Полный текст (105 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
رابعها: أن يكون للاسم ثانٍ في الوجود، وشذَّ عن ذلك الشمسان والقمران فقد ثنيا من باب التغليب أو السماع.
خامسها: أن يتفقا لفظاً كـ (زَيْدٌ وزَيْدٌ) يُقَال (الزيدان) .
سادسها: أن يتفقا معنى وخرجا عن ذلك (القلم أحد اللسانين)
سابعها: ألا يستغنيا بتثنية غيره عن تثنيته كـ (بعض) فإنه لا يثنى لأنه اكتفي بجزء عنه فيُقَال: جزءان ولا يُقَال (بعضان) .
ثامنها: أن يكون الاسم غير مركب وليستثنى من المركبات المركب الإضافي فإن صدره يثنى. مثال ذلك: غلاما زَيْدٍ في قولك (جاء غلاما زَيْدٍ) إذ كلمة (غلاما زَيْدٍ) تُسَمَّى بتركيب إضافي حَيْثُ أضيف الغلامان إلى زَيْدٍ، فيتأثر الجزء الأول من هذا التركيب وهو كلمة (غلاما) فيثنى وإنما لم تثبت نون الغلامين للإضافة.
الرابع:
أن هناك كلمات ملحقة بالمثنى منها: (كلا، كلتا) بشرط إضافة الضمير إليهما كـ (كلاهما، كلتاهما) . مثال ذلك: (جاءت الطالبتان كلتاهما) . فكلمة (كلتاهما) مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى.
قال الْمُصَنِّف ﵀: (وأما جمع المذكر السالم ......بالياء)
فيه مباحث على ما يلي:
الأول: في قوله (جمع المذكر السالم)
وهو اصطلاحاً: كل اسم دَلَّ على أكثر من اثنين وأغنى عن متعاطفات بزيادة على مفرده. إِذْ إِنَّه يُخالف جمع التكسير حَيْثُ إِنه ما سلم بناء مفرده عند جمعه.
ومثاله: كلمة (المؤمن) عندما يُجمع فيُقَال (المؤمنون) .
الثاني: قوله (يرفع بالواو ...... بالياء)
فمثال الرفع: قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ فكلمة ﴿المؤمنون﴾ فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة. ومثال النصْب قوله ﴿إن المؤمنين والمؤمنات﴾ فكلمة ﴿المؤمنين﴾ منصوب بالياء نيابة عن الفتحة اسم إن. ومثال الخفض (التقيت بالمؤمنين حقاً) . فكلمة (المؤمنين) مخفوضة بالياء نيابة عن الكسرة ‘‘اسم مجرور’’.
الثالث:
стр. 37
أن النون في جمع المذكر السالم أُتي بها عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد ولذلك يُقَال في إعراب (جاء الصالحون) يُقَال في كلمة (الصالحون) جمع مذكر سالم مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنها فاعل والنون عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
الرابع:
أن ذلك الإعراب للجمع المذكر السالم له شروط هي شروط المثنى الثمانية وينضاف إلى ذلك ما يلي:
أولها:
أن يكون الاسم دالاً على عاقل، فكلمة (واشق) اسم لكلب و (واسق) اسم لفرس لا يصح جمعها؛ لأنها تدل على غير عاقل.
ثانيها:
أن يكون الاسم دالاً على مذكر ليخرج المؤنث.
ثالثها:
أن يكون الاسم خالياً من تاء التأنيث كـ (طلحة) و (علاَّمة) فإنهما لا يُجمعان.
رابعها:
مما يُلحق بجمع المذكر السالم أمثلة ذكرها النحاة ومنها: أسماء العقود كـ (عشرين) فما فوق إلى (تسعين) فإنها ملحقة بجمع المذكر السالم، ويُذكر ذلك في إعرابها.
مثال ذلك: (دخل المسجد عشرون مصلياً) . فكلمة عشرون مرفوعة بالواو نيابة عن الضمة لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم (فاعل) .
باب الأفعال
قوله: (باب الأفعال)
سبق تعريف الفعل لغة واصطلاحاً، وأن أنواع الكلمة أضربٌ ثلاثة.
وذكر الْمُصَنِّف يرحمه الله - ما يتعلق بإعراب الأفعال، وإعراب الأسماء، وقدَّم الأفعال على الأسماء هنا لعلتين:
الأولى: هو أنَّ الكلام على الأفعال أقل من الكلام على الأسماء فابتدأ به ليخلص من القليل إلى الكثير، ومن الباب إلى الأبواب، وهو مسلكٌ متبع عند الْمُصَنِّفين، قاله الأزهري في [التصريح] .
الثانية: أن أصل الأسماء هو الأفعال عند الكوفيين، والْمُصَنِّف - يرحمه الله - معدودٌ منهم، ومِنْ ثَمَّ استحقت الأفعال التقديم.
وينضاف إلى تينك العلتين ما يذكره بعض الشُّراح من تعلق كثير من أبواب الأسماء الآتية بباب الأفعال الذي نحن بصدده فتعيَّن تقديمه.
قال الْمُصَنِّف -يرحمه الله -: (الأفعال ثلاثة ...... يضرب وضرب واضرب)
стр. 38
وفيه مقاصد:
أولها: قوله (الأفعال ثلاثة)
ويتعلق به شيئان:
أولهما:
طريقة الْمُصَنِّف في حَصْر جنس الْمُتَكَلِّم فيه وهي الأفعال ثُمَّ اتباع ذلك بمعرباته وعلاماته وما إلى ذلك وهي طريقة مستحسنة في التعليم، قاله ابن هشام في [المغني] .
ثانيهما:
هو دليل ذلك الحَصْر إذ دَلَّ عليه دليلان:
أولاً:
دليل الاستقراء التام حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة أنواع الأفعال فوجدوها لا تخرج عن ثلاثة: ماض ومضارع وأمر. وهذا أمرٌ مجمع عليه. قاله السيوطي في (الأشباه والنظائر في النحو) .
ثانياً:
دليل النظر حَيْثُ سبق أن الفعل حدثٌ يتعلق بزمن، والأزمان ثلاثة حقيقة واستقراء بإجماع العقلاء.
فأولها: زمن الماضي، حَيْثُ إِن الفعل يتعلق به كـ (ضرب) .
والثاني: زمن الحال، حَيْثُ إِن الفعل يتعلق به كـ (يضرب) .
والثالث: زمن الاستقبال، حَيْثُ إِن الفعل يُطلب إيقاعه فيه كـ (اضرب) .
ثانيها: قوله (ومضارع)
حَيْثُ يتعلق به شيئان:
أولهما:
معناه في اللُّغَة؛ إِذْ إِنَّه بمعنى المتشابه. قاله في [اللسان] ومِنْ ثَمَّ قيل للفعل المضارع أنه مضارع لشبهه بالاسم من حَيْثُ كونه معرباً في أكثر أحواله وما إلى ذلك.
والثاني:
في زمنه؛ حَيْثُ ذهب جمهور النحاة، وبه جزم سيبويه: أن زمن المضارع يشمل زمن الحال وزمن الاستقبال فكلمة (يأكل) من جملة (يأكل مُحَمَّدٌٌ التفاحة) تتعلق بالزمن الحاضر، وهو عند إيقاع تلك الجملة وبعدها وهو زمن الاستقبال.
وثالثها: قوله: (وأمرٌ)
إذ فيه دلالة على أنَّ فعل الأمر مستقل عن المضارع، وعليه أكثر نسخ المتن، قاله جمعٌ من الشُّراح كالرملي وغيره.
ورابعها: قوله (نحو ضرب ويضرب واضرب)
إذ هي أمثلة، فالأول للفعل الماضي لتعلق الحدث بزمنه، والثاني للفعل المضارع لتعلق الحدث بزمنه، والثالث فعل الأمر لتعلقه بزمن الأمر.
стр. 39
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (فالماضي مفتوح ......والأمر مجزوم أبداً)
وفيه مقصدان:
أولهما: في قوله: (فالماضي مفتوح الآخر أبداً)
ويتعلق به شيئان:
أولها:
اختلاف عبارة الْمُصَنِّف في بعض النسخ حَيْثُ جاء فيها (فالماضي يُبنى على فتح الآخر) وهي بنحو الأولى إلا أن فيها تصريحاً بالبناء. قاله الرملي في [شرحه] .
ثانيها:
في معنى الجملة السابقة إذ يُقْصَدُ بها: أنَّ الفعل الماضي يبنى على فتح آخره. فكلمة (ضرب) هي فعل ماض مبنى على الفتح. وعبارة الْمُصَنِّف تقتضي تقدير الفتح عند وجود العارض؛ إِذْ إِنَّ الماضي يعرض له شيئان يغيِّران حركته السابقة في الظاهر:
أما الأول:
فهو ضمير الرفع المتحرك. ومثاله: تاء الفاعل من قولك (ضربْتُ) ، فاتصالها بالفعل الماضي يوجب تسكين آخره في الظاهر فعلى ظاهر عبارة الْمُصَنِّف تُعرب جملة (ضربتُ) كالتالي: ضرب: فعلٌ ماضي مبني على الفتح الْمُقَدَّر وسُكِّن لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. وتاء الفاعلية: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
وأمَّا الثاني:
فهو الواو في نحو قولك (ضربوا) إِذْ إِنَّها توجب ضم آخر الفعل الماضي عند اتصالها به، ويكون الكلام عنها وفق ظاهر عبارة الْمُصَنِّف كالتالي: ضرب: فعل ماضي مبني على الفتح الْمُقَدَّر وضُمَّ آخره لاتصاله بالواو فكانت حركةً مناسبةً له (للواو) . والواو: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل. فحينئذ تكون حركة الفعل الماضي ظاهرة ومقَدَّرة.
فأما التقدير فيكون لعلتين:
الأولى:
الثقل؛ وذلك إذا اتصل بالفعل الماضي ضمير الرفع المتحرك. ووجه هذه العِلَّة: هو استثقال العرب الجمع بين أربع حركات فأكثر فيما هو في الكلمة الواحدة. فكلمة (ضربْتُ) أصلها عندهم (ضَرَبَتُ) بفتحات آخرها ضَمٌ، فهذه أربع حركات.
الأولى: فتحة على الضاد.
والثانية: فتحة على الراء.
والثالثة: فتحة على الباء.
стр. 40
والرابعة ضم التاء.
وكذلك يُقَال في الرباعي كـ (أخرجتُ) ، وإنما وقع التسكين على آخر الفعل المتصل به ضمير الرفع المتحرك لأنه الأنسب، فلو وضع التسكين على أول الفعل لما استُطيعَ النطق به، ولو وضع على وسطه لاختلف الوزن الصرفي، ولما عُرف وزن الفعل فناسب وضع التسكين على آخره.
وأمَّا العِلَّة الثانية:
فهو انشغال المحل بالحركة المناسبة. فكلمة (ضربوا) الأصل في البناء بناؤها على الفتح الظاهر فلما لحقتها الواو ناسب أن تُضَمَّ، لأن الواو لا يناسبه الفتح.
غير أنَّ سيبويه وجمهور البصريين على أن الفعل الماضي له ثلاث حالات في البناء:
الأولى: بناؤه على الفتح نحو (ضربَ) وهو الأكثر والأشهر.
الثانية بناؤه على السكون كـ (ضربْتُ) وذلك عند اتصال ضمير الرفع المتحرك بالفعل الماضي.
الثالثة بناؤه على الضم كـ (ضربُوا) وذلك عند اتصاله بالواو.
مسألة:
الفعل الماضي المقصور نحو (هدى، حمى) هل حركة البناء فيه مُقَدَّرة - وهي الفتح - أن أنه مبني على السكون؟
قولان:
بالأول: قال جمهور أهل الكوفة والأخفش.
وبالثاني: قال جمهور أهل البصرة وسيبويه.
ثانيها: في قوله (والأمر مجزومٌ أبداً) :
حَيْثُ يتعلق به شيئان:
أولهما:
اختلاف نسخ المتن في ذلك، فجاء في بعضها: (والأمر ساكن أبداً) ، وهو أصرح في البناء خلافاً لقوله (مجزومٌ أبداً) فإنه قد يفهم منه أن الأمر معرب ولَيْسَ مبنياً، لأن كلمة الجزم تستعمل مع المعربات خلافاً للمبنيات فلا تستعمل معها. قاله الأزهري في [التصريح] .
ثانيهما:
في حكم فعل الأمر، حَيْثُ إِن ظاهر عبارة الْمُصَنِّف تفيد أنه على حالة واحدة وهي السكون كما في بعض النسخ.
غير أن الاستعمال العربي جاء على خلاف ذلك فمرة يكون الأمر مبنياً على حذف حرف العِلَّة أو النون كما في الأمثلة السِّتة إلى غير ذلك؛ ولذا فأحسن مذاهب أهل في ذلك أن يُقَال: الأمر يبنى على ما يجزم عليه مضارعه.
стр. 41
مثال ذلك: اضرب المجرم.
فكلمة (اضرب) فعل أمر مبني على السكون، لأن المضارع منه (يضرب) إذا جُزم سُكِّن فيُقَال (لم يضربْ) فكذلك يكون الأمر في حركة البناء.
مثال آخر: (ارم السلاح) .
فكلمة (ارم) فعل أمر مبني على حذف حرف العِلَّة؛ لأن مضارعه (يرمي) إذا جُزِم جُزِم على حذف حرف العِلَّة كما في قولك (لم يرم السلاح) .
فائدة:
ذكر جماعة من النحاة قَيْدين في حكم فعل الأمر المختار:
أما الأول:
فهو أن يكون المضارع غير مبني، أي يكون قابلاً للجزم، ويخرج عن ذلك شيئان:
الأول: إذا كان المضارع متصلاً به نون التوكيد المباشرة.
الثاني: فهو قولهم: يُبنى على ما يجزم عليه مضارعه، ويكون مبدوءاً بالتاء يعنون المضارع عند جزمه؛ لأن الغالب أن التاء أنسب من الياء في كونها صالحة لجميع الكلمات.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله -: (المضارع ما كان ...... جازم)
فيه مقاصد:
أولها: قوله (ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربع)
حَيْثُ يتعلق به شيئان:
أحدها:
سبب التسمية، حَيْثُ سُمِّيَت بالزوائد؛ لأنها زائدة على الفعل الماضي. فكلمة (أضرب المجرم) الهمزة في (أضرب) زائدة على الماضي منه؛ إِذْ إِنَّ ماضي (أضرب) : ضرب.
والثاني:
هو أنها أربعة أحرف: الهمزة، والنون، والياء، والتاء. ودلَّ على ذلك الاستقراء التام، قاله السيوطي في [الأشباه] .
ثانيها:قوله (يجمعها قولك: أنيت)
حَيْثُ يتعلق به أشياء ثلاثة:
الأول:
أنه من عادة الْمُصَنِّفين تسهيلاً أن يجمعوا المتناثر في كلمة أو جملة، لأنه أدعى لحفظه، وعدم تفلته، ومِنْ ثَمَّ جمع الْمُصَنِّف الأحرف الأربعة الزائدة في المضارع في كلمة (أنيت) .
الثاني:
في معنى كلمة (أنيت) حَيْثُ يُقْصَدُ بها: أدركت. قاله صاحب [القاموس] وغيره.
الثالث:
стр. 42
في أن النحويين جمعوا الأحرف الأربعة الزائدة في المضارع في أكثر من كلمة (أنيت، نأتي، يأتن، نأيت: أي ابتعدت) . غير أن الْمُصَنِّف - يرحمه الله - اقتصر على (أنيت) تفاؤلاً بإدراك الطالب بغيته من هذا المتن المبارك. قاله بعض الشراح.
ثالثها: في قوله (وهو مرفوع أبداً)
حَيْثُ يتعلق به أشياء:
الأول:
أن الأصل في المضارع أنه مرفوعٌ أبداً سواءٌ أكان رَفْعه بالضمة الظاهرة أو الْمُقَدَّرَة أو بثبوت النون كما في الأمثلة السِّتة وغير ذلك.
الثاني:
أن عِلَّة رَفْع المضارع هو تجرده عن الناصب والجازم.
وبيانه: أن علل الإعراب نوعان:
الأول:
عللٌ لفظية كحرف الجر مع الاسم المجرور وهي الأكثر.
والثاني:
عللٌ معنوية وهي شيئان:
الأولى: الابتداء حَيْثُ إِن الاسم المبدوء به يُسَمَّى مبتدأً، وعِلَّة رَفْعه معنوية تُسَمَّى الابتداء.
الثانية: فهي التجرد عن الناصب والجازم في الفعل المضارع.
قوله: (فالنواصب عشرة)
النواصب واحدها ناصب، وسبق الكلام عنه.
قوله: (عشرة)
لها توجيهان:
التوجيه الأول: أنها عشرة عند الكوفيين.
التوجيه الثاني: أنها عشرة، فمنها ما ينصب بنفسه، ومنها ما ينصب بإضمار (إن) قبله.
والنواصب التي ذكرها الْمُصَنِّف نوعان:
أما النوع الأول: فما ينصب بنفسه.
وأما النوع الثاني: فما ينصب بإضمار (إن) قبله.
أما ما ينصب بنفسه فأربعة أشياء:
الأول: (أن) ، ولها شرطان:
أما الشرط الأول:
فهو أن تكون مصدرية لا موصولية ونحو ذلك. ومعنى كونها مصدرية أي أنها مع الفعل التي تدخل عليه بمصدر. كقولك: (أن تقول) أي: (قولك) لأنَّ (تقول) : فعل مضارع من: قال يقول قولاً - التصريف الثالث للفعل الذي يُسَمَّى مصدراً -؛ ولذلك قيل (قولك) .
وأما الشرط الثاني:
ألا تكون مسبوقة بعلم يقيني بل يكون ما قبلها أحد شيئين:
стр. 43
الأول: الظن والرجحان كما في قوله ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ .
أحسب: أي أظن أن يقولوا: أصلها: يقولون، فهو فعل مضارع منصوب بحذف النون لأنه من الأمثلة الستة.
والثاني: أن يكون خالياً من الظن واليقين كقوله : ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ .
فالطمع لا علاقة له باليقين ولا بالرجحان؛ ولذلك عملت (أن) في الفعل الداخلة عليه نصْباً.
والثاني: (لن)
وهي حرف نَصْب ونفي واستقبال، أما كونها حرف نَصْب فظاهر، وأما كونها حرف نفي؛ فلأنها تنفي ما دخلت عليه، وأما كونها حرف استقبال؛ فلأنها تجرد ما بعدها للمستقبل كقولك: (لن أدخل البيت) أي في المستقبل. وهي إذا دخلت على الفعل المضارع نصبته.
والثالث: (إذن) .
وهو حرف نَصْب وجواب وجزاء، أما كونه حرف نَصْب فظاهر، وأما كونه حرف جواب؛ فلأنه يأتي في صدر الجواب، وأما كونه حرف جزاء؛ فلأنه يؤتى به جزاء الشيء.
مثال كونه كذلك:
(إذن أُكْرِمَك يا مُحَمَّدُ) جواباً وجزاءً لقوله: (سآتيك يا زَيْدُ في بيتك) .
وحتى تكون (إذن) ناصبة فلابد من شروط:
أولها: أن تكون في أول الجواب.
ثانيها: أن تكون للاستقبال كما في المثال السابق، فلو أن شخصاً تلا عليك حديثاً وعرفت صدقه فقلت إقراراً: (إذن تصدق) ، فلا تنصب الفعل المضارع بعدها؛ لأنه يتعلق بالحال.
ثالثها: ألا يفصل بين (إذن) والفعل بفاصل سوى القسم، واخْتُلِفَ في النداء، والجار والمجرور على قولين:
فإذا قلت في المثال السابق: (إذن يا مُحَمَّدُ أُكرمك) فعلى قولٍ ترفع الفعل، لأنه فُصِلَ بين (إذن) والفعل (أكرمك) بالنداء، خلافاً ما إذا قلت: (إذن والله أكرمك) فتنصب (أُكرمك) ، لأنه فصل بين (إذن) والفعل بقسم.
والرابع: (كي) .
стр. 44
وهي تعمل النصْب إذا كانت بمنْزلة (أن) المصدرية، لكن لابد من وجود (لام كي) معها إما ظاهراً أو تقديراً كما في قوله تعالى ﴿لكيلا تأسَوا﴾ ، فـ (تأسَوا) : منصوبة. وكذلك: ﴿كي لا يكونَ دُولَةً﴾ ، (لا يكون) : منصوبة، وتقديرها كما في قولك (كي آخذ الكتاب) أي لكي.
ولكي تنصب (كي) الفعل دون وجود لام كي ظاهرة فلابد من شرطين:
الشرط الأول: أن تكون لام (كي) مَنْوِيَّة.
الشرط الثاني: أن تكون بمنزلة أن المصدرية.
وأما غير هذه النواصب الأربعة فلا تنصب بنفسها وإنما بـ (أن) مضمرة قبلها وهي على نوعين:
النوع الأول:
ما أُضمرت (أن) قبله جوازاً، وهو حرف واحد عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف بقوله: (ولام كي) يعني (لام التعليل) . كقولك: (أتيت المكتبة لآخذ الكتاب) . فآخذ: منصوب. أو (لأكتب كذا وكذا) فهو أَيْضاً لدخول لام كي عليه. والأصل أن يُقَال: منصوب بـ (أن) مضمرة أو مُقَدَّرة جوازاً.
والنوع الثاني:
ما أضمرت (أن) قبله وجوباً، وهي بقية الأحرف التي ذكرها الْمُصَنِّف. ولها شروط وقيود تأتي في المطولات - إن شاء الله تعالى -.
قوله: (والجوازم ثمانية عشر)
والجوازم واحدها جازم - وسبق تعريفه - وهو يعني هنا جوازم الفعل المضارع.
قوله: (ثمانية عشر)
هذا عددها على سبيل التفصيل، على ما عَدّها الْمُصَنِّف بعدُ.
وجوازم المضارع قسمان:
أما القسم الأول:
فجوازم تجزم فعلاً واحداً وهي ستة جوازم:
أولاها: لم.
ثانيها: لَمَّا.
ثالثها: ألم.
رابعها: ألَمَّا.
خامسها: (لام) الطلب.
سادسها: (لا) الطلب.
فأما (ألم، ألَمَّا) فهما (لم، لَمَّا) لكن بإضافة همزة التقرير.
و (لم ولّمَّا) يشتركان في أمور:
أولها: خصوصيتهما بالمضارع، فلا يدخلان على غير الفعل المضارع.
ثانيها: كونها للنفي فهي تنفي ما دخلت عليه.
مثال ذلك: (لم يدخل زَيْدٌ المسجد) . حَيْثُ نفي الدخول إلى المسجد من قبل زَيْدٍ.
стр. 45
ثالثها: القلب حَيْثُ يقلب المضارع إلى الماضي معنى وزمناً. ففي مثال: (لم يدخل زَيْدٌ المسجد) تعلق نفي الدخول بزمن ماض مع أن كلمة (يدخل) فعل مضارع فانقلب الزمن إلى ماضٍ بدخول (لم) عليها، وكذلك قل في (لَمَّا) وما إليها.
رابعها: الحرفية، حَيْثُ إِنَّ (لم ولَمَّا وألم وألَمَّا) حروف باتفاق النحاة.
وآخرها: كونها جازمة، أي تجزم الفعل المضارع إذا دخلت عليه.
وأما لام الطلب فنوعان:
الأول: لام الأمر.
ومثالها: (لتأخذْ دين الله بقوة يا زَيْدُ) . فـ (تأخذ) : فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، حَيْثُ أمرت زيداً بذلك.
والثاني: لام الدعاء.
كقوله تعالى حكايةً ﴿ليقضِ علينا ربك﴾ . فـ (يقضِ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
وأما (لا) الطلب فنوعان:
الأول: (لا) النهي.
كقوله: ﴿لا تدعُ مع أحداً﴾ . فـ (تدعُ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
والثاني: (لا) الدعاء.
كقوله حكاية: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ . فـ (تؤاخذنا) فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الدعاء.
فائدة:
لام الدعاء، ولا الدعاء هي: (لام) أمر، و (لا) أمر، ولكن فُرِّق بينهما فقيل (لام) أمر، و (لام) دعاء، وقيل (لا) نهي، و (لا) دعاء؛ تأدباً مع المدعو وهو الله .
وأما القسم الثاني:
فما يجزم فعلين، الأول: يُسَمَّى بـ (فعل الشرط) ، والثاني: يُسَمَّى بـ (جواب وجزاء الشرط) ، وتُسَمَّى أدواته بـ (أدوات الشرط) ، وهي بقية الأدوات التي ذكرها الْمُصَنِّف بقوله: (وإن ... الخ) .
وهي على أربعة أنواع:
الأول: ما هو حرف باتفاق وهو (إن) .
مثاله: (إن تقُمْ يا زَيْدُ أقُمْ) فـ (تقم) فعل مضارع مجزوم بـ (إن) ؛ لأنه فعل الشرط، جزاؤه وجوابه (أقم) ، فكلمة (أقم) فعل مجزوم؛ لأنه جواب وجزاء فعل الشرط في (إن تقم) .
والثاني: ما هو حرفٌ على الراجح وهو (إذما) .
стр. 46
كقول بعضهم في جملة: (إذما تدخل إلى المسجد أدخل) . فـ (إذما) حرف لا مَحَلّ له من الإعراب. (تدخلْ) فعل الشرط مجزوم. (أدخل) جواب وجزاء فعل الشرط في (إذما تدخل) وهو مجزوم كذلك.
والثالث: ما هو اسم على الصحيح وهو (مهما) .
كما قال امرؤ القيس في معلقته الشهيرة:
أغرَّكِ مني أنَّ حبكِ قاتلي وأنكِ مهما تأمري القلب يفعلِ
(مهما) :اسم تعمل الجزم فيما دخلت عليه.
(تأمري) : فعل مجزوم بـ (مهما) .
(يفعل) : جوابه وجزاؤه مجزوم.
والرابع: ما هو اسم باتفاق، وهو بقية الأدوات. كـ (أيان، ومتى ...الخ) .
باب مرفوعات الأسماء
يقول الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب مرفوعات الأسماء)
المرفوعات: واحدها (مرفوع) وهو ما أحدث العامل فيه رَفْعاً، وله علامات كـ (ضمة) و (واو) وغيرهما كما سبق.
وبعد أن ذكر الْمُصَنِّف - يرحمه الله - ما يتعلق بالأفعال رَفْعاً ونصْباً وجزماً بدأ في الأسماء وذكر ما يتعلق بها، وابتدأ بالمرفوعات؛ لأنها مقدمة على غيرها من منصوبات ومخفوضات؛ إذ هي الأصل في الأسماء.
قوله (المرفوعات سبعة)
إنما عَدّها الْمُصَنِّف سبعة بدليل الاستقراء التام حَيْثُ إِنها لا تخرج عن ذلك، قال السيوطي في [الأشباه والنظائر] : أجمع النحاة على أن المرفوعات سبعة.
ومِنْ ثَمَّ يبين أن دليل الحَصْر شيئان:
الأول: هو الاستقراء.
الثاني: هو الإجماع.
قوله (وهي الفاعل والمفعول ...الخ)
هذا شروعٌ في ذكر تلك السبعة. وقد ذكرها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - على جهة الإجمال ثُمَّ فصَّل الكلام بعد عن كلٍ منها، وهي طريقة حسنة يُسَمِّيها البلاغيون بـ (اللف والنشر) ؛ إذ لُف الكلام وجُمع ثُمَّ نُشر وبُيِّن.
والمرفوعات السبعة:
أولها: الفاعل.
وثانيها: نائب الفاعل. وقد سماه الْمُصَنِّف بـ (المفعول الذي لم يسمَّ فاعله) جرياً على عبارة أهل الكوفة.
وثالثها: المبتدأ.
ورابعها: الخبر.
стр. 47
وخامسها: اسم (كان) وأخواتها.
وسادسها: خبر (إنَّ) وأخواتها.
وسابعها: التابع للمرفوع.
باب الفاعل
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (الفاعل هو الاسم المرفوع المذكور قبله فعله)
في هذه الجملة تعريف للفاعل من جهة الاصطلاح، وقد عَرَّفه الْمُصَنِّف - يرحمه الله - ببعض صفاته؛ إذ من صفات الفاعل أنه اسم، وأنه مرفوع، وأن فعله سابق له.
والفاعل يُعَرَّف من جهتين:
أما الأولى: فجهة اللُّغَة: إذ هو مَنْ فَعَلَ الفعل وأَحْدَثَهُ - يُقَال هذا فاعل الْجُرم أو محدثه.
والثانية: من حَيْثُ الاصطلاح، ويُعَرَّف بأنه اسم صريح أو مؤول به سُبق بفعل أو مؤول به مرفوع أَحْدَثَ الفعل أو قام به.
وهذا التعريف يشمل قيوداً:
أولها:
أنه اسم فيخرج الفعل والحرف.
وثانيها:
أنه يأتي على صورتين:
الأولى:
أن يكون صريحاً ويشمل نوعين:
الأول: الأسماء الظاهرة كـ (زَيْدٌ) و (عَمْرٌو) .
والثاني: الأسماء المضمرة كـ (أنا) و (هو) و (أنت) .
ومثال هذه الصورة: (جاء زَيْدٌ إلى المسجد متفقهاً) . و (قمت إلى الكتاب قارئاً) .
فكلمة (زَيْدٌ) في الجملة الأولى: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
وحرف التاء في (قمت) : مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
وأما الصورة الثانية:
فهو أن يكون مؤولاً بالصريح وذلك مع أحرف:
أولها: أنَّ المثقلة.
وثانيها: أنْ الْمُخَفَّفة المصدرية.
وثالثها: ما المصدرية.
ومثال الأول: (سرني أنك جئت) ؛ حَيْثُ إِن جملة (أنك جئت) تؤول بمصدر من جنس الفعل الموجود وهو: (جئت) فيكون التقدير (سرني مجيئك) ؛ إذ كلمة (مجيء) فعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره. والكاف مضاف إليه.
ومثال الثاني: (سرني أن جئت يا مُحَمَّدُ) ؛ حَيْثُ إِنَّ (أنْ) تُسبك مع الفعل الداخلة عليه بمصدر بنحو ما سبق. فيكون التقدير (سرني مجيئك يا مُحَمَّدُ) . والفاعل كلمة (مجيء) وهي مضاف، والكاف: مضاف إليه.
стр. 48
ومثال الثالث: (سرني ما صنعت يا مُحَمَّدُ) ، حَيْثُ إِنَّ (ما) هنا مصدرية تُسبك مع ما بعدها بمصدر من جنس الفعل الداخلة عليه، والتقدير (سرني صنعك يا مُحَمَّدُ) ؛ حَيْثُ إِن كلمة (صُنْع) فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه.
وأما القَيْد الثالث:
هو سَبْق فعل الفاعل للفاعل فلا يتقدم الفاعل على فعله؛ لأنه إذا تقدم كان مبتدأً لا فاعلاً.
مثاله: (جاء زَيْدٌ) .
حَيْثُ إِن كلمة (زَيْدٌ) : فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
والفعل (جاء) : سابق له.
فإن قيل (زَيْدٌ جاء) : كانت كلمة (زَيْدٌ) مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره. وخبره: الجملة الفعلية وهي (جاء هو) يعني زيداً.
ورابعها:
هو أن الفعل السابق للفاعل يأتي على صورتين:
الأولى:
كونه صريحاً كـ (خذ) (جاء) (يأخذ) .
الثانية:
أن يأتي مؤولاً من الصريح.
مثاله: ﴿لاهيةً قلوبُهم﴾ - على قول - إذ تقدير الآية (تلهو قلوبهم) - كذا يقول البعض - والصواب (لهت قلوبهم) ؛ لأن الضمير في تلهو هو الفاعل خلافاً لـ (لهت) فالقلوب فاعل.
وخامسها:
أن يكون الفعل مع الفاعل على إحدى صورتين:
الأولى:
أن يكون الفعل قائماً بالفاعل كـ (مات زَيْدٌ) ؛ إذ فعْل الموت قائم بزَيْدٍ.
والثانية:
أن يكون الفاعل مُحْدِثاً للفعل كـ (ضرب زَيْدٌ عَمْراً) ؛ إذ فعل الضرب كان من الفاعل زَيْدٌ.
قوله: (وهو على قسمين: ظاهر ومضمر)
جعل الْمُصَنِّف الفاعل على قسمين:
الأول: كونه ظاهراً
وقد مَثَّلَ لَهُ الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بـ (زَيْدٌ) و (الزيدان) و (الزيدون) و (الرجال) و (هند) وغيرها. وسبق بيانه في تعريف الفاعل اصطلاحاً، وبه يتبين أن الفاعل قد يكون مفرداً، وقد يكون جمعاً بأنواع الجمع.
والثاني: كونه مضمراً
والمقصود به ما كان ضميراً، والضمير نوعان:
ضمير متصل كـ (ضربتُ) ، و (ضربنا) .
وضمير منفصل كـ (نحن) و (أنا) و (أنت) .
стр. 49
وقد ذكر الْمُصَنِّف - يرحمه الله - على ذلك أمثلة بقوله: (ضربت، ضربنا) حَيْثُ كلمة (ضربتُ) التاء فيها ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل، وكذلك (ضربنا، وضربتَ) .
فـ (ضربتما) التاء فيها ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل، والميم والألف دليل على التثنية.
وكلمة (ضربتن) التاء فيها ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل. والنون دليل على التأنيث والبناء.
وليُعْلم أن الفاعل قد يكون ظاهراً وقد يكون مُقَدَّراً:
فأما الظاهر فسبق.
وأما الْمُقَدَّر فعلى نوعين:
أما الأول: فما كان تقديره واجباً، مثاله كل فاعلٍ لفعل أمر كـ (خذ) إذ كلمة (خذ) فعل أمر مبني على ما يُجزم به مضارعه وهو السكون هنا. والفاعل: ضمير مستتر وجوباً.
وأما الثاني: فالْمُقَدَّر استتاره جوازاً كنحو (زَيْدٌ جاء) إذ فاعل (جاء) مُقَدَّراً ومستتراً جوازاً.
ويُفرِّق النحاة وغيرهم بين ما استتر جوازاً وبين ما استتر وجوباً: بأن المستتر وجوباً ما لا صورة للفظه في الكلام خلافاً للجائز فقد يكون له صورة. ففاعل (خذ) لا صورة للفظه في جملة (خذ الكتاب) ، خلافاً لفاعل (جاء) في (زَيْدٌ جاء) فقد يكون له صورة بنحو (زَيْدٌ جاء هو) أو (زَيْدٌ جاء زَيْدٌ) .
باب المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله
يقول الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله)
هذا الباب له تسميتان:
أما الأولى وعليها أكثر المتقدمين: فباب المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله.
وأما الثانية وعليها أكثر المتأخرين: فباب نائب الفاعل.
ويُعَرَّف المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله أو نائب الفاعل بما ذكره الْمُصَنِّف - يرحمهُ الله - بقوله (وهو الاسم المرفوع الذي لم يذكر معه فاعله) .
стр. 50
ومثاله: (ضُرِبتْ هِندٌ) حَيْثُ أُسنِد الفعل إلى المفعول، وقام المفعول مَحَلّ الفاعل؛ إذ أصل (ضُرِبتْ هِندٌ) ((ضرب زَيْدٌ هنداً) فلما حُذِف (زَيْدٌ) الذي هو فاعل حقيقة أُسنِد الفعل إلى المفعول - فأُنِّث الفعل حتى يوافق تأنيث المفعول فقيل (ضُرِبتْ) ؛ وإنما كان ذلك كذلك لأن الفاعل عمدة في الجملة الفعلية، لابد من وجوده، فإن لم يكن موجوداً أنيب عنه غيره، كالمفعول به في المثال السابق.
ويُعَرَّف نائب الفاعل بنحو ما ذُكِر في تعريف الفاعل من كونه اسماً صريحاً أو مؤولاً ...الخ.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (فإن كان الفعل ماضياً ......الخ)
مثاله: ضُرِبَ - بضم أوله وكسر ما قبل آخره - وهذا هو الأصل في الماضي، ويُلحق به (قيل) و (جيء) و (مُدَّ) ، فهي وإن لم يُكسر ما قبل آخرها بنحو (قيل) فلها حكم ذلك. وأما (شُدَّ) فأصلها (شُدِدَ) بكسر الدال الأولى، وهذا موافق لما ذكره الْمُصَنِّف.
قوله: (وإن كان مضارعاً ...... الخ)
ومثاله (يُضْرَب) - بضم أوله وفتح ما قبل آخره - ويُلْحَق به (يُقَال) و (يُشَدَّ) ونحوهما.
وإنما يُبنى الفعل هنا للمجهول لأحد علتين:
أما الأولى:
فعِلَّة لفظية كقولك: (وعُجِنت بالظرافة طينته) بعد قولك (وبانت لنا ظرافته) وذلك حتى تكون السجعة واحدة. فكلمة (ظرافته) فاعل في جملة (وبانت لنا ظرافته) خلافاً لآخر الجملة الثانية وهي (طينته) ؛ إذ هي مفعول به، فلو قيل (طينتَه) لاختلفت السجعة فَبُنِي الفعل للمجهول حتى تكون كلمة ‘‘طينته’’ مرفوعة.
وأما الثانية:
فهي عِلَّة معنوية كالجهل بالفاعل ونحو ذلك في قولك: (سُرِق المتاعُ) .
قوله: (وهو على قسمين: ظاهر ومضمر)
سبق معنا الظاهر والمضمر في الفاعل.
ومن الظاهر كلمة (زَيْدٌ) في جملة (ضُرِب زيدٌ) .
ومن المضمر التاء في جملة (ضُرِبْتُ) .
فجملة (ضُرِب زيدٌ) :
ضُرِبَ: فعل ماض مبني للمجهول بناءه على الفتح لا مَحَلّ له من الإعراب.
стр. 51
زَيْدٌ: اسم مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره لأنه نائب فاعل أو مفعول لم يُسَمَّ فاعله.
وجملة (ضُرِبْتُ) :
ضُرِبَ: فعل ماضٍ مبني للمجهول بناءه على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك.
والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع على أنه نائب فاعل أو مفعول لم يُسمَّ فاعله.
باب المبتدأ والخبر
يقول الْمُصَنِّف - يرحمه الله -: (باب المبتدأ والخبر)
يتعلق بهذه الجملة شيئان:
أولهما:
قوله: (باب المبتدأ والخبر) ؛ حَيْثُ جعله بعد الفاعل ونائبه، وجمهور النحاة يُقدِّمون (باب المبتدأ والخبر) على جميع المرفوعات لعلتين:
الأولى: كونه مرفوعاً أصالة دون سَبْق عامل لفظي خلافاً لغيره؛ إذ الفاعل سُبِق بعامل لفظي وهو الفعل.
والثانية: أصالة المبتدأ في باب الرفع؛ إذ هو الأصل في المرفوعات - قاله سيبويه في [الكتاب] .
وأما الثاني:
فيتعلق بتعريف لغوي لكلمتي (المبتدأ والخبر) .
فأما كلمة (المبتدأ) فمشتق من الابتداء، تقول: ابتدأتُ الشيء، أي دون معالجة سابقة - معالجة بمعنى مفاعلة - للشيء، قاله الأزهري في [التهذيب] .
وأما كلمة (الخبر) فمشتقة من الإخبار - كذا قال بعضهم - وجمهور أئمة اللسان على أنه مشتق من مادة (خَبَرَ) وله معانٍ، ومنها: الإنباء، تقول: أخبرتُ فلاناً بما في نفسي إذا أنبأتَهُ به.
قوله: (المبتدأ هو الاسم المرفوع العاري عن العوامل اللفظية)
هذه الجملة يتعلق بها شيئان:
أحدهما:
أنه تعريف اصطلاحي للمبتدأ، وللنحاة فيه عبارات منها: قول ابن هشام: المبتدأ هو الاسم المرفوع المجرَّد عن العوامل اللفظية للإسناد.
وأما الثاني:
فهو أنَّ تعريف الْمُصَنِّف - يرحمه الله - السابق يشمل قيوداً:
أولها: قوله (الاسم) ليخرج: الفعل والحرف.
وثانيها: قوله (المرفوع) ليخرج: الاسم المخفوض والمنصوب.
стр. 52
ثالثها: قوله (العاري عن العوامل اللفظية) العاري أَيْ الخالي، وهو بمعنى المجرَّد عن العوامل اللفظية.
وحقيقة (العوامل اللفظية) : تَقَدُّم لفظٍ على آخر يعمل فيه من جهة الإعراب.
مثاله:
(زيدٌ) في جملة (ضرب زيدٌ عَمْراً) . فهي اسم مرفوع لكن أثر فيه عامل اللفظ - وهو الفعل - فكان فاعلاً لا مبتدأً.
مثال ثان:
كلمة (محمدٌ) في جملة (كان محمدٌ مجتهداً) . حَيْثُ إِنها اسمٌ مرفوع لعامل لفظي وهو (كان) فليست مبتدأ.
قوله: (والخبر هو الاسم المرفوع المسند إِلَيْهِ)
يتعلق به شيئان:
أما الأول:
فهو أن هذه الجملة تعريفٌ اصطلاحي للخبر، وللنحاة فيه عبارات.
وأما الثاني:
فهو أنه يشتمل على قيود:
أولها: قوله (الاسم) ليخرج: الفعل والحرف.
وثانيها: قوله (المرفوع) ليخرج: المخفوض والمنصوب من الأسماء.
وثالثها: قوله (المسند إِلَيْهِ) أَيْ إِلى المبتدأ، والمعنى أنك تُخْبِرُ بالخبر عن معنى يتعلق بالمبتدأ.
مثاله:
الجملة الفعلية في قولك: (زَيْدٌ قَامَ) أَيْ: هو، فأسندتَ إِلى زيد فعل القيام، وحصل بذلك الإخبار عنه به.
تنبيه:
عند إعراب الجمل الخبرية ينبغي مراعاة قَيْد (الإسناد) ؛ إِذْ هو أهم علامة للخبر يُكشَف بها، ويُعْرَف.
فمثلاً:
جملة (الأخيار الأبرار جاءوا) . الخبر كلمة (جاءوا) ، وأما كلمة (الأبرار) فليست خبر للكلمة التي سبقتها، وإنما أُخِذَ ذلك بدلالة الإسناد؛ إِذ (المسند) هو المجيء، فكان خبراً عن مبتدأ.
قوله: (نحو قولك: زَيْدٌ قَائِمٌ والزيدان قائمان والزيدون قائمون)
يتعلق بها شيئان:
أما الأول:
فهو أن هذه الجملة توضيحية لما سبقها، وهو توضيح بالمثال.
وأما الثاني:
ففيها ثلاثة أمثلة:
أولها:قوله: (زَيْدٌ قَائِمٌ) .
إعرابه:
كلمة (زيد) : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره للابتداء.
كلمة (قائم) : خبر مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
стр. 53
ثانيها قوله: (الزيدان قائمان) .
إعرابه:
كلمة (الزيدان) : مبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى، ورافعه الابتداء، و (النون) نيابة عن التنوين في الاسم المفرد.
وكلمة قائمان: خبر مرفوع بالألف لأنه مثنى، و (النون) نيابة عن التنوين في الاسم المفرد.
وثالثها قوله: (الزيدون قائمون) .
إعرابه:
كلمة (الزيدون) : مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع سلامة مذكر و (النون) فيه عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
وكلمة (قائمون) : خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع سلامة مذكر و (النون) فيه عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
تنبيه:
يجب أن يوافق الخبر المبتدأ في تذكيره وتأنيثه وفي جمعه وإفراده وتثنيته، وإلى هذا أشار الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بالأمثلة الثلاثة السابقة.
قوله: (والمبتدأ قسمان: ظاهر ومضمر)
يتعلق به شيئان:
أما الأول:
فهو ذكر قسمة المبتدأ وأنَّه يرجع إِلى قسم ظاهر، وقسم مضمر.
ودليل القسمة شيئان:
الأول: الإجماع؛ حَيْثُ أجمع النحاة واللُّغَويين على تقسيم المبتدأ إِلى ذينك القسمين، وقد حكى الإجماع السيوطي في [همع الهوامع] وكذا غيره.
والثاني: الاستقراء؛ حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة والنحو كلام العرب في هذا الباب فوجدوه لا يخرج عن ذينك القسمين.
وأما الثاني:
فيتعلق بتوضيح كلمة (ظاهر ومضمر) وقد سبق.
قوله: (فالظاهر ما تقدم ذكره)
يعني من الأمثلة الثلاثة السابقة.
قوله: (والمضمر اثنا عشر وهي: أنا ونحن ...الخ)
فيه ذِكرٌ للمضمرات وهي ترجع إِلى ثلاثة أشياء:
أولها:
ضمير الخطاب والتكَلُّم كـ (أنا، ونحن) .
ومثاله:
قولك: (أنا زيد) .
حَيْثُ إِنَّ كلمة (أنا) ضمير مبني على السكون في مَحَلّ رفع مبتدأ.
(زيد) : خبره مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
وأما (نحن) فقولك: (نحن أهل خير) .
فكلمة (نحن) : مبنية على الضم في مَحَلّ رفع مبتدأ.
وجملة (أهل خير) خبر المبتدأ.
وثانيها:
стр. 54
ضمير المخاطبة كـ (أنتَ) ، و (أنتِ) ، و (أنتما) ، و (أنتم) ، و (أنتنَّ) .
ومثاله:
(أنتَ زيدٌ) .
فـ (أنت) : ضمير مبني على الفتح في مَحَلّ رفع مبتدأ.
(زيد) : خبره مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
وثالثها:
ضمير الغيبة كـ (هو) ، و (هي) ، و (هما) ، و (هم) ، و (هنَّ) .
مثاله:
قولك: هو زيدٌ.
فكلمة (هو) : ضمير مبني على الفتح في مَحَلّ رفع مبتدأ.
وزيد: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
قوله: (نحو قولك: أنا قائم ونحن قائمون وما أشبه ذلك)
فيه إيضاحٌ بالمثال للقسم الثاني وهو المضمر، وسبق.
قوله: (والخبر قسمان: مفرد وغير مفرد)
يتعلق به شيئان:
أما الأول:
فتقسيمه الخبر إِلى ذينك القسمين، ودليله: الاستقراء.
وأما الثاني:
فيتعلق بمعنى كلٍ، فكلمة (مفرد) يُقْصَدُ بها: ما لم يكن جملة كـ (زيد) في جملة (هو زيد) .
وأما قوله (غير مفرد)
فيشمل نوعين:
أما الأول:
فالجملة، وهي نوعان:
أحدهما:
جملة اسمية، مَثَّلَ لَهَا الْمُصَنِّف بقوله: (زيد جاريته ذاهبة) .
فكلمة (زيد) : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
والجملة الاسمية (جاريته ذاهبة) : خبرٌ لـ (زيد)
وثانيها:
الجملة الفعلية، ومَثَّلَ لَهَا الْمُصَنِّف بقوله: (زَيْدٌ قَامَ أبوه) .
إِذْ كلمة (زيد) : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
والجملة الفعلية (قام أبوه) : خبرٌ لـ (زيد) .
وأما الثاني:
فشبه الجملة، وهو نوعان:
أما الأول:
فالجار والمجرور ومَثَّلَ لَهُ الْمُصَنِّف بقوله: (زَيْدٌ في الدَّارِ) .
فكلمة (زيد) : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
وشبه الجملة المكون من الجار والمجرور (في الدار) : خبرٌ لـ (زيد) .
وثانيها:
الظرف وهو نوعان:
ظرف زمان.
وظرف مكان.
ومَثَّلَ لَهُ الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بقوله: (زيد عندك) .
فكلمة (زيد) : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
стр. 55
وشبه الجملة المكون من ظرف المكان: خبرٌ لـ (زيد) .
ثم هاهنا فوائد تتعلق بما سبق:
الأولى:
أن الخبر إذا كان جملة ولَيْسَ في معنى المبتدأ فلابد من رابط بينه وبين المبتدأ يربطه بالمبتدأ.
مثاله: الضمير في قولك: (زَيْدٌ قَامَ أبوه) .
حَيْثُ إِن كلمة (زَيْدٌ) : مبتدأ خبره الجملة الفعلية وهي: (قام أبوه) والرابط بينها وبين المبتدأ الضمير في كلمة (أبوه) لأنه يعود على المبتدأ - أي (أبو زَيْدٍ) .
ومن الروابط: الإشارة كما في قوله تعالى ﴿ولباس التقوى ذلك خيرٌ﴾ .
فـ (لباس) : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره وهو مضاف.
و (التقوى) : مضاف إليه مخفوضة بالكسرة الْمُقَدَّرَة على آخره منع من ظهورها التعذر.
وجملة (ذلك خيرٌ) : مُكَوَّنَة من مبتدأ ثانٍ، وخبر له في مَحَلّ رَفْع خبر للمبتدأ الأول وهو (لباس) ، والرابط بين هذه الجملة والمبتدأ موجودة في كلمة (ذلك) وهو ما يُسَمَّى عند النحاة برابط الإشارة؛ لأن كلمة (ذلك) اسم إشارة فيها إشارة إلى شيء وهو (لباس) فحصل الربط.
ومن الروابط: إعادة المبتدأ بلفظه، مثاله: ﴿الحاقةُ ما الحاقةُ﴾ .
فكلمة (الحاقة) الأولى: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
(ما الحاقة) : جملة اسمية مُكَوَّنَة من مبتدأ ثانٍ وهو (ما) وخبرٌ وهو (الحاقة) وهذه الجملة الاسمية في مَحَلّ رَفْع خبر للمبتدأ الأول، والرابط بينها وبين المبتدأ الأول هو إعادة المبتدأ بلفظه.
تنبيه:
إنما يكون الرابط متيقناً وجوده بشرطين سبق الإشارة إليهما:
أولهما:
أن يكون الخبر جملة اسمية أو فعلية، فإذا لم يكن جملة فلا رابط حينئذٍ.
والثاني:
أن لا يكون الخبر في معنى المبتدأ؛ إذ لو كان في معنى المبتدأ فلا رابط بينهما؛ لأن الجميع بمعنىً، مثاله: قول الله ﴿قل هو الله أحد﴾ .
كلمة (هو) : مبتدأ.
стр. 56
(الله أحد) : جملة اسمية مُكَوَّنَة من مبتدأ ثانٍ - وهو كلمة (الله) - وخبرٍ له - وهو كلمة (أحد) - ولا رابط حينئذٍ؛ لأن كلمة (هو) تُسَمَّى عند النحاة بـ (ضمير القصة والشأن) ومعناه تقديراً: الشأن الذي هو الله أحد، كان كذلك (هو الله أحد) .
الثانية:
قد يَتَعَدَّدُ الخبر للمبتدأ الواحد.
مثاله:
قولك: (زيدٌ شجاعٌ كاتبٌ) .
فكلمة: (زيدٌ) مبتدأ له خبران:
الأول: (شجاع) .
والثاني: (كاتب) .
ومن الأمثلة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ .
فالمبتدأ كلمة: (هُوَ) ، لها أكثر من خبر:
أولها: الْغَفُورُ.
وثانيها: الْوَدُودُ.
وثالثها: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ.
ورابعها: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
باب العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر)
هذا الباب عقده الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بذكر ما يدخل على المبتدأ أو الخبر من عوامل تُغيِّر حكمه السابق من كونه مرفوعاً بالابتداء في المبتدأ، وبالرفع في الخبر وتُسَمَّى تلك العوامل بـ (النواسخ) عند جمهور النحويين، وكلمة (النواسخ) : جمع ناسخ، والناسخ هو الرافع المزيل، تقول: نسخت الشمسُ الظل؛ إذا أزالته ورفعته - قاله الجوهري في (الصحاح) -.
وتلك العوامل والنواسخ ترجع إلى أشياء ثلاثة بدليل الاستقراء لكلام العرب.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وهي ثلاثة أشياء ...... الخ)
يتعلق بهذه الجملة شيئان:
أما الأول:
فحَصْر الْمُصَنِّف - يرحمه الله - العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر بثلاثة أشياء. ودليله الاستقراء الصحيح - قاله السيوطي في (الأشباه) -.
والثاني:
ذِكْر الْمُصَنِّف للعوامل الثلاثة وهي نوعان:
الأول:
أفعال وهي شيئان:
أولهما: كان وأخواتها.
والثاني: ظننتُ وأخواتها.
أما النوع الثاني:
стр. 57
فحروف وهي: إنَّ وأخواتها.
فائدتان:
الأولى:
تتعلق بقوله: (وأخواتها) ؛ إذ المعنى نظائرها، وسيأتي ذكر نظير (كان) و (إنَّ) و (ظننت) .
والثانية:
المبتدأ أو الخبر يتغير حكمهما بدخول العوامل الثلاثة فـ (كان) ترفع المبتدأ بغير ما رُفِعَ به قبلُ وهو الابتداء، وتنصب الخبر بعد أن كان مرفوعاً، وعامل (إنَّ) ينصب المبتدأ بعد أن كان مرفوعاً، ويرفع الخبر بغير ما رُفِعَ به سابقاً، وكذلك عامل (ظَنَّ) فإنها تنصب المبتدأ والخبر.
وللمبتدأ والخبر اسم يتعلق بهما عند دخول تلك العوامل الثلاثة فيُسَمَّى المبتدأ اسماً وفاعلاً مع (كان وأخواتها) ، ويُسَمَّى مع (إنَّ وأخواتها) اسماً فقط، ويُسَمَّى مع (ظَنَّ وأخواتها) مفعولاً أول.
وأما الخبر فيُسَمَّى مع (كان وأخواتها) ، و (إنَّ وأخواتها) خبراً لاسم (كان وأخواتها) أو (إنَّ وأخواتها) لا خبراً للمبتدأ فاختلفت تسميته عما كان، ويُسَمَّى مع (ظَنَّ وأخواتها) مفعولاً ثانياً.
قوله (فأما كان وأخواتها... الخ)
هذه الجملة تتعلق بحكم (كان وأخواتها) وهي أنها تعمل عملين:
أما الأول:
فيتعلق بـ (اسم المبتدأ والخبر) إذ يتغير اسم المبتدأ إلى اسم (كان) ، واسم الخبر إلى خبر اسم (كان) وسبق.
والثاني:
يتعلق بالإعراب حَيْثُ إِن اسم (كان) يسبق مرفوعاً بـ (كان) لا بالابتداء وسبق، وخبره يكون منصوباً.
مثاله:
قولك: (كان زيدٌ قائماً) .
إعرابه:
كان: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
زَيْدٌ: اسم (كان) مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
قائماً: خبر اسم (كان) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
قوله: (وهي كان وأمسى وأصبح ... الخ)
يتعلق بهذه الجملة شيئان:
أما الأول:
فذكر (كان وأخواتها) حَيْثُ إِن أخواتها ثلاثة عشر: أمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، ولَيْسَ، وما زال، وما انفك، وما فتئ، وما برح، وما دام.
والثاني:
стр. 58
أن أخوات (كان) على أقسام من حَيْثُ عملها عمل (كان) :
أما القسم الأول:
فما يعمل عمل (كان) بشرط تقدم (ما) المصدرية الظرفية عليه، وهو فعل (مادام) حَيْثُ تقدم عليها (ما) .
ومعنى كون (ما) مصدرية يعني تؤول بـ مصدر من الفعل (دام) وهو الدوام. ومعنى كونها ظرفية يعني تُقَدَّر بظرف زمان.
مثاله:
قول الله حكاية: ﴿ما دمت حياً﴾ ؛ إذ التقدير مدة دوامي حياً.
فـ (مدة) : ظرف زمان.
دوام: مصدر من (دام) فسُبقت دام بـ (ما) المصدرية الظرفية فعملت عمل (كان) .
وأما القسم الثاني:
فما يعمل بعمل (كان) بشرط تقدّم نفي عليه أو شبه النفي، وشبهه شيئان: النهي والدعاء، وأضاف بعضهم الاستفهام.
وما يُشْتَرَط فيه ذلك أربعة أفعال:
أولهها: ما زال.
وثانيها: ما انفك.
وثالثها: ما فتئ.
ورابعها: ما برح.
مثاله:
قولك: (ما تزال واقفاً يا عَمْرٌو) ، بعد قولك له (لا تقف هاهنا) فقد عملت عمل (كان) لتقدم النهي عليها؛ ومِنْ ثَمَّ يُعلم أن تلك الأفعال الأربعة لا تعمل عمل (كان) إذا بُدِئَ بها من أول الكلام، بل لابد من كلام سابق لها إما حقيقة أو تقديراً.
وأما القسم الثالث:
فما يعمل عمل (كان) بلا شرط وهي بقية الأفعال.
مثاله:
قولك: (لَيْسَ عَمْرٌو شاخصاً) .
فكلمة (لَيْسَ) : فعل ماض مبني على الفتح.
و (عَمْرٌو) : اسم (لَيْسَ) مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
(عَمْرٌو يُكتَب بـ (واو) زائدة، هذه الواو تُكتَب ولا تُنطَق) .
شاخصاً: خبر اسم (لَيْسَ) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
قوله (وما تَصَرَّفَ منها)
يتعلق بهذا الجملة شيئان:
أولهما:
معنى التصرف؛ إذ معناه: مجيء تلك الأفعال ماضية وأمراً ومضارعاً.
مثال الماضي: (كان) ، ومثال الأمر: (كن) ، ومثال المضارع: (تكون، ويكون، وأكون) . فالأفعال السابقة تعمل عملها في جميع تصرفاتها.
وأما الثاني:
стр. 59
فهو أن يُعلم أن ثلث الأفعال من حَيْثُ التصرف على أقسام ثلاثة:
الأول:
ما لا يتصرف وإنما يأتي ماضياً فقط وهو (لَيْسَ) باتفاق. واخْتُلِفَ في (ما دام) ، والجمهور على أنه لا يتصرف عن الماضي.
وأما الثاني:
فما لا يأتي أمراً، وإنما يأتي ماضياً ومضارعاً وهو أربعة أفعال: (ما زال، وما انفك، وما فتئ، وما برح) .
وأما الثالث:
فما تَصَرَّفَ ماضياً ومضارعاً وأمراً وهو بقية الأفعال.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (تقول ......ذلك)
فيه ذكر أمثلة على العوامل السابقة وسبق ذكرهما ضمناً وإعرابهما - أعني المثلين المذكورين -.
فائدة:
الأفعال المذكورة سابقاً لكلٍ معنى، ففعل (كان) يدل على الكينونة، وفعل (أمسى) يتعلق بوقت المساء، وفعل (أصبح) يتعلق بوقت الصباح، وفعل (أضحى) يتعلق بوقت الضحى، وفعل (ظل) يتعلق باليوم كله، وفعل (بات) يتعلق بوقت البيات وهو الليل، وفعل (صار) يتعلق بالصيرورة وهو صيرورة الشيء من شيء إلى شيء وهو ما يُسَمَّى بالانتقال، وفعل (لَيْسَ) يتعلق بالنفي، وكذلك (ما زال، وما انفك، وما فتئ، وما برِح) ، وفعل (ما دام) يتعلق بالديمومة. وقد تُسحَب معاني تلك الأفعال لتُعطي معنى عاماً كمعنى النفي أو الانتقال ونحوهما. كقولك: (أصبح زَيْدٌ تاجراً) ؛ وأنت لا تقصد وقت الصباح وإنما تقصد الانتقال أي انتقل من فقر إلى تجارة ونحو ذلك.
ثُمّ اعلم أن (كان) وما معها من أخوات تُسَمَّى بالأفعال الناقصة لعِلَّة وهي: نُقْصانها عن حقيقة الفعل؛ إذ حقيقة الفعل تحوي أمرين:
الزمان والحدث، فَجُرِّدَتْ من الحدث، وبقي الزمان، وقيل غير ذلك.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وأما إن وأخواتها ...... الخ)
هذه الجملة يتعلق بها شيئان:
أولهما:
أن الْمُصَنِّف - يرحمه الله - أخَّر ذكْر الحروف التي تنسخ المبتدأ والخبر بعد الأفعال؛ لأنها أدنى مرتبة من الأفعال - وسبق -.
والثاني:
стр. 60
أنَّ لـ (إنَّ) نظائر تأتي وهي ما عَبَّرَ عنها الْمُصَنِّف بقوله: (وأخواتها) . وعملها: أنها تنصب المبتدأ ويُسَمَّى اسماً لها، وترفع الخبر ويُسَمَّى خبراً لاسمها.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وهي إن وأن ...... الخ)
هذه الجملة ذكر فيها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (إنَّ) ونظائرها، ولكلٍ معنى يأتي. وضرب على ذلك مثلين:
الأول: (إنَّ زيداً قائمٌ) .
وإعرابه:
إنَّ: حرف توكيد ونصْب مبني على الفتح.
زيداً: اسم (إنَّ) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
قائمٌ: خبر اسم (إنَّ) مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
وأمَّا الثاني: فـ (ليت عَمْراً شاخصٌ) .
وإعرابه:
ليت: حرف نَصْب وتمني مبني على الفتح.
عَمْراً: اسم (ليت) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
شاخصٌ: خبر اسم (ليت) مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
قوله: (وما أشبه ذلك)
يعني من الأمثلة.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (ومعنى إنَّ وأنَّ للتوكيد، ولكنَّ للاستدراك..الخ)
هذه الجملة ذكر فيها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - معنى الحروف السابقة، وأرجعها إلى خمسة معان:
أولها: التوكيد:
ويُقَال: التأكيد، والمقصود به: تقرير الشيء، وهو هنا تأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ. تقول: (إنَّ زيداً قائمٌ) فأكدت قيام زَيْدٍ بـ (إنّ) وكذلك (أَنَّ) -بالفتح - وهذا المعنى يُستعمل مع حرفين:
الأول: إنَّ - بكسر الهمزة -.
والثاني: أنَّ - بفتح الهمزة -، مع تشديدهما.
وثانيها:الاستدراك:
ومعناه: تعقيب شيء على شيء.
مثاله:
(زيدٌ صالح لكنه جاهلٌ) ؛ ومِنْ ثَمَّ لابد من أن يَسْبِق حرف (لكنّ) كلام حتى يتم الاستدراك، فلا يُبْتَدأ بها من أول الجمل.
وحرف الاستدراك هو (لكنّ) فحسب - بتشديدها -.
وثالثها: التشبيه:
ومعناه تشبيه الخبر بالمبتدأ.
مثاله:
(كأن زيداً عمرٌو) فأنت تُشبّه بين الرجلين، وللتشبيه حرف واحد وهو (كأنَّ) - بتشديدها -.
стр. 61
ورابعها: التمني:
وهو طلب ما هو محال في العادة أو يمكن وقوعه لكن بمشقة وعُسر.
مثال الأول: قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بِما فعل المشيب
وفيه تمني الشيخ أن يعود له شبابه، لِيُخْبِرَ الشباب بأوجاع الشيخوخة وأمراضها وهذا محال في العادة.
ومثال المعنى الثاني: قول الفقير: ليت عندي مالاً فأُنفقه في سبيل الله؛ إذ مجيء المال إلى الفقير قد لا يتحقق بسهولة.
وخامسها: الترجي والتوقع:
وهما معنيان:
أولهما: الترجي من رجا يرجو رجاءً، وهو طلب وقوع الْمُمكن عادة. كقول المؤمن: (لعل الله يرحمنا يا زَيْدُ) .
والثاني: التوقع، وهو إما إشفاقاً أو نحوه. كقولك: (لعل زيداً يصبح عالماً) .
فائدة:
لـ (أَنْ) - بدون تشديد مع فتح -، و (لكنْ) - بدون تشديد -، و (كأنْ) - بدون تشديد - أحكام تأتي في المطولات - إن شاء الله -.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وأما ظننت وأخواتها ......الخ)
هذه الجملة يتعلق بها شيئان:
أولهما:
تأخير الْمُصَنِّف ذكر (ظَنَّ وأخواتها) على الأولَين (كان) و (إنَّ) وعوامل كلٍ؛ لأن مَحَلّ (ظَنَّ وأخواتها) المنصوبات لا المرفوعات، والكلام هنا عن المرفوعات أصالة؛ ولكن لأن (ظَنَّ وأخواتها) من نواسخ المبتدأ والخبر ذُكِرن هنا.
والثاني:
أن (ظَنَّ) وما معها من النظائر وهي ما عَبَّرَ عنها الْمُصَنِّف بقوله (وأخواتها) لها عمل في المبتدأ والخير، فهي تنصب المبتدأ ويُسَمَّى مفعولها الأول، وتنصب الخبر ويُسَمَّى مفعولها الثاني؛ ولذا فإن (ظَنَّ وأخواتها) تشتمل على أمور ثلاثة:
أولها: الفاعل، لأنها فعل تام.
مثاله: ظننت زيداً شاخصاً.
إعرابه:
ظَنَّ: فعل ماض مبني على السكون، لاتصاله بضمير الرفع المتحرك.
والتاء: ضمير متصل مبنيٌّ على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
وثانيها: مفعولاً أول.
وثالثها:مفعولاً ثان.
ومثال ذلك: ظننت زيداً شاخصاً.
إعرابه
стр. 62
ظننت: سبقت.
زيداً: مفعول أول لـ (ظَنَّ) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
شاخصاً: مفعول ثان لـ (ظَنَّ) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وهي ظننت وحسبت ......الخ)
فيه ذكر لـ (ظَنَّ) وأخواتها وهي أقسام من حَيْثُ المعنى:
القسم الأول:
ما يُفيد الرجحان، وهي أفعالٌ:
أولها: (ظننت) من الظن.
وثانيها: (حسِبت) - بكسر السين المهملة - من الحسبان.
وثالثها: (خِلْتُ) ، أصلها: خَيِلْتُ - بكسر الياء التحتية مع فتح الخاء - فكُسِرت الخاء وسُكِّنت الياء ثُمَّ حُذِفت، وقيل غير ذلك من العلل الصرفية.
ورابعها: (زعمت) من الزعم وهو الادعاء لغة.
ومثالها:
ما ذكره الْمُصَنِّف بقوله: (ظننت زيداً منطلقاً، وخِلْتُ عَمْراً شاخصاً) .
والقسم الثاني:
ما أفاد العلم، وهي ثلاثة أفعال:
أولها: (رأيت) من الرؤية، والمقصود بها هاهنا رؤية القلب الذي بمعنى الاعتقاد لا رؤية العين الباصرة.
وثانيها: (علمت) من العلم.
وثالثها: (وجدت) من الوجدان، أي: وجدان الشيء والظفر به، ونحوه من المعاني.
ومثالها:
(رأيت الحق باطلاً) .
والقسم الثالث:
ما أفاد معنى التصيير، وفيه فعلان:
أولهما: (اتخذت) من الاتخاذ.
والثاني: (جعلت) من الجعل.
ومثاله:
اتخذت الماء زاداً.
وأما القسم الرابع:
فما أفاد السماع وهو (سمعت) .
ومثاله:
ما جاء في الحديث حكاية: (سمعتُ الناس يقولون قولاً فقلتُه) .
إعرابه:
سمعت: (سمع) فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك.
والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
الناس: مفعول أول لـ (سمع) منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
يقولون: جملة فعلية في مَحَلّ نَصْب مفعول ثان لـ (سمع) .
стр. 63
وليُعْلم: أن جمعاً من الشُّرَّاح وغيرهم أنكروا على ابن آجروم: إدخاله (سمعت) في أخوات ظَنَّ لأنها من أفعال الحواس وهي لا تتعَدّى إلى مفعولين بل إلى مفعول واحد، وعلى هذا جمهور النحويين من أن (سمع) لا تتعَدّى إلا لمفعول واحد.
لكن ذهب أبو علي الفارسي إلى أنَّ: (سمعت) من أخوات (ظنَّ) تعمل عملها، ولعل الْمُصَنِّف تبعه في ذلك - وهو من الأقوال الشاذة لأبي علي -.
فائدة:
(ظننت) وأخواتها يُسَمِّيها بعضٌ بأفعال القلوب، ويُسَمِّيها بعضٌ بالأفعال المتعَدّية يعني إلى مفعولين، ويُسَمِّيها بعضٌ بأفعال الشك، وهي تسمية الشيء ببعض معانيه، أما أفعال القلوب فالمقصود بها: الأفعال التي تتعلق بالقلوب كـ (رأى) - وسبق أنها متعلقة بالاعتقاد مَحَلّ القلب هنا -، و (عَلِمَ) ومحله القلب هنا ونحوهما. وكذلك الشك فإنه يتعلق بـ (ظننت) ونحوها المفيدة للشك والرجحان.
أما تسميتها بالأفعال المتعَدّية فهذا وصفٌ لجميعها سوى (سمعت) على قول جماهير النحويين.
باب النعت
يقول الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب النعت: النعت تابع للمنعوت في رَفْعه.. الخ)
قوله (باب النعت) يتعلق به شيئان:
أولهما:
تعريف النعت لغة: إذ هو من قولهم: نَعَتَ المرءُ الشيء إذا وصفه بشيء يتعلق به.
وأما الثاني:
فتعريفه اصطلاحاً: وهو وصف اسمٍ لاسمٍ يتبعه في الإعراب والتعريف والتنكير.
مثاله:
قولك: (قام زيدٌ العاقل) .
فـ (قام زَيْدٌ) : فعل وفاعل.
العاقل: نعت لـ (زَيْدٌ) يأخذ حكم (زَيْدٌ) إعراباً - وهو الرفع هنا - لأنه فاعل، وكذلك يأخذ حكم التعريف والتنكير - وهو هنا معرفة - لأنه يُقْصَدُ أحد أشخاص زَيْدٍ أو شخصاً مُعَيَّناً.
فائدة:
هذا الباب يُسَمِّيه بعضهم بباب النعت، ويُسَمِّيه آخرون بباب الصفة، ويُسَمَّى كذلك بباب الوصف، وكلها أسماء صحيحة.
قوله (النعت تابع للمنعوت)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
стр. 64
هو أن المنعوت وهو (زَيْدٌ) في المثال السابق يسبق النعت وهو (العاقل) في المثال نفسه.
وأما الثاني:
فهو أن النعت قسمان:
أما القسم الأول:
فنعت حقيقي، ويُعَرَّف بأنه: الاسم التابع للموصوف الرافع لضميرٍ مستتر يعود على الموصوف أو المنعوت.
مثاله: (قام زيدٌ العاقلُ) .
إعرابه:
قام: فعل ماض مبني على الفتح.
زَيْدٌ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
والعاقل: صفة لـ (زَيْد) مرفوعة بالضمة الظاهرة على آخره، وكلمة (العاقل) ترفع ضميراً مستتراً تقديره (هو) وهذا الضمير يرجع إلى زَيْدٍ.
وأما القسم الثاني:
فنعت سبَبَيّ وهو: الاسم التابع لموصوفه الرافع لاسمٍ ظاهر اتصل به - أي الاسم الظاهر - ضمير يعود على الموصوف.
مثاله: (قام زيدٌ العاقلُ أبوه) .
فـ (قام زيدٌ العاقلُ) : سبق إعرابها.
إلا أن كلمة (العاقل) : نعت سببَيّ لأنها تسبَّبَت في رَفْع اسم ظاهر وهو: (أبو) حَيْثُ رُفِعَ بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، وهو مضاف. والهاء: ضمير متصل في مَحَلّ خفض مضاف إليه يعود على الموصوف وهو (زيد) .
تنبيه:
في كلا القسمين يَرْفَع النعت - الذي هو كلمة (العاقل) في المثالين السابقين - ضميراً مستتراً أو اسماً ظاهراً اتصل به ضمير، ويكون النعت حينئذٍ كالفعل، يُقَدَّر له فعلٌ من لفظه، وما بعده يكون فاعلاً.
فكلمة (العاقل) في المثالين السابقين هي في تقدير (فِعْل) لا أنها (فِعْل) .
وكلمة (هو) في المثال الأول: فاعل في مَحَلّ رَفْع.
وكلمة أبوه: أبو: فاعل مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
قوله (في رَفْعه ...... الخ)
النعت الحقيقي والسببَي يشتركان في شيئين، ويختلفان في شيئين.
أما اشتراكهما، فيشتركان في شيئين:
الأول:
الإعراب، حَيْثُ يتبع النعت فيهما منعوته، فإن كان مرفوعاً رُفِعَ، وإن كان منصوباً نُصب، وإن كان مخفوضاً خُفض.
أما الثاني:
стр. 65
فالتعريف والتنكير، حَيْثُ إِن النعت يتبع منعوته في ذلك، فإن كان المنعوت معرفة عُرّف نعته، وإن كان نكرة نُكّر نعته.
مثال المعرفة: قام زَيْدٌ العاقل؛ إذ كلمة (زَيْدٌ) منعوت وهو عَلَمٌ على شخص مُعَيَّنٍ فكان معرفة، فَعُرِّفَ نعته بـ (ال) الْمُعَرِّفة فقيل (العاقل) .
ومثال النكرة: (مررت برجلٍ عاقلٍ) فكلمة (عاقل) نعت لـ (رجل) وهي نكرة، لأن كلمة (رجل) نكرة فتتبعها.
وأما اختلافهما ففي شيئين:
الأول:
في التذكير والتأنيث حَيْثُ إِنَّ (النعت) في النعت الحقيقي يتبع منعوته في التذكير والتأنيث، خلافاً للنعت السببَي فإنه يتبع ما بعده تذكيراً وتأنيثاً.
مثال الحقيقي:
قولك: (قام زَيْدٌ العاقل) ، فكلمة (العاقل) نعت تبعت كلمة (زَيْدٌ) في تذكيرها.
ومثال السببَي:
قولك: (رأيت هنداً العاقلة أمها) ، فكلمة (العاقلة) نعت لـ (هند) تبعت كلمة (أمها) في تأنيثها، ولم تتبع كلمة (هند) وإن كانت مؤنثة المعنى مذكرة اللفظ.
وأما الثاني:
ففي الجمع والإفراد والتثنية. حَيْثُ إنَّ (النعت) في النعت الحقيقي يتبع منعوته في الجمع والإفراد والتثنية.
مثاله: (رأبت المحمدين العاقلين) ؛ إِذْ كلمة (العاقلين) نعت لـ (المحمدين) تبعت منعوتها في التثنية فثُنِّيَ.
خلافاً للنعت السَّبَبِيّ فإنه لا يكون إلا مفرداً.
مثاله: (جاء الزيدان العاقل أبوهما) ، فكلمة (العاقل) نعت وهي مفردة لم تتبع منعوتها في التثنية.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (تقول ......بالعاقل)
حاصله ذكر أمثلة تتعلق بالنعت الحقيقي:
فمثال الأول هو: قام زيدٌ العاقلُ، وهو مثال في حالة الرفع؛ إذ كلمة (العاقل) نعت لـ (زَيْدٌ) وزَيْدٌ مرفوع، فكانت كذلك.
وأما الثاني فـ: رأيت زيداً العاقلَ، وهو مثال لحالة النصْب؛ لأن العاقل نعت لـ (زيد) وهو منصوب، فتبعته في النصْب.
стр. 66
وأما الثالث فـ: مررت بزَيْدٍٍ العاقلِ، وهو مثال على حالة الخفض؛ إذ كلمة (العاقل) نعت لـ (زَيْدٍ) وهو مخفوض بحرف الجر فتبعته.
وأما النعت السببَي فيمثل له في حالة الرفع بـ (جاء زَيْدٌ العاقلُ أبوه) ، وفي حالة النصْب بـ (رأيت زيداً العاقلَ أبوه) ، وفي حالة الخفض بـ (مررت بزَيْدٍ العاقلِ أبوه) .
يقول الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (والمعرفة خمسة أشياء: الاسم المضمر ...الخ)
هذه الجملة ذكر فيها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - المعرفة والنكرة ، وقدَّم المعرفة على النكرة ذكراً، لعلو منزلتها مع أن كثيراً من النحويين يقدمون النكرة؛ لأنها الأصل؛ ولأن المعارف مستخرجة منها.
فلتقديم الْمُصَنِّف المعرفة على النكرة وجهان:
أما الأول:
فسبق وهو علو مرتبة المعرفة على النكرة.
وأما الثاني:
فلأن معرفة الشيء المحدَّد ذا العدد أسهل من معرفة ما هو أوسع منه دائرة وبدون حد وعدد، وهو ما يُسَمِّيه العارفون بمراعاة التدرج في التعليم.
وإنما ذكر الْمُصَنِّف - يرحمه الله - المعرفة والنكرة هنا تحت باب النعت؛ لتعلقها بباب النعت حَيْثُ سبق أن النعت يتبع منعوته في تعريفه - أي كونه معرفة -، وتنكيره - أي كونه نكرة -.
فقد يقول قائل: ما هي المعرفة وما هي النكرة؟
فكان الجواب: (المعرفة خمسة أشياء: الاسم المضمر ...) إلى أخر كلام الْمُصَنِّف.
قوله: (المعرفة)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
تعريفه من حَيْثُ اللُّغَة؛ إذ أنه يرجع إلى مادة العين والراء والفاء، ومنها قولهم: عرفت الشيء معرفة إذا عقلته وعلمت به وأدركته.
وأما الثاني:
فهو تعريفها من حَيْثُ الاصطلاح، وتُعَرَّف بأنها: ما دَلَّتْ عَلَى مُعَيَّنٍ بعيدٍ لفظي أو معنوي.
مثال القَيْد اللفظي:
دخول (ال) التعريفية على النكرات ككلمة (الرجل) .
ومثال المعنوي:
اسم الإشارة؛ لأنه يدل على مُعَيَّنٍ بواسطة الإشارة، والإشارة شيء معنوي.
قوله (خمسة أشياء)
стр. 67
يتعلق به شيئان:
أولهما:
حَصْره المعارف كُلَّها في أشياء خمسة. ودليل ذلك شيئان:
الأول:
الاستقراء التام؛ حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة والنحو الكلمات العربية فوجدوا المعارف لا تخرج عن تلك الأشياء الخمسة.
والثاني:
الإجماع؛ وقد حكاه عن أئمة اللُّغَة غير واحد ومنهم: الصبَّان في [حاشيته على التصريح] وكذا غيره.
وأما الثاني:
فهو أن المشهور عند النحويين عَدّ المعارف بستٍّ، والاختلاف بينهم وبين الْمُصَنِّف لفظي؛ إِذْ إِنَّ الجمهور يذكرون اسم الإشارة والاسم الموصول كُلاًّ على حِدة خلافاً للمصنف فقد ذكرهما باسم واحد، وهو قوله (الاسم الْمُبْهَم) .
قوله (الاسم المضمر نحو: أنا وأنت)
يتعلق به ثلاثة أشياء:
أولها:
أن المضمر والضمير بمعنىً واحد، وهو ما دَلَّ على مُعَيَّنٍ بقَيْد التكَلُّم أو الخطاب أو الغَيْبَة.
فمثال قَيْد التكَلُّم: (أنا) .
ومثال قَيْد الخطاب: (أنت) .
ومثال قَيْد الغيبة: (هو) .
وثانيها:
هو أن الضمائر ثلاثة أنواع:
أولاً:
ضمائر التكَلُّم. وهي ضميران:
أولهما:
(أنا) ، وهو يدل على الْمُتَكَلِّم المفرد.
والثاني:
(نحن) ، وهو يدل على أحد شيئين:
الأول: الجماعة الْمُتَكَلِّمة.
الثاني: المفرد الْمُعَظِّم لنفسه.
ثانياً:
ضمائر الخطاب، أو المخاطبة وهي خمسة:
الأول:
(أنتَ) ، للمفرد المخاطب.
الثاني:
(أنتِ) ، بكسر التاء للمفردة المخاطبة.
الثالث:
(أنتما) ، للمثنى أو الاثنين سواء أكانا ذكرين أم أنثيين أم ذكراً وأنثى.
الرابع:
(أنتم) ، للمخاطبين الذكور.
الخامس:
(أنتن) ، للمخاطبات من الإناث.
ثالثاً:
ضمائر الغيبة، وهي خمسة:
الأول:
(هو) ، للغائب المفرد الذكر.
الثاني:
(هي) ، للغائبة المفردة.
الثالث:
(هما) ، للاثنين أو المثنى سواء أكانا ذكرين أو أنثيين أو ذكراً وأنثى.
الرابع:
(هم) ، للغائبين الذكور.
الخامس:
(هن) ، للغائبات الإناث.
стр. 68
وثالثها:
قوله (نحو أنا وأنت) فيه تمثيل على الضمائر بنوعين: وهما ضمائر التكَلُّم بـ (أنا) وضمائر الخطاب أو المخاطبة بـ (أنت) . وذِكْرُ بعض الشيء للدلالة على كلِّ الشيء من الاصطلاحات المتبعة عند اللُّغَويين وغيرهم.
قوله (والاسم العَلَم نحو: زَيْدٌ ومكة)
يتعلق به أشياء ثلاثة:
أولها:
العَلَم بمعنى: العلامة لغة، وفي الاصطلاح: ما دَلَّ على مُعَيَّنٍ بلا قَيْد تكَلُّم ولا خطاب ولا غيبة.
ومثاله:
كلمة: (إبراهيم) عَلَم على نبي رسول؛ حَيْثُ دَلَّ على ذلك العَلَم دون قرينة تكَلُّم ولا غيرها.
ثانيها:
أنَّ العَلَم قسمان:
أولهما:
عَلَم مذكر وهو نوعان:
الأول:
ما كان تذكيره لفظياً كـ (إبراهيم) .
والثاني:
ما كان تذكيره معنوياً كـ (طلحة) .
وثانيهما:
عَلَم مؤنث وهو نوعان:
الأول:
ما كان تأنيثه لفظياً كـ (مكة) .
والثاني:
ما كان تأنيثه معنوياً كـ (زينب) .
وقد يجتمع التذكير اللفظي والمعنوي كما في (محمد) ، وكذلك يجتمعان في المؤنث كما في (فاطمة) .
ثالثها:
قوله (نحو زَيْدٌ ومكة) وهو تمثيل على العَلَم ببعض مفرداته فَمَثَّلَ على المذكر بـ (زيد) ، وعلى المؤنث لفظاً بـ (مكة) إشارة إلى قسمي العَلَم السابقين.
قوله: (والاسم الْمُبْهَم نحو: هذا وهذه وهؤلاء)
يتعلق به أشياء ثلاثة:
أولها:
الْمُبْهَم: اسم مفعول من الإبهام، وهو يرجع إلى مادة (أَبْهَمَ) ومنها قولك: أبهمت الأمر ضد إيضاحه. والاسم الْمُبْهَم هنا يُقْصَدُ به شيئان:
أحدهما:
اسم الإشارة. وهو ما دَلَّ على مُعَيَّنٍ بواسطة الإشارة، وله مفردات:
أولاً: (هذه) ، وهي تدل على المشار المفرد المؤنث.
ثانياً: (هذا) ، وهي تدل على المشار المفرد المذكر.
ثالثاً: (هذان وهذين) ، وهما يدلان على مشار مثنى أو اثنين من الذكور.
رابعاً: (هاتان وهاتين) ، وهما يدلان على مشار مثنى أو اثنتين من الإناث.
стр. 69
خامساً: (هؤلاء) ، وهو يدل على مشار جمع ذكوراً أو إناثاً.
وأما الثاني:
فالاسم الموصول. وهو ما دَلَّ على مُعَيَّنٍ بواسطة الصلة وله مفردات:
أولاً: (الذي) ، وهو يدل على مفرد من الذكور.
ثانياً: (التي) ، وهي تدل على مفردة.
ثالثاً: (اللذان واللذين) ، وهما يدلان على مثنى أو اثنين من الذكور.
رابعاً: (اللتان واللتين) ، وهما يدلان على مثنى من الإناث.
خامساً: (الذين) ، يدل على جمع من الذكور.
سادساً: (اللائي واللاتي) ، يدلان على جمع من الإناث.
ثانيها:
إنما أُدْخِل الاسم الموصول واسم الإشارة تحت الاسم الْمُبْهَم، لأن فيهما إبهاماً لمطلق معنى الإشارة ومطلق معنى الصلة، لكن بمعرفة المشار أو الاسم الصلة - ذهناً أو ذكراً أو حضوراً بإشارة حسية إليه - يندفع معنى الإبهام.
ثالثها:
قوله: (نحو هذا وهذه وهؤلاء) فيه تمثيل على الاسم الْمُبْهَم ببعض مفردات أحد نوعيه وهو اسم الإشارة.
وقد ذهب بعض الشراح إِلى أنَّ الْمُصَنِّف أغفل الاسم الموصول، ولم يذكره سهواً؛ لأن الاسم المفرد أبان عنه بالتمثيل، وكان التمثيل قاصراً على اسم الإشارة.
ولكنه اعتراض مرفوض بقاعدةٍ سبقت وهي: أن كل الشيء يُذْكَرُ ببعض مفرداته.
قوله: (والاسم الذي فيه الألف واللام...... الخ)
يتعلق به أشياء ثلاثة:
أولها:
عنى الْمُصَنِّف الاسم المعَرَّف بـ (ال) وسبق أن التعبير عن الألف واللام بـ (ال) أولى مع وجود وجه لنطقها بـ (الألف واللام) .
ثانيها:
المعَرَّف بـ (ال) نوعان:
أولهما:
ما أفادت فيه (ال) العهدية.
ومنها العهد الذكري: كما في قوله تعالى ﴿فعصى فرعونُ الرسولَ﴾ حَيْثُ سبق ذكر الرسول وهو موسى.
ومنها العهد الذهني: كما في قوله تعالى ﴿إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ الغار معروف في العهد الذهني.
والثاني:
стр. 70
(ال) المفيدة للجنس والاستغراق. كقولك (إن الإنسان لظلوم جهول) فـ (ال) هنا تدل على استغراق جميع مفردات الإنسان وجنسه.
ثالثها:
قوله (نحو الرجل والغلام) فيه تمثيل على (ال) المعرِّفة بمثلين، وهما يدلان على (ال) الاستغراق والجنس في الأصل.
قوله (وما أضيف إلى واحد من هذه الأربعة)
يعني الأربعة السابقة وهي الاسم المضمر والاسم العَلَم والاسم الْمُبْهَم والاسم المعَرَّف بـ (ال) . فإذا أضيف اسم إلى أحد تلك الأربعة اكتسب التعريف بإضافته إليه.
مثاله:
قولك: (غلام زَيْدٍ) فـ (زَيْدٍ) معرفة لأنه اسم عَلَم أضيف إليه اسم (غلام) فاكتسب المعرفة بإضافته إليه. مع أن أصله نكرة.
فائدة:
المعارف في القوة والضعف من حَيْثُ المعرِفِيَّة على مراتب:
أعلاها: الاسم المضمر، وأعلى المضمرات ضمير التكَلُّم ثُمَّ يليه ضمير الخطاب ثُمَّ يليه ضمير الغيبة.
وثانيها: الاسم العَلَم.
وثالثها: اسم الإشارة.
ورابعها: الاسم الموصول.
وخامسها: الاسم المعَرَّف بـ (ال) .
وأما الاسم المضاف إلى واحد من تلك الأشياء فبحسب المضاف إليه، فإذا أضيف إلى ضمير كان في مرتبة الضمير، وإن أضيف إلى عَلَم كان في مرتبة العَلَم، وإن أضيف إلى اسم إشارة كان في مرتبة اسم الإشارة وهكذا.
ومثاله في باب الإضافة هنا: غلامك، وغلام الذي جاء، وغلام الرجل، ونحوها.
قوله: (والنكرة كل اسم شائع في جنسه)
يتعلق به أشياء ثلاثة:
أولها:
النكرة: مأخوذة من تنكير الشيء، ضد المعرفة وتعريفه، وقد حدَّه الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بقوله (كل اسم شائع في جنسه لا يختص به واحد دون آخر) .
فقوله (كل اسم) يخرج: الفعل والحرف. وقوله (شائع) يعني عام، تقول (أشعت الأمر) إذا عمَّمْتَه. وقوله (في جنسه) هو ما يُسَمَّى بالأجناس أو الجنس.
ومثاله:
стр. 71
كلمة: (امرأة) و (رجل) ، فـ (امرأة) تشمل جميع جنس المرأة أي: جميع مفردات النساء من فاطمة وزينب وحفصة وغير تلك المفردات. وكذلك كلمة (رجل) تشمل جنس الرجال أي: جميع مفردات ذلك الجنس كزَيْدٍ وعَمْرٍو ومُحَمَّدٍ وغيرهما.
وقوله (لا يختص به واحد دون آخر) أي: لا يختص بكلمة (رجل) : زيد دون عَمْرو، ولا عَمْرو دون مُحَمَّد. وكذلك قل في كلمة (امرأة) من عدم اختصاص فاطمة بهذه الكلمة أي كلمة (امرأة) دون زينب، ولا زينب دون حفصة.
ثانيها:
قوله: (وتقريبه) أي: على المبتدئ بتعريف ذَكَرَهُ وهو قوله: (كل ما صَلَح دخول الألف واللام عليه) .
كلمة (صَلَح) فيها ضبطان: بفتح اللام وضمها (صَلَح) و (صَلُح) ، أي ما جاز دخول الألف واللام عليه، والمقصود بمقتضى فصيح الكلام لا بلحنٍ ورطانة.
وفيما ذكره الْمُصَنِّف - يرحمه الله - دلالة أن النكرة تُحَدّ ولا تُعَدّ، أي تُعرَّف بحدٍ وتعريف؛ لا بِعَدٍّ لمفرداتها وأجناسها؛ لكثرة ذلك ولأنها فوق الحَصْر خلافاً للمعارف فإنه عَرَّفها بِعَدٍّ لكونها تحت الحَصْر.
ثالثها:
قوله: (نحو الرجل والفرس) وفيه تمثيل على النكرة ببعض مفرداتها؛ إذ كلمة (رجل) وكلمة (فرس) تصلح اسماً لجميع مفردات جنسها وتقبل (ال التعريفية) فيُقَال (الرجل) و (الفرس) .
باب العطف
يقول الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب العطف)
يتعلق به أشياء ثلاثة:
أولها:
تعريفه من حَيْثُ اللُّغَة: إذ هو الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، تقول: (مررتُ بالسوق ثُمَّ عطفتُ عليه) إذا رجعتَ إليه بعد انصرافك عنه.
ثانيها:
تعريفه اصطلاحاً: ويُعَرَّف بأنه: التابع الذي توسط بينه وبين متبوعه أحد عشرة أحرف: كالواو والفاء وثُمَّ وغيرها. وهذا تعريفٌ لعطف النَّسَق وهو الذي ذكره الْمُصَنِّف هنا.
ثالثها:
لِيُعلم أن العطف قسمان:
أولهما:
عطف النَّسَق وسبق تعريفه.
стр. 72
وكلمة (النَّسَق) معناها في اللُّغَة: عطف شيءٍ على شيءٍ، أو كون شيئين فأكثر في نظامٍ واحد، وهذان المعنيان اللُّغَويان مقصودان هنا.
مثاله:
(جاء مُحَمَّدٌ وزَيْدٌ) حَيْثُ إِن كلمة (زيد) تابعة لكلمة (مُحَمَّدٌ) في حكم المجيء وفي الإعراب توسَّط بينها وبين متبوعها - وهي كلمة (محمد) - حرف الواو وهو: حرف العطف.
وله حروفٌ عشرة يأتي الكلام عنها.
وأما الثاني:
فعطف بيان، ويُعَرَّف بأنه: التابع الجامد الموضِّح لمتبوعه في المعارف والمخصِّص لمتبوعه في النكرات.
فكلمة (التابع) أي أنه من التوابع الخمسة التي تتبع متبوعها في الإعراب، وكلمة (الجامد) ضد المشتق وتشمل معنيين:
الأول:
كل اسم دَلَّ على ذاتٍ مُعَيَّنة كـ (إبراهيم ومحمد) ونحوهما.
والثاني:
كل معنىً لم يُنظَر فيه إلى صفته التي اشتُقَّ منها.
مثاله:
أسماء الأجناس المحسوسة ككلمة (الإنسان) فإن إطلاقها في الاستعمال العربي جرى لمعنىً يُقَال هو (النَّوْس) - والنَّوْس هو الحركة - لكن لا يلتفت إلى اشتقاقه من (النَّوْس) وهي صفته عند إطلاقه.
وكلمة: (الموضِّح لمتبوعه في المعارف، والمخصِّص لمتبوعه في النكرات) يؤخذ منها أنَّ المعطوف يأتي لإحدى فائدتين:
أما الأولى:
فتوضيحه لمعرفةٍ عُطِفَ عليها.
مثاله:
(جاء مُحَمَّدٌ أبوك) فكلمة (أبوك) أو (أبو) عطف بيان حَيْثُ أفادت توضيحاً للمعطوف عليه وهو كلمة (محمد) .
وإعرابها بأن يُقَال:
جاء مُحَمَّدٌ: فعل وفاعل.
أبو: عطف بيان على (محمد) ، يأخذ حكمه، وهو مرفوع، وهو مضاف، والكاف مضاف إليه مبنية على الفتح.
والثانية:
تخصيص المعطوف عليه إن كان نكرة:
مثاله:
قول الله : ﴿من ماء صديد﴾ . حَيْثُ إِن كلمة (صديد) عطف بيان على كلمة (ماء) خصصَّته من أجناس المياه.
وإعرابه أن يُقَال:
من ماء: جار ومجرور.
صديد: عطف بيان على كلمة (ماء) ويأخذ حكمها وهو الخفض.
стр. 73
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وحروف العطف عشرة)
يتعلق بها أشياء ثلاثة:
أولها:
جَعْلُه أحرف العطف عشرة، له دليلان:
أما الأول:
فالاستقراء التام.
وأما الثاني:
فالاتفاق إلا في حرف (وإمّا) . فإن الجمهور على أن العاطف فيه (الواو) الملازمة له لا (إمّا) .
ثانيها:
كلمة (عشرة) فيها ضبطان:
الأول: بالتحريك (عشَرة) .
والثاني: بالتسكين (عشْرة) وكلاهما صحيح مستعمل.
ثالثها:
لِيُعْلم أن هذه الأحرف نوعان:
أولهما:
ما اشترك في اللُّغَة - أي الإعراب - والحكم - أي المعنى -، وهي جميع الأحرف العشرة سوى ثلاثة أحرف وهي - أعني الأحرف المنطبق عليها الوصف السابق -: الواو والفاء وثُمَّ وأو وأم وإمّا وحتى (في بعض أوجهها) .
مثال ذلك:
قولك: (جاء مُحَمَّدٌ وعَمْرٌو) . فالمعطوف هو كلمة (عَمْرٌو) شارك كلمة (محمد) في شيئين:
الأول: اللُّغَة - أي الإعراب - فأُعرِب إعراب (مُحَمَّدٌ) وهو الرفع؛ لأنه معطوف على (محمد) بحرف الواو.
والثاني: شاركه في المعنى المقترن بالمعطوف عليه وهو معنى المجيء الداخل على كلمة (مُحَمَّدٌ) أي (جاء مُحَمَّدٌ وجاء عَمْرٌو) .
مثال ثانٍ:
(جاء زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو) فإن كلمة (عَمْرٌو) تشارك زيداً في شيئين:
الأول: اللُّغَة - أي الإعراب - فتأخذ إعراب (زَيْدٌ) وهو الرفع لعطفها عليها بحرف (ثُمَّ) .
والثاني: تشاركها في هذا الداخل على المعطوف عليه وهو معنى المجيء، فالتقدير (جاء زَيْدٌ ثُمَّ جاء عَمْرٌو) .
وأما النوع الثاني:
فما شارك المعطوف عليه في اللُّغَة والإعراب فقط دون الحكم والمعنى، وهو ثلاثة أحرف هي: (بل، ولا، ولكن) . وذلك لأنها تفيد معنىً يقتضي المغايرة بين ما بعدها وما قبلها، فلم تكن الشركة بين ما قبلها وما بعدها إلا في الإعراب.
مثاله:
стр. 74
(جاء مُحَمَّدٌ بل زَيْدٌ) . فكلمة (زَيْدٌ) معطوفة على كلمة (مُحَمَّدٌ) فتأخذ إعرابها وهو الرفع للفاعليّة بسبب حرف (بل) العاطف، لكن لا تشاركها كلمة (زَيْدٌ) في الحكم والمعنى؛ لأن (بل) إضرابٌ عن (مُحَمَّد) أنه لم يجيء، وإثباتٌ للمجيء لـ (زَيْدٍ) ، وهذا من باب النسيان أو الذهول أو نحو ذلك.
قوله (وهي الواو والفاء ......الخ)
لكل حرف من هذه الحروف معنى.
فحرف الواو يدل على ثلاثة معان:
أولها:
التشريك - أي في الحكم - بين المعطوف والمعطوف عليه.
وثانيها:
التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
وثالثها:
العطف، إلا أن معنى العطف معلومٌ بوروده في باب العطف ولذا لا يذكره جمهور النحاة وهم يقصدون بالعطف هنا التشريك في الإعراب.
وأما حرف الفاء فيدل على ثلاثة معان:
أولها:
التشريك وسبق معناه.
وثانيها:
الترتيب، معناه: أخذ حكم المعطوف بعد حكم المعطوف عليه.
وثالثها:
التعقيب، ومعناه: مجيء شيء بعد شيء لكن بلا مهلة. وكونه بلا مهلة بحسب الشيء المعطوف.
مثال ذلك:
(جاء زَيْدٌ فعَمْرٌو) فكلمة (فعَمْرٌو) فيها معنى التشريك في حكم الإعراب لكلمة (زيد) ، وفيها معنى الترتيب لأن مجيء (عَمْرٍو) بعد (زَيْدٍ) ، وفيها معنى التعقيب لأن مجيء (عَمْرٍو) كان عقب مجيء (زَيْدٍ) أي بلا مهلة.
وأما حرف (ثُمَّ) فيشمل ثلاثة معان:
أولاً:
معنى التشريك وسبق.
ثانياً:
معنى الترتيب وسبق.
ثالثاً:
معنى التراخي. ويُقْصَدُ بالتراخي مجيء شيء بعد شيء لكن بمهلة.
مثاله:
(دخلت مكة ثُمَّ المدينة) أي كان بين دخولك مكة والمدينة مهلة.
وأما حرف (أو) :
فيدل على معنى التشريك وسبق.
ومعنى التخيير كقولك: (تزوج هنداً أو أختها) . فالمخاطب مُخَيَّر بين هاتين المرأتين بحرف (أو) .
ومن المعاني الإباحة كقولك: (جالِسْ سعداً أو عَمْراً) إذ مجالسة الاثنين مباحة في قصد الْمُتَكَلِّم هنا.
стр. 75
والفرق بين معنى الإباحة ومعنى التخيير السابق هو: أن معنى التخيير لا يجوز فيه الجمع بين ما وقع التخيير فيه خلافاً لمعنى الإباحة فيجوز الجمع.
بيانه:
أن جملة (تزوج هنداً أو أختها) يمنع الشرع الجمع بين المرأة وأختها في الزواج، ولذلك لا يجمع بين هند وأختها، خلافاً لجملة (جالِسْ سعداً أو عَمْراً) إذ فيه إباحة الجلوس معهما.
وأما حرف (أم) :
فيأتي لمعنى التشريك وسبق.
ويأتي لمعنى التعيين ولذلك يسبقه استفهام.
مثاله:
(أضربت زيداً أم عَمْراً) فأنت تطلب تعيين المضروب مُسْتفهِماً في ذلك.
وأما حرف (إمّا) بكسر الهمزة:
فهو يأتي لمعنى التشريك ولغيرها كما في قوله تعالى ﴿فإمّا منّاً بعدُ وإما فداءً﴾ .
وجمهور اللُّغَويين على أن حرف (إمّا) لَيْسَ من حروف العطف. وأما مجيئه عاطفاً في بعض الجمل كما في الآية السابقة فعُطِف بحرف (الواو) السابق له والملازم له، ولم يكن العطف به أي بـ (إمّا) .
وأما حرف (بل) :
فهو لمعنى التشريك في الإعراب فقط، وسبق.
ويأتي لمعنى الإضراب.
مثاله:
(جاء مُحَمَّدٌ بل زَيْدٌ) . فحرف (بل) ضَرَبَ على مجيء (مُحَمَّدٍ) فكأنه لم يأتِ.
ولعملها في العطف شروط: منها كون ما بعدها مفرداً.
وأما حرف (لا)
فيأتي لمعنى التشريك في الإعراب فقط.
ويأتي لمعنى النفي.
ومثاله:
(اضرب زيداً لا عَمْراً) وهو هنا للنهي، فأنت تنهى عن ضرب عَمْرٍو وتجعل الضرب نازلاً على زَيْدٍ.
ولعمل (لا) في العطف شروط: منها أن يتقدم عليها طلبٌ بأمرٍ أو نهي ونحوهما.
وأما حرف (لكن) :
فيأتي لمعنى التشريك في الإعراب فقط، وسبق.
ويأتي لمعنى الاستدراك.
ولعملها في باب العطف شروط: منها كون ما بعدها مفرداً.
وأما حرف (حتى) :
فهو يأتي لمعنى التشريك، وسبق.
ويأتي لمعنى الغاية.
ويأتي لمعنى التدريج.
ومثاله:
следующие страницы →