← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال أبو السعود: " أي الراسخين في الفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء ـ عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ " ((١)) . ما يستفاد من النصّ أشارت الآيات التي مرت إلى جانب من حياة مصر في حقبة حكم الفراعنة إلى فرعون موسى على وجه الخصوص بقوله تعالى: ﴿انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، فمن هذه الآيات يمكن لنا أن نستنتج صورة للحياة في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ مصر. أولاً ـ الحالة الاجتماعية: لنتكلم أولاً عن الحالة الاجتماعية في تلك الفترة حتى تكتمل الصورة. " فان أهل مصر كانوا أهل ملك عظيم ما بين قبطي ويوناني وعمليقي، إلا أن جمهرتهم قبط، وأكثر ما يملك مصر الغرباء، وقد تعاقب على مصر ملوك كاليونان، ثم ملوك الروم والفراعنة الذين هم ملوك القبط " ((٢)) .

стр. 212

ولقد كان العبرانيون الذين كانوا يدعون (بني إسرائيل) أصحاب شرف وأموال سكنوا الديار المصرية برضى ملكها، واستملكوا الأراضي وساهموا في بناء مصر، فكان سبب مجيئهم إلى هذه الديار هو أن عزيز مصر اشترى سيدنا يوسف (﵇) صغيراً حينما وجده السقاة في غيابة الجُبِّ، وعاش وكبر في قصره، إلا أن مُلِّك إدارة شؤون مصر ثم نقل سكن والديه وأخوته إلى مصر، وهكذا تناسلوا وتكاثروا مع من آمن بنبوة سيدنا موسى (﵇) فأصبحوا عدد لا يستهان به. ولكن بعد أن توفي سيدنا يوسف (﵇) تغيرت الأحوال بعد ذلك، فقد فسدت أخلاق معظمهم وتركوا الدعوة إلى الله ودعاء الخلق إلى الله وسقطوا على الدنيا وتغير لهم الناس أيضاً، وصاروا ينظرون إليهم بغير ما كانوا ينظرون إلى آبائهم، وصاروا كسائر الناس لا يمتازون عن الناس إلا بالنسب، وصار الناس يحسدون الغني منهم ويحتقرون الفقير منهم، وصار أهل مصر ينظرون إليهم كغريب جاء من بلد آخر، وليس له حق في مصر، وكان أهل مصر يعتقدون أنهم أهل البلاد وهم أحق بها، ونسي كثير منهم فضل يوسف (﵇) وتدبيره اللذان أنقذا مصر من الموت جوعاً (١) .

стр. 213

" وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم ﵈، شرعوا فيهم من الإسلام، حتَّى كان فرعون موسى، وكان أعتاهم على الله، وأعظم قولاً وأطولهم عمراً، واسمه فيما ذكر الوليد بن مصعب، وكان سيئ الملكة على بني إسرائيل، يعذبهم ويجعلهم خولاً ويسومهم سوء العذاب " ((١)) . ثانياً ـ الحالة الأخلاقية: إن الذي يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، تتجسد أمامه أخلاقية فرعون الفاسدة، والتي كانت سبباً في هلاكه وهلاك ملكه، فقد بينت الآيات جملة من الصفات الفاسدة التي كان يتصف بها فرعون والتي كانت السبب في هلاك ملكة وهي: ١. الكِبرُ: قال تعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ﴾ ، والكِبرُ " والتَكبُّرُ والاستكبار تتقارب، فالكِبرُ الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره " ((٢)) .

стр. 214

والكبر مولوداً من (العُجبِ) وذلك " إنَّ ذا العُجب إذا مرّ نظره إلى أدنى منه تبين له أنه ممتاز عنه بما سما به في نظرة نفسه، فيرى ذلك الغير في درجة منحطة عن درجته، فيعتقد أن مستواه فوق مستوى غيره، فالمتكبر يعتقد في قرارة نفسه أنه أكبر وأعظم من غيره، فيرى غيره بعين الصغر والحقارة ويرى نفسه بعين العظمة والفخامة " ((١)) . ومعنى العُلوّ في الآيات الكِبْر، وهو المذموم من العُلو المعنوي ((٢)) كالذي في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ ((٣)) . وللكبر آثار تظهر على الجوارح فتراه إذا مشى مع الناس يريد التقدم عليهم، وتراه إن جالسهم يصدر نفسه في المجلس، يسره أن يتكلم ويسمعوا له، وأن لا ينطق غيره بحرف، ثم هو ينتظر من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق. كقولة تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ ((٤)) . فالمتكبر يحتقر الناس ويستضعف حقوقهم، ويسيء معاشرتهم، ويبث عدوانه فيهم، ويزداد الأمر سوءً إن كان ذلك المتكبر ولي أمرهم وراعيهم، فتنتج صفة الكبر في الحالة سوء رعايته لهم، والاعتداء على حقوقهم، وينظر إليهم بعين الاحتقار، ويرى دائماً أنه صاحب الفضل عليهم. ٢. العُجبُ: وهو الزَّهُوَّ ورجل مُعجَبٌ مزهُوّ بما يكون منة حسناً أو قبيحاً.

стр. 215

وقيل: العُجب فضلةٌ من الحمق صَرَفَتهَا إلى العُجب ((١)) ، وقيل لمن يروقه نفسه فلان مُعجبٌ بنفسه ((٢)) . وهو من أمراض القلوب المهلكة أعاذنا الله منها. وأيضاً هو " نظر الإنسان إلى ما حباه الله به من كمال نظر استعظام وتفخيم وفرحة به باعتباره أثراً من آثاره ونتيجة من نتائج ما بذل من مجهود في تحصيله، ولا يخطر على باله أنه يزول عنه يوماً من الأيام " ((٣)) . وهذا ما يتضح من قول فرعون إلى قومه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ((٤)) ، فقد وهم فرعون بوحدانيته بملكه وقصوره وعبيده، فظن أن هذه النعم هي ملكه وحده، وهو أحق بها ن فقد أضاف إلى نفسه ملك مصر وأنهارها، وظن أنها لن تبيد، فأداه عُجبُه بنفسه ومُلكه أن أدعى الربوبية لنفسه. ولكن شاءت إرادة الله تعالى وسنته في خلقه بهلاك المتكبرين من الأمم والأفراد أن ينزع عنهم النعمة التي لم يشكروها، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ((٥)) . إن العاقل هو الذي إذا ما انعم الله عليه أن يبادر بشكرها، والمجنون هو من إذا ما حباه الله بنعمة تخيل إنها جاءته بجهده وعقله وذكائه، فالنعم كلها لا يمكن أن تكون إلا من بعد أن يهبها الله لمن شاء من عباده كما يقول : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه﴾ ((٦)) . ٣. التفرقة العنصرية: ويتبين ذلك من خلال:

стр. 216

أ. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعًا﴾ ، أي: " فرقاً. قال قتادة: فرّق بين بني إسرائيل والقبط، والمعنى يكرم قوماً ويذل آخرين بالاستبعاد والأعمال الشاقة. وقيل: جعل إسرائيل أصنافاً في الخدمة والتسخير " ((١)) ، فهذه التفرقة العنصرية كانت سبباً أيضاً في هلاك دولته فجعل هناك تمايز طبقي بين الأقباط وبين بني إسرائيل، فكان يرى ويرى الأقباط معه أن مصر هي ملك لهم، وما وجود بني إسرائيل إلا لخدمتهم في هذه الحياة، فجعل من مملكته فرقاً مختلفة، وجعل منهم شيعاً مقربين منه، والقسم الآخر ناصبهم العداء، وجعل بين الطائفتين العداوة والبغضاء ليسهل له السيطرة عليهم جميعاً. ب. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ ، يعني بني إسرائيل بالاستبعاد والأعمال القذرة، فجعل من هذه الطائفة محقّرة مهتضمة الحقوق لا مساواة بينها وبين الأقباط مع أنهما يسكنان في أرض واحدة وتحت سماء واحدة. والسبب في ذلك لأنه يرى أنهم غرباء عنه في النسب والدين، لأنهم كانوا يعتقدون بعقيدة تختلف عن عقيدته هو وقومه، فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب ﵉، فهم يعتقدون بإله واحد هو الله، وينكرون ألوهية فرعون، وكذلك أحسَّ فرعون أن هناك خطراً على عرشه من وجود هذه الطائفة في مصر، ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها، فهم جماعة كبيرة قد يتحالفون مع أعدائه من دول الجوار الذين كانت تقوم بينهم وبين فرعون حروباً. فاحتقرهم ولم يجعل لهم دوراً في الحياة السياسية والإدارية في مصر، فجعل منهم خدماً، وفرض عليهم الضرائب الباهظة، وكلفهم بالأعمال الشاقة. ٤. التصفية الجسدية: ﴿يُذَبِّحُ أبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

стр. 217

يُذَبِّحُ على التكثير، أي: يَذبح بعضهم إثر بعض ((١)) ، وذكر الرازي ((٢)) في سبب ذبح الأبناء وجوه: أحدهما ـ إن كاهناً قال له: يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب بملكه على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى (﵇) تسعين ألفاً من بني إسرائيل. قال بعضهم: " العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل " ((٣)) . ثانياً ـ وهو قول السدي: إن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس، واشتملت على مصر، فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور. ثالثاً ـ إن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى (﵇) بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك، فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الذي يرجحه الرازي ((٤)) . ومن صور التصفية الجسدية ما توعده للسحرة الذين آمنوا برب موسى (﵇) ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأَقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أجْمَعِينَ﴾ ((٥)) ، وهذا أبشع أنواع الظلم ألا وهو مصادرة الحرية الدينية والاعتقادية والفكرية، ففرعون قام بذلك لأنه أحس بالخطر على ملكه من إيمان أقرب الناس إليه وهم سحرته. ثالثاً ـ الحالة الدينية:

стр. 218

خلال الفترة ما بين وفاة سيدنا يوسف (﵇) إلى الفترة التي بُعث فيها سيدنا موسى (﵇) يبدو أن المصريين لم يستقروا على عبادة إله واحد، فكان الناس غالباً على دين ملوكهم إلا القلة القليلة من أحفاد نبي الله يعقوب (﵇) ومن آمن معهم كانوا موحدين " مع أن كثيراً منهم فسدت أخلاقهم وسقطوا على الدنيا وتركوا دعوة الناس إلى الله " ((١)) ، فكانوا يعبدون الأصنام ((٢)) ، ويعبدون الشمس فلقد " أخذت عبادة الشمس تنتشر منذ عصر الدولة القديمة، ولعّل السبب في ذلك أن ملوك الآسرة الخامسة الذين حكموا مصر من عام (٢٥٦٠) إلى (٢٤٢٠) قبل الميلاد كانوا ينتمون إلى هذا الإله، فأصبح هذا المعبود أكثر المعبودات تقديساً عندهم، فقد أخذ الناس على مدى الألف سنة التالية يضيفون في كلّ مكان اسم (رع) الشمس على أسماء الآلهة القديمة، وقد أرادوا بذلك أن يضيفوا إلى الآلهة الأخرى نصيباً من القوة التي تتمتع بها إله الشمس " ((٣)) . وحينما جاء إخناتون دعا إلى عبادة إله واحد خالق كل شيء (الشمس) ، وقد تصور المصريون إله الشمس على صورة آدمي، أو على هيئة صقر، ونستطيع أن نستشف صورة الوضع الديني من خلال الآيات القرآنية التي تحدثت عن فرعون وقومه، وتتميز هذه الفترة بما يأتي:

стр. 219

تنقسم عبادة المجتمع في فترة حكم فرعون موسى إلى قسمين: الفئة القليلة كانوا يعبدون الله، وهم من بقي على دينه من أحفاد نبي الله يعقوب (﵇) ، فكانوا يلاقون ألواناً من العذاب والتصفية الجسدية لرفضهم عبادة غير الله، والقسم الأكبر كانوا يعبدون فرعون. لقد وصل الكبر والطغيان والجبروت بفرعون أن ادّعى الألوهية، وأجبر رعيته وسكان مصر على ذلك " فجعل من نفسه إلهاً وأنه ابن الشمس " ((١)) . فقال فرعون في خطابه لسيدنا موسى (﵇) : ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلها غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين﴾ ((٢)) . وقال تعالى أيضاً على لسان فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا ايُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي﴾ ((٣)) . وكلّ هذِهِ الآيات نؤكد بما لا يقبل الشك أن فرعون ادّعى الألوهية. وقد قص القران الكريم أنه ادّعى الإيمان لحظة موته: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ ((٤)) . وهناك تأويلات لألوهية فرعون وعبادته هو، نورد بعضها: قال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام فكان يعْبدُ ويُعْبدَ. وقال سليمان التيمي: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر. وقيلَ معنى: ﴿وَآلِهَتِكَ﴾ ، أي: وطاعتك كما قيل في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ((٥)) ، فإنهم ما عبدوهم، ولكن أطاعوهم فصار تمثيلاً. على قراءة انس بن مالك: (ونذرُك) بالرفع والنون، أي: نذر عبادتك إن تركت موسى حياً.

стр. 220

قرأ علي بن أبي طالب (﵁) ، وابن عباس، والضحاك: (وإلآهتك) ، معناه: وعبادتك. فعلى هذه القراءة كان يعَبُد ويُعبَد. قال أبو بكر الأنباري: فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال: ﴿أنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ((١)) ، و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي﴾ ((٢)) . نفى أن يكون له رب وإله، فقيل له: ﴿وَيَذَرَكَ وَالِهَتَك﴾ ((٣)) بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك ((٤)) . وهناك رأي ينسب لابن عباس ﵄ على قراءة من قرأ: (ويذرك والهتك) بمعنى ويدعك والشمس، لأن العب تسمي الشمس آلهة، وهي إن فرعون قد كان يعبد الشمس ((٥)) . والذي يراه الباحث أن فرعون كان لا يعبد إي إله، بل كان يدعو الناس إلى عبادته على عادة فراعنة مصر في زمنه. المطلب الثاني: نصرة المستضعَفين ﴿وَنُرِيدُ انْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الارْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((٦)) . المناسبة

стр. 221

أخبر جل وعلا فيما سبق من الآيات عن فعل فرعون الشنيع بقتل الأولاد واستحياء النساء، واستضعاف بني إسرائيل وتفرقهم شيعاً لغرض المحافظة على دوام ملكه كما يعتقد، لأن كهنته وعلماءه أخبروه بأنه سيولد مولود من بني إسرائيل يكون زوال الملك على يديه. ثُمَّ عطفه على هذه الأفعال الشنيعة لفرعون. فمنّ الله على عباده المستضعفين بأن يخلصهم من فرعون ويورثهم ملكهم. وقال البقاعي: " عطف عليه قوله يحكي تلك لحالة الماضية ﴿وَنُرِيدُ﴾ ، أو هي حالية، أي: يستضعفهم، والحال أنا نريد في المستقبل أن نقويهم، أي: يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ ، فكانت إرادة الله فوق إرادة فرعون وملأه وتبقى إرادة الله فوق إرادة الظلمة والمتجبرين ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ((١)) " ((٢)) . تحليل الألفاظ ﴿نَمُنَّ﴾ : من المِنَّةُ " النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: مَنَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((٣)) ، وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى.

стр. 222

ثانيهما: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ولقبح ذلك قيل: المِنّةُ تَهدِمُ الضَّيِعةَ، ولحُسنِ ذكرها عند الكفران قيل: إذا كُفِرتِ النّعمَةُ حَسُنَتِ المِنَّةُ. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ اسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ ((١)) ، فالمنة منهم بالقول، ومِنَّةُ الله عليهم بالفعل وهو هدايتهُ إياهم " ((٢)) . ﴿نُمَكِّنَ﴾ : المَكنُ والمَكِنُ: بيض الضَّبَّةِ والجرادة، والمُكنةُ: التمكن، تقول العرب: إن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان، أي: تمكُّنٍ. قال الجوهري: يقال: الناس على مكانتِهم، أي: على استقامتهم. وقال: لا يصح أن يقال في المكنة: إنه المكان الأعلى التَّوسُّعِ، لأن المُكْنة إنما هي بمعنى التَمكُّنِ مثل الطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّب، يقال: إن فلانا لذو مكنِةٍ من السلطان فسمي موضع الطير مَكنِةً لتمكُّنه فيه " ((٣)) . وقال الآلوسي: " أصل التمكن أن يجعل للشيء مكاناً يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر وشاع في ذلك " ((٤)) . ﴿يَحْذَرُونَ﴾ " الحِذرُ والحَذَرُ: الخيفة، حَذرَهُ يَحْذَرُهُ حَذَراً " ((٥)) . القراءات القرآنية ١. ﴿أَئِمَّةً﴾ : قرأت بعدة أوجه: بتسهيل الهمزة مع القصر، قرأ به (ابن كثير، وأبو عمر، ونافع، والأزرق، ورويس، والأصفهاني، وقالون) .

стр. 223

بالتسهيل مع المد (الأصفهاني، وأبو جعفر) . بالتحقيق والفصل بألف (هشام) ((١)) . ٢. ﴿وُنَمِكّنَ﴾ : وقرأ الأعمش (ولِنُمكِّنَ) بزيادة لام كي، أي: وأردنا ((٢)) . ٣. ﴿وَنُرىَ فرِعَونَ﴾ : اختلفوا في النون والياء ورفع الأسماء ونصبها. فقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بالياء وفتحها وإمالة الراء بعدها ورفع الأسماء الثلاثة.

стр. 224

وقرأ بالنون عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيون: (وَنرُيَ فرعونَ وهامان) ونصب الأسماء بعده، وحجة من قرأ (نرُي) أن ما قبله للمتكلم فينفي أن يكون ما بعده أيضاً كذلك ليكون الكلام على وجه واحد، لأن فرعون يُرى ذلك ((١)) . وحجة من قرأ: (يَرَى) أن فرعون وحزبه يرون ذلك ويُعلُم أنهم يرونه إذا رأوه ((٢)) ، وذكر الطبري أن معنى من قرأ على هذه القراءة أن الفعل لفرعون بمعنى ويعاين فرعون بالياء من يرى، ورُفع فرعون وهامان والجنود ((٣)) . ونحن لا يمكن أن نوازن بين القراءات، لأن القراءة سنة متبعة تعرض كما هي، وإنما عرضنا لاختلاف القراء ﵏ برحمته ـ في ذلك على ما أوردته كتب القراءات والتفاسير. القضايا البلاغية ١. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْض﴾ .

стр. 225

قال الرازي: " فإن قيل: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المنّ عليهم، وإذا أراد الله شيئا لم يتوقف إلى وقت آخر؟ قلنا: لما كان مِنّة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنه لاستضعافهم " ((١)) . وهذه من القضايا البلاغية المهمة في هذا النص القرآني لكونها تدلّ على أن المنة فضل بعد الاستضعاف. وذكر البقاعي أيضاً: " والآية من الاحتباك ((٢)) ، ذكر الاستضعاف أولاً دليلاً على القوة ثانياً، وإرادة الحذر ثانياً دليلاً على إرادة المحبوب أولاً، وسر ذلك أنه ذكر المُسلي والمرجي ترغيباً في الصبر وانتظام الفرج " ((٣)) . ٢. ﴿وَنُمَكِّنَ﴾ : " أصل التمكين أن تجعل للشيء مكاناً يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر " ((٤)) . المعنى العام ١. ﴿وَنُرِيدُ انْ نَمُنّ َ﴾ : قال البيضاوي: " إن يتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه (ونريد) حكاية حال معطوفة على أن فرعون علا من حيث أنهما واقعان تفسيراً للنبأ، أو حال من يستضعف " ((٥)) . ٢. ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ : في معناها قولان ذكرهما الماوردي أحدهما: " بنو إسرائيل قاله يحيى بن سلام.

стр. 226

والثاني يوسف وولده قاله علي (﵁) " ((١)) . والذي أرجحه أن المراد بالذي استضعفوا هم بنو إسرائيل، وذلك لأن السورة سبقت في ذكر قصة سيدنا موسى مع فرعون، وفرعون إنما يستضعف بني إسرائيل. ٣. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ : قال الطبري: " ولاة الأمر " ((٢)) . وقال الرازي: " أي متقدمين في الدنيا والدين. وعن مجاهد دعاة إلى الخير " ((٣)) . ٤. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ : أي: " لملك فرعون يرثون ملكه ويسكنون مساكن القبط، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي اسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ((٤)) " ((٥)) . ٥. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ : أي: " نوطد لهم أرض مصر والشام ونجعلها لهم سكناً " ((٦)) ، وهو الوعد القديم لهم قبل تبديلهم دينهم الذي أنزله الله تعالى. ٦. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ :

стр. 227

قال البيضاوي: " من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم " ((١)) . وقال الشهاب في حاشيته: " لما يحذرون ولا شبهة في أنه المحذور عندهم، وهو الذي خافوا منه بعد إخبار الكهان حتى حملهم على القتل، وأما كون ذلك مرئياً، فإن كانت الرؤية بمعنى المعرفة، وهم قد عرفوا ذلك لما شاهدوه من ظهورهم عليهم وطلوع طلائعه من طرق خذلانهم فظاهر. وإن كانت بصرية، وهو المناسب للبلاغة، فالرؤية لمقدماته جعلت رؤية له مبالغة، وهذا مستفسر منهم حتى يقال: رأى موته بعينه، وشاهد هلاكه، أو المراد رؤيته وقت الهلاك فلا يرد أنهم لم يروا ما ذكر وإنما الرائي له بنو إسرائيل " ((٢)) . وقال المراغي: " أي ونري أولئك الأقوياء والأعداء والأدلاء على أيدي بني إسرائيل من المذلة والهون، وما كانوا يتوقعونه من زوال الملك والسلطان على يد مولود منهم، ولكن لا ينجي حذر من قدر، فنفذ حكم الله الذي جرى به العلم عن القدم على يد هذا الغلام " ((٣)) . ٧. ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ :

стр. 228

في الحقيقة لم اعثر على الاسم الكامل لهامان، فقد اكتفى المؤرخون كالطبري، وابن الأثير، وابن قتيبة، وكذلك المفسرون بالقول إنه وزير فرعون فقط. وقد رجح ابن عاشور: " أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي، فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر، وقد جاء في كتاب استير من كتب اليهود الملحقة بالتوراة المحرفة تسمية وزير احشويردش ملك الفرس (هامان) ، فظنوه علماً، فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان، واتخذوا هذا الظن مطعناً في هذه الآيات. والرد على ذلك أن الأعلام لا تنحصر، وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بالاسم وخاصة المتجاورة، فيجوز أن يكون هامان علماً من الأمان، فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطه في مصر، فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد فارس في مدة أسرهم " ((١)) . أما أنا فاذهب إلى أنه اسم للرجل لأن النص القرآني إذا أخبر باسم رجل فهو على حقيقته. ما يستفاد من النصّ عبرت الآيات بكلمات معدودة عن الحالة المأساوية التي عاشتها مصر في ظل حكم الفراعنة مما تعجز أن تصفها مجلدات، فيمكن أن نستنبط منها المعاني الآتية: أولاً: حاجة البشرية إلى هدي النبوة.

стр. 229

فقد خلق الله تعالى هذا الكون وفق نظام دقيق متوازن، وجعل الحاجة الفطرية من مخلوقات الله تعالى، ومن ذلك فطرة الله تعالى للإنسان، فإن الله خلق البشر وخلق فيهم حاجتهم إلى الدين، فالإنسان بفطرته بحاجة إلى الدين. قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ((١)) ، والإنسان مفتقر إلى منهج ينظم حياته إذ إنه قاصر عن بلوغ هذه الغاية لتسلط الأهواء عليه، فإن النفس الإنسانية مائلة إلى الكسب وأخذ ما ليس لها، فلا بد للبشر في كل العصور إلى رسل الله لربط تصرفات الإنسان بخالقه وبأخيه الإنسان، ولمعرفة ثواب المطيع وعقاب العاصي، وأهداف أخرى كثيرة سنذكر منها فقط ما يخص حاجة أهل مصر إلى هدي النبوة في ضوء هذه الآيات من سورة القصص. ١-الدعوة إلى عبادة الله وحده: لو عدنا إلى الآيات السابقة من سورة القصص: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٢)) . فبعد هذا العرض القرآني الذي يبين فيه حاجة أهل مصر إلى هدي النبوة لإنقاذ المستضعفين وإحقاق الحق وإرجاع الناس من عبادة فرعون إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأَنْسَ الاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ((٣)) ، ويتحقق معنى العبودية لله بتحقيق معنى التوحيد، أي: إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والخضوع له خضوعاً تاماً، والاستسلام له في جميع شؤون الحياة.

стр. 230

ومن معاني التوحيد هو الاستقامة في الأرض ضمن المنهج الذي يريده الله جل وعلا، وكل هذه المعاني لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها بدون بعثة الرسل، فقد امتحنت البشرية مرات عديدة حينما بعد بها العهد من الله تعالى ورسالاته فعبدت غير الله. ٢. الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر: إن الإيمان باليوم الآخر من أساسيات كل الأديان السماوية، وجاءت جميعاً لتقيم الأدلة على إثبات اليوم الآخر، وأن هناك ثواب للطائعين وعقاب للعاصين، فجاءت رسالة موسى (﵇) لتدعو إلى الإيمان باليوم الآخر، فقد كان فرعون وقومه لا يؤمنون باليوم الآخر ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا انَّهُمْ الَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ ((١)) ، فجاء أمر الله إلى سيدنا موسى وهارون لتحذير فرعون وملئه من اليوم الآخر. ﴿إنَّا قَدْ أوحِيَ إلَيْنَا أنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأَولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ((٢)) . ٣. إصلاح النظام الأخلاقي والاجتماعي:

стр. 231

إن إصلاح النظام الأخلاقي والاجتماعي هو قاسم مشترك بين كل الديانات، ورسالة الله للبشر في كل العصور، ولأن الإنسان مخلوق كرّمه الله وسخّر له كل ما في الكون من أرض وسماء لخدمته، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ((١)) ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا مِنْهُ﴾ ((٢)) . فلذلك أنكر الله جل وعلا على قوم فرعون، لأنهم فقدوا شخصيتهم وأصبحوا أذنابا لفرعون، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطَاعُوهُ﴾ ((٣)) .

стр. 232

فالناس سواسية عند الله تعالى، لا فرق بين ملك ومملوك إلا بالتقوى ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقَاكُم﴾ ((١)) ، هذه سنة الله في خلقه، ولكن فرعون أراد أن يغير هذه السنة، فجعل أهل مصر شيعاً وطبقات متفاوتة، فمن أطاعه بما يريد حظي بالعيش الرغيد، والمكانة المرموقة، ومن يخالفه ـ كما حصل لبني إسرائيل ممن بقي على التوحيد ـ جعلهم خدماً للأقباط يذيقونهم ألوان العذاب، وحفظ الله للإنسان في هذه الدنيا حق الحياة للذكور والإناث، ومن سنة الله في الأرض إنّه حرّم الظلم بكلّ أنواعه، فالإنسان بطبيعة خلقه فيه غرائز وشهوات وميول ونزوات تدفعه إلى تحصيل ما يريد بأي السبل، وهنا تتجلى حاجة البشر إلى هدي النبوة فالشرع هو الذي يضبط هذه الشهوات والغرائز من أن تتعدى حدودها بالعقوبات الدنيوية والأخروية، وقد جاءت آيات كثيرة تتحدث عن الظلم في عهد فرعون، فقد وصف بالطاغية ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ ((٢)) وحيثما قلبت صفحات التاريخ في تلك الفترة، فلن تعثر إلا على الفساد والضياع وفي كل مجالات الحياة، فإن المجتمع الذي بعث فيه سيدنا موسى (﵇) عالم بأمس الحاجة إلى منقذ، فأرسله الله بحكمته ورحمته وعدالته لينقذ الناس من ظلام الكفر إلى نور الإيمان الساطع الوضاء، ومن قسوة الظلم إلى حلاوة العدالة. ثانياً. دلت الآيات كذلك على أسباب هلاك دولة فرعون وسقوط حضارته فبعد أن ذكر الله جل وعلا أسباباً خمسة للهلاك: إنه علا في الأرض. جعل أهلها شيعاً. يذّبح أبناءهم. ويستحي نساءهم. إنه كان من المفسدين. قابلها بخمسة: وَنُرِيدُ انْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ . وَنَجْعَلهُمْ أئِمَّةً﴾ . وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ .

стр. 233

وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . فهذه الخمسة مقابل تلك الخمسة يثبت صدق الوعد الإلهي ويثبت عاقبة الطغاة. ثالثا: دلت الآيات كذلك على إحدى المبشرات بانتصار الإسلام والمسلمين على أعدائهم بعد الأخذ بأسباب النصر، فكل أسباب الهلاك متوفرة في أعدائهم، وكل أسباب النصر متوافرة في المؤمنين بدلالات النصّ. المبحث الثاني: الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال المطلب الأول: قارون وكنوزه ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ((١)) . المناسبة

стр. 234

لما دل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ امَّةٍ شَهِيدا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا انَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((١)) " على عجزهم في تلك الدار وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار إنما هو الواحد القهار، دلّ على أن ذلك له أيضاً في هذه الدار وقوع العلم به بالهلاك أولى البطر والمرح والأثر من غير أن يغنوا عمن أضلوا أو يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من صامت تطبيقاً لعموم ﴿وَكَمْ اهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ((٢)) على بعض الجزئيات تخويفاً لمن كذب النبي ( ﷺ ) ، ولاسيما من نسبة إلى السحر، وإعلاماً بأن الأنبياء ـ عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء لأنه عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحدهم من بني إسرائيل ومن أقرب من بني إسرائيل إلى موسى (﵇) " ((٣)) . فبعد أن بينت الآيات السابقات تخلي الشركاء يوم القيامة عن الاستجابة لمن اتخذوهم شركاء، وضل عنهم ما كانوا يفترون، يبين الله جَلَّ وَعَلا في هذه الآيات تخلى المال عن صاحبه المغتر به، وانتفاء الانتفاع به، وانعدام الفائدة له في إنقاذه من عقاب الله تعَاَلىَ ليستكمل المعنى أنه لا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، فنلاحظ الترابط بين الآيات والتلازم بين المعاني. تحليل الألفاظ ١. ﴿فَبَغَى﴾ :

стр. 235

البَغْيُ: التَّعَدَّي، وبَغَى الرجلُ علينا بَغْياً: عدل عن الحق واستطال. وقال الفراء: البَغْي استطالة على الناس. وقال الأزهري: معناه الكبر والَغَي الظُّلم والفساد. والبَغْيُ معظم الأمر، وقال: معنى البَغْي قصد الفساد، ويقال: فلان يَبْغي على الناس إذا ظلمهم وطلب آذاهم، وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بَغْيٌ ((١)) ، بمعنى أن البغي يتلوه سوء العاقبة والخاتمة، والعياذ بالله . ٢. ﴿الْكُنُوزِ﴾ : الكَنْزُ، قال الراغب الأصفهاني: " الكَنْزُ جَعْلُ المال بعضَهُ على بعض وحفظُه، وأصْلُه من كنزتُ التّمْرَ في الوِعاءِ " ((٢)) . " وقيل: الكنز المال المدفون، وجمعه كُنُوزٌ، كَنَزَهُ يَكْنزُه كَنْزاً واكْتَنَزَهُ، وتسمي العرب كلّ كثيرٍ مجموع يتنافس فيه كنزاً " ((٣)) . ٣. ﴿لَتَنُوءُ﴾ : " النّأنَأةُ: العَجْزُ والضَّعْفُ، وروى عِكْرمِةُ عن أبي بكر الصديق (﵁) أنه قال: طُوبَى لِمَنْ مات في النَّانَاةَِ، مهموزة يعني أول الإسلام قبل أن يَقْوَى ويكنُزَ أهله وناصريُه والدّاخِلونُ فيه، فهو عند الناس ضعيف. وتَنَأنَأ: ضَعُفَ واستَرخَى، ورجل نَأنأ ونَأناءُ بالمد والقص: عاجز جبان ضعيف، ونَأنَأتُ الرجل نَأنأةً، أي: حَمَلتُه على أن ضَّعُفَ عما أراد وتراخى " ((٤)) . ٤. ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ : " العُصبةُ والعِصابةُ جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين، وقال الأخفش: والعُصبة والعِصَابة جماعة ليس لها واحد، والتَّعَصُّبُ من العَصَبِيَّة أن يَدعُوَ الرجلَ إلى نُصرة عَصَبِته والتَالُّبِ معهم على من يناوئهم.

стр. 236

واعصَوصَبُوا: استَجمعوا فإذا تَجَمَعَّوُا على فريق آخر قيل: تَعَصَبَّوُا واعصَوصَبُوا استَجمعوا " ((١)) . وقال الراغب: " والعُصبَةُ جماعةٌ مُتَعَصِّبَةٌ مُتَعَاضِدَةٌ " ((٢)) . ٥. ﴿الْفَرِحِينَ﴾ : " الفرح نقيض الحزن. وقال ثعلب: إن يجد في قلبه خِفَّةً، فَرِحَ فَرَحاً، ورجل فَرِحٌ وفَرُحٌ ومفروح. وعن ابن جني: وفرحانُ من قوم فَراحَى وفرَحَى، وامرأةُ فَرِحةُ وفَرحَى، وامرأةٌ فَرِحةٌ وفَرحَى وفَرحانة " ((٣)) . القراءات القرآنية ١. ﴿عَلَيْهُمْ﴾ : قرأها حمزه بضم الهاء وسكون الميم ((٤)) . ٢. ﴿فَبَغَى﴾ : وقرأ بالإمالة كل من حمزة، والكسائي، وخلف، وورش ((٥)) . ٣. ﴿مَفَاتِحَه لتنوّاُ﴾ : قرأ الأعمش: (مفاتيحه لتنوء) . وقرأ بديل بن ميسرة: (مفتاحه لينوء) . وروي أيضاً عن يديل بن ميسرة: (مفاتحه لينوء) ((٦)) . ٤. ﴿الفَرِحيِنَ﴾ : وقرأ (الفَارحين) حكاه عيسى بن سليمان ((٧)) . ٥. ﴿وَاتَبعِ﴾ : وقرأ واتَّبعْ ((٨)) . القضايا البلاغية ١. القلب:

стр. 237

وذلك في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا انَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ الأصل هو: لتنوء العصبة بالمفاتح، أي: لتنهض بها بجهد. وقال أبو عبيد هو كقولهم: عرضت الناقة على الحوض، وأصله عرضت الحوض على الناقة. وقيل: يجوز أن لا يكون هناك قلب لأن المفاتح تنهض ملابسة للعصبة إذا نهضت العصبة بها، ورجح الآلوسي الرأي الأول فهو منقول عن الخليل، وسيبويه، والفراء، واختاره النحاس ((١)) . ٢. المبالغة: وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعاً الكنوز والمفاتح، والنوء والعصبة، وأولي القوة. وقال محي الدين درويش: " وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة، وتعدد ما يتعلق بما يملكه " ((٢)) . ٣. بلاغة التعليل: وذلك في قوله: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . حسن تعليل جميل بجملة ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ((٣)) . المعنى العام ١. ﴿انَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ : ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجوه: أولاً ـ إنه بغى بسبب ماله، وبغيه إنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله. الثاني ـ إنه من الظلم، قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. الثالث ـ بغى عليهم، أي: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده ((٤)

стр. 238

) . الرابع ـ قال الضحاك: طغى عليهم واستطال، فلم يوفقهم في أمر. الخامس ـ قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم. السادس ـ قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم إنه زاد عليهم في الثياب شبراً، وهذا يعود إلى التكبر. السابع ـ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس (﵁) قال: " كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتَّى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتَّى أبقى على موسى (﵇) وحده، وقال له موسى (﵇) : إن الله أمرني أن آخذ الزكاة فآبي، فقال: إن موسى (﵇) يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه إن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل، فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى (﵇) إنه فجر بك، قالت: نعم، فجاء قارون إلى موسى (﵇) ، قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال: نعم، فجمعهم، فقالوا له: بم أمرك ربك؟ قال: أمرني ربي أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم كذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن بالرجم قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قالوا: فإنك قد زنيت، قال: أنا، فأرسلوا إلى المرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى (﵇) ؟ فقال لها موسى (﵇) : أشهدك بالله آلا ما صدقت؟ قالت: آما إذ أنشدتني بالله، فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله. فخر موسى (﵇) ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك! قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك، فرفع رأسه فقال: خذيهم، فأخذتهم

стр. 239

إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى! ، فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى! فقال: خذيهم فانطبقت عليهم، فأوحى الله: يا موسى سالك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. قال ابن عباس: وذلك قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ ((١)) . ٢. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ : قال أبو السعود: " أي: الأموال المدخرة " ((٢)) . ونقل الرازي رواية عن سعيد بن المسيب، والضحاك " بأن سيدنا موسى (﵇) أنزل عليه علم الكيمياء من السماء، فعلّم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه، وكالب ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضه والنحاس يجعله ذهباً " ((٣)) .

стр. 240

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ ، قال: أصاب كنزاً من كنوز يوسف (﵇) ((١)) . ٣. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ : قيل في معنى المفاتح وجوه: المفاتح ظاهرها أنها الذي يفتح بها، ويحتمل أن يريد أنها الخزائن والأوعية الكبار قاله الضحاك، لأن المفتح في كلام العرب الخزانة ((٢)) . وأخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة قال: " كانت مفاتح كنوز قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، كلّ مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلاً أغراً محجلاً " ((٣)) . إن مفاتح الكنوز: إحاطة علمه بها، حكاه ابن بحر ((٤)) لقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْب﴾ ((٥)) ، ونقل الرازي إن هناك من طعن بذلك من وجهين: أولاً: إن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدةً مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتح. ثانياً: إن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتح. وأجاب الرازي عن الأول: إن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقد؛ جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد. وأيضاً فهذا الذي يقال: إن تلك المفاتح بلغت ستين حملاً ليس مذكوراً في القران، فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القران إن تلك المفاتح كانت كثيرة، وكان كلّ واحد منها معيناً لشيء آخر، فكان يثقل على الصعبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد.

стр. 241

وعن الثاني: إن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا، فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها إغلاق ((١)) . ٤. ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: نثقل وتميلهم ((٢)) . (والعصبة) : قال الطبري: فإنها الجماعة، واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد به في هذا الوضع: مبلغ عددها أربعون رجلا وعن قتادة: إن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. قال آخرون: ستون رجلاً. وعن ابن عباس: العصبة (ثلاثة) ، وقال أيضاً: العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: كانت تحمل على ما بين عشرة إلى خمسة عشر ((٣)) . والذي أرجحه أن كل تلك عبارة عن روايات، ولا يعلم الحقيقي إلا الله ، لأنه مما لا ينضبط عدداً. ٥. ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ : قال الطبري: أولي الشدة ((٤)) . ٦. ﴿ِ إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ : أخرج ابن حاتم عن السدي في قوله تعالى: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت، فتبطر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله: لأن الله لا يحب الفرحين المتمدحين الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أيضاً: إن الفرح هنا البغي. وعن السدي قوله: إن الله لا يحب الفرح بطراً ((٥)) . ما يستفاد من النصّ

стр. 242

" عرضت السورة في بدايتها قوة السلطات والحكم، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم والكفران بالله والبعد عن هداه، والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر والاستكبار على الخلق، وجحود نعمة الخالق " ((١)) . وسنعرض فيما يأتي بعض المعاني والعبر التي يمكن استقصائها من قصة قارون: أولا: دلت آيات على أن قارون كان من قوم موسى (﵇) ولم تمنعه قرابته من عذاب الله ومقته بعد أن بغى وبطر، واستكبر وابتعد عن منهج الله، ولم يسمع نصيحة الناصحين. فإن ما يمرّ به المسلمون اليوم من ضعف وتكالب الأعداء عليهم شبيه بقصة قارون، فكثير من الدول الإسلامية اليوم، وأغنياء المسلمين يملكون من الأموال الكثير، لكن هذه الأموال والموارد الكثيرة لم تستغل بالشكل الصحيح في طاعة الله، ووفق منهج الله وسنته في المال، وبينما يعيش قسم من دول المسلمين في حالة رفاهية مطبقة وترف كبير وبذخ في الملذات وفيما يغضب الله، هناك من المسلمين من يصارع الموت من الجوع والمرض بسبب الفقر، فلم تنفع المسلمين أموالهم في صد كيد الأعداء المتكالبين، فكثير من أثرياء المسلمين اليوم يستثمر أمواله في البنوك الغربية، ولا يستثمرها في البنوك الإسلامية المحتاجة.

стр. 243

ثانيا: الغنى والفقر لا يعنيان رضا الله أو سخطه على عبدة، إن الله يعطي المال للمؤمن والكافر. قال تعالى: ﴿كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ((١)) ، فالله جل وعلا رب العالمين، وقد وعد واخبر بأنه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ((٢)) ، فكل ذي روح يدب على الأرض، فإن الله يرزقه ويهيأ له أسباب تلقى هذا الرزق سواء كان كافراً أو مؤمناً ((٣)) . فلا يعني أبداً وجود المال عند شخص ما أن الله راضي عنه، ولا يعني أبداً أن تضيق الرزق على عبد ما أو فقره على سخط الله على هذا العبد. فلقد أعطى الله تعالى المال الكثير والكنوز لقارون، ولم يكن ذلك دليلاً على رضا الله عنه، لأن الله خسف به وبداره الأرض. وقال تعالى: ﴿فَأمَّا الإَنْسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَاكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي اكْرَمَنِ * وَأمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهَانَنِ﴾ ((٤)) ، فقد أنكر جل وعلا في هذه الآيات على الإنسان اعتقاده إن توسعة الرزق على الإنسان دليل على إكرام الله، أو اعتقاده أنَّ تضيق الرزق على الإنسان دليل على إهانة الله له ((٥)) .

стр. 244

ثالثاً: ودلت الآيات كذلك على ذم الله للبطر والفرح بالدنيا وزهوتها، والاغترار بالمال إثر نصيحة قوم قارون له. قال الآلوسي: " والفرح بالدنيا لذاتها مذموم، لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن العلم بان ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتماً، كما قال أبو الطيب: أشدُّ الضم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالاً ((١)) ولذلك قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ((٢)) ، وعلل سبحانه النهي هاهنا بكون الفرح مانعاً من محبته ، فقال تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ، فهو دليل على أن الفرح بالدنيا مذموم شرعاً. وإنما قلنا إن الفرح بها لذاتها مذموم، لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم. وليس المقصود هو النهي عن الفرح مطلقاً، فالفرح والحزن فطرة فطر الناس عليها، فالمؤمن يفرح بما يفرحه ويشكر الله على ذلك وإذا أصابه ما يحزنه يصبر. فالفرح المنهي عنه هو فرح البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولما في هذا الفرح من تفضيل الدنيا على الآخرة التي هي دار الخلود" ((٣)) .

стр. 245

المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ﴾ ((١)) . المناسبة لما كان ترك الفرح في قوله تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ سبباً للزهد، وهو سبب للقرب إلى الله، كأنه قيل: وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين ((٢)) ، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ . ومن الواضح أن كفره سول له البقاء على ذلك والعياذ بالله تعالى، فخسف الله به وبداره الأرض جزاءً وفاقاً لكفره وتكبره على ما أخبرنا في سورة القصص في الآيات التي نحللها هنا. تحليل الألفاظ ١. ﴿وَابْتَغِ﴾ : بَغَى الشيءَ ما كان خيرا أو شراً يَبغِيه بُغاءٍ وبُغىً: طَلَبَه، وبغى ضالّته وكذلك كل طَلبِة، بُغاءً بالضم والمد وبُغايةً. وقال اللحياني: بَغَى الرجلُ الخير والشر وكلّ ما يطلبه بُغاءً وبِغيَة وبِغّى مقصور والبُغْيَهُ: الحاجة. وقال الأصمعي: بَغَى الرجلُ حاجته أو ضالته يَبغْيها بُغاءً وبُغايةً إذا طلبها ((٣)) . ٢. ﴿وَلاَ تَنسَ﴾ :

стр. 246

والنسِيان بكسر النون ضدّ الذِّكر والحِفظ نَسِيِه نِسيْاً ونسيْاناً ونِسْوةً ونَساوة. والنسيان الترك يقال: أنسيته، أي: أمرت بتركه ونَسيِتهُ تَرَكْتهُ ((١)) . وقال ابن عاشور: " والنهي في ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ﴾ مستعمل في الإباحة والنسيان كناية عن الترك " ((٢)) . ٣. ﴿نَصِيبَكَ﴾ : " الحظ والقسط وهو فيصل من النصب، لأن ما يعطى لا حد ينصب له ويميز " ((٣)) . ٤. ﴿زِينَتِهِ﴾ : الزَّيْنُ خلاف الشين، وجمعه أزيانٌ زانه زَيْناً وأزانه وأزْيَنَه على الأصل، وتَزَيَّن هو وازْدان بمعنىً، وهو افتعل من الزّينةِ، والَّزينة اسم جامع لكل شيء يُتَزَيَّن به والزَّينَةُ ما يتزين بهِ ((٤)) . القراءات القرآنية ١. ﴿وابَتغِ﴾ : ذكر الزمخشري أن هناك من قرأ: (وإتبع) دون أن يذكر من قرأ بذلك ((٥)) . ٢. ﴿ءاتَاكَ﴾ : قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((٦)) . ٣. ﴿عِندِي﴾ : قال أبو ربيعة عن البُزي، وقنبل بالإسكان، وفتح نافع (عندِيَ) وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر ((٧)) . القضايا البلاغية ١. التتميم: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . ففيه تتميم لابد منه، لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب فيها ((٨)) . ٢. تشبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ((٩)) . ٣. الاستعارة:

стр. 247

في قوله تعالى: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُونَ﴾ ،" التلقية جعل الشيء لاقياً، أي: مجتمعاً مع شيء آخر، وهو مستعمل في الإعطاء على طريقة الاستعارة، أي: لا يعطى تلك الخصلة أو السيرة إلا الصابرون " ((١)) . المعنى العام ١. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ﴾ : أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل بها الثواب في الدنيا والآخرة. ٢. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ : فقد اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس، والجمهور: لا تضيع عمرك في إلا تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها، فالكلام على هذا التأويل شدّة في الموعظة. وقال ابن عطية: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن، وقتادة: معناه لا تضيع حظك من تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك ((٢)) . ٣. ﴿وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ : فيه عدة تأويلات: أحدهما ـ أعط فضل مالك كلما زاد على قدر حاجتك، وهذا معنى قول ابن زيد. ثانيا ـ وأحسن فيما افترض الله عليك كما أحسن في إنعامه عليك. قاله يحيى بن سلام. ثالثا ـ أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الحلال ((٣)) .

стр. 248

رابعا ـ وقال القرطبي: " أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك. ومنه حديث ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) ((١)) . وقيل هو أمر بصله المساكين. قال ابن عربي: فيه أقوال كثيرة: جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله ((٢)) . ٤. ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ : قال البقاعي: " لا ترد إرادة ما بتقتير ولا تبذير، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم اتبع ذلك علته لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب، فقيل: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، أي: لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم " ((٣)) . ٥. ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ : يقول الله في هذه الآية مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير فيه خمسة أقوال: أحدها ـ على علم عندي بصنعة الذهب رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: وهذا لا أصل له، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له ((٤)) . والثاني ـ يرضى الله عني. وقال ابن كثير: وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الحمن بن زيد بن أسلم فإنه قال في قوله: ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ، قال: لولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال. وقرأ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأكْثَرُ جَمْعاً﴾ . وقال: هكذا يقول من قلَّ علمه إذا رأى مَنْ وسّع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي ((٥)) .

стр. 249

الثالث ـ على خبرِ عَلِمَهُ، قاله مقاتل. الرابع ـ إنما أعطيته لفضل علمي، قاله الفراء. قال الزجاج: ادعّى أنه أُعطي المال لعلمه بالتوراة. الخامس ـ على علم عندي بوجوه المكاسب، حكاه الماوردي ((١)) عن ابن عيسى. ٦. ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأكْثَرُ جَمْعاً﴾ : قال المراغي: في معناها " أَنسي ولم يعلم حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي؟ إن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هم أشد منه بطشاً وأكثر جمعاً للأموال؟ ولو كان الله يؤتى الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ورضاه عنه، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالاً، لأن من يرضى عنه فمحال أن يهلكه وهو عنه راضٍ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطاً، ألم يشاهد فرعون وهو في أبَّهة ملكه، وحقق أمره يوم هُلْكه، وفي هذا الأسلوب تعجيب ما من حاله، وتوبيخ له على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك " ((٢)) . ٧. ﴿وَلا يُسْالُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ : " فأخرج أبي حاتم عن قتادة في معنى هذه الآية يقول: المشركون لا يسألون عن ذنوبهم، يعذبون ولا يحاسبون. وأخرج أبي حاتم عن الربيع بن أنس قوله: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا ولكن أعطوها في كتب فلم يشكوا الظلم يومئذٍ، ولكن شكوا الإحصاء. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُم﴾ ((٣)) أي: سود الوجوه زرقاً، الملائكة لا تسال عنهم قد عرفتهم، كما روي عن مجاهد ((٤)) . ٨. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ :

стр. 250

قال ابن عطية: " إن قارون خرج على قومه وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينته الدنيا. قال جابر، ومجاهد خرج: في ثياب حمر. وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة. وقيل: في ثياب الأرجوان ((١)) . وقيل غير هذا. وأكثر المفسرين في تحديد زينة قارون وتعينها بما لا صحة له " ((٢)) . ٩. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ : أي: الذين معه تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم ليس لهم إرادة في سواها ((٣)) . ١٠. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أوتِيَ قَارُونُ﴾ : من الدنيا ومتاعها وزهرتها. ١١. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ : وصدقوا إنه لذو حظ عظيم لو كان الأمر منتهياً إلى رغباتهم، وإنه ليس وراء الدنيا دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعيم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم، وأن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطالبها لمن أدنى الهمم وأسفلها، وليس لها أدنى صعد إلى المرادات العالية والمطالب الغالية ((٤)) . ١٢. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آوتُوا الْعِلْمَ﴾ : قال أبو السعود: " أي بأحوال الدنيا واكثر المفسرون كما ينبغي وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيهاً على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبال على الثانية حتماً، وأن تمني المتمنين إلا لعدم علمهم بها كما ينبغي " ((٥)) .
следующие страницы →