Полный текст (697 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وممن خالف الجمهور فجمع أسماء ما لا يعقل بالألف والتاء، ولو كان مذكراً، ولم يعلقه على سماع، ابن الأنباري. قال صاحب المصباح (في مادة ابن) : (قال ابن الأنباري: واعلم أن جمع غير الناس بمنزلة جمع المرأة من الناس، تقول فيه منزل ومنزلات، ومصلى ومصلَّيات) . أي أن جمعك ما لا يعقل يكون بالألف والتاء كجمع الاسم المؤنث فمنزل على منزلات ومصلى على مصليات.
واتفق في الشعر جمع (علق) على علقات، و (نجدات) ، فقد جاء في كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني (٣٣٤) :
تكنفنا الأعداء من كل جانب لينزعوا علقاتنا ثم يربعوا
فجمع علقاً على علقات، وهو لأوس بن حجر، وأنشد لغيره:
يرى عيساً يسودهن ماء من النجدات يحلبها الذميل
فجمع نجداً على نجدات.
*القول بقياس جمع المذكر مما لا يعقل بالألف والتاء بشروط محددة*
على أن من العلماء من أجاز جمع ما لا يعقل بالألف والتاء، ولو مذكراً، لكنه قيّد ولم يُطلق. فقد جاء في كتاب الوساطة (٤٢٣) : (فإن المحتج ليس هذا من الباب الذي ذكرته، وليس بجار مجرى الشاذ والنادر، بل قياس مستمر في جميع ما لا يوجد له مثال القلة من المذكر) .
стр. 457
وجاء في الهمع (١/ ٢٣) : (وأشذ منه جمع بعض المذكرات الجامدة المجردة كسرادقات وحمامات ومسامات. وذهب قوم منهم ابن عصفور إلى جواز قياس جمع المكسَّر، من المذكر والمؤنث، الذي لم يكسر، اسماً كان أو وصفة ... فإن كسِّر امتنع قياساً. لذلك لحنوا أبا الطيب في قوله: ففي الناس بوقات لها وطبول) .ففي قول المحتج عن المتنبي جواز جمع المذكر غير العاقل بالألف والتاء إذا لم يرد له جمع قلة، وفي قول ابن عصفور ومن معه سواغ جمع المؤنث السالم لما لم يسمع له جمع تكسير. والأعدل حقاً ألا يطلق جمع ما لا يعقل بالألف والتاء إذا كان مذكراً، وإلا أجزنا جمع (مال) على مالات، كما جاء في الوساطة، وجمع (قلم) على (قلمات) كما أشار إليه الأستاذ عباس حسن، و (بيت) على بيتات كما استقبحه الدكتور الشيخ عبد الرحمن تاج، على ما جاء في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وكل مايمكن أن يضاف إلى مذهب الجمهور في تعليق هذا الجمع على السماع، أن يباح جمع ما لا يعقل ولو مذكراً بالألف والتاء، إذا لم يرد له جمع تكسير، ولم يكن على قياس مطرد من التكسير. قال القاضي الجرجاني في الوساطة (٣٣٢) : (وقال المحتج عنه أن أصل الجمع التأنيث، ولذلك جاء ما جاء منه بالتاء، وإن كان في الأصل مذكراً، قال: فمن جمع اسماً لم يجد عن العرب جمعه فأجراه على الأصل، لم يسغ الرد عليه، ولم يجز أن ينسب إلى الخطأ لأجله وـ بوق ـ اسم أعجمي تكلمت به العرب، ولم يحفظ عنهم جمعه، فلما احتاج المولدون إليه أجروه على أصل الجموع وتبعوا فيه عادة العرب في الأسماء المنقولة عن الأسماء الأعجمية نحو سرادق وسرادقات وساباط وساباطات وخان وخانات وهارون وهارونات وإوان واوانات، فعدلوا بجميع هذه الأبنية عن أصول قياسها وألحقوها بأصل الجمع وغلبوا فيها التأنيث. ولولا ذلك لما جاز في ـ خان ـ وهو مثل مال أن يجمع خانات، كما لا يقال مال ومالات، ولا في إوان وهو مثل جراب.) .وفي هذا إشارة إلى أن العرب لم
стр. 458
تجمع (بوقاً على (أبواق) فجمع على بوقات، خلافاً لما جاء في الهمع.
*جمع المغار على المغارات*
مغار هو مفعل بفتح الأول فبابه التكسير على مغاور بوزن مفاعل، هذا هو الأصل. وقد ذهب ابن جني إلى جواز جمعه على مغارات، كما قال بجمع مغار بضم الأول على مغارات أيضاً. وقد جاء (المطار) مصدراً لطار، واعتد اسم مكان أيضاً على مافي النهاية واللسان والدر النثير. والعرب تجيز الفتح والكسر ها هنا، في المصادر والأسماء جميعاً. فإذا ثبت (المطار) اسم موضع من (طار) أفيجمع على (مطاير) قياساً أم يباح في جمعه (المطارات) كما دار على الألسنة واستفاض، عملاً بما ذهب إليه ابن جني، في جمع مغار بفتح الأول على مغارات بالفتح، وجمع مغار بضم الأول، على مغارات بالضم؟ ...
أقول ثمة وجه يمكن اعتماده في جمع ماكان كمطار ومغار من أسماء المكان جمع مؤنث سالماً، ولو كان بابه التكسير في الأصل. ذلك أن يحمل على أنه وصف، والوصف بغير العاقل إنما يجمع بالألف والتاء. وقد قيل في تعليل جمع المصغر جمع تصحيح، أن فيه معنى الصفة. فاسم المكان كالمصغر من هذه الجهة ... فإذا كان الكتيَب على هيئة التصغير، هو الكتاب الصغير، فالمطار هو الموضع المطير فيه، والمغار هو المكان المغور فيه.
وإذا كان المصغر واسم المكان اسمين في الأصل، تضمنا معنى الوصف فعوملا في الجمع معاملة الوصف، فالصفة الغالبة ضارعتهما في أنها تقوم مقام الصفة والموصوف، لكنها صفة في الأصل أنزلت منزلة الأسماء، فعوملت معاملتها في الجمع أيضاً.
وقد ذكر الرضي في شرح الكافية أن المصغر كالوصف يجمع جمع تصحيح. فالمصغر لما لا يعقل جمعه بالألف والتاء ولما يعقل بالألف والنون. وهو يفترق عن الوصف من حيث أن الوصف لا يدل على موصوف معين كالضارب، والمضروب، والطويل والبصري.
стр. 459
قال الرضي في شرح الكافية (٢/ ١٨١) : (والوصف الذي يجمع بالواو والنون اسم الفاعل واسم المفعول وأبنية المبالغة إلا ما يستثنى، والصفة المشبهة والمنسوب والمصغر نحو رُجَيلون. إلا أن المصغر مخالف لسائر الصفات من حيث لا يجري على الموصوف جريها، وإنما لم يجر لأن جري الصفات عليه، إنما كان لعدم دلالتها على الموصوف المعين، كالضارب والمضروب والطويل والبصري، فإنها لا تدل على موصوف معين، وأما المصغر فإنه دال على الصفة والموصوف المعين معاً، إذ معنى رجيل رجل صغير ... وهكذا كل صفة تدل على الوصف المعين لا يذكر قبلهما كالصفات الغالبة) .
وفي جمع المصغر جمع تصحيح تعليل آخر، هو الحرص على سلامة صيغة المفرد. ولو جمع جمع تكسير لغابت هذه الصيغة. قال الخفاجي في شرح الدرة: (جمع المصغر بالألف والتاء نحو ثويبات ودريهمات، علله المصنف بأنه بمنزلة صفات ما لا يعقل، وهي تجمع كذلك ... وعلله غيره بأنه إذا جمع كذلك لتسلم علامة التصغير، ولو كسرت لزالت، وجعلوا ما لا يعقل في حكم المؤنث، ولكل وجهة) .
أقول لك أن تقول في جمع اسم المكان بالألف والتاء ماقاله الخفاجي في جمع المصغر، فإن التفادي من اللبس حيناً، مؤذن بإيثار جمع اسم المكان هذا الجمع، ولو كسرته تكسيراً لاجتمع غير مفرد من أسماء الأمكنة، على جمع واحد، كتكسيرك (المشفى والمستشفى) ، على مشاف، ذلك أن ما زاد على أربعة أحرف مما يراد تكسيره على صيغة منتهى الجموع، يحذف منه ما تختل معه صيغة هذا الجمع.
***
وهكذا كان الأعدل أن يعلق جمع المذكر مما لا يعقل بالألف والتاء، على السماع عامة، وأن يباح قياسه فيما لم يسمع في قياسه جمع من جموع التكسير، وفيما يؤثر في جمعه سلامة المفرد من أسماء الأمكنة منعاً للبس.
стр. 460
الشرط والقسَم وواو الحَال عند النحَاة وفي كلام البُلَغاء
هاتان مسألتان يشكل بحثهما على الكتاب ويلتبس فيهما الحكم: تحقيق الجواب عند اجتماع الشرط والقسم، وواو الحال متى تجب أو تجوز أو تمتنع. وقد يُعضل الأمر في تبين وجه الصواب في المسألتين عند اعتراضهما كتابة الكاتب. وهذا ما دعاني إلى معالجتهما والتلطف لهما والاهتمام بطلبهما لعلّي ألتمس إليهما مساغاً وأبتغي سبيلاً، فأوضح المبهم وأجلوا الغامض وأبسط الموجز فأخفف الكلفة في فهم ما تصعب منهما ليتسنى ما تعذر ويستيسر ما تعسر.
ولا شك أنه لا يكفي في تبين وجه الصواب ومعرفة المباح في ذلك والمحظور، والجائز والممتنع، أن يُحتكم في الأمر إلى أقوال النحاة وعلماء اللغة وحدهم بل لا بد من مراجعة كلام الفصحاء نثراً وشعراً، والإطلاع على أنماط تعبيرهم وأساليب تأليفهم والاسترشاد بمناهجهم وطرائقهم، تحرياً للرأي الراجح من آراء أئمة اللغة ودرءاً لما يمكن أن يعترضنا في ذلك من شبهة أو يخامرنا من ريب. وهذا ما يفوت النقاد أن يوطنّوا النفس عليه ويستمسكوا به، في غالب الأحيان، فلا ينصرفوا عنه أو ينثنوا عن قصده وطلبه.
الشرط والقسم:
الشرط ما يتوقف عليه المشرط، وما يسميه النحاة شرطاً هو في المعنى سبب لوجود الجزاء، وتدخل على الشرط أداة مخصومة دالة على سببيته للجزاء، كما جاء في كليات أبي البقاء الكفوي. ومن ثم كان للشرط جملتان جملة للشرط وأخرى للجزاء أو الجواب، وهما بمنزلة الجملة الواحدة وجاء في حاشية الإمام حسن العطار على شرح الأزهرية في علم النحو للشيخ خالد الأزهري: "وأما وجه تسميته جواباً فلأنه لما لزم عن الأول صار كالجواب الآتي بعد كلام السائل، وأما وجه تسميته جزاء فلأنه لما كان مترتباً على ما قبله أشبه الجزاء على الفعل من ثواب أو عقارب ... ص/ ١٧٧".
стр. 461
والقسم هو الحلف أو اليمين، وهو ضرب من ضروب الإنشاء غير الطلبي. وهو يتم بجملة فعلية أو اسمية كما يتم بأدوات القسم الجارة كالباء والواو والتاء واللام.. وللقسم كما للشرط جملتان جملة قسم هي جملة المقسم به، وجملة جواب هي جملة المقسم عليه.
ومن ثم كان لا بد للشرط من جواب هو جزاؤه، كما لا بد للقسم من جواب هو المقسم عليه، ولا يصلح جواب أحدهما جواباً للآخر. ويشكل الأمر إذا اجتمعا في الكلام أيكون الجواب فيه للشرط أم للقسم؟.
اجتماع الشرط والقسم واتفاق الجمهور على أن الجواب للمتقدم منهما:
إذا اجتمع في الكلام شرط وقسم، وتقديمهما ما يطلب الخبر كالمبتدأ واسم كان ونحوهما، جُعل الجواب للشرط كقولك (خالد والله أن يطعني أكرمه) وقولك (أن ولدي أن يسئ إليّ، والله، أعف عنه) بالجزم في (أكرمه) و (أعفُ) لأنهما جواب الشرط.
أما إذا اجتمعا ولم يتقدمهما ما يطلب الخبر فالجواب للسابق منهما وهو يغني عن جواب الآخر، تقول: (أن يزرني والله خالد، أكرمه) بالجزم لأن الجواب للشرط فهو المتقدم، كما تقول: (والله أن يزرني خالد لأكرمنه) بتشديد النون لأن الجواب للقسم وهو السابق. ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى ما ذكره صاحب الكليات من أن القسم لا يدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وأنه إذا اجتمع القسم والشرط على جواب واحد يجعل ذلك الجواب لأحدهما لفظاً ومعنى وللآخر معنى فقط..
стр. 462
وقد جاء في كتاب (شرح شذور الذهب –ص ٣٤٧ –٣٥٠) لابن هشام الأنصاري في المواضع التي يجب فيها حذف (جواب الشرط) : "أن يتقدم على الشرط قسم نحو –والله أن جاءني لأكرمنه –فإن قولك لأكرمنه، جواب القسم، فهو في نية التقديم إلى جانبه، وحذف جواب الشرط لدلالته عليه. ويدلك على أن المذكور جواب القسم، فهو في نية التقديم إلى جانبه، وحذف جواب الشرط لدلالته عليه. ويدلك على أن المذكور جواب القسم توكيد الفعل في نحو المثال، ونحو قوله تعالى: ?ولئن نصروهم ليَُوَلُّنَّ الأدبار? الحشر /١٢ ورفعه في قوله تعالى: ?ثم لا يُنصرون? ذلك أن نص الآية ?لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولّنَّ الأدبار ثم لا يُنصرون?. وأردف ابن هشام يقول: "ثم أشرت إلى أنه –كما وجب الاستغناء بجواب القسم المتقدم. يجب العكس في نحو: أن تقم والله أقم. وأنه إذا تقم عليهما شيء يطلب الخبر وجبت مراعاة الشرط تقدم أو تأخر، نحو: زيد والله أن يقم أقمْ".
وذكر ابن هشام ذلك في كتابه (مغني اللبيب –٢ /١٦٨) أيضاً، إذ أورد من أمثلة حذف جواب القسم (إن جاءني زيد والله أكرمته) ، إذ أثبت فيه جواب الشرط لتقدمه وحذف جواب القسم، كما أتى من أمثلة حذف الشرط قوله (والله إن جاءني زيد لأكرمنّه) ، إذ أثبت جواب القسم لتقدمه وحذف جواب الشرط.
ما يميز جواب الشرط من جواب القسم:
الذي يميز جواب الشرط من جواب القسم أن جواب القسم يقترن بالفاء أو بجزم، وهو يقترن بالفاء إذا لم يكن صالحاً لأن يكون شرطاً، كأن يكون جميلة اسمية أو فعلاً جامداً أو طلبياً أو ماضياً لفظاً ومعنى أو اقترن بقد أو ما النافية أو لن أو السين أو سوف، أو صدر بربّ أو كأنما أو أداة شرط. فإذا كان الجواب صالحاً لأن يكون شرطاً فلا حاجة به إلى الفاء.
ويجوز الوجهان الربط بالفاء وتركه إذا كان الجواب مضارعاً أو منفياً بلا.
стр. 463
أما جزم المضارع إذا كان جواباً فهو واجب إذا كان الشرط مضارعاً، فإذا كان الجواب وحده مضارعاً، جاز الوجهان الجزم وتركه.
أما القسم فإن كان جوابه جملة فعلية مصدرة بمضارع مثبت اقتران باللام ونون التوكيد للاستقبال، ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن النون المؤكدة هذه لا يؤكد بها الماضي ولا الحال، ولا ما ليس فيه معنى الطلب، وطرح هذه النون ضعيف في القَسَم.
قال تعالى: ?قال فبعزتك لأغوينّهم أجمعين –ص /٨٢.? ويكتفي هنا باللام إذا دخلت على جارّ، كقوله تعالى: ?ولئن متّم أو قُتلتم لالى الله تُحشرون –آل عمران -١٥٨?. وكذلك يكتفى باللام إذا كان للحال دون الاستقبال.
وإذا صدرت الجملة الفعلية مضارع منفي اقترن جواب القسم بـ (لا) النافية، كقوله تعالى: ?وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت –النحل /٣٨? أو بأن النافية.
وإذا كانت الجملة فعلية مصدرة بماض مثبت متصرف اقترنت باللام وقد غالباً كقوله تعالى: ?قالوا تالله لقد آثرك الله علينا –يوسف /٩١?. وقول الفضل بن يحيى لسعيد بن وهب: "لئن قلّ القول ونزر لقد اتسع المعنى وكثر".
وإذا كان الجملة مصدّرة بجامد اقترنت باللام كقولهم "والله لنعم الخلق الصدق) . أما إذا كانت مصدّرة بماض منفي اقترنت بما النافية، كقوله تعالى:
?ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك –البقرة /١٤٥?.
وإذا كانت الجملة اسمية مثبتة اقترنت بـ (أن) مشدّدة أو مخففة، أو باللام، أو بهما، كقوله تعالى: ?يس والقرآن الحكيم أنك لمن المرسلين –يس /١ -٣?، وقوله تعالى: ?حم والكتاب المبين انّا أنزلناه في ليلة مباركة –الدخان /١ -٣?. فإذا كانت الاسمية منفية كان النفي بما الحجازية، العاملة عمل ليس، أو التميمية، غير العاملة، أو لا التبرئة، أي النافية للجنس. كقولك (والله ما زيد فيها ولا عمرو) ، وقولك (والله لا يجعل في الدار) أو بأن النافية.
***
стр. 464
ومن أمثلة اجتماع القسم الشائعة مع تقدم القسم (لئن) ، فاللام موطئة للقسم، أي مؤذية بأن ما بعدها جواب للقسم، لتقدمه، دون الشرط، والتقدير (والله لئن..) . و (ان) هذه حرف شرط جازم. وقد جاء في التنزيل: "لأن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولُنّ الأدبار ثم لا ينصرون –الحشر /١٢?. فقوله تعالى (لا يخرجون) جواب القسم، وقد أغنى عن جواب الشرط. ولان الجواب للشرط، لقيل (لئن أخرجوا لا يخرجوا معهم) بحذف النون.
وهكذا قوله تعالى: (لا ينصرونهم) فهو جواب القسم، ولو كان الشرط، لقيل (ولئن قوتلوا لا ينصروهم) بحذف النون. وشاهد آخر، قال الشاعر:
خشوعاً وفوق الراكعين رقيب
حلفت برب الراكعين لربهم
صادياً إليَّ، حبيباً، إنها لحبيب
لئن كان برد الماء حرّان
فجملة (أنها لحبيب) في البيت الثاني جواب القسم المذكور في البيت الأول وهو (حلفت) كما جاء في خزانة الأدب للبغدادي. ولو كان الجواب للشرط لقيل (فإنها لحبيب) مقترناً بالفاء.
ما جاء من الشعر خلافاً للقياس، فكان جواب فيه للشرط مع تقدم القسم:
قد جاء (لئن) في الشعر واتفق الجواب للشرط مع تقدم القسم، خلافاً للقياس، قال الشاعر:
لا تلفنا في دماء القوم ننتفل
لئن منيت عن غب معركة
فقوله (لا تلفنا) هو جواب الشرط دون القسم بدليل الجزم، وقد أولوه، فمنهم من حمله على ضرورة الشعر، كما جاء في كتاب (الضرائر) لمحمود شكري الآلوسي (ص /٢١٦) ، ومنهم من لم يجعله من الضرائر فأوله على وجه من الوجوه كابن عصفور الأندلسي في كتاب (الضرائر) . وكذلك فعل ابن هشام في كتابه (مغني اللبيب – ١/ ١٨٩) ، إذ اعتد اللام في (لئن) زائدة في أمثاله، لكنه خص ذلك بالشعر واستشهد بقول الشاعر:
أصمْ في نهار القيظ للشمس باديا
لئن كان ما حُدثته اليوم صادقاً
والبيت لأمرأة من عقيل.
стр. 465
وقد ذهب ابن هشام إلى أن اللام في (لئن) زائدة وأن الشرط أجيب بالفعل المجزوم (أصمْ) ، إذ قال: "ولو كنت اللام للتوطئة لم يُجب إلا القسم، هذا هو الصحيح، وخالف في ذلك الفرّاء فزعم أن الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه".
وإذا عدنا إلى الفحول من الشعراء وجدنا أنهم لم يستكرهوا مخالفة القياس أو يستبعدوه في هذا الباب، فجاء الجواب للشرط في أشعارهم، مع تقدم القسم عليه، فهذا الإمام الشافعي يقول في حديث عن أهل العلوم:
فلست مُضيعاً فيهمُ غرر الكلم
لعمري لئن ضُيِّعت في شر بلدة
والشافعي حجة فقد استظهر القرآن منذ صباه، وخرج إلى البادية فحفظ كثيراً من أشعار الهُذليين، وكانوا من أفصح العرب، وروي عن الإمام الشافعي الأصمعي أنه صحح عليه أشعار هؤلاء. وهذا المتنبي فقد جاء في مرثيته لجدته من أمه.
فقد ولدت مني لآنافهم رغماً
لئن لذَّ يوم الشامتين بيومها
فكان الجواب للشرط في قوله (فقد ولدت) مع تقدم القسم، وقد روي أيضاً (فقد ولدت مني لأنفهم رغماً) .
وهذا أبو الفراس الحمداني يقول في مفاخر قومه:
ففرعي لسيف الدولة القرم ناصر
لئن كان أصلي من (سعيد) نجاده
و (سعيد) هو ابن عم الشاعر، والقرم هو السيد والعظيم.
وقال أبو تمام يرثي محمد بن حميد الطوسي:
لعهدي به حياً يُحَبُّ به الدهر
لئن أُبغض الدهر الخؤون لفقده
فما زالت الأيام شيمتها الغدر
لئن غدرت في الروع أيامه به
فجواب (لئن) في البيت الثاني (فما زالت) وهو جواب للشرط مع تقدم القسم.
وعلى ذلك قول الشاعر:
على الخليط فقد يبكي الحسام دما
لئن بكيت دماً والعزم من شيمي
وقد أورده الأستاذ محمد الخضر حسين التونسي في كتابه (الخيال في شعر العربي) في صدد كلامه على (التفاصيل في التخييل /٥٨) .
ما جاء من النثر خلافاً للقياس، فكان الجواب فيه للشرط مع تقدم القسم:
لم يقتصر مجيء الجواب للشرط مع تقدم القسم على الشعر، بل تناول النثر أيضاً.
стр. 466
من ذلك ما حكاه ابن عبد ربه في الجزء الأول في كتابه المعروف (العقد الفريد) من كلام عمر بن الخطاب لمعاوية، رضي لله عنهما، حين قدم عمر على معاوية بالشام. إذ قال معاوية: "فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وأن نهيتني عنه انتهيت"، ولا شيء في ذلك.
لكن عمر قد أجابه: "لئن كان الذي تقول حقاً فإنه أريب، وأن كان باطلاً فإنه خدعة أريب". فقوله (فإنه أريب) جواب للشرط مع تقدم القسم.
وفي نهج البلاغة (١/ ١٨٨) قال علي كرم الله وجهه: "لئن أُمهل الظالم فلن يفوت أخذُه"، فجاء الجواب للشرط دون القسم. ذلك أن جواب القسم في جملة فعلية منفية فعلها مضارع، كما هو الحال في القول السابق، يتقدم الفعلَ فيها أحد أحرف النفي (ما وأن ولا) ويندر أن يتقدمه (لن أو لم) ، ولا تدخل الفاء هذه الأحرف في جواب القسم خلافاً للشرط.
وجاء في نهج البلاغة أيضاً قول علي كرم الله وجهه (٢/ ١٠٥) : "ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس، فما إلى ذلك سبيل"، فجاء الجواب للشرط أيضاً، ذلك أن جواب القسم في جملة اسمية منفية تتصدره أحرف النفي (ما أو لا النافية للجنس أو إن) ولا تدخل الفاء هذه الأحرف.
ما الرأي في جواز كون الجواب للشرط مع تقدم القسم:
أقول الرأي عندي أن اتفاق الجمهور على أن الأصل في الجواب أن يكون للمتقدم من الشرط أو القسم، إذاً جميعاً، لا يمنع إجازة مجيء الجواب للشرط مع تقدم القسم ما دام قد جاء ذلك مجيئاً متعالماً في شعر فحول الشعراء ونثر الأئمة البلغاء، مما أتينا بشواهده قبل. وهذا ما دعا بعض الأئمة إلى التصريح به كالإمام الفراء وابن مالك.
وقد أشار إلى ذلك الإمام السيوطي في كتابه (همع الهوامع –٢ /٤٣) ، إذ قال:
"فالجواب للسابق في الأصح قَسَماً كان أو شرطاً وجواب الآخر محذوف، نحو: والله إن قام زيد لأقومنّ وأن يقم والله أقمْ" وأردف: "وجوَّز الفراء وابن مالك جعل الجواب للشرط وإن تأخر، كقوله:
أصمْ نهار القيظ للشمس بادياً
стр. 467
لئن كان ما حُدثته اليوم صادقاً
قد يجزي الشرط بجواب القسم:
قد يتصدر الكلام شرط فلا يجاب بجزائه وإنما يجاب بجواب القسم. ومن ذلك قوله تعالى: ?وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم –المائدة /٧٣?. فجاء الجواب للقسم وليس في الآية قسم فذهب الأئمة إلى تقديره، وحذف جملة القسم كثير. قال العكبري في كتابه (البيان أعراب القرآن) : "ليمسَّنَّ: جواب قسم محذوف سدّ مسدّ جواب الشرط الذي هو وان لم ينتهوا – ١/ ١٢٥". أي أن القسم مقدر في الآية لأن الجواب فيها لا يكون إلا لقسم. قال ابن هشام في كتابه (مغني اللبيب) : ?وكقوله تعالى: وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسَّنّ، فهذا لا يكون إلا جواباً للقسم –١/ ١٨٩?.
وقال تعالى: ?وان أطعتوهم إنكم لمشركون –الأنعام /١٢١، فأجيب الشرط بجواب القسم. واختلف الأئمة في تأويله، فذهب جماعة إلى جعل الجواب للشرط على أضمار (الفاء) فقدّر (فإنكم لمشركون) . قال العكبري في كتابه (البيان في أعراب القرآن) : حذف الفاء في جواب الشرط وهو حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي، وهو هنا كذلك، وهو قوله: وان أطعتموهم –١ /١٤٥". وكذلك فعل البيضاوي في تفسيره الموسوم بأنوار التنزيل: "وانما حَسُنَ حذف الفاء فيه لأن الشرط بلفظ الماضي".
وعندي أن هذا هو الرأي المرجوح. ذلك أن حذف الفاء من جواب الشرط مقصور على الشعر عند الأكثرين. قال الشاعر:
والشر بالشر عند الله مثلان
من يفعل الحسنات الله يشكرها
стр. 468
أي: فالله يشكرها. وذهب أبو العباس المبرّد في كتابه الكامل إلى أنه لا يجوز ذلك حتى في الشعر وأن البيت المروي محرّف والأصل فيه (من يفعل الخير فالرحمن يشكره) ، الجمهور النحاة على أن فاء الجزاء لا تسقط إلا في الشعر وللضرورة، كما جاء في كتاب (الضرائر ٦٤) لمحمود شكري الآلوسي. قال ابن هشام في (مغني اللبيب –١ /١٨٩) بصدد تأويل الآية السابقة ?وان أطعتموهم انكم لمشركون –الأنعام –١٢١) : "وقول بعضهم ليس هنا قسم مقدّر وأن الجملة الأسمية جواب الشرط على اضمار الفاء كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها، مردود لأن ذلك خاص بالشعر..". وقد جاء في (شرح شواهد المغني –١ /١٧٨) للإمام جلال الدين السيوطي: "من يفعل الحسنات الله يشكرها –هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، ﵁، وقيل لكعب بن مالك وتمامه: والشر بالشر عند الله مثلان.. وقوله: الله يشكرها جملة اسمية وقعت جواب الشرط وحذفت منها الفاء ضرورة، وزعم المبرّد أن الرواية من يفعل الخير فالرحمن يشكره".
خلاصة القول في جواب الشرط والقسم:
يمكن إيجاز القول في هذه المسألة بالشرح التالي:
١ً-إذا تصدر الكلام ما يطلب الخبر كالمبتدأ واسم كان ونحوه، واجتمع بعده شرط وقسم كان الجواب للشرط جميعاً، كقولك (خالد والله يُطعني أكرمْه) بالجزم و (ان ولدي ان يسيء إليّ والله أعفُ عنه) بالجزم أيضاً.
٢ً-إذا اجتمع الشرط والقسم ولم يتقدمهما ما يطلب الخبر كان الجواب السابق منهما، شرطاً كان أو قسما، واستغني عن جواب الآخر، كقولك (ان يزرني والله خالد أكرمْه) بالجزم لأن الجواب للشرط فهو المتقدم، وقولك (والله أن يزرني خالد لأكرمنه) بنون مشددة بعد لام الجواب، لأن الجواب للقسم، وهو السابق. وجواب المتأخر محذوف.
٣ً-قد يأتي ما يتقدم فيه القسم ويكون الجواب فيه للشرط، خلافاً للقياس.
وقد جاء هذا في النثر نثر البلغاء وفي الشعر شعر الفحول مجيئاً متعالماً يؤذن بجوازه. قال الشاعر:
стр. 469
أصمْ في نهار القيظ للشمس بادياً
لئن كان ما حُدثته اليوم صادقاً
فجاء الجواب (أصمْ) للشرط مع تقدم القسم عليه. وقال عمر بن الخطاب، ﵁، "لئن كان الذي تقول حقاً فإنه أريب"، فجاء الجواب للشرط أيضاً مع تقدم القسم. وإذا كان في هذا الصحيح للشرط على القسم فذلك لأن تعليق المعنى على الشرط في الأصل، وإنما يساق القسم للتأكيد.
٤ً-قد يُجزي الشرط بجواب القسم، ولكن لا بد في هذا من تقرير القسم، لأن جواب الشرط لا يُجاب به إلا عن القسم. قال تعالى: ?وان لم ينتهوا عما يقولون ليَمَسَّنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم –المائدة /٧٣?. فجاء الجواب للقسم فقدّر وخُرّجت الآية على حذف جملة القسم، وكأن الأصل (والله ان لم ينتهوا..) فيكون الجواب للقسم لتقدمه على الشرط جرياً على الأصل.
***
الحال
تعريفه: الحال في تعرف النحاة وصف (فضلة) وقد عنوا بفضلة أنها ليست مسنداً أو مسنداً إليه، وهم ركنا الجملة من الوجهة النحوية. كالفعل والفاعل في الجملة الفعلية، والخبر والمبتدأ في الجملة الاسمية، فالحال تأتي في الأصل بعد استيفاء هذين الركنين في الجملة، تقول (جاء خالد راكباً) فتأتي بالفعل والفاعل ثم تذكر بعدهما (الحال –راكباً) لبيان هيئة صاحب الحال وهو الفاعل (خالد) . ويقول الشاعر (أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي) فيأتي بالمبتدأ والخبر ثم يأتي بـ (الحال –معروفاً) تأكيداً لمضمون الجملة.
وإذا قلنا (الحال فضلة) فليس يعني ذلك أنه يمكن الاستغناء عنها لتمام المعنى المقصود دونها، ذلك أنها تأتي لأداء دلالة خاصة. وإلا فهل يمكن الاستغناء عن (الحال) في قوله تعالى: ?وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين –الأنبياء /١٦?، أو الاستغناء عن (الحال) في قوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون –النساء /٤٤?.
стр. 470
قال ابن هشام في كتاب (شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب /٢٤٤ (: "السابع من المنصوبات –الحال –وهو وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه، نحو قوله تعالى: فخرج منها خائفاً –القصص /٢١، أو تأكيده نحو قوله تعالى: ?لآمن من في الأرض كلهم جميعاً –يونس /٩٩، أو تأكيد عامله، نحو قوله تعالى: فتبسم ضاحكاً –النمل ١٩، أوتأكيد مضمون الجملة، نحو قوله تعالى: ?وأرسلناك للناس رسولا –النساء /٩٨، وقول الشاعر: أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي?.
والحال وصف نكرة أي اسم مشتق في الأصل، وصاحبها معرفة. قال ابن هشام في كتابه المشار إليه: "وحقها، أي الحال، أن تكون نكرة منتقلة مشتقة وأن يكون صاحبها معرفة.." والمراد بمنتقلة ألا يكون وصفاً ثابتاً لازماً، وربما كان الحال وصفاً ثابتاً كقوله تعالى: ?هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصَّلاً –الأنعام? أي مبيناً.
وإنما يقع الوصف على صاحب الحال، ويكون صاحب الحال فاعلاً أو مفعولاً لفظاً أو معنى. والمراد بالفاعل اللفظي والمفعول اللفظي ما يكون فاعلاً أو مفعولاً في التركيب، والمراد بالمعنوي ما لا يكون كذلك كأن يكون مبتدأ أو خبراً، أو يكو مفعولاً مطلقاً أو مفعولا معه، أو مضافاً إليه للمفعول، بشرط أن يصح المعنى بحذف المضاف كقوله تعالى:
?بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً –البقرة /١٣٥? فإن حنيفاً حال من إبراهيم ولو حذف المضاف فقيل: بل نتبع إبراهيم حنيفا. لصح المعنى. قال ابن هشام في كتابه المشار إليه:
стр. 471
"ويأتي الحال من الفاعل، ومن المفعول، ومنهما مطلقاً ومن المضاف إليه إن كان المضاف بعضه نحو: أن يأكل لحم أخيه ميتاً –أو كبعضه نحو: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، أو عاملاً فيها نحو: إليكم مرجعكم جميعاً –يونس /٤ ... " فـ (جميعاً) حال من الضمير وهو الكاف المجرورة بإضافة (مرجع) إليه. والعامل ف الحال هنا هو (مرجع) وقد صح عمله لأنه مصدر وهو بمنزلة الفعل، كما لو قلت: إليه ترجعون جميعاً، والأصل أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال. ولا يشترط في عامل الحال أن يكون فعلاً أو شبهه إذ يحوز أن يعمل فيه معنى الفعل كالظرف والجار والمجرور وحرف التنبيه واسم الإشارة وحرف التنبيه واسم الإشارة وحرف النداء والتمني والترجي وحرف الاستفهام، لأن فيها معنى الفعل.
الجملة الحالية وافتقارها إلى رابط يربطها بصاحب الحال:
تقع الحال مفردة كما رأينا، ولكنها تقع كذلك جملة خبرية فعلية أو اسمية، فتكون الجملة في تأويل المفرد، ولا بد حينئذ من رابط يربطها بصاحب الحال: أي بالاسم الذي تصفه الحال. ويكون الرابط أما الواو وحدها كقولك (جاء خالد الريح تعصف) وقوله تعالى: ?ولئن أكله الذئب ونحن عصبة –يوسف /١٤?، أو الضمير وحده، نحو (خرج زيد يركض) ، وقوله تعالى: ?وجاءوا أباهم عشاءً يبكون -يوسف /١٦?، وأما الواو والضمير معاً كقولك (لِمَ ضربته وهو يأكل) ، وقوله تعالى: ?ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف - - البقرة /٢٤٣?.
واو الحال متى تجب:
يشكل على الكتاب متى تجب واو الحال ومتى تمتنع، وهي تجب في مواضع ثلاثة:
-الأول: أن تكون جملة الحال اسمية خالية من ضمير يربطها بصاحب الحال، كقولك: (جئت والناس نيام) وكقوله تعالى: ?ولئن أكله؟؟ ونحن عصبة?.
-الثاني أن يتصدر الجملة الاسمية الضمير العائد لى صاحبها، كقولك (لا تتكلم وأنت تأكل) ، وقوله تعالى: ?لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى –النساء /٤٣?.
стр. 472
فقد جاء ربط الجملة الاسمية بصاحب الحال في غاية القوة باجتماع الواو والضمير معاً
وقد ناسب ذلك الجملة الاسمية لقوتها في الاستقلال. وهذا الربط بالواو وحدها أو بها مع الضمير إنما يكون الحال المبينة التي تُذكر للتوضيح والتبيين، وأما في الحال المؤكدة فلا يجوز الواو تقول –هو الحق لا شك فيه –وذل لأن الواو لا تدخل بين المؤكد والمؤكد لشدة الاتصال بينهما، كما جاء في شرح كافية ابن الحاجب للإمام عبد الرحمن الجامي. وسيأتي الكلام على امتناع الواو في الحال المؤكدة.
-والثالث أن تتصدر الجملة الفعلية الحالية، المثبتة أو المنفية، فعل ماض، وهي تخلو من ضمير يعود إلى صاحبها. فإذا كانت مثبتة وجبت معها قد، وجيء بـ (قد) بعد الواو ها هنا، لأنها تقرب الماضي من الحال فيصح أن يقع حالاً، كقولك: (جئت وقد انصرف الناس) . وإن كانت منفية انفردت الواو كقولك: (جئت وما طلعت الشمس) .
واو الحال متى تمتنع:
الأولى: أن يتصدر الجملة عاطف كقوله تعالى: ?فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون –الأعراف /٣? أي ليلاً أو نهاراً.
الثانية: أن تقع مؤكدة لمضمون جملة نحو (هو الحق لا شك فيه) ، وقوله تعالى: ?ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين –البقرة /٢ و٣?. وتمتنع الواو هنا لأن المؤكِد نفس المؤكد فتكون معها في صورة المعطوف على نفسه.
الثالثة: أن تكون ماضية بعد (إلا) فتمتنع الواو وقد منفردين ومجتمعين، ويكتفى بالضمير، نحو قوله تعالى: ?يا حسرة على العبادة ما يأتيهم من رسول ألا كانوا به يستهزئون –يس /٣٠? وقوله تعالى ?وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين –يوسف /٤٦?. ونحو قولك (ما تكلم إلا ضحك) .
وما جاء بالواو أو قد مخالف للمشهور.
الرابعة: أن تكون الجملة ماضية قبل (أو) نحو قولك (لأضربنّه عاش أو مات) وقول الشاعر (كن للخليل نصيراً جار أو عدلاً) . وتمنع الواو هنا لأنها في تقدير الشرط أي (إن عاش أو مات) و (أن جار أو عدل) .
стр. 473
الخامسة: أن يتصدر الجملة الحالية مضارع مثبت دون قد، فتربط بالضمير وحده، كقولك (ومضى زيد يكتب رسالته) ، فقد جاءت الجملة الحالية كالوصف فعوملت كذلك. فإذا وجدت (قد) اقترنت الجملة بالواو، تقول (قدمت المدرسة وقد يزورني فيها زائر) وعليه قوله تعالى: ?وإذ قال موسى لقومه يا قوم لِمَ تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم –الصف /٥? فوجب اقتران الواو هنا لأن دخول (قد) نقض شبه الجملة بالوصف، لامتناع دخولها على الوصف.
السادسة: أن يتصدر الجملة الحالية مضارع منفي بلا، فتمتنع الواو وقد منفردين ومجتمعين، ويكتفي بالضمير وحده، كقوله تعالى: ?وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق –المائدة /٨٤?. وتقول على هذا (جاء زيد لا يركب) ، وهو في تأويل: جاء زيد غير راكب. وهكذا إذا كان النفي بما على ما هو المشهور. أما إذا كان بلم فإنه يجوز إثبات الواو وحذفها ودليل إثباتها مع الضمير قوله تعالى: ?ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليّ ولم يُوح إليه شيء –الأنعام /٩٣?. ودليل حذفها قوله تعالى: ?فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء –آل عمران /١٧٤?. وإذا كان النفي بلمّا كان الأكثر إثبات الواو كقوله تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين _آل عمران /١٤٢?.
واو الحال: متى يجوز إثباتها وحذفها:
يجوز إثبات الواو وحذفها في مواقع ثلاثة، فقد مر بنا:
стр. 474
أولاً: أن الأصل في الجملة الحالية الفعلية المرتبطة بالضمير، أن تمتنع فيها واو الحال، إذا تصدرها منفي بما الحالية، هذا هو المشهور، لكن من الأئمة من أجاز إثباتها في هذا الموضع وحكم بصحة قول القائل (جاءني زيد وما يتكلم غلامه) . جاء هذا المثال في شرح الإمام الجامي لكافية ابن الحاجب. وقد ساوى بينه وبين حذف الواو في قولك (جاءني زيد ما يتكلم غلامه) . وهكذا فعل الإمام جلال الدين السيوطي في (همع الهوامع) إذ قال: "والمنفي بما فيه الوجهان أيضاً نحو: جاء زيد وما يضحك، أو جاء زيد ما يضحك".
ثانياً: وقد تقدم أن الأصل في الجملة الفعلية المثبتة إذا تصدرها فعل ماض، وخلت من ضمير رابط، وجوب إثبات الواو الحالية وقد، كقولك (جاء زيد وقد طلعت الشمس) ويعني هذا أنه إذا وجد الضمير الرابط لم تجب الواو. تقول (جاءني زيد وقد خرج غلامه) و (جاءني زيد قد خرج غلامه) ، وقد ساوى الجامي في شرح الكافية بين المثالين.
وأورد النحاة على ربط الجملة بالضمير وقد فقط دون الواو، قول الشاعر:
معارفها والساريات الهواطل
وقفت بربع الدار قد غيَّر البلى
والساريات هي السحب تأتي ليلاً.
ثالثاً: ذكرنا الأصل في الجملة الحالية الفعلية المنفية إذا تصدرها فعل ماض، وقد خلت من ضمير رابط وجوب إثبات الواو منفردة، كقولك (جئت وما طلعت الشمس) .
أما إذا وجد الضمير الرابط فلا تجب الواو، وعلى ذلك تقول (جاءني زيد وما خرج غلامه) و (جاءني زيد ما خرج غلامه) ، وقد ربط الأول بالواو والضمير. وربط الثاني بالضمير وحده وهكذا قولك (رجع خالد وما صنع شيئاً) و (رجع خالد ما صنع شيئاً) ، كما أورده الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع الدروس العربية) .
стр. 475
رابعاً: كما ذكرنا أن الأصل في الجملة الحالية الاسمية، المثبتة والمنفية، أن تربط بالواو والضمير معاً إذا تصدر الجملة الضمير العائد إلى صاحبها. ومثال الجملة الحالية الاسمية المثبتة، قوله تعالى: ?فلا تجعلوا الله أنداداً وأنتم تعلمون –البقرة /٢٢?، ومثال المنفية نحو قولك "رجعت وما في يدي شيء". أما إذا لم يتصدر الجملة الضمير العائد إلى صاحبها فقد أجاز النحاة الوجهين إثبات الواو وحذفها، والمشهور الحذف كقوله تعالى في الجملة الحالية المثبتة "اهبطوا بعضكم لبعض عدو –البقرة /٣٦" ومثال المنفية قوله تعالى:?والله يحكم لا معقب لحكمه –الرعد /٤٣?.
امتناع واو الحال بعد الا عند النحاة إذا تلاها فعل ماض:
الأصل أن تمتنع الواو بعد الا، إذا تصدر الجملة الحالية فعل ماض، كقوله تعالى: ?وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون –الحجر /١٣?، وقوله تعالى:
?ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون –الأنبياء /٢?. وقد تقدم بحث ذلك فتقول على هذا مثلاً (ما من أحد إلا جزع) فتمتنع الواو بعد الا. وجاء في شرح الأشموني على ألفية ابن مالك أن هناك سبع مسائل تمتنع فيها الواو ومنها الماضي التالي لـ (الا) نحو (ما تكلم الا قال خيراً) .
ولكن هل ثمة من يجيز دخول (الواو) بعد (الا) في مثل هذا الموضع؟
أقول: قال الصبيان في تعليقه على الأشموني وتعليله سبب امتناع الواو ها هنا:
"أي لأن ما بعد الا مفرد حكماً"، أي هو مفرد في الأصل لا جملة، لكنه استدرك فقال:
"وذهب بعضهم إلى جواز اقترانه بالواو تمسكاً بقوله:
إلا وكان لمرتاع بها وزراً
نعم امرأً هرمٌ لم تعر نائبة
وحكم الأول بشذوذه، وهذا يعني ذهاب بعضهم إلى جواز اقتران الواو أخذاً بقول الشاعر، أما الأكثرون فقد حملوا بيت الشاعر على الشذوذ.
مجيء واو الحال بعد الا في كلام البلغاء إذا تلاها فعل ماض:
стр. 476
الذي عندي أن الحكم بامتناع الواو أو جوازها بعد إلا إذا تلاها فعل ماض، مرهون باستعمال الفصحاء، فهل جاء في كلامهم اقتران الواو بالفعل الماضي بعد الا.
أقول قد ورد ذلك فيما أُثر عن الفصحاء مورداً متعالماً، ومن ذلك ما جاء في نهج البلاغة، إذ قال:
ووأى على نفسه ألا يضطرب شبح مما أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده والفناء غايته (٢ /٩٢ و٩٣) . والوأي هو الوعد والحمام هو الموت. وقال:
ولم يترك شيئاً رضيه أو كرهه إلى وجعل له عَلَماً بادياً وآية محكمة (٢ /١٣٣) ، وقال:
ما من أحد أودع قلباً سروراً إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفاً (٣ /٢١٠) ونحو ذلك كثير في نهج البلاغة.
ومما جاء من ذلك في كتاب (أخلاق الوزيرين) لأبي حيان التوحيدي، قال:
وما رأَّس الله أحداً إلا وفرض عليه الافضال والإحسان (ص /٢٦٥) وقال:
وما رأيت أحداً سكت عن أحد من سفائهم تغافلا عنه.. إلا ورأيته يقول ويطنب في ابن عباد غير خاشٍ ولا متحاشٍ (ص /٤٧٤) .
فصح بذلك قولك في المثال السابق: (ما من أحد وجزع) باقتران (الواو) بالفعل الماضي.
اقتران واو الحال بعد بعد إلا إذا تلاها فعل ماض:
قد جاء مما تمتنع فيه الواو وقد منفردين ومجتمعين ويكتفي بالضمير أن تقع الجملة الحالية الفعلية بعد إلا ويتصدرها فعل ماض، كقوله تعالى: ?ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون –يس /٣٠?. وجاء في شرح الأشموني (٣ /٢٢) أن (قد) تمنع مع الماضي الممتنع ربطه بالواو وهو تالي الا، وندر قوله:
لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
متى يأت هذا الموت لم يُلف حاجة
لكنه جاء في حاشية الصبان: "في شرح الرضي أنهما يجتمعان بعد الا نحو: ما لقيته إلا وقد أكرمني –٣ /٢٢". فما الرأي في ذلك؟
أقول جاء في كلام الفصحاء اقتران الواو بقد بعد (الا) قبل الفعل الماضي، كما جاء انفرادها بالفعل الماضي على ما تقدم. ومن شواهد اقتران الواو بقد قبل الفعل الماضي التالي لـ (الا) ، ما جاء في نهج البلاغة، قال:
стр. 477
ولا جُعلتْ لهم الأفئدة في ذلك الأوان الا وقد أُعطيتم مثلها في هذا الزمان (١ /١٥٦) ، وقال:
ما منهم رجل الا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره (٢ /١٠٤) .
وقال ابن جني في الخصائص:
لسنا نراك الا وقد أغلقت العينين جميعاً (٢ /٦٥) . وجاء في شرح الحماسة لأبي علي المرزوقي:
فلا يمكنهم تجاوزه الا وقد فرغوا منه (ص /١٩٢) وقال:
لا تكون راشدا الا وقد رشد جارك معك (ص /٤٣٨) .
فساغ بذلك قولك في المثال السابق (ما من أحد الا وقد جزع) ، وقولك (ما حدثني أحد الا وقد استمعت إليه) ، استناداً إلى ما ذهب إليه الإمام الرضي وجاء في كلام الفصحاء.
مجيء واو الحال بعد الا إذا تلاها فعل مضارع:
الأصل أن تمتنع الواو إذا تصدر الجملة الحالية مضارع مثبت دون (قد) ، فترب بالضمير وحده، كقولك (جئت أحمل ثيابي) وقوله تعالى ?وآية لهم الليل نسلخ منه النهار –يس /٣١?. فإذا اقترن بقد جاز ذل كقوله تعالى ?لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم –الصف /٥?. والحكم في هذا جاء بعد الا ودونها.
وقد أخذ الدكتور مصطفى جواد عضو المجتمع العراقي في كتابه (المباحث اللغوية) على زميله الأب ماري أنستاس الكرملي قوله (لا ندع ديواناً ... الا ونورد فيه شيئاً من المصطلحات) ، قال الدكتور جواد: "والصواب نورد بحذف الواو" مستشهداً بقوله تعالى ?وان من شيء الا يُسبح بحمده –الإسراء /٤٤?.
كما أخذ الأستاذ علي نجدي ناصف على الدكتور شوقي ضيف في كتابه (المدارس النحوية) مثل ذلك. قال الأستاذ ناصف في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة (٢٥ /١٩٠) :
"ويدخلها –أي واو الحال –الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في كتابه، المدارس النحوية –على المضارع المثبت غير المقرن بقد حين تقع جملته حالاً، كقوله: لا يسجل قاعدة الا ويرى –ص /١٠٠. ويوجب النحويون أن تربط هذه الجملة بالضمير لا بالواو، ويؤولون ما ورد مقروناً بها".
стр. 478
وقد بحث هذا أبو البقاء الكفوي في (الكليات) فقال: "ودخول الواو في المضارع المثبت كالممتنع أعني الحرام إذا أجري على ظاهره. وأما إذا قدر معه مبتدأ فدخول الواو جائز ومسموح كثيراً –٥ /١٦٥". وهذا يعني أنك إذا قلت (وليس شيء مما يضطرون إليه إلا ويحاولون به وجهاً) بإثبات الواو قبل المضارع كان كالممتنع في الأصل، فإذا قدرت فيه المبتدأ على أن المراد (الا وهم يحاولون به وجهاً) كما أثبته ابن جني في الخصائص (١ /٥٢) جاز ذلك.
على أننا إذا عدنا إلى كلام الفصحاء، كما فعلنا قبل، رأينا أن اقتران الواو بالمضارع المثبت هنا جائز، ولو امتنع تقدير المبتدأ. وشاهد ذلك ما جاء في نهج البلاغة، قال: "واعلموا أن ليس من شيء الا ويكاد صاحبه أن يشبع منه ويمله الا الحياة ٢ /٢٣"، فقد دخلت الواو على المضارع المثبت مع تعذر تقدير المبتدأ، فتأمل.
موجز القول في الجملة الحالية، المثبتة، إذا تلت الا:
ويحسن أن نوجز الحكم في الجملة الحالية، الفعلية المثبتة، بعد الا، من حيث اقترانها بالواو وقد أو امتناعها عنهما، بما يلي:
الأول: الأصل في الجملة الحالية بعد إلا إذا تصدرها الماضي المثبت أن تكتفي بالضمير وحده، ولكن جاء في كلام الفصحاء اقترانها بالواو وقد مجتمعين، كما اتفق ذلك في كلام علي، كرم الله وجهه، وقد قال به بعض الأئمة. وجاء إلى ذلك في كلامهم اقترانها بالواو وحدها.
الثاني: الأصل في الجملة الحالية إذا تصدرها المضارع المثبت أن تكتفي بالضمير وحده، فإذا اقترنت بالواو فلا بد أن تضم إليها قد، سواء تلت الجملة (الا) . أو جاءت دونها.
لكنه جاء في كلام الفصحاء اقترانها بالواو وحدها، كما اتفق ذلك في كلام علي كرم الله وجهه.
***
стр. 479
وبعد فهذا ما رأيت أن أبسط القول فيه للكشف عن المسلوكة إلى تبين جواب الشرط من جواب القسم وتحري الواجب منهما إذا اجتمعا، وتعرّف مواضع ربط الجملة بواو الحال وجوباً وجوازاً وامتناعاً. وقد اعتمدت في ذلك آراء النحاة وأقلام أرباب البيان شعراً ونثراً فهؤلاء وأولئك أصحاب الصناعة. وأرج أن أكون قد أوضحت البحث فأفصحت عن مضمونه وجلوت غامضه في المسألتين. التماساً لوجه الرأي فيهما وابتغاء للصواب، ومن الله العون.
стр. 480
اسم الفاعل والموازنة بينه وبين الصِّفة المشبّهة وما يعترض الكتّاب فيه من لُبسٍ وإشكال
١-اسم الفاعل ودلالته:
يقول الأئمة في تعريف الفاعل أنه اللفظ المصوغ من الفعل المعلوم للدلالة على معنى وقع من الموصوف، أو قام به على جهة الحدوث لا الثبوت، على حين يقولون في تعريف الصفة المشبهة أنها اللفظ المصوغ من الفعل اللازم للدلالة على معنى قائم بالموصوف على وجه الثبوت لا الحدوث.
ويتبين بذلك أن الصفة المشبهة تتميز بأنها تدل على الثبوت، وتشتق من اللازم، وأن اسم الفاعل يدل على الحدوث ويصاغ من اللازم والمتعدي.
ويأتي مبنى اسم الفاعل من الثلاثي المجرد على (فاعل) بكسر ما قبل آخره، وهو إما أن يُصاغ من (فعَل) المفتوح العين في الماضي، متعدياً ولازماً، كضارب من ضرب وقاعد من قعد، أو من (فَعِل) المكسور العين فيه متعدياً كشارب من شرب. هذا هو الغالب فيه. وهو يُصاغ من غير الثلاثي على زنة مضارعه بإبدال أوله ميماً مضمومة وكسر ما قبل آخره، كمُسعِفٍ من أسعَفَ ومُجيب من أجاب.
آ-ما جاء من اسم الفاعل على غير الأصل: قد يأتي اسم الفاعل خلافاً للأصل المقيس الذي ذكرناه، كأن يُصاغ من (فَعِلَ) بكسر عين الماضي، ولكن من فعل لازم غير متعد، فيدل على الثبوت كسالم من سَلِم وتاعس من تَعِس وتافه من تفِه وخاطئ من خطِئ، بكسر عين الماضي فيها جميعاً. أو يأتي من (فعِل) بكسر عين الماضي اللازم على صورة المتعدي بحذف الجار، فيدل على الثبوت أيضاً، كساخِط من سِخطه بالكسر، والأصل سخط منه، أو يأتي مما يستوي فيه المذكر والمؤنث كرجل بالغ وامرأة بالغ، ورجل خادم وامرأة خادم، فيدل كذلك على الثبوت. وقد ذهب المحققون إلى أن ما استوى فيه التذكير والتأنيث من الصفات ليس صفة مشبهة ولا اسم فاعل، بل هو صفة (على النَسَب) كرجل عاشق وامرأة عاشق، أي ذي عشق وذات عشق.
ب-دلالة اسم الفاعل على الحال أو الاستقبال:
خصَّ النحاة دلالة اسم الفاعل بالحدوث حين قرنوه بالصفة المشبهة الدالة على الثبوت. وقد قصدوا بذلك إفادته للحال أو الاستقبال نحو إفادة مضارع فعله. وبُني على ذلك أعمال هذا الفاعل المجرد من (أل) في معموله، وذلك بتنوينه ونصب المفعول إذا كان متعدياً. على أن يستوفي شروط الأعمال كوقوعه خبراً أو صفة أو حالاً، أو وقوعه بعد نفي أو استفهام، ذلك لتستحكم المشابهة بينه وبين الفاعل.
стр. 481
ويستعاض عن أعمال اسم الفاعل المعدّ للعمل، بإضافته إضافة لفظية لا تفيد التعريف. وهذا يعني أن اسم الفاعل ما دام يفيد الحال أو الاستقبال لا يتعرف بالإضافة. والشاهد على ذلك قوله تعالى: ?كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت- آل عمران/ ١٨٥?. فقد جاء (ذائقة) لحكاية الحال، وقرئ بالإضافة فكانت إضافته لفظية لا تفيد التعريف، كما أعمل فيما بعده فقرئ بالتنوين ونصب (الموت) ، قال العكبري محب الدين أبو البقاء في كتابه (إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن) : "وإضافة ذائقة غير محضة" أي لفظية لا تفيد التعريف. وعلل العكبري ذلك فقال: "لأنها نكرة يُحكى بها الحال" وأردف: "وقرئ شاذاً ذائقةٌ الموت بالتنوين والأعمال". أقول ما دام قد قرئ به فهو جائز على كل حال. قال القرطبي أبو عبد الله في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) : "وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي اسحاق ذائقةٌ الموتَ بالتنوين ونصب الموت، قالوا لأنها لم تذق الموت". وقال الفراء في كتابه (معاني القرآن) : "ولو نوِّنت ذائقة ونصبت كان صواباً". وهكذا إذا جاء اسم الفاعل على الأصل فيدل على الحال أو الاستقبال ونصبت كان صواباً". وهكذا إذا جاء اسم الفاعل على الأصل فدل على الحال أو الاستقبال أمكن إعماله إذا استوفى شروط الإعمال، وأمكن إضافته فكانت الإضافة لفظية لا تفيد التعريف.
جـ-دلالة اسم الفاعل على تجدد الحدث مستمراً:
стр. 482
قد لا يقف اسم الفاعل عند دلالته على الحال أو الاستقبال فيتجاوز ذلك إلى إفادة تجدد الحدث باستمرار، وهو ما اصطلح عليه عند النحاة باستمرار التجدد. فيقوم اسم الفاعل حينئذ بعمله بعد التنوين وينصب المفعول، على الأصل، فإذا أضيف كانت إضافته كذلك لفظية لا تفيد التعريف. ومثال هذا قولك (زيد مكرم الضيفان) على الإضافة، و (زيد مكرم ضيفانه) بتنوين اسم الفاعل ونصب ما بعده. قال الشيخ ناصيف اليازجي في كتابه (نار القرى/ ١٧٨) : "وجرى مجرى ما كان على الحال والاستقبال ما أريد به الاستمرار التجددي نحو زيد مكرم ضيفه" بتنوين مكرم ونصب ما بعده.
وقد جعل بعضهم من هذا القبيل قوله تعالى: ?فالق الأصباح وجعل الليل سكناً- الأنعام/ ٩٦? فقد قرئ "وجاعل الليل سكناً" وجاء فيه قولان:
الأول أن اسم الفاعل دال على تجدد الحدث باستمرار، ويمكن حينئذ إضافته، فتكون إضافته لفظية لا تفيد التعريف، وإعماله فيكون "سكناً" منصوباً به. وقد أشار البيضاوي ناصر الدين في تفسيره (أنوار التنزيل) إلى دلالة اسم الفاعل هذه فقال: "على أن المراد منه جعل مستمر". كما أشار العكبري محب الدين أبو البقاء في كتابه (إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب) إلى إعمال اسم الفاعل فقال: "وجاعل الليل مثل فالق الإصباح في الوجهين، وسكناً مفعول جاعل إذا لم تعرّفه".
والثاني أن اسم الفاعل دال على الماضي بدليل قراءته الأولى (وجعل) ، فيجب حينئذ إضافته فتكون إضافته محضة تفيد التعريف، ويمتنع في هذه الحال عمله فيقدّر نصب (سكناً) بفعل محذوف، كما سنذكره بعد. قال العكبري: "وإن عرَّفته كان منصوباً بفعل محذوف أي جعله سكناً".
د-دلالة اسم الفاعل على الماضي:
стр. 483
قد يدل اسم الفاعل على المضي وحده دون الحال أو الاستقبال فيُلغى عمله وتجب فيه الإضافة فتكون إضافته معنوية حقيقية محضة تفيد التعريف كإضافة الاسم غير المشتق. ومثال ذلك قوله تعالى: ?الحمد لله فاطر السموات جاعل الملائكة رسلاً-فاطر/١?، فقد جاء (فاطر وجاعل) مضافين إضافة محضة تفيد التعريف. قال العكبري في كتابه (إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب) : "فاطر السموات: الإضافة محضة لأنه للماضي لا غير. وأما جاعل فكذلك في أجود المذهبين".
هـ-دلالة اسم الفاعل على الاستمرار:
وقد لا يدل اسم الفاعل على زمن معين فيفيد الاستمرار فيعامل معاملة ما يدل منه على الماضي. قال تعالى: ?حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب- غافر/ ١-٢?.
**
ويتبين مما تقدم أن دلالة اسم الفاعل على الحدوث تعني مشابهته للمضارع وإفادته للحال أو الاستقبال أو تجاوزه ذلك بالقصد إلى دوام التجدد، وهو يعمل في هذه الحال فينصب المفعول إذا كان متعدياً أو يضاف فتكون إضافته لفظية. وقد يتحول عن مشابهة المضارع فيفيد الماضي بقرينة أو يفيد الاستمرار فيُلغَى عمله في الحالين ويضاف فتكون إضافة حقيقية معنوية. قال عبد الرحمن الجامي في شرح الكافية لابن الحاجب: "فإن كان اسم الفاعل المتعدي للزمان الماضي بالاستقلال أو في ضمن الاستمرار، وأريد ذكر مفعوله وجبت الإضافة، أي إضافة حقيقية معنوية. قال عبد الرحمن الجامي في شرح الكافية لابن الحاجب: "فإن كان اسم الفاعل المتعدي للزمان الماضي بالاستقلال أو في ضمن الاستمرار، وأريد ذكر مفعوله وجبت الإضافة، أي إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله معنى، أي إضافة معنوية".
وإنزال اسم الفاعل منزلة الاسم غير المشتق:
стр. 484
وقد ينزل اسم الفاعل منزلة الاسم غير المشتق كالعالم والمؤمن والكافر فإنها أسماء فاعلين أريد بها الثبوت. و (أل) الداخلة عليها للتعريف وليست موصولة، لأن (أل) الموصولة إنما تدل على ما يراد به الحدوث لا الثبوت. وإذا جُرِّدت أسماء الفاعلين هذه من (أل) التعريف وأضيفت كانت إضافتها معنوية لا لفظية. تقول جاء عالم بلدنا، فعالم في الأصل صفة أضيفت إلى غير معمولها فأنزلها منزلة الاسم. وهكذا قولك جاء مصارع الحلبة. وهكذا الكاتب والقارئ والشاعر والعامل والقاضي إذا أريد بها من يزاول الكتابة والقراءة وقرض الشعر والعمل والقضاء.
٢-كلام الباحثين المحدثين على اسم الفاعل ودلالته:
١-كلام الدكتور إبراهيم السامرَّائي:
стр. 485
تحدث كثير من الباحثين المحدثين عن دلالة اسم الفاعل ومنهم الدكتور إبراهيم السامرَّائي في كتابه (الفعل زمانه وأبنيته) ، فأنكر أن يكون الأئمة قد نسبوا دلالة الاستمرار إلى اسم الفاعل، فقال: "والقول بدلالة فاعل على الاستمرار ما انفرد به المخزومي. فقد اقتصر السابقون على دلالة فاعل على المستقبل، وهو اسم الفاعل المنون العامل، نحو أنا صائم يوم الخميس، أي سأصوم. وعلى المضي وهو اسم الفاعل المضاف نحو قاتل أخيه أي قتل/ ٤٢"! قال هذا وكأنه لم يعاين ما جاء في أسفار السَلَف لا سيما ألفيَّة ابن مالك وشرح الأشموني لها، وحاشية الصبان على هذا الشرح، بل كافية ابن الحاجب وشرحها للرضي والجامي، فضلاً عن كتاب (همع الهوامع في جمع الجوامع) للسيوطي.. وقد عبَّر السيوطي عن دلالة اسم الفاعل على الاستمرار بعدم اختصاص هذه الدلالة بزمان دون زمان. فقال: "فإن قصد تعريفها، أي الصفة المضافة إلى معمولها، بأن قصد الوصف بها من غير اختصاص بزمان دون زمان تعرفت. ولذا وصفت بها المعرفة في قوله تعالى: مالك يوم الدين، فالق الحب والنوى، غافر الذنب، إلا الصفة المشبهة..". ولا ننسَ ما ذكرناه من قول أبي البقاء الكفوي في كلياته: "معنى الاستمرار هو الثبوت من غير أن يعتبر معه الحدث في أحد الأزمنة- ٥/٣٣٢".
وليس هذا وحسب فقد جعل أبو البقاء الكفوي دلالة اسم الفاعل على الاستمرار أو الثبوت في أصل وضعه، إذ قال: "اسم الفاعل يستفاد منه مجرد الثبوت صريحاً بأصل وضعه، وقد يستفاد منه غيره بقرينة- ٥/١٧٣".
стр. 486
ولوجهة النظر هذه في اعتداد الثبوت أو الاستمرار هو الأصل في دلالة اسم الفاعل وجه متقبل. ذلك أن اسم الفاعل (اسم) والاسم على الثبوت والاستمرار، ولكنه يشبه الفعل وشبهه هذا قد تحول به إلى ما يدل عليه الفعل المضارع من حركة وتجدد. وهذا ما كشف عنه الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز ١١٥) ، فأفصح عن الفرق بين قولك (زيد منطلق) و (زيد ينطلق) . فقولك (زيد منطلق) يثبت الانطلاق لزيد دون أن يقتضي تجدداً، أما قولك (ينطلق) فإنه يثبت لزيد انطلاقاً يتجدد فيقع منه شيء بعد شيء. وإذا كان النحاة قد ذكروا أن قولك (خالد دائب في عمله) كقولك (يدأب فيه) ، فإن قولهم هذا على المشابهة لا على المماثلة والمطابقة. ذلك أن في أصل دلالة المضارع من التجدد ما ليس في أصل دلالة اسم الفاعل، وقد أشار الأشموني إلى دلالة المضارع هذه، في شرح ما جاء من قول ابن مالك في ألفيته (أحمد ربي الله خيرَ مالك) ، إذ قال: (واختار صيغة المضارع المثبت لما فيه من الإشعار بالاستمرار التجددي، أي كما أن آلاءه تعالى لا تزال تتجدد في حقنا دائماً كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد". وهذا يعني أن الأصل في التجدد أن يكون للفعل، فإذا وصف به اسم الفاعل بالفعل فقد استدعت ذلك قرينة تحولت باسميته إلى مشابهة الفعل.
وإذا كنا قد جارينا النحاة ها هنا فجعلنا الأصل في اسم الفاعل الدلالة على الحدث، فإذا دلَّ على الاستمرار فقد تحول عن أصله، فذلك لأننا قرناه بالصفة المشبهة الدالة على الثبوت فوازنّا بينه وبينها فتميز عنها بإفادة الحدث. ولو قرنا اسم الفاعل فوازنا بينهما لكان الفعل صاحب الحدث وكان اسم الفاعل هو الدال على الاستمرار.
٢-كلام الدكتور مهدي المخزومي:
стр. 487
تحدث المخزومي في كتابه (في النحو العربي) عما جاء في (فاعل) اسم فاعل في مذهب الكوفيين فقال: "وأما مثال فاعل فهو أحد أقسام الفعل وهو الفعل الدائم الذي لا دلالة له على زمن معين إذا لم يوصل بصلة من مضاف إليه أو مفعول". وفي كلامه هذا موضع للنظر، ذلك أن الكوفيين لم يسمّوا اسم الفاعل الفعل الدائم لعدم دلالته على زمان معين، بل لدلالته على الماضي تارة والحال والاستقبال تارة أخرى. والمخزومي قد اشترط لدلالة اسم الفاعل على زمن معين أن يضاف أو ينصب مفعولاً. وإضافة اسم الفاعل إلى معموله قد تدل على الحال أو الاستقبال، كما في مثال (ذائقة الموت) أو على الماضي كما في مثال (فاطر السموات) ، لكنها قد لا تدل على زمن معين فتفيد الاستمرار كما في مثال (غافر الذنب قابل التوب) .
٣-كلام الأستاذ محمد العدناني:
بحث الأستاذ محمد العدناني في كتابه (معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة) عمل اسم الفاعل فقال: "يعمل اسم الفاعل المشتق من الفعل المتعدي عمل فعله في رفع الفاعل ونصب المفعول به كقولنا -هُدى دارسة جميعَ دروسها، والقانون شامل كل القوانين السابقة، وأرى جيشنا ساحقاً جيش الأعداء". وهكذا أتى بمفعولات أسماء الفاعلين منصوبة، وهي (جميع وكل وجيش) ثم أردف: "ما عدا اسم فاعل واحداً هو –صاحب- فتقول: صحب حسام ياسراً فهو صاحبه، ولا يجوز أن تقول حسام صاحب ياسراً، بتنوين صاحب، بل تقول حسام صاحب ياسر، بالإضافة لأنهم استعملوا اسم الفاعل –صاحب- استعمال الأسماء فجرت عليه أحكامها".
стр. 488
أقول لا شك أن اسم الفاعل لا يعمل عمل فعله ما لم يدل كمضارعه على الحال أو الاستقبال أو يفيد الاستمرار التجددي، فإذا أنزل منزلة الأسماء ألغي عمله. وقد بسطنا القول في ذلك وأتينا بأمثلة من أسماء الفاعلين أنزلت منزلة الأسماء. لكن الغريب حقاً أن يذهب العدناني إلى أن العرب لم تنزل من أسماء الفاعلين منزلة الاسم سوى (صاحب) ، فكيف يمكن أن يُخصَّ (صاحب) بهذا، على اتساع لغة الضاد وتقلّب معاني مفرداتها وتشعب أساليب التعبير فيها وتباينها.
ومما أشرنا إليه من أسماء الفاعلين التي خصت بهذه المنزلة، منزلة الاسم: عالم وقاض وكاتب وعامل وشاعر إذا أريد بها من زاول العلم والقضاء والكتابة والعمل وقرض الشعر، ومثلها كثير.
وقد قرن سيبويه في (الكتاب-٢/١٠٠) بالصاحب (الوالد) والوالد هو الأب. وقد بحث قياس جمعهما بعد أن كانا صفتين فأصبحا اسمين، فقال: "فأما والد وصاحب فإنهما لا يجمعان ونحوهما كما يجمع قادم الناقة" أي لا يجمعان جمع الأسماء ولو أنزلا منزلة الاسم، فلا تقول في جمع (والد) أوالد، وفي جمع (صاحب) صواحب، كما تقول في جمع (قادم) قوادم. وقادم الإنسان رأسُهُ، وقادم الناقة مقدمتها. قال المرزوقي في شرح الحماسة (ص ٧١) : "صاحب وفعله صاحب صفة في الأصل استعملت استعمال الأسماء، فلم يجرِ مجرى أسماء الفاعلين، ويجري على طريقته قولهم والد". وقال نحو من ذلك ابن سيده في مخصصه (١٧/٥٥) .
стр. 489
وفي اللغة (قائم السيف وقائمته) أي مقبضه، والقائمة كذلك واحدة قوائم الدواب، كما جاء في مختار الصحاح. ويدخل في هذا الباب قولهم (قافلة الحاج) ، وقد أسميت بها الرفقة. قال ابن قتيبة في (أدب الكاتب) : "سميت الرفقة بالقافلة قبل قفولها تفاؤلاً". وقال الصاغاني في كتابه (الذيل والصلة) : "من قال القافلة للراجعة من السفر فقد غلط، بل ذلك للمبتدئة في السفر تفاؤلاً لها بالرجوع". وهكذا (الآزفة) في قوله تعالى: ?وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر –غافر/ ١٨" والآزفة يوم القيامة وهي مشتقة من (أزف الرحيل) إذا قرب.
٣-تبع الصفة للموصوف في التعريف والتنكير:
يشترط في الصفة أن تتبع موصوفها في التعريف والتنكير، فإذا كان الموصوف معرفة وجب أن تكون الصفة معرفة، وإذا كان نكرة كانت الصفة كذلك أيضاً. تقول (الحمد لله) وهي جملة اسمية إخبارية لفظاً، إنشائية معنى، وقد رفع فيها (الحمدُ) على الابتداء، وكان الجار والمجرور في محل الرفع خبراً للمبتدأ. فإذا أردت أن تصف اسم الجلالة (الله) قلت مثلاً (الحمد الله المعروف من غير رؤية) كما جاء في نهج البلاغة (١/١٥٧) ، إذ جاء (المعروف) صفة وكان معرَّفاً لأن الموصوف معرفة. وهكذا قول القائل (الحمد لله الأول فلا شيء قبلِهِ) كما جاء في نهج البلاغة (١/١٨٧) ، فالأول صفة معرَّفة والموصوف عَلَم وهو اسم الجلالة. وفي التنزيل "الحمد لله رب العالمين"، وقد جاء فيه (ربّ) صفةً لله وهو معرفة لإضافته إلى معرفة، وهكذا قوله تعالى: "فتبارك الله أحسنُ الخالقين- المؤمنون/ ٨٤".
стр. 490
أما مثال التنكير فقوله تعالى: ?ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون- البقرة/ ١٠? فأليم صفة لعذاب وكلاهما نكرة. وقوله تعالى: ?ولهم فيها أزواج مطهَّرة وهم فيها خالدون- البقرة/ ٢٥? فمطهَّرة صفة الأزواج وكلاهما نكرة. وقوله تعالى: ?ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإيّاي فاتَّقون-البقرة/ ٤١? فقليلاً صفة لقوله (ثمناً) وكلاهما نكرة.
وقلَّما يُشكل على الكتاب تعريف الوصف بـ (أل) أداة التعريف، ولكن يشكل عليهم تعريف الوصف بالإضافة. فالسؤال ها هنا متى يكتسب الوصف التعريف بالإضافة فيصح أن يوصف به الموصوف المعرَّف.
١-متى يتعرف الوصف بالإضافة:
القاعدة ألاَّ يعرَّف المضاف عامة بالإضافة ما لم تكن إضافته معنوية محضة تفيد التعريف، وضابطها في الوصف، سواء أكان اسم فاعل أو مفعول أو صفة مشبهة، ألاَّ يكون مضافاً إلى معموله فاعلاً أو مفعولاً، وإلا كانت إضافته لفظية لا تفيد التعريف. فليس لك أن تقول مثلاً (على النفس ذائقة الموت أن تهتم بأخراها) ، بل الصواب أن تقول (على النفس الذائقة الموت أن تهتم بأخراها) أي على النفس التي ستذوق الموت أن تهتم بأخراها، والأخرى هي الآخرة، أي دار البقاء. وليس لك أن تقول (على المرء مهضوم الحق ألاَّ يسكت على ظلمه) بل الصواب أن تقول (على المرء المهضوم الحق ألا يسكت على ظلمه) ما دام معناه الذي يهضم حقه، وليس لك أن تقول (المرأة حسنة الوجه تفتن الرجال) بل الصواب أن تقول (المرأة الحسنة الوجه تفتن الرجال) .
стр. 491
وقد استثنوا من ذلك اسم الفاعل أو المفعول إذا دلَّ على الماضي، أو لم يدل على زمن معين، كما فصلنا فيه القول. قال السيوطي في كتابه (همع الهوامع-٢/٤٨) : "فإن قُصد تعريفها أي الصفة المضافة إلى معمولها، بأن قصد الوصف بها من غير اختصاص بزمان دون زمان تعرَّفت، لذلك وُصف بها المعرفة". وهو يعني بذلك دلالة الصفة على الاستمرار، فقد جاء في شرح (الأزهرية في علم العربية) لخالد بن عبد الله الأزهري، في إعراب الفاتحة: "رب نعت أول لله، وهو مضاف والعالمين مضاف إليه. والرحمن نعت ثانٍ لله، والرحيم نعت ثالث، ومالك نعت رابع". وأردف "وصح ذلك لدلالته على الدوام والاستمرار وهو مضاف إضافة محضة، ويوم مضاف إليه ومضاف ... ". وكذلك كلام السيوطي على الصفة إذا دلت على الماضي، فقد سبق منه قوله: "فإن كانت، أي الصفة بمعنى الماضي، فإضافتها محضة.." أي إضافة معرّفة يصح بها وصف المعرفة.
ولكن هل يصح في إضافة الصفة المشبهة ما صح في إضافة اسم الفاعل والمفعول. أقول: قد استثنى السيوطي الصفة المشبهة فأفردها بحكم خاص وقال": "إلا الصفة المشبهة فلا تتعرف لأن الإضافة بها نقل عن أصل وهو الرفع بخلافها في غيرها فهي عن فرع وهو النصب: ولأنه إذا قصد تعريفها أدخل عليها اللام".
وما جاءها هنا عن إضافة الصفة المشبهة وكونها لفظية، لا تفيد التعريف في كل حال، وأنها إنما تتعرف بـ (أل) ، أقول ما جاء ها هنا هو رأي جمهور النحاة. فقد صحح الأشموني في شرحه ما ذهب إليه ابن مالك في ألفيته فقال: "فهي أي الصفة المشبهة ليست بمعنى الحال أو الاستقبال بل للثبات والدوام، وهي وإن كانت كذلك لا تتعرف بالإضافة أصلاً". وقد سبق الرضي إلى ذلك في شرح كافية ابن الحاجب فقطع بأن إضافة الصفة المشبهة لفظية أبداً وبنى ذلك على كونها عاملة في محل المضاف إليه إما رفعاً أو نصباً، فقال: "فهي جائزة العمل دائماً فإضافتها لفظية دائماً".
стр. 492
٢-اختلاف حكم الوصف في التعريف إذا أضيف إلى معموله عامة بين أن يكون اسم فاعل أو مفعول أو يكون صفة مشبهة:
يتبين بما قدمنا أن اسم الفاعل واسم المفعول يتعرفان إذا أضيفا إلى معمولهما بشرط دلالتهما على المضي أو الاستمرار، وأن الصفة المشبهة لا تتعرف بالإضافة إلى معمولها، مهما كان حالها، مع دلالتها على الثبات في الأصل. وقد بني على ذلك أن الصفة المشبهة لا تصح وصفاً لموصوف معرَّف إذا أضيفت إلى معمولها ما لم تتعرَّف باقترانها باللام، خلافاً لاسم الفاعل والمفعول، إذ يصح أن يكونا وصفين لموصوف معرّف إذا أضيفا إلى معمولهما ودلاَّ على الماضي أو الاستمرار.
٣-مجمع اللغة العربية بالقاهرة وتعريف الصفة المشبهة المضافة:
قضى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مؤتمره (عام ١٩٨٣) بتعريف الصفة المشبهة المضافة، واعتداد إضافتها معنوية، فأجاز وصفها للمعرفة قياساً إلى اسم الفاعل والمفعول المضافين إذا دلاَّ على الاستمرار فقد اعتد النحاة إضافتهما معنوية وأقروا وصفهما للمعرفة ... فما الرأي في ذلك؟
أقول أقرَّ مجمع اللغة القاهري تعريف الصفة المشبهة بعد أن شهد بمخالفة رأيه هذا رأي النحاة لا سيما الخليل ويونس وسيبويه، فقال: "وترى اللجنة أن الصفة المشبهة أقرب إلى أن تكون إضافتها معنوية".
стр. 493
وعندي أن المجمع القاهري لم يُصب فيما ذهب إليه وأن قياسه ليس صحيحاً. ذلك أن الصفات، إذا أضيفت إلى معمولها، إما أن تضاف إلى فاعلها أو إلى مفعولها، فإذا كان الأول كانت إضافتها لفظية لا تفيد التعريف، صفة مشبهة كانت أو اسم فاعل أو مفعول. وإذا عرفنا أن الصفة المشبهة لا تضاف إلا إلى فاعلها أدركنا أن إضافتها لفظية لا سبيل إلى تعريفها. خلافاً لاسم الفاعل والمفعول فإنهما يضافان إلى مفعولهما فتكون إضافتهما معنوية تفيد التعريف إذا دلاَّ على الاستمرار، أو يضافان إلى مرفوعهما فاعلاً لاسم الفاعل ونائب فاعل لاسم المفعول فتكون إضافتهما لفظية كإضافة الصفة المشبهة سواء بسواء.
فالسر إذاً في تعريف اسم الفاعل المضاف هو إضافته إلى مفعوله أولاً ثم دلالته في هذه الإضافة على الاستمرار، فكيف يمكن أن تقاس به الصفة المشبهة، وهي لا تضاف إلا إلى فاعلها؟ قال الرضي: "أما عمل اسم الفاعل والمفعول فهو جائز في المرفوع مطلقاً بإضافتهما، فإضافتهما إلى فاعلهما لفظية دائماً".
٤-إضافة الوصف إلى مرفوعه لا تكون إلا لفظية، صفة مشبهة كان الوصف أو اسم الفاعل أو مفعول:
стр. 494
هذا ما قضى به النحاة. ولكن ما علة ذلك؟ أقول علة ذلك أنك إذا قلت (زيد حسن الوجه) بإضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها مثلاً، فكأنك قلت (زيد حسن وجهه) برفع (وجهه) ، ولا بد من تلازم الوصف وفاعله في القولين وتكاملهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر، كما هو شأن الفعل وفاعله، فأي تعريف يمكن أن يفيده الوصف بإضافته إلى ما هو كالجزء منه والإضافة إنما تكون بين متغايرين، كما يقول النحاة. وقد أشار النحاة إلى تعلق الفعل بفاعله فقالوا: "تعلق الفعل بفاعله أشد من تعلق المبتدأ بخبره، لأن الفاعل بمنزلة الجزء من الفعل" جاء ذلك في (الأشباه والنظائر-١/٥٦٦) للإمام السيوطي. كما قالوا: "الفاعل لا يتقدم على فعله لأنه كالجزء منه" وأردفوا "الصفة لا تتقدم على الموصوف لأنها من حيث أنها مكملة له ومتممة، أشبهت الجزء منه –المصدر- ١/٥٩٣".
ويجري خلاف ذلك إذا أضفت الوصف إلى مفعوله، لأن المفعول ليس جزءاً من الوصف وهذا شأن الفعل ومفعوله فهما لا يتلازمان ولا يتكاملان. فقد يكون الفعل لازماً لا مفعول له، وقد يكون متعدياً ويستغنى عن مفعوله. فالوصف قد يفيد تعريفاً إذا ما أضيف إلى مفعوله. والذي يضاف إلى مفعوله من الوصف هو اسم الفاعل أو المفعول من الفعل المتعدي دون الصفة المشبهة، وهما يفيدان من هذه الإضافة تعريفاً إذا دلاَّ على الاستمرار. أما الصفة المشبهة فإذا نصبت نصبت لفظاً لا معنى وقد أسموا منصوبها الشبيه بالمفعول، فقد قالوا (الحسن الوجه) تشبيهاً له بـ (الضارب الرجل) بالنصب فيهما.
وانظر إلى ما جاء في (إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب) للعكبري في إعراب قوله تعالى: ?حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب- غافر ١/٢?.
стр. 495
قال العكبري: "غافر الذنب وقابل التوب، كلتاهما صفة لما قبله، والإضافة محضة" أي صفة لاسم الجلالة. وقد أشار بقوله هذا إلى أن اسم الفاعل (غافر وقابل) المضافين إلى مفعولهما قد تعرَّفا بالإضافة، فإضافتهما محضة أي معنوية تفيد التعريف، لدلالتهما على الاستمرار. وأردف: "وأما شديد العقاب فنكرة، لأن التقدير: شديد عقابه" أي أن إضافة الصفة المشبهة (شديد) إضافة لفظية لا تفيد التعريف لأنها مضافة أبداً إلى فاعلها. ثم قال: "ويجوز أن يكون شديد بمعنى مشدّد فتكون الإضافة محضة فيتعرف فيكون وصفاً أيضاً". أي إذا كان (شديد) صفة مشبهة فلا سبيل إلى أن يكون صفة لاسم الجلالة، بل يكون بدلاً لجواز أن يكون البدل نكرة والمبدل منه معرفة.
أما إذا كان (شديد) على فعيل بمعنى مُفعِّل بكسر العين المشددة أي بمعنى (مُشدِّد) اسم الفاعل، أمكن أن تكون إضافته إلى مفعوله (العقاب) إضافة محضة فيتعرَّف ويكون صفة لاسم الجلالة، ما دام يدل على الاستمرار.
وإذا كانت الصفة المشبهة في قولك (زيد حسن الوجه) بإضافة الصفة منكرة لإضافتها إلى فاعلها، وكانت الصفة المشبهة في قولك (زيد الحسن الوجه) بإضافة الصفة أيضاً معرفة، فإن تعريفها قد كان باللام دون الإضافة، فالصفة المشبهة لا تتعرَّف بالإضافة مطلقاً.
٥-الصفة المشبهة في كلام الفصحاء:
قضى النحاة بأن تعريف الصفة المشبهة المضافة إنما يكون باللام دون الإضافة لأن الإضافة لا تفيدها تعريفاً. وذهب مجمع اللغة العربية القاهري في مؤتمره إلى جواز تعريف الصفة المشبهة بالإضافة وحدها خلافاً للنحاة، فأين يقع كلام الفصحاء من الرأيين، وهل جاء في مأثورهم من النثر أو الشعر ما يؤيد رأي المجمع القاهري دون النحاة، فكانت الصفة المشبهة فيه معرَّفة بالإضافة!
следующие страницы →