← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2120

دراسات في النحو

صلاح الدين الزعبلاوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أفليس يتأتى أن يدخل هذان في قياس لو ابتغينا لصيغتيهما مثل هذا القياس، ببحث وتلطف واستقراء. هذا و (الحدج) بالكسر الحمل ومركب من مراكب النساء أيضاً وهو مثل المحفة، والجمع حدوج، وأحداج كما جاء في بيت المتنبي. ٢-اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان جرى العرب على اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان. فإذا كان اسم العين ثلاثياً مجرداً نزع منه فعل ثلاثي يشاكله في الأحرف وترتيبها، كقولهم: رأسه إذا ضرب رأسه، وكبده ودمغه وأذنه وأنفه ونابه ومعده، إذا أصاب ما سمي بهذه الأحرف من الأعضاء، ومن ذلك رآه إذا أصاب رئته. وقالوا: حصاه إذا ضربه بالحصى، ودبره تلا دبره، وحنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها. وأسد الرجل إذا أشبه الأسد، وتاس الجدي إذا صار كالتيس. وقالوا عسله إذا جعل فيه العسل فعلاً أو مجازاً- ففي الحديث: (إذا أراد الله بعبد خيراً عسله) . وقال صاحب النهاية: (العْسُل طيبُ الثناء مأخوذ من العَسَل) . وفي النهاية أيضاً: (يقال بدرَ وَجْهُ الغلامُ إذا تمَّ واستدارَ تشبيهاً بالبدر في تمامه وكماله) . وقال الراغب في مفرداته: (.. والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلاً في الباب، ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، فيقال تارة بدر كذا أي طلع طلوع البدر) . وإذا كان الاسم رباعياً مجرداً نزع منه فعل رباعي يماثله في الأحرف وترتيبها أيضاً كقولهم: ثعلب الرجل إذا راغ، وطحلب الماء إذا علاه الطحلب. وإذا كان الاسم ثلاثياً أو رباعياً مزيداً حذفوا منه الزائد حتى يعود ثلاثياً أو رباعياً في مثل أحرفه الأصلية وترتيبها. فقد قيل من الثلاثي المزيد: حنأ لحيته إذا خضبها بالحناء. لكنهم قالوا: حنأها بالتشديد أيضاً. وقالوا أركت الإبل تأرك إذا لزمت الأراك. والأراك: شجر من الحمض يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة. وقيل من الرباعي المزيد: قرطس الرامي إذا أصاب القرطاس أي الغرض.

стр. 597

على أنهم قالوا اشتقاقاً من الثلاثي أيضاً: تأسد واستأسد (من الأسد) وفي الاشتقاق لابن دريد: (تليث الرجل إذا تشبه بالليث في جرأته وإقدامه) . وفلان يتمزن على قومه أي يتفضل عليهم، من المزنة وهي السحابة. وقالوا تأبل إذا اتخذ الإبل، وتأرض إذا لصق بالأرض، وتخشب صار كالخشب، وهكذا تحجر من الحجر واحتجر من الحجرة. وكثر استفعل من الثلاثي كاستفيل واستنوق واستتيس واستنسر واستذأب واستجمل. وكثر أفعل إذا دخل في الشيء كأهضب وأصحر وأسهل وأبحر وأبرّ وأغرب وأعرق.. وقد اقتاد المجمع القاهري هذه الكثرة من اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان إلى إجازة هذا الاشتقاق حين الحاجة. فجاء في مجلته (١/ ٢٣٦) : (اشتق العرب كثيراً من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في العلوم) . ٣-الاشتقاق من اسم العين المشتق قالوا: (المنكب) وزان مجلس لمجمع رأس العضد والكتف، فجاء اسماً للعضو، ثم اشتق منه فقيل (تنكب القوس) إذا ألقاها على منكبه، كما قيل (تأبط الشيء) إذا جعله تحت إبطه. فـ (تنكب) بهذا المعنى دل على المنكب ولم يشتق من لفظه، وهو حين انطوى على هذه الدلالة غاير معناه في الأصل، فتنكبه يعني تجنبه. وكما قيل من (المنكب) تنكب فدل على معناه ولم يشتق من لفظه، قيل منه (نكب) أيضاً، فجرى هذا المجرى. ففي المصباح: (ونكب على القوم نكابة بالكسر فهو منكب مثل مجلس، وهو عون العريف، مأخوذ من منكب الشخص، وهو مجتمع رأس العضد والكتف لأنه يعتمد عليه. وتنكبت القوس ألقيتها على المنكب) . وجاء (المنطقة) لما يشد على الوسط. واشتق منه فعل فقيل (نطقته فتنطق) كما في الصحاح. كما اشتق منه (تمنطق وانتطق) كما في اللسان. وهكذا اشتق (نطق وتنطق وانتطق) من المنطقة فناسب الفعل معنى المشتق ولم يوافقه لفظاً. واشتق منها (تمنطق) فناسب المشتق معنى ولفظاً.

стр. 598

وجاء (تمدرع وتمندل) من المدرعة والمنديل على تمفعل، كما جاء (تدرع وتندل) على تفعل. فاعتد الصحاح (تمفعل) شاذاً و (تفعل) هو القياس. فدل هذا على أن الأصل في الاشتقاق من اسم العين المشتق إسقاط الزيادة. وأيد ذلك الرضي في شرح الشافية فاعتد (تمدرع وتمسكن وتمندل وتمغفر) قليل الاستعمال وأنه على توهم أصالة الميم فقال (والمشهور الفصيح تدرع وتسكن وتندل وتغفر) . ولكن لِم آثر الأئمة (تدرع) على (تمدرع) ؟ أقول قد ورد السماع بإثبات الزيادة وهو الأصل، كما جاء بحذفها، وهو خلافه. فآثروا الأصل والقياس. ولكن قد تكون ثمة دواع لغوية توجب مخالفة الأصل والأخذ بالاستعمال، لأن العمل بخاصة اللغة أولى من الانقياد لمنطق القياس. ومن ثم قال الباحثون في علم اللغة الحديث: قد يوجب الاستعمال في اللسان ما لا يسعه الوضع. وقد انتحى أئمة النحو هذا السمت ولم يغادروه حين قالوا (السماع يبطل القياس) . وهو ما قاله ابن جني في (المنصف) . فإذا أجازوهما آثروا السماع على القياس. وعندي أن قولك (تمدرع) بإثبات الزيادة أدنى إلى التعلق بالمعنى والحياطة له من قولك (تدرع) بحذفها، ولو ورد السماع بهما وكان الثاني هو الأصل. ذلك أن الاستعمال يقتضي الأخذ بالزيادة ما دامت ذات دلالة، كلما أوقع إغفالها اللبس. فانظر إلى ما قاله ابن جني في الخصائص (١/٢٣٦.ط-١٩١٣) : (وعليه جاء تمسكن وتمدرع وتمنطق وتمندل وتمخرق، وتمسلم أي صار مسلماً.. فتحملوا ما فيه تبقية الزائد مع الأصل في حال الاشتقاق، كل ذلك توفية للمعنى وحراسة له ودلالة عليه) . وأردف: (ألا تراهم إذا قالوا تدرع وتسكن، وإن كانت أقوى اللغتين عند أصحابنا، فقد عرضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم، أمن الدرع والسكن، أم من المدرعة والمسكنة، وكذلك بقية الباب) . وإلا فهل نؤثر (تسلم) على (تمسلم) إذا أضحى (مسلماً) ؟

стр. 599

وإذا صح أنهم حرصوا على إبقاء الزيادة رعاية للمعنى وتبييناً له ودرأ للبس كما ذهب إليه ابن جني، فقد بطل القول بأنهم فعلوه على توهم أصالة الميم كما ذكره الرضي وانتحاه كثير من الأئمة. ٤-اشتقاق الفعل من المصدر تصور الأئمة اشتقاق الأفعال من المصادر كما قدروا انتزاعها من أسماء الأعيان، كما أوضحناه. لكنه إذا أمكن أن يرد الفعل إلى اسم العين والمصدر ردوه إلى المصدر. قال ابن جني في الخصائص (٢/٤٣٣) : (اشتقاق العرب من الجواهر قليل جداً والأكثر من المصدر) . وقال السيوطي في المزهر (١/٢٠٣-ط. المكتبة الأزهرية) : (والتاسع كون الأصل جوهراً والآخر عرضاً لا يصلح للمصدرية ولا شأنه أن يشتق منه، فإن الرد إلى الجوهر حينئذ أولى لأنه الأسبق، فإن كان مصدراً تعين الرد إليه لأن اشتقاق العرب من الجوهر قليل جداً والأكثر من المصادر) . ولكن هل يعني ذهاب الأئمة إلى أن العربية قد اشتقت أفعالها من المصادر ما وجدت لأنها الأصل لديهم، والاشتقاق منها كثير، وإلا فمن الجواهر والاشتقاق منها قليل، أقول هل يعني ذلك أنهم قالوا بسبق المصادر، وهي أسماء للمعاني، للجواهر وهي أسماء للأعيان، في الوضع؟ هذا ما بدا للدكتور صبحي الصالح في كتابه (دراسات في فقه اللغة) ، فبيَّن أنه ليس من الطبيعي سبق أسماء المعاني أسماء الأعيان، كما ذهب إليه الأئمة، وأن الصواب هو العكس، وقال: (إن البداهة تقضي بوجود أسماء الأعيان المشاهدة المرئية التي تناولتها الحواس قبل أسماء المعاني. لذلك كانت الأعيان، هي أصل الاشتقاق دون المصادر.. كيف وقد امتلأت معاجمنا وكتبنا اللغوية بما لا يحصى من الجواهر التي تفرعت عنها الصفات والأحوال والمصادر والأفعال/١٩٩) . والذي عندي أن الأئمة لم يقولوا بسبق أسماء المعاني أسماء الأعيان.

стр. 600

فإذا كانوا قد آثروا المصادر على الجواهر في كونها أصلاً للاشتقاق، فلم يسبق إلى اعتقادهم أن المصادر قد وضعت قبل أسماء الجواهر البتة. وهذا حالهم حين قالوا الاسم أسبق من الفعل إذا لم يَدر بخلدهم أو يقع في ظنهم أن الأسماء تقدمت الأفعال في الزمان. فانظر إلى ما قاله ابن جني (١/ ٤٣٢. ط-١٩١٣) : (فكيف يجوز أن يقصد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقاً منه، كاشتقاق قائم من قام، ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه) . وأردف (وأيضاً فالمصدر مشتق من الجوهر كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر، وكلاهما اسم) . فاتضح بذلك أن المصدر، وهو أصل اشتقاق الفعل عند البصريين، قد اشتق نفسه من الجوهر فالذي أراده الأئمة وعنوه إذاً أنه إذا قام للفعل مصدر وجوهر كان اشتقاقه من المصدر (فالمصدر ألصق به من حيث بناؤه وما يعتريه ويعترضه من الأتباع إبدالاً وقلباً وإعلالاً) . ولا يمنع هذا أن يكون اشتقاق المصدر نفسه من الجوهر في الأصل. ومن عمد من الأئمة إلى التعويل على (الزمان) وكان ملحظه (نشوئياً) نبه على أن (الجواهر) وهي أسماء الأعيان عند المتأخرين، هي المتقدمة، وأن (الأفعال وما يتصل بها من أسماء المعاني) هي المتأخرة. ذلك ما ذهب إليه السكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) ، حين جعل الكلم المستقرأة نوعين. الأول ما (يشهد التأمل بتقدّمه في باب الاعتبار والثاني ما جاء (بخلاف ذلك) وهو المتخلف. وقد سلك في المتقدم (الجوامد) وهي الجواهر، وسلك في المتخلف (الأفعال وما يتصل بها من الأسماء) أسماء المعاني والصفات. وليس هذا حسب بل أكد أن أكثر ما يتصل بالأفعال من الأسماء، إنما هو فرع على الأفعال. وأردف (إلا المصدر عند أصحابنا البصريين ﵏/١٤) فإنهم يعتدّون الفعل فرعاً عليه. لكنه لم يشايعهم فيما انتحوه وقرروه كما سنراه. ***

стр. 601

والأئمة في صلة الفعل بالمصدر من حيث الاشتقاق، على خلاف. فقد أكد الكوفيون أن الفعل أصل والمصدر فرع. وقطع البصريون بخلاف ذلك لكنهم اختلفوا في الصفات فمنهم من رد اشتقاقها إلى الفعل، كما فعل ابن جني، ومنهم من عزاها إلى المصدر، شأنه شأن الفعل. قال سيبويه في الكتاب (١/١) : (وأما الفعل فأمثلته أخذت من لفظ أحداث الأسماء ... والأحداث نحو الضرب والقتل والحمد..) وأيد ابن الأنباري في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف) مذهب البصريين. وقال بقول البصريين كثير من المحدثين منهم الأستاذ عبد الله أمين، على ما جاء في مجلة مجمع اللغة العربية القاهري (١/ ٣٨٢) ، وقد استند في ذلك إلى أن ابن الأنباري صاحب الأنصاف قد ساق في المسألة آراء كل من الجانبين ووازن بينها فلم يدع مقالاً لقائل، وقد خلص إلى الأخذ بمقالة البصريين. ومنهم الدكتور صبحي الصالح فاستشهد بما جاء في (أصول النحو) للأستاذ سعيد الأفغاني. قال الأفغاني: (المصدر يدل على حدث، والفعل يدل على حدث وزمن، والأسماء المشتقة تدل على حدث وزمن وزيادة ثالثة كالدلالة على الفاعل والمفعول) . أقول إن ما حكاه الأفغاني هو مقالة البصريين. ذلك أنهم بنوا رأيهم على أن الفرع ما كان فيه الأصل مع زيادة هي غرض الاشتقاق. فالمصدر يدل على الحدث مطلقاً فهو الأصل، وشأن الأصل أن يكون مطلقاً، والفرع أن يقيد كما قيد الفعل بالزمن المعين. أما الوصف فهو يدل على الحدث والموصوف، فإن ما فيه ما في المصدر من الحدث وزيادة كالدلالة على الفاعل.. فهو فرع عليه أيضاً، وليس فرعاً على الفعل، إذ ليس فيه ما في الفعل من الزمن المعين. وذهب بعض البصريين أن في الوصف ما في الفعل من الزمن، على كل حال، فهو فرع عليه. فالفعل قد نزع من المصدر والوصف قد نزع من الفعل، وعليه ابن جني.

стр. 602

أقول قد عرّف البصريون (الفرع) المشتق بالنسبة إلى (الأصل) المشتق منه فقالوا: (الفرع ما كان فيه ما في الأصل وزيادة) . فإذا سلمنا صحة هذا التعريف فلا بد من تصديق ما بني عليه. لكن هذا التعريف تعريف اسمي قصد به تحديد مفهوم اعتباري، وليس هو تعريفاً حقيقياً بالضرورة. قال الأستاذ الشيخ حسين والي عضو المجمع القاهري في الجزء الثاني من مجلة المجمع (رجحوا ما رأى أهل البصرة.. بحجة أن شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة، وهي أقوى ما عندهم من الحجج، مع أنه لا يقوم برهان يؤيدها..) وقال: (وأما من ناحية العمل فالفعل أصل بالاتفاق) . وقد جاء في حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك أن من الأئمة من ناقش قول البصريين في تضمن الفرع الزيادة على الأصل فقالوا: لا برهان يقتضي ذلك (٤/٢٥٠) . على أننا إذا اعتددنا (الأصل) هو ما سبق تصوره وقيامه في الذهن، فقد عرّفناه تعريفاً أليق بالواقع اللغوي وأكثر مواءمة له. وإذا كان المدرك الحسّي أسبق إلى الذهن من المدرك المعنوي، وأجناس الأعيان أسبق من أجناس المعاني ومنها المصادر، فالمصدر الدال على العموم والجنس والمطلق لا يتصور قبل تصور ما يتناوله من الفعل والمشتقات تناولاً واحداً. وما صح أنه الأسبق هو الأصل. وقد أشار الكوفيون على نحو من هذا فقالوا إن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل. والفعل وضع له: فعل يفعل، فينبغي أن يكون الفعل الذي يعرف به المصدر أصلاً للمصدر. وبحث الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي العراقي المسألة في كتابه (دراسات في فلسفة اللغة والنحو والصرف) . وقد أخذ بمذهب الكوفيين. واستدل على صحة المذهب بثلاثة عشر دليلاً، ثم قال: (هذه ثلاثة عشر دليلاً تنتقض دعوى سيبويه أن الفعل صادر عن المصدر، وهي أدلة نحن اهتدينا إليها، ولم يقف عليها الكوفيون وغيرهم) .

стр. 603

أقول قد أصاب الدكتور جواد في الأخذ بطريقة الكوفيين والجري على منهاجهم، لكن جل ما جاء به من الأدلة، على سداده واستقامته، اصطلاحي اعتباري. وأظهر هذه الأدلة أن الفعل تجسيد والمصدر تجريد، كما أوضحناه. والمجسد أسبق إلى الذهن من المجرد. وإني لأستسرف، على كل حال، أن يكون الدكتور جواد قد تفرد بما ساق من الأدلة فأتى بما لم تفتح العين على مثله ونزع إلى ما لم يسبق إلى شيء منه. فقد ذهب في أول أدلته مثلاً إلى أنك تكتب ثم تسمي فعلك الكتابة) وقال الكوفيون أن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل. وقال في أحدها أن اشتقاق الوصف من الفعل دون المصدر فكيف يكون هذا هو الأصل. والذي قاله جماعة من البصريين: (الوصف من الفعل، والفعل من المصدر) . واعتد السكاكي صاحب المفتاح المصدر فرعاً على الفعل كما قال الكوفيون. واعتل لذلك بأن المصدر يتبع الفعل في أعلاله وتصحيحه. ودليل السكاكي هذا في اعتداد الفعل أصلاً في الأعلال، اعتباري أيضاً.

стр. 604

هذا وقد أشار العلماء إلى أن اللغات السامية قد اعتمدت الفعل أصلاً للاشتقاق. قال الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اللغات السامية/ ١٤) : (وقد رأى بعض علماء اللغة العربية أن المصدر الاسمي هو الأصل الذي يشتق منه أصل كل الكلمات والصيغ. لكن هذا الرأي خطأ في رأينا. لأنه يجعل الاشتقاق مخالفاً لأصله في جميع أخواتها السامية) . وأردف: (وقد تسرب هذا الرأي إلى هؤلاء العلماء من الفرس الذين بحثوا في اللغة العربية بعقليتهم الآرية. والأصل في الاشتقاق عند الآريين أن يكون من مصدر اسمي) . ولم يرتضِ الأفغاني هذا الرأي فقال: (ثم ذكر هذا المستشرق اليهودي أن هذه نظريته الخاصة، إذ لم يشر إليها أحد من علماء الإفرنج. ومع رغبته في أن يعم بنظريته هذه، اللغة العربية ولغته العبرية، يجدر بالمتأمل الوقوف وعدم القطع، ما لم يقم عليه البرهان الساطع، فما أكثر الظواهر التي خالفت فيها العربية أخواتها الساميات) . والجواب عن ذلك أنه لا بد للغات عامة أن تتغاير. لكن الأصل فيما يُعزى منها إلى فصيلة واحدة، أن يقع التغاير فيها على الأشكال والفروع كالأصوات والمفردات دون القواعد والأصول كالبنية اللغوية وأصول الاشتقاق. فالذي ذكروه أن العربية خالفت بعض أخواتها في أداة التعريف وعلامة الجمع، كما أورده الدكتور عبد الواحد وافي وفي كتابه فقه اللغة. والأستاذ محمد عطية الأبراشي في كتابه الآداب السامية. ولكنها لم تخالفها في البنية اللغوية وطريقة الاشتقاق كاعتمادها على الحروف الصامتة دون الصوتية، وكون عدد الحروف الأصلية في الكلم ثلاثة، وأن الأصل في بنيتها أو الجذر واحد لا يتعدد كما يتعدد في اللغات الآرية. فإذا اطمأنَّ هذا واستقرّ، صحّ أن مغايرة العربية لأخواتها إنما هي في الأشكال والفروع لا في القواعد الأولى والأصول. واعتماد اللغات السامية في اشتقاقها على الفعل، من هذه القواعد والأصول. ٥-ما يعترض رد المادة اللغوية إلى أصل

стр. 605

واحد أو يحول دون الاهتداء إليه لا شك في أن الباب في الاشتقاق أن تردَّ مفردات المادة اللغوية إلى أصل. هذا ما يكشف عن سر اللغة وخصوصها. ولكن قد يحول دون ذلك إلى حائل يغدو به الأصل منيع الدرك عزيز المنال. وهذا ابن فارس فقد عمد، حين حقق مذهبه في الاشتقاق في معجمه الفذ (مقاييس اللغة) ، إلى رد المادة إلى أصل حيناً وإلى أصلين أو أكثر، هذا إذا اتفق له الاهتداء إلى أصل. وليس هذا عجباً فقد يتعدد الأصل أو يتعذر فيكون في التماسه والتلطف له تكلف وعسر، وقد يضل الرائد في طلبه فيطمع في غير مطمع. وأفصح ابن جني عن هذا في الخصائص (١/٥٢٥) إذ كشف أن الاشتقاق لا ينقاد في كل مادة، صغيراً كان أم كبيراً. قال أبو الفتح: -واعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر- أي الصغير وهو ما نحن فيه- أنه في جميع اللغة) . فقد عرض ابن فارس لـ (رطل) فلم يكشف عما يكون أصله فقال (الراء والطاء واللام كالذي قبله –أي ليس بشيء. إلا أنهم يقولون للشيء يكال به: رطل. ويقولون غلام رطل: شاب، ورطّل شعره كسره وثناه) . وتكلف ابن جني في الخصائص لهذا فقال (١/٥١٣. ط-١٩١٣) : (ومثل الأول قولهم غلام رِطل وجارية رِطلة للينها. وهو من قولهم رطّل شعره إذا أطاله فاسترخى. ومنه عندي الرطل الذي يوزن به. وذلك أن الغرض من الأوزان أن تميل أبداً إلى أن يعادلها الموزون بها، ولهذا قيل مثاقيل فهي من الثقل. فالشيء إذا ثقل استرسل وأرجحن فكان ضد الطائش الخفيف) : وأرجحن الشيء مال وثقل. ***

стр. 606

وقد جاء عن العرب قولهم (كذب عليك الأمر) إذا وجب عليك فعله فأغريت به. قال ابن السكيت في (إصلاح المنطق/ ٣٢٢) : (وتقول للرجل إذا أمرته بالشيء وأغريته به كذب عليك كذا وكذا، أي عليك به. وهي كلمة نادرة جاءت على غير القياس. قال عمر بن الخطاب، ﵀، يا أيها الناس كذب عليكم الحج، أي عليكم بالحج) . قال ابن السكيت هذا ولم يشأ أن يحمل معنى (كذب) في المثل، على معنى (الكذب) بتأويل. كذلك فعل الجوهري في الصحاح حين قال: (وكذب قد يكون بمعنى وجب) ثم حكى ما جاء به ابن السكيت. وفعل الإمام التبريزي في تهذيبه ما فعل الجوهري، كما جاء في المزهر (١/٢٢٦) . وذهب صاحب المفردات مذهباً آخر فحاول أن يجعل (كذب) في المثل مجازاً من (كذب) بمعناه المعروف فقال (كذب لبن الناقة إذا ظن أنه يدوم مدة فلم يدم) أي ذهب عليك أو كاد يفوتك فبادر. ومن هذا كذب عليك إذا وجب فإنه (كقوله قد فات الحج أي كاد يفوت) فبادر. فتكلف في تأويله. وقد أطنب الزمخشري في الفائق وأطال في تخريجه، كما يقول ابن الأثير في النهاية. فذهب إلى أنه من قول العرب (كذبته نفسه) إذا منته الأماني وخيلت إليه من الآمال ما لا يكاد يكون، وذلك مما يرغب الرجل في الأمور.. ثم جعل تقدير المثل جملتين (كذب الحج) و (عليك الحج) فحذف ما حذف وأصبح المثل (كذب الحج) . وفي هذا من التكلف ما هو باد جلي. وحكى الشيخ طاهر الجزائري يف حاشية خطبة الكافي (٢٣) تأويلاً آخر لم يبرأ من تعسر، فاستقر بهذا تعذر تأويل المثل وفك مشكله على وجه ينجلي به الشك فيخلص إلى ما يشبه اليقين. ***

стр. 607

وقد يذهب الأمر إلى ما وراء ذلك فيدل اللفظ على معنى لا سبيل إلى الكشف عن أصل اشتقاقه والاهتداء إليه بقاعدة أو استنباط. قال ابن جني في الخصائص (١/٢٥٧. ط –١٩١٣) (واحتج أبو بكر عليه- أي علي أبي اسحاق- بأنه يؤمن أن هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها، ولم ندر قاعدتها. ومثل له بقولهم: رفع عقيرته إذا رفع صوته. قال أبو بكر: فلو ذهبنا نشتق لقولهم –عقر- من معنى الصوت لبعد الأمر جداً. وإنما هو أن رجلاً قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها موضع الأخرى، ثم نادى وصرخ بأعلى صوته. فقال الناس: رفع عقيرته، أي رجله المعقورة. وقال أبو بكر: فقال أبو اسحاق فلست أدفع هذا) . وقال الجوهري في الصحاح (.. فقيل بعد لكل رافع صوته قد رفع عقيرته) . وقال الزمخشري في أساسه: (ورفع عقيرته: صوَّت) . *** وقد يكون قد اعترى اللفظ في استحكام بنيته صنوف من التقليب والإبدال بعدت به عن هيكله ... أو يكون قد نسب إلى لهجة من اللهجات العربية (أو التي اعتدت عربية) غير لغة قريش التي سادت ما أسموه باللهجات الشمالية فكانت اللسان المبين الذي نزل به القرآن. قال أبو بكر بن دريد في (الاشتقاق /٥٣٣) حول أسماء قبائل ذي الكلاع: (وقد عرَّفتك آنفاً أن هذه الأسماء الحميرية لا نقف لها على اشتقاق، لأنها لغة قد بعدت وقدم العهد بمن كان يعرفها) . وقال ابن جني في الخصائص (١/٣٩٥. ط-١٩١٣) : (وبعد فلسنا نشك في بعد لغة حمير ونحوها عن لغة بني نزار. فقد يمكن أن يقع شيء من تلك اللغة في لغتهم فيساء الظن فيه بمن سمع منه. وإنما هو منقول من تلك اللغة. ودخلت يوماً على أبي علي ﵀.. قال ما تقول فيما جاء عنهم من حوْريت. وخضنا معاً فلم نحل بطائل منه، فقال هو من لغة اليمن ومخالف للغة بني نزار، فلا ينكر أن يجيء مخالفاً لأمثلتهم) وحوريت اسم موضع. ولم نَحْلَ بطائل أي لم نظفر.

стр. 608

وقد عنى الأئمة بلغة حمير لغات اليمن جميعاً: وعاش الحميريون أقرب العصور إلى الإسلام فكانوا أعرف شعوب الجنوب لديهم. ومن الثابت الذي لا مرية فيه، والعلماء منه على يقين جازم، أن القرابة بين لغات اليمن القديمة ولغات الحبشة السامية قوية لتشعب هذه من تلك. أما قرابة ما بين كل من هاتين واللغة العربية أي الحجازية، فعلى شيء من البعد. ونعني بلغات اليمن الجنوبية لهجة المعينيين والسبئيين والحضرميين والحميريين،. وهي لهجات جاهلية تكلم بها أهلها قبل الإسلام، واندثر بعضها قبل ظهوره، وبقيت منها بقية لا تزال آثارها حتى اليوم، كما فصله الدكتور جواد في كتابه (تاريخ العرب-٣/ ١٣) . وقد يُنمى اللفظ إلى النبطية، وكان النبط عرباً، وذهب إلى هذا حديثاً المستشرق الألماني (نولدكه) في كتابه (اللغات السامية) . وكانت لغتهم أدنى إلى عربية الحجاز من اللهجات العربية الجنوبية. وقد يكون اللفظ منسوباً إلى لغة من اللغات السامية كالسريانية أو العبرية. ويصح القول بذلك إذا كان اللفظ غريباً في مادته العربية، متمكناً في اللغة الأخرى. أو كان اشتقاقه في هذه أظهر وأبين منه في العربية، أو ورد نص تاريخي ثابت بانتمائه إليها، أو كان في زنة عربية نادرة وهو في السامية المعنية شائع متعالم معروف. ولا ريب في أن القطع بانتماء اللفظ في الأصل إلى لغة سامية غير العربية عسير إذ ليس بين لغات الفصيلة الواحدة لغات بنات وأخرى أمهات. فقد يصدق القول بأنه من (السامي المشترك) أي مما جاء على صور متقاربة لفظاً ومعنى في لغات سامية متعددة، ومنها العربية. وقد يكون اللفظ معزواً إلى لغة أعجمية غير سامية كالفارسية أو اليونانية أو سواهما. ومن ثم كان لا بد من الحكم على انتماء اللفظ قبل التماس اشتقاقه ورده إلى أرومته.

стр. 609

فـ (الإبريق) من ذلك مثلاً موضع إشكال. قال الشيخ طاهر الجزائري في كتابه (التقريب/ ٢٦) : (وانظر إلى لفظ الإبريق مثلاً فإنه إن كان اسماً للسيف البراق يكون له اشتقاق لأنه يكون عربياً محضاً، واشتقاقه من البريق، والهمزة فيه زائدة، ووزنه إفعيل. وإن كان اسماً للإناء المعروف لا يكون له اشتقاق لأنه يكون معرّباً، والهمزة فيه أصلية، ووزنه فِعليل) . ونحو من ذلك (الحب) بضم الحاء وتشديد الباء فهو عربي وفارسي. وهو فارسي الأصل إذا كان للخابية أي الوعاء الذي يجعل فيه الماء، فقد جاء في المعرب للجواليقي (١٢٠) أن (الحب) فارسي معرب. وقال أبو حاتم: أصله الخنب، فقلبوا الخاء حاء وحذفوا النون، فقالوا: حب. قال الشيخ طاهر الجزائري في (التقريب/ ٨٥) : (فأبدلت فيه الخاء حاء والنون باء، وأدغمت فيما بعدها) . وجاء في المعجم الذهبي: (خُنبه: جرة كبيرة لوضع الغلال) . وهو معجم فارسي. ٦-الحكم في أصل اللفظ أعربي هو أم دخيل حاول الأئمة أن يتعرفوا عجمة الأصل بضوابط لفظية فذكروا من ذلك خروج الكلمة عن أوزان العربية، واجتماع حرفين لا يجتمعان في كلمة عربية كالطاء والجيم، والجيم والصاد، والصاد والطاء، والسين والذال، والسين والزاي ... ومما اتخذوه ضابطاً للأعجمي أن يكون اللفظ رباعياً أو خماسياً ولا يتفق فيه شيء من حروف الذلاقة وهي الباء والراء والفاء واللام والميم والنون.. وهي أخف الحروف. وعلى ما فصلوه في هذا الباب وبسطوا القول فيه فقد اختلفوا فيما نسبوه إلى العجمة أو عزوه إلى لغة بعينها فأصابوا وجه الرأي حيناً وأبصروه، وأخطأهم التوفيق والتبس عليهم في البحث وجه الصواب، حيناً آخر.

стр. 610

ذلك لقصور مقاييسهم التي اتخذوها عياراً من جهة وتعسر الحكم في تنقل الألفاظ بين اللغات، وخفاء أعلامه في دورانها بين لغات من فصيلة واحدة من جهة أخرى. فقد كان لا بد من تمكنهم من اللغات التي عزوا إليها، وإطلاعهم على أصولها اللغوية وتتبع هجراتها التاريخية واشتباك الصلات بين شعوبها وتمازج ثقافاتهم، وأثر ذلك كله في ثراء لغاتهم وتناميها. قال الأستاذ عبد المجيد عابدين في كتابه (بين الحبشة والعرب/ ٩٨) : (فقد أورد السيوطي في الإتقان باباً ذكر فيه ما ورد في القرآن من الألفاظ بغير لغة العرب. ذكر منها قرابة ستة وعشرين لفظاً أرجعها إلى اللغة الحبشية ولكن أكثرها لم يثبت اشتقاقه منها) . ولا يخفى أنه كان بين السامية الحبشية والعربية الجنوبية وشائج شابكة، ولا ننس أن السكان الساميين في الحبشة إنما كانوا من عرب الجنوب. وأول لغة تكلم بها هؤلاء اللغة الجعزية لغة قبائل الأجاعز. وهم أقدم من سكن الحبشة من أهل اليمن. ثم غلب على هذه، اللغة الأمهرية. وقد سميت بلادهم بالحبشة. و (حبشت) اسم قبيلة من قبائل عرب الجنوب وافت البلاد وسكنت أجزاءها الشمالية. وهذه أمثلة على طريقة الحكم على عجمة اللفظ: فقد ذهب الجواليقي في المعرب (٣٠) إلى أن (الأبيل) ومعناه الراهب، فارسي معرب. لكنه لم يذكر أصله أو يستدل على عجمته بدليل. وحكاه عنه الخفاجي في الشفاء ولم يزد على ما قاله الجواليقي. ويتجه لي أن اللفظ عربي. فابن دريد ذكره في الجمهرة ولم يشر إلى أنه دخيل (١/٣٢٤) ، وكذلك فعل صاحب المقاييس والجوهري في صحاحه. أما الزمخشري فقد ذكر أصله حين قال: (وقد أبل أبالة فهو أبيل، كما تقول فقه فقاهة فهو فقيه، وكذلك فعل صاحب النهاية.

стр. 611

وأكد الأستاذ عبد الوهاب عزام في مقدمة كتاب المعرب أن (الأبيل) ليس فارسياً بل سرياني، ومعناه في الأصل: الحزين، ويقال للراهب. قلت قد رأيت أن الأبيل عربي وقد اتضح اشتقاقه، وليس كل لفظ عربي عرف في السريانية، دخيلاً في العربية. فالأبيل إذاً من الألفاظ السامية المشتركة فهو عربي مشترك، وليس فارسياً. فقد أتى النيسابوري بالأبيل في كتابه (السامي/٤٤) على أنه عربي وترجمه إلى الفارسية بلفظ لا يمت إليه. على أن ثمة (الأيبل) على (فيعُل) وهو بمعناه، وأراه أعجمياً. إذ ليس في كلام العرب (فيعُل) كما قال سيبويه في الكتاب (٢/٣٢٥) إلا معتلاً. وهو إذا لم يكن على (فيعل) فهو على (أفْعُل) . ولا يأتي هذا إلا جمعاً (٢/٣١٦) . فاستبان بهذا أن (الأبيل) عربي، وأن (الأيبل) هو المعرب، وقد يكون قد عرب من السريانية. ومثال آخر مشهور هو (الزور) وله في العربية معنيان: الأول هو القوة، وهو معناه بالفارسية أيضاً. وقد جاء بضم الزاي وفتحها. والثاني هو الكذب وما يعبد من دون الله تعالى كالصنم. فالزور بمعناه الثاني عربي محض، وليس الزور في الفارسية بهذا المعنى. أما الزور بمعناه الأول فقد قيل أنه معرب من الفارسية، وهو فيها بهذا المعنى، لكنه جاء بضمة مشوبة بفتحة فآلت بالتعريب إلى ضمة خالصة. وقد أوجز صاحب التقريب القول في هذه المسألة فقال: (الزور بالضم إن كان بمعنى الكذب كان عربياَ محضاً، وإن كان بمعنى القوة كان معرباً من زور بضمة مشوبة بفتحة. والإبدال هنا لا مندوحة عنه) والإبدال المقصود إبدال حركة الزاي. ٧-اشتقاق العربي من المعرّب:

стр. 612

ومما يتصل بالاشتقاق عامة، الاشتقاق من المعرب. فقد قضوا ألا يشتق لعربي من أعجمي كما لا يشتق لأعجمي من عربي. فقد جاء في المزهر (١/١٦٨-ط. المكتبة الأزهرية) : (سئل بعض العلماء عما عربته العرب من اللغات واستعملته في كلامها، هل يعطى حكم كلامها فيشتق ويشتق منه؟) . وقد أجاب بما نصه (.. فقول السائل يشتق جوابه المنع. ومحال أن يشتق العجمي من العربي أو العربي منه. لأن اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى، مواضعة كانت في الأصل أو إلهاماً. وإنما يشتق في اللغة الواحدة بعضها من بعض. لأن الاشتقاق نتاج وتوليد. ومحال أن تنتج النوق إلا حوراناً وتلد المرأة إلا إنساناً) . فمنع أن يكون اشتقاق بين عربي وعجمي، لكنه أردف مستدركاً فقال: (وقول السائل ويشتق منه، فقد لعمري يجرى على هذا الضرب، المجرى مجرى العربي، كثير من الأحكام الجارية على العربي من تصرف فيه، واشتقاق منه) . فأوضح أن مما عربته العرب ما أخضع لأحكام العربية فتصرف فيه واشتق منه. وهذا موضع أوجبه الاستعمال واقتضاه عرف اللغات. ولا بدع إذا تجاوزت لغتان من فصيلتين أن تقبس كل من الأخرى فتسيغ ما نقل إليها وتؤلفه فتخضعه لأصولها وتدخله في بنيتها فيغيب في نسجها. ويحتفظ كل من اللغتين بقواعد فصيلته الأصلية. وإلا فهل يعقل أن يستملح لفظ أجنبي ويقتنص فيدخل في مفردات لغة فيسلك في بنيتها، ثم يجمد فلا يصقله الاستعمال ويجريه المجرى الذي يقتضيه اشتقاقاً وتصريفاً.

стр. 613

وقد ذهب ابن جني في الخصائص هذا المذهب فقال (١/٣٦٢-ط- ١٩١٣) : (ويؤكد هذا عندك أن ما أعرب من أجناس الأعجمية، قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها. ألا تراهم يصرفون في العلمَ نحو آجرٍ وابريسمٍ وفرندٍ وفيروزجٍ، وجميع ما تدخله لام التعريف، وذلك أنه لما دخلته اللام في نحو الديباج والفرند.. أشبه أصول كلام العرب، أعني النكرات، فجرى في الصرف ومنعه مجراها، قال أبو علي: ويؤكد ذلك أن العرب اشتقت من الأعجمي النكرة، كما اشتق من أصول كلامها. قال رؤبة: هل يُنجيني حلف سختيت أو فضة أو ذهب كبريت قال فسختيت من السخت، كزحليل من الزحل..) . فاشتق من (السخت) وهو معرب، (سختيت) كما اشتق من (الزحل) وهو عربي (زحليل) . وقد جرى الجواليقي في المعرب على هذا المنهاج ويمم سمته فقال إن المعربات أعجمية باعتبار الأصل، عربية باعتبار الحال. وقد أخذ بهذا ابن الجوزي. ويتبين بالاستقراء أن من المعرب ما قل تصرف العرب فيه، ومنه ما كثر واتسع. من ذلك (الورد) لما يشم. فهو اسم فارسي معرب. وقد اشتقوا منه (ورد، وتورد، وورّد) . و (الدينار) فقد جاء في المعرب أنه فارسي معرب. وصححه الأستاذ عبد الوهاب عزام في مقدمة الكتاب فجعله رومي الأصل. وهو على حق. وذكر صاحب التقريب (وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن كلاً من الدرهم والدينار معرب من اليونانية) والرومية تعني اليونانية. وقد قالوا منه (ثوب مدنر، ودنر فلان إذا كثرت دنانيره) . و (الديوان) فارسي معرب، وقالوا منه (دوّنه) إذا جعله في الكتاب وأثبته وصنفه. و (الأربون) كالعربون وزناً ومعنى، وهما معربان. وقد قالوا (أربنه) إذا أعطاه العربون. وكذلك (عربنه وعربنت في الشيء وأعربت فيه) إذا أسلفت.

стр. 614

وإذا ضاق التصرف في (الورد والدينار والديوان والأربون والعربون) فقد اتسع في (لجام) فهو معرب أصله فارسي. وقد عومل معاملة العربي فجمع على (لجم) ككتب، وصغّر على (لجيِّم) ككتيّب. واشتق منه فعل فقيل (ألجمه) ومصدر فقيل (الجام) . وجاء في المزهر (١/١٦٩) : (وتكاد هذه الكلمة، أعني لجاماً، لتمكنها في الاستعمال وتصرفها فيه تقضي بأنها موضوعة عربية لا معربة ولا منقولة، لولا ما قضوا به من أنها معربة) . أقول بل جمع على (ألجمةٍ ولجم) وقيل (ملجم) لموضع اللجام، كما قيل تلجمت الحائض إذا شدت اللجام في وسطها. على أني أكاد أجزم أن (اللجام) عربي لا دخيل، إذ كيف يمكن أن يذهب الظن إلى استعارة العربي اسم هذه الأداة من الفرس، وهي من ألزم أدواتهم فيما عانوا من حياة البداوة. وإذا عدت إلى اتساع العرب في تصرفهم به قوي في نفسك، واستقر في حسبانك، أنه أصيل، فهو المتبادر من الأمر والغالب في الظن. وإذا كان الأئمة قد قالوا بعجمته لثبوت الشبه بينه وبين مرادفه الفارسي، فليس كل لفظ عربي اتفق له في الفارسية أو سواها، شبيه (في لفظه ومعناه) ، هو دخيلاً في العربية. وما أحكم قول الأستاذ عبد الوهاب عزام حول ذلك في مقدمة كتاب (المعرب) حين قال: (فرب لفظ فارسي يظن أصلاً للفظ عربي وهو في الحقيقة لفظ سامي تسرب إلى الفارسية في العصور القديمة. وقد بعد بالباحثين عن الصواب ظنهم أن العربية لم تهب اللغات الأخرى من ألفاظهم إلا في العصور الإسلامية) . وذهب أحمد فارس الشدياق إلى عربية (اللجام) فرده إلى (لجم الثوب) إذا خاطه. أقول يقوي هذا في النفس أن (اللجام) وزان (فعال) ، وهو من أوزان أسماء الآلة، كالنظام والرباط والوكاء والنقاب والقناع والصمام والقياد والشداد والأزار والقرام، والوثاق والجماع، كما جاء في شرح الحماسة للمرزوقي (١١١٥) .

стр. 615

وذهب محقق العرب إلى الشك في عجمة (اللجام) أيضاً كدأبه في التعقيب على المعربات، ولا ننس أن شيوع اللفظ واتساع تصرفه قد أصبحا ذريعة للارتياب في عجمته والحكم بنفيها، في أظهر الوجهين وأسلمهما من القدح، كما أخذ به الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه (القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث) ، على حين استدلوا بغربة اللفظ وضيق تصرفه على عجمته، في أمثل القولين وأوجههما وأدناهما من الصواب. وفي الألفاظ الفارسية لأدي شر أن (اللجام) تعريب (لكام) بكاف فارسية، وأنه كذلك بالآرامية والحبشية. وقال: (وعندي أن اللفظة سامية الأصل وإنما الفارسية أخذتها من الآرامية) . ويعزز هذا ما ذهبنا إليه وانتحيناه. ويؤسس عليه أن (اللجام) مشترك سامي في العربية والآرامية والحبشية. وقد اتسع التصرف في (الجزاف) مثلثة الجم، من قولك (هذا بيع جزاف) . وقد أجمع الأئمة أنه معرب (كزاف) الفارسي. وقد قالوا منه جازف، وحامل جزوف إذا تجاوزت حد ولادتها، واجتزفه اشتراه جزافاً، وتجزف فيه تنفذ وتصرف، والجزف أخذ الشيء جزافاً ... قلت ما أحسب (الجزاف) إلا عربياً أيضاً. فانظر إلى ما جاء في الألفاظ الفارسية لأدشير: (الجزاف والجزافة الحدس والتخمين في البيع والشراء، تعريب كزاف، بكاف فارسية. وأصل معناه الأخذ بكثرة من غير تقدير. وقال فيه العرب: جزف وجازف وتجزف واجتزف إلى غير ذلك. ومنه الآرامي ... ) . أو ليس مجيء اللفظ في العربية والآرامية دليلاً على ساميته وأنه عربي أصيل.

стр. 616

أسمَاءِ المصَادر بسطنا القول في الفصل السابق، على المصادر وجمعها، فما القول بعدُ، في أسماء المصادر وجمعها؟ اسم المصدر هو ما دل دلالة المصدر على الحدث وجنسه، ولا يعنينا بعدُ أن تكون الدلالة مباشرة أو غير مباشرة، كما في قولهم: المصدر مدلوله الحدث واسم المصدر مدلوله اللفظ الدال على الحدث ثم لا يعنينا فرق ما بينهما في المعنى من حيث أن المصدر دال على الحدث باعتبار صدوره عن الفاعل المنسوب إليه، وإن اسم المصدر دال على الحدث من حيث هو، دون ملاحظة تعلقه بالمنسوب إليه. قال الرضي: (الحدث إن اعتبر صدوره من الفاعل ووقوعه على المفعول سُمي مصدراً) وإذا لم يعتبر من هذه الحيثية سُمي اسم مصدر) . وجاء شرح ذلك في (بدائع الفنون) ، قال ابن القيِّم: (وأما الفرق المعنوي فهو أن المصدر دال على الحدث وفاعله، فإذا قلت تكليم وتسليم وتعليم ونحو ذلك، دل على الحدث ومن قام به، فيدل التسليم على السلام والمسلِّم، بكسر اللام المشدّدة، وكذلك التكليم والتعليم. وأما اسم المصدر فإنما يدل على الحدث وحده، فالسلام والكلام لا يدل لفظه على مسلِّم ومُكلِّم، بخلاف التكليم والتسليم. فاسم المصدر جردوه لمجرد الدلالة على الحدث) . هذا من حيث الدلالة، أما حيث اللفظ فقد قالوا أن المصدر هو الجاري على فعله الذي هو قياسه كالأفعال من أفعل، والتفعيل من فعَّل، والانفعال من انفعل، والتفعل من تفعل. وأما اسم المصدر فإنه يخالف المصدر في عدم جريانه على الفعل الذي يجري عليه المصدر. فالسلام والكلام لا يجريان على فعلهما، ومن هنا احتواء المصدر على أحرف فعله أو أكثر، وخلو اسم المصدر من بعضها لفظاً أو تقديراً دون عوض. جمع أسماء المصادر إذا صح ما تقدم في تعريف اسم المصدر فما القول في جمع أسماء المصادر؟

стр. 617

الجواب عن هذا أن اسم المصدر في جمعه كالمصدر، كلاهما في هذا الباب شرع واحد. فاسم المصدر لا يجمع ما دل على حدث الفعل وجنسه. فإذا جمع فقد فارق حدث فعله أو جنسه، وأريد به مجرد الاسمية معنى أو ذاتاً. فانظر إلى ما جاء في شرح ديوان الحماسة (١١٧٧) ، قال المرزوقي: (وقال آخر: رأيت اليتامى لا تسدّ فقورهم هدايا لهم في كل قعبٍ مشعب وجمع الفقور لاختلاف وجوهها) . فقد جمع الشاعر (الفقر) على (الفقور) وعلل المرزوقي جواز جمعه باختلاف وجوهه، كما علل لذلك في جمع المصادر. والفقر اسم مصدر. قال صاحب المصباح (الفقير فعيل بمعنى فاعل، قال ابن السرّاج، لم يقولوا فقُر بالضم، استغنوا عنه بافتقر. والفقر بالفتح والضمّ لغة، اسم منه) فالفقر إذن اسم مصدر من الافتقار، وهو دال على الحدث وجنسه مالم يُجمع. قال الشاعر: ويعجبني فقري إليك ولم يكن ليعجبني، لولا محبتك الفقرا وقد استشهد به صاحب المفردات فقال: (الرابع الفقر إلى الله المشار إليه بقوله: (اللهمّ أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك) ، وإياه عني بقوله: (إني لما أنزلت إلي من خير، فقير. وبهذا ألمّ الشاعر فقال: ويعجبني فقري إليك....) . فالفقر حين جمعه الشارع فقال: (لا تسدّ فقورهم) ، قد عنى به الحاجة فأفقده حدثه وجنسه، ولو أراد به قيام الحاجة وحدثها كما جاء في قول الشاعر (فقري إليك) لامتنع من جمعه. قال الجوهري في صحاحه (وأفقره الله من الفقر فافتقر ويقال سد الله مفاقره أي أغناه وشد وجوه فقره، وقولهم فلان ما أفقره وما أغناه شاذ لأنه يقال في فعليهما افتقر واستغنى فلا يصح التعجب منهما) . وفي النهاية (المفاقر جمع فقر على غير قياس، كالمشابه والملامح ... ) ، وقد رأيت أن ثمة من جمع الفقر على فقور.

стр. 618

ومثال آخر (الصلاة) فهي في الأصل اسم مصدر من (صلَّى) . قال صاحب الصحاح: (الصلاة الدعاء ... والصلاة من الله تعالى الرحمة، والصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يوضع موضع المصدر تقول صليته صلاة ولا تقل تصلية) . وقال صاحب الكليات (٢٢٣) : (الصلاة هي اسم لمصدر وهو التصلية، أي الثناء الكامل وكلاهما مستعملان، بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان، فإن مصدرهما لم يستعمل) . وجاء: (وأما صلَّى صلاة وزكى زكاة ووصى وصاة، وما أشبه ذلك، فإنها أسماء وقعت موقع المصادر واستغنى بها عنها) ، وقال ابن سيده في المخصص (١٣/ ٨٥) : (إذا كانت الصلاة مصدراً، وقع على الجمع والمفرد على لفظ واحد، فإذا اختلف جاز أن يجمع لاختلاف ضربه) . فيتبين بهذا أن الصلاة في الأصل اسم مصدر يقع على الحدث وجنسه، وقد استغنى به عن المصدر، وحين سُمِّيَ به كانت الصلاة واحدة الصلوات المفروضة. ومثال ثالث هو (الكلام) ، فإنه اسم مصدر، والمصدر التكليم. قال ابن جني في الخصائص (١/ ٢٣) : (وذلك أن الكلام اسم من كلّم بمنزلة السلام من سلَّم، وهما بمعنى التكليم والتسليم، وهما المصدران الجاريان على كلَّم وسلَّم) . فقد نبه على أن (الكلام) اسم مصدر، وإنه بمنزلة (التكليم) وهو المصدر. وأردف (فلما كان الكلام مصدراً يصلح لما يصلح له الجنس، ولا يختص بالعدد دون غيره، عدل عنه إلى الكلم الذي هو جمع كلمة) . فجعل الكلام والتكليم سواء من حيث اشتمالهما على الجنس الدال على القليل والكثير، لكن الجنس الذي انطوى عليه الكلام هو جنس (الجمل) ، لا جنس (الفعل) . قال ابن جني: (فالكلام إذاً إنما هو جنس للجمل التوامّ بمفردها ومثناها ومجموعها) . فذهاب ابن جني إلى أن (الكلام) هنا اسم مصدر وأنه بمنزلة المصدر، إنما جرى اعتباراً بما اعتد أصلاً، لأنه قد عنى بالكلام جنس (الجمل) لا جنس الفعل.

стр. 619

وقال أبو محمد عبد الله الخفاجي في سر الفصاحة (٢٤) : (الكلام اسم عام يقع على القليل والكثير، وذكر السيرافي أنه مصدر، والصحيح أنه اسم مصدر، والمصدر التكليم، قال الله تعالى: (كلم الله موسى تكليماً (. ولعل أبا سعيد تسمَّح في إيراد ذلك وقال مجازاً) . أقول ما قاله الخفاجي في (الكلام) هو ما اعتد أصلاً، لكن الذي عناه، هنا أنه اللفظ المنطوق به. قال الخفاجي (٤١) : (بينا فيما تقدم أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه) ، وهو ما أراده ابن جني حين قال (١/٣٠) : (الكلام في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برؤوسها المستغنية عن غيرها، وهي التي يسميها، أهل هذه الصناعة، الجمل على اختلاف تركيبها) . فإذا أردت ما يدل على جمع الآحاد قلت (الكلم) والواحد الكلمة، وإذا أردت ما يدل على الجنس جنس الجمل التوام، إجمالاً، قليلها وكثيرها، قلت (الكلام) فأغناك هذا عن الجمع، والكلام في الأصل اسم مصدر للفعل (كلَّم) . وليس بين ابن جني والخفاجي في حد الكلام إلا اشتراط الإفادة عند الأول وعدم اشتراطها عند الثاني: اسم المصدر اسم للحدث واسم للعين يتبين مما تقدم أن اسم المصدر هو اسم للحدث حيناً، وهو اسم للعين حيناً آخر، كما عناه ابن جني والخفاجي حين عرّفا (الكلام) ، ولا يعنينا أيهما الأصل اسم الحدث أو اسم العين، فقد ذكر الرضي في شرح الكافية اسم المصدر هو اسم العين المنقول إلى الحدث، إذ قال: (اسم المصدر هو اسم العين يستعمل بمعنى المصدر كقوله: أكفراً بعد ردّ الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا

стр. 620

أي إعطائك.... والعطاء في الأصل لما يُعطى) . فذهب الرضي بهذا إلى أنه ليس ثمة اسم مصدر دال على الحدث إلا واسم العين أصل له. وقد أكد صاحب المصباح أن اسم العين في (الكلام) هو الأصل، وأن اسم (الحدث) فيه، هو الفرع، فقال: (كلمته تكليماً والاسم الكلام ... والكلام في أصل اللغة عبارة عن أصوات متتابعة لمعنى مفهوم، وفي اصطلاح النحاة، هو اسم لما تركب من مسند ومسند إليه، وليس هو فعل المتكلم. وربما حصل ذلك نحو: عجبت من كلامك زيداً) . فالكلام الذي هو فعل المتكلم هو الفرع. وإذا كان ما ذهب إليه الفيومي من أن (الكلام) في أصل اللغة، هو أصوات متتابعة لمعنى مفهوم، يعني أن اسم المصدر الذي على (الحدث) هو الفرع، والدال على (العين) هو الأصل، فإن في طبيعة نشوء اللغة وتوالد ألفاظها، ما يؤيد هذا المذهب ويدعمه، ولو أن مدار البحث لدى النحاة حيناً أن اسم المصدر في الأصل، هو اسم الجنس المراد به الحدث. إعمال اسم المصدر ذهب ابن هشام في شرح شذور الذهب إلى ما ذهب إليه الفيومي، من أن الأصل في اسم المصدر أن يدل على اسم العين ثم يراد به الحدث. قال ابن هشام (٤١٠) : (اسم المصدر والمراد به اسم الجنس المنقول عن موضوعه إلى إفادة الحدث، كالكلام والثواب..) . وقال (٤١٢) : (كالكلام فإنه في الأصل اسم للملفوظ به من الكلمات، ثم نقل إلى معنى التكليم. والثواب فإنه في الأصل لما يُثاب به العمال، ثم نقل إلى معنى الإثابة) وأردف (وهذا النوع ذهب الكوفيون والبغداديون إلى جواز إعماله تمسكاً بما ورد، نحو قوله: أكفراً بعد ردّ الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا وقوله: قالوا كلامك هنداً وهي مصغية يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا ومنع البصريون فأضمروا لهذه المنصوبات ألفاظاً تعمل فيها) .

стр. 621

وإذا كان البصريون قد أعملوا المصدر ولم يُعملوا اسمه، وهما في الدلالة على الحدث سواء، فذلك أن المصدر دال على الحدث وفاعله المنسوب إليه، واسم المصدر مقصور على مجرد الحدث، كما أوضحناه. قال صاحب الكليات (٣٢٨) : (وقيل المصدر موضوع للحدث من حيث اعتبار تعلقه بالمنسوب إليه على وجه الإبهام. ولهذا يقتضي الفاعل والمفعول، ويحتاج إلى تعيينهما في استعماله، واسم المصدر موضوع لنفس الحدث من حيث هو، بلا اعتبار تعلقه بالمنسوب إليه في الموضوع له، وإن كان له تعلق في الواقع، ولذلك لا يقتضي الفاعل والمفعول، ولا يحتاج إلى تعيينهما) . أما الكوفيون فقد ذهبوا إلى جواز قيام اسم المصدر مقام المصدر، وإنزاله منزلته، كما ورد عن العرب، وإن قلَّ فقضَوا باعماله، ولكل وجهة. وقد جاء في شرح الكافية للرضي (٢/١٨٩) : (ويعمل اسم المصدر عمل المصدر، وهو شيئان، أحدهما ما دلّ على معنى المصدر مزيداً في أوله ميم كالمقتل والمستخرج، والثاني اسم العين مستعملاً بمعنى المصدر كقوله: أكفراً بعد ردِّ الموت عني وبعد عطائك المائة الرِّتاعا أي إعطائك، والعطاء في الأصل اسم لما يُعطى) . ومن ذلك قول الشاعر: إذا صحَّ عون الخالِقِ المرءَ لم يجد عسيراً من الآمالِ إلا ميسَّرا وقول آخر: بِعشرتك الكرامَ تُعَدَّ مِنهم فلا تُرَيَنْ لغيرهمُ ألوفا ومن ذلك الحديث: من قُبلة الرجل امرأته الوضوء. الاسم المصدري الجاري على أحرف الفعل الأصل في اسم المصدر، كما تقدم، أن يخالف المصدر بخلوّه لفظاً أو تقديراً) ، دون عوض، من بعض ما في فعله، وأن يطلق على اسم الحدث حيناً، واسم العين حيناً آخر. وقد أشار الأئمة إلى أسماء مصدرية أخرى قد ساوت المصدر في حروفه ولفظه، أو ساوت المصدر في حروفه وقاربته في لفظه، وقد أُطلقت إما على الحال التي حصل بها الفعل خالية من الحدث، أو على اسم الذات من ذلك. فـ (الطُهور) بضم الطاء للمصدر، وبفتحها لما يُتطهَّر به.

стр. 622

و (الوضوء) بالضم للفعل، وبالفتح للماء يُتوضأ. على أنهما جاءا بالفتح مصدرين أيضاً. ففي الكامل للمبرّد (٢/٧٧) : (ولم يأتِ من المصادر شيء مفتوح الأول إلا أشياء يسيرة، قالوا: توضأت وضوءاً حسناً بالفتح، وتطهَّرت طهوراً بالفتح، وأولعت بالشيء ولوعاً بالفتح. وإن عليه لقبولاً بالفتح، ووقدت النار وَقوداً بالفتح. وأكثرهم يجعل الوقود بالفتح الحطب، والوقود بالضم (المصدر) . وفي إصلاح المنطق لابن السكيت من باب (فعول) بالفتح: (وتقول توضأت وضوءاً حسناً بالفتح) . وفي أمالي المرتضى (١/٣٩٧) : (وقد يجوز أن يكون الوقود بفتح الواو مصدراً، وكذلك الوضوء بفتح الواو، كما قالوا حسن القبول مصدراً وهو مفتوح الأول، ولا يجوز في الوقود والوضوء بالضم إلا معنى المصدر وحده) . وفي النهاية لابن الأثير: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور بالضم، التطهر، وبالفتح الماء الذي يتطهر به كالوضوء بالضم والوضوء بالفتح، والسحور بالضم والسحور بالفتح. وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً) . وجاء فيه (ذكر الوَضوء والوضوء، فالوضوء بالفتح الماء الذي يُتوضأ به، كالفَطور بالفتح والسحور بالفتح، لما يفطر عليه ويتسحَّر به. والوضوء بالضم التوضؤ والفعل نفسه. يقال توضأت أتوضأ توضؤاً، وضوءاً وقد أثبت سيبويه الوضوء والطهور والوقود بالفتح في المصادر، فهي تقع على الاسم والمصدر) . وفي المصباح: (والوضوء بالفتح الماء يُتَوضَّأ به، وبالضم الفعل، وأنكر أبو عبيد الضمّ وقال: المفتوح يقوم مقام المصدر كالقبول يكون اسماً ومصدراً) . فدلّ هذا أن (الطهور والوضوء) : بالفتح مصدران واسمان كالوقود والولوع والقبول بالفتح. فإذا كانا بالضم فهما المصدران. ***

стр. 623

وجاء (الغسل) بفتح أوله للمصدر، وبضمه لما يُغسل به أو للحال التي يكون بها الشيء مغسولاً، ولكن جاء (الغسل) بالضم اسماً ومصدراً. قال صاحب الصحاح: (غسلت الشيء غسلاً بالفتح، والاسم الغُسل بالضم) . وفصل صاحب المصباح فقال: (غسلته غسلاً من باب ضرب، والاسم الغسل بالضم وجمعه أغسال، مثل قفل وأقفال. وبعضهم يجعل المضموم والمفتوح بمعنى، وعزاه إلى سيبويه. وقيل الغسل بالضمّ هو الماء الذي يُتطهر به. وقال ابن القوطية: والغسل بالضم تمام الطهارة، وهو اسم من الاغتسال) . وتفصيل ما جاء في الأفعال لابن القوطية: (وغَسَل الشيء، غسلاً بالفتح والغسل بالضمّ: ما يُغتسل به، وهو أيضاً تمام الطهارة) . فثبت بهذا أن (الغسل) بالضمّ اسم ومصدر. فإذا كان بالفتح فهو المصدر. وكذا (الطُهر) بالضم. قال صاحب المصباح: (طهر الشيء من بابي قتل وقرب، والاسم بالضم ... ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض طهراً، بالضم والجمع أطهار، مثل قفل وأقفال) . فتأكد بهذا أن (الطهر) بالضم اسم ومصدر. فإذا كان بالفتح فهو المصدر. والنقل بالفتح جاء مصدراً واسماً. قال الجوهري في صحاحه: (نَقلُ الشيء تحويله من موضعه إلى موضع، والنقل بالفتح أيضاً الخف الخَلَق والنعل الخَلَق المرقعة) ، لكنه أردف: (والنقل بالكسر مثله، يقال جاء في نقلين له بالفتح، وفي نِقلين له بالكسر، والجمع نقال) . وفي المزهر (١/١٩٦ (: (وفي كتاب ليس لابن خالويه: العامة تقول النقل بالضم للذي يتنقل به على الشرب، وإنما هو النقل بالفتح) . واستصوب الشيخ الحنبلي في بحر العوّام (١٠١) النقل بالضم أيضاً. فثبت بهذا أن النقل بالفتح هو المصدر، أما الاسم فقد يكون بالفتح أو بالكسر أو بالضم.

стр. 624

وجاء (النصرة) بالضم مصدراً واسماً. ففي مفردات الراغب: (ونُصرة الله للعبد ظاهرة، ونُصْرة العبد لله هو نصرته لعباده، والقيام بحفظ حدوده ورعاية عهوده، واعتناق أحكامه واجتناب نهيه) . فجاء به مصدراً. وفي أساس البلاغة (نصرة الله تعالى على عدوّه ومن عدوّه نصراً ونُصرة) ، فجاء به مصدراً أيضاً. وأكد ذلك صاحب التاج فقال: (نصر المظلوم نصراً ونصوراً ونصرة بالضم، وهذه عن الزمخشري) ، وجاء فيه: (ونصره منه نصراً ونصرة بالضم نجَّاه وخلصه. وفي البصائر: ونصرة الله لنا ظاهرة ونصرتنا لله هو نصرتنا لعباده والقيام بحفظ حدوده ورعاية عهوده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه) . وقد جاء الجوهري بالنصرة بالضم اسماً فقال: (نصره الله على عدوّه ينصره نصراً، والاسم النصرة بالضم) . وكذلك قال ابن سيده في محكمه والفيومي في مصباحه. *** وأكثر النصوص على أن (الولاية) بالفتح المصدر وبالكسر الاسم. ففي الصحاح: (وقال سيبويه الولاية بالفتح المصدر، والولاية بالكسر الاسم، مثل الامارة والنقابة بالكسر، لأنه اسم لما توليته) . على أنه جاء في الإصلاح لابن السكيت من باب الفعالة بالفتح والفعالة بالكسر. (يقال دليل بين الدلالة بالكسر والدلالة بالفتح، وهي المهارة والمهَارة بالكسر والفتح من مهرت الشيء، والوِكالة والوَكالة، والجِنازة والجَنازة والوِصاية والوَصاية، والجِراية والجَراية، والوِقاية والوَقاية، والوِلاية والوَلاية في النصرة، يقال هم على ولاية بالكسر ووَلاية بالفتح جميعاً ... ) ، فلم يفرق بين مصدر واسم. وفي مفردات الراغب: (الوَلاية بالفتح، والوِلاية بالكسر، تولَّي الأمر) فجعلهما سواء. وفي المصباح (ووليت الأمر إليه بكسرتين، وِلاية بالكسر توليته) ، فجعل المصدر بالكسر، وفيه: (والوَلاية بالفتح والكسر النصرة) فجَعلهما سواء.

стр. 625

وفي الكليات (الولاية بالفتح بمعنى النصرة والتولي، وبالكسر بمعنى السلطان والملك. أو بالكسر في الأمور، وبالفتح في الدين. يقال هو والٍ على الناس أي متمكن الولاية بالكسر. وهو وليّ الله تعالى، أي بيَّن الولاية بالفتح، أَو هما لغتان) . فالغالب أن الكسر للاسم. أما المصدر فمنهم من خصه بالفتح، ومنهم من جعل الفتح والكسر فيه لغتين. *** وبعد فما الرأي في هذه الأسماء المصدرية التي ساوت المصادر في حروفها ولفظها، أو ساوته في حروفها وقاربته في لفظها، ولم يُرَد بها الحدث، وإنما أريد اسم الذات أو المعنى؟ ... أقول قد جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (٢/ ١٨٥) : (وقد يقولون مصدر واسم مصدر في الشيئين المتغايرين لفظاً، أحدهما للفعل والآخر للآلة التي يستعمل بها الفعل، كالطهور بالضم والطهور بالفتح. والأكل بالفتح والأكل بالضم. فالطهور بالضم المصدر والطهور بالفتح اسم لما يتطهر به. والأكل بالفتح المصدر، والأكل بالضم لما يؤكل) . وقد أورد هذا النص صاحب الكليات (٣٢٨) : فأبدل من (المتغايرين لفظاً) ، (المتقاربين لفظاً) ، ولعله الوجه والأصل. والذي يستنبط من كلام السيوطي أن هذه أسماء مصادر أنزلت منزلة الأسماء لفقدها حدَثَها. قال صاحب الجاسوس على القاموس (١٩٥) : (والفرق بين المصدر والاسم، أن المصدر يتضمن معنى الفعل فينصب مثله، والاسم هو الحال التي حصلت من الفعل. مثال ذلك الغَسل بالفتح والغسل بالضم، تقول قد بالغت في غسلك هذا الثوب فتنصب الثوب. فإن أردت الحال قلت: لست أرى في هذا الثوب غسلاً بالضم، هذا ما ظهر لي) . وهذا يعني أن (الغسل) بالفتح دال على الحدث، و (الغسل) بالضم خال منه. وجاء في الفروق لإسماعيل الحقي (١٣٢/ ١٣٣) : (الفرق بين المصدر والحاصل بالمصدر أن المصدر نفس الإيقاع الذي هو أمر معنوي، والحاصل بالمصدر الأثر الذي يحصل بالإيقاع) .

стр. 626

ومحصول القول في هذا أن المصدر ينطوي على الحدث، والحاصل بالمصدر عار عنه، أما قول الأئمة أن (الوضوء) بالفتح، من توضأ، وهو لما يتوضأ به، وأن الطهور بالفتح من تطهر، وهو لما يتطهر به، فإنه يعني أن كلاً من (الوضوء والطهور) بالفتح، اسم عين، إذا جُذب إلى (الحدث) غدا (اسم مصدر) على حد تعريف اسم المصدر، عند الرضي في شرح الشافية، وابن هشام في شرح شذور الذهب. ومتى دل المصدر أو اسمه، على اسم عين أو اسم معنى، جاز جمعه، مالم ينص على خلافه مراعاة للمصدرية الدالة في الأصل على الحدث وجنسه، فيستعمل استعمال المصدر، ولو سُمي به. ففي اللسان (والعَصَب ضرب من برود اليمن سُمي عَصَباً لأن غزله يُعصب، أي يدرج ثم يصبغ ثم يُحاك) . فدلّ هذا على أنهم قد سمَّوا (البرد) عَصْباً. والعَصب مصدر عصَب الشيء عصباً إذا شدَّه بالعصابة. وفي اللسان: (عَصَب الناقة يعصِبها عصبا وعصابا شدّ فخذيها أو منخريها بحبل، لتدرّ) . لكنهم لم يثنوا (العَصْب) ولم يجمعوه. قال ابن منظور: (ولا يجمع وإنما يقال بُرْد عَصب وبرود عَصْب، لأنه مضاف إلى الفعل: وربما اكتفوا بأن يقولوا: عليه العَصب، لأن البرد عُرف بذلك الاسم) . وقال الفيومي في مصباحه: (والعَصب مثل فَلس: برد يُصبغ غزلُهُ ثم ينسج، ولا يثنى ولا يجمع، وإنما يثنى ويجمع ما يضاف إليه، فيقال: بردا عَصبِ وبرود عَصب، والإضافة للتخصيص، ويجوز أن يُجعل وصفاً فيقال شربت ثوباً عَصَباً) . فتبين بهذا أن (العصب) سُمي به، لكنهم أنزلوه في الاستعمال منزلة المصدر فأضافوا البرد إليه. قال صاحب المصباح: (والبرد معروف وجمعه أبراد وبرود، ويضاف للتخصيص، فيقال: بُرد عَصب وبرد وشي) .

стр. 627

والوشي في الأصل مصدر كالعصب، وقد سمي به أيضاً. قال الفيومي: (وشيت الثوب وشياً من باب وعد رقمته ونقشته فهو مَوْشيّ، والأصل مفعول. والوشي نوع من الثياب المَوْشيَّة تسمية بالمصدر) . وقال الزمخشري في أساسه: (ثوب موْشِيَّ ومُوَشَّى، وهو يلبس الوَشيّ) . على أنهم لم يترددوا مع ذلك في جمع (الوشي) خلافاً لما فعلوه في (العَصب) . قال صاحب الصحاح: (والوشي من الثياب معروف، والجمع وِشاء، على فَعل وفِعال) !.. وإذا كان العرب قد حرصوا على الأصل وأبقوا على الصيغة حيناً فتجنبوا أن يجمعوا ما نقلوه من المصادر إلى الاسمية، وما أرادوا به اسم المعنى أو العين من أسماء المصادر، ولم يزيلوا بالنقل ماكان لهم من الصيغة والحكم، ما أذنت بذلك أساليب تعبيرهم، فإنهم عمدوا كذلك، إلى جمع ما لم يُرَد به الحدث أو الجنس فيها، اعتباراً بالمعنى واعتداداً بالدلالة، واحتذى الأئمة حذوهم واقتاسوا قياسهم، فوجدنا في كلامهم مستفيضاً منه متداولاً. ومن هنا كان الوجه أن يساغ الجمع فيما يعترض من ذلك كله، كلَّما دعت إليه الضرورة في التعبير، ومسَّت إليه الحاجة في الاصطلاح، كما بيناه ودللنا على منهاجه. التجريب والتجربة قال الأستاذ الشيخ محيي الدين عبد الحميد، في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، للدورة السابعة والثلاثين: (العرب لا يفرقون بين التجربة والتجريب، ولا فرق في المعنى بينهما أيضاً) . فردّ الأستاذ عباس حسن قائلاً: (هناك فرق في اللغة بين التجربة والتجريب. فقد جاء في المصباح: قال الأزهري جرَّبت الشيء تجريباً اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة والجمع التجارب أ. هـ فالتجريب مصدر، وبهذا يدل على القليل والكثير، والتجربة اسم) . ويقول الأستاذ محيي الدين عبد الحميد: (في اللغة العربية يدل اسم المصدر على معنى المصدر) . فيجيب الأستاذ عباس حسن (هناك فرق كبير بين المصدر واسم المصدر، وبينهما وبين غيرهما من الأسماء) ، فما الرأي في هذا كله؟ ...

стр. 628

الجواب: أن المصدر واسمه سواء في الدلالة على حدث الفعل وجنسه كما ذكرنا، وليس بينهما إلا تعلق الأول بفاعله. قال ابن القيم: (وأما الفرق المعنوي فهو أن المصدر دال على الحدث وفاعله، وأما اسم المصدر فإنما يدل على الحدث وحده) ، وأردف (فاسم المصدر جردوه لمجرد الدلالة على الحدث) . وقد بسطنا القول فيه. أما عن (التجريب والتجربة) فإنهما مصدران. قال صاحب الهمع (٢/ ١٦٧) : (ولفعَّل) تفعيل وتفعلة ككرّم تكريماً وتكرمة، وهيأ تهييئاً وتهيئة، وتختص تفعلة بالمعتل، فلا يرد فيه التفعيل كزكَّى تزكية) . فكلام صاحب الهمع صريح بأن (التفعيل والتفعلة) مصدران جاريان على (فعَّل) . ولو أن الأول هو المقيس المطرد. قال ابن هشام في شرح شذور الذهب (٣٨١) : (المصدر اسم الحدث الجاري على الفعل) . ثم قال: (واحترزت بقولي الجاري على الفعل، وذلك نحو قولك أعطيت عطاء، فإن الذي يجري على أعطيت إنما هو إعطاء لأنه مستوف حروفه) . فـ (التجربة) مصدر جار على (جرَّب) ، وقد استوفى حروفه. وهو وإن خلا من أحد حرفي التضعيف فقد عوَّض منه تاء (التفعلة) فأضحى كالتجريب سواء بسواء. فليست (التجربة) إذاً اسم المصدر الذي قال فيه النحاة هو ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه وخالفه بخلوه لفظاً أو تقديراً دون عوض من بعض ما في فعله (الأشموني ١٠٥/ ١٠٦/ ٢) . وانظر إلى ما جاء في اللسان (وجرَّب الرجل تجربة اختبره، والتجربة من المصادر المجموعة) ، فدل بكلامه على أن (التجربة) مصدر. أما الكلام على جمعه فسيأتي تفصيله.

стр. 629

ستقول وما توجيه ما جاء في المصباح: (جرَّبت الشيء تجريباً اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة والجمع التجارب) ؟.. أقول توجيه هذا أن (التجربة) وهي مصدر كالتجريب، قد عدل بها العرب عن مصدريتها فاستعملت استعمال الأسماء فجمعت. وهي في هذا كـ (العيب) مثلاً حين جمع على عيوب. قال صاحب المصباح: (واستعمل العيب اسماً، وجمع على عيوب) . ونظائره كثيرة بسط القول فيها في الكلام على المصادر، ففي المصباح: (ثم استعمل النسب وهو المصدر في مطلق الوصلة بالقرابة، فيقال بينهما نسب أو قرابة، وجمعه أنساب) . وهكذا (البعث والوقف والفتح والوضع) ، فهي مصادر قد أنزلت منزلة الأسماء فجمعت. وفي المخصص لابن سيده (١٢/ ١٥٢) : (العون يكون مصدراً واسماً، فإذا كان مصدراً لم يجمع. وأما إذا كان اسماً فقيل يكون للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، وقيل جمعه على أعوان وعوين) . والذي عندي أن توجيه هذا هو أن (العون) لا يجمع مصدراً، فإذا وصف به فكان بمعنى الظهير، وصف به الواحد والاثنان والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وأما إذا كان اسماً فإنه يجمع.

стр. 630

فـ (التجربة) مصدر جار على فعله، لكنه استعمل استعمال الأسماء كالعيب والنسب واللفظ والبعث والفتح والوضع والعون.. وهو حين جذب إلى الاسمية لم يبق على مصدريته الدالة على الحدث وجنسه، وهذا ما أتاح جمعه. ذلك أن الأصل في (التجربة) ألا يجمع ما دام على حدثه وجنسه، ولو ختم بالتاء وإذا كان العلامة (يس) قد قال في حاشية التصريح أن المصدر لا يثنى ولا يجمع مالم يكن بالتاء، فإن قوله هذا لا ينقض ما قرر من أن ما جمع من المصادر فقد عري من جنسه أو حدثه. فقد رأينا في كلامنا على المصادر، أن ابن الأثير قد اعتل لجمع (التحية) على التحيات باختلاف ضروبه لا باختتامه بالتاء. قال ابن الأثير في النهاية (وإنما جمع التحية لأن ملوك الأرض يحيون تحيات مختلفة) فأخرجه عن جنسه. ثم قال: (التحيات لله أي الألفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء هي لله تعالى) . فعدل به عن حدثه. وما دامت (التجربة) ، قد أنزلت منزلة الأسماء فما الذي انتهت إليه من معنى أو أفضت إليه من دلالة؟ ... التجربة ودلالاتها وجمعها واعمالها قال صاحب الأساس: (ورجل مجرِّب ومجرَّب: ذو تجارب) . أو ليست (التجربة) ، في قولك: (فلان ذو تجربة) ، فقد فقدت حدثها؟ فقولك: (ذو تجربة) ، بمنزلة قولك: (ذو علم أو خبرة أو بصيرة أو دراية) . وهذه على التحقيق أسماء معان قد عريت من حدثها، لا مصادر.

стр. 631

فالتجربة هنا (الأثر الذي حدث بقيام الحدث) فهي على هذا اسم، وكذلك الأمر إذا عنيت بها ما قمت به من فعل لتعالج أمراً، أو شيئاً لاختباره، فإنك تضعها موضع الاسم. أما إذا عنيت بها: (علاجك الأمر لاختباره) ، فإنه مصدر باق على مصدريته دال على قيام الحدث نفسه. هذا ونص صاحب المصباح: (والاسم التجربة) وأراد فيه (والجمع التجارب) دليل على خروج (التجربة) ، بالاستعمال إلى مجرد الاسمية بفقدها (الحدث) ، واستحقاقها (الجمع) كسائر الأسماء. وقد كان له أن يعلل باختلاف الأنواع كما اعتل ابن الأثير لجمع التحية، وهو شأن النحاة في توجيه جمع المصادر، إذا آلت إلى الاسمية. على أن (التجربة) لم تنزل منزلة الأسماء، وتجمع وحسب، وإنما جاءت مصدراً فأعملت بل جاءت مصدراً مجموعاً، فأعملت أيضاً. فقد جاء في اللسان: (قال الأعشى: كم جرّبوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة، إلا المجد والفَنَعا فإنه مصدر مجموع مُعمل في المفعول به، وهو غريب) . وقد ضعَّف النحاة هذا، وحاول ابن جني أن يجعل (أبا قدامة) مفعولاً لـ (زادت) لكنه قال: (والوجه أن ينصب تجاربهم لأنها العامل الأقرب) . فما وجه ذلك؟ هذا والفنع زيادة المال، ومسك ذو فنع ذكي الرائحة. إعمال المصدر المجموع شرط العمل في المصدر أن يبقى على مصدريته فيدل على حدثه وجنسه، ليستقيم نيابة عن فعله أو يصح حلول الفعل المصحوب بأن أو ما، محله، فهل يستمر المصدر على مصدريته إذا جمع فيمكن إعماله؟ أقول إذا جمع المصدر للعدد أو المرّة فلا يصدق على القليل والكثير، ويفتقد جنسه فيمتنع عمله. ومن ثم اشترط في إعمال المصدر أن يكون غير محدود، أي غير دال على المرّة، قال الأشموني (٣/١٠٥) : (فالموحد بالتاء، أي تاء الوحدة، لم يعمل) . قيل: لأن صيغته ليست صيغة الفعل، ولو كانت التاء في أصل بناء المصدر كرحمة ورغبة ورهبة، لعمل. وإذا جمع المصدر لاختلاف ضروبه عُدل به، من الجنس إلى النوع، فبطل عمله أيضاً، فَقَد حدثه أم لم يفقد.

стр. 632

على أن ابن مالك قد ذهب إلى أن المصدر يجمع حيناً فيقصد به مجرد تكرير الفعل، ويبقى على حدثه وجنسه فيعمل. قال صاحب الهمع (٢/ ٩٢) : (وجوّزه قوم، أي عمل المصدر، في الجمع المكسَّر، واختاره ابن مالك، قال: لأنه: وإن زالت معه الصيغة الأصلية، فالمعنى معها باق ومتضاعف بالجمعية، لأن جمع الشيء بمنزلة ذكره متكرراً بعطف) . وهكذا أقر ابن مالك جمع المصدر الذي لم يعر من حدثه وجنسه، وأعمله، والقول بعد هذا أن ابن مالك أقر جمع ما جذب من المصادر إلى الاسمية كالعقول والألباب والحلوم، كما جاء في الهمع (١/ ١٨٦) ، تحصيل حاصل، ولكن شأن المصدر الذي لم يعر من حدثه وجنسه شأن المصدر المبهم الذي يساوي معنى عامله فلا يثنى ولا يجمع لأنه بمنزلة تكرير الفعل، كما قال صاحب الهمع، والفعل لا يثنى ولا يجمع. ولنعد إلى (التجربة) فأنت إذا قلت: (إن تجربتي إياه) ، فلا يعني قولك هذا أن (التجريب) ، قد وقع منك مرة واحدة بالضرورة، ليجمع إذا أريد به التكرير، لأنه يحتمل المرة والمرات بلا حد، فلا يبقى ما يدعو إلى جمعه. قال صاحب المصباح: (جرّبت الشيء تجريباً اختبرته مرة بعد أخرى) ، وكذلك قولك (تجريبك الشيء) فمعناه اختبارك إياه مرة بعد أخرى، قال ابن جني في الخصائص (١/ ٢٥) : (وهذا طريق المصدر، لما كان جنساً لفعله، ألا ترى أنه إذا قام قومة واحدة فقد كان منه قيام، وإذا قام قومتين فقد كان منه قيام، وإذا قام مائة قومة فقد كان منه قيام ... ) . وقال أيضاً: (المصدر يتناول الجنس والآحاد تناولاً واحداً) . ومن ثم امتنع جمع المصدر ما بقي على مصدريته، فإذا جمع عُدل به عنها فندر إعماله، ولو ارتضاه جماعة.

стр. 633

قال صاحب المصباح: (وقال الجرجاني: لا يجمع المبهم، إلا إذا أريد به الفرق بين النوع والجنس، وأغلب ما يكون فيما ينجذب إلى الاسمية نحو العلم والظن ... ) ، وهذا ما حمل النحاة على تضعيف أعمال المصدر المجموع. قال صاحب الهمع: (قال أبو حيان: والمختار المنع، وتأويل ما ورد من ذلك) . *** فثبت بما بسطنا القول أن الدلالة اسم المصدر وجوهاً، فهو إما أن يعني الحدث كما يعنيه المصدر. قال الإمام الصبان (٣/ ١٠٦) : (ومقتضى عبارته أن موضوع اسم المصدر الحدث كالمصدر ... وجزم به ابن يعيش وأبو حيان وغيرهما، وصوّبه بعضهم أن موضوعه المصدر نفسه) . وأما أن يخلو من الحدث فيدل على اسم عين كالعطاء لما يُعطى، أو اسم للمعنى الحاصل بالمصدر، أي الأثر الذي يحصل بإيقاع الفعل كما مثلوا له بالغُسل بالضم في قولك (لا أرى في هذا الثوب غسلاً) ، وكالعذاب الذي هو اسم من التعذيب. وذهب جماعة إلى أن الوجه الذي يدل به اسم المصدر على الحدث هو الفرع والذي يدل به على غيره كاسم العين هو الأصل. ومهما يكن من شيء فإن اسم المصدر لا يجمع ما دل على الحدث، فإن خلا منه، ودل على اسم للعين أو اسم للمعنى جمع بشرط خروجه عن جنسه، ما لم ينص على خلاف ذلك. وقد قيل عطاء لما يُعطى وأعطية، وعذاب للأثر الذي يقع بالتعذيب، وأعذبة، كما قيل غُسل بالضم وأغسال، وهذا على التحقيق اسم مصدري، إذا كان من الغَسل بالفتح واسم مصدر إذا كان من الاغتسال.

стр. 634

تَدَرّج المعاني من النقاد من يتعلق بظاهر النص المدرج في المعاجم، على اختصار وجمود، وعلى قصد وإجمال، وفي غير بسط أو إحاطة أو استيعاب. والكشف عن دلالات الكلم مرهون بتبين أصول اشتقاقها أو اجتلاء مدارجها في المجاز والنقل، وتعرّف مساريها في أداء أغراضها والتعبير عن قصودها، واستشفاف قرائنها في متباين مواقعها في الاستعمال والتركيب. فمن الخطأ أن يظن ظان أن معاجم اللغة وما إليها من أسفار النحو وحواشيها، وكتب الصرف وشروحها، هي عدة اللغوي وحدها، وأن نقولها معوّل تحقيقه وغاية بحثه وحكمه دون سواها. والصحيح أن مراجع اللغوي، إلى ذلك، كتب التفسير والأدب ودواوين الشعر وصحف الرسائل والرقاع، ومصنفات القوم في التاريخ والأخبار والأسفار، بل مؤلفاتهم في مختلف العلوم والصناعات ووضائعهم في الحكم والأمثال. وقد دأب الأئمة الأوائل في كثير مما دونوه وألّفوه على البحث عن أصل اللفظ، لما تواضعوا عليه من أنه لابد للكلم في كل مادة أن يشتق بعضها من بعض فترد إلى جنس من المعنى يعد أصلاً لما يشتق منها جميعاً. بل تابع بعضهم البحث في تدرج معناه وفي تقلبه وتنقله وتجدد دلالاته في مراحل حياته، ولكنهم لم يستوفوه فيتخذوه منهجاً وسنناً. وقد عني علم اللغة الحديث بهذا منذ القرن الماضي وأسمى العلماء أصول البحث فيه: علم معاني الأسماء Science de Sémantique واللفظ مستعار من اليونانية Sêmantikos أي المعنى ولعل أول رسالة ألفّت في ذلك رسالة العالم اللغوي الفرنسي (ميكال بريال: Michel Bréal عام ١٨٩٧، وعنوانها Essai de Sémantique و (بريال) هذا من العلماء المحققين في علم اللغة التاريخي، وقد توفي ١٩١٥م (١) .

стр. 635

يقول العالم الإنكليزي (سكيت ولتر وليم) المتوفى عام ١٩١٤: (يُنصح المؤلف بتحقق طبيعة استعمال اللفظ في أول نشأته. ويُعين في هذا التحقق ملاحظة النصوص المنقولة التي جرى اللفظ في أثنائها منذ نشأته الأولى) (٢) . ويقول الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح في مقاله الطريف (مدخل إلى علم اللسان الحديث) (٣) : (اللسان لا يحدد مضمونه المادي والصوري إلا على أساس المواقع التي تقع فيها وتتعاقب عليها عناصره، إما في درج الكلام فيما يخص الوحدات الدالة، وإما في مدارج الجهاز الصوتي فيما يخص العناصر غير الدالة (٤) ، وذلك مثل مدلولات الألفاظ فإنها لا تحدد إلا بسياقاتها، لا بما تذكره المعاجم من معانيها، لأن المعاجم تكتفي غالباً بذكر بعض المعاني بالاعتماد على بعض السياقات. وإنما يكون المعجم هو أساس في تحديدها إذا لم يرد اللفظ في أي نص إلا في الذي يذكره هو وحده) ويردف (فبتلك المواقع التي يشاهدها اللغوي في الكلام المسموع يستطيع أن يعرف، بالموضوعية المطلقة، أنواع الأداء وتشعبات المعاني الجزئية. ثم بالنظر في كيفية تقابلها بعضها ببعض وتعاقبها على الموضع الواحد، ودخول هذه على تلك، يستطيع أيضاً أن يكشف عن وضعها ونظامها..) . فعلى الناقد إذاً ألا يتلمس معاني الكلم في نصوص معاجمنا وما يتصل بها وحسب، بل عليه أن يبتغيها في معالمها الأخرى، ويتطلبها من مآتيها المتعددة. ويؤديه هذا إلى البحث عن أوجه تصرف الكلم في متنوع النصوص المحكية، وصور دلالاتها في سائر الموضوعات المطروحة، كما يقتاده إلى التماس وجوه التقلب التي تلحق بها وصور تجدد أغراضها ومراميها، وانحرافها عن أصولها وتشعبها عن جذورها وذلك بتبدل الموضوعات والبيئات وتغير الأفكار والأحكام واختلاف العصور والأزمان. والأصل في اللفظ أن تتباين شعاب معانيه فيكون له من تدرجه وتقلب دلالاته مجال بسيط ومذهب فسيح. * * *
следующие страницы →