ونجد إعجاب بعض الجهلة بالعولمة التي لا يدرون مآلها ومآلهم معها من قوله تعالى في السورة نفسها: ﴿قَالَ الذين يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ((١)) ، وفي عصرنا تكفلت وسائل الإعلام كلها بتحبيب نموذج العولمة للأذهان، فصار الناس يتشدقون: إن العولمة في هذا العصر هي (الحظ العظيم) ، وهذا ما وسوسه الشيطان الرجيم ـ لعنه الله بلعنته ـ في قلوب الناس.
ثم نجد مصير قارون في الخسف هو عين ما يتوقع المنظرون الاقتصاديون للعولمة من مصير (التفكك) في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ ((٢)) ، ويبين الله الحقيقة على لسان الذين اغتروا بقارون بعد أن رأوا أمثاله (وفي عصرنا بعد أن يروا تفكك العولمة) ، في قوله حاكياً عنهم قولهم: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمن يَشَاءُ من عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ ((٣)) ، ويقرر القرآن الكريم دلالة حقيقة الاقتصاد العالمي في كل نظرياته بقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ من جَاءَ بِالْهُدَى وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ((٤)) ، بمعنى أن النظريات الاقتصادية في هدايتها وفي ضلالها إنما جاءت بمعناها العام لتدل على الخصوصية الاقتصادية العالمية، لأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد هداية خاصة، والاقتصاد العالمي المعولم اقتصاد ضلال يهودي ربوي، فبان الفرق بينهما في دلالات الآية.
стр. 597
وبذلك كانت سورة القصص دالة كل الدلالة على وجه الشبه بين أموال قارون واقتصاد العولمة، والخسف والتفكك الذي أصاب وسيصيبها قديماً وحديثاً ((١)) .
المطلب الرابع: الاستعداد لمواجهة الطغيان الأميركي من خلال سورة القصص
لقد أمر الإسلام الحنيف المؤمنين كافة بالاستعداد وإعداد العدة لأعداء الله ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ وَمن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ((٢)) .
لذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية خشيت الاستعداد للجهاد، فبدأت تطالب بإلغاء تدريس آيات القتال في العالم الإسلامي، وخشيت قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ ((٣)) ، فاخترعت مصطلحاً وترجمته للعربية بالفعل (ر. هـ. ب) ، وجعلته كلمة مكروه هو (الإرهاب) ، كما كره الغرب للناس من قبل كلمة الاستعمار في ترجمته لها، وهي كلمة قرآنية: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ((٤)) ، (فنسب الاستعمار لله وهذا من فساد حياتنا اللغوية! .
وهكذا فإن الاستعداد لمواجهة العدو الكافر المشرك ثابت في كل آيات القتال الكريمة ظاهراً وباطناً، غير أنا نجد في سورة القصص آيات كثيرة تتعلق دلالتها الماضية بما سبق، ودلالتها الحاضرة بالوضع العام العالمي الذي نعيشه في عصر الطغيان والهيمنة الأميركية على العالم.
стр. 598
وتتلخص آليات الاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وكل من كان على شاكلتها في سورة القصص في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) .
فإن هذه الآية في دلالتها العامة والخاصة تشمل الاستعداد بالقوة لوراثة الأرض من أميركا التي استضعفت المؤمنين.
ثم نجد أن قوله تعالى: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((٢)) ، يدل في دلالته الحديثة المعاصرة على أن ما وعد به الله في الثواب الكريم، ورسوله ﷺ في السنة النبوية الشريفة من انتصار الإسلام بعد أخذ الحذر والاهبة والاستعداد لقتال الكفرة واليهود، هو أمر متحقق إن شاء الله العلي العظيم.
ولا ننسى هاهنا أن أميركا تمثل اليهود، وأن الوعد النبوي الذي ما ينطق صاحبه عن الهوى ﵊ بقتال اليهود والانتصار عليهم، يشمل أميركا بدلالته، وهو ما نجده في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ ((٣)) .
ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ((٤)) ، فالآية تدل على أن من فعل فعل فرعون وهامان وجنودهما ملعون في الدنيا، وفي الاستعداد لمواجهة أميركا (فرعون العصر وهامانه) ، (إذا جاز لي هذا التعبير) ، نجد أن أميركا (أمة ملعونة) كما وصفها بعض أبنائها من قبل! .
стр. 599
ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا في سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً من رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ من نَذِيرٍ من قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((١)) .
وضمن الاستعداد لمواجهة أميركا نجد دلالة قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ((٢)) ، وأي ظلم يجب الاستعداد لملاقاته أشد من ظلم الولايات المتحدة الأميركية منذ نشؤها (وقتلها للهنود الحمر) حتَّى اليوم (في عدوانها على أفغانستان بدعوى محاربة الإرهاب) ؟ ! .
ثُمَّ نلاحظ من سمات الاستعداد لمواجهة أميركا دلالة توجيهية لأخذ أميركا بذنوبها بعد أن اعترف شهودها بأن لا برهان لهم على ما تفعله حكومتهم بالعالم، وهو قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَنَزَعْنَا من كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((٣)) .
ثم خاتمة مطاف الاستعداد لمواجهة أميركا في قوله تعالى في وصف الآخرة مقابل الدنيا الزائلة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٤)) ، مع أن المبدأ الأساسي لأميركا هو:
العلو في الأرض.
الفساد في الأرض.
стр. 600
وهو ما أوجب على المسلمين أن يستعدوا ما وسعهم الاستعداد للملحمة الكبرى التي تستعد لها أميركا في أدبياتها النصرانية تحت اسم (هار مجدون) ، إذ يظنون أنهم باستعدادهم لملاقاة المسلمين سيعيدون مملكة (يسوع المسيح) في ألفيتها حسب مزاعمهم، وهو ما قرره الكبراء منهم من قسسهم وحاخاماتهم ودجاليهم المنبئين.
أما الاستعداد الإسلامي لذلك فنجده مندرجاً تحت قوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((١)) ، على الذي تحقق من دلالته قديماً وحديثاً في التراث والمعاصرة، كما لا يخفى على أحدٍ.
المبحث الثاني: السنن الإلهية في زوال الأمم وسقوط الحضارات في سُوْرَة الْقَصَصِ
المطلب الأول: الزوال ـ نهاية أميركا مقارنة بفرعون وهامان وقارون في سُوْرَة الْقَصَصِ
إن من خصائص النص القرآني أنه نص متجدد يصلح في دلالاته للماضي والحاضر والمستقبل في الدنيا والآخرة على ما قرره العلماء، ونحن يمكن أن نفهم دلالاتها الحقيقية في دلالات معاصرة على أمور نعلم أن الله يعلم بها جميعاً وبأعمالها بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ((٢)) .
لذلك فليس عجيباً أن نجد أن النهاية التي انتهى إليها فرعون وهامان وجنودهما وقارون، هي عين ما يتوقع المنظرون السياسيون وعلماء علم المستقبليات السياسي من الغربيين للولايات المتحدة الأميركية في قابل أيامها ومستقبل أعوامها.
ويمكن على وجه من الوجوه رؤية الزوال الفرعوني الهاماني القاروني في الزوال الذي وقع زلزالاً صبيحة ١١ / أيلول / ٢٠٠١ م في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا وسمي باسم (أحداث الحادي عشر من أيلول) على ما هو مشهور معروف!
ونحن في قراءتنا المعاصرة الدينية لسورة القصص، نجد أن هنالك نقاطاً تحذيرية ـ تنبيهية كثيرة، عن الزوال الأعظم في الماضي والحاضر:
стр. 601
زوال الماضي هو زوال فرعون وهامان وقارون والجنود.
زوال الحاضر هو زوال أميركا وإسرائيل وجنود العولمة.
ولا ريب أن ذلك منصوص عليه بصورة أكثر صراحة في كثير من أحاديث رسول الله ﷺ ، ولا سيما ما نجده في أبواب الفتن ((١)) .
غير أننا في تحليلنا لسورة القصص نجد الأمر بوضوح كبير يكاد لا تخطئه العين.
إن هلاك فرعون وهامان وقارون وجنودهم جميعاً في الماضي التاريخي إنما كان بسبب عوامل أسلفنا الحديث عنها في الفصول الماضية ولا ريب في أن هذه العوامل نفسها ستكون سبب في زوال وهلاك أميركا وإسرائيل وجنود العولمة في العصر الحديث، وذلك كما يقول الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الْكِتَابَ من بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٢)) .
стр. 602
وهكذا نجد أن قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) يشمل اليوم في دلالاته المسلمين والإسلام، لأنهم استضعفوا في الأرض بعد أن تفرقوا قبل بروز الصحوة الإسلامية، ثم أنهم الآن الأئمة، ولا ريب في أن الوعد الإلهي حق في أن الوراثة لهم، ولا وراثة قبل هلاك أميركا وزوالها، وذهاب دولة إسرائيل على ما ورد في سورة الإسراء، وفي أحاديث رسول الله ﷺ عن مقاتلة اليهود مصداقاً لهذه الآية من سورة القصص ((٢)) .
وعن الزوال في سورة القصص نجد قوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((٣)) ، وهذا يشبه إلى حد كبير ما ابتدأت أميركا وإسرائيل والجنود يروه من علامات الزوال:
أميركا وأحداث ١١ / أيلول (مقابل فرعون) .
إسرائيل وانتفاضة الأقصى المباركة (مقابل هامان) .
جنود العولمة وحركات مناهضة العولمة (مقابل قارون) .
وهذا من الأدلة على الصدق الإلهي للنص القرآني.
стр. 603
ونجد قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ((١)) ، إن أميركا تهاوت تحت ضربات أعدائها، وان الأحزاب تغلغلها وتعمها كل العموم في هذا العصر الحديث، مثلما حدث من قبل لفرعون وآله.
ونجد أن الإسلام في العصر الحديث في صحوة بالعودة إلى القرآن الكَرِيم والسُّنَّة النَبَوِيَّة. وهو ما يدل عليه بعض الدلالة قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ ((٢)) .
ثم نجد أن دلالة قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) ، هي دلالة متجردة تصلح لوصف زوال أميركا بها، وهي في وسط البحار التي تحيط بها والمحيطات، وهذا من عجائب الأقدار الإلهية إغراق فرعون في اليم، وزوال أميركا في أرضها وسط بحارها وحيدة مع جنودها.
ثم نجد في سورة القصص أن قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ((٤)) ، يدل على قرب زوال أميركا باقتضاء النص لمعانيه الكامنة بين الماضي والحاضر والمستقبل، بل إن هذا النص أجود القواعد القرآنية الدائمة التي حددها العلماء لزوال الأمم والحضارات وفق العقيدة القرآنية.
стр. 604
ونجد كذلك أن ما يدل على زوال أميركا وإسرائيل في سورة القصص زوال العولمة وتفككها، بدليل قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ ((١)) الذي نستطيع نحن في القراءة التفسيرية الدينية أن نربط الماضي بالحاضر وصولاً إلى آفاق المستقبل، وذلك قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ ، لأن هذه الآية تصف وصفاً معاصراً كيف أن الخسف (مع الإغراق) بكل معانيها الحالية والحقيقة المجازية هو مصير عولمة أميركا الإسرائيلية بـ (الوصف السياسي الحديث) ، وهذا من عجائب إعجاز التنبؤات القرآنية في سورة القصص.
стр. 605
المطلب الثاني: مصير الكفرة في العصر الحديث مقارنة بسُوْرَة الْقَصَصِ
من المعروف لدى كافة المفسرين أن النصوص القرآنية في تجددها ذات دلالات تشمل ما مضى وما سيأتي، وأن قواعدها الكلية بمعنى القواعد العامة تشمل كل الناس، وكل الأمم، وكل الأزمنة والأمكنة، وبذلك حللنا في المطالب الماضية علاقة فرعون بأميركا وإسرائيل، وسنحاول في هذا المطلب استعراض الصورة القرآنية لمصير الكفرة في العصر الحديث في سورة القصص من خلال تجدد دلالات الآيات فيها على ما نراه في الصفحات التالية وفق النقاط الآتية أدناه المستنبط بعضها من قوله تعالى فيها في المقارنة بين المؤمنين والكافرين: ﴿أَفَمن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمن مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ من الْمُحْضَرِينَ﴾ ((١)) ، وهذا هو عين وصف مصير الكافرين في الدنيا والآخرة، أما مصير الكافرين في سورة القصص فيتحدد في:
إن الكافر يعلو في الأرض: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ﴾ ((٢))
إن مصير المؤمنين وراثة الكافرين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ﴾ ((٣)) .
إن الإمامة والوراثة الإيمانية تكون بعد الإمامة والوراثة الكفرية ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((٤)) .
إن التمكين الإيماني في مقابل الزلزلة الكفرية: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((٥)) .
إن الهزيمة مصير الكافرين كلهم: ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يحذرون﴾ ((٦)) .
стр. 606
إن وعد الله حق للمؤمنين: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((١)) .
إن الكافر مهما بلغت قوته لا يصل إلى المؤمن: ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ ((٢)) .
إن مصير الاستكبار والكفر الهزيمة والفشل: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) .
إن الكفرة ملعونين في الدنيا مقبوحين في الآخرة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ﴾ ((٤)) .
إن مصير الكفر الهلاك: ﴿من بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ ((٥)) .
إن الكفرة في مصيرهم يتبعون أهواءهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمن أَضَلُّ مِمن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغير هُدًى من اللَّهِ﴾ ((٦))
إن الكفرة لا يهتدون لظلمهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ((٧))
إن مصير بطر الكافرين هو الهلاك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ((٨))
стр. 607
إن الهلاك لا يكون إلا بعد ظهور الحجة على الكافرين بظلمهم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ((١))
إن العذاب مصير الكافرين: ﴿وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ((٢)) .
العمى مصير الكفرة: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ((٣)) .
إن القوة والجمع ليست بمنجية من عذاب الكافرين: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ ((٤)) .
إن الخسف مصير الكافرين: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ ((٥))
لا ناصر للكافرين بعد العذاب في الدنيا والآخرة: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ ((٦)) .
إن الرجوع والمال والمآب والمعاد إلى الله : ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٧)) .
стр. 608
وبهذه النقاط المهمة المستخلصة تحليلياً من مضامين سورة القصص نجد أن لا شيء يعادل الكفرة في كفرهم بالله على علم منهم، لذلك كانت آيات سورة القصص تفسر لنا بعض دلالات قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمن يَشَاءُ﴾ ((١)) ، لأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً، وهذا من استدلالاتنا الحديثة في تحليلنا الاستقرائي المعاصر لدلالات سورة القصص الشريفة.
فلا يغترن أحد بما عليه الكفار اليوم من رغد العيش وتسلط على البشر، وتقدم علمي يريد الله أن يبتليهم به. قال تعالى: ﴿وَالذين كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ((٢)) . هذا من جانب، وأن من سنن الله في خلقه أن من عمل وسعى وبذل جهده وطاقته في تحصيل مقصد وصل إليه، فالمسلمون حين يستجمعون أسباب التوفيق والتمكين المادية والمعنوية فإنهم يصلون في القيادة والريادة إلى ما وصل إليه الغرب وأكثر، فالمسلمون يملكون العون من الله والتوقيف لأنهم حملة دينه، وحماة شرعه.
المطلب الثالث: مبشرات انتصار الإسلام في مفهوم ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾
مع آيات نصر المؤمنين في سورة القصص
في العقيدة الإسلامية الحقة الحقيقية، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة من أهل الحق، نجد تقريرات مهمة لآخر الزمان من عمر الدنيا تشمله كلمتان جامعتان (انتصار الإسلام) .
стр. 609
وذلك هو الوعد الإلهي الذي تكفل به للمؤمنين، وجعله ضمن أشراط الساعة قبل أن تقوم الساعة على شرار الناس، وليس على الأرض من يقول (الله ... الله) ، كما ورد في حديث النبي ﷺ ((١)) .
ونحن نجد أن ضمن الدلالات الاستنباطية من مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ((٢)) ، يمكن لنا أن نفهم منه، وكما فهم بعض القدماء من قبل أن معاد (مكة المكرمة) مع أنه (يوم القيامة) ـ كما قال المفسرون القدماء ـ ((٣)) فهماً جديداً ذا دلالات جديدة في موضوع (انتصار الإسلام) .
فالمنة الإلهية بفرض القرآن الكريم على رسول الله ﷺ اقترنت بلام التوكيد برد الرسول ﷺ إلى معاد، يمكن لنا أن نفهمه على أنه انتصار الإسلام مع دلالته الحقيقة على يوم القيامة.
وهذا النص القرآني تعززه شواهد كثيرة في سورة القصص ضمن مبشرات الإسلام بانتصاره، فالدلالة العامة لقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((٤)) هي عين الدلالة التي تدل على انتصار الإسلام بعد استضعاف أهله، وإعادة الإمامة العظمى للإسلام ووراثة الإسلام للأرض فينتشر فيها، بعد أن يتمكن المسلمون من الأرض عند زوال قوم الكفر والشرك
(أميركا وإسرائيل ومن تابعهم على حد سواء) .
стр. 610
ودلالة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَخَافي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ((١)) ، يمكن أن تشمل فيما تشمله من دلالات حقيقية أمراً للمسلمين بأن لا يخافوا علو أميركا وإسرائيل، ولا يحزنوا من الهزيمة في معركة إذا ضمنوا من خلال مبشرات سورة القصص ربح الإسلام للحرب كلها.
ودلالات قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((٢)) ، يستنبط منها أن قرة عين المسلمين بالانتصار الإسلامي القادم الذي أخبر به رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة متواترة (في الصحيحين والسنن الأربعة والمسند والموطأ) ((٣)) ـ سنذكرها لاحقاً ـ سيكون تحقيق للوعد الإلهي الحق، ولكن بعض الناس لا يعلمون ذلك، إما كفراً أو استعجالاً لقدر الله ﷻ ، وهو من الأشياء المنهي عنها.
ونجد في سورة القصص ضمن مبشرات انتصار الإسلام العامة والخاصة المتعلقة بقوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ، قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ((٤)) ، وقد هدي المسلمون بالقرآن الكريم والسنة النبوية إلى سواء السبيل لو انهم تمسكوا بها، فإن تمسكوا بها هدوا إلى ذلك السواء وانتصروا على كل أعداء الإسلام، حتَّى وإن كانوا أشد منهم قوة وجمعاً أو لم يعلموا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ ((٥)) .
стр. 611
ونجد في سورة القصص أن قوله : ﴿وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا﴾ ((١)) ، يمكن أن تجعل كل مؤمن ومسلم يتوكل على الله ويدعون بدعاء صادق وبدعوتهم لكل أمة مُحَمَّد ( ﷺ ) بالنصر بدليل دعاء موسى لأخيه هارون ﵉ بالغيب.
أما قوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ ((٢)) ، فإنه شامل لكل من آمن بموسى وهارون ـ عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ والمسلمون جميعاً يؤمنون بهما ويتبعونهما وفق قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بين أَحَدٍ من رُسُلِهِ﴾ ((٣)) ، فحقت حقيقة الوعد الإلهية بالغلبة للمتبعين، وهذا من المعاني الدلالية الكامنة.
ونجد في سورة القصص أن قوله تعالى: ﴿وَمن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ((٤)) ، يشمل أمة الإسلام التي جعلت لها في جاه رسول الله ( ﷺ ) عاقبة الدار، ولا شك أنها اليوم بحاجة ماسة إلى أن تعيد صلتها بعاقبة الدار، لتكون الأمة في انتصارها مع المصطفين الأخيار.
ونجد ضمن مبشرات انتصار الإسلام القادم ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ في سورة القصص قوله عز من قائل: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٥)) ، فدلت هذه الآية في بناءها ومعناها أن عاقبة الظالمين تشمل كل ظالم، كافر في كل جيل من الأجيال القديمة والحديثة والقادمة على حد سواء، وهذا وعد من الوعود الإلهية الغنية بانتصار الإسلام.
стр. 612
ولعل ذلك هو المقصود بقوله تعالى ـ وهو عندي أبلغ الأدلة من سورة القصص على انتصار الإسلام ـ إذ يقول ﷻ : ﴿أَفَمن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ ((١)) .
ومن بشارات انتصار الإسلام في سورة القصص قوله ﷻ ﴿فَأَمَّا من تَابَ وَآمن وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ﴾ ((٢)) ، والفلاح في بعض معانيه النصر والظفر والفوز والغنيمة في الدنيا والآخرة.
ومن مبشرات انتصار الإسلام في سورة القصص قوله فيها: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ ((٣)) ، ونحن نعلم أن الحق الذي وعد الله به هذه الأمة هو النصر على أعدائها، وإعلاء كلمة الله ﷻ العليا.
ثم نجد في سورة القصص حقيقة قرآنية هي قوله في وصف ديمومة الانتصار الإسلامي في الدنيا والآخرة، ضمن مبشرات سورة القصص، وذلك قوله في وصف الآخرة والدنيا باب الآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها﴾ ((٤)) .
والمسلمون من صفاتهم الجماعية:
إنهم لا يريدون علو في الأرض.
إنهم لا يريدون الفساد.
إن التقوى لهم.
انهم يجيئون بالحسنة.
انهم يعرفون مزية الإحسان بالتقوى والحسنات.
فدلت هذه الصفات بمجموعها على وجود مبشرات كثيرة على الانتصار الإسلام ـ إن شاء الله العلي العظيم بحوله وقوته ـ.
стр. 613
ونجد بعد ذلك في سورة القصص قوله تعالى: ﴿إِلاَ رَحْمَةً من رَبِّكَ﴾ ((١)) ، وديمومة الرحمة في كلّ شيء تدلّ على انتصار الإسلام، وفق هذه المبشرات التي وردت في سورة القصص، والتي يمكن لنا من استخلاص نتائجها أن نقرر استناداً لها أن انتصار الإسلام والمسلمين قريب قادم على ما تقدم بيانه في هذا المطلب والمطالب التي سبقته من مباحث هذا الفصل، فإننا باستبشارنا بنصر الله لهذه الأمة استندنا إلى عدة أسباب جاء قسم منها في سُوْرَة الْقَصَصِ وفي غيرها، وهي:
تحريم اليأس: فلا يجوز للمسلم أن ييأس أبداً، فاليأس قرين الكفر والضلال.
بشارة المؤمنين بنصر الله.
الصراع الدائم بين المسلمين وأعدائهم، دال على قوة المسلمين وخوف الأعداء منهم، لذا كانوا وما زالوا يكيدون للإسلام والمسلمين لما يرونه في الإسلام من مظاهر القوة.
الصحوة التي يشهدها الإسلام اليوم والرجوع الصادق إلى الله تعالى.
التاريخ المجيد للأمة العربية الإسلامية الذي يمد المسلمين بالعبر وما فيه من دروس تجاوزت فيها الأمة المحن.
واقع الحضارة الغربية الآيلة للانهيار، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وأما الرأسمالية التي تمثلها اليوم أمريكا، فإن واقع المجتمع الأمريكي يحمل أسباب دماره وهلاكه، جراء تفشي الأمراض الخطرة في ميادين الحياة كافة. وسنعرض بعض الحقائق المهمة التي ربما كانت غائبة عن عيون المنبهرين بالغرب وبحضارته الزائفة، ففي ذلك يقول كولن ولسن يصف عمران نيويورك وازدهارها المادي بأنه " غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء " ((٢)) . فالعاصمة الأمريكية عاصمة الخوف والجريمة، يستيقضون كلّ صباح على جريمة قتل، أو سرقة، أو غير ذلك من الجرائم التي ترتكب ببشاعة. وأن عدد الجرائم قد زادت
стр. 614
المطلب الرابع: القواعد الكلية للمجتمعات الإنسانية في سُوْرَة الْقَصَصِ
من المعلوم شرعاً وعقلاً أن هنالك في كل أنواع الفكر السياسي القديم والحديث قواعد كلية تسير عليها الأمم في سلوكياتها العامة للأخذ بالدين والدنيا، والحاضر والمستقبل. وهو ما يطلق عليه في علم السياسة الحديث اسم (قيم الأمم) .
وفي القرآن الكريم مجموعة واسعة موحدة من هذه القواعد الكلية الشمولية التي تصلح في كل عصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل أمة من الأمم، على اختلاف توجهاتها الفكرية والدينية والخلقية، وتستوي في ذلك الحضارات والثقافات والقوميات والأعراف، لأن هذه القواعد السياسية (وعندنا ما أسميناه القواعد الكلية القرآنية) تصلح بمجملها لكل المجتمعات الإنسانية.
ونجدها في القرآن الكريم إما مفرقة أو مجموعة في مكان واحد، وهذه القواعد يمكن وصفها بأنها تحوي الصادق، كون مصدرها إلهي غير إنساني، بمعنى أنه كما لا يخفى لا يتطرق إليه الخطأ، وحاشا لله .
وفي استعراضنا لسورة القصص في هذا الفصل بمجمله الذي هو أشبه بالقراءة السياسية التأويلية لمضامينها ومعانيها، نجد أن سورة القصص أكدت على جملة من هذه القواعد الكلية التي هي عامة غير خاصة لكل المجتمعات الإنسانية.
وسوف نحاول هاهنا عرضها وفق الفهم التحليلي التأويلي الحديث، بمعنى أننا سنعطي القاعدة، ثم دليلها من سورة القصص للوصول أثناء ذلك إلى تمثل أكبر وأدق وأشمل وأكمل لكل الأهداف التي احتوتها سورة القصص في معانيها الظاهرة
والباطنة:
إن لكل أمة أو مجتمع إنساني وقتاً للاستضعاف ووقتاً للنصر ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) .
стр. 615
إن الظالم في طغيانه لا بد له من ملاقاة ما يحذره ﴿وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((١)) .
إن الظالم الخاطئ لا بد له من عدو يحزنه قد يكون قريباً منه ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ((٢)) .
إن الوعد الإلهي صادق مهما طال الزمن. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((٣)) .
إن جزاء كل محسن الحكم والعلم. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكما وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ((٤)) .
إن القتل الخطأ من عمل الشيطان لعنه الله بلعنته ﴿فَوَكَزَهُ موسى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هذا من عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبين﴾ ((٥)) .
إن المعجزات الإلهية لا تماثلها خارقات العادة ولا الكرامات. ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ من رَبِّكَ﴾ ((٦)) .
إن من جعل الله له سلطاناً فليس بواصل إليه أحد ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ ((٧)) .
إن التقليد المخطوء في العقائد سنة الجهلة. ﴿مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهذا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ((٨)) .
стр. 616
إن الملك في علم الله ﷻ . ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمن جَاءَ بِالْهُدَى من عِنْدِهِ وَمن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ((١)) .
لا فلاح لظالم. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ((٢)) .
إن استكبار الظالم وجنوده مصيرهم الهلاك. ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) .
إن الظالم ملعون دائماً وأبداً في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ((٤)) .
إن طول العمر مضل للأمم ومجتمعاتها. ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ ((٥)) .
إن التكذيب لله ورسله قد يكون خاصاً وعاماً بذريعة أو بغير ذريعة ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ من عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ موسى من قَبْلُ﴾ ((٦)) .
إن اتباع الهوى مضل. ﴿أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمن أَضَلُّ مِمن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغير هُدًى من اللَّهِ﴾ ((٧)) .
لا هداية للظلمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ((٨)) .
стр. 617
إن الهداية الإلهية للمجتمعات الإنسانية بأمر الله ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ((١)) .
إن البطر مؤداه الهلاك. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ((٢)) .
إن مساكن الأمم والمجتمعات الهالكة قليلاً ما تسكن من بعدهم ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً﴾ ((٣)) .
إن وراثة الملك لله وحده. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ((٤)) .
إنه لا هلاك إلا بعد إنذار لأي مجتمع من المجتمعات. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ((٥)) .
أن كلّ ملك زائل. وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ((٦)) .
أن الغوي قد يغوي الآخرين. أَغْوَيْنَاهُمْ كما غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ ((٧))
أن التوبة والعمل الصالح نتيجتهما الفلاح. ﴿فَأَمَّا من تَابَ وَآمن وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ﴾ ((٨)) .
стр. 618
أن العلم مهما تطور لا يمكن إيجاد الخلق فيه. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ((١)) .
أن كل فرية تضل في الدنيا والآخرة. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((٢)) .
لا قيمة للفرح الإنساني بالمال. ﴿لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ((٣)) .
الموازنة بين الدنيا والآخرة من رجاحة العقل. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا﴾ ((٤)) .
أن الفساد مؤداه الهلاك في الأمم والمجتمعات. ﴿وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٥)) .
أن التقانة العملية والتطور والتقدم في المعارف لا يعني الخروج من الهلاك الساحق بالكفر والظلم. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ ((٦)) .
أن الأجرام لا يحتاج إلى إيضاح. ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ ((٧)) .
أن الهلاك الضاري لا ناصر له ولا يُنصر. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ ((٨)) .
لا فلاح لكافر مهما بلغ ماله من الكثرة. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ((٩)) .
стр. 619
إن الحسنة والسيئة لهما جزاء محدد من الله لكل المجتمعات. ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((١)) .
أن النصر الإلهي لا بد أن يأتي لمن آمن وعمل بالكتاب. ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ((٢)) .
إنه لا يجوز أن يكون المؤمن ظهيراً للكافر. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ ((٣)) .
أن كل الكون زائل ولا يبقى إلا الله . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ ((٤)) .
إن الحكم لله . ﴿لهُ الْحُكْمُ﴾ ((٥)) .
أن الرجوع في الدنيا والآخرة لله . ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٦))
وبذلك يمكن بالابتعاد عن القواعد المذمومة، والقرب من القواعد المحمودة، والإيمان بما يجب الإيمان به منهما، أن تتوحد المجتمعات الإنسانية كلهما، إلى العودة إلى الفطرة الإلهية من خلال هذه القواعد الكلية الثبوتية حكما في سورة القصص الشريفة.
الخاتمة
وبعد فقد كانت هذه الأطروحة محاولة للقيام بتحليل سورة منفصلة على حدة وإبراز مكانتها التي تدل على ما فيها من عظات وعبر.
وإذ أعانني الله ﷻ على إتمامها أجدني قد توصلت من خلال عملي إلى جملة من النتائج والاستنتاجات التي ظهرت من البحث نفسه أوجزها في النقاط الآتية
стр. 620
إن هذه السّورة في حد ذاتها ضمن سياق باقي السور القرآنية، فيها دلالات متعددة، وأوجه مختلفة للإعجاز القرآني. ولعل صيغها اللغوية وما يستنبط من تلك الصيغ من معانٍ وأفكار كان أحد تلك الأوجه.
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ ربطاً متواصلاً لماضي التاريخ وحاضر الدعوة ومستقبل الأمة.
إن النصّ القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ يمكن وصفه بأنه نص متحرك المعاني والدلالات بمعنى أنه يصلح في جملة معانيه وجملة دلالاته لفهم أدق للإيمان الواحد والمصير الواحد والمآل الواحد.
كانت سُوْرَة الْقَصَصِ إحدى السور التي امتازت ببناء الجملة الطويلة وتعداد آلاء الله وتأسية رسول الله ﷺ بما مضى وتلك بعض خصائص السور المكية.
تبرز في سُوْرَة الْقَصَصِ إرشاداتها الوعظية رداً على جميع أولئك الذين رفضوا تحكيم شرع الله وحاولوا الخروج على السنن والحدود الإلهية.
أبرزت سُوْرَة الْقَصَصِ معالم تكون الأمة والدولة والمصير الذي يصيب الطغاة بقوته، أو بماله.
إن النصّ القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ هو نص متدرج في مقاطع يرتبط بعضها ببعض وفي ذلك رد على تلامذة المستشرقين الذين لمحوا إلى تفكك النصّ القرآني.
إن القصة القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ وفي باقي سور القرآن الكريم استناداً إلى ذلك هي نص تاريخي واقعي وليست رمزاً، أو أسطورة، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين ممن أعماهم الحقد على الإسلام.
إن قضية تكرر القصة القرآنية في عدة آيات بصيغة متشابه أو مختلفة هي بعض مناحي الإعجاز الوصفي في القرآن الكريم، وذلك لأن الصياغة إذا اختلفت في الأمر الواحد دلت على القدرة في بلاغة الوصف وهكذا فإن قصة موسى ﵊ في سُوْرَة الْقَصَصِ هي صياغة أخرى للقصة نفسها، ولكن وقف جمل وعبارات تؤدي معاني أرادها الله في موضعها.
стр. 621
إن المعنى العام في سُوْرَة الْقَصَصِ يؤكد تأكيداً كلياً على أن أي قوة عسكرية أو أي فساد وطغيان، وأي اقتصاد أريد به الإفساد في الدنيا، إنما يكون مآلهم إلى الهلاك.
بشرت سُوْرَة الْقَصَصِ برسول الله ﷺ وللأمة من بعده بحتمية النصر الإلهي مها طال الزمن أو مهما استبد الطغاة بطغيانهم.
إن الأهداف العامة في سُوْرَة الْقَصَصِ تؤكد على أن وراثة الأرض لا تكون إلا للمؤمنين وأنه لا بد من مآل ورجوع إلى الوطن والأمة في أحلك أوقات الأزمات وهو وعد إلهي تحقق وسيتحقق.
تحتوي سُوْرَة الْقَصَصِ على أسس متكاملة لقواعد بناء الدولة في المنظور السياسي والأخلاقي وهي بذلك تنطق بالواقع وتقدم الصورة المثلى للدولة لئلا تظاهر كافراً، أو طاغية، أو تغتر بهما.
إن القيم الأخلاقية في السّورة هي منظومة سلوكية تجعل الإنسان الملتزم بها يتخلق بأخلاق القرآن الكريم.
إن تطور تفسير القرآن الكريم في ربطه للماضي بالحاضر بين قدامى المفسرين ومحدثيهم ودارسي النصّ القرآني كلياً وجزئياً أبرز لنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ ما زالت تحتمل تفسيرات حديثة تنطق بالواقع المعاصر وهكذا فإن إلحاح العالم الإسلامي في تصريحاته وخطبه على تشبه دولة فرعون بالولايات المتحدة الأميركية وقادتها بقائدها، يمكن أن تجد بعض جوانب الصحة في القراءة المعاصرة لسُوْرَة الْقَصَصِ.
إن سُوْرَة الْقَصَصِ كانت لها أغراض ومقاصد تتناسب مع فترة نزولها، والبيئة التي نزلت فيها.
إن آيات السّورة قد تناسبت وتناسقت في التحليل البلاغي في انتظام بما قبلها وما بعدها بل وتناسبت في مقاطعها بين أولها وآخرها.
تضمنت سُوْرَة الْقَصَصِ صوراً بلاغية وحكمة في استخدام الجمل
стр. 622
إن هناك مجموعة من دلالات التوحيد التي أظهرت أن الله هو الذي بيده كلّ شيء وهو المتفرد بالوحدانية وأنه هو المؤثر في هذا الكون، ودلالة وصف المرأة التي كانت في سُوْرَة الْقَصَصِ أماً وزوجةً في إيمانها بالله ، وقد أبرزت أن قيمة الزمن في السّورة قيمة متجددة، ثُمَّ أبرزت دلالات التربية والسلوك، وتحتوي على قواعد شمولية سبقت العلم الحديث.
إن الشخصية الإسرائيلية اليهودية في سُوْرَة الْقَصَصِ تتراوح بين ثلاثة أقسام هي: الذلة والضعة. الاعتداء والبغي. الكفر بالمال والحسد.
إن للمال مفهوماً وغاية في سُوْرَة الْقَصَصِ فمفهومه أنه يصيب الحياة الدنيا وغايته الاستعانة به على الحياة الدنيا وليس نتيجة الوجود بحد ذاته عن علم، أو عن غير علم.
إن أسلوب الدعوة في سُوْرَة الْقَصَصِ يظهر كيف أن التدريج في خطاب الدعاة، إنما يقر الإيمان في النفوس رويداً رويداً.
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ نظرة قرآنية ذات مفهوم متكامل للإنسان، أي إنسان في مبدأ أمره وخاتمته وفق قربه من الهداية أو بعده منها.
إن الإيمان بمعنى الإقرار بالقلب واللسان في سُوْرَة الْقَصَصِ هو نتيجة للهداية التي تنسب لله وحده.
أبرزت سُوْرَة الْقَصَصِ شخصية فرعون الذي حارب موسى ﵇ وبينت أنه حكم في الأرض وفرق أهلها وذلك مطابق للاكتشافات الأثرية الحديثة.
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ أحكام فقهية بالاستقراء المقارن بمعنى دلالة القصة على واقعة تستوجب حكمها الفقهي وهو ما فعلته في بعض مطالب السّورة تأسياً بالمفسرين القدامى.
стр. 623
إن هنالك فرقاً بين الرواية التوراتية في سفر الخروج لقصة موسى ﵇، وبين الرواية القرآنية لقصة موسى ﵇ في سُوْرَة الْقَصَصِ، وذلك بالمقارنة النقدية بين العهد القديم والقرآن الكريم، وقد توصل الباحث استناداً إلى ذلك إلى أهمية الرواية القرآنية وتفوقه على تلك الرواية الأخرى من خلال احتوائه على دقائق التاريخ ومعالم التوحيد.
إن للرسول ﷺ صورة متكاملة تنبض في النصف الثاني من سُوْرَة الْقَصَصِ من خلال دلائل القرآن على صدقه ﷺ ، وإيمان طوائف أهل الكتاب بدعوته ﷺ على وفق معالم الهداية البيانية، والهداية التوفيقية.
إن هنالك تشابهاً بين قصة موسى ﵇ ابان بصفته، وما تعرض له من أذى مع فرعون موافقاً لما جرى لرسول الله ﷺ ابان دعوته وما جرى له مع فراعنة قريش.
إن هناك سنناً إلهية في نظرية سقوط الحضارات تبرز واضحة في سُوْرَة الْقَصَصِ مع القواعد الكلية لنظم المجتمعات.
إن العولمة الحديثة تشبه في اعتمادها على الكفر والعلم كنوز قارون المعتمدة على الكفر بالله تعالى، وما نسبه لنفسه من علم وأن مآل الجميع إلى التفكك.
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ مبشرات بانتصار الإسلام على كلّ من حاربه من قبل ومن بعد، وتبعاً للقياس بأحاديث رسول الله ﷺ وهذه المبشرات ينبغي أن تبرز كلما أصاب الأمة الوهن، لأن الوعد الإلهي متحقق لا محالة.
لقد كانت هذه النتائج والاستنتاجات بعض ما خرجت به مما يتسع به المقام ههنا، غير أني أجدني قد توصلت من خلال تحليلي لسُوْرَة الْقَصَصِ إلى نتيجة كلية توصل إليها القدماء وستبقى كذلك إلى الأبد، هي: وحدة وتماسك النصّ القرآني كلياً.
стр. 624
ولا يسعني في ختام هذه الدراسة بعد ما تقدم إلا أن أترك عملي هذا بين يدي القارئ الكريم مطلعاً عليه، تاركاً له وحده الحكم على ما بذلته من جهد، علم الله إنني لم أقصر في اجتهاده، غير أني أقر بأن عملي لا يخلو من قصور. وقديماً قال الإمام المزني في حق بعض كتبه أبى الله أن يكون كتاباً كاملاً إلا كتابه، وإذا وقف بي القلم حامداً شاكراً مصلياً مسلماً، أسأل الله أن يتقبل مني هذا العمل خدمة لكتابه الكريم، واعتزازاً بدينه القويم، وأردد ههنا قوله :
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ((١)) .