← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إن الكتاب الإلهي هو أساس كل دعوة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((١)) ، فهذه الآية احتوت على صفات الكتاب الدعوي: إنه بصيرة لكل الناس. إنه هداية ربانية. إنه رحمة إلهية. إنه أساس التذكر. ومعلوم عند علماء الدعوة أن هذه الصفات هي مميزات كل كتاب دعوة، وهي في الإسلام خاصة بالقرآن الكريم، فجاءت سورة القصص وأبرزت ذلك في خطاب متناسق. إن من إحدى أساليب خطاب الداعية هو الخطاب الإنذاري بدليل قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٢)) ، إن الغرض من الإنذار لأجل التذكر على ما نصت عليه الآية، وقد جعل علماء الدعوة الذكرى والتذكر من أهم صفات من توجه لهم الدعوة. إن الإبلاغ هو أساس الدعوة بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ((٣)) ، بدليل أن صبغة الأمر المجرد (قل) تعني الإبلاغ، وفي هذه الآيات دلالة دعوية مهمة تتمثل في كون المجتمع الذي يتبع هواه بغير علم بعيداً عن السبيل الإلهي والطريق النبوي، فلا يستجيب للداعين مهما بلغت بلاغة الدعوة.

стр. 177

إن معرفة حقائق القرآن إنما تكون للعلماء الربانيين الداعين إلى الله بإذنه بدليل قوله ﷻ في هذه السورة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ ((١)) . إن الصبر من صفات الدعاة بدليل سياق الآية المتممة لما سبق ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ ((٢)) . إن من صفات الدعاة اللين في الدعوة بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ((٣)) . إن الخلق الكريم من صفات الدعاة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٤) . إن الهداية في الدعوة من الله ﷻ ، حتَّى وإن رغب الدعاة بمزيد هداية لمن أحبوا بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ((٥)) ، وهذا الخطاب وإن رجع إلى رسول الله ( ﷺ ) ، إلا انه في محتواه خطاب عام يصلح في دلالته الحالية أن يكون على ما قدمناه صفة من صفات الدعاة الربانيين، لأن الهداية في آية سورة القصص نسبت حصراً لله .

стр. 178

إن الله لا يخلي أرضاً من رسول، أو نبي، أو داعية بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ((١)) . إن وعظ الدعاة يكون في كل حال، وخاصة عند ظهور الفساد بدليل خطاب بعض قوم قارون لقارون بعد أن طغى وتكبر وتجبر: ﴿لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين﴾ ((٢)) ، فقد تضمنت هذه الآيات جملة من صفات (المَدْعُوِّ) وهي: النهي عن الفرح. الأمر بابتغاء الآخرة. عدم نسيان نصيب الدعوة من الدنيا. لزوم الإحسان في المعاملة مع الله ومع الناس جميعاً. نبذ الفساد. فهذه الصفات تلزم (المدعو) بعد أن يتحقق بها معه الداعي في دعوته. إن من واجب الدعاة التحذير والإنذار بدليل خطاب بعض قوم قارون لمن تمنوا مكانه، وهم ممن وصفوا في الآية بأنهم (أوتوا العلم) إذ قالوا: لهؤلاء الجهلة من بني إسرائيل: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ﴾ ((٣)) . تحقق الوعد الإلهي بالنصر بدليل عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ((٤)) .

стр. 179

إن الدعوة إلى الله أمر إلهي خوطب به رسول الله ( ﷺ ) ، وما كان خطاباً عاماً لرسول الله ( ﷺ ) ، فهو خطاب خاص لأمته على ما قرره علماء الأصول وما كان خطاباً عاماً للنبي، فهو خطاب خاص لأمته، ولذلك كان قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ ((١)) ، يشمل عموم الدعاة من أمة المصطفى ( ﷺ ) ، إذ أن هذا الأمر مشترك في الدعوة بين دعوة رسول الله ( ﷺ ) ، ودعوة الدعاة العلماء من أمته ﵊ ((٢)) . وبعد ذلك يمكن أن نقرر استناداً إلى ما تقدم إن سورة القصص سورة دعوية (خاصة وأنها مما نزل بمكة المكرمة) ، وأنها سورة احتوت أوصاف الدعاة، ومن تمت دعوتهم، ووعد الله لهم بالنصر، والتمكين، والإمامة، والوراثة. المطلب الثامن: النظرة القرآنية للإنسان في سورة القصص إن النظرة القرآنية للإنسان في كل أطواره وأحواله هي نظرة جامعة لكل خير ومانعة لكل شر، ذلك أن الإنسان في القرآن الكريم هو الشخصية المحورية المخلوقة للعبادة والاستخلاف في الأرض، وإصلاح ما فيها من فساد، واستعمارها بالوعد الإلهي، فإذا ما زاغ عن الحق، أو عن طريق الحق، أمكن بواسطة السنن الإلهية إرجاعه، وذلك لأن الإنسان في القرآن الكريم له مقومات شخصية ((٣)) . يمكن أن نجعل منها أمرين على أنها أهم المهم: الاستخلاف الإلهي. العبادة الإيمانية.

стр. 180

وهكذا فإن سورة القصص تجسد النظرة القرآنية للإنسان في إيجاز يجمع ما تفرق في كثير من سوره وآياته الشريفة، ذلك أن سورة القصص تحمل في مضمونها العام النزوع الإنساني نحو الإيمان بالله ﷻ ، والثقة بنصره، والتحذير من نسيان اليوم الآخر ((١)) . وسورة القصص في مضامينها الإنسانية تحمل الدواعي الذاتية للتوجه نحو الله من خلال استلهام الإنسان لمعنى إنسانيته التي سبقت علم النفس اليوم، ومعنى وجوده، ومعنى تكوينه على الأرض منذ آدم (﵇) إلى يوم القيامة، وهو الأمر الذي تكفلت سورة القصص بإبرازه. إن سورة القصص تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان، وما بين ذلك علاقة الإنسان بالله وبالرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وبالمجتمع الإنساني المحيط به، فسورة القصص تذكر ضمن الإطار الإنساني في نظرتها الإلهية: التلاوة للمؤمنين بما يراعي الضعف وفق أساس فكري. ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ((٢)) . الضعف الإنساني. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ ((٣)) . المن الإلهي على الإنسان. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ ((٤)) . تحذير الإنسان من تجاوزه في الظلم. ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((٥)) .

стр. 181

الأمومة الإنسانية ومشاعرها المتحيرة في نمطها. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ((١)) . الأخوة الإنسانية ومشاعرها. ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ((٢)) . كمال الإنسانية بالحكم (الحكمة) والعلم. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ((٣)) . الاقتتال قد يكون في نوازع الشر الإنسانية. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ ((٤)) . الإنابة الإنسانية. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ((٥)) . الخوف سمة إنسانية. ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ((٦)) . إن الإنسان محتاج في استهدائه لله . ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ((٧)) . الرحمة صفة من صفات الطبع الإنساني. ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ((٨)) . الحياء سمة النساء. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ((٩)) .

стр. 182

إن طلب النصر للأخ صفة إنسانية كما قرر علماء النفس. ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ ((١)) . إن الإنسان يتهم ما لا يعرفه بالسحر. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ ((٢)) . إن الظلم لا يدوم إنسانياً. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ((٣)) . إن الكتب الإلهية هداية ربانية. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٤)) . طول العمر الحضاري الأممي مبعد عن الله . ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ ((٥)) . إن اتباع الهوى صفة إنسانية قد تفني. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ((٦)) . الإيمان الإنساني قد يكون بالنصح فقط أو الهداية. ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ((٧)) . إن الهداية الإنسانية من الله . ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ((٨)) .

стр. 183

إن البطر الإنساني سمة وسم بها الكفرة. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) . إن الوعد الإلهي في صميم التحقق الإنساني. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ((٢)) . إن التوبة تعيد الإنسان لله . ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ ((٣)) . ليس للإنسان الخيار في الخلق. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ ((٤)) . إن مكنونات الصدور بعلم الله . ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ((٥)) . إن الإنسان قد يطغى بالمال ويبغي. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ((٦)) . إن الإنسان قد لا يجازي الإحسان بالإحسان. ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ((٧)) كما قال الأصوليون. إن الاغترار بالعلم يؤدي للاغترار والاجتراء على الله تعالى. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ ((٨)) فنسب علمه لنفسه.

стр. 184

إن الحسد على النعم موجود في بعض الطبيعة البشرية. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ((١)) . إن الإنسان يفعل ويصنع حسناته وسيئاته بنفسه. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((٢)) . إن الضلال الإنساني كله في علم الله ﷻ . ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ((٣)) . إن الإنسان يشعر بالراحة الأبدية إذا ما أوكل الأمور في الحكم والرجعة الأخروية إلى لله . ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٤)) . إن هذه القواعد في أصولها القرآنية، إنما تكشف عن مجمل السمات البشرية، وترينا كيفية النظرة القرآنية في سورة القصص للإنسان وأفعاله وأقواله وأحواله، كما يجعل سورة القصص إحدى النصوص الإلهية التي سبقت علم النفس، والتي جمعت جمعاً عظيماً صفات النفس البشرية، وهو وجه آخر من أوجه إعجازها الكثيرة ((٥)) . المطلب التاسع: الإيمان والكفر في سورة القصص

стр. 185

الإيمان بالله هو: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان على ما ذهب إليه أكثر المحققين ((١)) . فالإيمان إذاً هو تصديق بالغيب وإطاعة لما صدق به الإنسان في قراره قلبه، أما الكفر فهو جحود الخالق، والشرك تثنية إله أو آلهة مع الله . وقد حفلت سورة القصص في خطوطها العامة والخاصة بمقومات الإيمان وخصائصه، وبآليات الكفر والشرك، ومآل الكافرين والمشركين على حد سواء. جمعت سورة القصص في معانيها الكامنة ومعانيها الظاهرة أنواعاً عديدة من الإيمان مثل: الإيمان العام. الإيمان الخاص. وأبرزت في حقائقها حقائق الكفر والشرك مثل: حقيقة الادعاء بالألوهية بعد الطغيان. حقيقة الحجج التي يسوقها الكفرة والمشركون. ولا ريب في أن ذلك ساهم ضمن فوائد سورة القصص في استفادة أمر جداً مهم هو: (إن الإيمان في صراعه مع الكفر والشرك مصيره النصر الإلهي وتعزيز الرسالة النبوية، ودعم كل المؤمنين، وتوريثهم الأرض في الدنيا والنصيب الحسن في الآخرة) . ونحن في محاولتنا هذه لإبراز كل ما يتعلق بما تحتويه سورة القصص، سوف نحاول هاهنا ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ إبراز آيات الإيمان والكفر والشرك في سورة القصص بتحليلها شمولياً، وإظهار معانيها: ١. التلاوة القصصية إنما تكون للمؤمنين حصراً:

стр. 186

﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ((١)) ، فالآية تقرير إلهي بصيغة الجمع لقصة رسول كريم مع كافر، والقيد القرآني (بالحق) دليل على حصرية المعنى في حقيقته، ثم لماذا استخدم التعبير القرآني ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، ولم يقل للمؤمنين، وذلك في رأينا الذي توصلنا إليه من خلال الاستقراء اللغوي هو أن دلالة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أبلغ في هذا المقام مما لو استخدمت لفظة (للمؤمنين) العامة فقد أراد القرآن الكريم أن يخصص (قوماً) بالتنكير، وهم أمة مُحَمَّد ( ﷺ ) ، ولا يعمم كلّ مؤمن (مما قد يشمل من لا يؤمن بحقيقية هذه القصة كبعض طوائف يهود من الذين آمنوا بالله تعالى، وأنكروا قصة موسى (﵇) وفرعون، وقالوا: إنها رمز، ومنهم في عصرنا هذا سيجموند فرويد (ت ١٩٣٩ م) عالم النفس الشهير في كتابه موسى والتوحيد ((٢)) ! . ٢. إن العلو في الأرض دليل الكفر:

стр. 187

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ ((١)) ، وذلك أن عمل الإنسان قد يكون دليل إيمانه، وقد يكون دليل كفره، لذلك كان القتل كبيرة، والفساد كبيرة، وقد صح عن رسول الله ( ﷺ ) أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) ((٢)) ، وهكذا بقية الكبائر المعروفة، فلما علا فرعون في الأرض ارتكب من خلال سياق الآية أعمالاً توجب كفره كما تقدم. ومن هاهنا بان لنا خطأ بعض القائلين بإيمان فرعون في آخر لحظة مستندين إلى قوله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ((٣)) ، بدليل قوله تعالى في آية أخرى من سورة القصص عن فرعون وهامان وجندهما: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ((٤)) ، فالآية هاهنا دلت دلالة قطعية على أن العلو في الأرض دليل من أدلة الكفر المؤدي إلى النار، والعياذ بالله ﷻ . ٣. إن الوحي الإيماني ليس دليلاً على رسالة النساء:

стр. 188

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ((١)) الآية، وذلك ان قوماً من الجهلة لم يفهموا المراد من الوحي الإلهي والإيماني في بعض الحالات فزعموا استناد إلى قصتي أم موسى (﵇) ومريم ﵍ جواز إرسال النساء نبيات، وقد تأثروا في ذلك بما ورد في التلمود ((٢)) من كون أم موسى نبية فوافقوا بذلك اليهود، وسياق آيات سورة القصص مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ((٣)) يدلّ على خلاف ذلك في المفهوم الإيماني، وذلك أن سورة القصص ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ

стр. 189

لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((١)) قررت في الوحي الإلهي لأم موسى جملة حقائق (تبطل نبوتها التي توهمها المتوهمون) ، إذ قررت الآيات هنالك لأم موسى (﵇) : الأمر بالإرضاع. الأمر بالإلقاء في اليم. الأمر بعدم الخوف والحزن. الربط على قلبها. علمها بأن وعد الله حق. وليس في هذه التقريرات ما يتعلق بالنبوة والأنبياء، ولا الرسالة والرسل، فبان بذلك كونها ـ عليها الرضوان ـ غير نبية، وبأن الوحي هاهنا هو مفهوم الأمر الإلهي الخاص على ما قرره القدماء! . ٤. إن من الإيمان الدعاء الدائم:

стр. 190

بدليل توجه موسى (﵇) في كل مواقفه لله بالدعاء: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ((١)) ، ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ((٢)) ، ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) ، ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ((٤)) ، ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ((٥)) ، وسياق هذه الآيات الثلاث الغير متوالية يدل من خلال تحليلها على أن شخصية موسى (﵇) كانت شخصية مطمئنة راضية مرضية، لا تهتم بشيء قبل البعثة ولا بعدها ما دامت تعرف الله حق معرفته، فموسى (﵇) وجه لله في هذه الآيات حقيقة مآله التي هي: ظلم النفس. الوعد بعدم مظاهرة المجرمين. طلب النجاة. الفقر لله تعالى. طلب الهداية. ويقابلها في مواطنها العامة: الإيمان بمعرفة ظلم النفس بدليل آية يونس: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ ((٦)) . الإيمان بمعرفة ان مظاهرة المجرمين كفر: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ((٧)) . الإيمان بنسبة الانجاء لله ﷻ بدليل: (رَبِّ نَجِّنِي) . الإيمان بمعرفة مقام الفقر لله تعالى بدليل: (فَقِيرٌ) في سياق دعائه. الإيمان بالاستهداء. وهذه المواطن الخمسة أوجبت في سورة القصص أن يكون الدعاء باب الإيمان الدائم.

стр. 191

إن دعاء موسى (﵇) في سورة القصص طريق إيماني يوضح فضل الدعاء بصورة غير مباشرة، وذلك بعض الفوائد الخفية المستنبطة من سورة القصص. ٥. إن إشهاد الله تعالى دليل إيماني: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ((١)) ، إن موسى (﵇) قبل بعثته الشريفة (بعد ان أثبت لنا لجؤه إليه في كل موطن بالدعاء) جعل الوكالة الإلهية له في عهوده وعقوده طريق للمعرفة الحقيقة، وهو ما يعبر عنه العارفون في الإسلام بجعل (الوكالة له بطريق التوكل) كما قالوا: وتلك من معالم الإيمان، وعلائم التحقق بمعرفة الله إيمانياً. ٦. إن الرسالة تنير القلب بالإيمان كله فيزول الخوف الطبيعي في النفس بالأمان: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ((٢)) ، ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ ((٣)) ، إن ملاحظة سياق هاتين الآيتين في هذا الموطن يرينا من خلال التحليل المقارن كيف وازن النص القرآني بين ذكر الألوهية العظمى التي سرت في روح وقلب ونفس وعقل موسى (﵇) وما لاقاه من خوف انجلى عنه إيمانياً بالأمر الإلهي بالإقبال ونبذ الخوف وهذا يذكر بالأمر الإلهي لأمه ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ((٤)) ، فكان كل خوف عن هذه الأسرة أزاله الله بالإيمان كله الذي أنار القلوب كلها، وتلك شوارق نورانية عرفانية من بوارق سورة القصص. ٧. إن أهل الكفر والشرك يختلقون المعاذير للكفر والشرك:

стр. 192

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ((١)) ، فالكفرة والمشركون من قوم فرعون، وإسناد الكلام هنا لهم بصيغة الجمع مشعر باستحقاقهم الغرق مع فرعون، جعلوا ما جاء به موسى (﵇) من الآيات الإيمانية سحراً مما لم يألفون بزعمهم، فكان الرد الإيماني من موسى (﵇) في وجههم مسكتاً لهم جميعاً، ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ((٢)) ، وقد يثار سؤال هاهنا لما استخدم القرآن الكريم (الظالمون) ، ولم يستخدم (الكافرون) في هذا السياق، والذي توصلت إليه أن ظلمهم بالتكذيب أعم من كفرهم بالرسالة، فناسب الظلم أن يستخدم في هذا السياق. ٨. إن كل أمة لم يأتها نذير ليدلها على الإيمان، يرسل الله لها من يدلها على الإيمان به ليكون حجة عليها: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٣)) ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ((٤)) ، إن هاتين الآيتين تدلان على أن الله لا يعاقب قوماً على كفرهم إلا بعد أن يقيم عليهم الحجة بالإنذار بالرسالة، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في أكثر من موضع، وهو من الدلالات الإيمانية في سورة القصص. ٩. إن الكفرة قد يلجئون للأعذار في كفرهم عند حسابهم يوم القيامة:

стр. 193

﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((١)) ، إن هذه الآية تحلل تحليلاً نفسياً (يسبق كل التحليلات النفسية للشخصية الباطنية الإنسانية) ، كيف أن الكفرة بعد أن تصيبهم مصيبة في الدنيا، أو مصيبة العذاب في الآخرة، يحاولون أن يجادلوا بالباطل، فيسألون الله بطريقة سؤال العارف عن رسلهم، ولِمَ لَمْ يرسلوا إليهم وهم قد جاءتهم الرسل، ولكنها الطبيعة البشرية في الإنسان الذي كان أكثر شيء جدلاً، فهذه الآية في سورة القصص تبرز الشخصية الإنسانية الكافرة على حقيقتها. ١٠. إن للإيمان وللمؤمنين شروط خاصة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ((٢)) ، حفلت هذه الآيات من سورة القصص بما يعزز هذه القاعدة من كون الشروط الإيمانية للمؤمنين ذات دلالات خاصة، وهي هاهنا في هذه الآيات تشمل: الإيمان بما مضى من الكتب السماوية (التوراة ـ الزبور ـ الإنجيل) مع القرآن الكريم. الإيمان قلبياً عند سماع التلاوة، وهي أعلى مراتب المعرفة الإيمانية عند العارفين. الإيمان بالحق المنزل من الله (واستخدم القرآن الكريم لفظة (ربنا)) بدل لفظة الجلالة (الله) تعالى لخصوصيتها في هذا الموضع.

стр. 194

الإيمان بأن كل الأديان تدعو إلى الإسلام من قبل الإسلام ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ((١)) . الإيمان بالصبر. درء السيئة بالحسنة (وقدم القرآن الكريم الحسنة وأخر السيئة، لأن المقصود في الوضع اللغوي أن تقدم العرب المهم في الكلام وهو هنا (ما يدرؤون) وهي الحسنة، وليس ما درؤا وهي السيئة، جعل تقديم الحسنة لازماً على ما ذكروا وهي السيئة، وهذا من إعجاز النص القرآني في سورة القصص) . الإنفاق من الرزق الإلهي. الإعراض عن سماع اللغو. ترك عمل الكافرين وجعل أعمالهم لهم (لنا) . عدم ابتغاء الجدال مع الجاهلين. وهذه الصفات العشرة هي عين ما جاءت به الفطرة السليمة للمؤمنين بالله . ١١. إن الإيمان هو هداية إلهية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ((٢)) فنسبة الهداية لله تقرير لحقيقة الإيمان من الله الهادي ، وهذا من مستنبطات سورة القصص في القرآن الكريم. ١٢. إن المشركين معرضون للتوبيخ الشديد يوم القيامة:

стр. 195

﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ((١)) فصيغة النداء ونسبتها للمشركين، ومقول القول باستخدام الفعل المضارع مع فاء التعليل (فيقول) ، ثم استخدام صيغة الاستفهام (أين) ، ونسبة الشركاء لياء المتكلم في لفظة الجلالة (توبيخاً) ، والإتيان بالاسم الموصول مع الفعل الماضي الناقص، وصيغة (زعم) المضارعة كل ذلك جعل هذه الحقيقة التوبيخية تكون أشد إيلاماً وتبكيتاً للمشركين بالله بدليل ما بعدها: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ((٢)) ، وهو خطاب بليغ كل البلاغة في وصف توبيخ المشركين، ونلاحظ أن هذه الآية تكررت مرة أخرى في الآية ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ((٣)) ، وتكرارها هنالك كان تحقيقاً لموقعها في سياق آيات أتت بينهن ولا تختلف دلالتها عما حللناه. ١٢. إن التوبة والعمل الصالح مقترنان بالإيمان ثم الفلاح: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ ((٤)) ، فهذه الآية تقرر حقيقة الإيمان في أسلوب تقريري (التوبة، والإيمان) مقابل (العمل الصالح، والفلاح) وهي معادلة قرآنية عظيمة كل العظمة تقرر حقيقة الإيمان في النفس. ١٣. إن نسبة الإعادة لله تعالى تقرر حقيقة الهدى الإيماني:

стр. 196

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ((١)) ، فهذه الآية تجعل الإيمان النبوي في رسول الله ( ﷺ ) مقروناً بعلمه ( ﷺ ) بأن الله يرجعه بالنصر إلى مكة المكرمة، وهو ما تحقق يوم الفتح (ولنحن نعلم أن هذه الآيات نزلت بمكة المكرمة قبل الهجرة) فكانت بشارة إيمانية من الله لتقرر حقيقة الإيمان في مقابل الكفر والشرك من خلال كون جملة ﴿مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ تعني رسول الله ( ﷺ ) ، وجملة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ تعني الكفرة والمشركين من قريش، وذلك يبرّز الإيمان في مقابل الكفر والشرك. وبذلك يمكن لنا أن نبين كيف أن الإيمان والكفر والشرك في سورة القصص برزت بروزاً واضح المعالم في كل الآيات الشريفة التي تقدم ذكرها. الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ تمهيد لازال البحث في المفاهيم القرآنية ميداناً فيه مجال عظيم السعة للسير فيه ما وسع الباحث السير. ذلك أن جملة المفاهيم القرآنية تحتوي في ظاهرها وباطنها على دلالات عقلية ـ قلبية تعين على إدراك النص الكامن في ظواهر معاني الآيات والسور. لذلك اهتم العلماء بهذه المفاهيم القرآنية، وأولوها الاهتمام كله سواء من درسها درساً لغوياً أو درساً بيانياً أو درساً تفسيرياً بالمأثور والمعقول من القدماء والمحدثين. ولعل من تلك المفاهيم مفهوما (الطغيان) و (التكبر) اللذين وردا في جملة من آيات وسور القران الكريم، وكانا بدلالتهما معبرين عن المعنى المراد لهما إيضاحه للمؤمن المسلم ((٢)) .

стр. 197

وقد ورد هذان المفهومان في سورة القصص التي هي بإجماع المفسرين (مكية) ، ونحن نعلم أن مجموعة السور المكية مما أنزل قبل هجرة رسول الله ( ﷺ ) احتوت على إشارات من أخبار الأمم السابقة تقرع أسماع طغاة ومتكبري قريش من الكفرة الذين جحدوا رسالة رسول الله ( ﷺ ) فكان لزاماً عليهم التنبه لسبب أسماعهم أخبار الطغاة والمتكبرين لعلهم يتعظوا بها، ويرجعوا عن طغيانهم وتكبرهم في الأرض ((١)) . وسوف نحاول فيما يأتي تحليل هاتين المادتين في سورة القصص بلفظهما ومعناها حسب ما يتضح من سياق السورة، وأهمية ذلك تكمن في أن الفهم الشمولي لمفاهيم المصطلحات القرآنية يعين على الإدراك الكلي للنص القرآني. وسنحاول في البداية تبيين المعنى التعريفي للمادتين من خلال كتاب (المفردات في غريب القران) للراغب الأصفهاني ((٢)) ، ومقارنة ذلك بالتأويل المفهوم من نص سورة القصص إن شاء الله العلي العظيم.

стр. 198

قال الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات: " طغى طغوت وطغيت طغواناً، وطغينا وطغاة، كذا حمله على الطغيان، وذلك تجاوز الحدّ في العصيان. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ ((١)) ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ ((٢)) . وقال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا انَّنَا نَخَافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يَطْغَى﴾ ((٣)) ، ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ ((٤)) ، قال تعالى: ﴿فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانا وَكُفْرا﴾ ((٥)) ، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٦)) ﴿إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ ((٧)) ، ﴿وَانَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ((٨)) ، ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أطْغَيْتُهُ﴾ ((٩)) . والطغوى الاسم منه، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ ((١٠)) ، تنبيهاً أنهم لم يصدقوا إذ خوفوا بعقوبة طغيانهم. وقوله تعالى: ﴿هُمْ أظْلَمَ وَأطْغَى﴾ ((١١)) .

стр. 199

تنبيهاً على أن الطغيان لا ينجي الإنسان، فقد كان قوم نوح أطغى منهم فاهلكوا وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ((١)) ، فاستعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحد. وقوله: ﴿فَاهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ ((٢)) ، فإشارة إلى الطوفان المعبر عنه بقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ . والطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ ((٣)) " ((٤)) . وقال ﵀ في المادة الأخرى: " كبير ... فالكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان في إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم. والتكبر على الله تعالى بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. والاستكبار... أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيراً...وأن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له" (٥) .

стр. 200

فإذا جئنا إلى سورة القصص الكريمة وجدنا أن مادة (طغى) وردت فيها (معنى) ، وإن مادة (تكبر) وردة فيها لفظاً ومعنى من خلال مفهوم النص، والمزج بين الوارد لفظاً ومعنى يدلنا على اقتضاء معرفة السياق القرآني. فقوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((١)) ، فيه دلالة التكبر العام. وفي ذلك يقول مصلح رافع: " والقارئ للآية الرابعة من سورة القصص يجد أن إفساد فرعون في الأرض كان بسبب طغيانه وكفره وتكبره وعتوه لأمارة في نفسه (الحمقاء) من أن الملك الأرضي معادل للملك الإلهي العام، لذلك ظن أنه صار الرب، فعاث في الأرض فساداً، ولكن العلو في الأرض بالنسبة له مفهوم مجازي، فهو يرى نفسه الأعلى ـ وحاش لله ـ كما في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ((٢)) ، وقوله لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إله مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ((٣)) ، لذلك كان ما ورد عنه في سورة القصص مشعراً بحمقه، في عين الوقت المشعر بطغيانه " ((٤)) .

стр. 201

ونحن نوافق الباحث الفاضل فيما ذهب إليه، ونزيد عليه أن فرعون لم يميز في ادعائه الألوهية بين ذاته الفانية، وبين الذات الإلهية الخالدة. وهذا الطغيان والتكبر برأينا عائد إلى أن المصريين (الفراعنة) كانوا يؤمنون بأنهم هم الآلهة. وحتى (إخناتون) و (توت عنخ آمون) كانا يؤمنان بإله واحد هو (إله القمر الساري فيهما) خلافاً لبعض المتعصبين المصرين الذين يزعمون أنهما كانا موحدين!!! فالتوحيد بمعنى توحيد الله لم يكن في يوم من الأيام دين قدامى المصريين أبداً. ودليلنا في ذلك ما قاله أحد المستشرقين، إذ ذكر في ذلك: " لقد كان معظم الفراعنة يرون أنفسهم أعظم وأطهر وأسمى وأقدس من عامة الناس، لذلك كانوا يتصورون أنهم هم (الآلهة) ، وتظهر البرديات أن (رمسيس) الذي يراه البعض الفرعون المذكور في القران كان أشدهم إحساساً بنفسه في علوه على الناس، حتى إنه أمر بطمس كل ذكر للفراعنة الذين سبقوه ليحظى بذكر أنه هو الإله الأوحد، وقد أساء السيرة في الناس، وفي الإسرائيليين الذين سكنوا أرض مصر في عصره حتى زمن الخروج " ((١)) .

стр. 202

فهذا النص يدلنا على هذا التكبر والطغيان. ونجد في سورة القصص تكبراً لعامة الناس عن مساعدة النساء، وهو ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ((١)) ، فهذا النص دال على أن هؤلاء الناس في (مدين) كانوا على درجة عالية من قلة الأدب، ومن العلو ومن التكبر الواضح في سقي رعائهم لأنفسهم، وفي منعهم النساء من السقي، (والنص يشعر بأن هذا الفعل يومي متجدد) . وفي ذلك يقول بعض الباحثين: " تشعر هذه الآية ((٢)) إن موسى (﵇) كان يحمل من التواضع الشيء العظيم، وإن شعب مدين كان يحمل من التكبر والتجبر الشيء العظيم، ويبدو أنهم كانوا من تلك الشعوب التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية " ((٣)) . ويعود السياق القرآني ليرينا صورة أخرى من صور تكبر وطغيان فرعون: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ((٤)) ، فالآية الشريفة مشعرة بان فرعون كان إذ يستكبر في الأرض يظن الخلود، وأنه لا يرجع إلى الله تعالى، ويبدو أنها كانت عقيدة جنوده كذلك على ما يوحي به السياق. ويقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ((٥)) .

стр. 203

فتجد في مفهوم النص الطغيان المادي لتلك القرى التي بطرت فاستكبرت وطغت، ويقول تعالى في الطغيان البشري والتكبر الروحي: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ((١)) . ثم يقول تعالى في ذلك السياق: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ((٢)) . ثم يقول تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ((٣)) . فتجد أن البغي القاروني كان بسبب تكبره وطغيانه في الأرض بماله الذي هو رزق الله والذي ليس له منه مقدار شعرة. والنص القرآني واضح كل الوضوح في أن هذا التكبر لا عاقبه له إلا أن يخسف بالمتكبر وبداره الأرض ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ ((٤)) . ويذكر الله تعالى في نقض مفهومي التكبر والطغيان على حد سواء في السورة نفسها ﴿تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا ً﴾ ((٥)) ، فتجد أن السياق القرآني يتواصل معك في استقرار نفسي يجعلك تنبذ في ذاتك (إن كان فيك ذرة من كبر، أو طغيان) . وهذا من بدائع إعجاز النص القرآني في سورة القصص. وذلك لأن سياق بعض الآيات في سورة القصص ـ وخاصة ما ورد منها في شان مادتي الطغيان (مفهوماً) والتكبر (لفظاً) على حد سواء ـ يجعل القارئ والسامع والمخاطب بها يستشعر في نفسه أن كلّ ذلك التكبر والطغيان مما يستحي منه لا مما يتفاخر به لان قوله تعالى فيها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ ((٦)) .

стр. 204

ينقل النفس الإنسانية لهذا الجعل الإلهي: (والذي هو أصدق جعل في الوعد) ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ ((١)) . لذلك كانت هذه الآية إحدى آيات اطمئنان النفس في القران الكريم ((٢)) . المطلب الأول: علو فرعون في الأرض ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَا مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ اهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٣)) . تحليل الألفاظ ١. ﴿آيَاتُ﴾ : قال الراغب الاصفهاني: " واشتقاق الآيات إما من أيٍّ فأنها هي التي تُبَيِّنُ أيّا من أيٍّ، والصحيح أنها مشتقة من التّأيّي الذي هوَ التثبت والإقامة على الشيء، يُقال: تأيَّ، أي: ارفُق، أو من قولِهِم: آوي إليه وقيل للبناء العالي ولِكلِّ جملة من القران دالة على حكم أو طغيان سورة كانت أو فصولاً أو فصلاً من سورة. وقد يقال لِكلِّ كلامٍ منه مُنفَصِل بفَصلِ لفظيٍ آية " ((٤)) . وقال أبو بكر: سميت الآيات من القران لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويقال: سميت لأنها جماعة من حروف القرآن " ((٥)) . فهذا النص يدل على أن المعنى العام لا يرجعون وجمعها ذا دلالة واحدة. ٢. ﴿الْكِتَاب﴾ :

стр. 205

في الأصل مصدر ثم سُمِّيَ المكتُوُبُ فيه كتاباً، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب ((١)) . وقد وردت لفظة (الكتاب) في القران في مواضع عدة ولمعاني مختلفة، فقد جاءت بمعنى التوراة، كقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ ((٢)) . وجاءت بمعنى اللوح المحفوظ قال تعالى: ﴿إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ انْ نَبْرَأهَا﴾ ((٣)) إشارة إلى اللوح المحفوظ كما ذكر الخازن ((٤)) . والأرجح أن المراد به القران الكريم لان ما بعده يفسره: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ ، أي: نتلو عليك يا محمد في القران من نبأ موسى وفرعون. بمعنى أن الكتاب (في معناه الذي يدل على المجموع) دال على الضم. ٣. ﴿الْمُبِينِ﴾ : " من البيان، ما بُيِّنَ به الشيء من الدلالة وغيرها، وبان الشيءُ بياناً: اتضح، فهو بَيِّنٌ وأبَنْتُهُ: أي أوضحته، واستبانَ الشيءُ ظهرَ، وقيل: المبين الذي أبان طُرقَ الهُدى من طرق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة. وقيل: معنى مبين خيره وبركته. وقيل: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام " ((٥)) . فهذا يدل على استقلالية معنى كلمة (المبين) . ٤. ﴿نَبَإِ﴾ : النَّبأ، هو " القراءة المجمع عليها طرح الهمز وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القران من هذا، واشتقاقه من نَبأَ وأنبأ، أي: أخبر. قال: والأجود ترك الهمز " ((٦)) .

стр. 206

وقال الراغب الأصفهاني: " النَّبأ خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل بها علمٌ أو غَلَبهُ ظَنّ، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرَّى عن الكذب كالتواتر، وخَبرَ الله تعالى، وخبر النبي ( ﷺ ) " ((١)) . ٥. ﴿عَلاَ﴾ : قال الراغب: (العُلوُ ضِدَّ السُّفلِ والعُلُوُّ الارتفاع، وقد عَلا يَعلُو عُلُوا وهو عالٍٍ. وقيل: إنَّ علا تقّال في المحمود والمذموم " ((٢)) . وقال ابن منظور: " العُلُوُّ العَظمة والتجَبُّر والتكبر في الأرض، وقال الحسن: والفساد المعاصي، يقال: علا في الأرض استكبر " ((٣)) . فجاء كلامهما دالاً على استلهام المعنى اللغوي والاصطلاحي. ٦. ﴿شِيَعًا﴾ : قال ابن منظور: " الشَّيعُ مِقدارٌ من العدد، والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر، وقيل: الذين يتبع بعضهم بعضاً، وليس كلهم متفقين. وقيل: الشَّيَعُ الفِرًقُ " ((٤)) . ٧. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ : " من الضَّعفُ والضُعفُ خلاف القوة. وقيل: الضُعفُ في الجسد والضَّعف بالفتح في الرأي والعقل. استَضعَفَه وتَضَعَّفَه وجده ضعيفاً فركبه بسوء. قال ابن الأثير: يقال تَضَعَفتُه واستَضعَفتُه بمعنى للذي يتضعفه الناس ويتجبَّرون عليه في الدنيا للفقر ورَثاثَةِ الحال " ((٥)) . ٨. ﴿يُذَبِّح﴾ : " أصل الذبح شق حَلقِ الحيوانات، المراد هنا في هذه الآيات التكثير، أي: يَذبَح بَعضُهم اثَرَ بَعضٍ " ((٦)) .

стр. 207

فمجمل هذه الألفاظ تدل في اجتماعها على أن افتتاح السورة بها كان مقصوداً به تنبيه السامع وقرع سمعه على ما يراه ويسمعه فيما يتلوه من الآيات. القراءات القرآنية ١. ﴿طسم﴾ : بإمالة فتحة الطاء. قرأ بها كل من (حمزة، والكسائي، وخلف وشعبة) . بإمالة فتحة الطاء بين بين (نافع) . بإظهار نون سين عند الميم، قرأ بها (حمزة، وأبو جعفر) . بالسكت على الحروف، قرأ بها (أبو جعفر) ((١)) . ٢. ﴿الْمُبِينِ نَتْلُو﴾ : بالإدغام (الكبير) ((٢)) ، على ما قاله مجاهد بمعنى إدغام النون الأولى بالنون الثانية من دون أن يظهر ذلك بينهما. ٣. ﴿مُوسَى﴾ : قرأ بالإمالة كل من (حمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف، وورش) ((٣)) . ٤. ﴿فِرعَونَ﴾ : قُرأ (فُرعون) بضم الفاء وكسرها والكسر أحسن كالقُسطاس والقِسطاس ((٤)) . ٥. ﴿يُذَبِّحُ﴾ : قرأ الجهور يذبح مضعّفا، وأبو حيوة، وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال (يَذْبَحُ) ((٥)) . القضايا البلاغية ١. ﴿نَتْلُو﴾ : إسناد التلاوة إلى الله إسناد مجازي، لأنه الذي يأمر بتلاوة ما يوحى إليه من الكلام، والذي يتلو حقيقة هو جبريل بأمر من الله، وجعلت التلاوة على النبي ( ﷺ ) لأنه الذي يتلقى ذلك المتلوّ، وعبر عن هذا الخبر بالنبأ لإفادة إنه خبر ذو شأن وأهمية ((٦)) . ٢. ﴿عَلا فِي الأَرْضِ﴾ : مجاز إسنادي، لأن فرعون لم يعل بل استعلى بكفره. ٣. ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ :

стр. 208

استعارة مكنية، لأن استحياء النساء وضع لغة للترك، فاستعير في الآيات لنبذ النساء وامتهانهن، وهذا من بليغ إعجاز النص القرآني في بلاغته ((١)) . المعنى العام ﴿تِلْكَ﴾ : أي هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ . قال ابن كثير: " أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن " ((٢)) . ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ قال البيضاوي: " نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازاً " ((٣)) . ﴿نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ قال القرطبي: " نتلو عليك بعض خبرهما " ((٤)) . ﴿بِالْحَقِّ﴾ ، قال البقاعي: " الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولي الإذعان بقوله " ((٥)) . ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال الزمخشري: " لمن سبق في علمنا أنه يؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم " ((٦)) . ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ ((٧)

стр. 209

) عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ قال المفسرون: " استكبر وتجبر وبغى وتعاظم في أرض مصر " ((١)) . ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ قال الزمخشري: " فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه، أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته، أو أصنافاً في استخدامه يسخر صنفاً في بناء، وصنفاً في حرث، وصنفاً في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقاً مختلفة، قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط " ((٢)) .

стр. 210

﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ قال المراغي: " أي يجعلهم أذلاء مقهورين وهم بنو إسرائيل " ((١)) . ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ ، قال ابن عطية: " يذبِّح مضعف للمبالغة، والعبارة عن تكرار الفعل وقال قتادة: كان هذا الفعل من فرعون بأنه قال له كهنته وعلماءه: إن غلاماً لبني إسرائيل يفسد ملكه. وقال السدي: رأى في ذلك رؤيا فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال سنين، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاماً ويستحيي عاماً، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في عام الذبح. وقال وهب بن منبه: إن فرعون ذبح سبعين ألفاً من الأطفال. وقال النقاش: جميع ما قتل ستة عشر طفلاً " ((٢)) . والذي يبدو من اختلاف الروايات أنه لا يوجد نص ثابت يبين عدد الأطفال، لذا لا يمكن الجزم بعدد معين، أو ترجيح قول على أخر، ولكن ما جاء في رأي النقاش بعيد عن الحقيقة، وذلك لأن الَقُرْآن الكَرِيم استخدم صيغة المبالغة (يذّبح) للدلالة على المبالغة في الذبح. ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ قال ابن عاشور: " يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق عليهنَّ اسم النساء باعتبار المال إيماء إلى أنه يستحيهن ليصرنَ نساء، فتصلحن لما تصلح له النساء، وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج، وإذا كان احتقارهن بصدّ قومه عن التزوج بهنَّ لم يبق لهنَّ حظّ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء، إذ كل ذلك اعتداء على الحق " ((٣)) .

стр. 211

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال أبو السعود: " أي الراسخين في الفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء ـ عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ " ((١)) . ما يستفاد من النصّ أشارت الآيات التي مرت إلى جانب من حياة مصر في حقبة حكم الفراعنة إلى فرعون موسى على وجه الخصوص بقوله تعالى: ﴿انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، فمن هذه الآيات يمكن لنا أن نستنتج صورة للحياة في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ مصر. أولاً ـ الحالة الاجتماعية: لنتكلم أولاً عن الحالة الاجتماعية في تلك الفترة حتى تكتمل الصورة. " فان أهل مصر كانوا أهل ملك عظيم ما بين قبطي ويوناني وعمليقي، إلا أن جمهرتهم قبط، وأكثر ما يملك مصر الغرباء، وقد تعاقب على مصر ملوك كاليونان، ثم ملوك الروم والفراعنة الذين هم ملوك القبط " ((٢)) .

стр. 212

ولقد كان العبرانيون الذين كانوا يدعون (بني إسرائيل) أصحاب شرف وأموال سكنوا الديار المصرية برضى ملكها، واستملكوا الأراضي وساهموا في بناء مصر، فكان سبب مجيئهم إلى هذه الديار هو أن عزيز مصر اشترى سيدنا يوسف (﵇) صغيراً حينما وجده السقاة في غيابة الجُبِّ، وعاش وكبر في قصره، إلا أن مُلِّك إدارة شؤون مصر ثم نقل سكن والديه وأخوته إلى مصر، وهكذا تناسلوا وتكاثروا مع من آمن بنبوة سيدنا موسى (﵇) فأصبحوا عدد لا يستهان به. ولكن بعد أن توفي سيدنا يوسف (﵇) تغيرت الأحوال بعد ذلك، فقد فسدت أخلاق معظمهم وتركوا الدعوة إلى الله ودعاء الخلق إلى الله وسقطوا على الدنيا وتغير لهم الناس أيضاً، وصاروا ينظرون إليهم بغير ما كانوا ينظرون إلى آبائهم، وصاروا كسائر الناس لا يمتازون عن الناس إلا بالنسب، وصار الناس يحسدون الغني منهم ويحتقرون الفقير منهم، وصار أهل مصر ينظرون إليهم كغريب جاء من بلد آخر، وليس له حق في مصر، وكان أهل مصر يعتقدون أنهم أهل البلاد وهم أحق بها، ونسي كثير منهم فضل يوسف (﵇) وتدبيره اللذان أنقذا مصر من الموت جوعاً (١) .

стр. 213

" وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم ﵈، شرعوا فيهم من الإسلام، حتَّى كان فرعون موسى، وكان أعتاهم على الله، وأعظم قولاً وأطولهم عمراً، واسمه فيما ذكر الوليد بن مصعب، وكان سيئ الملكة على بني إسرائيل، يعذبهم ويجعلهم خولاً ويسومهم سوء العذاب " ((١)) . ثانياً ـ الحالة الأخلاقية: إن الذي يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، تتجسد أمامه أخلاقية فرعون الفاسدة، والتي كانت سبباً في هلاكه وهلاك ملكه، فقد بينت الآيات جملة من الصفات الفاسدة التي كان يتصف بها فرعون والتي كانت السبب في هلاك ملكة وهي: ١. الكِبرُ: قال تعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ﴾ ، والكِبرُ " والتَكبُّرُ والاستكبار تتقارب، فالكِبرُ الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره " ((٢)) .

стр. 214

والكبر مولوداً من (العُجبِ) وذلك " إنَّ ذا العُجب إذا مرّ نظره إلى أدنى منه تبين له أنه ممتاز عنه بما سما به في نظرة نفسه، فيرى ذلك الغير في درجة منحطة عن درجته، فيعتقد أن مستواه فوق مستوى غيره، فالمتكبر يعتقد في قرارة نفسه أنه أكبر وأعظم من غيره، فيرى غيره بعين الصغر والحقارة ويرى نفسه بعين العظمة والفخامة " ((١)) . ومعنى العُلوّ في الآيات الكِبْر، وهو المذموم من العُلو المعنوي ((٢)) كالذي في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ ((٣)) . وللكبر آثار تظهر على الجوارح فتراه إذا مشى مع الناس يريد التقدم عليهم، وتراه إن جالسهم يصدر نفسه في المجلس، يسره أن يتكلم ويسمعوا له، وأن لا ينطق غيره بحرف، ثم هو ينتظر من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق. كقولة تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ ((٤)) . فالمتكبر يحتقر الناس ويستضعف حقوقهم، ويسيء معاشرتهم، ويبث عدوانه فيهم، ويزداد الأمر سوءً إن كان ذلك المتكبر ولي أمرهم وراعيهم، فتنتج صفة الكبر في الحالة سوء رعايته لهم، والاعتداء على حقوقهم، وينظر إليهم بعين الاحتقار، ويرى دائماً أنه صاحب الفضل عليهم. ٢. العُجبُ: وهو الزَّهُوَّ ورجل مُعجَبٌ مزهُوّ بما يكون منة حسناً أو قبيحاً.

стр. 215

وقيل: العُجب فضلةٌ من الحمق صَرَفَتهَا إلى العُجب ((١)) ، وقيل لمن يروقه نفسه فلان مُعجبٌ بنفسه ((٢)) . وهو من أمراض القلوب المهلكة أعاذنا الله منها. وأيضاً هو " نظر الإنسان إلى ما حباه الله به من كمال نظر استعظام وتفخيم وفرحة به باعتباره أثراً من آثاره ونتيجة من نتائج ما بذل من مجهود في تحصيله، ولا يخطر على باله أنه يزول عنه يوماً من الأيام " ((٣)) . وهذا ما يتضح من قول فرعون إلى قومه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ((٤)) ، فقد وهم فرعون بوحدانيته بملكه وقصوره وعبيده، فظن أن هذه النعم هي ملكه وحده، وهو أحق بها ن فقد أضاف إلى نفسه ملك مصر وأنهارها، وظن أنها لن تبيد، فأداه عُجبُه بنفسه ومُلكه أن أدعى الربوبية لنفسه. ولكن شاءت إرادة الله تعالى وسنته في خلقه بهلاك المتكبرين من الأمم والأفراد أن ينزع عنهم النعمة التي لم يشكروها، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ((٥)) . إن العاقل هو الذي إذا ما انعم الله عليه أن يبادر بشكرها، والمجنون هو من إذا ما حباه الله بنعمة تخيل إنها جاءته بجهده وعقله وذكائه، فالنعم كلها لا يمكن أن تكون إلا من بعد أن يهبها الله لمن شاء من عباده كما يقول : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه﴾ ((٦)) . ٣. التفرقة العنصرية: ويتبين ذلك من خلال:
следующие страницы →