← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2120

دراسات في النحو

صلاح الدين الزعبلاوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والذي عندي أنه إذا أنعمنا النظر في كلام ابن مالك، ألفينا أنه يشير إلى كثرة تحويل (فاعل) إلى فعَّال ومفعال وفعول، من صيغ المبالغة، وقد أوجب ذلك أن تنوب منابه في تأدية عمله عند إرادة التكثير. فانظر إلى قول الإمام الأشموني (أي كثيراً ما يحوّل اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة بقصد المبالغة والتكثير) . أفلا تستوجب كثرة التحويل هذه دعوى القياس في اشتقاق صيغ المبالغة، كما استحقت قياس إعمالها!. قال الشيخ محمد الخضر حسين في مقال آخر له في مجلة المجمع القاهري (٢/٥٤) : رجعنا إلى كتب الصرف فوجدنا كثيراً منها لا يتعرض لصيغة فعَّال من ناحية أنها قياسية أو سماعية، ولا يزيد على أن يذكر أنها صيغة تأتي بدلاً من اسم الفاعل للدلالة على المبالغة في معنى الفعل، ووجدنا طائفة يتعرضون لمجيء فعَّال ومفعال وفعول بدلاً من اسم الفاعل ويصفونه بالأكثر، كما قال الأشموني في شرح الخلاصة) . وأردف: (ووجدنا طائفة ثالثة تصرّح بأن الصيغ الخمس: فعَّالاً ومفعالاً وفعولاً وفعيلاً وفَعِلاً، المأخوذة من فعل متعد، قياسية. قال الشيخ الدنوشري: يُنظر هل التحويل إلى الخمسة المذكورة قياسي أو سماعي، أو قياسي في الثلاثة الأولى: فعال ومفعال وفعول، سماعي في الأخيرتين: فعيل وفَعِل، ثم قال: مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي: نحو ضرب، تقول: ضَرّاب ومضراب وضروب وضريب وضرب) على ما جاء في حواشي ياسين على التصريح. فأنت ترى أن الإمام الدنوشري قد نبه على قياس الاشتقاق في صيغ المبالغة الخمس، بل جعل ذلك مذهب البصريين. قال الشيخ محمد الخضر حسين في التعليق على كلام الإمام الدنوشري (وهذا النص يدل على أن صوغ فعَّال من الفعل المتعدي قياسي كسائر أبنية المبالغة) . ولكن ما وجه قول الإمام الدنوشري بقياس صوغ أبنية المبالغة الخمسة من كل فعل متعد، بل ما وجه دعواه أن هذا هو مذهب البصريين ولم يصرح به أحد منهم؟

стр. 352

لم يعرض الشيخ محمد الخضر حسين لهذا، على حين أشار أن كتب الصرف لم تصرّح بمثل هذا القياس، فما توجيه قول الإمام الدنوشري إذاً؟ أقول إن البصريين قد قالوا بقياس إعمال صيغ المبالغة الخمس، ومنهم من اقتصر على الثلاث الأولى منها. على أن أخذهم بالقياس في إعمال هذه الثلاث قد بُني على الكثرة في تحويل (فاعل) إليها، وإعمالها عمله. ولما ارتبط إعمالها بتحويلها، فقد أصبح الحكم بالقياس في إعمالها صراحة، مقتضياً الحكم بالقياس في تحويلها ضمناً. وكأن هذا ما حمل الدنوشري على أن يقول (مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي نحو ضرب، تقول: ضرّاب ومضراب وضروب وضريب وضَرِب) . ويسدد ما ذهبنا إليه أنهم كلما قالوا بقياس إعمال طائفة من صيغ المبالغة، مضوا في اشتقاق هذه الصيغ من فعل واحد. فانظر إلى قول ابن الحاجب في الكافية (وما صيغ منه للمبالغة كضرّاب وضروب ومضراب، وعليم وحَذِر) فقد قال ابن الحاجب بقياس إعمال الصيغ الثلاث الأولى، ومضى في اشتقاقها من (ضَرب) نفسه، فقال (كضرّاب وضروب ومضراب) ، على حين ذهب إلى إعمال صيغتي (فعيل وفَعِل) سماعاً، فاشتق كلاً منهما، من فعل، فقال (وعليم وحَذِر) . قال الرضي في شرح قول ابن الحاجب (٢/٢٠٢) : (أبنية المبالغة العاملة اتفاقاً من البصريين ثلاثة. وهذه الثلاثة مما حُوّل إليها أسماء الفاعلين من الثلاثي عند قصد المبالغة) . أفلا يعني إيراد الصيغ الثلاث من (ضرب) نفسه، القولَ بقياس تحويل (ضارب) إليها، أي اشتقاقها من (ضرب) ؟

стр. 353

وقد ذهب الشنتمري إلى قياس إعمال الصيغ الخمس جميعاً، كما فعل سيبويه، فقال: (لأنه –أي حَذِر- مُغَيَّر من بنائه للتكثير، كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) . فـ (الأمثلة) هنا هي (الصيغ) كما وردت في كلام الأشموني والصبان وسواهما. قال ابن هشام في شرح شذور الذهب (٣٩٢) : (الثالث من الأسماء العاملة عمل الفعل: أمثلة المبالغة، وهي عبارة عن الأوزان الخمسة المذكورة محوّلة من صيغة فاعل بقصد إفادة المبالغة والتكثير) . فقول الشنتمري (كما كان ضِروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) يعني (كما كان ضروب وضرّاب ومضراب وضريب وضَرِب) أي على وفق ما جاء في كلام الدنوشري. إذا صح القياس في إعمال فعيل وفَعِل فلا يصح القياس في اشتقاقهما: مر بنا أن أخذ الأئمة بالقياس في إعمال صيغ المبالغة الثلاث الأولى مرده إلى كثرة تحويل (فاعل) إليها وإعمالها عمله، وأن الكثرة في تحويلها إذا كان قد أتاح القياس في إعمالها فلا شك أنه يأذن بالقياس في اشتقاقها أيضاً. على أن سيبويه ومن تبعه من البصريين قد قالوا بقياس إعمال (فَعِل وفعيل) من صيغ المبالغة، على قلة ما حوّل من فاعل إليهما للمبالغة. وقد أصار هذا بعض البصريين إلى أن يقولوا بالسماع في إعمالهما. واستشهد سيبويه بصحة إعمال (فَعِل) وقياسه بقول الشاعر: حَذِرٌ أموراً لا تضير وآمن ما ليس مُنجيَه من الأقدار قال الإمام الشنتمري (١/٥٨) : (الشاهد فيه نصب أمور بحَذِر لأنه تكثير حاذر. وحاذر يعمل عمل فعله المضارع فيجري حذر عند سيبويه مجراه في العمل لأنه عنده مُغيَّر من بنائه للتكثير، كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) ، وأردف: (وقد خولف سيبويه في تعدّي فَعِل وفعيل لأنهما بناءان لما لا يتعدّى كبطر وأشر، وكريم ولئيم. وسيبويه ﵀ لا يراعي في موافقته بناء ما لا يتعدى، إذا كان منقولاً عن فاعل المتعدي للتكثير وهو القياس) .

стр. 354

ففحوى المسألة أن (حذراً) لو أتى من (لازم) لكان صفة مشبهة، كما مثل الشنتمري لهذا بـ (بطِر وأشِر) . والأكثر في (فَعل) أن يأتي من لازم ويكون صفة مشبهة. وكذا الأصل في (فَعيل) ، وقد مثل له الشنتمري بـ (كريم ولئيم) . لكن حذراً وقد عمل في المفعول قد أتى من متعد لإيقاع الفعل على جهة التكثير. فهو محوّلٌ إذاً من (حاذر) اسم الفاعل، عامل عمله كضروب وضرّاب. ولا تمنع قلة إعمال (فَعل وفعيل) من الحكم بقياس الإعمال فيهما لأنهما تفرعا في العمل على أصل، وإن ضاق مسراه. وسيبويه قد بنى على (شنوءة وشَنَئي) ولا مثيل له، إجراء لـ (فَعولة) مجرى (فعيلة) لمشابهته إياها، فقال (حلوبة وحلبي وركوبه ورَكبي) . قال ابن جني في الخصائص (ط- ١٩١٣- ١/١٢١) : (وتفسيره أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف والقياس قابله، ولم يأت شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء، وكان أيضاً صحيحاً في القياس مقبولاً، فلا غرو ولا ملام) . وقد مثل النحاة لإعمال (فعيل) بـ (شبيه) . وهو في معنى (المشبه) . وقد جاء من فعل متعد هو (أشبه الشيءُ الشيءَ فهو مشبهٌ إياه) . فإذا أردت أن توقع به فعلاً لإرادة التكثير كان محولاً من اسم الفاعل عاملاً عمله. قال الشاعر: فتاتان أما منهما فشبيهة هلالاً وأخرى منهما تشبه البدرا ومعناه هما فتاتان أما واحدة منهما فشبيهة هلالاً فأعمل صيغة المبالغة وهو شبيهة إعمال اسم الفاعل (مشبهة) فنصب بها المفعول به وهو قوله (هلالاً) . وقد مثلوا لإعمال (فعيل) بـ (أكيل) أيضاً. قال حاتم الطائي: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي

стр. 355

واختلف النحاة في (أكيل) ، فمن قدّر في معناه المبالغة جعله محوّلاً عن (آكل) . ومن رأى أنه (المؤاكل) اعتده صفة للثبوت على (فعيل) بمعنى مفاعل. وهكذا نذير بمعنى منذر. قال صاحب المغني (وأما قوله تعالى نذيراً للبشر، فإن كان النذير بمعنى المنذر فهو مثل فعال لما يريد، وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في سقيا لزيد) . *** على أن هذا الذي اعتمده سيبويه في القول بقياس إعمال (فَعِل وفعيل) لا يقتضى القول بالقياس في اشتقاقهما. فالقياس في الإعمال إنما بني على القليل لأنه أصل، أما القياس في الاشتقاق فليس له ما يسنده من أصل أو كثرة. ذلك أن الأصل في الوصف إذا كان على (فَعِل) أن يشتق من فعل لازم على (فَعِلَ) بفتح فكسر، فيكون صفة مشبهة على الثبوت. وقلما يكون صيغة مبالغة تشتق من متعد لإرادة إيقاع الحدث على جهة التكثير. وكذلك (فعيل) فبابه إذا كان بمعنى الفاعل أن يكون صفة مشبهة تشتق من (فعُل) بالضم أو (فَعِل) بالكسر، وهما لازمان. أو يكون بمعنى المفاعل كالجليس والأكيل والنديم بمعنى المجالس والمؤاكل والمنادم، وهذه لا تعمل باتفاق. ويندر أن يأتي لإيقاع الحدث من متعد على جهة التكثير ليعد صيغة مبالغة كعليم من عالم، وكرحيم من راحم عند من رأى أنه للمبالغة كما ذكره ابن يعيش في شرح المفصل (٦/٧١) وأبو البقاء في كلياته (٢/٣٧١) ، وقد ذهب هذا في موضع آخر إلى أنه صفة مشبهة من رحُم بالضم، معدولاً به عن رحِم بالكسر. وقد قالوا بمبالغة نذير وسميع وأليم وشبيه من منذر ومُسمع ومؤلم ومشبه وهو نادر أيضاً. ومن ثم كان القياس في إعمال (فَعِل وفعيل) لإيقاع الحدث على جهة التكثير صيغتين للمبالغة لا يستدعي قياساً في اشتقاقهما. صيغة فعَّال في المبالغة:

стр. 356

هذا وإذا ثبت القول بالقياس في اشتقاق فعال وفعول ومفعال، فإن (فعَّالاً) هو أكثرها شيوعاً. وقد جاء للمبالغة والكثرة، كما جاء للصناعة والاحتراف والملازمة. والأصل أن يكون اشتقاق هذه الصيغ من المتعدي كما يكون من اللازم لأنها محولة من فاعل، وفاعل يأتي من لازم ومتعد. وقد أقر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مؤتمره صوغ (فعَّال) من كل ثلاثي متصرف طرداً لما سمع من ذلك. فقد جاء في مجلته (٢/٣٥) : (يصاغ فعَّال للمبالغة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم والمتعدي) ، وهو رأي حسن. وقد ذكر الشيخ محمد الخضر حسين كثيراً مما جاء على (فعَّال) من لازم كـ (الأفاك والأوّاب والبخَّال والبسَّام والتواب والتياه والثواب والحنان والحلاف والخناس والدراج والرقاص والرواغ والسباع والسجاح والسراج والكذاب والسياح والسقاط والشفاف والصخاب والصياح والضحاك والعوام والغواص والقوام والمزاح والمشاء والمكار والمياس والميال والنباح والنهاض والنوام والهطال والوثاب والوضاح والولاج والوقاع ... ) . ومن هذا (نعَّار وسعَّاء) . قال الجوهري في الصحاح: (يقال ما كانت فتنة إلا نعر فيها فلان، أي نهض فيها، وإن فلاناً لنعَّار في الفتن، إذا كان سعاء فيها) . وفي الألفاظ الكتابية لابن السكيت نحو من ذلك (١٣٦) . وقد جاء (صفاق وأفَّاق) : والأول من (صفق) . قال صاحب المصباح (وصفقت له بالبيعة صفقاً ضربت بيدي على يده. وكان العرب إذا وجب البيع ضرب أحدهما يده على يد صاحبه. ثم استعملت الصفقة في العقد) . والثاني من (أفق) . قال الجوهري: (ويقال أفق إذا ذهب في الأرض) . وفي النهاية لابن الأثير (وفي حديث لقمان: صفَّاق أفَّاق، هو الرجل الكثير الأسفار والتصرّف في التجارات) . صيغة فعَّال في الصناعة:

стр. 357

وقد استعمل العرب صيغة (فعَّال) في قصد آخر يناسب المبالغة والكثرة، وهو الصناعة والاحتراف وملازمة الشيء، فقالوا (الجمَّال والقصَّاب والخراط والدلال والسياف والعطار والحداد) ونحو ذلك، فما الذي قاله الأئمة في صوغه؟ صرح كثير من الأئمة بقياس (فعَّال) في هذا الباب، وهو باب النسب إلى الصناعة قال صاحب الهمع (٢/١٩٨) : (ومنها الإغناء عن ياء النسب بصوغ فعَّال من الحرفة كخباز وقزاز وسقاء وبناء وزجاج وبزاز، ويقال خياط ونجار..) وقال (وقد يقوم فعَّال مقام فاعل كنبال بمعنى نابل، أي صاحب نبل. وقد يقوم فاعل مقام فعال كحائك في معنى حواك لأن الحياكة من الحرف ... ) وأردف (وكل هذا موقوف على السماع ولا يقاس شيء منه وإن كان قد كثر في كلامهم. قال سيبويه: فلا يقال لصاحب البر برار ولا لصاحب الشعير شعار ولا لصاحب الدقيق دقاق ولا لصاحب الفاكهة فكاه) . واستدرك فقال (والمبرد يقيس باب فاعل وفعال لأنه في كلامهم أكثر من أن يحصى) . ولم يستبعد ابن يعيش قياس (فعال) هذا، فقال في شرح المفصل (وكثر فعال حتى لا يبعد دعوى القياس فيه، وقل فاعل، فلا يمكن دعوى القياس فيه) . وقد أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقياس (فعال) للصناعة فقال: (يصاغ فعال قياساً للدلالة على الاحتراف وملازمة الشيء. فإذا خيف لبس بين صانع الشيء وملازمه، كانت صيغة فعال للصانع، وكان النسب بالياء لغيره. فيقال زجَّاج لصانع الزجاج، وزجاجي لبائعه) . وقد عاب الأستاذ أسعد خليل داغر على الأب أنستاس ماري الكرملي قوله (بياع سماد) ، قال والصواب (بائع) . فاحتج الأب لورود (بياع) في مستدرك التاج، وفي مقدمة الأدب للزمخشري. واحتج الدكتور مصطفى جواد بالقياس فأحال داغراً على قول ابن عقيل (يصاغ للكثرة فعال ومفعال وفعول وفعيل وفعل، فتعمل عمل الفعل على حد اسم الفاعل) ، كما جاء في كتاب أغلاط اللغويين القدماء للأب الكرملي. فما الرأي في هذا؟

стр. 358

صواب المسألة عندي أن (البياع) صيغة للاحتراف أو النسب إلى الصناعة، وقد استظهر الدكتور مصطفى حداد بقول ابن عقيل في صيغ المبالغة لا في النسب. وليس في قول ابن عقيل هنا ما يحتج به أصلاً لأن كلامه على قياس الأعمال في صيغ المبالغة ولم يصرح بقياس الاشتقاق. ولو أخذ جواد بقول ابن عقيل في (فعال) الذي هو للنسب، لجاز ذلك منه. قال ابن مالك: ومع فاعل وفعَّال فَعِل في نسب أغنى عن اليا فقُبل وغير ما استَلفتَه مقرراً على الذي يُنقل منه اقتصرا فقال ابن عقيل: (باب ما جاء من المنسوب مخالفاً لما سبق تقريره فهو من شواذ النسب التي تحفظ ولا قياس عليها) . وقال الأشموني: (يعني أن ما جاء من النسب مخالفاً لما تقدم من الضوابط شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه) . وإذا كان فحوى ذلك أن ما جاء على فاعل وفعال وفَعل، قد جاء على ضابط وأنه مقبول. وأن ما سواه مما لم يوقف فيه على ضابط فإنه شاذ لا يقاس عليه. أقول إن هذا لا يعني أن ما جاء على هذه الصيغ مقيس بالضرورة، لكن المبرد كما رأيت قد قال بقياس (فعال) على ما جاء في الهمع، وأشار إليه الأشموني بقوله (والمبرد يقيس هذا) أي يقيس فعالاً، كما ذكر ابن يعيش في شرح المفصل أن كثرة فعال تؤذن بقياسه. هذا وقد ذكر سيبويه والثعالبي (البياع) فيما جاء على (فعال) . قال سيبويه في الكتاب (٢/٢٦١) : (ومما تُمال ألفه قولهم كيال وبياع) . وجاء في فقه اللغة في فصل (أسماء فارسية منسية وعربيتها محكية مستعملة/ ٤٥٠) قول الثعالبي (المساح والبياع والدلال والصراف والبقال والجمال والقصاب والفصاد والخراط) . وذكر الأشموني (البياع) في كلامه فقال (قالوا لبياع العطر ولبياع البتوت وهي الأكسية عطار وعطري، وبتَّات وبتي) . صيغة فعول في المبالغة:

стр. 359

أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقياس اشتقاق (فعول) للمبالغة من المتعدي واللازم حين الحاجة، وهو رأي صائب. وقد تقدم أن من الأئمة البصريين من يقول بقياس اشتقاقه. ويؤيد قياس (فعول) ما جاء في التاج (والمعقرب: النَّصور، كصبور من الصبر للمبالغة، المنيع.. قال شيخنا، ولو قال الناصر البالغ المنعة كان أدل على المراد وأبعد عن الإبهام، لأن بناء فعول من نصر، ولو كان مقيساً، لكنه قليل الاستعمال، ولا سيما في مقام التعريف لغيره) . فدل كلامه على أن صوغ (فعول) قياس، على كل حال. وإذا كنا قد أبينا (فعيلاً) للمبالغة من لازم، فإن مجيء (فعول) منه، سائغ متقبل. وقد أحصى الأستاذ محمد شوقي أمين عضو مجمع اللغة العربية القاهري، مما جاء على فعول وهو من اللازم، مائة مثال أو يزيد، كما جاء في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (لشهر نيسان ١٩٥٥م) . ولكن ما بال اسم المبالغة (فعول) هذا لا يتسع للازم ويضيق عنه اسم المبالغة (فعيل) فلا يأتي إلا من متعد. أقول الأصل في (فعيل) أن يكون صفة مشبهة، وهو مبني غالباً على (فعُل) بالضم، ولا يكون هذا إلا لازماً. فإذا خرج عن بابه إلى المبالغة لإيقاع الفعل على جهة التكثير فلا بد أن يبنى على غير اللازم. أما (فعول) فالأصل أن يكون لإيقاع الفعل على جهة التكثير، ولا يقتضي حاله هذا أن يختص بلازم أو متعد، كما اقتضى حال (فعيل) في الأصل. ومن ثم اتسع لهما جميعاً وكثر ما جاء منه. بل من هنا ضاق مسرى (فعيل) إذا كان للمبالغة فقلّ تحوله عن اسم الفاعل. وقد أحصى الدكتور إبراهيم أنيس عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة في معجم الفيروزابادي (٣٧٩) مثلاً لفعول، على حين لم يقع على أكثر من (١٤٧) مثالاً، من مفعال، كما جاء في مجلة المجمع القاهري الثامنة عشرة.

стр. 360

ومن نافلة القول أن يكون (فعول) للمبالغة سواء بُني على متعد أو لازم، لكنه هل يحتمل أن يكون صفة مشبهة إذا كان من لازم؟ عندي أنه لا يتأتى هذا إلا بشرط واحد. فقد جاء النص على أن (فعولاً) ، من صيغ المبالغة، وأنه يستوي فيه التذكير والتأنيث ما دام بمعنى الفاعل، وإنه لكذلك. فأنت تقول رجل صبور وامرأة صبور ورجل غيور وامرأة غيور. فلا مساغ إذن لأن يكون صفة مشبهة، لأن النص على أن الصفة المشبهة لا يستوي فيها المذكر والمؤنث. لكنه إذا أتى من فعول ما أُنث بالتاء شذوذاً قيل إنه صفة مشبهة. هذا و (فعول) محمول على (الاسمية) لعدم بنائه على صيغة فعلية خاصة به. قال ابن سيده في المخصص (١٦/١٣٨) : (اعلم أن فعولاً إذا كان بتأويل فاعل لم تدخله تاء التأنيث إذا كان نعتاً لمؤنث. تقول امرأة ظلوم وغضوب وقتول. ومعناه امرأة ظالمة فصرف عن فاعلة إلى –فعول- فلم تدخله هاء التأنيث لأنها لم تبن على الفعل) وأردف (وذلك أن فاعلاً مبني على –فعَل- ومُفعلا مبني على –أفعل- وفعيلاً مبني على فعُل، وفعِلاً مبني على فعِل. فلما لم يكن لفَعول فعلٌ تدخله تاء التأنيث تُبنى عليه، لزمه التذكير لهذا المعنى. فإذا كان فعول بمعنى مفعول دخلته التاء ليفرقوا بين ماله الفعل وبين ما الفعل واقع عليه) . فالأصل في التاء الفارقة أن تدخل على الفعل. وتدخل اسم الفاعل والمفعول لمشابهتهما الفعل لفظاً ومعنى. وحملت الصفة المشبهة على اسم الفاعل والمفعول لمشابهتها إياهما. وفحوى كلام ابن سيده أن ما كان من الصفات بتأويل (فاعل) لحقته التاء إذا بني على فعل يختص به غالباً، كما اختص (فاعل) بفعَل، ومُفعل بأفعل. وفعيل بفعُل، وفعِلٌ بفعِل، وفعال بما بني عليه (فاعل) .

стр. 361

أما (فعول) فلم يختص بفعل يغلب عليه بناؤه. لتدخله التاء كما تدخل الفعل الذي بني عليه. والواقع أنه قد سمع (فعول) مبنياً على فعَل وفعِل لازمين ومتعدّيين وعلى فعُل ولا يكون إلا لازماً. أما فاعل فقد ذهب الجمهور إلى أن بناءه من الأصل على (فعَل) لازماً ومتعدياً، و (فعِل) متعدياً. فقد قال العرب (فعول) من فعُل كنزور من نزر إذا قل فقيل امرأة نزور قليلة اللبن، ولم يسمع نازر لأن فاعلاً لا يبنى على فعُل. وقيل كسول من كسِل، وحصور من حصِر ورؤوم من رئم وفروق من فرق ولم يُسمع في معناها (فاعل) لأن فاعلاً لا يُبنى عند الجمهور على فعِل لازماً. وقد أدى هذا إلى كثرة (فعول) في المبالغة. قال الدكتور إبراهيم أنيس عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مجلة المجمع (١٨/٨٢) : (والذي يبعث على الحيرة هو التسوية بين هاتين الصيغتين: فعول ومفعال، في فكرة القياسية، رغم أن ما ورد من أمثلة فعول في المعاجم العربية يكاد يبلغ ثلاثة أمثال ما ورد فيها من صيغة مفعال. ففي إحصاء سريع من قاموس الفيروزابادي تبين لنا أن عدد أمثلة فعول –٣٧٩- على حين أن عدد أمثلة مفعال –١٤٧-) . فإذا كانت فعول للمفعول ألحقت بها التاء فرقاً بينها وبين ما هو للفاعل. عدو على صيغة فعول: هذا وقد جاء في التنزيل (إن هذا عدوٌ لك ولزوجك –طه/ ١١٧) فما القول (عدو) هذا؟ بحث صاحب المغني (عدواً) في الآية، كما بحث (أكيلاً) في قول الشاعر: إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي قال ابن هشام (١/١٧٧) : (وفيه نظر لأن عدواً وأكيلاً، وإن كانا بمعنى معاد ومؤاكل، لا ينصبان المفعول، لأنهما موضوعان للثبوت وليسا مجاريين للفعل في التحرك والسكون، ولا محولان عما هو مجار له. لأن التحويل إنما هو ثابت في الصيغ التي يراد بها المبالغة) وأردف (وإنما اللام في البيت للتعليل وهي متعلقة بالتمسي، وفي الآية متعلقة بمستقر محذوف صفة لعدو، وهي للاختصاص) .

стр. 362

يريد صاحب المغني أن ينفي عن (عدو) و (أكيل) صيغة المبالغة في الآية والبيت، وهو يرى أن العدو والأكيل بمعنى المعادي والمؤاكل. وما جاء بمعنى مفاعل كجليس ونديم وسمير لا يعمل باتفاق. ومن ثم لم تكن اللام في العبارتين للتقوية. وإنما هي في (عدو لك) للاختصاص، وفي (فالتمسي له أكيلا) للتعليل. وعلق الشيخ محمد الأمير على كلام ابن هشام فلم ير بأساً في أن يكون (عدو) في الآية، و (أكيل) في البيت، للمبالغة، بل رأى أن المعنى يؤيد هذا، وخالفه فيه الشمني. وعندي أن المعول الأول في الحكم ها هنا، على الدلالة. فأقرب شيء يمكن أن يرد إليه (عدو) هو عَدا عَداءً. والعَداء هو الظلم كما جاء في الأفعال لابن القوطية، لكنه هو العداوة أيضاً. قال الجوهري في الصحاح (العادي: العدوّ) . فإذا كان (عدو) مبنياً على (عدا) اللازم، فينبغي أن يكون صيغة مبالغة من لازم محولاً من (عادِ) ، هذا هو الأصل. قال ابن السكيت (فعول إذا كان في تأويل فاعل كان مؤنثه بغير هاء نحو رجل صبور وامرأة صبور) . إلا أن يكون (عدوّ) هذا مؤنثه (عدوة) فيكون صفة مشبهة.

стр. 363

قال ابن السكيت: (إلا حرفاً واحداً جاء نادراً قالوا هذه عدوة الله) . ومعنى هذا أن الأصل في (فعول) أن يكون صيغة مبالغة يستوي فيه التذكير والتأنيث، فإذا أنث كان شاذاً. ولا يعني شذوذه هذا اقترانه بتاء التأنيث فحسب، وإنما يعني إلى ذلك صيرورته صفة مشبهة. ولم أر من صرح بهذا، غير أنه جاء في المصباح قول للأزهري (إذا أريد الصفة قيل عدوة) . وقد يتسامح الأئمة حيناً فيقحمون (فعولاً) في الصفات المشبهة. فقد اعتد ابن الحاجب في الشافية (فعولاً) زنة من زنات الصفات المشبهة، ومثل له بـ (غيور) من غار يغير لازماً على فَعِلَ بالكسر، ووقور من وقُر يَوقُر لازماً على فَعُلَ بالضم، ولم يعرض الرضيّ في شرحه لهذين المثالين (١/١٤٣-١٤٨) . وقد حكى الشيخ مصطفى الغلاييني (غيوراً) صفة مشبهة في كتابه جامع دروس اللغة العربية، كما جاء محمد أحمد المكاوي الأستاذ بكلية الدراسات العربية بجامعة القاهرة في كتابه التطبيقات العربية بـ (وقور) صفة مشبهة. والذي يفهم من كلام الأئمة أن (فعولاً) كغيور ووقور صيغة مبالغة لا صفة مشبهة، ولو التبس ما بُني من (فعول) من الفعل اللازم بالصفة المشبهة لتقارب دلالتيهما فصيغة المبالغة تدل على التكثير والصفة المشبهة تدل على الثبوت. إذ كيف يتفق أن يكون الأصل في الصفات المشبهة أن تدخلها التاء الفارقة، وأن يكون الأصل في (فعول) بمعنى الفاعل ألا تدخله هذه التاء، ثم يكون فعول صفة مشبهة. وليس هذا حسب، بل كل ما ذكروه مما دخلته التاء من فعول هو (عدو) . إذ جاء في كلام الصفدي على لامية العجم (٢/٢٧٦) : (لم يأت فعول بهاء إلا في عدوة) . وإذا كان قد شذ من الصفة المشبهة صفات استوى فيها التذكير والتأنيث فقد جاء هذا من (فعيل) بمعنى الفاعل، وهو أصل في الصفة المشبهة كبعيد وقريب وصديق وكفيل.

стр. 364

ففعول إذن صيغة مبالغة لا صفة مشبهة. وهو محمول على الاسمية لا على الوصفية، فجمعه جمع الأسماء لا جمع الصفات، ويستوي فيه التذكير والتأنيث خلافاً للصفات المشبهة. ولو قالت العرب (غيورة ووقورة) لاختلف الحال. قال سيبويه (٢/٢٠٨) : (وأما ما كان فعولاً فإنه يكسر على فعُل عند جمع المؤنث أو جمع المذكر.. وأما ما كان وصفاً للمؤنث فإنهم قد يجمعونه على فعائل.. وكما كسروا الأسماء وذلك قدوم وقدائم وقدُم) وأضاف: (وليس شيء من هذا وإن عنيت به الآدميين يجمع بالواو والنون، كما أن مؤنثه لا يجمع بالتاء، لأنه ليس فيه علامة التأنيث، لأنه مذكر الأصل) . وقال في موضع آخر (٢/٢٠٩) : (كما كسر فعول على فعُل فوافق الأسماء) . وقال الرضي في شرح الشافية (٢/١٣٣) : (وحق باب عدو أن يجمع بالواو والنون، لكنه استعمل استعمال الأسماء فكسر تكسيرها) . وإذا حققنا في جمع (عدو) ألفيناه يجمع جمع الصفات فيكون هذا جمع (عدو) الذي يؤنث بالتاء لأنه صفة مشبهة. ويجمع جمع الأسماء فيكون هذا جمع (عدو) اسم المبالغة الذي يستوي فيه التذكير والتأنيث. أما جمع الصفات فهو (الأعداء) . وجمع (أفعال) هذا يجمع عليه الاسم ولكن يجمع عليه الصفة أيضاً. فقد جاء في الهمع (٢/١٧٤) : (أفعال يطرد في اسم ثلاثي لم يطرد فيه أفعل ... والوصف كجلف وأجلاف وحر وأحرار.. وكذا غير الثلاثي كشريف وأشراف) . فكأنهم حملوا الصفة من فعول وهو (عدو) الذي يؤنث، على الصفة من فعيل كشريف فقالوا (أعداء) كما قالوا (أشراف) ، وكثيراً ما حمل فعول على فعيل. أما جمع الأسماء فهو (العدى) بكسر العين وضمها. وهو جمع للأسماء دون الصفات. فقد جاء في المصباح أن فعِلاً أو فُعلاً ليس جمعاً للصفات وإنما هو جمع للأسماء، قال: (لأن باب عنب مختص بالأٍسماء ولم يأت منه الصفات إلا قوم عدى، وضم العين لغة فيه) وعدوّ هذا الذي يجمع على عِدى هو اسم مبالغة ولو عد وصفاً.

стр. 365

أما قولهم (العُداة) فهو جمع (عاد) كقضاة جمع قاض وغزاة جمع غاز. وأما الأعادي فهو جمع الجمع، ولو التبس أمر هذه الجموع في كثير من نصوص المعجمات والأمهات اللغوية. هذا ويحمل (عدو) الصفة المشبهة على لازم، والذي هو اسم مبالغة على (متعد) . قال القرطبي في قوله تعالى (اهبطوا بعضكم لبعض عدو- البقرة/ ٣٦) : (والعدو خلاف الصديق، وهو من عدا إذا ظلم. وذئب عَدَوان يعدو على الناس) فبناه من لازم. وقال (وقيل هو مأخوذ من المجاوزة من قولك لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك..) فبناه من متعد. ونحو من ذلك ما جاء في البحر المحيط لأبي حيان. صيغة مِفعال في المبالغة: إذا كان الأئمة قد ساووا بين مفعال وفعَّال وفعول في قياس الإعمال، فلا شك أن فعالاً وفعولاً أثبت في دعوى القياس من (مِفعال) . فقد صح أن ما جاء من (فعول) من أمثلة المبالغة يكاد يبلغ ثلاثة أمثال ما ورد منها على صيغة (مفعال) . ومفعال هذا محمول على الاسمية كفعول، إذ يستوي فيه التذكير والتأنيث خلافاً لـ (فعال) . قال ابن سيده في المخصص (١٦/١٣٥) : (اعلم أن مفعالاً يكون نعتاً للمؤنث بغير هاء، لأنه انعدل من النعوت انعدالاً أشد من انعدال صبور وشكور، وما أشبههما من المصروف عن جهته، لأنه شبِّه بالمصادر لزيادة هذه الميم فيه، ولأنه مبني على غير فعل ويجمع على مفاعيل ولا يجمع المذكر بالواو والنون ولا المؤنث بالألف والتاء إلا قليلاً) .

стр. 366

ويأتي ابن سيده بأمثلة من (مفعال) فيقول: (فمن ذلك قولهم امرأة مبساق إذا وقع اللبن في ثديها. وكذلك الناقة. والشاة مذكار ومئناث إذا كان من عادتها أن تلد الإناث والذكور ومحماق إذا ولدت الحمقى، ومكياس تلد الأكياس) . والأكياس جمع كيِّس على زنة جيد، وهو الفطن الظريف الحسن الفهم. وأردف (ومنجاب تلد النجباء.. ومتئام إذا كان من عادتها أن تلد اثنين اثنين ... وامرأة مبهاج غلبت عليها البهجة، ومغناج من الغنج.. ومعطار متعطرة.. ومعطاء من العطية، ومهداء من الهدية، ومكسال من الكسل، وكذلك الذكر..) . وثمة منعاس من النعاس.. ومهراس كثيرة الأكل، ونخلة مبكار تبكر بالحمل ومئخار خلاف ذلك. وأرض مبكار وممراح ومنبات كثيرة الإنبات، ومعشاب كثيرة العشب. وسحابة مغزار كمدرار. هذا وقد رد ابن سيده مجيء (مفعال) للمؤنث والمذكر إلى أنه شبه بالمصادر لزيادة الميم فيه. وقال سيبويه إنه جمع جمع الأسماء كما جمع فعول لأنهما تشابها في استواء التذكير والتأنيث فيهما. فقد جاء في الكتاب (٢/٢٠٩) : (وأما ما كان مفعالاً فإنه يكسر على مثال مفاعيل كالأسماء وذلك لأنه شبه بفعول، حيث كان المذكر والمؤنث فيه سواء) .

стр. 367

وجاء ابن طلحة في كلامه على تفاوت الدلالة في صيغ المبالغة، برأي جدير بالنظر. فقد ذكر السيوطي في الهمع (٢/٩٧) : (وادعى ابن طلحة تفاوتها في المبالغة أيضاً، ففعول لمن كثر منه الفعل، وفعال لمن صار له كالصناعة، ومفعال لمن صار له كالآلة، وفعيل لمن صار له كالطبيعة، وفعِل لمن صار له كالعادة) . فإذا صح هذا كان فعال في المبالغة فرعاً على فعال في الاحتراف، فدخلت تاء التأنيث في الفرع حملاً على الأصل. وكان أصل (مفعال) للمبالغة مفعالاً للآلة، فامتنع تأنيث الأول حملاً على أصله أيضاً. أما فعيل وفعِل فهما في الأصل صفتان مشبهتان استعيرتا للمبالغة فعوملتا في التذكير والتأنيث معاملة الصفة المشبهة. أما (فعول) فهو أصل في المبالغة لمن يكثر منه الفعل. وقد عُدل به عن فاعل لكنه لم يطرد اشتقاقه في بناء من أبنية الفعل كما اطرد اسم الفاعل والصفة المشبهة، فخالفهما وحمل على الاسم فاستوى فيه التذكير والتأنيث. فاستبان بهذا أن العرب قد جعلت (مفعالاً) اسماً للآلة، فأطلقت (المحراك) مثلاً على العود الذي تتحرك به النار، و (المجداف والمجذاف) بالدال والذال، على الخشبة الطويلة يسير بها الملاح قاربه، ثم استعارت هذه الصيغة لمن كان عمله أو صفته كالآلة كثرة واستمراراً. قال صاحب الكليات أبو البقاء (٣٩٨) : (مفعال لمن اعتاد الفعل حتى صار له كالآلة، وهذا الوزن يأتي لاسم الفاعل لغرض التكثير والمبالغة كالمفضال) . ونحو ذلك (مِفعَل) بكسر الأول، فهو في الأصل لـ (اسم الآلة) ثم استعمل للمبالغة أيضاً. قال زاهر التيمي: ومِحَشِّ حرب مُقدم متعرّض للموت غير معرّد حيَّاد

стр. 368

قال المرزوقي في شرح الحماسة (يقال حششت النار إذا جمعت الحطب إليها وهجتها، كأنه جعله آلة في حش نار الحرب، لأن المفعَل للآلات) . وقال في قول الشاعر (مِسعر لحروب..) (المسعر الذي كأنه آلة في إيقاد الحرب) . وقد قالوا: امرأة مغشم ورجل مغشم للذي لا يثنيه شيء عما يريد لشجاعته، وامرأة مِكز ملازمة للخصومة. صيغة فُعله للمبالغة: فُعله بضم ففتح تأتي للفاعل وتكون للمبالغة وتصاغ من لازم ومتعد بل تبنى حيناً على غير فعل. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق (١٧٦) : (اعلم أن ما جاء على فُعله بضم الفاء وفتح العين من النعوت، فهو في تأويل فاعل، وما جاء على فُعلة ساكنة العين فهو في معنى مفعول به) . وقال ابن سيده في المخصص (١٦/١٧١) : فُعَلَة مما يجري على الفعل أو يفارقه) . ومما جاء على فُعَلَة: رجل نكحة كثير النكاح، وعُرقة كثير العرق، ومسكة بخيل، ونتفة للذي ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه، وحولة محتال، وخُدعة كثير الخداع، وخرجة وُلَجه أي متصرف، وهُزأة يهزأ بالناس وسخرة بهم وضحكة يضحك بهم، وهُمزة لمزة يهمز الناس ويلمزهم أي يعيبهم، وخذلة يخذلهم وكذبة يكذبهم، وصُرعة شديد الصراع، وضجعة قعدة نومة كثير الاضطجاع والقعود والنوم خامل، وتكأة كثير الاتكاء ولعبة كثير اللعب، وهزرة كثير الكلام، وأمنة يثق بكل أحد. وامرأة طُلعة كثيرة التطلع، وأكلة شربة كثير الأكل والشرب وسؤلة كثير السؤال.

стр. 369

وعقد الأستاذ عطية الصوالحي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة فصلاً حول (فُعلة) تقدم به إلى مؤتمر المجمع في دورته الرابعة والثلاثين، تضمن اقتراحاً بإطراد صوغ (فعلة) بضم الفاء وفتح العين للدلالة على الكثرة، وقد خلصت لجنة الأصول من بحثها إلى أنه (يجوز أن يصاغ من الفعل الثلاثي القابل للمبالغة صيغة على وزن فعلة بضم الفاء وفتح العين كضحكة وصفاً للمذكر والمؤنث للدلالة على التكثير والمبالغة. وإذا أدى الصوغ من المعتل اللام إلى لبس، وجب التصحيح، فيقال سُعية من سعى، ودُعوة من دعا) . ومعنى قوله (وإذا أدى الصوغ من الفعل..) أن فُعَلَة من سعى (سُعية) قبل الإعلال، على أن من حق الياء فيه أن تُعل فتقلب ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فيصبح اللفظ (سُعاة) ، فيقع اللبس بين فُعلة المصوغ من سعى وهو (سُعاة) وبين جمع (ساع) وهو سُعاة أيضاً. ولذا يُستغنى عن الإعلال ويبقى النعت على (سُعية) بالياء المفتوحة دون إعلال دفعاً للبس، وكذلك الأمر في (دُعوة) . صيغة فِعِّيل للمبالغة:

стр. 370

أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقياس (فعيل) بكسر الأول وتشديد الثاني، ولم يقل بهذا أحد من القدماء، بل حذَّر بعضهم من قياسه. فقد جاء في المزهر للسيوطي ٢/٩٦) : (قال ابن دريد في الجمهرة جاء من الأول: رجل سِكير دائم السكر، وخمِّير مدمن على الخمر، وفسيق فاسق، وخبِّيث من الخبث، وحدِّيث حسن الحديث، وزاد الفارابي في ديوان الأدب: شريب المولع بالشراب، وخريب الدليل، وصميت دائم الصمت..) ، وأردف: (قال ابن دريد في الجمهرة بعد سرده هذه الألفاظ: اعلم أنه ليس لمولد أن يبني فعيلاً إلا ما بنته العرب وتكلمت به. ولو أجيز لقلب أكثر الكلام، فلا تلتفت إلى ما جاء على فعيل مما لم تسمعه إلا أن يجيء فيه شعر فصيح) . وقد جاء ذلك في الجمهرة لابن دريد (٣/٣٧٥) في باب ما جاء على فعيل. أقول إذا كثر مجيء (فعِيِّل) للمبالغة وكان أصلاً في هذا المعنى، فأي بأس بأن نأخذ بقياسه. قال الدكتور إبراهيم أنيس في مجلة المجمع القاهري (١٨/٨٥) : (وقد أمكن لنا في إحصاء سريع أن نجمع من معجم لسان العرب ومحيط الفيروزابادي نحو –٧١- مثالاً، رويت عن العرب القدماء هي صدّيق وصريع وشريب وقليب..) . أما تحذير ابن دريد من الأخذ فيه بالقياس فقد يُرى دليلاً على كثرة ما جاء منه واجتراء بعضهم على الأخذ فيه بالقياس وإلا فما وجه تحذيره هذا لو كانت الأمثلة من (فعيل) نادرة في الأصل لا تؤذن بدعوى القياس فيه، ولا تُغري أحداً بالصوغ على مثاله. وقد جاء في قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة (في اللغة ألفاظ على صيغة فعيل من مصدر الفعل الثلاثي اللازم والمتعدي للدلالة على المبالغة، وكثرتها تسمح بقياسيتها. ومن ثم يجوز أن يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي لازماً ومتعدياً، لفظ على صيغة فعيل بكسر الفاء وتشديد العين لإفادة المبالغة) (مجلة المجمع القاهري للدورة-٣٣) .

стр. 371

و (فعيل) أصل في هذا الباب، فمعظم ما جاء منه، إنما هو للمبالغة، وجاءت على هذه الزنة أسماء قليلة. قال الدكتور إبراهيم أنيس بعد أن عدد (٧١) مثالاً من (فعيل) وقع عليها في معجم اللسان والفيروزابادي -وكلها تفيد المبالغة في الفعل- (وورد أيضاً في اللسان والمحيط نحو -٢٠-مثالاً من هذه الصيغة تعبر عن أسماء الأشياء. ولعلها كانت في وقت من الأوقات صفات) . من ذلك (القليب) اسم للذئب، وكأنه سمي بذلك لتقلبه وخداعه. ففي الجمهرة (وقليب من أسماء الذئب لغة يمانية) . وكذلك (العرِّيس) فهو اسم لموضع الأسد الذي يعتاده، وهو من عرّس بالشيء إذا لزمه. وعرّس القوم نزلوا من السفر للاستراحة. ومن ذلك (سجين) في قوله تعالى (إن كتاب الفجَّار لفي سجِّين- المطففين/٧) ، فقد جاء في اللسان (قيل إن كتابهم في حبس لخساسة منزلتهم عند الله ، وجاء فيه (هو فِعيل من السجن كأنه يُثبت من وقع به فلا يبرح مكانه) . هذا وفعيل أصل في المبالغة، ولم يذكر فيما استوى تذكيره وتأنيثه، فهو كالصفة المشبهة تلحقه التاء ويجمع جمع تصحيح. قال سيبويه (٢/٢٠٩) : (وأما الفعيل فنحو شريب وفسيق، تقول شريبون وفسيقون) . *** هذا ما رأينا تفصيله وبسط القول فيه حول القياس عامة، وقياس الاشتقاق في صيغ المبالغة خاصة. ونرجو ألا نكون قد أسهبنا إلا فيما مست الحاجة إلى الإسهاب فيه، تبييناً لما استقر في هذا الباب من ضوابط كان لا بد في الكشف عنها وانقياد ما تصعَّب منها، من تقصي القول واستيفاء الشاهد وإقامة الدليل، بما لا يخرج الفصل عن غرضه. ومن الله العون.

стр. 372

التفاعُل والمفَاعَلة عند النحاة اتفق لنا، في فصل سابق، البحث في المفاعلة من مصادر أفعال المشاركة، فعمدنا إلى تفصيل الكلام في بنيتها اللفظية ومختلف دلالاتها، ووجوه لزومها وتعدّيها، وسنجلو البحث هنا في زنة أخرى، من المصادر، تقترن بها وتمت إليها، وهي التفاعل، فنكشف عما بينهما من نسبة قد تعني التكامل حيناً، لكنها لا توجب ذلك كل حين. التفاعل والمفاعلة: يرد التفاعل للمشاركة، كما ترد المفاعلة، فيشترك جانبا التفاعل في إيقاع الفعل كل على الآخر، في مثل قولك (تضارب خالد وصالح) . ولكن إذا كانت المفاعلة، في مثل قولك (ضارب خالد صالحاً) تعني اشتراك الأول، أي خالد، في الفاعلية لفظاً ومعنى، والمفعولية معنى، واشتراك الثاني، أي صالح في المفعولية لفظاً ومعنى، والفاعلية معنى، فإن كلاً من جانبي التفاعل، في قولك (تضارب خالد وصالح) شريك في الفاعلية لفظاً ومعنى، وفي المفعولية معنى، ولا فرق بين التفاعل والمفاعلة بعد، في إفادة كونهما لاثنين فأكثر، ما داما للمشاركة. وإذا كانت المفاعلة تتعدى إلى واحد، كالمضاربة في قولك (ضارب خالد صالحاً) فإن التفاعل منها لا يتعدى إلى شيء، في مثل قولك (تضارب خالد وصالح) لانتقال المفعول الذي كان للمفاعلة، وهو (صالح) إلى الفاعلية في التفاعل. وإذا كانت المفاعلة تتعدى إلى اثنين، كقولك (نازع خالد صالحاً الأمرَ) فإن التفاعل منها يتعدى إلى ثاني المفعولين وحده، وهو المفعول المزيد في المنازعة، أي (الأمر) فنقول (تنازع خالد وصالح الأمر) ، ويرتفع المفعول الأول، وهو (صالح) داخلاً في الفاعلية. ما يعنيه التفاعل:

стр. 373

ولا يشترط في (التفاعل) أن يفيد التشارك فقد يفيد المطاوعة في مثل قولك باعدته فتباعد، والمطاوعة هنا قبول أثر الفعل، وقد يفيد إظهار ما ليس واقعاً نحو تجاهل وتغافل أي أظهر الجهل والغفلة من نفسه، وهما منتفيان لديه. ومنه تحالمت. قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: "وليس تفعّلت في هذا بمنزلة تفاعلت. ألا ترى أنك تقول تحالمت فالمعنى أنك أظهرت الحلم، ولست كذلك. وتقول تحلّمت فالمعنى أنك التمست أن تصير حليماً/ ٣٥٠". وكذلك تمارض وتغابى، أي تظاهر بالمرض والغباء. وهكذا تعامى، قال الحريري في مقامته البرقعيدية: عن الرشد في أنحائه ومقاصده ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده تعاميت حتى قيل إني اخو عمي وأخذ الزمخشري في المفصّل بقياس تفاعل إذا أريد به ما ليس واقعاً لكثرة ما جاء منه بهذا المعنى. وقد استعمل الجاحظ (تحاذق) في رسائله في ذم أخلاق الكتّاب فقال: "فإن أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله". ولم يسمع عن العرب (تحاذق) ، فإذا صح هذا كان قولهم (تعالم) إذا أظهر العلم صحيحاً قياساً على تجاهل. ومما يفيده التفاعل وقوع الحدث تدريجاً كتفاقم الأمر وتواردت الإبل وهكذا تزايد وتنامى وتكاثر وتعاظم وترافد ونحو ذلك تهافت أي تساقط قطعة قطعة، كما في الصحاح. وهكذا يصف امرؤ القيس نفسه في نزعه فيقول: فيالكِ نُعمى قد تحولتِ أبؤسا وبُدّلت قُرحاً دامياً بعد صحة ولكنها نفس تساقط أنفسا فلو أنها نفس تموت سوية أي تتساقط أنفساً. وقد يعني التفاعل مجرد وقوع الحدث كتخاطأ بمعنى أخطأ، تقول تخاطأته النبُل أي تجاوزته وتعدته فلم تصبه. وجاء في أدب الكاتب لابن قتيبة: "وتأتي تفاعلت وتفعّلت بمعنى، تقول تعطيت وتعاطيت وتجوزت عنه وتجاوزت عنه وتذأبت الريح وتذاءبت، أي جاءت مرة من ها هنا ومرة من ها هنا/٣٥٠". بناء التفاعل:

стр. 374

تقول تفاعل تفاعلاً، بضم العين في المصدر كتنازع تنازعاً بضم الزاي في المصدر. فإذا كان الفعل ناقصاً كتجافى يتجافى تجافياً، جاء المصدر بكسر العين أي كسر ما قبل الياء ليجانس الياء. وهكذا التحامي والتفاني والتصابي والتواني ... ومثل ذلك ما جاء على (التفعل) بتشديد العين كالتمني والترجي والتوقي والتجني. قالوا جاءت العين مكسورة لمجانسة الياء في المصدر الناقص، بدلاً من الضم الذي هو الأصل، لأنك لو ضممت عين الناقص قبل الياء لانقلبت الياء واواً وانضمام ما قبلها، فعدلوا عن الضم إلى الكسر ليسلم بناء الياء من القلب. وقد شذ من مصادر التفاعل (التفاوت) . قال الجوهري في الصحاح: "وتفاوت الشيئان أي تباعد ما بينهما تفاوتاً بضم الواو. وقال ابن السكيت: قال الكلابيون في مصدره تفاوتاً ففتحوا الواو. وقال العنبري: تفاوتاً فكسر الواو. وحكى أبو زيد أيضاً تفاوتاً بفتح الواو وكسرها، وهو على غير قياس ... " ويبقى التفاوت بالضم هو الأصل، أما التفاوت بالكسر أو الفتح فهو أثر مما خلفته العربية في طور من أطوارها، قبل أن تستقر فتنتهي إلى الضم. وإذا كان فاء (التفاعل) قريباً في المخرج من تاء (تفاعل) كحرف الثاء مثلاً، جاز أن تقلب التاء ثاء للتخفيف فتدغم فيها فيسكن أول المثلين في المدغم فتجتلب همزة الوصل ليمكن الابتداء بالساكن، فتقول (آثاقل) بتشديد الثاء بوزن (افَّاعل) بتشديد الفاء، مقلوباً من (تثاقل) ، كما كان (افَّاعل) بتشديد الفاء مقلوباً من (تفاعل) . وقد جاء في التنزيل: "يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض –التوبة /٣٩". قال البيضاوي في تفسيره: "وقرئ تثاقلتم على الأصل". وفي الأساس "واثَّاقل إلى الدنيا أخلد إليها". وتثاقل عنه تباطأ كما في القاموس.

стр. 375

وجاء على ذلك (ادّارأ) بتشديد الدال وأصله (تدارأ) قلب فيه (تفاعل) إلى (افَّاعل) بتشديد الفاء. قال الجوهري في الصحاح: "الدرء الدفع ... وتدارأتم وادّارأتم بتشديد الدال تدافعتم واختلفتم". وجاء في التنزيل: "وإذا قتلتم نفساً فادّارأتم فيها، والله مُخرج ما كنتم تكتمون –البقرة/٧٢". قال البيضاوي في تفسيره: "فادّارأتم فيها: اختصمتم في شأنها، إذ المتخاصمان يدفع بعضهما بعضاً، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه، وأصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال، واجتلبت لها همزة الوصل". وقال أبو البقاء العكبري في إعراب القرآن: "فادارأتم، أصل الكلمة تدارأتم، ووزنه تفاعلتم، ثم أرادوا التخفيف فقلبوا التاء دالاً لتصير من جنس الدال التي هي فاء الكلمة فيمكن الإدغام. ثم سكنوا الدال، إذ شرط الإدغام أن يكون الأول ساكناً فلم يمكن الابتداء بالساكن فاجتلبت له همزة الوصل، فوزنه الآن افَّاعلتم بتشديد الفاء مقلوب من تفاعلتم..". وجاء (ادّارك) بتشديد الدال، وأصله (تدارك) . ففي التنزيل: "كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا- الأعراف/٣٧". ومعنى (ادّاركوا فيها) تلاحقوا، كما في الجلالين. قال أبو البقاء العكبري: "يقرأ بتشديد الدال وألف بعدها، وأصلها تداركوا فأبدلت التاء دالاً وأسكنت ليصح إدغامها ثم اجتلبت لهذه همزة الوصل ليصح النطق بالساكن..". وجاء في التنزيل كذلك: "بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عَمون- النمل/٦٦". وقد جاء في تفسير الجلالين: " ... ادّارك بتشديد الدال وأصله تدارك، أبدلت التاء دالاً وأدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل، أي بلغ ولحق أو تتابع وتلاحق..". وقد جاء من ذلك اتّابعوا واصّابروا واضّاربوا واسّاقطوا واشّاجروا واذّاكروا واجّاوروا (شرح الشافية /٣٧١) واصّالحوا، كما في الصحاح.

стр. 376

ويجري مثل هذا الإبدال والإدغام في (تفعَّل) أيضاً. ومن ذلك: اطيَّر واسَّمع واصَّدق ... بتشديد الطاء والسين والصاد وأصله تطيّر وتصدّق وتسمّع. ففي التنزيل: "قالوا اطّيرنا بك ومن معك –النمل/٤٧". وفي الصحاح: "وتطيرت من الشيء وبالشيء، والاسم الطّيرَة مثل العِنَبة وهو ما يُتشاءم به من الفأل الرديء. وفي الحديث أنه كان يحب الفأل ويكره الطّيرة. وقوله تعالى: "قالوا اطّيرنا بك –النمل/٤٧، وأصله تطيّرنا فأدغمت التاء في الطاء واجتلبت الألف ليصحّ الابتداء به". وثمة اشقق بتشديد الشين والقاف وأصله تشقق، ومنه قوله تعالى: "وإن منها لما يشّقق فيخرج منه الماء /البقرة/٧٤". وجاء في التنزيل أيضاً: "لا يسَّمَّعون إلى الملأ الأعلى –الصافات/٨" بتشديد السين والميم، وهو من التسمع. قال البيضاوي: "وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه وتهويلاً لما يمنعهم عنه. ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد، من التسمع وهو طلب السماع، والملأ الأعلى الملائكة أي أشرافهم". وفي الصحاح: "وتسمّع إليه واسَّمع إليه بالإدغام". وفي التنزيل: "إن المصّدقين والمصّدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم –الحديد ١٨". قال الجوهري في الصحاح: "وقوله تعالى: إن المصّدقين والمصّدقات، بتشديد الصاد أصله المتصدقين فقلبت التاء صاداً وأدغمت في مثلها". وجاء من ذلك اتَّرس واتّبع وادّثر وازّيّن وازّمّل واضّرّع واطّوّق واطّوّع (شرح الشافية/ ٣٧١) ، بتشديد الفاء والعين فيها جميعاً، كما هو في اطيّر واسّمع واصّدق، وجاء (اصّلح) بتشديد الفاء فيه، لأن الأصل فيه اصطلح بوزن افتعل. القول في حَمى وحامى وتحامى

стр. 377

تقول حميت القوم حماية إذا نصرتهم، وحميت المكان من الناس إذا منعته منهم، والمصدر الحمي والاسم الحماية، كما في المصباح، وفي الكامل للمبرّد: "يقال حميت الناحية أحميها حمياً وحماية.. ومعنى ذلك منعت ودفعت، ويقال أحميت الأرض جعلتها حمى لا تقرب –١/٢٥٩". ونحو ذلك في الأساس قال الزمخشري: "حميت حماية.. حميت المكان: منعته أن يُقرب، فإذا امتنع وعزّ قلت أحميته أي صيّرته حمى، فلا يكون الإحماء إلا بعد الحماية ولفلان حمى لا يقرب.. ومن المجاز حميته أن يفعل كذا إذا منعته"، وحمي فيما تقدم فعل متعد إلى مفعول واحد، فهل يتعدّى إلى اثنين، فنقول (حميته الشر والأذى) إذا حميته منهما؟ أقول جاء لأبي ذؤيب أو لمالك بن خالد الخناعي قوله: صيدٌ ومستمتعٌ بالليل هجّاسُ يحمي الصريمة أحدان الرجالِ له فقرئ أحدان بالرفع على الفاعلية والصريمة بالنصب على المفعولية. لكنه قرئ كذلك بنصب الصريمة ونصب أحدان، والصريمة موضع وأحدان ما انفرد من الرجال، وهجّاس يهجس ويفكر في نفسه. وقد قال الأخفش في معناه: يحمي الصريمة من أحدان الرجال على حد قولك حميت الدار اللصّ. هذا ما جاء في شرح أشعار الهُذَليين لأبي سعيد الحسن بن الحسين السكري (١/٢٢٧) . وعلى هذا قول ابن جني في الخصائص (١/٤٤٢) : "فأما هجنه الطبع وكدورة الفكر وخمود النفس وخيس الخاطر وضيق المضطرب فنحمد الله على أن حماناه" بمعنى حمانامنه، فعدّى إلى مفعولين. وجاء في رسالة ابن القارح علي بن منصور الحلبي إلى المعري، حديث رسول الله ?: "إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا/ ٢٧" أي حماه من شرورها، وكأن قولك حميتك الشر محمول على وقيتك الشر. ففي الأساس: "وقاه الله كل سوء، ومن السوء، وقاية". وهكذا قولك حميتك الشر ومن الشر. ويتعدى (حمى) إلى مفعولين بمعنى آخر. ففي الأساس "وحميت المريض الطعام حِمية".

стр. 378

ويسألون هل يأتي (حمي) بمعنى الحماية لازماً؟ أقول قال أبو علي المرزوقي في شرح ديوان الحماسة (١/٣٨١) في قول الشاعر حريث بن جابر: كما كان يحمي عن حقائقها أبي فكنت أنا الحامي حقيقة وائلٍ قال: "ويقال حميت الحقيقة وحميت عن الحقيقة، وهو يحمي عليه ويحامي عليه". فيتبين بذلك كله أن (حَمى) من الحماية يأتي لازماً فيتعدى بعن وعلى، ويأتي متعدياً إلى مفعول وإلى مفعولين. أما (حامى) ، وليس هو من أفعال المشاركة، فإنه يتعدى بالحرف تقول (يحمي عليه ويحامي عليه) بمعنى كما قال المرزوقي فيما تقدم. وقد تكرر منه ذلك إذ قال في موضع آخر "فدافعت دونه وحاميت عليه ١/١٣٣" وقال: "مدحهم بحسن المحاماة على الجار" وقال: "لأن عادتنا تفرض علينا المدافعة عن الكرم والمحاماة على الشرف /١٦٩٤". وقد جاء هذا في كلام الجاحظ إذ قال في كتاب التربيع والتدوير: "فأما المحامي على الهزل والمفضل للمزح فإنه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال..". وفي الأساس: "حماه حماية وحامى عليه". وجاء في اللسان: "وحاميت عنه محاماة وحماء، يقال: الضروس تحامي عن ولدها". وقالت ريطة بنت عاصم: بدار المنايا والقنا متشاجر فوارس حاموا عن حريم وحافظوا قال المرزوقي في شرح ديوان الحماسة (١١٠١) : "وقولها فوارس.. وصفتهم بأنهم حفظوا ما وجب عليهم حفظه من حُرَمهم ... والحرمة ما لا يحل لك انتهاكه، وكذلك المحارم واحدتها مَحرمة.. ومن ذلك قيل حريم الدار.. وقولها وحافظوا بدار المنايا، أي ثبتوا بدار الحفاظ ودافعوا وصبروا ولم ينتقلوا عنها طلباً للسلامة". ويأتي (حمى عليه وحامى عليه) بمعنى آخر. ففي اللسان: "وحاميت على ضيفي إذا احتفلت له قال الشاعر: من لحم مُنقيةٍ ومن أكبادِ حامَوا على أضيافهم فشَووا لهم وحميت عليه: غضبت". ولم يسمع (حامى) متعدياً. فتبين بذلك أنك تقول حاميت عنه وحاميت عليه حِماه ومحاماة بمعنى الحماية.

стр. 379

وأما (تحامى) ، وليس هو من أفعال المشاركة فإنه يتعدى ولا يتعدى. ومثال المتعدي قول ابن جني في الخصائص: "تحاميت ما تحامت العرب، من ذلك –١/١٠٣". وجاء في الأساس: "ويقال احتميت منه وتحاميته" ومنه قول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني في رسائله: "ويتحامى من أخلاق الشيخ تعاطي الشرب ويقتدي به في سائر أخلاق الفضل –ط. الجوائب/١٩٩". وقول الحريري في مقامته الرقطاء: "فحييته ثم تحاميته". وفي مختار الصحاح: "وتحاماه الناس أي توقوه واجتنبوه". ومثال (تحامى) المتعدي بالحرف قول ابن جني في الخصائص: "تحامياً من اجتماع الإعلالين –١/٣٩٧". وقول الهمذاني في المقامة البشرية: "قد كانت تحامت عن ذلك الطريق /٤٤٦" أي تباعدت. القول في تعدية التفاعل مر بنا أن الأصل في مفاعلة المشاركة إذا تعدت إلى مفعولين أن يتعدى (التفاعل) إلى واحد. فأنت تقول (نازعته الأمرَ) إذا جاذبته إياه فتعدّيهِ إلى اثنين فإذا قلت (تنازعوا الأمر) عدّيته إلى واحد. وأنت تقول (جاذبته الأمرَ) فتعدّيه إلى اثنين، فإذا قلت (تجاذبوا الأمر) عدّيته إلى واحد أيضاً. ففي الأساس: "نازعه الكلام ... وتنازعوا الكأس". وفي الصحاح: "جاذبته الشيء إذا نازعته إياه.. والتجاذب التنازع". فإذا تعدت مفاعلة المشاركة إلى واحد جاء التفاعل منها لازماً لا يتعدى. فأنت تقول (نازعت فلاناً) إذا خاصمته، فإذا قلت (تنازع القوم) إذا اختلفوا وتخاصموا جئت به لازماً لا يتعدى إلى شيء. ففي المصباح: "نازعته في كذا منازعة ونزاعاً خاصمته وتنازعا فيه وتنازع القوم اختلفوا". وتقول ساءلته عنه فتعدّيه إلى واحد، وتساءل القوم فتأتي به لازماً. ففي الأساس "وساءلته عنه مساءلة وتساءلوا عنه". وفي مختار الصحاح: "وتساءلوا سأل بعضهم بعضاً". وما دام (تساءل) من أفعال المشاركة فلابد أن يأتي من اثنين فأكثر. ويقول الكتاب حيناً (تساءل فلان عن كذا) فيجعلون فاعله واحداً، فهل لهذا وجه من العربية؟

стр. 380

أقول الأصل أن يسند (تساءل) إلى اثنين فأكثر، تقول (تساءلا) إذا سأل كل منهما الآخر و (تساءلوا) إذا سأل بعضهم بعضاً، كقولك (تشارك وتشاركوا) . قال الأستاذ محمد العدناني في (معجم الأخطاء الشائعة) : "يقولون تساءل الرجل عن الأمر، والصواب تساءل الرجلان أو الرجال". ولكن ألا يأتي (تساءل) لغير المشاركة فيصح إسناده إلى واحد؟ أقول جاء في الكشاف للزمخشري في تفسير قوله تعالى: "عمّ يتساءلون. عن النبأ العظيم –١/النبأ": "يتساءلون يسأل بعضهم بعضاً أو يتساءلون غيرهم عن رسول الله ? والمؤمنين نحو يتداعونهم ويتراءونهم" فقد فسَّر (تساءلوا) بمعنى (سألوا) أيضاً. وقد ذكر ذلك البيضاوي فقال: "كقولهم يتداعونهم ويتراءونهم أي يدعونهم ويرونهم" أي أن (يتسألون عنه) يصح أن يعني (يسألون عنه) . فإذا ثبت هذا صح قول الكتاب (تساءل الرجل عن كذا) إذا سأل عنه، ويكون (تساءل) هنا فعلاً متعدياً لا يمت إلى أفعال المشاركة.

стр. 381

وثمة (تعارف) وهو من أفعال المشاركة تقول (تعارف القوم) إذا عرف بعضهم بعضاً، كما جاء في الصحاح ومختاره والقاموس واللسان والتاج، فالفعل لازم. وقد جاء في التنزيل: "ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم –يونس/ ٤٥". قال البيضاوي: "يتعارفون بينهم: يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً". كما جاء في التنزيل: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير –الحجرات /١٣". قال البيضاوي: "لتعارفوا. يعرف بعضكم بعضاً" فتأكد بهذا أن (تعارف) فعل لازم. ولكن جاء على ألسنة الفصحاء تعدية (تعارف) كأن تقول (تعارفوا الشيء) إذا عرفوه فيما بينهم. فانظر إلى ما جاء في الصحاح (مادة وقى) : "وأما اليومَ فيما يتعارفه الناس ويقدّر عليه الأطباء فالأوقية عندهم وزن عشرة دراهم.." فقد عدّى الفعل فقال (يتعارفه الناس) . وقد جاء نحو ذلك في مختار الصحاح. وجاء في مفردات الراغب (مادة ضاف) : "وصارت الضيافة متعارفة في القرى". وفي (مادة كبر) : "والكبيرة متعارفة في كل ذنب تعظم عقوبته". فقوله (متعارفه) من (تعارفوه) كقولك متداولة ومتناقلة من (تداولوه وتناقلوه) ، وقد جاء مثل ذلك في رسائل أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني إذ قال: "الكتابة التي يتعاطاها أهل الزمان، المتعارفة بين الناس /٣٧"، وقال في موضع آخر: "ولا خرجت عن متعارف الناس/ ٢٢٠". وفي كلام الأئمة قولهم (تعورف الأمر) بالبناء للمجهول وهو من تعارفوه أيضاً، كما جاء هذا في كلام الراغب الأصبهاني في (مادة كف) . فثبت بذلك كله أن (تعارف) لازم ومتعد. ويقول الكتاب حيناً (هذا أمر متعارف عليه) و (هذه عادات متعارف عليها) ولا وجه له في العربية، وإنما الصواب (أمر متعارف وعادات متعارفة) . تفاعل معه

стр. 382

جرى الكتاب في استعمال ما كان من أفعال المشاركة على (تفاعل) أن يسندوه إلى فاعل واحد ثم يتبعوا الفاعل أداة المصاحبة. يقولون (تبارى فلان مع فلان) ، والأصل أن يقولوا (بارى فلان فلاناً) أو (تبارى فلان وفلان) بالعطف. ذلك أن ما كان من أفعال المشاركة كتفاعل، لابد فيه من تعدد الفاعل، فإذا أسند الفعل إلى أحد فاعليه، فلابد من استيفاء الآخر بالعطف. ومن خصوص العطف بالواو إشراك الفاعلين في الحدث. ولا محل لإحلال أداة المصاحبة فيه محل العاطف، لأن الاشتراك في الحدث ها هنا يقتضي المصاحبة بطبيعة الحال، كما هو ظاهر في قولك (تبارى فلان وفلان) . فإذا كان الفعل مما يسند إلى واحد، وقد ذكر الفاعل، فإن العطف عليه بالواو يفيد مجرد إشراك المعطوف في الحدث، دون المصاحبة، كقولك (جاء زيد وخالد) فقد عنيت أن كلاً منهما قد جاء، فالعطف فيه قد أغنى عن إعادة العامل وهو الفعل، ولا يلزم من مجيئهما هذا أن يتصاحبا فيه. فإذا أردت المصاحبة فعلاً جئت بأداتها (مع) ليكون تسلط العامل على ما قبلها هو وقت تسلطه على ما بعدها فقلت (جاء زيد مع خالد) فأخبرت بمجيئهما معاً. ولو لم تأت بهذه الأداة لم تثبت المصاحبة، كما رأيت. وإذا أسند الفعل إلى ضمير كما في قولك (زيد جاء) وأردت العطف على الضمير المرفوع، امتنع ذلك حتى تؤكد الضمير فتقول (زيد جاء هو وخالد) . وكذلك الأمر في (تفاعل) ، تقول: (زيد تبارى هو وخالد) لأن عطف الظاهر على المضمر المرفوع ضعيف حتى يؤكد.

стр. 383

وتفيد ما تفيده (مع) ، واو المعيّة، فإذا جاز العطف في الكلام جاز الوجهان: العطف والنصب على المفعول معه. تقول: (جئت أنا وزيد) على العطف، كما تقول: (جئت أنا وزيداً) بالنصب على المفعول معه، وإذا لم يجز العطف تعين النصب كقولك (جئت وزيداً) إذ يضعف العطف هنا لعدم تأكيد ضمير الرفع، فلا تقول (جئت وزيد) . ولا يعني جواز الوجهين هنا تطابق المعنيين فيهما، قال أبو البقاء الكفوي في الكليات (٥/١٨٧) . "شرط باب المفعول معه أن يكون فعله لازماً، حتى يكون ما بعد الواو على تقدير العطف مرفوعاً فيكون العدول إلى النصب لكونه نصباً على المصاحبة، فإن العطف لا يدل إلا على أن ما بعد الواو شارك ما قبلها في ملابسة معنى العامل لكل منهما. والنصب كما يدل عليه يدل أيضاً على أن ملابسته لهما في زمان واحد" وفي الهمع للسيوطي (١/٢٢٢) : "والفرق بينهما من جهة المعنى أن المعية يفهم منها الكون في حين واحد، دون العطف لاحتماله مع ذلك التقدم والتأخر". فإذا لم يسبق الفعل، كما في نحو قولك (كيف أنت وزيد) أو قولك (ما أنت وزيد) ، فقد أجاز كثرة النحاة الوجهين: الرفع والنصب، واختاروا الرفع. والتحقيق أنه لا اختيار في المسألة بينهما. فأنت إذا أتيت بالرفع فقلت: (ما أنت وزيد) ، فأنت تسأل عن المخاطب وعن زيد، وإذا أتيت بالنصب فقلت: (ما أنت وزيداً) ، فأنت تسأل عن صلة ما بينهما. ففي مثل قولهم: (كيف أنت وقصعةً من ثريد) لا وجه فيه إلا النصب، لأنك إنما تسأل عما بين المخاطب وهذه القصعة، لا عن المخاطب وعن القصعة، خلافاً لمن أجاز فيه الوجهين، بل اختار الرفع. قال الرضي في شرح الكافية: "الأولى أن يقال: إن قصد النص على المصاحبة وجب النصب، وإلا فلا". أداة المصاحبة وأفعال المشاركة

стр. 384

من أفعال المشاركة ما جاء على (افتعل) كاجتمع واتفق واتحد، والأصل في هذه الأفعال أن تسند إلى اثنين فصاعداً، تقول (اجتمع القوم واستجمعوا بمعنى تجمعوا) كما في المصباح، و (اتفق الشيئان تقارباً وتلاءماً) كما في المقاييس، و (اتحد الرجلان وبينهما اتحاد) كما في الأساس. ولكن سمع قولهم (اجتمع معه) و (اتفق معه) و (اتحد معه) بإسناد فعل المشاركة إلى واحد وإتباعه أداة المصاحبة (مع) ، فكيف أمكن هذا وامتنع قول القائل (تبارى معه وتنازع معه) والحكم في الحالين واحد؟ ففي الصحاح "جامعه على أمر كذا اجتمع معه"، وفي مختار الصحاح والقاموس مثل هذا النص. وفي اللسان: "وجامعه على الأمر مالأه عليه واجتمع معه". وهكذا (اتفق) ففي اللسان: "قال ابن سيده: وقد وافقه موافقة ووفاقاً واتفق معه" ونحو ذلك في أكثر المعاجم، وكذا (اتحد) فقد جاء في الكليات لأبي البقاء الكفوي (١/٣٥) : "فقال بعضهم باتحاد النفس مع البدن، وذهب بعضهم إلى اتحاد النفس مع العقل الغول، وزعم قوم من المشائين أن النفس إذا عقلت شيئاً اتحدت مع الصورة المعقولة..". وقالوا (انتظم فلان مع فلان في كذا) والأصل (انتظم فلان وفلان) ، ففي الأساس "انتظم كلامه وأمره" والانتظام الاتساق في الصحاح، بل قال "الاتساق: الانتظام" ففي لطف اللطائف لأبي منصور النيسابوري الثعالبي: "كتب أبو الفتح ذو الكفايتين إلى رجل يستهديه الشراب: قد انتظمت يا سيدي مع رفقة في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام بإهداء المُدام صرنا كبنات نعش، والسلام". ونحو ذلك (التقى معه) . فقد جاء في النهاية: "دخل أبو قارظ مكة فقالت قريش حليفنا وعضدنا وملتقى أكفنا، أي أيدينا تلتقي مع يده وتجتمع". وحكى ذلك صاحب اللسان فلم ينكر منه شيئاً. وقال المرزوقي في شرح الحماسة: "قالت هذه المرأة لما التقيت معها". قال ذلك في شرح قول الشاعر: أراك حديثاً ناعم البال أفرعا (ص/٣٢١) ألا قالت العصماء يوم لقيتها

стр. 385

وقال في موضع آخر: "والمعنى تمنيت أن رجالاً فعلوا في معناكِ ما فعلوا من الهمّ بقتلي.. التقوا معي/٣٢٤". والأصل التقى فلان وفلان إذا تلاقيا، والتقى الرجال إذا تلاقوا. وقال الجاحظ في بعض رسائله (كتاب الحجاب) : "يتلاقى مع المعارف والأخوان والجلساء". وثمة (تلاحق) وهو من أفعال المشاركة. ففي الأساس: "وتلاحق القوم وتلاحق الركاب: تتابعوا" قال المرزوقي: "أي تسير النهار كله حتى يتصل سيرها بالليل طلباً للتلاحق معها /١٠٨٩". فثبت بذلك أن الفصحاء قد نصوا أو قالوا: اجتمع معه واتفق معه واتحد معه وانتظم معه، كما قالوا: التقوا معهم وتلاقوا معهم بل تلاحقوا معه ... وقد هون هذا على المتأخرين بل استدرجهم إلى أن يقولوا نحواً منه. فقد ذكر الدكتور مصطفى جواد مما جاء على هذا المنوال ما قاله اللغوي البغدادي صاحب خزانة الأدب (١/١٢٢) : "روى المرزباني.. أن الوليد بن عبد الملك تشاجر مع أخيه مسلمة"، وما جاء في المستطرف للأبشيهي: "وتخاصم بدوي مع حاج عند منصرف الناس" ذكر جواد ذلك في كتاب (المباحث اللغوية في العراق) . فما الذي قاله النقاد في هذه المسألة؟ ذهب بعض النقاد إلى امتناع قول القائل (تفاعل معه) و (افتعل معه) ما داما من أفعال المشاركة ما لم تنص المعاجم على جواز ذلك فيؤخذ به ولا يقاس عليه كقولهم اتفق معه واجتمع معه ... وقال بعضهم يؤخذ بما جاء في كلام الفصحاء واعتبار ما يكتبونه بمنزلة ما يروونه، فإذا صح هذا صح قولك التقى معه وتلاقى معه وانتظم معه.. وذهب آخرون إلى أن ما ثبت بحكم لابد من الأخذ بقياسه فلا يقتصر فيه على ما قاله العرب واستجازه الأئمة. فانظر إلى ما جاء في شرح درة الغواص لأحمد شهاب الدين الخفاجي، وبحر العوّام للشيخ محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي الحلبي، في الرد على ما ذهب إليه أبو محمد القاسم الحريري في كتابه درّة الغواص. القول في إسناد أفعال المشاركة إلى فاعل واحد

стр. 386

والاستغناء بالمصاحبة عن العطف قال الحريري أبو محمد القاسم في كتابه (درة الغواص) : "ويقولون اجتمع فلان مع فلان فيوهمون فيه، والصواب أن يقال اجتمع فلان وفلان، لأن لفظة اجتمع على وزن افتعل، وهذا النوع من وجوه افتعل مثل اختصم واقتتل، وما كان أيضاً على وزن تفاعل مثل تخاصم وتجادل يقتضي وقوع الفعل من أكثر من واحد، فمتى أسند الفعل منه إلى أحد الفاعلين لزم أن يعطف عليه الآخر بالواو لا غير، وإنما اختصت الواو بالدخول في هذا الموطن لأن صيغة هذا الفعل تقتضي وقوعه من اثنين فصاعداً، ومعنى الواو يدل على الاشتراك في الفعل أيضاً، فلما تجانسا من هذا الوجه وتناسب معناهما فيه استعملت الواو خاصة في هذا الموضع ولم يجز استعمال لفظة مع فيه لأن معناها المصاحبة وخاصيتها أن تقع في الموطن الذي يجوز أن يقع فيه من واحد والمراد بذكرها الإبانة عن المصاحبة التي لو لم تذكر لما عرفت. وقد مثل النحويون في الفرق بينهما وبين الواو فقالوا إذا قال القائل جاء زيد وعمرو كان إخباراً عن اشتراكهما في المجيء على احتمال أن يكونا قد جاءا في وقت واحد أو سبق أحدهما، فإن قال جاء زيد مع عمرو كان إخباراً عن مجيئهما متصاحبين، وبطل تجويز الاحتمال الآخر ... ". ويتبين مما تقدم من كلام الحريري أنه قد استمسك بمنطق النحو ولم يتزحزح عن الأصل أو يأبه لاستعمال الفصحاء أو نص المعاجم كقول الجوهري: "وجامعه على أمر كذا اجتمع معه"، وقد توفي الجوهري (٣٩٣هـ) قبل نحو قرن وربع من وفاة الحريري، وقد كانت نحو (٥١٥هـ) . وما أظن الجاحظ وقد توفي (٢٥٥هـ) قد انفرد بنحو قوله (يتلاقى مع المعارف) والمرزوقي، وقد توفي (٤٢١هـ) ، قد ابتكر نحو قوله (التقوا معي) وقد تكرر منه ذلك، فهل ثمة ما يُخرّج عليه استعمال هؤلاء الثقات في إسناد فعل المشاركة إلى واحد والاستغناء عن العطف فيه بأداة المصاحبة؟.

стр. 387

كان الحريري من أشهر علماء العربية في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس، وكان من فحول النقاد، وقد أثار نقده انتقاد الآخرين عليه، فقد تعقبه في مقاماته الإمام أبو محمد المعروف بابن الخشاب البغدادي فعاب كثيراً مما جاء في هذه المقامات. وانبرى لابن الخشاب هذا شيخ المحققين في عصره أبو محمد عبد الله ابن بري المقدسي المصري النحوي اللغوي في كتابه (اللباب في الرد على ابن الخشاب) ، فرد عليه معظم أقواله وفندها وانتصر للحريري بالبينات والبراهين. ولم يفت ابن بري، وقد انتصر للحريري على ابن الخشاب واستفرغ في ذلك وسعه وبذل طوقه، أن يتعقب الحريري نفسه في كثير مما عاب به كلام الخاصة في (درة الغوّاص) . ومما أخذه ابن بري على الحريري إنكاره (اجتمع فلان مع فلان) . فقد جاء في (بحر العوّام) للشيخ محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي الحلبي: "ومن ذلك قولهم اجتمع فلان مع فلان، وصوّب الحريري أن يقال اجتمع فلان وفلان، دون أن يقال ذلك ... وقد تعقبه ابن بري فقال: لا يمتنع في قياس العربية أن يقال اجتمع زيد مع عمرو واختصم جعفر مع بكر، بدليل جواز اختصم زيد وعمراً، واستوى الماء والخشبة، وواو المفعول معه بمعنى مع مقدّرة بها، فكما يجوز استوى الماء والخشبة بنصب الخشبة كذلك يجوز استوى الماء مع الخشبة، هذا كلامه..". وجاء نحو من ذلك في شرح درّة الغواص لأحمد شهاب الدين الخفاجي: "في الحواشي لا يمتنع في قياس العربية أن يقال اجمتع زيد مع عمرو واختصم مع بكر، بدليل جواز اختصم زيد وعمراً واستوى الماء والخشبة.. فكما يجوز استوى الماء والخشبة كذلك يجوز استوى الماء مع الخشبة، واستوى في هذا مثل اختصم فإن المساواة تكون بين اثنين فصاعداً كالاختصام فإذا جاز في هذه الأفعال دخول واو المفعول معه جاز دخول مع كقوله استوى الحر والعبد في هذا الأمر".

стр. 388

فأنت ترى أن ابن برّي قد أجاز أن يكون (استوى) في المثَل من أفعال المشاركة كتساوى، وما دام النحاة قد أتوا بواو المصاحبة بعد (استوى) ، وهو عند ابن برّي من أفعال المشاركة، فقد صح أن يؤتى بمع في هذا الموضع لأنها في منزلة واو المصاحبة، وجاز قولك استوى الماء مع الخشبة بمعنى تساويا في العلو، وجاز قياساً عليه اختصم فلان مع فلان وما كان في حكمه كقولك تخاصمت مع صالح وتشاجرت مع خالد، وهو الدائر على ألسنة الكتاب في هذا العصر. والغريب أن المرزوقي شارح ديوان الحماسة، وقد تكرر قوله (التقى معه) و (التقوا معهم) كما رأيت، قد أوجب العطف إذا أسند فعل المشاركة إلى واحد، ومنع أن تحل فيه المصاحبة محله، مؤكداً ما ذهب إليه أكثر النحاة، خلافاً لابن برّي، وقطع بأن (استوى) في المثل المشهور إنما أسند إلى واحد فليس هو من أفعال المشاركة بحال من الأحوال. فقد جاء في ديوان الحماسة قول الأعرج المعني: وما تستوي والوردَ ساعةَ تفزعُ تلوم على أن أعطي الورد لِقحة فحكى المرزوقي (ص/٣٥٠) البيت بنصب الورد والواو قبله للمعية، وقال: "يريد لا تستوي هي مع الورد" فأسند الفعل إلى واحد وجعل معناه (وما تساوي الورد) ، وهكذا قولهم: استوى الماء والخشبة فإن معناه (ساوى الماء الخشبة) . وأردف "ولو أراد ما تستوي هي وما يستوي الورد لم يكن يجوز إلا الرفع" أي لو كان الاستواء استواء مشاركة للزم الرفع والعطف وامتنعت المصاحبة والنصب. على أنه أقر رواية (وما تستوي والورد) في البيت بالرفع والعطف، وقال بضعف هذا الوجه لأن عطف الظاهر على الضمير المرفوع ضعيف حتى يؤكد.

стр. 389

على أن من الأئمة من أثبت الرأيين في أمثلة المصاحبة، الرأي السائد في امتناع أن تكون أفعالها من أفعال المشاركة، والرأي الآخر في إمكان ذلك وهو مذهب ابن بري. فقد جاء شرح الإظهار والمسمى بنتائج الأفكار للشيخ مصطفى حمزة ببعض أمثلة المصاحبة وحاول بيان معنى المصاحبة هل تحتمل المشاركة، فقال: "والمشاركة فيه، أي في الفعل، ليست بشرط لقولهم استوى الماء والخشبة، أي ارتفع، وسرت والنيل، إذ لا ارتفاع في الخشبة ولا سير في العلو، وأردف: "وأجيب بأنه أريد بالأول معنى التساوي أي تساوى الماء والخشبة في العلو، وبالثاني الانتقال فيوجد المشاركة، ويصح العطف". وهكذا جعل (استوى) في مثال المصاحبة من أفعال المشاركة. فصح بذلك أن تقول استوى الماء والخشبة بالنصب، واستوى الماء والخشبة بالرفع على العطف واستوى الماء مع الخشبة بإحلال مع محل واو المصاحبة، على المعية وهكذا تقول اختصم فلان وفلاناً بالنصب على المعية واختصم فلان وفلان بالرفع على العطف، واختصم فلان مع فلان، وهذا ما ذهب إليه ابن بري. ولكن إذا صح قولك اختصم فلان وفلان واتحد فلان وفلان، وكان هذا هو الأصل في أفعال المشاركة، فما الذي حمل الكتاب أن يؤثروا عليه بالسليقة اختصم فلان مع فلان، واتحد فلان مع فلان. فتجري به أقلامهم بغير عنان؟ فهل ثمة حاجة في التعبير قد استدرجت كتاب العصر إلى استعمال (مع) في هذا الموضع واقتادهم إليه؟

стр. 390

أقول عمد بعض الأئمة إلى بيان الفارق المعنوي بين (المفاعلة) و (التفاعل) إذا كانا للمشاركة فقال: "وقد يقال في الفرق المعنوي أن المبادئ بالفعل أو الغالب فيه معلوم في المفاعلة بخلاف التفاعل، فإن المبادئ فيه أو الغالب غير معلوم" هذا ما جاء في شرح البناء للإمام محمد الكفوي. أي أنك إذا قلت قاتل خالد زيداً فقد أردت أن تخبر بأن البادئ في القتال هو خالد، ولو اشترك فيه زيد وعلى هذا أردت أن تخبر بأن البادئ في القتال هو خالد، ولو اشترك فيه زيد وعلى هذا قوله تعالى: "فإن قاتلوكم فاقتلوهم- البقرة/١٩١" فقوله فإن قاتلوكم معناه إذا بادروا إلى قتالكم فاقتلوهم. وعليه قوله ?: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها..". أما إذا قلت تقاتل خالد وزيد فليس في قولك ما يشير إلى البادئ فيه، وعلى هذا قوله تعالى: "فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه –القصص/١٥" إذ ليس في قوله يقتتلان ما يشير إلى البادئ بالقتال، ويقتتلان في هذا كيتقاتلان. ونحو ذلك قول الرشيد للكسائي: "إن أعز الناس من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين". وقد يُعترض على هذا بقول الحسن بن علي ﵄ لبعض من خاصمه: "سفيه لم يجد مسافهاً" إذ ليس المسافه فيه، لو وجد، هو السابق والبادي وهو ما احتج به الإمام الرضيّ في شرح الشافية لرد قول القائل إن المفاعل بكسر العين هو الغالب أو البادئ دون المفاعل بفتح العين. وعندي أن قول الحسن ﵁ لا يسقط الأصل ولا يلغيه، لأن في كلامه قرينة تدل على أن المسافه بكسر الفاء ليس هو البادئ بالسفه، حين قال "سفيه لم يجد مسافهاً" أي سفيه لم يجد من يقابل سفهه بمثله فيشاركه فيه.
следующие страницы →