ المبالغة:

стр. 349

هذا بحث طريف قلما خاض فيه الباحثون. إذ لم يصرح الأئمة الأوائل بقياس اشتقاق صيغ المبالغة ولم يشر إليه ابن مالك في ألفيته حين قال: فعَّال أو مفعال أو فعول في كثرة عن فاعل بديل فيستحق ماله من عمل وفي فعيل قلّ ذا وفَعِل فأنت ترى أن ابن مالك لم ينبه على قياس اشتقاق صيغ المبالغة هذه. وكل ما عناه هنا أن صيغ (فعَّال ومفعال وفعول) تنوب كثيراً عن (فاعل) للدلالة على المبالغة وتعمل عمله، وقلَّ ذلك في (فعيل وفَعِل) . وقال الإمام الأشموني في شرح ما تقدم من قول ابن مالك (٣/١١٤) : (أي كثيراً ما يحوّل اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة لقصد المبالغة والتكثير فتستحق ما كان له من عمل) . فقال الإمام الصبَّان في تعليقه على هذا (قوله فتستحق ما له من عمل يفيد أن جميع الأمثلة الخمسة تعمل قياساً، وهو الأصح) . فتبين بهذا أن الذي عناه الأئمة هنا، هو قياس عمل صيغ المبالغة الخمس، كعمل اسم الفاعل. وسكتوا عن قياس اشتقاقها. هذا والكوفيون على عدم إعمال صيغ المبالغة وتأويل ما عمل منها على تقدير فعل، خلافاً للبصريين. فقد أجمع هؤلاء على إعمال الصيغ الثلاث الأولى قياساً، واختلفوا في الصيغتين الأخيرتين. وأكثر المتأخرين من الأئمة على قياس إعمالها جميعاً، كما ذهب إليه سيبويه. وإذا تجاوزنا الصيغ الخمس إلى سواها فالأكثرون على أن إعمالها سماع. فـ (فِعِّيل) بكسر الأول وتشديد الثاني، وهو من صيغ المبالغة، قال بعضهم بقياس إعماله، وأنكره كثيرون، وحملوا ما عمل منه على السماع. قال الإمام الصبان (٣/١١٥) : (في الفارض ما نصه: زاد ابن خروف إعمال فِعيِّل كزيد شرّيبٌ الخمرَ بالنصب، فأجازه أيضاً ابن ولاّد، وحكاه أبو حيان) . وأردف الصبَّان قائلاً (وشِرّيب من المبالغة سماعاً..) أي أن إعمال شِرّيب سماع لا قياس، خلافاً لما ذهب إليه في الصيغ الخمس المتقدّمة.

стр. 350

هذا عن قياس الأعمال. أما عن قياس الاشتقاق فقد استنبط بعض الباحثين المحدثين من سكوت العلماء عن التصريح بقياس اشتقاق صيغ المبالغة، إلى أن صوغها سماع. فقال الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع دروس اللغة العربية –١/٨٦) : (مبالغة اسم الفاعل ألفاظ تدل على ما يدل عليه اسم الفاعل بزيادة ... ولها أحد عشر وزناً.. وأوزانها كلها سماعية فيحفظ ما ورد منها ولا يقاس عليه) . وقال الشيخ أحمد الحملاوي في كتابه (شذا العرف/ ٧٨) : (وقد تُحوّل صيغة فاعل للدلالة على الكثرة والمبالغة في الحدث إلى أوزان خمسة مشهورة تسمى صيغ المبالغة، وهي فعَّال ومفعال وفعول وفعِيل وفَعِل.. وقد سمعت ألفاظ للمبالغة غير تلك الخمسة) . فلم يشر إلى قياس. وقال الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (القياس) : (ويقوم مقام اسم الفاعل فعَّال ومفعال وفعول وفعيل وفَعِل، وهذه المسمَّاة عندهم بأمثلة المبالغة نحو نظار ومنحار وصبور وعليم وحذر) ، والمنحار كثير النحر، وأردف (ومن علماء العربية من يذكرها ويضرب لها الأمثال ويبسط أو يوجز في الخلاف الجاري في إعمالها عمل اسم الفاعل. ولا يأتي على ناحية القياس في اشتقاقها بعبارة صريحة. ومنهم من يصرّح بصحة القياس في بناء فعَّال خاصة، كما في روح الشروح على المقصود. ووجه هذا المذهب أن صيغة فعَّال وردت في مقدار من الكلم الفصيح يكفي لصحة القياس عليه) . وهكذا أشار إلى اهتمام العلماء بإعمال الصيغ دون اشتقاقها. قياس الإعمال يقتضي قياس الاشتقاق:

стр. 351

والذي عندي أنه إذا أنعمنا النظر في كلام ابن مالك، ألفينا أنه يشير إلى كثرة تحويل (فاعل) إلى فعَّال ومفعال وفعول، من صيغ المبالغة، وقد أوجب ذلك أن تنوب منابه في تأدية عمله عند إرادة التكثير. فانظر إلى قول الإمام الأشموني (أي كثيراً ما يحوّل اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة بقصد المبالغة والتكثير) . أفلا تستوجب كثرة التحويل هذه دعوى القياس في اشتقاق صيغ المبالغة، كما استحقت قياس إعمالها!. قال الشيخ محمد الخضر حسين في مقال آخر له في مجلة المجمع القاهري (٢/٥٤) : رجعنا إلى كتب الصرف فوجدنا كثيراً منها لا يتعرض لصيغة فعَّال من ناحية أنها قياسية أو سماعية، ولا يزيد على أن يذكر أنها صيغة تأتي بدلاً من اسم الفاعل للدلالة على المبالغة في معنى الفعل، ووجدنا طائفة يتعرضون لمجيء فعَّال ومفعال وفعول بدلاً من اسم الفاعل ويصفونه بالأكثر، كما قال الأشموني في شرح الخلاصة) . وأردف: (ووجدنا طائفة ثالثة تصرّح بأن الصيغ الخمس: فعَّالاً ومفعالاً وفعولاً وفعيلاً وفَعِلاً، المأخوذة من فعل متعد، قياسية. قال الشيخ الدنوشري: يُنظر هل التحويل إلى الخمسة المذكورة قياسي أو سماعي، أو قياسي في الثلاثة الأولى: فعال ومفعال وفعول، سماعي في الأخيرتين: فعيل وفَعِل، ثم قال: مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي: نحو ضرب، تقول: ضَرّاب ومضراب وضروب وضريب وضرب) على ما جاء في حواشي ياسين على التصريح. فأنت ترى أن الإمام الدنوشري قد نبه على قياس الاشتقاق في صيغ المبالغة الخمس، بل جعل ذلك مذهب البصريين. قال الشيخ محمد الخضر حسين في التعليق على كلام الإمام الدنوشري (وهذا النص يدل على أن صوغ فعَّال من الفعل المتعدي قياسي كسائر أبنية المبالغة) . ولكن ما وجه قول الإمام الدنوشري بقياس صوغ أبنية المبالغة الخمسة من كل فعل متعد، بل ما وجه دعواه أن هذا هو مذهب البصريين ولم يصرح به أحد منهم؟

стр. 352

لم يعرض الشيخ محمد الخضر حسين لهذا، على حين أشار أن كتب الصرف لم تصرّح بمثل هذا القياس، فما توجيه قول الإمام الدنوشري إذاً؟ أقول إن البصريين قد قالوا بقياس إعمال صيغ المبالغة الخمس، ومنهم من اقتصر على الثلاث الأولى منها. على أن أخذهم بالقياس في إعمال هذه الثلاث قد بُني على الكثرة في تحويل (فاعل) إليها، وإعمالها عمله. ولما ارتبط إعمالها بتحويلها، فقد أصبح الحكم بالقياس في إعمالها صراحة، مقتضياً الحكم بالقياس في تحويلها ضمناً. وكأن هذا ما حمل الدنوشري على أن يقول (مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي نحو ضرب، تقول: ضرّاب ومضراب وضروب وضريب وضَرِب) . ويسدد ما ذهبنا إليه أنهم كلما قالوا بقياس إعمال طائفة من صيغ المبالغة، مضوا في اشتقاق هذه الصيغ من فعل واحد. فانظر إلى قول ابن الحاجب في الكافية (وما صيغ منه للمبالغة كضرّاب وضروب ومضراب، وعليم وحَذِر) فقد قال ابن الحاجب بقياس إعمال الصيغ الثلاث الأولى، ومضى في اشتقاقها من (ضَرب) نفسه، فقال (كضرّاب وضروب ومضراب) ، على حين ذهب إلى إعمال صيغتي (فعيل وفَعِل) سماعاً، فاشتق كلاً منهما، من فعل، فقال (وعليم وحَذِر) . قال الرضي في شرح قول ابن الحاجب (٢/٢٠٢) : (أبنية المبالغة العاملة اتفاقاً من البصريين ثلاثة. وهذه الثلاثة مما حُوّل إليها أسماء الفاعلين من الثلاثي عند قصد المبالغة) . أفلا يعني إيراد الصيغ الثلاث من (ضرب) نفسه، القولَ بقياس تحويل (ضارب) إليها، أي اشتقاقها من (ضرب) ؟

стр. 353

وقد ذهب الشنتمري إلى قياس إعمال الصيغ الخمس جميعاً، كما فعل سيبويه، فقال: (لأنه –أي حَذِر- مُغَيَّر من بنائه للتكثير، كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) . فـ (الأمثلة) هنا هي (الصيغ) كما وردت في كلام الأشموني والصبان وسواهما. قال ابن هشام في شرح شذور الذهب (٣٩٢) : (الثالث من الأسماء العاملة عمل الفعل: أمثلة المبالغة، وهي عبارة عن الأوزان الخمسة المذكورة محوّلة من صيغة فاعل بقصد إفادة المبالغة والتكثير) . فقول الشنتمري (كما كان ضِروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) يعني (كما كان ضروب وضرّاب ومضراب وضريب وضَرِب) أي على وفق ما جاء في كلام الدنوشري. إذا صح القياس في إعمال فعيل وفَعِل فلا يصح القياس في اشتقاقهما: مر بنا أن أخذ الأئمة بالقياس في إعمال صيغ المبالغة الثلاث الأولى مرده إلى كثرة تحويل (فاعل) إليها وإعمالها عمله، وأن الكثرة في تحويلها إذا كان قد أتاح القياس في إعمالها فلا شك أنه يأذن بالقياس في اشتقاقها أيضاً. على أن سيبويه ومن تبعه من البصريين قد قالوا بقياس إعمال (فَعِل وفعيل) من صيغ المبالغة، على قلة ما حوّل من فاعل إليهما للمبالغة. وقد أصار هذا بعض البصريين إلى أن يقولوا بالسماع في إعمالهما. واستشهد سيبويه بصحة إعمال (فَعِل) وقياسه بقول الشاعر: حَذِرٌ أموراً لا تضير وآمن ما ليس مُنجيَه من الأقدار قال الإمام الشنتمري (١/٥٨) : (الشاهد فيه نصب أمور بحَذِر لأنه تكثير حاذر. وحاذر يعمل عمل فعله المضارع فيجري حذر عند سيبويه مجراه في العمل لأنه عنده مُغيَّر من بنائه للتكثير، كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) ، وأردف: (وقد خولف سيبويه في تعدّي فَعِل وفعيل لأنهما بناءان لما لا يتعدّى كبطر وأشر، وكريم ولئيم. وسيبويه ﵀ لا يراعي في موافقته بناء ما لا يتعدى، إذا كان منقولاً عن فاعل المتعدي للتكثير وهو القياس) .

стр. 354

ففحوى المسألة أن (حذراً) لو أتى من (لازم) لكان صفة مشبهة، كما مثل الشنتمري لهذا بـ (بطِر وأشِر) . والأكثر في (فَعل) أن يأتي من لازم ويكون صفة مشبهة. وكذا الأصل في (فَعيل) ، وقد مثل له الشنتمري بـ (كريم ولئيم) . لكن حذراً وقد عمل في المفعول قد أتى من متعد لإيقاع الفعل على جهة التكثير. فهو محوّلٌ إذاً من (حاذر) اسم الفاعل، عامل عمله كضروب وضرّاب. ولا تمنع قلة إعمال (فَعل وفعيل) من الحكم بقياس الإعمال فيهما لأنهما تفرعا في العمل على أصل، وإن ضاق مسراه. وسيبويه قد بنى على (شنوءة وشَنَئي) ولا مثيل له، إجراء لـ (فَعولة) مجرى (فعيلة) لمشابهته إياها، فقال (حلوبة وحلبي وركوبه ورَكبي) . قال ابن جني في الخصائص (ط- ١٩١٣- ١/١٢١) : (وتفسيره أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف والقياس قابله، ولم يأت شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء، وكان أيضاً صحيحاً في القياس مقبولاً، فلا غرو ولا ملام) . وقد مثل النحاة لإعمال (فعيل) بـ (شبيه) . وهو في معنى (المشبه) . وقد جاء من فعل متعد هو (أشبه الشيءُ الشيءَ فهو مشبهٌ إياه) . فإذا أردت أن توقع به فعلاً لإرادة التكثير كان محولاً من اسم الفاعل عاملاً عمله. قال الشاعر: فتاتان أما منهما فشبيهة هلالاً وأخرى منهما تشبه البدرا ومعناه هما فتاتان أما واحدة منهما فشبيهة هلالاً فأعمل صيغة المبالغة وهو شبيهة إعمال اسم الفاعل (مشبهة) فنصب بها المفعول به وهو قوله (هلالاً) . وقد مثلوا لإعمال (فعيل) بـ (أكيل) أيضاً. قال حاتم الطائي: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي

стр. 355

واختلف النحاة في (أكيل) ، فمن قدّر في معناه المبالغة جعله محوّلاً عن (آكل) . ومن رأى أنه (المؤاكل) اعتده صفة للثبوت على (فعيل) بمعنى مفاعل. وهكذا نذير بمعنى منذر. قال صاحب المغني (وأما قوله تعالى نذيراً للبشر، فإن كان النذير بمعنى المنذر فهو مثل فعال لما يريد، وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في سقيا لزيد) . *** على أن هذا الذي اعتمده سيبويه في القول بقياس إعمال (فَعِل وفعيل) لا يقتضى القول بالقياس في اشتقاقهما. فالقياس في الإعمال إنما بني على القليل لأنه أصل، أما القياس في الاشتقاق فليس له ما يسنده من أصل أو كثرة. ذلك أن الأصل في الوصف إذا كان على (فَعِل) أن يشتق من فعل لازم على (فَعِلَ) بفتح فكسر، فيكون صفة مشبهة على الثبوت. وقلما يكون صيغة مبالغة تشتق من متعد لإرادة إيقاع الحدث على جهة التكثير. وكذلك (فعيل) فبابه إذا كان بمعنى الفاعل أن يكون صفة مشبهة تشتق من (فعُل) بالضم أو (فَعِل) بالكسر، وهما لازمان. أو يكون بمعنى المفاعل كالجليس والأكيل والنديم بمعنى المجالس والمؤاكل والمنادم، وهذه لا تعمل باتفاق. ويندر أن يأتي لإيقاع الحدث من متعد على جهة التكثير ليعد صيغة مبالغة كعليم من عالم، وكرحيم من راحم عند من رأى أنه للمبالغة كما ذكره ابن يعيش في شرح المفصل (٦/٧١) وأبو البقاء في كلياته (٢/٣٧١) ، وقد ذهب هذا في موضع آخر إلى أنه صفة مشبهة من رحُم بالضم، معدولاً به عن رحِم بالكسر. وقد قالوا بمبالغة نذير وسميع وأليم وشبيه من منذر ومُسمع ومؤلم ومشبه وهو نادر أيضاً. ومن ثم كان القياس في إعمال (فَعِل وفعيل) لإيقاع الحدث على جهة التكثير صيغتين للمبالغة لا يستدعي قياساً في اشتقاقهما. صيغة فعَّال في المبالغة:
следующие страницы →