Полный текст (697 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ونحا الأستاذ عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق/ ١٥٤) هذا النحو فوحد بين المصطلحين في التعريف، وقد أسمى الاشتقاق الكبير بالقلب الاشتقاقي ومثل له بـ (جذب وجبذ) و (شجه وجشه) .
فما حقيقة الأمر في ذلك كله؟
أقول ليس مصطلح (الاشتقاق الكبير) في مؤداه لديهم كمصطلح القلب. وأظهر دليل على ذلك أن ابن جني وهو مبتدع (الاشتقاق الكبير) بلا نزاع، قد أفرد في الخصائص باباً للقلب فجعل عنوانه (في الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير –١/٤٦٧) . ومثل فيه بـ (جذب وجبذ) ووازن بينه وبين (يئس وأيس) وسواه، ولم يشر في ذلك إلى شيء مما عقد عليه الكلام حول ما أسماه (الاشتقاق الأكبر) أي الكبير. وكذلك فعل في كتاب (سر صناعة الإعراب ١/٢١٩) . فقد أتى بـ (آن وأنى) وذهب إلى احتمال أن يكون من أمثلة القلب أو مما جاء على هيئته، ولم يلمح إلى شيء مما يتصل بالاشتقاق الكبير. وهو قد خصّ هذا الاشتقاق في الخصائص (١/٥٢٥) بباب مثل فيه بـ (سلم) وتقاليبه الستة، وصنع مثل هذا في (كلم) و (قول) و (جبر) و (قسو) وتقاليب كل منها، ولم يتطرق إلى شيء مما جاء به في القلب في (باب الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير) من قريب أو بعيد. أفليس يدل الفصل بين (القلب) و (الاشتقاق الكبير) عند ابن جني، وإفراد كل ببحث وباب على حدة، كما رأيت، على أن بينهما من التغاير ما يوجب ميز أحدهما من صاحبه وتعرّف حال كل منهما واستبانة وجهه؟
٤-ما الذي أراده الأئمة بالقلب اصطلاحاً
стр. 562
أراد الأئمة بالقلب غير ما راموه بالاشتقاق الكبير. فأمثلة القلب توحي بأن العرب قد عنوا ألفاظاً بعينها فتحركت ألسنتهم بما يجاورها نطقاً، فلم يخالفوا بين ما نطقوا به وما عنوه من الألفاظ في الحروف، لكنهم خالفوا في مواقع هذه الحروف بعضها من بعض. مثال ذلك قولهم (أيس) ، وقد عنوا به (يئس) بمعنى قنط. وقولهم (أشاف) وقد عنوا به (أشفى) بمعنى أشرف. وقولهم (دهدهتُ الشيء) إذا حدرته وقد أرادوا به (هدهدت الشيء) . وقولهم (أمضحلّ الشيء) قصدوا به (اضمحلّ) إذا انحلّ، و (اكرهفّ) قصدوا به (اكفهرّ) إذا عبس، وهكذا..
وهم لم يؤصلوا ما ازدحمت أحرفه على ألسنتهم فنطقوا به على هذا الوجه، فإذا طلبت في المعاجم (أيس) عدت إلى (يئس) ، أو طلبت (أشاف) عدت إلى (أشفى) وهكذا الباقي غالباً. وأسموا (أيس) هذا مقلوباً و (يئس) مقلوباً عنه. وهم تصرفوا في المقلوب غالباًُ لكنهم حدّوا هذا التصرف فلم يتخذوا للأفعال المقلوبة مصادر من جنسها لانتفاء موادها. فقالوا (أيس يأساً) ولم يقولوا (أيس أيساً) .
فالمقلوب والمقلوب عنه لفظان ترادفاً معنى واتحدت حروفهما ولكن اختلف ترتيبها. ومن ثم كان القلب غير الاشتقاق الكبير. فليس في هذا أي الاشتقاق الكبير، وحدة في المعنى بين تقليب وتقليب ولو كان بينهما جامع، وإنما يتغير المعنى بتغير مواقع الحروف. وكل تقليب هو أصل منصوص عليه نحو كلم وملك وكمل عدا ما كان منه مهملاً. وليس للمقلوب (كأيس) أصل منصوص عليه، وإنما هو محمول على ما اعتدّوه أصلاً له وهو (أيس) .
ولا بد من التنبيه على أن القلب قد جاء على غير الأصل. ذلك أن الأصل فيما اختلفت مواقع حروفه، كما اتضح في الاشتقاق الكبير، أن يختلف معناه خلافاً للمقلوب. وإذا اتفق في اللغة أن يقع الترادف بين لفظين اختلفت حروفها، أو اتفقت حروفهما وتغير ترتيبها. فليس هذا هو الأصل والغالب.
٥- نصوص الأئمة وكلام الباحثين في القلب
стр. 563
جاء في شرح الشافية (١/٢٣) للرضيّ تعقيباً على كلام ابن الحاجب حول الفارق بين المقلوب والمقلوب عنه: (ولعلّ مراده – أي ابن الحاجب – أنه إذا كانت الكلمتان بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا بقلب حروفهما، كانت إحداهما صحيحة مع ثبوت العلة فيها دون الأخرى كأيس مع يئس، فالصحيحة مقلوبة من الأخرى) . فأشار الرضي صراحة إلى وحدة المعنى في القلب. فإذا افترق المعنى لم يكن قلباً. فقد اعتد ابن الأعرابي مثلاً أن (غرس) و (رغس) من المقلوب ذهاباً إلى أن معناهما واحد. فرد ابن سيده فقال في المخصص (١٤/٢٨) : (والمعروف أن الغرس في الشجر كالزرع في الحب، وأن الرغس النماء والبركة وقد رغسه الله) ، ففي الصحاح (رغسه الله مالاً.. أي أكثر له وبارك له فيه) ، ومن ثم كان كل منهما أصلاً، واختلاف مواقع الحروف مؤذن باختلاف المعنى.
واستدلوا على القلب بوحدة المعنى وتغيير مواضع الحروف. قال الزجاجي في شرح أدب الكاتب (على ما جاء في المزهر –١/٢٨٥) : (ذكر بعض أهل اللغة أن الجاه مقلوب من الوجه واستدل على ذلك بقولهم وجه الرجل فهو وجيه إذا كان ذا جاه، ففصلوا بين الجاه والوجه بالقلب) . وجاء في مفردات الراغب (وقال بعضهم الجاه مقلوب عن الوجه، لكن الوجه يقال في العضو، والجاه لا يقال إلا في الحظوة) ، والمعنى واحد.
وفي الهمع (٢/٢٢٤) : (قال أبو حيان: القلب تغيير حرف مكان حرف بالتقديم والتأخير) وكل ما جاء به من الأمثلة على اتفاق المعنى بين اللفظين.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمال تغير المعنى في القلب. قال جرجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية/ ٥٩) : (القلب هو عبارة عن تقديم أو تأخير أحد حروف اللفظ الواحد مع حفظ معناه أو تغيره تغيراً طفيفاً) .
стр. 564
وقال الشيخ عبد القادر المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريب) : (القلب ويقال له الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب مثل فعل جبذ المشتق من مادة الجذب. فإن الحروف في المشتق هي عينها في المشتق منه. والمعنى فيهما متناسب/ ١٤) وأردف: (ومهما كان معنى جذب وجبذ واحداً فلا بد أن يكون في أحدهما شيء من المعنى لم يلاحظ في الآخر/ ١٥) .
قلت الذي أريد بالقلب هو وحدة المعنى كما أسلفنا، خلافاً لما جاء به زيدان، وقد أوردنا عليه الشواهد وأقوال الأئمة. وأما نزوع المغربي إلى تعريف القلب والاشتقاق الكبير بقوله (القلب ويقال له الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون..) ففيه نظر. فالاشتقاق الكبير غير القلب كما أوضحنا، والتعريف الذي جاء به إنما هو الاشتقاق الكبير دون صاحبه، وأما مثال (جذب وجبذ) فسيأتي تفصيل الكلام فيه.
وقد يمم الأستاذ عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق) سمت المغربي وقصد قصده في التعريف، وقد أسمى الاشتقاق الكبير بالكبار، فقال: (الاشتقاق الكبار هو انتزاع كلمة من كلمة أخرى بتغيير ترتيب بعض أحرفهما بتقديم بعضها على بعض مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق في الأحرف) ، وأردف (ويسمى هذا الاشتقاق قلباً لغوياً تمييزاً له من القلب الصرفي الإعلالي.. وقد أسميت هذا القلب، القلب الاشتقاقي لأنه من مباحث علم الاشتقاق، وأكثر ما يكون القلب في الكلمات الثلاثية وبصيغتين في المادة الواحدة مثل جذبه وجبذه إذا شده إليه، وشج رأسه وجشه إذا كسره) . وقال في موضع آخر: (الاشتقاق الكبار أو الأكبر أو القلب اللغوي.. أن تعمد إلى كلمة فتشتق منها كلمة فأكثر بتقديم بعض الحروف على بعض دون زيادة أو نقص، مع الاتحاد في المعنى، وأكثر ما يكون الاشتقاق الكبار أو القلب في الكلمات الثلاثية، وأول من عرّفه إمام الأئمة أبو الفتح عثمان بن بزجني../٣٧٦) .
стр. 565
وهكذا جعل الأستاذ أمين القلب والاشتقاق الكبير سيَّين وهما متغايران كما رأيت. وقد قال بتشابه المعنى بين التقليب والتقليب أو المقلوب والمقلوب عنه: (مع تشابه بينهما في المعنى) . ثم عدل عن ذلك فقال بوحدة المعنى فيهما قائلاً (مع الاتحاد في المعنى) ، فأوقع القارئ في حيرة وجعله من أمره على تردد.
ولست أدري هل ذهب أحد إلى اتفاق المعنى في تقاليب المادة في الاشتقاق الكبير، وهل جاء أن كلم مثل ملك في معناه، وملك مثل كمل في فحواه، وقوس مثل سوق، وسلم نحو ملس.. وإنما تتجلى وحدة المعنى في القلب دون الاشتقاق الكبير، كقولك يئس وأيس، وأشفى وأشاف، واضمحل وامضحل واكفهر واكرهف.. وإذا كان ابن جني قد أوهم بـ (وحدة المعنى) في تقاليب الثلاثي حين قال (١/٥٢٦) : (فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثة فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً) فقد قصد بقوله هذا ما تردّ إليه دلالات هذه التقاليب، على اختلافها، من جامع معنوي واحد. قال ابن جني (١/ ٥٢٧) : (وذلك أنا عقدنا تقاليب – الكلام – الستة على القوة والشدة، وتقاليب – القول على الإسراع والخفة) وهو جلي لا وجه فيه للبس أو إبهام.
٦- المقلوب وما جاء على هيئته
ذهب كثير من الأئمة إلى بيان الفرق بين ما تصوروا أنه مقلوب، وما قدروا أنه جاء على هيئة المقلوب، وليس هو كذلك. ومثلوا للأول بـ (آن) فهو مقلوب من (أنى) ، و (أيس) فهو مقلوب من (يئس) . ومثلوا للثاني بـ (جذب وجبذ) فكل منهما أصل، وليس أحدهما مقلوباً من صاحبه.
стр. 566
فإذا جاء لفظان بمعنى وليس بينهما في التركيب إلا تغيير مواضع الأحرف نُظر، فإذا أمكن أن يعتد أحدهما أصلاً والآخر فرعاً يحمل عليه، كان الفرع مقلوباً من الأصل. ولا يكون ذلك إلا بدليل ثابت. وأظهر دليل يمكن التعويل عليه أن يتسع التصرف في أحدهما ويضيق في صاحبه فيكون أكثرهما تصرفاً هو الأصل والآخر مقلوباً عنه. قال ابن جني في الخصائص (١/٤٦٧) : (وذلك كقولهم أنى الشيء يأني، وآن يئين. فآن مقلوب عن أنى، والدليل على ذلك وجود مصدر أنى يأني وهو الأني، ولا تجد لآن مصدراً كما قال الأصمعي) . وأردف: (فلما انعدم من – آن – المصدر الذي هو أصل الفعل علم أنه مقلوب عن أنى يأني إنى) . ثم استدرك فقال: (غير أن أبا زيد قد حكى لآن مصدراً وهو الأين، فإن كان الأمر كذلك فهما إذاً أصلان) .
أقول: يعني هذا أنه إذا استكمل كل تصرفه كان كلاهما أصلاً ولم يكن أحدهما مقلوباً عن صاحبه، ولو اتحدا معنى.
وجعلوا (أيست من كذا) مقلوباً من (يئست) . ذلك أنهم حكوا لـ (يئس) مصدراً هو (اليأس واليآسة) ولم يحكوا لـ (أيس) مصدراً من لفظه قط، فثبت أنه مقلوب من (يئس) على أنهم أتوا لقلب (أيس) بدليل آخر. وذلك أن من حق (أيس) في الأصل أن يُعلّ فتقلب ياؤه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فتقول (آس) كما تقول (خاف) ، و (إست) كما تقول (خفت) .
فبقاء الفعل صحيحاً على (أيس) دون إعلال، نمّ على أنه مقلوب. قال الرضي في شرح الشافية (١/٢٣-٢٤) : (ولعل مراده أنه إذا كانت الكلمتان بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا بقلب حروفهما، فإن كانت إحداهما صحيحة مع ثبوت العلة فيها دون الأخرى كأيس مع يئس، فالصحيحة مقلوبة من الأخرى) .
وقد قصد بقوله (وإن كانت إحداهما صحيحة) ، أيس، فقد بقيت صحيحة غير معلَّة. على أنه ليس (صحة الكلمة) في الأصل، أي عدم إعلالها، نصاً في كونها مقلوبة، كما أشار إليه الرضيّ في شرحه.
стр. 567
قال ابن جني: (ومن المقلوب: امضحل وهو مقلوب من اضمحل، ألا ترى أن المصدر إنما هو على اضمحل، وهو الاضمحلال، ولا يقولون: الامضحلال. وكذلك قولهم: اكفهرّ واكرهف، فالثاني مقلوب عن الأول لأن التصرف وقع على اكفهر ومصدره الاكفهرار، ولم يمرر بنا الاكرهفاف) .
فإذا تصرف اللفظان تصرفاً واحداً فقد قضوا بأنهما أصلان، وليس أحدهما مقلوباً عن الآخر، وهو ما عنيناه بقولنا إنه جاء على هيئة المقلوب وليس هو بالمقلوب. قال ابن جني (١/٢٤٦) : (فمما تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم جذب وجبذ، وليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه، وذلك أنهما جميعاً يتصرفان تصرفاً واحداً نحو: جذب يجذب جذباً فهو جاذب، والمفعول مجذوب. وجبذ يجبذ جبذاً فهو جابذ والمفعول مجبوذ) وأردف: (فإن جعلنا مع هذا أحدهما أصلاً لصاحبه فسد ذلك لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر. فإذا وقفت الحال بينهما ولم يؤثر بالمزية أحدهما وجب أن يتوازيا) .
وجاء في هامش الصحاح: (وأما ما يسميه الكوفيون نحو جبذ وجذب فليس هو بقلب عند البصريين، وإنما هو لغتان. وقال السخاوي في شرح المفصل: إذا قلبوا لم يجعلوا للفرع مصدراً لئلا يلتبس نحو يئس يأساً وأيس مقلوب منه، ولا مصدر له، وإذا وجد المصدران حكم النحويون بأن كل واحد من الفعلين أصل، وليس مقلوباً عن الآخر نحو جبذ وجذب. وأهل اللغة يقولون إن ذلك كله مقلوب) .
وقد أجمل التهانويّ صاحب (كشاف اصطلاحات الفنون) كلام الأئمة في ذلك (٢/١١٧١) فقال: (ويطلق القلب عندهم على تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، ويسمى قلباً مكانياً، نحو آرام فإن أصله أر آم، كما في الشافية وشرحها للرضي، وعلامة صحة لقلب المكاني أن يكون تصاريف الأصل تامة بأن يصاغ منه فعل ومصدر وصفة، ويكون الآخر ليس كذلك، فيُعلم من عدم تكميل تصاريفه أنه ليس بناء أصلياً) .
стр. 568
فدلّ هذا على أن جمهرة المحققين من النحاة على أنه إذا استوت الكلمتان في التصرف كانت إحداهما لغة في الأخرى وليست مقلوبة عنها كما هو الحال في جبذ وجذب.
٧-كيف يستدل على صحة القلب؟
يُفهم مما ذكر أن في الحكم على (جذب وجبذ) مذهبين:
الأول: أنه مثال للقلب وأن جذب هو الأصل فهو المقلوب عنه، وجبذ هو الفرع فهو المقلوب، وعليه صاحب الصحاح. قال الجوهري: (الجذب المدّ، يقال جذبه وجبذه على القلب) . فإذا صحَّ هذا ثبتت أصلية (الجذب) وانتفى (الجبذ) بناء أصلياً. قال صاحب المقاييس (الجيم والباء والذال، ليس أصلاً لأنه كلمة واحدة مقلوبة، يقال جبذت الشيء: جذبته) .
والثاني: أنهما أصلان وليس أحدهما مقلوباً عن الآخر. فإذا صحَّ هذا ثبتت أصلية (الجذب) و (الجبذ) ، وعليه ابن جني، وقد استدل على ذلك بأن العرب قد تصرفت فيهما تصرفاً واحداً. وأخذ بهذا كثيرون، وعليه جمهرة النحاة. وفي التهذيب أن الجبذ لغة تميم.
وأنت ترى مما تقدم أن الأئمة لم يعولوا في الحكم هاهنا على (المعنى) ولم يتطرقوا إليه. ولست أجازف في القول إذا عجت بـ (المعنى) فاتخذته معياراً يقتاس به.
وإني لأذكر ما قاله أبو حيان التوحيدي في كتابه (البصائر والذخائر – ١/١٧٥) حول تعويل النحاة في تحقيق مسائلهم على المعنى. قال أبو حيان: (سمعت شيخاً من النحويين يقول المعاني هي الهاجسة في النفوس المتصلة بالخواطر والألفاظ ترجمة للمعاني. فكل ما صحّ معناه صحّ اللفظ به، وما بطل معناه بطل اللفظ به) .
стр. 569
فالأصل عندي فيما جاء على القلب أن يتحد فيه معنى المقلوب والمقلوب عنه كما أسلفنا، فإذا صحّ هذا فيما حكاه الأئمة عن معنى (الجذب والجبذ) ، كان الجبذ مقلوباً من الجذب. والأكثر في المقلوب أن يقصر عن المقلوب عنه في تصرفه. بل الغالب أن تسقط تصاريفه فتبقى منها بقية تدل عليه لمجيئه على غير الأصل. ولكن ليس يمتنع أيضاً أن يأتي القلب بلفظ فيشيع ويجري على الألسنة فيستتم تصرفه أيضاً، وتكون مطابقة معناه للأصل شاهداً على صحة القلب، كما تكون كثرة التداول دليلاً على أصلية هذا الأصل.
والغالب فيما حكاه الأئمة أن الجذب والجبذ بمعنى.
وإذا اختلف المعنيان، والأصل في اللفظين إذا اتحدت حروفهما واختلفت فيهما مواقعها أن يختلف معناهما، كانا أصلين متساويين في تصرفهما، ولكن إذا صحَّ في اللغة أن يتعاقب على المعنى مثل هذين اللفظين فيكون أحدهما لغة في الآخر، كما حكي عن الجبذ أنه لغة تميم، فليس ذلك هو الغالب والأصل، ويرد ذلك إلى اختلاف اللهجات. وقال الرضي في شرح الشافية (١/٢٤) : (فإن ثبتت لغتان بمعنى يُتوهم فيهما القلب ولكل واحدة منهما أصل كجذب جذباً وجبذ جبذاً، لم يحكم بكون إحداهما مقلوبة من الأخرى) . وكلام الرضي هذا ظاهر الاستقامة إذا كان الحكم بأصلية اللفظين قد ترتب على استيفائهما التصرف، ولكن يختلف الأمر إذا ذهبنا إلى أن وحدة المعنى فيهما هي المعيار في الحكم بصحة القلب واستبعاد خلافه.
стр. 570
وقال المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريف/ ١٥) : (ويجري التنبيه على شيئين: الأول أن الكلمة الأكثر شيوعاً وتداولاً تجعل الأصل المشتق منه، والأخرى الأقل شيوعاً تجعل مشتقاً. فمن ثم كان الجذب هو الأصل والجبذ هو الفرع المشتق،.. والثاني أنه مهما كان معنى جذب وجبذ واحداً فلا بد أن يكون في أحدهما شيء من المعنى لم يلاحظ في الآخر) . أقول: إذا ثبتت صحة القلب في (جذب وجبذ) فلا شكّ أن مدار الحكم بأصلية الأصل، على شيوع اللفظ. لكن هذا مرهون باتحاد المعنى لا باختلافه. وخلاصة الأمر أنه إذا كان الاشتقاق الكبير ذريعة إلى المد اللغوي خلال مراحل ارتقاء اللغة وتكاملها، وإن لم يطرد في صوره أو يتفق في كل ثلاثي، وأنه جاء على الأصل حين تعاقبت صور المادة فيه على جنس من المعنى لاتحاد حروفها، وحين اختلفت معاني هذه الصور لاختلاف مواقع حروفها، أقول إذا صح هذا في الاشتقاق الكبير فإن القلب قد عري من ذلك البتة. وقد جاء على غير الأصل، وكان النحاة منه على تردد ومن أمره على خلاف. وقد أبطله ابن السكيت وأثبته البصريون ولكن في مشتقات المعاني كما في (جرف هار وهائر) دون الأفعال والمصادر، خلافاً للكوفيين. وكأن مرد القلب إلى تزاحم أحرف الكلمة وتسابقها على اللسان، كما قال العلايلي في مقدمته (٢١٤) . وإذا كانت العربية قد أقرته حيناً كما قال أبو حيان (الهمع – ٢/٢٢٥) فقد أسقطت شيئاً من تصاريفه في الغالب، وبقيت منها بقية تدل عليه. هذا و (هائر) من هار الجرف يهور هوراً فهو هائر. وقد قلب فقيل (هارٍ) ، خفضوه في موضع الرفع. وليس ثمة (هرا) بهذا المعنى فيكون منه (هار) ، وإنما هو مقلوب من (هائر) ، كما كان (شاكي السلاح) مقلوباً من (شائك السلاح) .
وقد قيل في تصغير (هار) هويئر، فردوه إلى أصله لأن هذا تصغير (هائر) . أما تصغير (هار) على لفظه فهو (هوير) لا (هويئر) ، كما قالوا في تصغير (غاز) غويز و (قاض) قويض.
стр. 571
٨-أيقع القلب اصطلاحاً في الثنائي المضاعف
قصدنا بالمضاعف ما تآلف من حرفين ضوعف ثانيهما، نحو: (درّ) و (برّ) ..
وقد أسمى الخليل في معجمه (العين) نحو (درّ) بالثنائي المضاعف لتألفه من حرفين، ولو أصبحا بمضاعفة الأخير ثلاثة أحرف. كما أسمى المضاعف (دردر) ثنائياً لتكرر الحرف فيه، وجعل (دثر ودرن ودفر) ونحوها هو الثلاثي.
وجاء في حاشية الجزائري على خطبة الكافي (٤٧/٤٨) : (وقد التزم الراغب الأصفهاني أن يبدأ بالمضاعف.. وكأن لذلك سببين: أحدهما أن عنوان الفصل ينطبق على المضاعف.. فإن دخول – برّ – في فصل الباء مع الراء، أظهر من دخول برأ.. والثنائي مقدم على ما فوقه وهو سبب لفظيّ.. والثاني: هو أن المضاعف هو الأصل في كل معنى، وهذا سبب معنوي جدير بالمراعاة) . فإذا استقرّ هذا فهل ثمة ما يمنع أن يجري القلب (باصطلاحه المعروف) في المضاعف خاصة؟ أقول يندر ذلك لسببين: الأول أن شرط القلب أن يتعاقب المقلوب والمقلوب على معنى، فكيف يصح هذا واختلاف مواقع الحرفين فيهما مؤذن باختلاف المعنيين؟
الثاني: إذا كان مردّ القلب غالباً إلى تزاحم الأحرف على اللسان فهل يصحّ أن يكثر ذلك فيما تألف من حرفين؟ وقلما مثل الأئمة للقلب بالمضاعف حقاً.
ولكن إذا تجاوزنا القلب بحدّه الاصطلاحي المذكور وعنيناً به معناه اللغوي فأين يمكن أن تقع دلالة المقلوب عنه من دلالة المقلوب، إذا كان اتحاد حرفيهما موجباً لاتفاق دلالتيهما وكان اختلاف موقعيهما مؤذناً بتغايرهما؟
٩-العلاقة بين دلالة اللفظ ومقلوبه هل هي علاقة تضاد؟
ذهب أحد الباحثين في الدورة العالمية الخامسة (للسانيات) ، وقد عقدت بدمشق في صيف عام (١٩٨٠م و١٣٩٩هـ) ، إلى أنك إذا ترصدت اللفظ ومقلوبه عامة ألفيتهما على معنيين متضادين. والباحث هو الأستاذ محمد عنبر، وقد كتب في تقرير مذهبه هذا رسالة مطولة تقع في نحو ستمائة صفحة، وجعل عنوانها (الحرف العربي أو ديالكتيك الألفاظ) .
стр. 572
وقد أهدى إلى مجمع اللغة العربية بدمشق نسخة منها وطالب بإعمال النظر فيها والإيعاز في طبعها. ولا أعلم أن المجمع قد فرق له رأي فيما جاء به الباحث، ولعله يفعل ذلك فيعلنه في عدد قادم من مجلته الفصلية.
أقول خلوت إلى الكتاب واستفضلت له شيئاً من وسعي فتصفحت بعض ما فيه وابتغيت معالمه وتلمست سره، فأكبرت جهد الأستاذ وأعظمت ما تكلف في تحقيق مطلبه من صعد، وتحمل في التماس الوسائل إليه من نصَب ورهق. وإذا كنت لم أمل إلى مذهبه أو أنزع إلى مقالته، فلا شكّ أنه أعدّ للأمر عدته وتذرع له بذرائعه وتآدى بأداته. وفي ذلك ما فيه من خدمة العربية. وإنما يستبين خصوص اللغة بكثرة البحث ويتكشف سرها ومكنونها بموالاة الدرس.
ولم يمنعني من متابعة المؤلف ومجاراته أنه قد جنح إلى مذهبه طريف تفرد به فلم ينح فيه نحو أحد من الباحثين فيسلك طريقته ويقفو أثره ويطأ مواضع قدمه، فقد يهدي جهد الباحث، فيما يطلب، إلى ما لم يسبق به حدس، ويقتاد إلى ما لم يسنح في فكر أو يخطر في بال. لكني تدبرت ما جاء به من أدلة، وروأت فيما ساق من حجج وبسط من شواهد، فألفيت فيها موضعاً للقول ومحلاً للنظر، فأردت أن أدلي في ذلك برأيي، استقصاء للبحث في باب يتسع فيه القول وتتشعب وجوهه.
-وطأ المؤلف بادئ الرأي لبحثه فذهب إلى أن في كل لفظ وجهين مجتمعين، فهو من حيث الصوت حركة طبيعية.. ومن حيث المعنى سمة إنسانية. ومن حيث أنه صوت ومعنى يجمع الطبيعة والإنسانية جميعاً (ص/٥) . وكلامه هذا سديد. وقد بسطت القول فيه، في مقال عقدته في المجلة حول نشوء اللغات عامة، ومذهب الأرسوزي فيه خاصة.
стр. 573
-وتحدث عن الثنائي والثلاثي في نشوء العربية وتناميها فقال: (فالثنائي هو الأصل في العربية، والخلية الأولى موطن التشابه الأول في الاحياء. أما الثلاثي فهو الذي يؤرخ وجه الإنسانية فيها. فالألفاظ الثلاثية تعبر عن السمة الإنسانية السوية التي جاءت في أحسن تقويم.. والثلاثي قائم على جهة الثنائي الأصل، ولم يخرج عليها. وقد اعتبره أهلها أصلاً لكل ما يقبل التصرف فيها / ٤) . وكلام المؤلف فيه واضح، وقد طوينا على ذلك باباً من مقالنا السابق، في بسط هذا الموجز وتقريب بعيده.
-وأجرى المؤلف الكلام على المعنى الذي يعد (أصلاً) في المادة، فتتشعب عنه دلالاتها فقال: (ولعل الأصول الأولى في اللغات بمثابة العناصر الأولى في المادة، فكما أن من الممكن أن تتولد من هذه العناصر أصناف لا حد لها من التراكيب، فإن من الممكن أيضاً أن تتولد في اللفظ الواحد معان لا نهاية لها بطريق المجاز. وما المعاني الواردة في المعجمات تحت كل مادة من موادها إلا مجازات يمكن أن تزداد زيادة لا حدود لها) ، وأردف: (والذي دعا إلى التقيد بما ورد من معان في كتب اللغة أن هذه المعاني جاءت موصولة الرحم بأصلها، وثيقة الصلة بأصلها الأول الذي صدرت عنه وبنيت عليه. وقد صدرت.. صدور الماء من الينبوع/ ١٤) . قلت كلام المؤلف في هذا سديد، وهو متصل بما عقدناه في المجلة حول تدرج معاني الكلم، والاشتقاق.
-وقال المؤلف: (وإذا جاء عنهم أن الأصل في ذلك هو كذا، فإن هذا الأصل المنصوص عليه لا يعدو أن يكون من باب التقريب، ولإيضاح وجهة اللفظ أكثر مما هو من باب التحديد والتعيين/ ١٤) . ورأي الأستاذ في هذا وجيه أصيل لا غبار عليه. ولكن كيف السبيل إلى (الكشف عن الأصل) في كل مادة؟
стр. 574
-التمس المؤلف إلى بغيته في ذلك وسيلة طريفة ومساغاً جديداً فقال: (والطريق إلى معرفة الأصل هو معرفة الأضداد/ ١٥) . وهو لا يعني بالأضداد ما اتفقت وجهة الأئمة فيه أو غلب رأي جمهورهم أو أجمع، على الأخذ به، بل قصد شيئاً آخر فقال: (فهل هذه الأضداد هي الأضداد المعروفة والموجودة في كتب اللغة والتي هي في مثل قولهم: العلم ضد الجهل، والشك ضد اليقين، والظلام ضد النور) ، وأردف: (ان هذه الأضداد ليست هي الأضداد المقصودة هنا وهي ليست بالأضداد القائمة في الألفاظ ذاتها، ويمكن أن يقال عنها انها أضداد تقليدية. وقد يعجب القارئ من هذا الكلام. فالموضوع ليس إنكار التضاد القائم بينها، لأن ما نحن بصدده إنما هو الأضداد المتقابلة التي تؤلف السداة واللحمة في نسيج هذا الوجود القائم. والأضداد المتعارف عليها ليست كذلك/ ٨٥ و١٦) . فهو قد تذرع إلى ضبط معنى الألفاظ عامة بالبحث عن أضدادها المتقابلة فقال: (وكذلك يمكن تحديد معنى الألفاظ كلها في هذه اللغة بمقارنتها بأضدادها.. وبهذه المقارنة يكون الوصول إلى كلمة الفصل في الموضوع/ ٢٧) .
-وهو لا يروم بالمعنى (الأصل) ما أراده الأئمة، وإنما يبغي به ما أسماه (وجهة المعنى أو اتجاهه) . فانظر إليه يقول: (هل لهذا المعنى – الأصل – في صورته الأولية وجود مستقل عن الوجهة، أم أن وجوده في الوجهة ذاتها، أو هو الوجهة ذاتها/ ٤٦) . ويقول أيضاً: (فاللفظ الأصل يتجلى وجوده في اتجاهه/ ٤٧) .
-ويذكِّر هذا بمقالة أصحاب المنطق في أن لكل قضية مادة ووجهة. فمادة القضية كيفيتها، أما وجهتها فهي نسبتها إلى سلب أو إيجاب. وإذا كان الاختلاف بين الكيفيتين يصير إلى التضاد، فالاختلاف بين الوجهتين يؤول إلى التنافي. والتقابل بين السلب والإيجاب، أقوى من التقابل بين المتضادين.
стр. 575
-ولا يتأتى أو يتسنى الكشف هنا عمّا أرده المؤلف بقوله (الأضداد المتقابلة) وقوله (وجهة المعنى أو اتجاهه) حتى نعرض لأمثلته التي ساقها في تأييد مذهبه وتوثيق حجته، فنبلو سرها ونتعرف كنهها وفحواها.
-وقد اقتصرنا فيما أوردناه من كلام المؤلف على ما عرض فيه للناحية اللغوية، وأقصرنا بل أمسكنا عمّا نحا فيه نحو الفلسفة لئلا يعدل بنا عمّا نحن فيه من البحث اللغوي الصرف، فيلتبس على القارئ وجهته فيكون منه على غمة وحيرة.
من ذلك قول المؤلف: (اليوم في مجلس كبار علماء الطبيعة أنهم يقتفون في مختبراتهم أثر اكتشاف جديد هائل.. ألا وهو اكتشاف ما يسمى – مضاد المادة – ويعني وجود مضاد المادة فناء لكل مادة، والعكس صحيح في حالة تواجههما. ويؤمن كثير من العلماء إيماناً عميقاً بوجود مضاد المادة.. حتى انه يظن أن الضدين – المادة ومضاد المادة – قد خلقا في آن واحد، ساعة خلق هذا الكون. ومن نفس الأصل، وربما كان لها نفس تطور المادة، ولكنها لا تحمل شيئاً من صفات المادة المتعارف عليها. وتركيبها الفيزيائي والذري يماثل تماماً تركيب المادة التي نعرفها، ولكن بطريقة معاكسة../ ٢٩) . وقوله: (في الملاحظة الآنفة الذكر اتساق مع منطق الجدلية التي ينطق بها هذا الحرف العربي ويعلنها نظام ألفاظه في تركيب كلماته. فاللفظ يحوي ضده في ذاته، وضده في ذاته ذو اتجاه يعاكس اتجاهه../٣٠) .
وخير ما نستعين به لإيضاح مذهب المؤلف وإماطة حجابه والإفصاح عن مضمونه، أن تأتي بما أورده من الأمثلة مستظهراً بها على سداد منهاجه وصدق دعواه، فنعمد إلى تأملها واختبارها لنبت فيها حكماً ونبرم رأياً.
١٠-دلالة المقلوب في الثنائي المضاعف
стр. 576
-مثل المؤلف في (محاضرته) للمضاعف بـ (جنَّ ونجَّ) فقال: (وهذا الكشف الذي يظهر أوّل مرة في العالم سبق للعلاّمة ابن جني أن قال ان جميع تقليبات اللفظ تتجه إلى صفة واحدة، أي أن لفظ – جن – يتجه في جميع تقليباته إلى الستر) وأردف (ولو قال إن جّنَّ تعني الاستتار، ونجّ تعني الظهور من قولهم تجّت القرحة إذا خرج منها ما فيها من قيح، وبرز، وعمم ذلك على ألفاظ العربية لكان للأمر شأن آخر، ولكنه لم يصل إلى ذلك. وهذا الكشف ينتهي إلى قانون: ضد اللفظ قائم فيه. والجديد فيه جانبه اللغوي. أما القانون نفسه فهو معروف قديماً) .
أقول: فيما حكاه المؤلف في (محاضرته) عن ابن جني نظر. وهو لم يذكر الموضع الذي نقل منه هذا القول. ذلك أن المقصود هاهنا مشتقات اللفظ لا تقاليبه. فالتقاليب عند ابن جني كما رأيت هي الصور الحاصلة بتغيير مواضع الأحرف في المادة، وهي للثلاثي ستة تقاليب، أما للمضاعف فتقليبان لا ثالث لهما.
وحكى المؤلف (في كتابه/ ١١٥) نحواً من هذا عن ابن فارس في المقاييس، والحكاية صحيحة.
قال المؤلف: (ولكنه حين قال: إن الجيم والنون تدلان أبداً على الستر، قد قال نصف الحقيقة فقط، فهما كذلك حين تكون الجيم أولاً والنون آخراً. أما حين ينعكس الأمر وتكون النون أولاً والجيم آخراً، فإن الآخر ينعكس وتصبح – ن ج – للبيان والظهور) .
والذي يعنينا من المسألة الجانب اللغوي. فـ (جنّ) تعني (ستر) ، لا شك في ذلك. ففي الصحاح: (جننت الميت وأجننته واريته، وأجننت الشيء في صدري أكننته. وأجتنت المرأة ولداً، والجنين الولد ما دام في البطن) . ولكن ما الذي يعنيه مقلوب (جنَّ) وهو نجَّ) ؟
قال صاحب المقاييس: (النون والجيم أصل يدل على تحرك واضطراب وشبيه ذلك) ، ثم قال: (ونجَّت القرحة سالت) . ولم يذكر للمادة أصلاً معنوياً آخر. والذي سال وتحرك دم الجرح أو مدته أي قيحه. قال الجوهري: (نجَّت القرحة تنجُّ بالكسر نجيجاً سالت بما فيها) .
стр. 577
وقال ابن القوطية: (ونج الجرح نجيجاً سال دمه) وجاء في التاج (ونجّ أسرع فهو نجوج) وإذا التبس معنى المضاعف الثنائي عُوّل على المضاعف الرباعي، كما فعل المؤلف نفسه في مواضع كثيرة من أمثلته، فما معنى (تجنج) ؟
قال الجوهري في الصحاح:
(نجنجت الرجل حركته.. ونجنج إبله إذا رددها على الحوض.. والنجنجة ترديد الرأي.. والنجنجة الجولة عند الفزع) .
ونحو من ذلك ما جاء في اللسان والتاج. ففي اللسان (النجنجة التحريك والتقليب، ويقال نجنج أمرك فلعلك تجد إلى الخروج سبيلاً) . وفي التاج: (نجنج إذا حرّك وقلب، وتنجنج: تحيَّر واضطرب) .
فـ (نَجَّ) إذاً لا يعني ظهر ولا برز، كما تراءى للمؤلف، وإنما يعني تحرّك واضطرب وسال وجرى وعدا، هذا معناه وهذه وجهته. ونجنجه حركه وقلبه. فكيف يكون (نج) هذا مضاداً لـ (جنَّ) الذي يعني (الستر) أو جارياً في عكس وجهته؟
ولا شك أن باب الأمر في هذا تحقيق أصل المعنى ووجهته، لا ما بدا منه وسنح أول وهلة. أو ليس حد الأصل أن يتأتى رد الفرع إليه؟ فإذا كان أصل المعنى في (نج) برز وظهر، كما ذهب إليه المؤلف، فهل يتسنى أن تعزو إليه (نجَّ: أسرع فهو نجوج، ونجنج إذا حرّك وقلَّب، وتنجنج إذا تحيَّر واضطرب) ؟
أقول هذا إذا تذرعنا باستقراء معاني كل من (جنّ) و (نجَّ) . فإذا عجنا بوسيلة أخرى هي (التحليل) فحاولنا تدبر المعنى الذي يمكن أن يكون عليه من اللفظين بالعودة إلى حرفيهما ومراعاة موقع كل من صاحبه، خلصنا إلى ما وراء الدلالة التي عزيت إليهما. ولكن لا بد هاهنا من التعويل على (الحدس) والحدس كما لا يخفى أول الكشف، والسبيل إليه.
فإذا توسلنا بالتحليل القائم على الحدس (وحدسُنا هذا مسنون لا عبث فيه ولا رجم) كان لا مناص من معرفة الدلالة الأولى للجيم والنون، وما يترتب على تعاقب هاتين الدلالتين في تأليف معنى اللفظ.
стр. 578
أما (الجيم) فيبدو أنها تعني (التحرك) كما يتضح من (أجّ وبجّ وحجّ ودجّ ورجّ وزجّ وضجّ وعجّ ومجّ ونجّ وهجّ) ٢.
وأما (النون) فتدل على الستر والخبء والتطامن والضعف، كما يتضح ذلك من (أن وجن وحن ودن وذن ورن وشنّ وصنّ وضن وظن وغن وكن ومن وهن) ٣.
وسترى أن الحرف الثاني، المشدد، هو الذي يطغى على معنى اللفظ، وإن شف هذا المعنى عن دلالة الحرفين جميعاً، ومن ثم أتينا للاستدلال على معنى الجيم بما انتهى من المضاعف بهذا الحرف، وعلى النون بما ختم من المضاعف بالنون.
فمعنى (جن) على هذا أن شيئاً متحركاً قد اختبأ واستتر، وهو واضح في معنى (الجنين) و (الجنّ) ، ومعنى (نجّ) أن شيئاً مخبوءاً مستوراً قد تحرك، وهذا جلي في قولك (نجت القرحة) إذا سالت بصديدها أو دمها. وليس معنى كل من اللفظين مناقضاً لمعنى الآخر، وإنما اختلف تعاقب دلالتي المحرفين في كل منهما، فسبق في (جن) الشيء المتحرك وتبعه ما دل على أنه مخبوء وطغى (الخبء) على معنى اللفظ، كما تقدم في (نجّ) الشيء المخبوء وتبعه ما دلّ على أنه متحرّك، وغلب التحرك على معناه.
ولكن هل يتأتى أن يكون المقلوب مضاداً للمقلوب عنه؟ أقول يتراءى هذا إذا تألف اللفظ المضاعف من حرفين يدل كل منهما على نقيض الآخر أو نحو منه. فالراء مثلاً يدل على اليسر والجري، والدال تدل على تشدد وتمنع وحيلولة. فقولك (درّ) يدل على أن شيئاً متمنعاً قد استيسر وجرى، وقد جعل المؤلف له معنى (العطاء) . و (ردّ) يدل على شيء جارِ مستيسر، حال ما اعترض جريه واستيساره، وقد جعل له المؤلف معنى (المنع) . ولكن هل يعني هذا أن (ردّ) في نقيض (درّ) في كل حال، كما تراءى للمؤلف؟
أقول لا، إذ ليس في قولك (رددت الأمانة إلى أهلها، أو رددت الأمر إلى نصابه) منع أو استعصاء، وإنما ثمة حيلولة دون بقاء الأمانة في غير أهلها، والأمر في غير نصابه. فلا وجه إذاً لإطلاق التضاد بين اللفظين ولو تضاد في الدلالة حرفاهما.
стр. 579
أما قولنا إن الدال تدل على التشدد والتمنع والحيلولة فذلك معنى جدّ وسدّ وصدّ وكدّ وندّ.. وأما أن الراء تدل على الجري والاستيسار فذلك معنى برّ وترَ وثرّ وكرّ وجرّ ومرّ ...
ومثال آخر هو (لفّ وفلّ) . فقد جاء في المقاييس (اللام والفاء أصل صحيح يدلّ على تلوّي شيء على شيء، يقال لففت الشيء بالشيء) . وفي الأفعال لابن القوطية: (ولففت الثوب وغيره لفاً جمعته) . فاللف في الأصل أن يُضم بعض الشيء إلى بعض أو يضم بشيء آخر. ففي الأساس: (لف الثوب وغيره، ولف الشيء في ثوبه) .
وإذا كان (اللف) ضم الشيء بعضه إلى بعض وطيَّه، فأي معنى يتجه في عكسه أو يقال في ضده؟ أو ليس (نشر الشيء وبسطه) ؟ ففي مفردات الراغب (قال تعالى جئنا بكم لفيفاً أي منضماً بعضكم إلى بعض.. وقوله وجنات ألفافاً أي التف بعضها ببعض) . وفيه (نشر الثوب والصحيفة والنعمة والحديث: بسطها) ، ومنه البساط. وفي الأفعال لابن القوطية: (نشرت الثوب تقصت طيه) ، ولعلّ الصحيح: نقضت بالضاد.
قال المؤلف: (ولو نظرت إلى لفظ، فلّ الشيء، التي تعني أن الشيء يكون ملفوفاً فتفلَّه، وتأملت في عكسها، لفّ، التي تشير إلى أن الشيء كان مغلولاً فلففته، ترى أن وجودهما كامن في الاتجاه/ ٧٤) .
أقول قد تتذرع بتأويل فتقول لففت الشيء بعد فلَّه، وأن تعني باللف أن تضم بعضه إلى بعض ضماً شديداً يقارب بين طرفيه، وتتسع أيضاً فتقول فللت الشيء بعد لفه فيباعد الفلّ بين طرفيه وينتقض اللف، ولكن هل هذا هو الأصل في معنى كل منهما ووجهته، وإنما ينقض (اللف) ويجري منه مجرى الضد النشر والبسط، وينقض (الفلّ) ويقع منه موقع العكس الجبر والرأب واللأم.
стр. 580
وإذا عدنا إلى التحليل وكشفنا عما وراء (فلّ) و (لفّ) ، استبان أن (الفاء) ، يدل على رقة واستدارة، كما هو معنى (حفّ وزفّ ورفّ وشفّ وكفّ ولفّ وهفّ) ٤. وأن اللام يدل على كسر وضعف ونحو ذلك، كما هو معنى (أل وتل وجلّ وحلّ وزلّ..) ٥، فإذا صحَّ هذا كان معنى (فلّ) أن شيئاً رقَّ واستدار، أصابه كسر، ومن ثم قال الجوهري (الفل واحد فلول السيف) وقال ابن القوطية (فللت حدّ السيف) ونحو ذلك ما جاء في المظان، ومعنى (لفّ) أن شيئاً كسر أو وهن فاستدار به شيء آخر، وهو ما يعنيه اللف. ولا يخفى أن الغلبة في معنى كل من اللفظين للحرف الثاني فعليه المعوّل، ومن ثم كان النص فلّ إذا كسر، ولفّ إذا استدار شيء بآخر وضمه، وليس أحدهما نقيض الآخر.
١١-أيقع الترادف في الثنائي بين المقلوب والمقلوب عنه
أقول يقع الترادف أو نحو منه في الثنائي بين المقلوب والمقلوب منه، كقولك جشه وشجه، وتله ولته، وصرّه ورصَّه، وقدّه ودقّه، ومثَّه وثمَّه.. وقد ترصدت ذلك فألفيت أنه يغلب فيما كان (الباء) أحد حرفيه نحو (كبَّه وبكَّه، ولبّ وبلّ، وتبّ وبتّ، وجبّ وبجّ، وقبّ وبقّ، وصبّ وبصّ، وضبّ وبضّ، وربّ وبرّ، وسبّ وبسّ، وشبّ وبشّ، وعبّ وبعّ، وغبّ وبغّ، وهبّ وبهّ) .
أما علَّة الترادف أو التوارد عامة فقد يكون تقارب معنى الحرفين في الثنائي، وأما سببه فيما كان أحد حرفيه هو الباء، فهو أن الباء ترد لاستيفاء المعنى واستتمامه. وقد فرق لي ذلك بالاستقراء، وأشار إليه الشيخ العلايلي بقوله (الباء يدل على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تاماً/ ٢١٠) . ولعلّ الذي يوحي بذلك قولهم (يقال للشاب الممتلئ البدن نعمة وشباباً: ببَّة) قاله ابن الأثير في النهاية، وقولهم: (كل شيء ينبت على وجه الأرض فهو الأبّ) ، قاله عطاء، وحكاه اللسان.
стр. 581
أما دليل الترادف أو التوارد في الثنائي ومقلوبه إذا كان أحد حرفيهما (الباء) فهو ما سقناه من ذلك آنفاً. فكبَّه قلبه وبكَّه مزقه، ولبّ أقام وبلّ المكان لزمه، وتبّ وبتّ بمعنى قطع وهكذا جب وبج وقب وبق، وصب الماء أراقه وبص الماء سال وجرى، وضب الدم سال وبض الماء رشح، وربه أصلحه وبرّه صدقه وأحسن عشرته، وسب قطع وبسّ فرق، وشب الغلام إذا نما وارتفع وشبت النار اتقدت وبشّ به أقبل عليه وبش بخير أعطى، وعبّ شرب من غير مصٍّ وبعّ صبّ في سَعة، وكذلك غبّ وبغّ، وهبت الريح نشطت وبهّ نبل ونبه) .
وقد يجيب مؤلف (جدلية الحرف العربي) عن هذا بقوله: إن (عبّ) في عكس اتجاه (بعّ) فالأول (شرب) فهو أخذ، والثاني (صبّ) فهو عطاء، وكذلك (غبّ) و (بغّ) و (صبه إذا أراقه) و (بصّ) إذا رشح، ففي الأول (سَرف) وفي الثاني (قصد) ، وهما متعاكسان، وكذلك ضبّ وبض.
على أنه إذا صح هذا بتأويل، فأي تأويل يمكن أن يسلك ما جاء من ذلك على معنى، في زمرة الأضداد.
ولا يظن ظان أننا استطعنا بما تذرّعنا به أن نحسم المسألة فنقع على معنى الثنائي ومقلوبه كلما اهتدينا إلى دلالة حرفية، فالأمر صعب الممارسة عزيز المنال. فإذا كان (لبّ) ، مثلاً، قد وافق (بلّ) في واحد من معانيه وهو (الإقامة والملازمة) فقد غايره فيما عدا ذلك. ففي (الألباب) مواجهة، وفي (التلبب) تحزّم وتشمُّر. أما في (البلّ) فثمة، غير الملازمة، نداوة وتواصل ورزق وشفاء وعافية. وتتشعب وجوه القول في تدرج المعاني. وليس في هذا ما يثبت أن (اللام) إنما تفيد (الكسر والضعف) كما تجلَّى لنا في شواهد سابقة، على أنه أجدر بمن رام أن يقضي من الأمر نهمته أن يحتمل الكلفة في موالاة البحث ويركب البلوى في اقتحامه، فلا يعتاقه عن بغيته كدّ، أو يحبسه عن لبانته صبر أو نصب.
١٢-موقع دلالة الثلاثي من مقلوبه
стр. 582
قال مؤلف (جدلية الحرف العربي) في تحقيق مذهبه (فضدّ – غلف – هو: فلغ الكامن فيه، وعكس الحروف تأتي بعكس المعنى دائماً، وأن المؤشر يتضمن في داخله المؤشر بحكم الضرورة) ، وأردف: (والتغلف تستر والتفلُّغ – تفتح وتشقق، فالتضاد في الاتجاه مؤذن بالتضاد في المعنى، كما أوضحنا نتائج التجربة/ ٤) .
والجواب عن ذلك أننا إذا تجاوزنا في القول الجانب الفلسفي، ألفينا في الحكم بتضاد اللفظين تكلفاً. فـ (غلف) الشيء غطاه وغشاه، و (فلغ) رأسه شجه، وليس الشج والتغطية، أو الشق والتغشية ضدين في معنى أو اتجاه، إلا بتأويل. وما يقال في (لفّ) و (فلّ) يُقال في (غلف) و (فلغ) قائم على دلالة (لف) ، كما يقوم (فلغ) على دلالة (فل) . وقد زيد (الغين) في أول الثنائي تارة وفي آخره تارة أخرى. ودلالة الغين في الغالب (الغيبة والخفاء) ، كما هو الحال في (غاب وغار وغاض وغال وغام، وغمد وغمر..، وغرب وغرز، وغلف وغلق..) .
ويعلم المؤلف أن الباحثين قد سلكوا (فلغ) في طائفة من الألفاظ اتفق في تركيبها أول أحرف اللفظ وثانيها (أي فاؤه وعينه) واختلف الثالث (أي لامه) ، فقالوا: (فلج وفلح وفلع وفلغ وفلق وفلّ..) وقد تضمنت معنى الشق. وأشار إلى هذا الزمخشري في كشافه في تفسير قوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون ((البقرة/٥) .
فللمؤلف أن يأتي لكل فعل مما ذكرنا بمقلوبه ويقيم البرهان على أنه في عكس وجهته أو معناه. فهل في اللغة أن (جلف وحلف وقلف..) مثلاً تعاكس معنى (شقّ) وفي المثل: إن دواء (الشق) أن تحوصه. والحواص الخياطة والتضييق بين الشيئين. وأتوا من هذا القبيل بـ (فرث وفرج وفرد وفرّ وفرز وفرش وفرص..) فقالوا إنها تدل على (الفصل والفرق) ، فهل جاء في الأمهات أن (جرف ورفّ وزرف وشرف وصرف) . وهي مقاليب تلك، في معنى أو وجهة تعاكس (الفصل والفرق) ؟
стр. 583
أقول اجتهد المؤلف في أن يجعل (صرف) ضد (فرص) فهل بلغ غايته وعاد بمصداق مقالته؟ قال المؤلف (ص/ ٨٦) : (حين ينصرف لفظ الفرصة في شكله العام لمعنى – الشقّ – الذي يستهدف فتح طريق ما، يقابله لفظ – صرف – الذي يعني وجود ما يمنع السير في هذا الطريق. وهذا التضاد بمثابة إشارة تعلن أنه سالك أو غير سالك وكأن الإشارة تقول هناك فرصة، أو هناك ما يصرف عن السير) . وأردف (ومعاني كل من اللفظين تضاد معاني الآخر في الأكثر، وتتشابه في الأقل. أما التضاد فمن طبيعة اللفظين القائمة على اختلاف الوجهتين. أما التشابه فمن الحروف الواحدة فيهما) .
ذهب المؤلف إلى أن المعنى اللازم (للفرصة) هو الشق، وفي الشق فتح كفتح الطريق. أقول ليس في اللغة ما يسدد هذا القول من قريب أو بعيد. فالفرص إذا عنى الشق قصد به شق الجلد أو نحوه. وليس في هذا فتح كالفتح الذي عناه، بل فيه قطع واقتطاع، ففي الصحاح (وقد يكون الفرص الشق، يُقال فرصت النعل إذا خرقت أذنيها للشراك) . وفي الاشتقاق (ومنهم بنو فرّاص وهو فعّال من الفرص من قولهم فرصت النعل.. إذا شققت فيها موضع الشراك، والمفراص حديدة تفرص بها/ ٢٧٤) .
أما (الفرصة) ففسحة اقتطعت كما اقتطعت (فرصة) القطن أو الصوف. ففي المقاييس (الفاء والراء والصاد: أصل صحيح يدل على اقتطاع شيء من شيء. من ذلك الفرصة القطعة من الصوف أو القطن.. ثم يُقال للنهزة فرصة لأنها خلسة، كأنها اقتطاع شيء بعجلة..) فأين هذا كله من (الشق) الذي أراد به المؤلف الفتح فتح الطريق؟
وقال المؤلف (يقابله صرف الذي يعني وجود ما يمنع السير في هذا الطريق) ، وليس في اللغة شيء من هذا، فالصرف عودُك بالشيء أي عدلك به أو تحولك به إلى غير الوجهة التي كان فيها. فكما تقول (صرفته عن وجهته) إذا حولته عنها، فإنك تقول (صرفته إلى وجهته) إذا أطلقته إليها. ففي المصباح (صرفت الأجير والصبي: خليت سبيله) .
стр. 584
فإذا تراءى للمؤلف (المنع) في قولك (صرفته عن وجهته) فإن فيه (الإطلاق) في قولك (صرفته إلى سبيله) فهل في صرف الرجل إلى قصده أو انصرافه إلى بغيته (منع أو حبس) ؟
وأين لمنع في قولك (صرفت الدينار) إذا أخذت بدله دراهم؟ وإنما في صرف الدينار تحوّل به من حال إلى حال، وهو أصل معناه. ولا ننسَ أن (الصرف أو التصريف) قد استعمل بمعنى (الإنفاق) أيضاً، ففي المقاييس (وتصريف الدراهم في البياعات كلها: إنفاقها) . وفي المصباح (وصرفت المال أنفقته) فهل في الإنفاق غير الإطلاق وغير البسط دون القبض! وانظر إلى قول صاحب الأساس (وصرّفه في أعماله وأموره فتصرف فيها) . فصح بما ذكرنا أن (الفرص) ليس فتحاً كفتح الطريق، وأن (الصرف) ليس منعاً، وأنهما ليسا ضدين ولا متعاكسين في اتجاه.
***
ولكن كيف اتفق للمؤلف أن يرى من معاني اللفظ ومقلوبه ما لم يسنح لنا أو يخطر في بال أحد من الباحثين؟
أقول: كان المؤلف قد جرى على أن يعرض للفظ فيبسط معانيه واحداً واحداً، ويعرف لمقلوبه فينثر دلالاته واحدة واحدة، فإذا فرغ من ذلك ترصد معنى من معاني اللفظ يعاكس دلالة من دلالات المقلوب. فإذا خلص إلى هذا اعتد هذا المعنى أصلاً لمعاني اللفظ جميعاً، وهذه الدلالة أرومة لدلالات المقلوب كلها. ثم مضى بعد ذلك يتذرع بالتأويل فيستعين به على رد ما بقي من معاني اللفظ ومعاني المقلوب إلى ما اعتده هو الأصل. في كل منهما.
وقال المؤلف فيما تقدم أن (معاني كل من اللفظين تُضاد معاني الآخر في الأكثر) وليس يخلد إلى هذا بيقين كما رأيت. وأردف (وتشابه في الأقل) . وعلل ذلك فقال: (وأما التشابه فمن الحروف الواحدة فيهما) .
стр. 585
أقول: إن معنى الثلاثي لا يتعلق بدلالة حروفه وحسب وإنما يتصل بمواقع هذه الحروف بعضها من بعض، كما فصَّلنا القول فيه. وكل تقليب يغاير صاحبه في معناه بتغير مواضع حروفه. فـ (صرف) يغاير (فرص) ، ولكن قد يجمعهما جامع مشترك من دلالة، فالفرص اقتطاع وفيه فصل شيء عن أصله، والصرف عدول بالشيء عما كان فيه، ففيه فصل عن وجهته. فإذا جاء تقليب من ذلك فوافق (صرف) أو (فرص) في معناه من كل وجه، فقد جاء على غير الأصل، وقد يكون مقلوباً من أحدهما. إذ جاء (الرفصة) فعلاً بمعنى (الفرصة) . قال الجوهري: (الرفصة الماء يكون نوبة بين القوم، وهو قلب الفرصة، وهم يترافصون الماء، أي يتناوبونه) . وفي اللسان: (وترافصوا على الماء مثل تفارصوا) .
فإذا اتحد بين ثلاثيني أو أكثر الحرفان الأولان واتفق ترتيبهما تقارب المعنى، وقد مثلنا لذلك آنفاً. وثبت بهذا أن الثنائي يؤلف جنس المعنى في هذا المزيد.
وذهب الجزائري في حاشيته على خطبة الكافي أن الثنائي إذا كان في أول الثلاثي كان هذا أدعى إلى التقارب من أن يكون في آخره. فإذا فصل بين حرفي الثنائي فقد آذن هذا ببدء التباعد. قال الجزائري: (فإن التقارب بين كن وكند وكنز.. أبين من التقارب بين ركن وزكن وسكن.. والتقارب في هذه أبين من التقارب بين كمن وكان وكهن.. وإن كانت هذه الكلمات كلها متقاربة لوجود الكاف والنون فيها جميعاً. غير أن الأخيرة قد فصل فيها بين الحرفين حرف أجنبي بخلاف الأولى والثانية) .
وقد أشرنا قبل أن الثنائي الذي عليه مدار المعنى، إنما يُعرف باتحاد حرفيه واتفاق ترتيبهما، وموقعه من الحرف المزيد. وإذا كان حلول الثنائي في صدر ثلاثيين أدعى إلى تقارب المعنى في اللفظين فذلك لأنه يؤلف معناهما المشترك، فإذا ذيِّل بالحرف المزيد كان ذلك قيداً له، كما أسلفنا. وليس الأمر كذلك إذا تقدم المزيد وتأخر الثنائي أو حال المزيد بين حرفي الثنائي.
стр. 586
وقد أتى الجزائري بـ (كنّ وكند وكنز وكنس وكنع وكنف..) فكنّ الشيء وأكنَّه ستره، وأستكن استتر، وكند إذا كفر النعمة فهو كنود، وأصل الكفر تغطية الشيء، وكنز المال المدفون واكتنزه جمعه وادّخره، وكنس الظبي كنوساً دخل في كناسه، وهو مستتره في الشجر، وكنع انقبض..
***
هذا ما رأيت أن أبسط القول فيه حول الاشتقاق الكبير والقلب وما يتصل بهما أو يتشعب عنهما.
وإذا كنت قد ملت إلى الإسهاب حيناً فقد قادني إليه تشعب مذاهب البحث واختلافها في قبول الرأي وردّه، وإني أكتب للمشتغلين الذين انقطعوا للبحث وأقاموا عليه أو كادوا، فباتوا يلتمسون فيه بغيتهم فيتلطفون لها ويسلكون إليها كل سبيل، فهم لا يتخففون في تحصيلها أو يدّخرون سعياً دون بلوغها وإدراكها.
١: أغرب إذا أبعد المرمى، ومنه قولهم: (طارت به عنقاء مُغرب) .
٢ -فـ (أج) عدا وأسرع، ورجل بجباج: اضطرب لحمه، وحج بنو فلان فلاناً إذا طالوا في الاختلاف إليه: والحجوج الرياح الشديدة، ودج القوم على الأرض: دبوا، ورجه رجاً حركه وزلزله، وزج الظليم برجله في جريه: دفع، وضجّ القوم إذا جلبوا وصاحوا، وأعجت الريح اشتدت وأعج الرجل أسرع، ومج التراب إذا رمى به، ونجت القرحة سالت ونجنجت الرجل حركته، وهجت النار هجا سمعت صوت استعارها.
٣ -فـ (أن) المريض إذا رقق صوته، وجننت الشيء واريته، ورجل محنون مجنون، من الحن وهم حي من الجن، والخنة كالغنة، والدنن في الظهر انحناء وفي العنق والصدر دنو وتطاطؤ وتطامن، والدن الراقود يجمع ويخبأ فيه السائل، والرنة الصيحة الحزينة والرنن الماء القليل، والزن الظن روزن الماء قل والزنين الحاقن الذي حبس بوله، واستشن الرجل هزل، والصن شبه السلة المطبقة بجعل فيه الخبز، والضن البخل، والظن معروف والظنون البئر القليلة الماء، والغنة صوت في الخيشوم، والكن السترة والكنان الغطاء، ورجل منين ضعيف منّه الدَّهر، وهن هنا حن
стр. 587
٤ -فـ (حف إذا طاف بالشيء واستدار، والزف صغار ريش النعام، والزفف كون زغب الطائر ملتفاً بعضه على بعض، ورف الناس به أحدقوا، والشف ستر رقيق يستشف ما وراءه، وكفة القميص ما يضم ما استدار حول الذيل، وكل ما استدار فهو كفة بالكسر، وكفاف الشيء ستارة، واللف تلوي شيء على شيء، والهف بالكسر السحاب الرقيق وهفهاف: رقيق شفاف) .
٥ - فـ (آله طعنه وثل البيت هدمه، وتجلجلت قواعد البيت تضعضعت، والخلل الوهن وكذلك الاختلال، وذل ضعف وخضع، وزل تعثر، وشلَّهم بالسيف كسرهم) .
стр. 588
الاشتقاق
في اللغة فصول تشابكت أواصرها وتوشجت عراها، وكأن بينها رحماً ماسَّة.
فأنت إذا عرضت لمسألة في أحدها أصارتك الحاجة إلى أن تذكي العين على ما يتصل بها من البحث في فصول من دوحتها، فتجعله منك على بال وذكر، ليبرح به خفاء ما عرضت له فينزاح غموضه وتحل رموزه.
من هذه الفصول فصل عقدته في هذه المجلة حول (نشوء اللغات) وآخر عقدته فيها حول (تدرج المعاني) . وهذا فصل في (الاشتقاق) يناط بهما ويُنْمَى إليهما. فإذا انتظم عقد هذه الفصول، وقد اشتبكت أسبابها وتمكنت أواصيها، كان بعضها ذريعة إلى جلاء ما قد يستغلق في بعضها الآخر، وسلّماً إلى فك مشكله، وسبباً إلى إيضاح منهاجه واستبانة وجهه.
وأنت إذا تأملت فصلنا هذا في (الاشتقاق) عرفت قرابة ما بينه وبين الفصلين السابقين. في غير كلفة أو عسر أو عناء.
***ذهب الأئمة إلى أنه لا بد للكلم في كل مادة لغوية أن يشتق بعضها من بعض فترد إلى جنس من المعنى يعد أصلاً لما يشتق منها جميعاً. فالاشتقاق نزع لفظ من لفظ، ولو مجازاً، بشرط مناسبتهما في المعنى، واتفاقهما في الحروف الأصلية وترتيبها، ومغايرتهما في الصيغة حقيقة أو تقديراً. وهكذا تشترك مفردات كل مادة لغوية في حروفها الثلاثة وترتيبها، وتلتقي على معنى يشملها. ثم يفرد كل منها بصيغة ومبنى ودلالة خاصة. وقد أسموا هذا النوع من الاشتقاق، الاشتقاق الصغير. وبحث الاشتقاق كثير من الأئمة المتقدمين كالأصمعي وقطرب وأبي الحسن الأخفش والمبرد وابن خالويه. وبرع فيه أبو بكر بن دريد في كتابه (الاشتقاق) ، وأوغل فيه أحمد ابن فارس في كتابيه (فقه اللغة) المعروف بالصاحبي، و (مقاييس اللغة) .
قال ابن فارس في فقه اللغة: (أجمع أهل اللغة، إلا من شذ عنهم، أن للغة العرب قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبداً على الستر. تقول العرب للدرع جنة.
وأجنه الليل. وهذا جنين، أي هو في بطن أمه أو مقبور. وأن الأنس من الظهور، يقولون: آنست الشيء أبصرته. وعلى هذا سائر كلام العرب، علم ذلك من علم، وجهله من جهل/ ٣٣) .
هذا وقد جعل الأئمة للاشتقاق نوعين آخرين هما الكبير والأكبر. فإذا كان شرط الاشتقاق الصغير، في مشهور التسمية، أن يكون بين اللفظين اتفاق في الحروف الأصول وترتيبها وتناسب في المعنى كضرب وضارب ومضروب من الضرب، فشرط الاشتقاق الكبير أن يكون بين اللفظين أو الألفاظ اتفاق في الحروف دون ترتيبها، ككمل وملك ولكم، أما الاشتقاق الأكبر فحده أن يكون بين اللفظين أو الألفاظ اتفاق في بعض الحروف وتقارب في الباقي.
وقد جعلوا التقارب في مخرج الحروف خاصة وفي صفتها، كجبل وجبر، وحلف وحرف، وحمس وحمش. ومنهم من أسقط ما شرطوه من التقارب فمثلوا له بفلق وفلى، ورصَّ ورصف.
стр. 589
وتردُّ فكرة الاشتقاق الكبير إلى الإمام الخليل بن أحمد وقد بحثه أبو علي الفارسي واتسع فيه تلميذه أبو الفتح ابن جني صاحب الخصائص، وتبعهما في ذلك الحاتمي، والسكاكي صاحب المفتاح، وابن الأثير صاحب المثل السائر، وقد عرض هؤلاء للاشتقاق الأكبر وافتن فيه الحاتمي خاصة.
وقد قصرنا الكلام في فصلنا هذا على الاشتقاق الصغير، وهو ما يراد بالاشتقاق عند الإطلاق. وإليه تنتهي شعاب البحث عامة، وهو أصله وأرومته ومورده. فلا بد إذاً من إحصاء مسائله وجمع أشتاته واستقراء دقائقه في هذا الفصل، والاستصباح بضوء ذلك في خوض عباب الاشتقاق الكبير والاشتقاق الأكبر والغوص على أسرارهما في فصل آت، إن شاء الله.
هذا وأجدر ما ينبغي أن نجري الكلام فيه من مسائل الاشتقاق الصغير، وأحرى أن نستنفد بعض الوسع في بحثه:
١-ما يطرد اشتقاقه فيكون على قياس، وما لا يطرد فيعول فيه على السماع.
٢-اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان.
٣-الاشتقاق من اسم العين المشتق أيجري على لفظ المشتق أم يبني على أصله.
٤-أوجه القولين وأسلمهما من النقد، في اشتقاق الفعل من المصدر أو المصدر من الفعل.
٥-ما يعترض رد المادة اللغوية إلى أصل واحد أو يحول دون الاهتداء إليه.
٦-الحكم في أصل اللفظ أعربي هو أم دخيل.
٧-اشتقاق العربي من المعرّب.
وقصارانا أن نجمع اليدين على تمحيص كل مسألة من هذه المسائل فنبلو أمرها ونخبر حالها ونخلص من بحثها ونحن أبصر بدخائلها وأعلم بمطاويها.
وحسبنا في ذلك أن نقتصر على قدر ما نري به الطريقة ونقف على المنهاج، وإلا فللقول في ذلك مجال واسع ومذهب فسيح. فإذا سمت بالقارئ همة إلى ما وراء ذلك أو نازعته رغبة، اقتفى فيه هذا الأثر فوجد السبيل مسلوكاً والطريق موطأ فسعى سعيه إلى الاستزادة لتكتمل في ذلك آلته وتجتمع أداته.
١-ما يطَّرد اشتقاقه وما لا يطَّرد
стр. 590
المشتق قد يطرد اشتقاقه كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل وظرفي الزمان والمكان واسم الآلة. وقد لا يطرد كالقارورة فإنها مشتقة من القرار.
هذا ما جاء في (كشاف اصطلاحات الفنون- ١/٨٤٥) للتهانوي. وعندي أن ما قصده التهانوي بنصه على إطراد الاشتقاق في الصفة المشبهة، هو غلبة الاشتقاق في بعض صيغها من أفعال لازمة مخصوصة. وإلا فليس لنا أن نأتي بوصف على فَعْل أو فَعَل أو فَعْلان أو أفعل مثلاً، دون أن يكون قد سمع عن العرب.
وكل ما أطلقوا القياس فيه هو العدول بالصفة المشبهة إلى صيغة (فاعل) ، كلما أريد بها التجدد والحدوث كقولك حاسن في حسن وعاف في عفيف ومائت في ميت وضائق في ضيق، ومارض وجائد في مريض وجواد، كما فصله الزمخشري في المفصل، والرضي في شرح الشافية.
وذهب بعضهم إلى قياس (فعيل) صفة مشبهة كما أشار إليه الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (القياس) وعقب على ذلك فقال: (وينبغي أن يقيد هذا المذهب بالمعاني التي يُراد منها الثبوت ولم يدر كيف تكلم فيها العرب بالاسم الدال على الذات وصفتها. وبهذا المذهب تستوفي الأفعال صفاتها المشبهة) . قلت على أن يشتق فعيل هذا من (فَعُلَ) . فقد استدُلَّ بـ (حبيب) صفة مشبهة على أن فعله (حَبُبَ) فقال ابن يعيش في شرح المفصل (وفعيل بابه فعُل كظريف من ظرف وكريم من كرُم) وقال الرضي (الغالب في فَعُل: فعيل) .
ويعني هذا أنه كلما جاء (فَعُلَ) فالأصل في صفته، ما لم تسمع، (فعيل) .
والأصل في (فعيل) أن يكون فعله، ما لم يسمع، (فعل) ككرم.
стр. 591
وذهب أبو البقاء صاحب الكليات إلى ما وراء ذلك فقال (الصفة المشبهة تجيء أبداً من لازم فإذا أريد اشتقاقها من المتعدي يجعل لازماً بمنزلة فعل الغريزة وذلك بالنقل إلى –فعل، بالضم، ثم يشتق منه، كما في رحيم وفقير ورفيع/٢٢٠) . وجاء في عدد نيسان (١٩٥٥) من مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلة مجمع اللغة العربية) عما أقره المجمع القاهري في مؤتمره: (كان الأستاذ أنيس المقدسي عضو المجمع من لبنان، طلب إضافة كلمة –الرتابة- إلى المعجم بمعنى الثبات والاستقرار والاستمرار فيما يقابل التعبير العصري: روتين. وقد رأت لجنة الأصول جواز استعمال هذه الصيغة، بناء على جواز تحويل كل فعل لإفادة المدح أو الذم أو الالتحاق بالغرائز. وعلى هذا يكون –الرتابة- مصدراً قياسياً لفَعُل، طوعاً لقرار المجمع في تكملة مادة لغوية. وبعد المناقشة أقر المؤتمر الاقتراح المعروض عليه) . وإذا كان هناك من ذهب إلى قياس فعيل بمعنى فاعل، فقد أقر بعضهم قياس فعيل من متعد بمعنى المفعول.
قال السيوطي في الهمع: (فورد المفعول على فَعَل وعلى فَعْل.. وعلى فعيل كقتيل وصريع. وقاسه بعضهم، أي قاس فعيلاً- فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل، نقله في التسهيل.. والقيد المذكور للقياس نبه عليه أبو حيان، ولا بد منه) .
وقد أخذ المجمع القاهري بهذا، والرأي في ذلك وجيه على أن (فعيلاً) هذا ليس صفة مشبهة.
واشتقاق صيغ المبالغة لاسم الفاعل من الفعل المتعدي الثلاثي، لا يطرد في الأصل. على أن من الأئمة من ذهب إلى قياسه في خمسة أوزان هي: فعّال ومفعال وفعول وفعيل وفَعِل. تقول ضراب ومضراب وضروب وضريب وضرِب. أو في الثلاثة الأولى وحدها. جاء ذلك عن الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدنوشري الشافعي في حواشي (يس) على التصريح. وليس هنا موضع تفصيل القول فيه. وكثر القول بصحة القياس في (فعّال) خاصة فأخذ به مجمع اللغة العربية القاهري.
стр. 592
وقد كثر اشتقاق (المفعلة) من أسماء الأعيان للمكان الذي يكثر فيه العين، كقولهم: أرض مأسدة ومسبعة ومثورة إذا كثر فيها الأسد أو السبع أو الثور. وظاهر كلام سيبويه في الكتاب (٢/ ٢٤٩) الأخذ بقياسه. وقال ابن سيدة في المخصص (١٦/٧٤) : (ومكان موعلة كثير الوعول، ومغدرة كثير الغدر، وهي الوعول المسنة، مطرد عند أبي الحسن) . وقد أخذ المجمع القاهري بقياسه فقال في مجلته (٢/٣٥) : (تصاغ مفعلة قياساً من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان سواء أكانت من الحيوان أم من النبات أم من الجماد) .
***
وإذا عرضنا للمزيد من الثلاثي كأفعل وفعّل وفاعل وتفاعل وانفعل وافتعل وتفعل واستفعل فقد خص أئمة الصرف كلاً بدلالات لكنهم كادوا يجمعون على أنها لا تطرد.
وقد استثنى بعضهم (أفعل) فذهب إلى أن دخول الهمزة على (فعل) اللازم ليتعدى إلى مفعول، قياس كسهر وأسهره. فإذا كان متعدياً إلى واحد فدخول الهمزة عليه سماع نحو لبس الثوب وألبسه إياه. ومنهم من جعل هذا قياساً أيضاً. بل ذهب الأخفش إلى قياس دخول الهمزة على المتعدي إلى اثنين لتعديته إلى ثلاثة.
وإذا كان الرضي قد قال في شرح الشافية (١/٨١) : (فليس لك أن تقول من ظرف أظرف) فقد قال ابن هشام في المغني (٢/١١٣) : (وقيل النقل بالهمزة سماعي. وقيل قياسي في القاصر والمتعدي إلى واحد. والحق أنه قياسي في القاصر وسماعي في غيره، وهو ظاهر مذهب سيبويه) . والقاصر هو اللازم. وقد أقر المجمع القاهري تعدية اللازم بالهمزة.
ومن قبيل ما عدّاه الكتاب بهمزة النقل (أضفى) . فأنت تقول (سبغ) و (ضفا) بمعنى تم وطال فعلين لازمين. ومنه ثوب سابغ ضاف. ونعمة سابغة ضافية. وتقول (أسبغه) على التعدي، ولا تقول (أضفاه) كما اشتهر على ألسنة الكتاب إلا أن تقر القياس في إدخال الهمزة للنقل، لأن السماع لم يرد به.
стр. 593
والغريب أن الأستاذ محمد العدناني قد ذهب في معجمه (الأخطاء الشائعة) إلى عيب قول القائل (أضفى عليه جلالاً) وجعل صوابه (أكسبه جلالاً) . والطريف حقاً أن الكثرة على إنكار (أكسبه) في السماع أيضاً. قال الزمخشري في الأساس: (وكسب المال.. وكسبته مالاً فكسبه.. ولا يقال أكسبته) . وقال صاحب المصباح: (كلهم يقول كسبك فلان خيراً إلا ابن الأعرابي فإنه يقول أكسبك بالألف) . وهكذا ينكر العدناني (أضفاه) قياساً، وقد أقر في مقدمة معجمه هذا القياس.
وقد ذهب بعضهم إلى قياس (انفعل) لإفادة المطاوعة فاشترط مجيئه من فعل ثلاثي متعد يتصور فيه العلاج والتأثير نحو فتحته فانفتح وقسته فانقاس. وأخذ بهذا المجمع القاهري، وشرط ألا يكون فاء الفعل واواً أو لاماً أو نوناً أو راء، وإلا كان القياس فيه افتعل.. واعترض الشيخ ظاهر خير الله في (المنهاج السوي) فقال (ولا نجد بني الحصن فانبنى، مع ما فيه من العلاج) ، كما اعترض الدكتور مصطفى جواد فأبى (المطاوعة) أصلاً. وقال في كتابه (المباحث اللغوية في العراق) : (أما انفعل وما جرى مجراه من الأفعال المزعوم أنها للمطاوعة فهي في الحقيقة لرغبة الفاعل في الفعل أو ميله الطبيعي أو شبه ميله إليه، من غير تأثير من الخارج) وأردف: (ولذلك لا يقتصر الفعل على المتعدي ولا يكون له صلة بالثلاثي أحياناً، مثل: انكدر. وفي القرآن الكريم في سورة التكوير: ... وإذا النجوم انكدرت.. ومعنى انكدرت انقضت، ومعنى الانكدار الإسراع والانقضاض، ولا ثلاثي له..) . وهو فيما مثّل به سديد الرأي. فليس كل ما أتى من هذه الزنة كان بالضرورة مطاوعاً لمتعد ثلاثي، بل ليس لكل متعد ثلاثي ذي علاج مطاوع من (انفعل) . فأنت تقول داسه ولا تقول انداس وتقول ضربه وجرحه وذبحه ولا تقول انضرب وانجرح وانذبح. ولا بد للقياس من ضابط جامع مانع كما يقولون.
стр. 594
ولا خلاف في أن (افتعل) سماعي. فليس لك أن تصوغ (افتعل) من فعل مجرد وتأتي به على ما يوافق هذا الفعل تعدية أو لزوماً. ما لم يرد به سماع.
ومن ثم لحنوا قول القائل (احتار) وتسمح به بعض المحدثين كالشيخ مصطفى الغلايني. وأبيناه نحن حين لم يسنده سماع أو يسعفه قياس معروف.
واجتهد الشيخ ظاهر في (المنهاج السوي) في وضع قياس لـ (افتعل) .
وكان مما اشترطه ضابطاً أن يكون الفعل مما يتعمده العاقل عقلاً أو إرادة. فإذا صح هذا ألزمك القياس أن تمنع (افتعل) من (حار وخشي) ، ومن (سقم ومرض) . إذ لا يتأتى أن يتعمد العاقل فعل هذه الأفعال عادة.
ومما ينبغي استدراكه على هذا الضابط التنبيه على أن القصد بمعنى الفعل دلالته الأصلية، لا ما تشعب عنها أو تفرع عليها. فإذا سأل سائل كيف امتنع (افتعل) من (مرض) وجاء من (عل) فقيل (اعتل) ، أجيب بأن لـ (عل) دلالات ثلاثاً هي التكرار والمتابعة، ثم العائق يشغل صاحبه عن أمره، ثم الضعف والمرض، كما فصَّله صاحب المقاييس. ولكن أي هذه الدلالات الجذر والأرومة؟
جعل الجوهري في صحاحه التكرار والمتابعة الأصل، فقال: (التعليل سقي بعد سقي وجني الثمرة مرة بعد أخرى، وعل الضارب المضروب إذا تابع عليه الضرب) . وأردف: (والعلة المرض وحدث يشغل صاحبه عن وجهه، كأن تلك العلة صارت شغلاً ثانياً منعه عن شغله الأول) وتابع قوله: (واعتل عليه بعد إذا اعتاقه عن أمر) . فإذا اطمأن الأمر على هذا، وكان المعنى الأول هو التكرار والمتابعة، لم يتوجه على الضابط الذي أتى به الشيخ عيب أو نقد.
وأورد الشيخ لاشتقاق (افتعل) ضوابط أخرى، لا يتسع المقام لبسطها. ولا مناص من استقصاء البحث فيها ليقطع في المسألة بيقين حازم.
***
стр. 595
غير أن ابن فارس لم يجز في هذا قياساً لم يقسه العرب، ولا قولاً لم يقولوه. وفي ذلك حجر للغة عن التوالد والاتساع، وقصر لخطاها عن المضي في المؤاتاة والنماء. فإذا كان علماء الصرف قد آثروا الاستمساك بالوضع رعاية للأصل وتعلقاً به وحياطة له، كما فعل ابن فارس، فقد يتفق أن يقتاد الاستقرار إلى قياس لم ينبه عليه الأئمة كما أسلفنا، أو يتفق أن تتجاوز ملكة الأدباء المتمكنين هذا الحد بعفو الخاطر كلما ألجأت إلى ذلك حاجة في الاستعمال أو دفعت إليه قوة الأداء فتصطفي اللفظ الذي يقع موقعه المرتجى ويصير إلى مستقره المطمئن. والقريحة المطبوعة إنما تتدفق بمثله قصد إحكام الأداء ولو خالف الأصل المعروف. فانظر إلى ما قاله أبو محمد عبد الله بن سنان الخفاجي المتوفى (٤٦٦) هـ. في كتابه (سر الفصاحة/ ٦٢) : (وقد يكون التأليف المختار في اللفظة على جهة الاشتقاق، فيحسن أيضاً كل ذلك) . وأوضح مذهبه فقال: (ومثال لذلك مما يختار قول أبي القاسم الحسين بن علي المغربي في بعض رسائله: ورعوا هشيماً تأنفت روضه، فإن: تأنفت، كلمة لا خفاء بحسنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته) . وليس في اللغة -تأنفت- ولعل المغربي قد تصور: تنزه، فأتى بتأنف، طبعاً وسلاسة. قال ابن القوطية في كتابه (الأفعال) : (وأنفت من الشيء أنفاً وأنفة: غضبت، وأيضاً تنزهت عنه) .
وأورد الخفاجي مثالاً آخر فقال: (وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
إذا سارت الأحداج فوق نباته تفاوح مسك الغانيات ورنده
فإن تفاوح كلمة في غاية الحسن. وقد قيل إن أبا الطيب أول من نطق بها على هذا المثال، وإن وزير كافور الأخشيدي سمع شاعراً نظمها بعد أبي الطيب، فقال: (أخذتموها) .
وهكذا قبل (تأنف) من المغربي، واستحسن (تفاوح) من المتنبي، ولو لم يسمعا أو يكونا على قياس معروف، لوقوع اللفظين موقعهما المختار في الأداء، وأنهما لم يخرجا في الاشتقاق عما ألف وقالته العرب من أمثالهما في أفعال أخرى.
стр. 596
أفليس يتأتى أن يدخل هذان في قياس لو ابتغينا لصيغتيهما مثل هذا القياس، ببحث وتلطف واستقراء. هذا و (الحدج) بالكسر الحمل ومركب من مراكب النساء أيضاً وهو مثل المحفة، والجمع حدوج، وأحداج كما جاء في بيت المتنبي.
٢-اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان
جرى العرب على اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان. فإذا كان اسم العين ثلاثياً مجرداً نزع منه فعل ثلاثي يشاكله في الأحرف وترتيبها، كقولهم: رأسه إذا ضرب رأسه، وكبده ودمغه وأذنه وأنفه ونابه ومعده، إذا أصاب ما سمي بهذه الأحرف من الأعضاء، ومن ذلك رآه إذا أصاب رئته.
وقالوا: حصاه إذا ضربه بالحصى، ودبره تلا دبره، وحنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها. وأسد الرجل إذا أشبه الأسد، وتاس الجدي إذا صار كالتيس.
وقالوا عسله إذا جعل فيه العسل فعلاً أو مجازاً- ففي الحديث: (إذا أراد الله بعبد خيراً عسله) . وقال صاحب النهاية: (العْسُل طيبُ الثناء مأخوذ من العَسَل) .
وفي النهاية أيضاً: (يقال بدرَ وَجْهُ الغلامُ إذا تمَّ واستدارَ تشبيهاً بالبدر في تمامه وكماله) .
وقال الراغب في مفرداته: (.. والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلاً في الباب، ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، فيقال تارة بدر كذا أي طلع طلوع البدر) .
وإذا كان الاسم رباعياً مجرداً نزع منه فعل رباعي يماثله في الأحرف وترتيبها أيضاً كقولهم: ثعلب الرجل إذا راغ، وطحلب الماء إذا علاه الطحلب.
وإذا كان الاسم ثلاثياً أو رباعياً مزيداً حذفوا منه الزائد حتى يعود ثلاثياً أو رباعياً في مثل أحرفه الأصلية وترتيبها. فقد قيل من الثلاثي المزيد: حنأ لحيته إذا خضبها بالحناء. لكنهم قالوا: حنأها بالتشديد أيضاً. وقالوا أركت الإبل تأرك إذا لزمت الأراك. والأراك: شجر من الحمض يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة.
وقيل من الرباعي المزيد: قرطس الرامي إذا أصاب القرطاس أي الغرض.
стр. 597
على أنهم قالوا اشتقاقاً من الثلاثي أيضاً: تأسد واستأسد (من الأسد) وفي الاشتقاق لابن دريد: (تليث الرجل إذا تشبه بالليث في جرأته وإقدامه) . وفلان يتمزن على قومه أي يتفضل عليهم، من المزنة وهي السحابة.
وقالوا تأبل إذا اتخذ الإبل، وتأرض إذا لصق بالأرض، وتخشب صار كالخشب، وهكذا تحجر من الحجر واحتجر من الحجرة.
وكثر استفعل من الثلاثي كاستفيل واستنوق واستتيس واستنسر واستذأب واستجمل.
وكثر أفعل إذا دخل في الشيء كأهضب وأصحر وأسهل وأبحر وأبرّ وأغرب وأعرق.. وقد اقتاد المجمع القاهري هذه الكثرة من اشتقاق الأفعال من أسماء الأعيان إلى إجازة هذا الاشتقاق حين الحاجة. فجاء في مجلته (١/ ٢٣٦) : (اشتق العرب كثيراً من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في العلوم) .
٣-الاشتقاق من اسم العين المشتق
قالوا: (المنكب) وزان مجلس لمجمع رأس العضد والكتف، فجاء اسماً للعضو، ثم اشتق منه فقيل (تنكب القوس) إذا ألقاها على منكبه، كما قيل (تأبط الشيء) إذا جعله تحت إبطه. فـ (تنكب) بهذا المعنى دل على المنكب ولم يشتق من لفظه، وهو حين انطوى على هذه الدلالة غاير معناه في الأصل، فتنكبه يعني تجنبه.
وكما قيل من (المنكب) تنكب فدل على معناه ولم يشتق من لفظه، قيل منه (نكب) أيضاً، فجرى هذا المجرى. ففي المصباح: (ونكب على القوم نكابة بالكسر فهو منكب مثل مجلس، وهو عون العريف، مأخوذ من منكب الشخص، وهو مجتمع رأس العضد والكتف لأنه يعتمد عليه. وتنكبت القوس ألقيتها على المنكب) . وجاء (المنطقة) لما يشد على الوسط. واشتق منه فعل فقيل (نطقته فتنطق) كما في الصحاح. كما اشتق منه (تمنطق وانتطق) كما في اللسان. وهكذا اشتق (نطق وتنطق وانتطق) من المنطقة فناسب الفعل معنى المشتق ولم يوافقه لفظاً. واشتق منها (تمنطق) فناسب المشتق معنى ولفظاً.
стр. 598
وجاء (تمدرع وتمندل) من المدرعة والمنديل على تمفعل، كما جاء (تدرع وتندل) على تفعل. فاعتد الصحاح (تمفعل) شاذاً و (تفعل) هو القياس.
فدل هذا على أن الأصل في الاشتقاق من اسم العين المشتق إسقاط الزيادة. وأيد ذلك الرضي في شرح الشافية فاعتد (تمدرع وتمسكن وتمندل وتمغفر) قليل الاستعمال وأنه على توهم أصالة الميم فقال (والمشهور الفصيح تدرع وتسكن وتندل وتغفر) .
ولكن لِم آثر الأئمة (تدرع) على (تمدرع) ؟ أقول قد ورد السماع بإثبات الزيادة وهو الأصل، كما جاء بحذفها، وهو خلافه. فآثروا الأصل والقياس.
ولكن قد تكون ثمة دواع لغوية توجب مخالفة الأصل والأخذ بالاستعمال، لأن العمل بخاصة اللغة أولى من الانقياد لمنطق القياس. ومن ثم قال الباحثون في علم اللغة الحديث: قد يوجب الاستعمال في اللسان ما لا يسعه الوضع. وقد انتحى أئمة النحو هذا السمت ولم يغادروه حين قالوا (السماع يبطل القياس) .
وهو ما قاله ابن جني في (المنصف) . فإذا أجازوهما آثروا السماع على القياس.
وعندي أن قولك (تمدرع) بإثبات الزيادة أدنى إلى التعلق بالمعنى والحياطة له من قولك (تدرع) بحذفها، ولو ورد السماع بهما وكان الثاني هو الأصل.
ذلك أن الاستعمال يقتضي الأخذ بالزيادة ما دامت ذات دلالة، كلما أوقع إغفالها اللبس.
فانظر إلى ما قاله ابن جني في الخصائص (١/٢٣٦.ط-١٩١٣) : (وعليه جاء تمسكن وتمدرع وتمنطق وتمندل وتمخرق، وتمسلم أي صار مسلماً.. فتحملوا ما فيه تبقية الزائد مع الأصل في حال الاشتقاق، كل ذلك توفية للمعنى وحراسة له ودلالة عليه) . وأردف: (ألا تراهم إذا قالوا تدرع وتسكن، وإن كانت أقوى اللغتين عند أصحابنا، فقد عرضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم، أمن الدرع والسكن، أم من المدرعة والمسكنة، وكذلك بقية الباب) . وإلا فهل نؤثر (تسلم) على (تمسلم) إذا أضحى (مسلماً) ؟
стр. 599
وإذا صح أنهم حرصوا على إبقاء الزيادة رعاية للمعنى وتبييناً له ودرأ للبس كما ذهب إليه ابن جني، فقد بطل القول بأنهم فعلوه على توهم أصالة الميم كما ذكره الرضي وانتحاه كثير من الأئمة.
٤-اشتقاق الفعل من المصدر
تصور الأئمة اشتقاق الأفعال من المصادر كما قدروا انتزاعها من أسماء الأعيان، كما أوضحناه. لكنه إذا أمكن أن يرد الفعل إلى اسم العين والمصدر ردوه إلى المصدر. قال ابن جني في الخصائص (٢/٤٣٣) : (اشتقاق العرب من الجواهر قليل جداً والأكثر من المصدر) . وقال السيوطي في المزهر (١/٢٠٣-ط. المكتبة الأزهرية) : (والتاسع كون الأصل جوهراً والآخر عرضاً لا يصلح للمصدرية ولا شأنه أن يشتق منه، فإن الرد إلى الجوهر حينئذ أولى لأنه الأسبق، فإن كان مصدراً تعين الرد إليه لأن اشتقاق العرب من الجوهر قليل جداً والأكثر من المصادر) .
ولكن هل يعني ذهاب الأئمة إلى أن العربية قد اشتقت أفعالها من المصادر ما وجدت لأنها الأصل لديهم، والاشتقاق منها كثير، وإلا فمن الجواهر والاشتقاق منها قليل، أقول هل يعني ذلك أنهم قالوا بسبق المصادر، وهي أسماء للمعاني، للجواهر وهي أسماء للأعيان، في الوضع؟
هذا ما بدا للدكتور صبحي الصالح في كتابه (دراسات في فقه اللغة) ، فبيَّن أنه ليس من الطبيعي سبق أسماء المعاني أسماء الأعيان، كما ذهب إليه الأئمة، وأن الصواب هو العكس، وقال: (إن البداهة تقضي بوجود أسماء الأعيان المشاهدة المرئية التي تناولتها الحواس قبل أسماء المعاني. لذلك كانت الأعيان، هي أصل الاشتقاق دون المصادر.. كيف وقد امتلأت معاجمنا وكتبنا اللغوية بما لا يحصى من الجواهر التي تفرعت عنها الصفات والأحوال والمصادر والأفعال/١٩٩) .
والذي عندي أن الأئمة لم يقولوا بسبق أسماء المعاني أسماء الأعيان.
стр. 600
فإذا كانوا قد آثروا المصادر على الجواهر في كونها أصلاً للاشتقاق، فلم يسبق إلى اعتقادهم أن المصادر قد وضعت قبل أسماء الجواهر البتة. وهذا حالهم حين قالوا الاسم أسبق من الفعل إذا لم يَدر بخلدهم أو يقع في ظنهم أن الأسماء تقدمت الأفعال في الزمان. فانظر إلى ما قاله ابن جني (١/ ٤٣٢. ط-١٩١٣) : (فكيف يجوز أن يقصد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقاً منه، كاشتقاق قائم من قام، ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه) .
وأردف (وأيضاً فالمصدر مشتق من الجوهر كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر، وكلاهما اسم) .
فاتضح بذلك أن المصدر، وهو أصل اشتقاق الفعل عند البصريين، قد اشتق نفسه من الجوهر فالذي أراده الأئمة وعنوه إذاً أنه إذا قام للفعل مصدر وجوهر كان اشتقاقه من المصدر (فالمصدر ألصق به من حيث بناؤه وما يعتريه ويعترضه من الأتباع إبدالاً وقلباً وإعلالاً) . ولا يمنع هذا أن يكون اشتقاق المصدر نفسه من الجوهر في الأصل. ومن عمد من الأئمة إلى التعويل على (الزمان) وكان ملحظه (نشوئياً) نبه على أن (الجواهر) وهي أسماء الأعيان عند المتأخرين، هي المتقدمة، وأن (الأفعال وما يتصل بها من أسماء المعاني) هي المتأخرة. ذلك ما ذهب إليه السكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) ، حين جعل الكلم المستقرأة نوعين. الأول ما (يشهد التأمل بتقدّمه في باب الاعتبار والثاني ما جاء (بخلاف ذلك) وهو المتخلف. وقد سلك في المتقدم (الجوامد) وهي الجواهر، وسلك في المتخلف (الأفعال وما يتصل بها من الأسماء) أسماء المعاني والصفات.
وليس هذا حسب بل أكد أن أكثر ما يتصل بالأفعال من الأسماء، إنما هو فرع على الأفعال. وأردف (إلا المصدر عند أصحابنا البصريين ﵏/١٤) فإنهم يعتدّون الفعل فرعاً عليه. لكنه لم يشايعهم فيما انتحوه وقرروه كما سنراه.
***
следующие страницы →