شذرات الذهب
دراسة في البلاغة القرآنية
إعداد
محمود توفيق محمد سعد
أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم
في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف
شبين الكوم
الطبعة الأولي١٤٢٢
الحقوق محفوظة للمؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله كما صليت على إبراهيم وعلىآل إبراهيم إنّك حميد مجيدٌ، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد
أمَّا بعد فهذه شذرات الذهب من معدن بيان لسان العربية عن معانى الهدى في بيان الوحي العَلِيِّ: القرآن الكريم، ومن البيِّن أنَّ بيان كل مُبِينٍ على مقدار علمه بما يُبِينُ عنه، وبمقدار اقتداره على الإبانة عنه، فانظر كم يكون كمال وجمال وجلال وإعجاز بيان الله الذي وسع كلَّ شيءٍ علما، والذي هو على كلِّ شيء قدير
стр. 2
وهذه الدراسة إنما تعنى بفقه العربية في هذا الميدان العَلِىِّ من البيان: بيان الوحي القرآن الكريم، والدراسة العربية لأيِّ بيانٍ إنما هى التى لاتتخذ منهاجها إلا من واقع الأمة العربية حين كان ذلك البيان فيها؛ لأنَّ الله عز وعلا إنما خاطب العرب بالقرآن الكريم على ما تعرف العربُ من بيانها: مفردات ومنهج تراكيب وتصوير وتحبيروتغنٍّ، ودلالة ومدلولا، ولم يخاطبها بما تجهل البتة، أو بما يكون في بيان أمة أخرى غيرها، ولذلك قال الله تعالى:" وَلوْ جَعلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْحَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لايُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ " (فصلت: ٤٤)
فالدراسة التى تؤتى أكلها إنما هي الدراسة العربية المنسول منهاجها من واقع بيان العرب في عصر التنزيل الكريم، وليست التى تُفْتَنُ بمقولات أعجمية نبتت في غير ديارنا العربية المسلمة، فإن تلك المقولات، وإن كانت صالحة مصلحة ما في بيان قومها من الأعاجم فإنها ليست إلا عقيما في ديارنا لاتنتج إلا شؤمًا وإلباسًا وتعمية، ولساننا والحمد لله رب العالمين لسان عربي مبين، فكيف بعاقل يرغب عنه إلى لسان أعجمى بهيم.
ولست بزاعم أن طالب العلم ببيان الكتاب والسنة مصروف عن قراءة ما يتخذ من مناهج درس علوم اللسان الأعجمى، وماتنتجه عبقرياتهم في شتى العلوم، شريطة أن يقرأ ذلك كله بقلب عربي مسلم معتصم بعقيدة الإسلام وأخلاق الكتاب والسنة، فإن وجد ما لايتعاند مع عقيدتنا وآخلاق شريعتنا ومنهاج لساننا، وكان نافعا في فقه لساننا فله أن يسترشد ويستهدي، فإن الحكمة ضالة المسلم يبحث عنها ويقتنيها وبستثمرها فيما يزيده قربًا إلى ربه ﷻ .
стр. 3
وإن من النصيحة لكتاب الله تعالى أن تصرف العناية التامة والاجتهاد البليغ إلى إتقان فقه هذا البيان العَلىِّ، والمصابرة على الغوص في أعماق قاموسه المحيط، فإنك لن تجد فقيها بالكتاب والسنة إلا من فقهه عربية هذا البيان المعجز
وإذاما كان فقه الكتاب والسنة فريضة لازبة، فكذلك ما يكون الطريق إلي ذلك الفقه: العلم بلسان العربية وخصائص الإبانة فيه عن حقائق المعانى ودقائقها ولطائفها هوأيضًا فريضة لازمة لازبة على كل طالب علم بالكتاب والسنة.
ولهذا حرَصت هذه الدراسة العربية على أن تتخذ منهجا يتلبث قليلا عند الكلمات التى بُنِيَ منها هذا البيان العَلِىُّ المعجز وهي كلمات عربية، ليست من العجمة في شيء، فليس في القرآن الكريم كله كلمة أعجمية واحدة هي فيه على ما في أي لسان أعجمى
ما ظُنَّ أنه أعجمي في أصله كما جاء عن بعض أهل العلم، فإن بيان الوحي قد أعاد صياغته بما يوائم عربية البيان، وكأنَّ في هذا إشارةً إلى أن من كان أعجميًا واتخذ الإسلام دينًا فإنه يستحيل بهذا من أعجميته الفكرية والعقدية والبيانية إلى أن يكون عربيا مسلم الفكر والعقيدة والبيان.
تلبثت الدراسة عند بعض المفردات تنظر في صورها وصيغها ودلالاتها لعل في ذلك عونًاعلى حسن فقه معانىالتراكيب والصور.
وحرَصت على أن تتلبث قليلا عند بيان بعض الوجوه الإعرابية لتراكيب هذا البيان تنظر في العلاقات الإعرابية بين الكلمات في بناء الجمل، وفي العلاقات الإعرابية بين بعض الجمل، فإنَّ حسن فقه مواقع الكلمات والجمل وعلاقتها الإعرابية مفتاح عظيم من مفاتح فقه بيان الوحي: كتابا وسنة.
ثم كان لهذه الدراسة تلبثٌ مديدٌ في النظر في السَّمَاتِ البلاغية لهذا البيان، وحرصت على أن تمزج النظر في السمات البلاغية بالنظر في لطائف معانى الوحي، وما تفيض به تراكيب بيان الوحي من دقائق ولطائف معانى الهدى إلى الصراط المستقيم.
стр. 4
وقد رغبت في أن أجعل بين يدي هذه الدراسة العربية تمهيدًا رأيت أن في وقوف طالب العلم عليه عونًا له على حسن الوفاء ببعض حق العلم ببيان الوحي الكريم.
وجعلت مجال هذه الدراسة آيات من " التوبة" قائمة بمعانى التحريض على الجهاد في سبيل الله تعالى والنِّفار إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ذلك أن تثقيف طلاب العلم بثقافة الجهاد في سبيل الله تعالى أمرٌ لابدَّ من القيام به والإلحاح عليه كمثل إلحاح أخدان أبناء صهيون وعبدة الصليب على أن نبالغ في تلقين أبناء الأُمة ثقافة السلام: الاستسلام لإرادة " أبناءالعم سام"، فالسلام في معجم مفرداتهم إنما يعنى استسلام المسلمين لإرادتهم، وهو يعنى عندنا الاستسلام للحق الذي جاءت به شريعة الإسلام ليس إلا.
وإذا ماكان الله يأمر رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأن يحرض المؤمنين على القتال، فإن كثيرًا من أخدان الأعجمين يجعلون من" الجهاد " جريمة الجرائم التى لاتغتفر، هو عندهم الفريضة المحرمة،، ولكن ستبقى كلمة" الجهاد" قائمة في مصاحفنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وفي قلوبنا ما بقيت الحياة على الأرض.
هذه الأوراق القائمة بين يديك تسعى إلى أن تقيم في قلبك ولسانك عرفانًا بلسان العربية قائما في بيان الوحي الكريم، ولن تجد بيانًا يقيم درسه وتفقهه عرفانًا بلسان العربية مثلما أنت واجده في بيان الوحي الكريم.
وتسعى أيضًا إلى أن تقيم في قلبك وسلوكك استمساكًا وتخلقًا بتأديب الله لنا وتثقيف قلوبنا بما يراه هو ﷻ خيرًا لنا في دنيانا وفي آخرتنا: في مسيرنا ومصيرنا.
ذلك أنى مؤمن إيمانًا راسخًا أن كل دراسة في القرآن الكريم والسنة لايكون منها ما يغير حركة سلوكنا إلى ما هو الأعلى والأقرب إلى رضوان ربنا هي دراسة عقيمة وإن تظاهر على إتقانها أحبار علوم اللسان العربي في مشارق الوطن العربي ومغاربه.
стр. 5
لايعدو درس علوم لساننا العربي عندي أن يكون وسيلة إلى غاية ماجدة هي حسن فقه بيان الوحي قرآنا وسنة فقهًا يحفزنا على العزم على أن نغير ما بأنفسنا وأمتنا وما حولنا إلى ما فيه رضوان خالقنا ﷻ
وإذا ما غفلت أي دراسة عن هذه الغاية فهي من العلم الذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ونحن اقتداء به نستعيذ بالله من علم لاينفع في الدنيا والآخرة ونبتهل إلى الله تعالى: " اللهم يامعلم إبراهيم علمنا كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم علما يزيدنا قربا إليك
اللهم يامُفَهِّم سليمان فهمنا كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فَهِّمْنا ما يُسلكنا في عبادك الصديقين.
(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إتك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ورسوله سيدنا محمد بن عبد الله نبيّ الرحمة والملحمة وعلى آله وصحبه وأمته عدد خلقه ورضاء نفسه ومداد كلماته والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمود توفيق محمد سعد
الأستاذ في جامعة الأزهر الشريف
التمهيد
منزلةالعلم بخصائص لسان العربية ومنهج الإبانة فيه
يقررالقرآن الكريم في آيات عديدة أنَّه عربي وبلسان عربي مبين: " إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ" ﴿يوسف:٢﴾
" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ " ﴿النحل: ١.٢﴾
стр. 6
"وَكَذَلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَربِيًّا" ﴿الرعد:٣٧﴾
" وَكَذَلِكَ أنْزلْناهُ قُرآنًا عَربِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونُ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا" ﴿طه: ١١٣﴾
" وَإنَّهُ لَتَنْزيلُ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرينَ ﴿﴾ بِلِسَاٍن عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" ﴿الشعراء: ١٩٢-١٩٥﴾
" وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هَذا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿﴾ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ " ﴿الزمر:٢٧- ٢٨﴾
" حَم ﴿﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿﴾ كِتابٌ فُصِّلتْ آيَاتُهُ قُرْآنًاعَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ﴿فصلت: ١-٣﴾
" وَكَذلِك أوْحيْنا إلَيْكَ قُرْآنا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لارَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ " ﴿الشورى: ٧﴾
" حَم ﴿﴾ والْكِتابِ المُبينِ ﴿﴾ إنَّا جعلْناهُ قُرْآنًا عَربِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ ﴿﴾ ﴿الزخرف: ١-٣﴾
" وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ " ﴿الأحقاف:١٢﴾
في كل هذه الآيات دلالة بينة على أن عربية القرآن الكريم إنما هي عربيةمنهج إبانة وليس عربية مصدر تنزُّل،ولذا كثر في هذه الآيات قوله: لعلكم تعقلون، لعلهم يتقون، لعلهم يتذكرون" وهذا كله إنما يكون من منهاج الإبانة على معانيه ومقاصده ومغازيه،ولذا قال الحق عز وعلا:
" وَلَوْ جَعَلْناهُ قرآنًا أعْجميًّا لقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُه أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ... " ﴿فصلت: ٤٤﴾
стр. 7
وفي ذلك دلالة بينة على أنه لايسطيع ناظر في القرآن الكريم أيا كان قدره أن يفقه شيئا منه إلا من سبيل فقهه لسان العربية الذي كان في أمة العرب عند نزوله، فذلك هو السبيل الأول إلى الاقتراب من حمى المعنى القرآني الكريم.
وقد حرص الإمام الشافعي في سفره الجليل " الرسالة" أمِّ أسفار علم أصول فقه الكتاب والسنة على أن يبين في جلاء هذه الحقيقة؛لأنها أم الحقائق التى تبنى عليها كافة الحقائق العلمية في هذا الباب:
يقول ﵁ وارضاه:
" ومن جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب".
فانظر قوله: " جماع علم كتاب الله" فهذا دال على أن علم ما في كتاب الله عز وعلا من معانى الهدى إنما هو من علم لسان العرب فمن علمه وأتقنه كان أهلا لأن يسلك السبيل، ومن جهله فلن يخطو خطوة واحدة على الطريق، وإن جمع علوم أهل الأرض أجمعين،
فكان لزاما على كل متكلم في معانى القرآن الكريم على تعدد أنواعها وضروبها ومجالاتها الجامعة كافة شئون الحياة أن يكون أول أمره قائما على كمال تحقيق العلم بلسان العربية.
وهذا يدل على عظيم ما يتردى فيه كثير من المستجرئيين على القول في معانى القرآن الكريم، والواحد منهم لايكاد يقيم لسانه النطق بجملة عربية واحدة على النحو والنهج العربي القويم.
وقد أنكر " الإمام الشافعي " على من زعم أنَّ في القرآن الكريم حرفا واحدا من غير العربية:
" الواجب على العالمين انَّ لايقولوا إلا من حيث علموا.وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له ـ إن شاء الله.
فقال منهم قائل: إنَّ في القرآن عربيا وأعجميا.
والقرآن يدل على أنْ ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب.
ووجد قائل هذا القول من قَبِلَ ذلك منه تقليدًا وتركًا لِلْمسئَلة له عن حُجَّتِه، ومسئلةِ غيره ممَّنْ خالفه.
стр. 8
وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم.
ثمَّ يقول ﵁ وأرضاه:
" فعلى كلِّ مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جَهدُه....
وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرًا له....
ثُمَّ بين وجه إعلانه هذه الحقيقة العلمية الراسخة في صدر كتابه قائلا:
" وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنَّه لايَعلمُ من إيضاح جُملِ عِلمِ الكتابِ أحدٌ جهلَ سَعةَ لسانِ العربِ،وكثرةَ وجوهِهِ وجِماعَ معانيهِ وتَفرُّقَها.
ومن علِمه انتفت عنه الشُّبَهُ التى دَخلت على من جهلَ لسانها.
فكان تنبيهُ العامَّةِ على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحةً للمسلمين، والنصيحة لهم فرضٌ لاينبغى تركُه، وإدراكُ نافلةِ خيرٍ لايَدعُها إلا من سفه نفسه وترك موضعَ حَظِّهِ.
وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حقٍ وكان القيامُ بالحقِّ ونصيحةُ المسلمين من طاعةِ اللهِ، وطاعة اللهِ جامعةٌ للخيرِ " (١)
بسطت لك النقل عن بيان الشافعي ﵁ وأرضاه، لتقف ـ أولا ـ بنفسك على بيانه البليغ،فقد كان الشافعي ممن تؤخذ منه اللغة
فهو قرشي قُحٌّ لم يَشُبْ لسانَه هجنة أعجمية أو عامية،وكان عالم لغة وراوية شعر من قبل أن يكون فقيها، فهو الذي أخذ عنه " الأصمعى" شعر الهذليين، فيقوم في صدرك فرق ما بين هذا الإمام الجليل وبين ما يسكب في أذنك صباح مساء من همهمات أعجمية ممن قيل عنهم المفكرون الإسلاميون.
ولتقف ـ ثانيا ـ بنفسك على تقريره الحقيقة العلمية التى لاينبغى أن يُوقَفَ طالبُ علمٍ بمعانى كتاب الله عز وعلا على شيء من قبل أن يوقف عليها وقوفَ تبصرٍ وتدبرٍ وتمثلٍ وتمكنٍ.
стр. 9
ولو أحسن القائمون على تعليم طلبة العلم في الجامعات الإسلامية النصح إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والنصح إلى من كلفوا بالولاية عليهم ورعاية مسيرهم في طلب العلم بالكتاب والسنة لكان واجبا أن يجعلوا العلم بلسان علوم العربية مدارسة وممارسة أداء وتذوق وتدبر عديلَ العلم بكافة علوم الكتاب والسنة بل والمقدمَ عليها.
إذا ماكان هذا الذي سمعت من الإمام الشافعي ﵁ وأرضاه المهدي إلينا أول وأجلَّ كتاب في علم أصول فقه معاني الهدى إلى الصراط المستقيم في الكتاب والسنة، فإن "الإمام: أبا إسحاق الشاطبى (ت: ٧٩.) يقتدي به قائلا:
" إن هذه الشريعة المباركة عربية، لامدخل فيها للألسن الأعجمية ...
القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة....
فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة "
" انه لابد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين ـ وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ـ فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة،وإن لم يكن ثَمَّ عُرفٌ فلا يصحُّ أن يجري في فهمها على ما تعرفه.
وهذا جار في المعانى والألفاظ والأساليب "
" لايستقيم للمتكلم في كتاب لله أو سنة رسول الله ﷺ أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب،وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن يعتنِي العربُ به والوقوفَ عند ما حَدَّتْهُ "
стр. 10
" الاعتناء بالمعانى المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم بناء على أنَّ العرب إنما كانت عنايتها بالمعانى،وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها،وهذا الأصل معلومٌ عند أهلِ العربيةِ، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى هو المقصود،ولا أيضا كل المعانى، فإن المعنى الإفرادي قد لايعبأُ به إذا كان المعنى التركيبي مفهوماً دونه " (١)
ويقرر في باب " الاجتهاد " أنه إذا ماكان هنالك علم تتوقف صحة الاجتهاد عليه " فالأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا علمُ اللغة العربية،ولا أعنى بذلك " النحو" وحده،ولا" التصريف " وحده،ولا "اللغة" ولا" علم المعانى" ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان بل المراد جملة علم اللسان ألفاظ أو معانى كيف تصورت....
فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة.
فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله فيها مقبولا.
فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها،كـ"الخليل" و" سيبويه "و"الأخفش"و"الجرمي"و"المازنى"ومن سواهم" (٢)(٣) ...
стр. 11
كل الذي نقلته لك عن " الشاطبي" ومن قبله" الشافعي" دالٌ دلالة بينة محققة على أنه فريضة علمٍ ودينٍ على كل من قام إلى النظر في معانى الهدى في بيان الوحي: الكتاب والسنة أن يكون العليمَ بلسان العربية عما يخرجه عن الجهالة بمنهاج الناطقين به زمن نزول الوحي في الإبانة والتلقي، فلا يتلبس بشيء من الجهالة بخصائص هذا اللسان التى هي قائمة على كمالها في بيان الوحي كيما يتحقق الفهم عن الله وعن رسوله ﷺ ، وقد هدي الله إلى أنَّ
من نعمه على خلقه أنْ جعلَ من أرسله إليهم من النبيين والمرسلين بلسان من أُرْسِلُوا اليهم في كلِّ عصرٍ ومصرٍ:
" وَمَا أَرْسَلْنا مِن رسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" ﴿ابراهيم:٤﴾
وقد كان من " الشافعي" في الرسالة تبيان لبعض خصائص لسان العربية زمن الوحي يغري به طلاب العلم بمعانى الهدي إلى الصراط المستقيم في كتاب الله عز وعلا وسنة نبيه ﵌ قائلا:
" إنما خاطب الله بكتاب العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها.
وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأنَّ فِطرتَه أن يُخاطبَ بالشيء منه عاما ظاهرًا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره.
وعاما ظاهرا يراد به العام، ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه.
وظاهرًا يراد به الخاص.
وظاهرا يُعرفُ في سياقه أنه يراد به غير ظاهره
فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره.
وتبتدأُ الشيء من كلامِها يُبينُ أوَّلُ لفظها فيه علم آخره
وتبتدئُ الشيْءَ يُبِينُ آخرُ لفظها منه عن أولِه.
وَتَكَلَّمُ بالشيْء تُعَرِّفُهُ بالمعنَى دون الإيضاحِ باللفظِ،كما تُعَرِّفُ اٌشَارةَ، ثُمَّ يكونُ هذا من أعلى كلامها؛لانفرادِ أهلِ علمِها به دون أهلِ جهالتها.
стр. 12
وتسمى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة
وتسمى بالاسم الواحد المعاني الكثيرة.
وكانت هذه الوجوه التى وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به ـ وإن اختلفتْ أسباب معرفتها ـ معرفةً واضحةً عندها، ومستنكرًا عند غيرها ممن جهلَ هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلُّف مايجهلُ بعضه.
ومن تكلف ما جهل ومالم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب ـ إنْ وافقه من حيثُ لا يعرفه ـ غير محمودة،والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور، إذا ما نطق فيما لايحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه (١)
هذا بعض خصائص لسان العربية التى نزل عليها الوحي في بيانه وإفهامه مراد الله من عباده،وهي خصائص مذهبية منهجية كلية من تحتها خصائص دقيقة جليلة يقف عليها علماء بيان العربية.
والشافعي قرر فيما قرر قي رسالته الجليلة:
" ولسان العربِ أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظا، ولانعلمه يُحيطُ بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لايذهب منه شيء على عامتها حتى لايكون موجودًا فيها من يعرفه" (٢)(٥)
فانظر قوله:" أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا" جاعلا الاتساع للمذهب والكثرة للألفاظ،وإذا ما كانت الإحاطة بالألفاظ جد عسيرة فكيف تكون الإحاطة بالمذاهب المتسعة؟!.
وإذا ما كانت المذاهب متسعة وهي في بيان البشر وهم مهما علا علمهم وقدرهم وأطاق اقتدارهم عاجزون عن الإحاطة وعن التَّطَهُّرِ من الغفلة والإبهام في البيان عن المراد، فكيف يكون الأمر حين يكون البيان بيان الله عز وعلا الذي لاتنفد كلماته:
" قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَدًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ولَو جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا " ﴿الكهف: ١.٩﴾
стр. 13
يقول " أبو الحسنِ الحَرَالَّيُّ " (١) :
" بيان كل مُبِينٍ على قدْرِ إحاطَةِ علمه، فإذا أبانَ الإنسانُ عن الكائن أبان بقدر ما يدرك منه،وهو لايحيطُ به علمًا، فلا يصلُ إلى غايةِ البلاغةِ فيه بيانُهُ.وإذا أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا في ذكره، لما لزم الإنسانَ من نسيانه.وإذا أراد أن ينبئَ عن الآتى أعوزهُ البيان كله إلاَّ ما يقدِّره أو يُزَوِّرُهُ.
فبيانه عن الكائن ناقص،وبيانه في الماضي أنقص، وبيانه في الآتي ساقط.
ثم يقول:" بلاغة البيان تعلُو على قدر علو المبين،فعلو بيان الله على بيان خلقه بقدر علو الله على خلقه" (٢)(٧)
وقد هدى إلى ذلك ماقاله النبي ﷺ فيما رواه الترمذي في جامعه الصحيح من " كتاب فضائل القرآن":
" فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه "
وكل هذا الذي بسطت لك القول فيه دال دلالة بينة محققه على أنَّ العرفان بخصائص العربية ضابطٌ حركةَ الناظرِ في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ يستخرج منهما معانى الهدى إلى مايرضي ربنا ﷻ ، فإن في العلم المحقق بمناهج العرب في الإبانة عن معانيها عونا عظيما على ذلك.
يروي " الزجاجي" أنَّ " أبا عمر: صالح بن إسحق الجرمِيّ" كان يَدِلُّ بمعرفته بالعربية، ويقول أنا من ثلاثين سنة أفُتِي الناس من
كتاب " سيبويهِ" فأُخبر " المبرد" بذلك، فقال: أنا سمعته يقول هذا
стр. 14
وذلك أنَّ "أبا عمر" كان صاحب حديثٍ فلما علِمَ كتابَ" سيبويهِ " تفقَّهَ في الدِّينِ والحديثِ؛ إذْ كان ذلك أي كتاب " سيبويهِ " يُتَعَلَّمُ منه النظر والتفتيش " (١)
يقول " الشاطبي " في "الموافقات: " والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في " النحو" فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب،وأنحاء
تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أنَّ " الفاعل " مرفوع، و" المفعول" منصوب ونحو ذلك
بل هو يبين في كل باب ما يليق به حتى إنه احتوى على " علم المعانى والبيان" ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني "......
" فالحاصل أنه لاغنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب بحيث يصير فهم خطابها له وصفا غير متكلف ولا متوقَّف فيه في الغالب إلاَّ بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب "
وإذا ماكان بلوغ درجة الاجتهاد في فقه مذاهب العربية في الإبانة عن المعانى أداة ريئسة للمتدبر بيان الكتاب والسنة يستخرج منهما أحكام الشريعة فإنَّ ذلك الأمر ليبدو أثرُه قويًا في الوقوفِ على معالم " التثقيف" للنفس الإنسانية في البيان القرآني. وتفاوت العلماء في هذا أعظم من تفاوتهم في إدراك أحكام الحلال والحرام منه.
اتقان فقه العربية من أعظم آلآت العالم في استجلاء مسالك التهذيب للأمة؛ لتقبل على أحكام الله إقبالا مبعثه الحب والخوف والرجاء، فتكون إقامتهم في رياض الطاعة الخالدة.
والله لم يرض من عباده أن يحتمكوا إلى كتابه الكريم وسنة نبيه ﷺ فحسب بل أوجب عليهم التسليم والرضا
بذلك،وإلا كانوا الخارجين من حمى الإسلام والإيمان:
" فَلا وَرَبِّكَ لايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفِسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " ﴿النساء: ٦٥﴾
стр. 15
التحريض على الجهاد في سبيل الله تعالى
يقول الله تعالى
يَأَيُّها الَّذِيَنَ آمَنُوا مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا متَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ ﴿﴾ إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوه شَيْئًا وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قّديرٌ ﴿﴾ إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاتَحْزَنْ إِنَّ اللهَ معَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿﴾ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿﴾
﴿التوبة:٣٨-٤١﴾
السِّياق
لهذه الآيات سياقان: سياق نزول وسياق تلاوة، ومن حسن فقه بيان القرآن الكريم أن يُعنى طالب العلم بفقه السياقين معا، فإنَّ لهما أثرًا عظيمًا في تحقيق المعنى وتحريره.
= سياق النزول:
ذكر " ابن جرير الطبرى: (١)
" عن ابن أبي جريج عن مجاهد قوله:" يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض "الآية. قال: هذا حين أُمِرُوا بغزوة " تبوك " بعد " الفتح " " وحنين " وبعد " الطائف " أمرهم بالنفير في الصيف حين أخْترَفت النخيلُ، وطابت الثمار واشتهوا الظلالَ، وشقَّ عليهم المَخْرَجُ (٢)
стр. 16
وغزة " تبوك" كانت في شهر " رجب" من السنة التاسعة " وتبوك" مكان في شمال الجزيرة، وهذه الغزوة تعرف بغزوة " العسرة"؛ لما أصاب فيها المسلمين من ضيق اليد بالنفقة.
وقد أنفق " عثمان بن عفان " ﵁ في هذه الغزوة نفقة عظيمة: جهز عشرة آلاف، وأنفق عشرة آلاف دينار " أي ما يعادل اثنين وأربعين ألفا وخمس مئة جرام من ذهب، وتسع مئة بعير ومئة فرس وجاء " أبو بكرالصديق" ﵁ بكل ما يملك، وجاء " عمر بن الخطاب " ﵁ بنصف ما يملك، وتطوع كثير من الصحابة رجالا ونساء بأموالهم، وقد بلغ عدد جيش المسلمين ثلاثين ألف مقاتل.
ــ
(١) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري (٢٢٤-٣١.) من آثاره: تفسيره: جامع البيان، وأخبار الرسل والملوك، والقراءات.
(٢) جامع البيان للطبري: ج٦ / ٤١٧ ـ ط: دار الغد العربي ـ القاهرة ـ
وقد خلَّف النبي ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على "المدينة النبوية" عليًّا بن أبي طالب " وقال له: أنت منى بمنزلة هارون من موسى " ﴿البخاري: فضائل أصحاب النبي﴾ هى منزلة استخلاف ولاية موقوتة، وليس منزلة نبوة أومنزلة استخلاف ممدود
وقد كانت هذه الغزوة اختبارًا عظيما لكثير من المسلمين، فقد كانت في زمن الصيف الشديد حرُّه، وهي آخر عزوة غزاها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.وقد كان من شأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يورِّي حين يريد الغزو إلا في غزوة تبوك فإنه صرح للمسلمين بمقصده حتى يتموا استعدادهم.
يقول " كعب بن مالك " ﵁، فيما رواه البخاري بسنده:
стр. 17
"كان رسول الله ﷺ قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوكٍ، فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍشديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل غزو عدوٍ كثيرٍ، فجلّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد" ﴿البخاري: الجهاد- من أرادغزوة فورى بغيرها)
وفي هذا السبب بيان لعظيم ما كان من بعض الذين أخلدت نفوسهم إلى شيء من نعيم الدنيا، فكان منهم ما لا ينبغي أن يكون: تثاقلٌ عن الفرار إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين والإخلادَ إلى الحياة الدنيا ومتاعها الزائل.
وقد كان من النبي الهادي ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عظيم التحذير من السقوط في حمأة التشاغل بنعيم الدنيا عن الآخرة:
روى " مسلم "بسنده عن عمرو بن عوف " أن رسول الله ﵌ قال:
" ... أَظُنكم سمعْتُم أنَّ " أبَا عُبَيْدَةَ " قدمَ بشَيْءٍ من " البَحْرَيْنِ"؟ فقالوا: أجلْ يارسولَ اللهِ قال:" فأبشِرُوا وأمِّلُوا مايسرُّكُمْ، فواللهِ ماالفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخشى عليكم أنْ تُبسطَ الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلَكُم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم " [الزهد: ح. ر: ٦/٢٩٦١]
وهذا يبين لنا خطر ما نحن فيه، فقد أفعم حب متاع الحياة الدنيا قلوبنا وقيد حركتنا إلى الجنة، ففررنا من جنة العزة بالإسلام في الدنيا إلى هاوية الاستسلام، فنزع الله عز وعلا مهابتنا من قلوب أعدائنا،وملأ قلوبنا حبًا للحياة في رَغْدة الخَبال والفَرَقَ من الموت في سبيل الله عز وعلا.
ونزل قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) في الذين اعتذروا بالضيعة والشغل وانتشار الأمر، فأبى الله تعالى أن يعذرهم دون أن ينفروا على ما كان منهم
стр. 18
عن " انس " قال: قرأ " ابو طلحة ": انفروا خفافا وثقالا، فقال: ما أسمع الله عذرَ واحدٍ، فخرج مجاهدًا إلى الشام حتى مات
[] [] [] [] []
سياق الترتيل:
جاءت هذه الآيات في سياق سورة " التوبة" وهي سورة معقودة للحث على البراءة مما لا يُرضي الله ، وممن يدعو إلى مخالفته واتباع الهوى
وهذه السورة جاءت عقب سورة الأنفال " سورة الجهاد،النازلة في شأن غزوة " بدر الكبرى " ﴿البخاري: التفسير﴾ وكان من السُّنة قراءة هذه السورة قبل التحام المقاتلين، فإن فيها من التحفيز والتثبيت ما فيها.
وسورة " التوبة" قد بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم " أبابكر"﵁ في الحج، وأمَرَ"عليا بن أبي طالب " ﵁ أن يتلوها علىالناس ﴿الترمزي: ح. ر"٣.٩.- ٣.٩٢﴾ فكان هذا إعلامًا بليغًا بالبراءة من الكافرين والمشركين التي ينبغي أن يستمسك بها المسلمون إلى يوم الدين.
وهي سورة قد كثر فيها الحث على مجاهدة المخالفين لله ، لرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقد كان من نصح أمير المؤمنين:" عمربن الخطاب " ﵁:" تعلموا سورة التوبة، وعلموا نساءكم سورة النور"
افتتح الله عز وعلا سياق القول في السورة بإعلان البراءة من عهد المشركين، والحثِّ على قتالهم حيث وُجدوا،وبيان أنه لايكون للمشركين عهد عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهم الذين لايرقبون في المسلمين إلاَّ (قرابة) ولا ذمة وعهدًا، فهل لنا نحن المسلمين في زماننا هذا أن نستمع إلى قول ربناجلَّ جلالُه وأن نصدقه وأن نطمئن إليه؟ فلا نفتن ونغتر بدعاوى الضالين المضلين أننا في عصر حوار الحضارات مع الإسلام لاعصر صراعها معه.
стр. 19
وحثَّ اللهُ عزَّ وعلا وحرَّض على قتال أولئك الناكثين أيمانهم الهامّين بإخراج الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم البادئين بالعدوان، وحذر من خشيتهم ووعد بتعذيبهم بأيدي المسلمين إن أطاع المسلمون أمر ربهم تعالى، وبيَّن أنَّ المشركين لن يكونوا يوما يعمرون مساجد الله تعالى فذلك من شأن المؤمنين وحدهم، وبين أن الجهاد في سبيل الله أجل من تعمير المسجد الحرام
وأعلنت السورة عظيم النهي عن الولاء لمن حارب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وإن كانوا الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، فكيف حالنا وقد والينا من مزقوا أعراضنا وداسوا مقدستنا، ثم لايكون منا إلا الإعلان بأنا أمة السلام!!!!
ويؤكد الله لنا أنه هو الناصر للإسلام في مواطن كثيرة، وذلك حين يكون المسلمون أهلا لذلك النصر بطاعتهم لله رب العالمين، فيقصُّ الله عز وعلا علينا ما كان في غزوة " حنين" علَّنَا نتخذ العبرة الهادية
ويحثنا على أن نقاتل الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حتى يخضعوا ويذلوا لسلطان الإسلام، ويقصُّ علينا ما يكون منهم من إفساد في الأرض ليُغْرِينا بقتالهم ومنع فسادهم في هذه الأرض التى استخلفنا فيها لنعمرها
في هذا السياق المنصوب للحث على البراءة من كل ما لايرضي ربنا جلَّ جلالة، وعلى مقاتلة كل من يدعو إلى تلك المفاسد في الأرض جاءت هاتان الآيتان، وفيهما من معانى الهدى ما فيهما وإنِّى أرى أن كلَّ مسلم وقافٍ عندهما لايكاد تقر نفسه بنوم، مادام على غير التحفز إلى ما تدعو إليه الآيتان الكريمتان، وما تُهَدِّدُ به من ليس قائما لما يُغْرَى به، ويحرَّضُ عَلَيْهِ.
آيات السورة كما ترى متناسل تاليها من أولها، فهى تجمع وحدة المقصد والمغزى إلى وحدة البيان إلى وحدة الموضوع، فتحققت فيها هذه الوحدات على نحو لايكاد يغيم فضلا عن أن يغيب.
стр. 20
......
القراءات القرآنية في الآيات
كان من فضل اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ على عباده أن لم ينزل كتابه على وجه واحد من وجوه الترتيل التي يستنبط منها معانى الهدى، بل جاء التنزيل بوجوه عدَّة، كما هدت إلي ذلك السنة المطهَّرة:
" عن عبد الرحمن بن عبد القَارِيَّ قال سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة "الفرقان" على غير ما أقرؤها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة "الفرقان" على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أرسله، اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت؛ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه"
﴿الشيخان: البخاري ك: فضائل القرآن:باب أنزل القرآن على سبعة أحرف،و "مسلم" ك: المسافرين ـ باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، والنص لمسلم ح. ر:٢٧./٨١٨﴾
стр. 21
وفي الباب نفسه روى مسلم بسنده عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا ﴿ح. ر:٢٧٤/٨٢١﴾
في الرواية الثانية بيان أن هذه القراءات تحمل فيضًا من رحمة التخفيف على هذه الأمة، وهو تخفيف غير مقصور على الأداء والتلاوة،وإن كان هذا أظهرها بل هو تخفيف في التكليف القائم من معانى الهدى المستنبطة من تلك القراءات فمن قرأ بحرف واستنبط منه معانى الهدى استنباطًا صحيحًا على وفق الأصول العلمية للاستنباط، فقد أصاب فكلها كافٍ شافٍ والحمد لله رب العالمين.
يقول " الزركشي" (١) عن معرفة توجيه القراءات وتبيين وجه ما ذهب إليه كل قارىء:"هو فن جليل وبه تعرف جلالة المعانى وجزالتها وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبا......
وفائدته ... أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه او مرجحا (٢) ـ
من هذا يتبين لك أن الوقوف على ماجاء في هذه الآيات من قراءات هو من باب العلم النافع، والدراسة العربية تحتفى بمثل هذا،فكثرة القراءات في الآية فيه من فيوض المعانى مايعين العباد على أن يقوموا في رياض الطاعة، وأن تفتح أمامهم سبل القرب من خالقهم وليس كمثل التيسير المحكم بأصول العلم على العباد كَيْمَا لاتنفر نفس عن رحاب الطاعة.
﴿﴾ ﴿﴾ ﴿﴾
стр. 22
اختاف القراء العشرة في هذه الآيات التى بين يديك في كلمة واحدة هي قوله تعالى (وكلمة الله هي العليا) قرأ العشرة خلا " يعقوب" برفع (كلمة) على (الاستئناف)
وقرأ يعقوب وحده من العشرة بنصب (كل) (٣)
стр. 23
وأهل العلم بكتاب الله على أنَّه لايجوز ردُّ قراءة متواترة،وإن بَدَا أنَّ غيرها أظهر في العربية وأشيع، فليس معيار القبول الرد، والترجيح بين القراءات إلاَّ درجة وثاقة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
يقول ابن الحزري (٤) :
" كلُّ قراءةٍ وافقت العربيةَ ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصَحَّ سندها فهي القراءة الصحيحة التى لايجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة ام العشرة ام عن غيرهم من الأئمة المقبولين ... " (٥)
فانظر كيف أن " ابن الجزري " في الشرط الأول قال: (ولو بوجه) ومن البين أن مذاهب العرب في بيانها متسعة لايحاط بها كما قرره " الشافعي " في " الرسالة"وانظر ما قاله في الشرط الثانى (ولو احتمالا) فاتسعت الدائرة، لكنه في الشرط الثالث (صحة السند) لم يذكر شيئا من ذلك مما يؤكد وجوب صحة السند.وانظر قوله (فهي القرءة الصحيحة) بتعريف الطرفين الدال على التخصيص الحصري، فكان مآل الأمر أن الشرط الأعلى من هذه الثلاثة إنما هو الشرط الثالث (صحة السند عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم)
ولهذا " قال الشيخ أبو محمد إبراهيم بن عمر الجعبري (٦) :
стр. 24
" أقول: الشرط واحد وهو صحة النقل، ويلزم الآخران، فهذا ضابط يُعَرِّف ماهو من الأحرف السبعة وغيرها، فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انحلت له هذه الشبهة) (٧)
وهذا منه دقيق، فإنه متى صحَّت نسبة النقل عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلن يثبت عنه إلا ما هو الصحيح العالي بل العَلِيّ في لسان العربية، وما خالفه بالتضاد لاالتبيان لن يكون العالى فضلا عن العلى ومتى صح النقل فإن ما جاء من رسم المصاحف لن يخرج عما صح سنده، إيمانا بأن هذا الرسم لم يك بالتشهي، بل هو علم ذو ضوابط يعقلها أهل العلم بالرسم القرآني، وهي ضوابط تتسع لكل ما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
المرجع في هذا ـ إذن ـ صحة النقل وهذا من" الجعبري ثمرة فقه ماجد،فإن قوله (ويلزم الآخران) كلمة عالم فاقه، فافهم
وإذا ما تحققت عند صحة النقل، فاجعل ما جاء بهذا في درجة سواء، من غير ترجيح بتفضيل وإعلاء بعضٍ على بعض، وإن كان بعض القراءات أشد ظهورًا في المعنى من الأخرى، وهذا التفاوت في الظهور إنما هو نسبي، فما يكون ظاهرًا لك قد يكون غير ذلك عند غيرك، ولهذا لا أعُدُّ هذا ضربًا من الترجيح والتفضيل، بل مَرَدُّهُ عندي إلى فاعله وقائله لا إلى القراءة القرآنية نفسها.
يقول " بدر الدين الزركشي": " ينبغى التنبيه على شىء وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى وهذا غير مرضى لأن كلتيهما متواترة
وقد حكى أبو عمر الزاهد (٨) فى كتاب اليواقيت عن ثعلب (٩) أنه قال إذا اختلف الإعراب فى القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب فى القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى وهو حسن
стр. 25
وقال أبو جعفر النحاس (١.) وقد حكى اختلافهم فى ترجيح:"فك رقبة" ﴿البلد: ١٣﴾ بالمصدرية والفعلية،فقال:والديانة تحظر الطعن على القراءة التى قرأ بها الجماعة ولا يجوز أن تكون مأخوذة إلا عن النبى ﷺ وقد قال أنزل القرآن على سبعة أحرف فهما قراءتان حسنتان لا يجوز أن تقدم إحداهما على الأخرى
وقال فى سورة " المزمل ": السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبى ﷺ فيأثم من قال ذلك وكان رؤساء الصحابة رضى الله عنهم ينكرون مثل هذا.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ (١١) : قد أكثر المصنفون فى القراءات والتفاسير من الترجيح بين قراءة:" ملك " و" مالك " حتى إن بعضهم يبالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القِراءَ تَيْن واتصاف الرب تعالى بهما ثم قال حتى إنى أصلى بهذه فى ركعة وبهذه فى ركعة
وقال صاحب التحرير (١٢) وقد ذكر التوجيه فى قراءة: " وَعَدْنا " و " وَاعَدْنَا " ﴿البقرة: ٥١﴾ لا وجه للترجيح بين بعض القراءات السبع وبعض فى مشهور كتب الأئمة من المفسرين والقراء والنحويين وليس ذلك راجعا إلى الطريق حتى يأتى هذا القول بل مرجعه بكثرة الاستعمال فى اللغة والقرآن أو ظهور المعنى بالنسبة إلى ذلك المقام
стр. 26
وحاصله أن القارىء يختار رواية هذه القراءة على رواية غيرها أو نحو ذلك وقد تجرأ بعضهم على قراءة الجمهور فى: " فنادته الملائكة " ﴿آل عمران: ٣٩﴾ فقال أكره " التأنيث " لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية فى زعمها أن الملائكة إناث وكذلك كره بعضهم قراءة من قرأ بغير تاء لأن الملائكة جمع وهذا كله ليس بجيد والقراءتان متواترتان فلا ينبغى أن ترد إحداهما البتة وفى قراءة عبد الله:" فناداه جبريل " [اي في الآية نفسها] ما يؤيد أن الملائكة مراد به الواحد " (١٣)
فالتحقيق كما ترى أن القراءات التى صح نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سواء، فلا يغرنك ما يتصايح به بعض الناس في هذا فهو من التخليط الذي لايؤبه بمثله
والنظر في القراءات القرآنية وتوجيهها واستنباط معانى الهدى منها هو من أصول الدراسة العربية المحكمة لكتاب ربنا عز وعلا، وليس من النصح له في دراساتنا الاقتصار على ما جاء في رواية حفص عن عاصم، فهذا وجه من وجوه الآداء لايليق بنا أن نعرض عن غيره من الوجوه التى صح نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وسوف يأتيك بيان توجيه قراءة " يعقوب" لقوله تعالى (وكلمةُ الله هي العليا) بنصب (كلمة) في مبحث الوجوه الإعرابية، وفي مبحث السمات البلاغية وفقه المعنى إن شاء الله رب العالمين.
ــ
(١٣) البرهان في علوم القرآن (م. س) ١/٣٣٩
стр. 27
المفردة القرآنية
جاء البيان القرآني الكريم بكلماته الإفرادية من مَعْدِن ما كان في لسان العرب في زمن نزول الوحي: صورة ومدلولا ودلالة، لم يسقط عليهم مفردات لم تكن آذانهم قد سمعتها، ولم تكن ألسنتهم قد نطقتها، وإلا لقالوا ماهذا بلساننا، فأنَّى لنا أن نفهم عنه؟ وقد قال الله عنه إنه بلسان عربي مبين: ﴿وَإِنَّه لَتَنْزِيلُ رَبَّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوح الأمينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِن المُنْذِرينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء)
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم)
وما جاء به القرآن الكريم من مدلولات إسلامية لبعض مفرداته، كالصلاة والزكاة إنَّما نَسَلَها من المدلولات التى كانت ساكنة ألسنتهم في أشعارهم وخطبهم وخطابهم
وهذا يقتضي كلَّ قائم إلى النظر في بيان القرآن الكريم عن معانى الهدى فيه إلى الصراط المستقيم أن يقوم أولا إلى النظر في مفردات الآيات التى هو قائم إلى رياض معانيها، فينظر في صورها ومدلولتها في لسان العربية وطريق دلالتها على تلك المدلولات ليتخذ من ذلك زادًا كريما في سفره المديد في البيان القرآني العليِّ المعجز
وهذا ما أسعى إلى أن أغريك بشيء منه علَّك تذوق فتعرف، ومن ذاق فعرف لزم وعكف،وأبى إلا أن يرابط،وأن يتخلق بذلك النداء الربانى في ذروة المعنى القرآني في سورة الاصطفاء: سورة " آل عمران "
﴿يَأَ يُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَبِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ومن قبل النظر في معجم مفردات البيان القرآني في هذه الآيات نفتقر إلى الوقوف عند أمورمهمة تجدر الإشارة إليها:
فصاحة المفردة القرآنية:
ــ
علماء بيان العربية لهم عناية بالغة بتفرس مفردات البيان العالي وما تتسم به من سمات الفصاحة المنيرة في مجال أدائها وتنغيمها، وفي مجال هيئتها وصورتها التكوينية، وفي مجال دلالتها على معناها وهدايتها إليه، وجعلوا لكل مجال معيارًا يعرف به ما يتحقق في تلك المفردات من سمات فصاحتها:
﴿﴾ كان من ذلك ما عرف عندهم بخلو الكلمة من تنافر حروفها
стр. 28
وجعلوا مرجع ذلك إلى العلائق النغمية بين أصوات الكلمات، فكل كلمة مكونة من أصوات حروفها وحركاتها، ولكل حرف وحركة مخرج يخرج منه وصفة يكون عليها حين مَخْرَجِه، وهذه المخارج قد تتقارب جدًا وقد تتباعد، وكلما تقاربت المخارج كلما كان ذلك ادعى إلى ان تُمْنَى أصوات الكلمة بالتنافر وكذلك صفات هذه الأصوات قد تتقارب وقد تتباعد، فيؤدي تقاربها إلى تنافرها.
من هنا ذهب البلاغيون إلى فريضة أن تكون مفردات الكلمات قد تحقق في علاقات أصواتها ببعضها مالا يكون معه ذلك التنافر، فعقدوا المباحث في صدور أسفارهم للنظر في مثل هذا، وكان منهم باسط لسانه بالبيان، ومنهم موجزٌموفٍ، ومن أشهرمن بسط"ابن سنان" في كتابه" سر الفصاحة" و"ابن الأثير" في كتابه" المثل السائر ".
﴿﴾ وكان من ذلك أيضًا ما عرف عندهم بخلو هيئة الكلمة وصورتها التركيبيةمن الخروج على ما هو القياس في صياغة المفردات في لسان العربية، فلكل كلمة من الأسماء والأفعال في لسان العربية قياس لايحسن مخالفته والخروج عنه لأن ذلك الخروج في بناء المفردة هو في حقيقته مدخل إلى المخالفة والخروج على ما هو قائم في لسان العربية من أصول بناء جمل الكلام من تلك المفردات وبناء معاقد الكلام من تلك الجمل، وإذا ما شاع بين الناس خروج المتكلمين ومخالفتهم أصول بناء الكلام في مفرداته وجمله ومعاقده لم يكن للسامعين والمتلقين سبيل يمكن من خلاله الوصول إلى مرادات المتكلمين من كلامهم، فيفقد البيان رسالته التى كان لها
من هنا حرص البلاغيون على أنْ تكونَ الكلمةُ قد صيغتْ هيئتها على وفق أصول صياغة المفردات في العربية، وإلاَّ كانت هذه الكلمة معيبة بمعابة مخالفة القياس
وهو ضرب من ضروب الفِسْقِ البيانى " فإن ترضوا عنهم فإنَّ اللهَ لايَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِين " ﴿التوبة﴾
стр. 29
﴿﴾ وكان من ذلك أيضًا ما عرف عندهم بخلو الكلمة من غرابة معناها، فالنفس تنفر مما هو غريب، ولعل من معانى الإنسانية الأنس بالأشياء، فالغربة فيها ابتعاد بالسامع عن شيء هو من جوهر إنسانيته
الكلمات حين تكون غريبة لاتأنَسُ النفسُ إليها فتكلِّفها فوق طاقتها، وهذا ما لاتحبه النفس المستقبلة البيان، فكان من البلاغيين عنايةٌ بأن تكون كلمات البيان العالى مأنوسة غير مستغربة أو مستجهلة حتى تقبل النفس على تلقيها بالحبور.
وأنت إذا ما نظرت في مفردات البيان القرآني في جميع آياته ألفيت أنها مفردات قد عصمت من أن يكون في شيء منها أدنى شائبة من تلك المعابات، فهى مفردات في ذروة فصاحة بيان العربية لايقال ذلك تَدَيُّنًا، فحسب بل نقوله تَدَيُّنًا أيَّدَهُ الفحصُ العلميُّ ممن آمن بهذا الكتاب المجيد، وممن لم يؤمن به ممن عرف العربية وذاقها.
ولعلك تقول إننا نسلم لك أن مفردات القرآن الكريم قد خلت من تنافر حروفها ومخالفتها القياس، لكن كيف السبيل إلى التسليم بأن بعض مفرداته ليست بالغريبة، والمكتبة القرآنية زاخرة بالأسفار المعقودة لبيان غريب القرآن الكريم؟
الأمر في هذا جِدُّ يسير لايقتضى سوى النظر في مناط الوصف بغربة الكلمة: أمرجعُه إلى الكلمة نفسِها أمْ إلى سامعها؟
إن يكن إلى سامعها، أفكل سامع لها يصلح أن يكون معيلر حكم بغرابة كلمة أم ذلك الذي له بمفردات البيان الذي يسمع علم وسيع فسيح لاتتناظر شطآنه، ولا يبصر شرقيُّه غربيَّه؟
لسان العربية كما قال الإمام الشافعي من أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا، ولايحيط به أحدٌ إلا أن يكون نبيا كما يقول في كتابه " الرسالة " فأي شخص ذلك الذي يمكن أن يقيم نفسه أو أن يقيمه أحد معيارًا لغرابة الكلمة القرآنية وأنسها؟
стр. 30
واتخاذ أفراد مناطا ومعيارًا توزن بعرفانهم صفات المفردات غرابة وأنسا يجعل كل كلمة تقريبا آنسة غريبة من أنها آنسة عند واحد غريبة عند آخر، ولهذا أنت واجدٌ ما يُسمى بالغريب يزداد عدده في أسفار القوم كلما مرَّ الزمان، فما كان أنيسًا في زمن مضى بات غريبا في زمن قد أتى، وهكذا دواليك، وأنت الآن واجد في زماننا هذا جمهور المنتسبين إلى العلم والثقافة لايكادون يعرفون من معانى مفردات القرآن الكريم ألا نزيرًا
القرآن الكريم ما نزل بلسان قبيلة واحدة بل اصطفي من كل قبيلة أفصح ما فيها، وأنسها بسياقها ومغزى البيان الذي تقام على لاحِبِه، ولو أن قبيلة كانت هي الأولى بأن يأتى القرآن الكريم ببيانها وحدها لكانت أحق القبائل بذلك " قريش " من أنها قبيلة سيد الخلائق: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومن أنها أفصح القبائل، ولسانها أكثر الألسنة انتشارًا في القبائل لمكانها من البيت الحرام مقصد كل القبائل العربية ولكنك لاتجد لسان قريش هو المختصَّ بنزول القرآن الكريم به، بل فيه من ألسنة القبائل الأخرى كثير، اقتضاه أنْسُ السياق ومناسبة المقصد ـ أنت إذا ما علمت ذلك علمت أنه لايكون لأحد أن يكون العليم بكل كلمة قرآنية وقد جاءتك الأخبار الوثيقة أن الصديق والفاروق وابن عباس ﵃ وهُم مَنْ هُمْ في عِرْفان بيان العربية لم تك لهم إحاطة بالغة بكل مفردات القرآن الكريم، فثمَّ كلمات ماعرفها "الصديق"،وأخرى سأل عنها"عمر"من حوله من القبائل الأُخْرَى، وكلمات جهلها" ابن عباس" وعلمها من بيان أعرابية سمعها تتكلم....إلخ، فدلك ذلك على أن القرآن الكريم ليس فيه كلمة غريبة على العرب قاطبة، فما جهله واحد علمه كثير غيره. ...
وثَمَّ إبانة من الإمام الخطابي (١) يكشف لنا بها عن معنى " الغريب " يقول ﵁ ـ
стр. 31
" الغريب من الكلام إنما هو الغامضُ البعيدُ من الفهمِ، كالغريبِ من الناسِ، إنما هو البعيدُ عن الوطن المنقطع عن الأهل، ومنه قولك للرجلِ إذا نحَّيْتهُ وأقصَيته: اغربْ عنِّي: أي ابعدْ، ومن هذا قولهم: نوىً غُرْبَةً: أي بعيدةً، وشَأْوٌ مُغَرِّبٌ، وعنقاءُ مُغْرِبٌ: أي جائيةٌ من بُعْدٍ.وكلُّ هذا مأخُوذٌ بعْضُهُ من بعْضٍ، وإنما يختلفُ في المصادرِ، فيقال: غرب الرجلُ يغْرُبُ غَرْبًا إذا تنحَّى وذهبَ، وغرُبَ غُرْبةً إذا انقطع عن أهله، وغرُبت الكلمةُ غَرَابةً، وغرُبتِ الشمس غرُبًا
ثُمَّ إنَّ الغريب من الكلام يقال به على وجهين:
= أحدهما: أن يراد به بعيد المعنى غامضه لايتناوله الفهمُ إلا عن بعدٍ ومعاناة فِكْرٍ
= والوجه الآخرُ: أن يُرادَ به كلامُ من بعُدَتْ به الدَّار ونأى به المحلُّ من شواذِّ قبائلِ العربِ، فإذا وقعت إلينا الكلمةُ من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم.
وعلى هذا ما جاء عن بعضهم، وقال له قائلٌ: أسألك عن حرف من الغريبِ فقال: هو كلام القوم، إنَّما الغريب أنت، وأمثالك من الدُّخلاء فيه " اهـ (٢)
وليس يخفى عليك من بيان " الخطابي" أن مفردات القرآن الكريم لن تكون البتة من الوجه الأول من وجهي الغريب، وإنما هي من الوجه الآخر، فنحن الغرباء عن بيانها، الذين ارتحلت بنا العجمة عن ديار أجدادنا الفرسان ارْتِحالَ جَنَانٍ ولسانٍ وأخلاقٍ لا ارتحال أجساٍد وديارٍ وأزمان.
стр. 32
مفردات القرآن الكريم بين الترادف والتباين
بلغك في الفقرة التى مضت بيان الإمام " إبى سليمان الخطابي" في شان الغريب من الكلام، فإن شئت أن تقف على بيانه في شأن القول بالترادف في البيان العالى، والبيان العلىّ المعجز، فإنك تراه قائما في رسالته المعقودة لبيان " إعجاز القرآن الكريم " يقول " الإمام ":
" اعلمْ انَّ عَمُودَ هذه البلاغة ... هو وضع كل نوع من الألفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلامِ موضِعَه الأخَصَّ الأشكلَ به الَّذي إذا أُبْدِلَ مكانَه غيْره جاءَ منْهُ:إمَّا تبدُّلُ المعنى الذي يكونُ منه فسادُ الكلامِ
وإمَّا ذهابُ الرونقِ الذي يكونُ معهُ سقوطُ البلاغةِ
ذلك انَّ في الكلامِ الفاظًا متقاربةً في المعانى يحسَِبُ أكثَرُ الناسِ أنَّها متساويةٌ في إفادةِ بيانِ الخطابِ.....والأمرُ فيها وفي ترتيبها عند العلماءِ أهلِ اللغةِ بخلافِ ذلكِ؛لأنَّ لكلِّ لفظةٍ منها خاصيَّةٌ تتميَّزُ بها عن صاحبتها في بعضِ معانيها، وإن كانا يشْتركان في بعضها" (١)
فالخطابي ذو بصيرة بيانية واعية تدرك جوهر البيان وطبيعته وقد أعانته على أن يقف على كثير من روافد بلاغة بيان العربية
وأنت تسمع من إمام آخر من أئمة العلم ببيان القرآن الكريم: الإمام " عبد القاهر الجرجاني" (٢) مقالاً من مَعْدِنِ مقال " الخطابي "
في معرضِ بيانه خصال بلاغة الخطاب ومقوماته الرئيسة ومن بعد أنْ أبان أنها: حسن دلالة الكلام على المعانى، وتمام دلالته عليها، وتبرج الدلالة في صورة بهية معجبة يقول الإمام عبد القاهر:
стр. 33
" ولا جهةَ لاسْتعمالِ هذه الخصالِ غيرُ أن تأتِيَ المعنى من الجهةِ التى هيَ أصحُّ لتأديتِهِ
وتختارَ له اللفظَ الَّذي هو أخصُّ به،وأكشف عنه،وأتمُّ له،وأحرى بأن يكسبه نُبْلا ويظهرَ فيه مزيَّةً " (٣)
فانظر قوله:" هو أخصُّ به" إنه القاطع بأن لكل معنى لفظًا يخصه لايكون غيره له ولايكون هو لغيره من المعانى، وقضى بجملة واحدة فتية في قضية ما يعرف بالترادف، فكان المُبِينَ المُوجِزَ
ويقول"ابن عطيَّة الأندلسي (٤) "في مقدمةتفسيره:
" كتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثُمَّ أُدير لسان العربِ في أن يوجد أحسن منها لم يوجد.
ونحن تبيَّنُ لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق وجودةِ القريحةِ ومَيْزِ الكلام."اهـ (٥)
فهذا كما ترى جدُّ بيِّنٍ في أنه ما من كلمة في البيان العلِيِّ المعجز يمكن أن تقوم مقامها كلمة أخرى وإن شاكهتها والتقت معها في أصل معناها، فلكل كلمة من تنغيمها ومضمونها وشكلها من السمات الخاصة التى لن تكون مجتمعة في غيرها البتة
وإذا ماقُدِّرَ في البيان العالى من الأدب لناقد حصيف نافذ البصيرة أن يقيم كلمة في قصيدة ما لشاعر فحل مقام كلمة اختارها الشاعر، فكانت كلمة الناقد أنس بالسياق وأكرم عطاء، فإن ذلك مما قد يعترى الشاعر وإن كان الفحلَ، لكنَّ ذلك لست بالواجِدِهِ البتة في بيان الوحي قرآنا وسنة.
стр. 34
والكلمةُ القرْآنيةُ ذات أبعاد عدة كلُّ بُعْدٍ منها رافِدٌ من روافِد الدلالة على معانى الهدى إلى الصراط المستقيم الذي جاء القرآن الكريم لتحقيقه:لها بعد صوتي تنغيمي، وبعد هيئة وصيغة. وبعد أصل لغوي تكونت منه، وبعد موقع وقعت فيه بدوائره المتعددة:
دائرة الموقع في الجملة، ودائرة الموقع في الآية، ودائرة الموقع في المعقد (الفصل) ، ودائرة الموقع في السورة، ودائرة الموقع في القرآن كله
هذه خمس داوئر متداخلة كل دائرة في داخل التى من بعدها وأعمها جميعا دائرة الموقع والسياق الكلى للقرآن الكريم
هذه الأبعاد كلها ينحدر منها العطاء الدلالى للكلمة القرآنية، وعلى قدر وعي المتلقي هذه الأبعاد والجمع بينها في تلقيه يكون اقتداره على أنْ يقترب من المعنى القرآني الكريم المجيد
فالنظر في الكلمة القرآنية لن يكون في حقيقته نظرًا في مفردة بل هو نظر في كلمة نورانية ربانية قامت في بناء جملةٍ قامت في بناء آية قامت في بناء معقد قام في بناء سورة قامت في بناء القرآن الكريم كلِّه، وكلُّ بناءٍ من هذه الأبنية المتصاعدة يأخذ من سابقه ويعود عليه بفيض من عطائه وهذا يجعل الناظر في المفردة القرآنية حالا مرتحلا، لايحل في دائرة من دوائر السياق إلا ليرتحل منها إلى أخرى يجمع منها فيضًا من العطاء
الأمر كما ترى جدُّ جليلٍ، لايتهاون بحقه إلا غافل عن منزلته العَلِيَّة وهذا لا يكون من النصيحة لكتاب الله عزَّ وعلا التى هى ركن من أركان النصيحة العامة التى جعلها النبي ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هي الدين، إذ قال:
" الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم " ﴿مسلم: كتاب الإيمان: ح. ر ٩٥/٥٥﴾
السمات البلاغية وفقه المعنى القرآني
كان إعجاز البيان القرآني الكريم عند جمهور أهل العلم بالقرآن الكريم
أنت فيه نازل في رياض البيان العلىَّ وفراديس الهدى الربانية، تغترف منه غذاء قلب سليم وشفاء نفسٍ عليلة،
стр. 35
ومن البين أن فقه السمات البلاغية للقرآن الكريم معين على حسن تثقيف القلب ترغيبًا وترهيبًا، ليقبل على التكليف إقبال عاشق، فيتلذذ بحسن إتقان القيام بما كلف به من صنوف العبادات.
وسمات بلاغة البيان القرآني الكريم ظاهرة في مجالات التركيب، والتصوير والتحبير،وهي مجالات،وإن تَفَاصَلَتْ في مسلك التصنيف العلمي إلا أنها المتمازجة في الواقع البياني الكريم، ففي كل تصوير تركيب، وفي كل تركيب تصوير، وفي كل تصوير تحبير، ولايكون تحبير إلا من تركيب، هي متمازجة في واقعها البيانية ممايقتضي تمازجها في تذوقها وتدبرها
ومن بعد ذلك إِنْ عَنَّ لمثلك أن يصنف الظواهر التركيبية، والتصويرية والتحبيرية، فله ذلك ضبطا لمسالك النظر وتقريبا للأفهام
بلاغة النداء في قوله تعالى:
(يأيها الذين آمنوا)
جملة إنشائية طلبية: نداء يفيد تنبيه المنادى إلى أمر عظيم يجدر به أن يكون على وعى به وأخذ بما فيه من معانىالهدى، وقد كثر النداء في القرآن الكريم، وهو نداء من خالق إلى خلقه، وهذا وحده فيه فيض من التكريم، والتنبيه إلى أنهم في علمه قائمون، وفي رحمته غارقون، وتحت قهره نازلون، ومن أقام هذه المعانى في قلبه لايكاد يغفُل عن ذكر ربه تعالى.
والسنة البيانة للقرآن الكريم في نداء " أمة الإجابة" أنه ينادى عليهم بقوله" يأيها الذين آمنوا" تذكيرًا لهم بالعهد الذي عاهدوا الله عليه، وهو الإيمان بما أمرهم بالإيمان به
وكأنه يحثهم بهذا الوصف على أن يقبلوا على ما يأمرهم به فيأخذوه وعلى ما ينهاهم عنه فيجتنبوه.
وقد قال " ابن مسعود" إذا ما سمعت الله يقول: يأيها الذين آمنوا" فأرِعْه سمعك فإنَّ من بعده خيرًا يأمر به أوْ شرًا ينهى عنه
стр. 36
وفي اختيار "يا" للنداء، وهي عند بعض أهل العلم لنداء البعيد للدلالة على أن المنادى فيه شيء من البعد بالمعصية والذنوب عن المنادِى ﷻ ، فعليه أن يصغى لما ينادى عليه به ليزداد بهذه الطاعة قربا
وجاء تعريف المنادَى باسم الموصول دلالة على أنه المعروف بالصلة التى هي الإيمان وكأنَّ هذا الإيمان هو أجل ما يعرف به ذلك المنادَى، فهو شرفه الذي عليه أن يستمسك به، وأن يفخر بنعته به وأن يسعى إلى زيادته وتثبيته بالإكثار من الطاعات، والفرار من السيئات، فعليه العناية بفقه ما هو آت من بعد ذلك النداء من أمر بمعروف ونهي عن منكر.
ولم يأت في القرآن الكريم نداء " المؤمنين" إلا في آية واحدة في سورة " النور " حيث يقول الله تعالى: " وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون "
فأنت تلاحظ هنا أمورًا مهمة:
تلاحظ أنه أخَّر النداء عن الأمر، فقال أولا:" توبوا" ثم قال " أيه المؤمنون" لأن النداء في أصله لتنبيه الغافل أو البعيد، وهؤلاء ليسوا بالغافلين ولا بالمحل البعيد، ذلك أنهم مؤمنون، أيْ صارَالإيمان نعتا لهم، فهم معرفون بالصفة لابالصلة أي أن الإيمان في قلوبهم صار ملازما لهم ملازمة النعت منعوته، فهو فيهم كالطول في الطويل والقصر في القصير لايكاد يتخلى عنه، وقد جاء البيان بكلمة " المؤمنون" في سياقات التشريف والتكريم والثناء
" إِنَّما المؤمِنُون الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...." ﴿ألأنفال﴾
" والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنات بَعْضهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ " ﴿التوبة﴾
" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون َ" ﴿المؤمنون﴾
" وكانَ حَقًا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ" ﴿الروم﴾
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً" ﴿الحجرات﴾
" وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" ﴿المنافقون﴾
стр. 37
أما " الذين آمنوا " فإن الإيمان ما يزال فعلا من أفعالهم، فيحتمل أن يزول وأن يحول، فكانوا بحاجة إلى الإكثار من أمرهم ومن نهيهم
وتلاحظ أن النداء في " أيُّه المؤْمِنُونَ" جاء بقوله " أيه" من غير حرف ندا " يا" وفي حذف حرف النداء دلالة على قرب المنادَى من المنادِي ﷻ .
وقد يقوم في صدرك أنه لو كان ذلك كذلك لكان أحق من نودي بحذف حرف النداء معه هو الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهو أقرب الخلق لمن ناداه .
قد يقوم ذلك في صدرك، غير أنه قد غام عنك أمرٌ مهم، هو أن في البيان عنه بوصف النبوة أو الرسالة في ندائه، قرينة دالَّة على أن ذكر حرف النداء معه" يا" ليس للتنبيه المترتب عليه القرب والبعد، بل النداء معه للتكريم والتحبب، فهو نداء حبيب لحبيب، ومن ثَمَّ لايكون ذكر حرف النداء معه للتنبيه، ومن ثم لم يناد إلا بـ " يا" الذي هو أم حروف النداء.
وفي قوله (آمنوا) حذف للمتعلِّق بفعل الإيمان، وفيه دلالة على أنهم آمنوا بكل ما أمر الله الإيمان به لم يتركوا منه شيئا، لأن من آمن بما أمر الله تعالى بالإيمان به وترك شيئا واحدًا لم يؤمن به فهو كافر لايدخل في زمرة الذين آمنوا
ومن ثَمَّ يتبين لك أن من لم يؤمن بنبي واحد من الأنبياء وآمن بسائرهم، فليس بمؤمن، فتتهاوى مزاعم قوم قد نسبوا أنفسهم إلى العلم بأن من النصارى من هو موحد لايقول بالتثليث، ويؤمن بكل الأنبياء خلا السيد المعصوم خاتم الرسل محمد ﵌ من أنه في زعمهم نبي العرب وحدهم، وأن من كان كذلك من النصارى فهو موحد من أهل الجنة، زعم ذلك بعض الناس، وما يزال زعمه ينشر في المسلمين
стр. 38
هذا قول باطل لاأساس له من الصحة، بل من آمن بأنَّ من لم يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو من أهل الرحمة، فهو نفسه خارج عن الملة، مثل الذي يزعمه ضلالة أنه داخل فيها، وخواتيم سورة البقرة مقررة ذلك تقريرًا لايدع لذي لسان أن يحركه بغير ما جاء فيها كائنًا من كان،وإن غضب بهذا أقوام وتَمَعَّرَتْ وجوه، ولكن الحق أحق أن يجهر به ويؤذن ويتبع ويرتفع.
وجاء البيان عن فعل صلة الموصول " آمنوا" بالإيمان دون الإسلام فلم يقل:يأيها الذين أسلموا؛ ذلك أن كلمة"أسلموا" لها دلالتان:
الأولى الدلالة التى هي قسيم الإيمان والتى بيَّنها حديث "جبريل " المشهور وهذه الدلالة هي مفتاح الدخول في الإسلام بمعناه الشامل ولايكفي أن يقف المرء عندها لايتعداها، ولا يصلح اًصحابها الواقفون عندها لما جاءت له تلك الأوامر، فلابد من أن يصحب الشهادتين اعتقاد وعمل.
والأخرى الدلالة الشاملة التى يكون الإيمان جزءًا منها وليس قسيما لها، وهي دلالة إسلام الوجه لله تعالى في كافة شئون الحياة، وهذا هو المعنى العام الذي جاءت به كل الرسالات الإلهية
فأدنى درجات السلوك هي درجة الإيمان، يعلوها درجات منها التقوى، وأعلاها درجة الإحسان التى فسرها حديث " جبريل " المشهور.
стр. 39
إنَّ فقه النداء في القرآن الكريم يُعْنى بتبصُّر ما يعبر به عن المنادَى في سياقه والقصد المنصوب له الكلام، وهذا تراه ظاهر التصريف البليغ المعجز في نداء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حينا يناديه: يأيها النبيُّ، وحينًا يناديه: يأيها الرسول، ولكلٍّ سياقُه ومقامُه ومقتضاه، ولم يأت البتة: يا محمد، كما جاء في نداء سائر الأنبياء على الرغم أنَّ في اسمه: " محمد" من الثناء ما فيه، فهو دالٌّ على ذاته ونعته: أيْ المُبالَغِ في حمْدِه لعظيم خلقه ومنزلته عند ربِّه وهذا من عظيم إجلال الله عبده ونبيه ورسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
بلاغة الاستفهام في قوله تعالى:
(مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)
في قوله (مالكم) استفهام توبيخى يجلد ظهر كل متثاقل عن الجهاد وقدهُيِّئ له فكيف بمن دُعِى إليه وحُثَّ وأُغْرِيَ بِه، ولم يُحرم منه أو يُحَرَّم عليه، كما هو حالنا في زماننا هذا، وقد حُرَّمَ علينا أن نجاهد أعداء الإسلام، فمن يفعل، فقد باء بجريرة لاقرار له معها في أرض تطلع عليها الشمس.
ومعنى الاستفهام:" أي شيء لكم في التثاقل عن الجهاد وقت أن يقال لكم انفروا في سبيل الله تعالى؟
وغيرخفي أن في هذا نفيا عظيما لأن يكون لهم أدنى ما يحملهم على التثاقل عند دعوتهم إلى الجهاد، وهذا مسلك من مسالك النفي المؤكد الذي لا قِبَلَ للمعاند إلى نقضه
стр. 40
وهو يحمل مع معنى التوبيخ وتقرير النفي وتأكيده معنى الذم بأن يكون منهم من المعابات ما لم يجدوا ما يدعوهم إليه في مقابلة ما يجتهد في دعوتهم إلى نقيضه الذي فيه عِزُّهم، فإذا كان غير حميد من العاقل أن تكون منه معابة وإن أغري بها وحُمِلَ إليها بل حُمل عليها، فكيف الأمر إذا لم يك شيء من ذلك بل كان ما هو مغرٍ بنقيضه من المكرمات؟
إنَّ في هذا الاستفهام من المعانى ما يهز القلب المعافى من داء الغفلة هزًا لا يستقر الجنب معه على فراش.
وفي قوله (إذا قيل لكم) بناء لفعل القول لغير الفاعل، فلم يصرح بفاعله إيماء إلى أن مناط التوبيخ والمذمة ليس متعلقًا بأن القائل فلان أو فلان، بل ذلك متحقق، وإن كان الداعى إلى الجهاد في سبيل الله استنصارًا للحق ودعوة إلى الله تعالى أصغرَ رجال الأمة أو نسائها، فكيف إذا ماكان القائل هو النبي المصطفى ﷺ ؟!!!
في عدم تعيين القائل حث على النِّفار إذا ما سمع المسلم: حيَّ على الجهاد، من غير أن يتلبث ليعرف مَنْ الداعِى، فإن كان عظيما خرج، وإلا فلا، بل هو الخرَّاج إلى الجنة كلَّما دعي إليها، ولن يكون العاقل البتة آبيا دخولها بالتثاقل عن الجهاد في سبيل الله تعالى وفي عدم تعيين الفاعل بالتصريح بذكره إبلاغ في توبيخ من تثاقل ـ وهم قليل ـ وقددعاه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه للجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جاء البيان القرآني مؤكدًا فريضة الطاعة لدعوته:
" يأيُّها الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ ولِلرسولِ إذا دَعَاكُمْ لِما يحْييكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِليْهِ تُحْشَرُونَ.
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصيِبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " ﴿الأنفال:٢٤-٢٥﴾