وفي اختيار "يا" للنداء، وهي عند بعض أهل العلم لنداء البعيد للدلالة على أن المنادى فيه شيء من البعد بالمعصية والذنوب عن المنادِى ﷻ ، فعليه أن يصغى لما ينادى عليه به ليزداد بهذه الطاعة قربا
وجاء تعريف المنادَى باسم الموصول دلالة على أنه المعروف بالصلة التى هي الإيمان وكأنَّ هذا الإيمان هو أجل ما يعرف به ذلك المنادَى، فهو شرفه الذي عليه أن يستمسك به، وأن يفخر بنعته به وأن يسعى إلى زيادته وتثبيته بالإكثار من الطاعات، والفرار من السيئات، فعليه العناية بفقه ما هو آت من بعد ذلك النداء من أمر بمعروف ونهي عن منكر.
ولم يأت في القرآن الكريم نداء " المؤمنين" إلا في آية واحدة في سورة " النور " حيث يقول الله تعالى: " وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون "
فأنت تلاحظ هنا أمورًا مهمة:
تلاحظ أنه أخَّر النداء عن الأمر، فقال أولا:" توبوا" ثم قال " أيه المؤمنون" لأن النداء في أصله لتنبيه الغافل أو البعيد، وهؤلاء ليسوا بالغافلين ولا بالمحل البعيد، ذلك أنهم مؤمنون، أيْ صارَالإيمان نعتا لهم، فهم معرفون بالصفة لابالصلة أي أن الإيمان في قلوبهم صار ملازما لهم ملازمة النعت منعوته، فهو فيهم كالطول في الطويل والقصر في القصير لايكاد يتخلى عنه، وقد جاء البيان بكلمة " المؤمنون" في سياقات التشريف والتكريم والثناء
" إِنَّما المؤمِنُون الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...." ﴿ألأنفال﴾
" والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنات بَعْضهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ " ﴿التوبة﴾
" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون َ" ﴿المؤمنون﴾
" وكانَ حَقًا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ" ﴿الروم﴾
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً" ﴿الحجرات﴾
" وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" ﴿المنافقون﴾
стр. 37
أما " الذين آمنوا " فإن الإيمان ما يزال فعلا من أفعالهم، فيحتمل أن يزول وأن يحول، فكانوا بحاجة إلى الإكثار من أمرهم ومن نهيهم
وتلاحظ أن النداء في " أيُّه المؤْمِنُونَ" جاء بقوله " أيه" من غير حرف ندا " يا" وفي حذف حرف النداء دلالة على قرب المنادَى من المنادِي ﷻ .
وقد يقوم في صدرك أنه لو كان ذلك كذلك لكان أحق من نودي بحذف حرف النداء معه هو الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهو أقرب الخلق لمن ناداه .
قد يقوم ذلك في صدرك، غير أنه قد غام عنك أمرٌ مهم، هو أن في البيان عنه بوصف النبوة أو الرسالة في ندائه، قرينة دالَّة على أن ذكر حرف النداء معه" يا" ليس للتنبيه المترتب عليه القرب والبعد، بل النداء معه للتكريم والتحبب، فهو نداء حبيب لحبيب، ومن ثَمَّ لايكون ذكر حرف النداء معه للتنبيه، ومن ثم لم يناد إلا بـ " يا" الذي هو أم حروف النداء.
وفي قوله (آمنوا) حذف للمتعلِّق بفعل الإيمان، وفيه دلالة على أنهم آمنوا بكل ما أمر الله الإيمان به لم يتركوا منه شيئا، لأن من آمن بما أمر الله تعالى بالإيمان به وترك شيئا واحدًا لم يؤمن به فهو كافر لايدخل في زمرة الذين آمنوا
ومن ثَمَّ يتبين لك أن من لم يؤمن بنبي واحد من الأنبياء وآمن بسائرهم، فليس بمؤمن، فتتهاوى مزاعم قوم قد نسبوا أنفسهم إلى العلم بأن من النصارى من هو موحد لايقول بالتثليث، ويؤمن بكل الأنبياء خلا السيد المعصوم خاتم الرسل محمد ﵌ من أنه في زعمهم نبي العرب وحدهم، وأن من كان كذلك من النصارى فهو موحد من أهل الجنة، زعم ذلك بعض الناس، وما يزال زعمه ينشر في المسلمين
стр. 38
هذا قول باطل لاأساس له من الصحة، بل من آمن بأنَّ من لم يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو من أهل الرحمة، فهو نفسه خارج عن الملة، مثل الذي يزعمه ضلالة أنه داخل فيها، وخواتيم سورة البقرة مقررة ذلك تقريرًا لايدع لذي لسان أن يحركه بغير ما جاء فيها كائنًا من كان،وإن غضب بهذا أقوام وتَمَعَّرَتْ وجوه، ولكن الحق أحق أن يجهر به ويؤذن ويتبع ويرتفع.
وجاء البيان عن فعل صلة الموصول " آمنوا" بالإيمان دون الإسلام فلم يقل:يأيها الذين أسلموا؛ ذلك أن كلمة"أسلموا" لها دلالتان:
الأولى الدلالة التى هي قسيم الإيمان والتى بيَّنها حديث "جبريل " المشهور وهذه الدلالة هي مفتاح الدخول في الإسلام بمعناه الشامل ولايكفي أن يقف المرء عندها لايتعداها، ولا يصلح اًصحابها الواقفون عندها لما جاءت له تلك الأوامر، فلابد من أن يصحب الشهادتين اعتقاد وعمل.
والأخرى الدلالة الشاملة التى يكون الإيمان جزءًا منها وليس قسيما لها، وهي دلالة إسلام الوجه لله تعالى في كافة شئون الحياة، وهذا هو المعنى العام الذي جاءت به كل الرسالات الإلهية
فأدنى درجات السلوك هي درجة الإيمان، يعلوها درجات منها التقوى، وأعلاها درجة الإحسان التى فسرها حديث " جبريل " المشهور.
стр. 39
إنَّ فقه النداء في القرآن الكريم يُعْنى بتبصُّر ما يعبر به عن المنادَى في سياقه والقصد المنصوب له الكلام، وهذا تراه ظاهر التصريف البليغ المعجز في نداء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حينا يناديه: يأيها النبيُّ، وحينًا يناديه: يأيها الرسول، ولكلٍّ سياقُه ومقامُه ومقتضاه، ولم يأت البتة: يا محمد، كما جاء في نداء سائر الأنبياء على الرغم أنَّ في اسمه: " محمد" من الثناء ما فيه، فهو دالٌّ على ذاته ونعته: أيْ المُبالَغِ في حمْدِه لعظيم خلقه ومنزلته عند ربِّه وهذا من عظيم إجلال الله عبده ونبيه ورسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
بلاغة الاستفهام في قوله تعالى:
(مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)
في قوله (مالكم) استفهام توبيخى يجلد ظهر كل متثاقل عن الجهاد وقدهُيِّئ له فكيف بمن دُعِى إليه وحُثَّ وأُغْرِيَ بِه، ولم يُحرم منه أو يُحَرَّم عليه، كما هو حالنا في زماننا هذا، وقد حُرَّمَ علينا أن نجاهد أعداء الإسلام، فمن يفعل، فقد باء بجريرة لاقرار له معها في أرض تطلع عليها الشمس.
ومعنى الاستفهام:" أي شيء لكم في التثاقل عن الجهاد وقت أن يقال لكم انفروا في سبيل الله تعالى؟
وغيرخفي أن في هذا نفيا عظيما لأن يكون لهم أدنى ما يحملهم على التثاقل عند دعوتهم إلى الجهاد، وهذا مسلك من مسالك النفي المؤكد الذي لا قِبَلَ للمعاند إلى نقضه
стр. 40
وهو يحمل مع معنى التوبيخ وتقرير النفي وتأكيده معنى الذم بأن يكون منهم من المعابات ما لم يجدوا ما يدعوهم إليه في مقابلة ما يجتهد في دعوتهم إلى نقيضه الذي فيه عِزُّهم، فإذا كان غير حميد من العاقل أن تكون منه معابة وإن أغري بها وحُمِلَ إليها بل حُمل عليها، فكيف الأمر إذا لم يك شيء من ذلك بل كان ما هو مغرٍ بنقيضه من المكرمات؟
إنَّ في هذا الاستفهام من المعانى ما يهز القلب المعافى من داء الغفلة هزًا لا يستقر الجنب معه على فراش.
وفي قوله (إذا قيل لكم) بناء لفعل القول لغير الفاعل، فلم يصرح بفاعله إيماء إلى أن مناط التوبيخ والمذمة ليس متعلقًا بأن القائل فلان أو فلان، بل ذلك متحقق، وإن كان الداعى إلى الجهاد في سبيل الله استنصارًا للحق ودعوة إلى الله تعالى أصغرَ رجال الأمة أو نسائها، فكيف إذا ماكان القائل هو النبي المصطفى ﷺ ؟!!!
في عدم تعيين القائل حث على النِّفار إذا ما سمع المسلم: حيَّ على الجهاد، من غير أن يتلبث ليعرف مَنْ الداعِى، فإن كان عظيما خرج، وإلا فلا، بل هو الخرَّاج إلى الجنة كلَّما دعي إليها، ولن يكون العاقل البتة آبيا دخولها بالتثاقل عن الجهاد في سبيل الله تعالى وفي عدم تعيين الفاعل بالتصريح بذكره إبلاغ في توبيخ من تثاقل ـ وهم قليل ـ وقددعاه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه للجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جاء البيان القرآني مؤكدًا فريضة الطاعة لدعوته:
" يأيُّها الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ ولِلرسولِ إذا دَعَاكُمْ لِما يحْييكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِليْهِ تُحْشَرُونَ.
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصيِبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " ﴿الأنفال:٢٤-٢٥﴾
стр. 41
وفي قوله (لكم) زيادة في تصوير ما كان من المتثاقلين ـ وهم غير كثير ـ وأنهم قد أعرضوا عن خير عظيم قد ووجهوا به وكوفحوا به مباشرة، فهم المنصوب لهم القول الملقي به في آذانهم، والمؤذن به في ديارهم، ومن كان هذا شأن دعوته لايكون منه إلا القومة نصرة للداعي، وهم الذين كانت أجدادهم في الجاهلية، لا تنتهى صرخة الاستنصار بهم إلا وهم على صهوات جيادهم، وقد عَلِقَتْ السيوفُ في عواتقهم يطيرون حيث المستنصر زرافات ووحدانا، فما بالهم اليوم، وقد سلك الله تعالى بفضله الإيمان في قلوبهم، وأقامهم من خلف أحب وأعظم من خلق من العالمين؟
أي فعلة تلك التى كانت من تلك الشرذمة القليلة من المتثاقلين؟
وأىُّ إخلاد إلى النعمة الزائلة الذي أخذ بهم؟
وكم هي محطمةٌ مقاربةُ المحبةِ لشهواتِ الدنيا الدَّانية الدَّنِيَّة؟
في قوله (لكم) تصوير لما كان من حالهم لايكون لنا علم به إذا ما طوي ذكره، ويزيد في هذا اقتدارًا تقديمُه على " انفروا ... " فكأنهم قد بلغوا حدًا من الرغبة عن النِّفار في سبيل الله افتقروا معه إلى أن يقال لهم انفروا، وشأن المسلم أن يكون على أهبة واستعداد وتطلع إلى نعيم الجنة.
وقوله " (انفروا) جملة طلبية أُريد بها وجوب تحقيق ما طلب، وجاء البيان بالفعل (انفروا) دلالة على أنه لايراد منهم مجرد الخروج في سبيل الله على أي حال كان ذلك الخروج
وإنما يراد منهم النفرة: أي الخروج السريع والفزع العظيم بجٍِّد دونما تَلَبُّثٍ وتردد أو تبيُّن، وكأنَّ أمرًا مُبِيرًا سيَحِلُّ بهم، فما عليهم إلا المبادرة والمسارعة إلى الخروج في سبيل الله
ويبقى افْتِقاري إلى النظر في تعدية الفعل (انفروا) بـ" في" من دون قوله " إلى" كما يهدي إليه ظاهر النظر، إذ يقال: نفر إليه ونفر عنه
стр. 42
يقول " الطبري": " انفروا: أي اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم وأصل " النفر" مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نفور الدَّابة غير أنَّه يقال من النفر إلى العزو: " نفر فلان إلى ثغر كذا ينفر نفرًا ونفيرًا "
وأحسب أن هذا من الفروق التى يفرقون بها بين اختلاف المخبر عنه، وإن اتفقت معانى الخبر، فمعنى الكلام: مالكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرجوا غزاة (في سبيل الله) أي في جهاد أعداء الله " (١)
يقول " الزمخشري " (٢) في " أساس البلاغة ": " ونَفَرَ القومُ إلى الثَّغْرِ نَفيرًا، وجاء نفيرُ بنى فلانٍ ونَفْرُهُم وَنَفْرَتُهُم، وهم الجماعة الذين ينفرون إلى العدو " اهـ
وكأنَّ مآل المعنى: انفروا إلى الجهاد سائرين في سبيل الله، فلا يكون الجار والمجرور" في سبيل الله" متعلقا بالفعل " انفروا" بل متعلقا محذوف حال من فاعل الفعل "انفر" فهو من ضروب الإيجاز
стр. 43
بالحذف اللطيف أنت تراه قد حذف متعلِّق الفعل المحذوف، وذكر متعلقِّ الحال المحذوف، وكأنَّ في هذا إيماءً إلى أن النِّفارَ الذي هو مناط الطلب إنما هو النفارُ إلى الجهاد، وأن غيره ليس محلا لأن يطلب وأن يحمل الناس عليه وأن يوبخوا على التقاعس عنه،وفي هذا إبلاغ عظيم في تصويرمنزلة الجهاد في سبيل الله تعالى، فكأنَّ من عطاء اسلوب الحذف هنا الإبلاغ في تصوير المعنى المراد، فانظر كيف يكون ترك الذكر إبلاغًا في الإبانة عن معانيك، فليست العبرة في بيان العربية أن يكثر ملفوظ لسانك، بل العبرة أن يفيض مكنون جنانك من رحم قليل من ملفوظ لسانك.وقوله (في سبيل الله) فيه تصوير لمن نفر إلى الجهاد مخلصا قصده ومطلبه بأنه إنما هو سائر في سبيل الله،ومن كان كذلك فإن قلبه غارق في الطمأنينة، لأن سبيل الله تعالى محصَّنٌ من أن يحوم من حوله من كان عدوًا لله تعالى، فهذا منادٍ للمجاهد أنك إن أخلصت النية واحتسبت، فاعلم أنك سائر في سبيل الله المحفوف بالعناية الربانية
وأهل العلم شاع عنهم أنهم يقولون إن قوله (في سبيل الله) يراد به مجاهدة أعداء الله تعالى وما هذا منهم إلا من تخصيص الدلالة العامة وكأنَّ فيه صورة من صور مايعرف عند البلاغيين بالمجاز المرسل حيث عبر بالكلِّ وأراد بعضه، أو عبر بالمطلق وأراد المقيد
وهذا من الإبلاغ في تصوير منزلة الجهاد على الرغم من أن كل عمل صالح (أي أريد به وجه الله تعالى ووافق الشرع) فاعله سائر في سبيل الله تعالى
وفي اصطفاء (في) إيماءإلى احتواء العناية الربانية من يسير فيه بدْءًا ومنتهى
وفي اصطفاء كلمة " سبيل" إيماء إلى أنَّ فيه امتدادًا وسهولة، يقال: للمطر " سَبَلٌ" إذا ما كان نازلا، وإسبال الثياب امتدادها أسفل الكعبين، وفي هذا إيماء إلى أن سبيل الله إلى الجنة ممدود لايتناهى يتفاوت العباد في اجتيازه، وهذا فيه حثٌ على ان يشمر المسلم عن ساقيه
(يَأيُّها الَّذينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابُرُوا ورَابِطُوا واتَّقُوااللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ﴿آل عمران﴾
ويأتي قوله (اثاقلتم) دالا بما فيه من ذلك الإدغام على جسامته، فهو تثاقلٌ جد جسيم، والتثاقل فيه معنى التساقط، إيماء لهم أنهم من قبل حالهم هذه كانوا في علياء وتَرَفُّعٍ عمَّا هو لائط بالأرض
وهذا لايكون من العبد إلا إذا اعتراه ما يعطل طاقاته الحافزة على النهوض المتسارع إلى ما يُدْعَى إليه وكأنَّ في هذا مقابلةً بين ما طلب منهم: (انفروا) ، وما كان منهم: (اثقالتهم)
стр. 44
كان من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لهم دعوة إلى المسارعة والمبادرة والفزع إلى ما أمروا به، وكان منهم نقيض ذلك: التثاقل إلى الأرضِ.
إنها لمفارقة تصور عظيم ما وقع فيه المتثاقلون ـ وهم من الصحابة قليل ـ مفارقة ترهب وترعب، كيف يكون من مسلم ما هو مناقض تماما لما يدعوه إليه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قصدًا ومواجهة؟ !!
إن النفس المؤمنة لاتكاد تطيق مجرد الحسبان أن ذلك يمكن أن يكون منها
وفي هذا ابلاغ في تصوير فداحة ما كان، وفي الوقت نفسه فيه إبلاغ في تصور الأثر المقيت لمقاربة محبة شهوات الدنيا وإفساح مكان لها في قلوبنا ونقلها مما جُعِلَ لها من مكان غير قرارفي أيْدِينا إلى قرارٍ مكين في أفئدتنا
إن أثر ذلك جد عظيم: أدناه أن يجعل صاحبه يقابل دعوة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلىالفزع للجَنَّة والمسارعة إلى ملاقاة رب العالمين ـ يقابل هذه بما هو نقيضه، وكأنَّه ضربٌ من التحدي والمجابهة هذا أدنى ما تُسْقِطُ مقاربة حب شهوات الدنيا صاحبها فيه فكيف بما فوقه؟
وأهل العلم يقولون إنه قد عُدِّي الفعل " اثاقلتم" بإلى لتضمنه معنى " مال " و" أخلد " فكانه قيل: إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ملتم وأخلدتم إلى الأرض، فالتضمين عندهم:
" إشراب لفظ معنى لفظ آخر، فيعطى حكمه في تعديته بالحرف الذي يتعدى به الثانى "
وهم يرون في هذا جمعا للفظ بين المعنيين، فيكون في الحرف المُعَدِّي قرينة على المعنى المُضَمَّنِ من اللفظ الآخر ممزوجا في المعنى الأصلى للفظ الدال عليه لفظه المنطوق.
يقول " الزمخشري ": " (اثاقلتم) ... أي تباطأتم وتقاعستم، وضمن معنى الميل والإخلاد، فعدي بإلى، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ونحوه ـ أخلد إلى الأرض واتبع هواه ـ وقيل ملتم إلى الإقا مة بأرضكم ودياركم" (٣)
ويقول عصريه: ابن عطيه ت: ٥٤٦
стр. 45
" وقوله: (اثاقلتم إلى الأرض) عبارة عن تخلفهم ونُكُولِهم وتركهم الغزو لسكنى ديارهم والتزام نخلهم وظلالهم وهونحو من أخلد إلى الارض "
وإذا ما نظرت في دلالة الفعل الذي قيل إن فعل (اثاقلتم) قد ضمن معناه وهو (مال) رأيت أن في هذا الفعل (مال) وداعة ورقة في التصوير لاتتناغى مع عنف ما كان منهم
وإذا قلنا إنه مضمن الفعل (أخلد) فإن في هذا الفعل معنى السكون إلى الشيء، وهذا المدلول مفتقر إلى الحركة التى تراها في قوله
(اثاقلتم) ومفتقر إلى معنى القوة والعنف الذي تراه في (اثاقلتم)
القول بالتضمين هنا فيه ضعف، فإن في قوله (اثاقلتم) معنى التساقط من علو، وهذا المعنى لاتجد منه شيئا في الفعل (مال) و (أخلد)
ومن أهل العلم بلسان العربية على أن " اثاقل" مما يتعدى بإلى من غير تضمينه معنى فعل آخر، وهذا مأ أميل إليْه.
وفي قوله: (اثاقلتم إلى الأرض) استعارة تمثيلية، فقد شيه حال من يدعى إلى الفزع إلى المجاهدة في سبيل الله وهو كاره ما يدعى إليه راكنٌ إلى متاع الدنيا بحال من يدعى إلى ما هو أعلى فيتساقط رغبة عن العلو
وهذا مما يقيم حالهم في صورة مشهودة تصويرًا لمقدارحالهم، وما بلغوه من التمسك بنعيم حاضرناقص زائل، ورغبة عن نعيم مقيم خالد
وليس شك في أن تصوير حالهم في الرغبة عن الدعوة إلى الجهاد في هذه الصورة الحسية تقرير لها في النفوس لتنفر منها وتتقي أن تكون من أهلها، فكل عاقل يأبى أن يكون في حال كحال من يرفع عمَّا هو دنيءٌ ومستقذر فيتساقط فيه ويرغب عن الارتفاع عنه
стр. 46
وفي اصطفاء هذه الصيغة " اثَّاقلتم" تصوير بجرسها لدقائق ولطائف معناها، وهذا نهج من أنهاج البيان القرآني في تصوير معانيه، وقد أشرت لك من قبل إلى أبعاد الكلمة القرآنية، وقلت لك إنَّ كل بعد منها رافد من روافد الإبانة عن معانى الهدى
وقد كانت للأستاذ " الشهيد": سيِّد قطب " ـ رفع الله ذكره في عباده الصالحين ـ (٥) عناية حميدة بكثير من تصوير القرآن الكريم معانيه بجَرْس كلماته،يقول في هذه الآية:
" إنها ثقْلةُ الأرضِ ومطامعُ الأرضِ،وتصورات الأرضِ ثقلة الخوف على الحياة،والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع، ثقلة الدعة والراحة والاستقرار، ثقلة الذات الفانية،والأجلِ المحدودِ،والهدفِ القريبِ، ثقلة اللحمِ والدَّمِ والترابِ
والتعبير يُلْقِي كلّ هذه الظلال بجَرْسِ ألْفأظه " اثاقلتم" وهي بجرسها
تمثل الجسم المسترخى الثقيل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم
стр. 47
في ثقلٍ ويلقيها بمعنى ألفاظها:" اثاقلتم إلى الأرضِ" وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق " (٦)
وهذا من الأستاذ دالٌ على رهافة حسَّه البياني، فقد كان ذا منزلة في فقه ظلال المعانى، لاسيما المعانى التى تحفز الأمة إلى الاستشراف إلى شرف العزة والمنعة.
ويذهب " الطاهر بن عاشور " (٧) " إلى أن " قوله:" إلى الأرض " كلام موجه بديع: لأن تباطؤهم عن الغزو، وتطلبهم العذر كان أعظم بواعثه رعبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم حتى جعل بعض المفسرين معنى: اثاقلتم إلى الأرض: ملتم إلى أرضكم ودياركم " (٨)
ويمكن أن تذهب إلى أنَّ في قوله " إلى الأرض" تورية " فيكون لها معنيان أحدهما قريب غير مقصود إليه قصدًا رئيسًا والآخر بعيد هو المقصود إليه قصدًا رئيسًا:
والتوجيه الذي ذكره " الطاهر " هو ضرب من ضروب البديع عند البلاغيين، وهم يريدون به:" إيراد كلام محتمل لوجهين مختلفين " والاختلاف هنا اختلاف تباين لااختلاف تضاد
ويمكن أن تذهب إلى أنَّ في قوله " إلى الأرض" تورية " فيكون لها معنيان أحدهما قريب غير مقصود إليه قصدًا رئيسًا والآخر بعيد هو المقصود إليه قصدًا رئيسًا:
الأول هو الأرض المعروفة لنا، أو الأرض التى كانوا قد أخلدوا إلى ظِلِّها، كما جاء في أسباب النزول
والأخر هو ما سفل من المنزلة والدرجة.
стр. 48
الأول خاص مرتبط بسبب النزول
والثانى عام صالح لكل من تساقط عن العلِيِّ من المنازل الماجدة إلى الدركات السافلة من متع الحياة الدنيا في كل شأن من شئون الحياة.
وفي الوجهين تثريب عظيم لايطيقه عربي فضلا عن عربي مسلم صحابي، فشأن العربي أنَّه أهل تجارة وجهاد، وليس أهل زراعة
وقد هدى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى أنَّه قد جعلت الجنة تحت ظلِّ السيف.
روى الشيخان أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه قال:
" اعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف" (الرواية لمسلم ـ الجهاد: ح. ر:٢./ ١٧٤٢)
فمن مال إلى ظلِّ شجرة وأعرض عن ظل السيف فقد غبن نفسه، وشأن العربي القُحّ أنَّه لايرضى الدنية في شيء من حياته، فكيف بعربي مسلم صحابي؟!!
ومن ثَمَّ جاء الاستفهام الإنكاري التوبيخي التسفيهي الدَّال على ضلال الاختيار في الجملة التى من بعدها:
بلاغة الاستفهام في قوله تعالى:
(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)
الاستفهام في " أرضيتم" إنكاريٌّ توبيخي تسفيهي، بمعنى ما كان ينبغي لكم أن يكون منكم ذلك، وفي تسليط الاستفهام الإنكار التوبيخي على فعل (رضي) دلالة على أن الذي كان منهم ليس مجرد ميل أو تطلُّعٍ إلى شيء من الحياة الدنيا، إنهم قد تجاوزوا ذلك إلى ما هو أوْغَلُ في البُعدِ عما يُرضي ربهم سبحانه، إنهم السَّاقطون في درْكِ الرضوان بهذه الدنيا
والرضا قائم من انشراح النفس بما ترضى به، فهو استغراق في مُخادَنَةِ الشيء مخادنة فتَّحت المغاليق فانشرحت النفس وأنست، وهذا ما تنفر النفس السَّوِيَّةُ من مجرد أن يُنْسبَ إليها، فكيف الرِّضا بالوقوع منها؟ بل كيف الرضا بالوقوع فيه؟
وفي قوله (أرضيتم) من بعد (إلى الأرض) توقيع نغميٌّ يلفت القلب إلى ما بين الأمرين، وهما عظيمان في تآخيهما، وتناغيهما: هنالك تساقط وتثاقل إلى التى لايأنس بها إلا ساقط الهِمَّة، وهنا إنكار لانشراح النفس بما هو دَنِيءٌ وَضِيعٌ، فهما وإن تناغيا إيقاعًا إِلاَّ أَنَّهُما أيضًا متقاربان غاية، فهذا من التجنيس الحامل في نغمه فيضًا من لطائف المعانى، والذي تركُه عقُوقٌ بالمعنى
стр. 49
يقول " الإمام: عبد القاهر:" ... لاتجد تجنيسًا مقبولا، ولاسجعًا حسنا حتى يكون المعنى هوالذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لاتبتغى به بدلا، ولا تجدعنه حولا" (٩)
وعُدِّيَ الفعلُ " رَضِيَ " بـ"الباء" وقد جاء ت تعديته بنفسه في القرآن الكريم كثيرًا:" فلنولينك قبلة ترضاه" ﴿البقرة﴾ ،
"ومساكن ترضونها" ﴿التوبة﴾ "
"وأن أعمل صالحا ترضاها " ﴿الأحقاف﴾
стр. 50
وفي التعدية"بـ" الباء" دلالة على كمال تلبس الفعل بماوقع عليه، فـ"الباء" حرف " إلصاق" فإذا ما استحضر، والفعل مستغنٍ في نفسِه عنه في تعديته، فإنَّ في استحضاره إشارةً إلى كمال تحقق معناه في علاقة الفعل بماوقع عليه وأن فاعله قائم به قيامًا بليغا،
وهذاغيرقليل في القرآن الكريم، فإنَّ مواقع" الباء" في البيان القرآني يفتقرالمرء إلى تقصِّيها وتدبُّر كل موقع في سياقه ومقاصد ذلك السياق.
المهم أن في هذا دلالةًً على أنَّه قد كان منهم الرِّضا الكاملُ،وكأنَّهم في رضوانهم بالحياة الدنيا لايتطلعون إلى شيء من الحياة الآخرة، وهذا من المَعابات التى ينفر منها كلُّ عاقلٍ إذا ما انْتَبَه أو نُبِّه إليها
وفي نعت الله عز وعلا " الحياة" بأنها "الدنيا" تنفير بليغ من الإخلاد إليها، والركون إلى متاعها الناقص الزائل، وإغراء عظيم بالفرار من قبضتها إلى رحابة الحياة الآخرة
ومن اللطيف أنَّ الله ﷻ لم يتركنا نَخْبُر متاعَ الحياة التى نحن فيها لنعلم خبرها: أعَلِيٌّ هوأم دنِيٌّ، بل نادى عليها في مواطن كثيرة من كتابه المجيد بأنَّها الحياة الدنيا، ولم يقل الحياة الدانية أو الدَّنِيَّة بل بلغ بها الغاية "الدنيا"، وكأنه ليس من دون ذلك حياة.
وكلُّ نفسٍ سامية شريفة تنفرُ من كلِّ ماهو دانٍ ودَنِيءٍ، وإن كان فيه متعتها أوْ بقاؤها، فهي تُفَضِّلُ الموت على أن تقترف ما هو الدنيُّ الدَّنِيء، كذلك دَيْدَنُ الشُّرفاء:أشْراف النفوس لا أشْراف الأنساب المزعومة، وأدعِياؤه اليوم كُثْرٌ.
وفي قوله " من الآخرة" إيماء إلى أنَّهم كأنَّهم أقاموا موازنة في نفوسهم بين حياتين: حياة عاجلة دانِيَةٍ دَنِيَّة،وحياة آجلة سَنِيَّة، فوثقت نفوسهم المتثاقلة فيما هو حاضر زائل ورغبت عما هو خالد آجل فرضيت بالحياة الدنيا بدلا من الآخرة،فقوله " من الآخرة" متعلق بمحذوف تقديره " بدلا" من الآخرة
وفي نعت الحياة الثانية بقوله " الآخرة " وكان مقتضي الظاهر أن يقابل " الدنيا" بـ"العليا" أو يقابل الآخرة بالأولى، ولكنه صرف البيان عن الحياة المقابلة للحياة الدنيا إلى نعت "الاخرة " إشارة إلى أنه وإن لم يكن لها من فضل ومزية سوى أنها الاخرة التى ليس من بعدها حياة، وإن كانت في مستوى الحياة المقابلة لها " الحياة الدنيا" فإنَّ العاقلَ لَيُقْبِلُ على ما هو خالد لاينقطع وإنْ كان قليلا، فكيف إذا ماكان هذا الآخر هو العَلِىَّ الذي ليس يُقاربه غيره؟
وكأنَّ في هذه المقابلة بين الحياتين تعليما وتربية لنا: إنَّه إذا ما قابَلْنا بين أمْرين متساويين في القدر إلا أنَّ أحدَهما منقطعٌ والآخرُ دائمٌ لاينقطع فإنَّ مَنْطِقَ الحكمة اختيارُ ما هو دائم لاينقطعُ وإنْ كان من دون الزائل المنقطع، فكيف إذا ما كان أعلى منه وأخلد؟
إِنَّ هذا لَيُصَوِّرُ لك عظيم ما أَوْقَعَ فيه الرَّاضون بالحياة الدنيا أنفسهم فيه من بلية الغبن العظيم
(يَاقَوْمِ إنماهذه الحياة الُّدنْيَا متاع وإنََّ الآخِرَةَ هِيَ دَار القَرار) ﴿غافر٣٩﴾
وفي قوله " من الآخرة" حذف للموصوف وإقامة للصفة مقامه، والتقدير: من الحياة الآخرة، في مقابل:" الحياة الدنيا "
стр. 51
ولا أعلم أنَّ في القرآن الكريم آية قد صرح فيها بالموصوف فيقال " الحياة الآخرة" أمَّا " الدنيا" فقد جاءت آيات بذكر الموصوف، وأخرى بحذفه.
ويبدو لى أن في قوله " أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة" وجهًا تركيبيا آخر قائما على الحذف فيكون التقدير: أرضيتم بالحياة الأولى الدنيا من الحياة الآخرة العليا، فاختار من كلٍّ ما هو أدلُّ على المراد، وحذف الآخر:
اختار من نعت الأولى النعت بالدُّنُوِّ وحذف النعت بالأَوَّلِيَّة لدلالة المذكور من بعد " الاخرة "عليه، والوصف بالدنو في المنزلة هو المُهِمُّ هنا،فكان الأجدر بالذكر
واختار من الحياة الثانية وصف " الاخرة " وحذف الوصف بأنَّها "العليا" لدلالة مقابله عليه " الدنيا" ولأن المذكور هنا "الاخرة" هو الأدل على أصْلِ الأفضلية وإِنْ تساويا في القدر، فكيف إذا ماكانت هي الآخرة وهي العليا؟.
وهذا الضرب من الحذف التقابلى هو ما يعرف عند البلاغيين بـ"الاحتباك"، وهو: أن يتقابل كلامان يحذف من كل واحد منهما ما يدل عليه المذكور في الآخر لوجه بلاغي.
وهو غير قليل في القرآن الكريم، وقد عنى به البقاعي (١.) في تفسيره نظم الدرر، وأفرده بتأليف لم أعثر عليه أسماه:" الإدراك لفن الاحتباك"
وهذا ضرب من ضروب الإيجاز جدير بأن يقوم للوفاء ببعض حقه بحث مستقل يستقصى مواضعه في القرآن الكريم، فإن مجاله فسيح، وصوره عديدة، وأسراره لطيفة، وقد اكثر البقاعي منه في تفسيره، غير أنه لم يكن متوقفًا عند الأسرار البلاغية لكل صورة من صوره.
стр. 52
بلاغة القصر في قوله تعالى
(فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)
في عطف هذه الجملة بـ "الفاء" إشارة إلى تفرعها عمَّا قبلها، وفيها معنى التسبيب، فكانَّ هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي منسول منه هذه الحقيقة المقررة المؤكدة قلة متاع الحياة الدنيا نظرا إلى متاع الاخرة
وفي قوله " الحياة الدنيا" إظهار في موضع الإضمار، فإنَّ مقتضى الظاهر أن يقال في غير القرآن الكريم: فما متاعها في الآخرة إلا قليل، غير أنه أظهر ليستحضر في قلبك هذا الوصف " الدنيا" ولتكون منه على ذُكْرٍ دائم، فإذا ما اقترن به قوله" متاع" ازدادت المفارقة بين الحياتين، فالحياة الدنيا ليست متاعًا صرفا لايشوبه بلاء بل إنَّ بلاء الدنيا لأضعاف أضعاف متاعها مقدارًا وزمانا وآثارًا
وفي البيان هنا بقوله " متاع " مايزيد المفارقة بين الحياتين، فإنَّ المتاع ما كان إلى زوال، فهو انتفاع منقطع غيرخالد وغير كامل
وفي قوله " في الآخرة" حذف لمتعلق " في" أي محسوبًا في نعيم الآخرة، وهو حال من " متاع" (١١)
والعلماء يذهبون إلى أنّ حرف (في) هنا دالٌ على معنى المقايسة، يقول:" ابن هشام" (١٢) في معانى " في":
стр. 53
" (الثامن) المقايسة، وهي الداخلة على مفضول سابق وفاضل لاحق نحو: فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (١٣)
وقد نقد " الطاهر بن عاشور " ذلك قائلا:
" جعلوا المقايسة من معانى (في) كما في التسهيل والمغنى واستشهدوا بهذه الآية أخذا من " الكشاف"، ولم يتكلم على هذا
стр. 54
المعنى شارحوهما، ولا شارحو الكشاف، وقد تكرر نظيره في القرآن، كقوله في سورة" الرعد ":"وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع" وقوله ﷺ : في حديث "مسلم":" ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل مايجعل أحدكم أصبعه في الْيَمِّ، فلينظر بم يرجع " وهو في التحقيق من الظرفية المجازية: أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلا بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة، فلزم أنَّه ما ظهرت قلته إلا عندما قيس بخيرات عظيمة تنسب إليها، فالتحقيق أنَّ المقايسة معنى حاصلٌ لاستعمال حرف الظرفية، وليس معنى موضوعا له حرف في " (١٤)
الطاهر هنا يعمد إلى تحرير وجه دلالة " في" على المقايسة، وليس ما نعًا من إفادة "في" سياقًا معنى المقايسة، وهذا من تدقيقاته، فلينتبه طالب العلم، فلا يظن أن الشيخ لايقول بمعنى المقايسة في الآية. إنه يقول به، ولكنه لايراه من المعانى التى هي موضوع لها " في"، فهو من باب الإفادة، لامن باب الدلالة.
وهذه الحقيقة القرآنية مازجة بين أمرين: تسفيه شأن المفتون بمتاع دنيا ناقص زائل، وإغراء بنعيم الاخرة المقيم متربص
وقد جاء البيا ن عنها في اسلوب تخصيص حصري على سبيل قصر الموصوف على صفة قصرًا تحقيقيا، فالمعنى على أن متاع الدنيا في حساب نعيم الآخرة مقصور على صفة القلة، وهي صفة عامة،
فليست القلة هنا قلة عديدية بل قلة تَعُمُّ كلَّ شأن من شئون متاع الدنيا في حساب نعيم الآخرة
والقرآن الكريم لم يصرح بما يقابل متاع الدنيا من شان الآخرة، فلم يقل: فما متاع الحياة الدنيا في نعيم الحياة الاخرة إلا قليل،إشارة إلى أمرين:
الأول: أن الدنيا ليست كلها متاعًا بل بعض من أبعاضها العديدة متاع
стр. 55
الآخر: أن الاخرة كلها نعيم، فليس النعيم بعضها ليقابل بعض الدنيا بل الآخرة كلها قائمة مقام النعيم، فما من شيء فيها إلا هونعيم مقيم
وفي هذا إبلاغ في توسيع شقة المقايسة بين أمرين هما في الحقيقة ليسا بمنزلة ما تقام بينهما مقايسة، فإنَّ العاقل لايقايس متاع دنيا بنعيم آخرة
وكأنَّ البيان القرآني الكريم يتنزل هنا على ما هو قائم في نفوس أولئك، مجاراة لهم وتأليفا لقلوبهم
وكأنَّه يقول لهم وإن قايستم بينهما تنزلا، فإنَّ أعلى ما تنتهي إليه المقايسة التنزيلية أن متاع الدنيا في الآخرة قليل
وفي جعل طريق التخصيص هنا: " النفي والاستثناء" إشارة إلى أنَّ هذا مما قد ينازع فيه بعض المخاطبين منازعة سلوك وحال، لامنازعة لسان ومقال، وبيان الحال والسلوك أقوى وآكد من بيان اللسان.
بلاغة أسلوب الشرط في قوله تعالى
(إلاَّ تَفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًأ أليمًا......)
في هذه الجملة القرآنية شرط تهديديٌّ، يختلع القلوب من الصدوربناه على أداة الشرط (إن) الداخلة على الفعل المنفي " لاتنفروا" وفي اصطفاء "إن" المقيمة جانبي الأمر على درجة سواء إقامةٌ للمخاطبين مقام المواجهة مع أنفسهم في حالتيها، فينظرون عاقبتهم في كل حال، وأبرز لهم عاقبة الرغبة في عدم النِّفار: (إن لاتنفروا) حتى يتبين لهم ما إذا كانوا قادرين على تلقى ذلك الجزاء المرعب الذي صرح لهم به: يعذبكم عذابا أليما....
فالتصريح بما تترتب عليه المضرَّة أقوى في البعث من التصريح بما تترتب عليه المسرَّة حين تكون النفوس آنسةً بما هو حبيب إليها من الدّعة ولا سيما أنها قد أُغْرِيت بما هو العَلِىُّ فلم تستقم، فأنت مفتقر إلى أن تنزعها منه إلى نقيضه المرعب، لاأن تنقلها مما هي فيه إلى ما هو أعلى منه من جنسه ولو تَوَهُّمًا أنه من جنسه،فإنها لم تستجب من قبلُ إلى ذلك الإغراء، فلا يبقى إلا التهديد بما يرهب ويرعب
من أخلد إلى راحة دنية لاتنزعه منها بالإغراء إلى راحة سنية بل تنزعه منها بالتهديد والوعيد
ذلك وجه من وجوه الإتيان بأسلوب الشرط على هذا النهج: أدخل الأداة على الفعل المنفي (إن لاتنفروا) ولم يقل (إنْ تنفروا يدخلكم جنات ...
وهو لم يذكر لهم ما ينفرون إليه؛لأن السياق قد قام بتعيينه،وهو النِّفار إلى الجهاد في سبيل الله، والنفار عن أرضهم وديارهم التى أخلدت إليها نفوسهم الأمارة بالسوء
هكذا يؤوب بهم إلى صدر ذلك الاستفهام: "مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله...." فيستحضرون تلك المعانى في نفوسهم لعلها ترتدع فتقبل على ما تدعى إليه وتغْرى به، وتخشى ما تهدد به فترتدع
стр. 56
وفي بيان عاقبة الإعراض عن النفار إلى الجهاد في سبيل الله بقوله " (يعذبكم عذابًا اليما) ملاحظة لجنس ما يعاقبون عليه: يعاقبلون على ترك النفار إلى الجهاد في سبيل الله للتمتع بمتاع الحياة الدنيا، ومن تَعَجَّل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، فكان جزاؤهم عذابا، والعذاب، كما سبق أن بينت لك إنما هو منسول من معنى المنع، فجزاؤهم على الرغبة عن النفارإلى الجهاد في سبيل لله للرغبة في متاع الحياة الدنيا هو منعهم مما تشتهي أنفسهم، فالمعذَّبُ في لسان العربية هو الممنوع مما ينفعه ويمتعه، فالجزاء كما ترى من جنس العمل
والعذابُ الذي هو المنع مما ينفع أو يمتع ليس مقصورًا وقوعه في الآخرة، وإن كان هذا كائنًا في أعلى صور تحققه، ولكنَّه متحققة بعض صوره في الدنيا، فهو عذاب ممتد في الحياة الدنيا والآخرة
لو نظرت في واقع الحياة من حولك رأيت الذين لايمنعون أنفسهم عن التمتع بمالا يحلُّ لهم تكون عقباهم في دنياهم أن لايمنعوا من مما حرم عليهم فحسب بل يمنعوا أيضًا مما هو طيب لغيرهم الذين لم يقيموا أنفسهم من قبل في سياق التمتع بما لايحل التمتع به
إن أكثر من يمنعهم أطباؤهم مما أحلَّ الله لهم من قبل تراهم قد اجترؤوا على التمتع بما حرم الله تعالى عليهم، فعذبهم الله أي عاقبهم بالمنع مما هو حلال طيب لغيرهم، ويبقى عقابهم في الاخرة
وانظر في تاكيد الجزاء في قوله (عذابا أليما) وكيف أنه وصفه بأنه أليم ولم يصفه هنا بأنه شديد أو عظيم أو مهين، فإن في قوله (أليم) معنى الإيجاع الذي هو ضد التلذذ والتمتع لتكون العقوبة والجزاء بضد الجريمة والمعصية
وهو لم يكتف بهذا الجواب:" يعذبكم عذابًا أليما" بل عطف عليه لونا آخر: " ويسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ " جاء في مواطن عدة التهديد بمثل هذا:
стр. 57
" إن يشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّها النَّاسُ ويَأتِ بِآخَرينَ وَكانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا " ﴿النساء:١٣٣﴾
" يأيُّها الَّذينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ منْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجاهِدونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلايَخَافُونَ لوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " ﴿المائدة: ٥٤﴾
" إن يشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿﴾ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ " ﴿إبراهيم:١٩-٢.﴾ و ﴿فاطر:١٦-١٧ ﴿
﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم﴾ ﴿محمد:٣٨﴾
في الاستبدال معنى عظيم من التهديد الذي لايطيقه من علم عظيم الإنعام عليه بصحبة سيد الخلائق أجمعين ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وكأنَّ فيه من النكال فوق ما في قوله (يعذبكم عذابًا أليما) فهو من تصعيد التهديد الآخذ بالنفوس، وهو ـ أي الاستبدال ـ من بابة التعذيب أيضًا فهو منع مما تفتقر النفس إليه في أشدَّ الافتقار فإن منعهم من صحبته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو من التعديب الأليم، فبيْنَ قوله: (يعذبكم) و (يستبدل) مراعاة نظير جدُّ بديعة ولطيفة
وصيغة " يستفعل: يستبدل" غير دالة على الطلب، بل على تحقيق وقوع الفعل على كماله، فهذا من مسالك التوكيد لوقوع الجزاء إذا وقع الشرط، وهذا مما يزيد التهديد والوعيد تحقيقا وإرهابا وإرعابا
стр. 58
وفي الجملة (يستبدل قومًا غيركم) حذفٌ والتقدير: " يستبدل بكم قومًا غيركم، وكأنَّ في قوله " غيركم " إغناء عن ذكره ودلالة على أنهم غيرهم في طاعتهم ما استنفروا إليه، فهو قائم بمعانٍ عدَّةً، فهذه الغيرية غيرية في الذّات وفي النعت
وجاء قوله " قومًا" بيانًا للمنعوت " المستبدل" ولم يقل " خلقًا" كما في سورة "إبراهيم: ي ١٩،وفاطر: ي:١٦" أويضمر ذكرالمنعوت: " المستبدل" كما في سورة النساء: ي:١١٣" فإنَّ في اصطفاء كلمة " قوم" هنا معنى لطيفًا:
هذه الكلمة تفيد معنى من يقوم للشيء ويقوم به أي من يجتهد في الوفاء بحق ما يطلب منه، وفي هذا تعريض بهم أنهم لم يكون قوَّامين بما استنفروا إليه، فهددهم بأن يتأتى بغيرهم يقومون بما لم يقوموا به
ولو أنَّ عظيمًا من النَّاس كان في خدمته من هو مثله في البشرية، فتقاعس قليلا، فقال له مخْدُومه: إنْ لمْ تجتهد في الخدمة استبدلتُ بك غيرك يجتهد، كانت تلك المقالة المقيمة المقعدة لذلك الخادم، لأنَّه ينظر فيها شرفه ورفعته في الناس، فخادم العظيم عظيم الخدم، فكيف يكون الأمر حين يقولها الخلاق العظيم لنا: يستبدل قومًا غيركم "؟!!!
أرهب بها وأرعب!!!
ومن بعد أنْ رتَّب اللهُ ـ تعالى ـ على ترك النِّفار إلى الجهاد في سبيل لله أمرين جليلين: تعذيبهم عذابا أليما واستبدال غيرهم بهم هم خير منهم وأطوع لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، زادهم تقريرًا بأنّ إخلادهم إلى الأرض عند استنفارهم لايضره شيئًا، فقال لهم:" ولا تضروه شيئا"
стр. 59
فقوله " لاتضروه" معطوف على " يستبدل" ومرجع الضمير فيه يحتمل أن يكون اسم الله المضاف إليه في قوله من قبل: " سبيل الله" أي لاتضروا الله شيئٍا وقد جاء في القرآن الكريم مثله: " ومَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا " ﴿آل عمران:١٤٤﴾ " ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا " ﴿هود: ٥٧﴾
والنفي هنا على سبيل التنزيل، أي تنزيل المخاطب منزلة من يحسب أنَّه بتثاقله ضارٌ دين الله ، وذلك إذا ما قلنا إن النفي لايرد إلا على ما يصح إثباتُه ‘فعلا أو عقلا، فلا يقال: لاتطلع الشمس ليلا مثلاً لأنَّ طلوعها ليلا غير محتمل تحققه فعلا ولاعقلا
ويمكن أن يقال: إن الضمير راجع إلى مضاف محذوف، فيكون تقدير الكلام: ولا تضروا دين الله شيئًا.
ويحتمل مرجع الضمير أن يكون الفاعل المحذوف فيما بنى للمفعول في قوله:" مالكم إذا قيل لكم " فمن المعلوم من السياق المقامى لتنزل الآيات أن القائل لهم ذلك إنما هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون المعنى ولاتضروا بترك النِّفارِ من يقول لكم: انفروا في سبيل الله عزَّ جلَّ وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،
ويؤيد ذلك ما سيأتي من بعد من قوله:" إلاَّ تنصروه "
وهنا تاتى قضية دلالية: أيصحُّ أن يكون مرجع الضمير المفرد أمرين على سبيل الجمع؟
في تفسير "البقاعي " ما يفيد هذا الجمع من غير تصريح فقد قال: " ولا تضروه: "أي الله ورسوله " (١٥)
فهذا يستفاد منه أنه ذاهب إلى الجمع في مرجع الضمير.
لعل لهذه القضية علاقة بما وقف عنده علماء العربية وأصول الفقه من جواز إرادة معنيين من المشترك، وجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وما نشأ من خلاف بين أهل العلمِ في هذا.
стр. 60
وإذا ما قلنا هنا إن المرجعين للضمير في (لاتضروه) بينهما من العلاقة الوثيقة ما لايكون بين بعض معانى المشترك، أو بين الحقيقة والمجاز، فإنَّ هذا يغرى بقبول أن يكون المرجع للضمير في (لاتضروه) هو اسم الجلالة أو المضاف المحذوف:" دين الله" أو رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم المفهوم من قوله:" قيل لكم انفروا "
هذه الجملة:" لاتضروه شيئًا " تحمل معنى جِدّ عظيمٍ من معانى التهديد والوعيد وتقرير أنهم موقعون بأنفسهم من الضُرُّ ما لايطاق، وكان مقتضى ظاهر الحال أن يقال:" وإنكم لتضرون أنفسكم
"ولكنه عدل عن ذلك إلى بيان أنهم لن يضروه شيئًا تصويرًا لهم أنهم يحسبون أنهم يضرون الله أو دينه أو رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم شيئًا على سبيل التنزيل نظرًا إلى حالهم وفعالهم وأنه ينفي ذلك وفي هذا العدول مزيد تنفيرهم من حالهم الذي بالغ في تقبيحه
ووجه دلالته على تقرير أنهم موقعون بأنفسهم من الضُرِّ ما لا يُطاقُ أنَّه لمَّا كان تثاقلهم لابد أن يكون منه إضرارٌ لأحدٍ ما، وكانوا ـ عقلا ـ لايذهبون إلى أنهم سيضرون به الله تعالى أو دينه أو رسوله
ــ
(١٥) نظم الدرر:٨/٣١٨ـ للبقاعي ـ ط: بيروت
стр. 61
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم شيئًا، كان لزامًا أن يكون لهذا الإضرار محلٌ، وقد نفى أن يكون الله تعالى أو دينه أو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم محله، فلا يبقى محلٌ له غيرهم، وفي هذا مزيد إبلاغ في تقرير إيقاع الضرر على أنفسهم، فوجه دلالة إثبات إضرار أنفسهم من هذه الجملة المنفية هو اللزوم الذي يدخلها في بيان الكناية، وهو ما لزم من النفي المصرح به إثبات ضده، فكان فيه طيفٌ من التخصيص الحصْريوجاء قوله:"والله على كلِّ شيءٍ قدير " تقريرًا لتحقيق الجزاء المرتب على انتفاء نفارهم،وإذا ماكان الله تعالى على كلِّ شيءٍ أي شيءٍ قديرًا، فإنَّه على ما توعد به وهدد أيضًا جِدُّ قدير، فذلك مسلك من مسلك التوكيد، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وهو قادر علىذلك، ولكنه جعل صدر الجملة اسم الجلالة تربية للمهابة، وكأنَّ فيه إعلامًا بأنه متجلٍّ بكل الصفات التى يجمعها اسم الجلالة " الله" في إيقاعه ذلك المهدد به عليهم، فوضع الظاهر موضع الضمير فيه استحضار لما يدل عليه ذلك الاسم الظاهر.
وفي تقديم المتعلِّقِ:" على كلِّ شيءٍ " على المُتَعَلَّقِ به:" قدير " تناغ نغمى بين آخر الآية التى قبلها:" قليل" وآخر هذه الآية: " قدير" وزنا وجرسًا، والتنغيم رافد من روافد الإبانة عن المعانى، فلا تسْتهِنْ به، وإن عجزت عن استشعاره، فلعلك يومًا تذوقُ فتعرفُ
وفي هذا التقديم أيضًا تأكيد معنى الاقتدار على كلِّ شيءٍ، فإنَّك إذا ما سمعت قوله:" والله على كلِّ شيء" ثم لمَّا يصل إلى سمعك قوله: " قدير" تطلعت إلى الخبر ما يكون، فيأتيك، وأنت المتطلع إلى أن تعرفه من بعد أن ملأ سمعك وقلبك بالتهديد والوعيد الذي فاضت به الجمل السابقة، فيستقر المعنى في قلبك ويقيم فيه.
ولم يأت في القرآن الكريم تقديم " قدير" على متعلِّقه:" على كلِّ شيءٍ" ولم يأت هذا التركيب في غير الفواصل
وقد جاء في القرآن الكريم خمسًا وثلاثين مرة: جاء مطلقًا في ثلاث وثلاثين مرة " على كلِّ شيءٍ قدير" ومرة واحدة:" وكان الله على ذلك قديرًا" ﴿النساء: ١٣٣﴾ وأخرى:"وأنَّ الله على نصرهم لقدير" ﴿الحج:٣٩﴾
والغالب على اسمه " قادر" أن يتقدَّمَ على المتعلِّقِ به، ولا أعرف الآن وجه هذا.
وفي اصطفاء اسمه:" قدير" على " قادر" دلالة على الإبانة عن إبلاغه في تحقيق الفعل وكمال إيجاده، وأن ذلك ثابت لازم له ﷻ .
стр. 62
وجملة:" الله على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ" قد سبقتها " الوا و" التى تحتمل أن تكون" استئْنافِيَّة"
القول بأنها " اسْتِئْنَافِيَّة " لايُراد منه أن ما بعدها مقطوع العلاقة المعنوية بما قبله، فمثل هذه القطيعة لاتكون في البيان العالى البليغ، فكيف بها في البيان العلى المعجز،؟
الاستئناف هنا استئناف ضرب من ضروب العلاقة بين المعانى، فهي دالة على التنوع بين علاقات الجمل، بمعنى أن " الواو" التى كانت تشير إلى الربط بين المفردات في:" يعذبكم" و" يستبدل" و" لاتضروه" ليست هي هي " الواو" التى جاءت من قبل:" الله على كل شيء قدير" هذه " واو " جاءت لتشير إلى لون أخر من ألوان الربط بين جملة سبقت وقد بنيت على أسلوب الشرط المفيض في قلب المتلقى فيضًا من الإغراء الممزوج بالترهيب، وجملة أخرى تؤذِّنُ بحقيقة قائمة مشهودة، قد تغفل عنها بعض القلوب بسكرة الإلف: حقيقة أن الله على كلِّ شيء قدير، وهي حقيقة تحمل في بعض سياقات البيان قدرًا من التهديد والوعيد تنخلع له قلوب العارفين.
الاستئناف البياني بالواو إذن ليس انقطاعًا، بل هو تنويع مسالك التعلُّق بين الجمل، أمَّا الاستئناف البياني القائم من العلاقة بين سؤال مفهوم وجواب منطوق إنما هومسلك من مسالك الاعتلاق، وهو أقرب ظهورًا من الاستئناف البيانى بالواو.
وعجيب أن يكون الوصل بين الجمل بترك الواو المسمى بكمال الاتصال أقوى من الوصل بالواو المسمى بالتوسط بين الكمالين، كما هدى إليه الزمخشري في كشافه، وفي الوقت نفسه يكون الوصل بترك الواو: كمال الاتصال أظهر من الوصل بواو الاستئناف، فإنَّ خفاءه لايخفى، فلدينا هنا ثلاثة ضروب:
وصل بواو يطلق عليه البلاغيون: التوسط بين الكمالين، وهو ظاهر الإدراك، وإن خفيت العلاقة
ووصل معنوي، هو فصل لغوي بترك الواو يسميه البلاغيون:كمال الاتصال، وهو ظاهر الإدراك أيضًا، وهو أقوى في الوصل من سابقه
стр. 63
ووصل معنوي بواو الاستئناف، وهو أخفى الثلاثة إدراكًا وأمد حبل اعتلاقٍ.
﴿﴾ ﴿﴾ ﴿﴾ ﴿﴾ ﴿﴾
بلاغة الشرط في قوله تعالى:
(إلا تنصروه فقد نصره الله.....)
جملة شرط بنيت على (إن) التى هي أم أدوات الشرط، وإذاما كان علماء البيان يقولون: إنَّ "إنْ" الأصل فيها أن تكون فيما لايجزم بوقوعه أو عدم وقوعه من فعل الشرط، وذلك في لسان العربية، فإنك إذا ما جئت للنظر في موقعها في بيان الله تعالى جدُّه، فما يكون لك أن تقول إن الله تعالى جدُّه لايجزم بوقوعه أو عدمه وقوعه كما تقول في بيان الناس، ولكنا نقول إن الله تعالى جدَُّه إذ يأتى في بيانه هو غير محكى عن أحد من خلقه يفهم من ذلك الإتيان بـ"إنْ" حثُّه من يخاطبه على أن يفعل ما يغريه به، أو يحثه على أن يكف عما لايليق به، ويحمل هذا الحَثُّ معه معنى التحذير والتهديد بما تنخلع له أفئدة العارفين لطائف البيان الإلهي الحكيم، فهو دالٌ على أنَّ نصره ليس بالمتوقف على مناصرتهم له، فإنه المستغنى عن ذلك فشواهد الحال قائمة بين أعينهم وفي آذانهم لم تمسها يد العفاء فتنسى فهو كما يقول " الطبري " في تفسيره:
"هذا إعلام من الله تعالى أصحاب رسوله ﷺ أنه المتوكل بنصر رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم فعل ذلك به، وهو من العدد في قلة والعدوّ في كثرة، فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدوّ في قلَّة؟ " (١٦)
فهذه الأداة (إنْ) دخلت على فعل منفي، فأدغمت " النون" في "لام" (لا) النافية، ومجيء النفى بـ" لا" من دون " لن" أو " لم" يظهر لي فيه أمران:
ــ
(١٦) جامع البيان للطبري:٦/٤١٩ [م. س]
стр. 64
الأول:استحضار الشرط في كل زمان يقع فيه النفي أي أن هذا الحكم المترتب على تحقق عدم نصركم له ليس خاصًا بهذه الواقعة: غزوة العسرة بل هو ممتد، فـ" الألف" في "لا" تشعر بهذا الامتداد، وفي هذا إيناس عظيم لرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
الآخر: الإيحاء بعدم الجزم بأنَّ عدم النصر واقع منهم، فلا يفهم أحد أن ذلك الترك مقطوع بوقوعه منهم فيتعلل بالقدر
فاجتمع الإغراء بالإقدام على المناصرة من رافدين " (إن) من دون (إذا) و (لا) من دون (لن) أو (لم)
وجاء البيان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالضمير من غير أن يتقدم تصريح باسم الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو نعته إلا في آية سبقت هذه بست آيات (ي:٣٣) فهو يرجع إلى ما يرجع إليه الضمير في (لاتضروه شيئا) عند من يقول إن المراد به رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهو مستحضرفي قلب التالى أوالمخاطب، أوينبغي أن يكون مستحضرًا
لايفتقر إلى أن يصرح له بذكره، وفي هذا حمل المتلقى إلى أن يقيم في نفسه سياق الكلام حتى تتبين له المعانى، فلا يضلّ، فيغبن نفسه حقها، فالمعنى:" إلاَّ تنصروا من أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون فسينصره الله تعالى جدُّه.
وكأنَّ قوله تعالى:" هو الذي أرسل رسوله بالهدى...." رأس معنى ممتد يبنى عليه ما يأتى من البيان في شأن غزوة العسرة وما تعلق بها.
وجواب الشرط محذوف تقديره إلا تنصروه فسينصره الله تعالى جدُّه وأقيم مقام الجواب المحذوف دليله (فقد نصره الله) ، وهذامن بديع الإيجاز
стр. 65
ولو قيل في غير القرآن الكريم:إلا تنصروه فسينصره الله فقد نصره إذ أخرجه لما فهم منه أن " السين " التى في " سينصره" حاملة ما تحمله: قد" في " قد نصره" من التحقيق لكنه لما أقام (قد نصره الله" مقام "سينصره" دلَّ ذلك على كمال تحقق نصر الله تعالى له، فكان فيه جمع من الدلائل على تحقق نصر الله تعالى له: " قد" والفعل الماضى وإسناد الفعل إلى اسم الجلالة " الله" فإسناد الفعل إليه تعالى جدُّه يحمل إلى قلب المسلم فيضًا من اليقين بتحقق ما أسند إلى اسمه ﷻ .
ويفهم من إقامة (فقد نصره الله) مقام (سينصره) أن نصره حينئذٍ أي حين ترغبون عن نصره سيكون من بابة نصره إذ أخرجه الذين كفروا، وهم يعلمون كيفية نصره حينذاك فقد كان من قبيل المعجزة المدهشة التى تقف أمامها العقول في غاية من الإبلاس.
وفي هذا عظيم إيناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وعصمة قلبه من أن ينشغل بتصرفات أحد من الخلق، فلا يتطلع إلى إقبال أحد أو انصرافه إلا بمقدار إشفاقه عليه لاخوفه على دين الله ، فهو الذي قد رسخ في قبله في بدء الدعوة قول الله تعالى له في سورة " الضحى": " وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى" وهذا من مزيد حب الله لرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم،إذ يريد أن يكون قلبه منصرفًا إليه وحده غير مشغول بشأن أحد من خلقه.
وفي قوله:" إذ أخرجه الذين كفروا " بيانٌ بالإخراج عمَّا قابلوه وأصحابه به من التعذيب والتكذيب، فذلك إنما يقوم مقام إخراجه بالفعل، فأسند الفعل:"الإخراج" إلى من كان منه السبب الحامل عليه، وهذا ليس مبالغة، بل هو من حاقِّ العدل الإلهي: من تسبب في الاضطرار إلى فعل كان هو في الحقيقة الفاعل له، وفي هذا إعلام بأن من يكون منه ما يحمل على وقوع شيء هو في الحقيقة فاعل ذلك الشيء
стр. 66
وهذا يفهم منه أن من يقع منه ما يكون سببًا لما لايحب الله تعالى جدُّه ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يكون فاعلا لذلك الفعل وإن لم يباشر ذلك الفعل بنفسه
وهذا يحمل تهديدًا لمن تثاقل ورغب عن النفارفي سبيل الله تعالى وقد بينت السنة هذا بيانا جليًّا:"من دلَّ على خيرٍفله مثل أجرفاعله" ﴿مسلم: إمارة، ح ر:١٣٣/١٨٩٣﴾
ويؤخذ من هذا أن من دلَّ على شر فله جزاء مثل فاعله، فلو عقل الناس هذا لما أقاموا أنفسهم مقامًا يغرى غيرهم بالوقوع فيما لايرضي الله ، لإنَّ الله قد هدى إلى أن من أضلَّ غيره فإنه يحمل وزره ووزر من أضلَّه، يقول ﷻ :
" وإذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أسَاطِيرُ الأوَّلينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِعِلْمٍ أَلا سَاء مَا يَزِرُونَ " ﴿النحل:٢٤-٢٥﴾
وفي البيان عن فاعل الإخراج باسم الموصول إعلام بأنَّ الوصف المنادى عليهم به " كفروا" هو الحامل لهم على ما اقترفوا في حقِّ من هم على يقين بأنه ﵌ خير من رأت أعينهم وأعين آبائهم وأجدادهم، ولكنهم كفروا بذلك كله وكفروا بما جاءهم به من الذكر والشرف " وإنَّه لذكر لك ولقومك "
حملهم كفرانهم على أن يقترفوا في حقه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما اقتضاه أن يخرج من أحبِّ بلاد الله تعالى جَدُّه إليه، فودعها قائلا: لولا أنَّ قومك أخرجونى منك ماخرجت.
стр. 67
وكأنِّي أستشعر من البيان بقوله " الذين كفروا " تهديدًا وتحذيرًا لمن تقاعس وتثاقل فلم يرغب في النِّفار إلى الجنة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأنَّ في موقفه هذا شائبة كفر أي تغطية لما يعلم من شأن الداعي له إلى جنة عرضها السموات والأرض وتغطية لما يوقن به أنه العَلِىُّ الأعظم مما يرغب فيه من متاع الحياة الدنيا، فكأنَّه بهذا قد شاكه وضارع بعضًا مما فعل أهل مكة برسول الله صلى الله علي وآله وصحبه وسلَّم، وتلك التى ينخلع منها قلب كل مسلم مُعافَى.
ولم يذكر البيان القرآني الكريم ما أخرج منه، فلم يقل: أخرجه الذين كفروا من أم القرى مثلا، لأنَّ ذلك كالمتعين الذي لايغيب عن عقل، وكأنَّ في هذا أيضًا إلاحَةً إلى أن ما أُخْرِجَ منه: "أم القرى" هو عنده الأرض كلها فهم بهذا كأنهم أخرجوه من الأرض كلها وفي هذا تفظيع لما اقترفوا،وبيان لما لحق به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الأذى بذلك الإخراج.
وفي هذا عبرة لنا أنَّ أخراج أبناء صهيون والصليبيين والملحدين الآن إخواننا المسلمين من أوطانهم فيه من الأذى ما فيه وإن أخرجوا على متن المتاع والتكريم، فكيف وقد أخرجوا من ديارهم ممزقة أعراضهم مسفوحة دماؤهم منهوبة أموالهم مسحوقة كرامتهم.
وإذا ما كان سيدنا " عمر بن الخطاب " ﵁ يستحث الناس على أن يعلموا رجالهم سورة "التوبة" ونساءهم سورة "النور"، فإننا في زماننا هذا أحوج ما نكون إلى ان نعلم أبناءنا سورة "التوبة" وسورة "محمد" وسورة "الممتحنة " رجالا ونساء، فإننا لمفتقرون افتقارًا جَدَّ عظيم إلى أنْ نَعِىَ بعضًا مما تهدي إليه هذه السور الثلاث: سور الانتصار لعزة الإسلام والمسلمين، ولعلَّ الله يعين على حسن فقه تلك السور يومًا.
стр. 68
وفي قوله:" ثانى اثنين" بيان للحال، وإشارة إلى أن ذلك النصر المؤزرلم يكن بسبب من كثرة عدد أو عدَّة معهودة في النَّاس بل ذلك من الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره الكافرون، فهذه الحال (ثاني اثنين) ناظرة إلى الآية الثالثة والثلاثين.
وفي قوله (ثاني اثنين) عظيم تكريم لأبي بكر الصديق ليس لأحد من الأمة مثله، فكفاه فخرًا أن جعل الله تعالى جدُّه نبيه ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ثانيه
فالعدول عن " أول اثنين " أو أحد اثنين" إلى " ثانى اثنين" فيه من بعد تكريم " الصديق " ﵁ إغراء للصحابة أن يكونوا معه فذلك شرفهم، وتحريضٌ لمن أَخْلَدَ إلى الأرضِ، وأَعْرَضَ عن النِّفارإلى الجنة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فمن فقه معنى التكريم للصديق ﵁ بقوله تعالى " ثانى اثنين " لايعدل بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو بسنته شيئا أبدًا
وقد جاء في السنَّة أنه ﵁ سيكون صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على الحوض يوم القيامة، وكأنه جزاءٌ له على ما كان من صحبته له في الغار، فإنَّ الرواية لتجمع بينهما:
روى الترمزي في كتاب المناقب من جامعه بسنده عن " ابن عمر":" انَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال لأبي بكر:" أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ وصاحبِي في الغار" ﴿ح. ر:٣٦٧.﴾
وجاء قوله " إذ هما في الغار " غير معطوف على ما قبله لأنه بدل عند جمهور أهل العلم. يقول " ابن جنى ":
"فإن قلت: فإنَّ وقتَ إخراجِ الّذينَ كفرُوا له قبلَ حصولِه ﵌ في الغار، فكيف يُبْدلُ منه، وليس هو هو، ولا هو أيضًا بعضَه، ولا هو ايضًا من بدل الاشتمال، ومعاذ الله أن يكون من بدل الغلط.
قيل: إذا تقاربَ الزَّمانان وضع أحدهما موضع صاحبه.
стр. 69
ألا تراك تقول: شكرتُك إذ أحسنتَ إلَيَّ، وإنَّما كان الشكرُ سببًا عن الإحسانِ، فزمانُ الإحسانِ قبلَ زمانِ الشكرِ، فأعْمَلْتَ:" شكرت " في زمانٍ لم يقع الشكر فيه.
ومن شرط الظرف العامل فيه الفعل أن يكون ذلك الفعل واقعًا في ذلك الزمان: كزرتك يوم الجمعة، وجلست عندك يوم السبت، لكنه لمَّا تجاور الزمانان، وتقاربا جاز عمل الفعل في زمان لم يقع فيه لكنه قريب منه ... " (١٧)
ماذهب إليه " ابن جنى" وإن اسْتُسِيغَ صناعة نحوية، فإن الذي هو أعلى عندى أن قوله:" إذْ هُمَا فِي الغَار" ليس بدلا، بل الكلام على سبيل التعديد المثسْتَغْنِى عن الربط بحرف نسق، فكأنه قيل: " فقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إذْ أَخرجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وإذْ هُما فِي الْغَارِ، وإِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِه ... "
ــ
(١٧) المحتسب لابن جنى.ج١ص٢٩١ [م. س]
فهذه ظروف ثلاثة لنصر الله تعالى له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نصرًا معجزًا، لم يكن بسبب من عدد أو عدَّةٍ، والتأمل في حقيقة النصر الإلهي في هذه المواطن الثلاثة دال على أنه نصرمتجدد معجز.
وليس يخفى أنَّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لصاحبه الصديق ﵁ ما قال هو من مَعْدِنِ النصر الذي كان من الله تعالى له، فالتثبيت في الشدائد دعامة عظمى من دعائم النصر، ومَنْ حُرمه فقد حرم النصر المقيم.
هذه أنواع متعددة من النصر لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولصاحبه الصديق ﵁،.
стр. 70
وفي " التعديد" المستغْنِي عن الربط بحرف نسق دلالة على أنَّ ما عُدِّدَ ليس متغايرًا في حقيقة النصر الذي كان في كلٍّ، بل هو من معدن واحد، وإن اختلفت صورُه، وزمان كُلٍّ، وهذا ما يتناسب ويتآخى مع السياق والقصد المنصوب له الكلام، وهو الإبانة عن أن تثاقل المتثاقلين لن يضر دين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهو غير مفتقر إلى مناصرتهم، بل هو المستغنى عنهم بنصر ربه تعالى له، وأنَّ المتثاقلين إنما بأنفسهم وحدها يلحقون الضُّرَّ المُقِيت.
وقوله:" لاتحزن " جملة طلبية يُثَبِّتُ بها النبيُّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قلبَ صاحبه الصديق ﵁ الذي ما كان حزنه لنفسه بل على أمرٍ متعلِّق برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
لِنَنْظُرْ: أمقتضى الظاهر أن يقول له:لاتخف أم لاتحزن؟
بين الخوف والحزن فرق:
الخوف هَمٌّ يأخذ القلب من أمر متوقع لم يأت ولايعلم شأنه
والحزن هَمٌّ يأخذ القلب من أمر قد مضى أمره
فالمرء يحزن على مافاته، ويخاف مما يستقبله، فظاهر الحال أن يقول له: لاتخف، فإنه كان يخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أن يأخذه الطلب
جاء في البخاري من كتاب " المناقب" ومسلم من كتاب الزهد في باب حديث الهجرة:
"..... ثُمَّ قال:" ألمْ يأْنِ الرحيلُ؟ قلتُ: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالتِ الشمسُ،واتَّبَعنَا سراقةُ بنُ مالكٍ. قال ونحن في جَلَدٍ من الأرضِ. فقلتُ: يارسول الله! أُتِينَا. فقال:" لاتحزن إنَّ الله معنا " فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فارتطمت فرسُه إلى بطنها...."
وفي رواية للبخاري:" ... فقلت هذا الطلب قد لحقنا يارسول الله. فقال:" لاتحزن إنَّ الله معنا " (ح. ر: ٣٦٥٢)
وفي رواية لأحمد:" ... قال: فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جشعم على فرس له
стр. 71
فقلتُ: يارسولَ الله هذا الطلب قد لحقنا
فقال:" لاتحزن إنَّ الله معنا حتى إذا دَنَا مِنَّا، فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قال: قلت: يارسول الله هذا الطلب قدلحقنا وبكيتُ.
قال: لم تبكى؟ قال: قلتُ: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك...." ﴿مسند أحمد ج١ص٢﴾
لعل البيان بكلمة " لاتحزن" ناظر إلى ما قام في صدر الصديق من أنه حَسِبَ أنَّه قصَّر في الاحتياط لسلامة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فيسلك به ما لايكون لأحد أن يتوهم أنهما سالكاه من الطرق، فلا يلقاهما ما لقيهما، فحزنه على حسبانه التقصير في ما فاته من الاحتياط، فهو هَمٌّ لما انقضى من الأمر، فَدَلَّه الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى أنَّ الأمر ليس بالمْوكُولِ إلى اجتهاده في الحيطة حتى يلوم نفسه ويحزن بل الأمر كله لله رب العالمين وهو معهما، فلايحزن على ما حسبه تقصيرًا منه في الوفاء بحق كمال الحيطة. ذلك وجه وأخر:
أنَّه نظرإلى مَآلِ الحال وليس إلى مبدئه: مبدأُ الحال خوف مما قد يلحق نبي الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الأذى إذا ما لحقهما الطلب، وهذا يورث حزنا على ماينزل به، ومن ثَمَّ كان البكاء كما في رواية " الإمام أحمد ".
وأنت ترى أنَّ قول نبي الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأبي بكر الصديق ﵁:" لاتحزن إنَّ الله معنا " لم يكن وهو في الغار كما جاء في كتب السير والتفاسير بل كان من بعد ذلك،
وهذا مايدل عليه البيان القرآني الكريم إذ يقول:
" إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين"
" إذ هما في الغار "
" إذ يقول لصاحبه لاتحزن إنَّ الله معنا "
فهذه أوقات ثلاثة كان في كلِّ واحدة منها نصر معجز لنبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ومن ثَمَّ، فإنِّي لاآخُذُ بما قال به بعض المفسرين وأصحاب السِّيَرِ من أن هذا القول (لاتحزن ... ) كان في الغار.
стр. 72
والأحاديث دالة على أن هذا القول كان في طريقهما إلى المدينة النبوية، إلا إن قيل إنَّ ذلك القول بِعَيْنِهِ قد تكرَّر في الموضعين، ولا دليل على ذلك التكرير.
الذي كان في الغار قوله:" ما ظَنُّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما " وليس (لاتحزن إن الله معنا) ، وفرق غير خفِيِّ بين القولين
جاء في صحيح البخاري من باب فضائل المهاجرين " عن أنسٍ عن أبي بكر ﵁ قال:
قلت للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأنا في الغار: لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا.
فقال: ما ظنك ياأبابكر باثنين الله ثالثهما "
وكأنى بما اشتهر في كتب السير إنما هو من تداخل الروايات عندهم والأعلى تحرير مقال كل موطن.
وفي قوله (إنَّ الله معنا) توكيد اقتضاه جلال المقام، ولم يقتضِه مثقال ذرة من الشك أو ما دونه في حال " الصديق " ﵁ فهو أجلُّ من أن يفتقر في أحرج المواطن إلى أن يؤكد له الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما يخبره به
أليس هو القائل في شأن الإسراء وقد أخبر به: "إن كان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد قال فقد صدق ".
كلمة لاينطقها إلا لسان الصديق في مثل هذا المقام.
التأكيد هنا كمثل التأكيد في خطاب الله تعالى جدُّه لرسوله صلى الله عليه وآله صحبه وسلم في بعض مواطن البيان القرآني الكريم يقتضيه حال المعنى والغرض وجلال المقام
كم من معنى لايكون المخاطب به إلا خالى الذهن كما يقول البلاغيون، ولكن لجلاله وجلال مقامه وعلو منزلته وأهميته يأتى تأكيده بكثير من المؤكدات، فمسالك التأكيد ومقتضِياته في القرآن الكريم ميدان تدبر وسيع فسيح لايكاد يُحاط به، وما هو بَيْنَ أيدينا منه في أسفار البلاغيين والمفسرين إن هو إلا نزير من كثير.
стр. 73
والمَعِيَّة في هذه الآية إنما هي مَعِيَّة مناصرة ومؤازرة ورعاية، وليست مَعِيَّة اختلاط وحلول تعالى الله عما يقول المشبهون والضالون علوًا كبيرًا
الحق الذي نؤمن به ونعقد عليه قلوبنا هو ما عليه سلفنا الصالح من أهل السنة والجماعة من أن الله مع عباده مَعِيَّة إحاطة وعلم وقدرة وسمع وبصر وتربية.... وغير ذلك مما تفيض به ربوبيته مع علوه ﷻ على عرشه فوق جميع العالمين، فليس في الآية أدنى تاويل؛لأنَّ من فقه بيان العربية علم أنَّ المعيَّة فيه ليست تعنى المخالطة بل تعنى المصاحبة وهي تتسع مجالاتها ولاتنحصر في المصاحبة الحسية، فيفسرونها بحسب مقاماتها،واختلاف صنوف الدلالة الواحدة باختلاف السياق والمقام لايكون من قبيل التأويل أو صرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه
يقول الطبري في قول الله تعالى (والله مع الصابرين) ﴿البقرة:١٥٣﴾ "عن الربيع ... تأويله: فإن الله ناصره وظهيره وراض بفعله، كقول القائل: افعل يا فلان كذا وأنا معك، يعني إني ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه.
ويقول في قول الله تعالى (وقال الله إنى معكم ... ) المائدة:١٢
يقول: إنى ناصركم على عدوّكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم......."
ويقول في قول الله تعالى (وإن الله لمع المحسنين) ﴿العنكبوت:٦٩﴾
يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مُصَدّقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه.
ويقول في قول الله تعالى: (والله معكم) ﴿محمد ٣٥﴾
يقول: والله معكم بالنصر لكم عليهم. "
ويقول في (وهومعكم أينما كنتم) ﴿الحديد: ٤﴾
стр. 74
يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع...." (١٨)
ففي المواطن كلها يقرر" الطبري" أن المعية معية عون ونصر، وليس معيه حلول، و"الطبري " من أهل السنة والجماعة.
ويقول الحافظ البيهقي (٤٥٨هـ)
" ... ثنا معدان العابد: سألت سفيان الثوري عن قول الله (وهومعكم) قال علمه "....
".... عن عن الضحاك قال:" ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هورابعهم ولاخمسة إلا هو سادسهم"
قال: هو الله على العرش، وعلمه معهم"..........
"وهو معكم أينما كنتم " يعنى قدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما كنتم" (١٩)
ــ
(١٨) جامع البيان للطبري: ج٢/٥٤-٥٥، ج٤/٥٤٤، ج١./١٧٧،ج١١ /٣٥١،٧٢٧
(١٩) الأسماء والصفات للبيهقي: ص ٤٣.
ويقول " ابن تيمية": " ليس معنى قوله:" وهومعكم" أنه مختلط بالخلق، فإنَّ هذا لاتوجبه اللغة، وهوخلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق.......
وهوسبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم إلى غيرذلك من معانى ربوبيته.
وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لايحتاج إلى تحريف، ولكن يُصانُ عن الظنونِ الكاذِبةِ.... (٢.)
ويقول في الفتوى الحموية الكبرى:" إنَّ كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب
مماسة أو محاذاة يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعانى دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معى لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهوفوق عرشه حقيقة.
стр. 75
ثمَّ هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها) إلى قوله (وهومعكم أينما كنتم) دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم،
وهذامعنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته
وكذلك في قوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) إلى قوله (هو معهم أينما كانوا) الآية.
ولما قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لصاحبه في الغار (لاتحزن إن الله معنا) كان هذا أيضًاعلى ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد.
وكذلك قوله تعالى (إن َّ اللهَ معَ الذينَ اتقوا والذينَ همْ محسِنونَ)
ــ
(٢.) مجموع فتاوى ابن تيمية: ج٣/١٤٢ـ ج. ت: ابن قاسم النجدي
وكذلك قولُه لموسى وهارون (إنّنِي معكُما أَسْمَعُ وَأَرى) هنا المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتاييد.............
فلفظ " المعية" قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لايقتضيها في موضع الاخر، فأما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها وإن امتاز كلّ موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها " اهـ (٢١)
وقال في رسالة: الجمع بين العلو والقرب:
" والمعية معيتان: عامة وخاصة. فالأولى كقوله: (وهومعكم أينما كنتم) والثانية كقوله: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) إلى غير ذلك من الآيات.....
فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة.....