← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ونرى تشابهاً في شخصية رسول الله ( ﷺ ) في سورة القصص بينه وبين موسى ﵇ في كونها رميا جميعاً بالسحر ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ ((١)) ، ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ((٢)) وهو عين ما رمت به قريش رسول الله ( ﷺ ) . ونلاحظ أن ما فعله الله بفرعون في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) هو عين ما جازى الله به كفار قريش يوم بدر إذ ألقاهم في يم الصحراء مع جنودهم، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ((٤)) ، وهذا من عجيب الاتفاق الإلهي والله تعالى يخاطب رسوله ( ﷺ ) بلفظ الأمر ﴿فَانظُرْ﴾ للدلالة العامة في لفظ الأمر.

стр. 562

وتبدو لنا شخصية رسول الله ( ﷺ ) في سورة القصص واضحة كل الوضوح في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ((١)) ، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَن﴾ ((٢)) ، لأن ذلك الإخبار الإلهي يدل على صدق رسول الله ( ﷺ ) في كل ما أخبر به عن موسى (﵇) في سورة القصص مما لم يكن موجوداً عنده وقومه ولا يعلمه في زمنه ( ﷺ ) إلا اليهود من أهل الكتاب الأول. ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ((٣)) ، أما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٤)) ، فهو دال على أن رسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) إنما كانت عامة عالمية بعد أن ينذر قومه الذين لم يأتيهم نذير ولا رسول لعلهم يتذكرون، فقال الله في إرساله رسوله مُحَمَّد ( ﷺ ) كما أرسل موسى يوم الطور الذي لم يكن رسول الله ( ﷺ ) بالطبع موجوداً يومه.

стр. 563

ثم ذكر الله جانباً من منته على قريش قوم رسول الله ( ﷺ ) بقوله عز من قائل: ﴿وَلَوْلاَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاَ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((١)) ، وهذه الآية موضحة لعموم السنة الإلهية وفضل الوجود النبوي في قومه، وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ((٢)) وهذا من بليغ كفر قريش، ثم بين الله أن مُحَمَّد ( ﷺ ) جاء بالحق من عنده ﷻ ، وواسى الله رسوله ﷺ بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ ((٣)) ، وفي هذا الخطاب الرقيق الحكيم كل الدلالة على صدق رسول الله ( ﷺ ) في دعوته وفي رغبته بإيمان عامة قومه وعامة العالم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ ((٤)) ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ((٥)) .

стр. 564

وتتضح بعض جوانب شخصيته رسول الله ( ﷺ ) بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ((١)) ، وفي ذلك بيان كافٍ شافٍ في أن رسول الله ( ﷺ ) كان يتمنى هداية بعض من يحبهم فبين الله له أن الهداية بيده وحدة تعالى. ونجد كذلك شخصية رسول الله ( ﷺ ) في إخباره تعالى له بكلام قومه من كفار قريش له في قولهم: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ ((٢)) وهذا من استهزائهم برسول الله ( ﷺ ) الذي لا ريب أنه كان يؤذيه لإصرارهم من خلاله على كفرهم وينسب الله نفسه لرسول الله ( ﷺ ) تكريماً فيقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ ((٣)) . وهذه إضافة تعظيم وتفخيم تشعر بقدر رسول الله ( ﷺ ) ومقداره وقد تكررت هذه الإضافة في مواطن أخرى في سورة القصص.

стр. 565

ونرى كذلك أن قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١) يتضمن خطاب إلهي مبين لحال الكفار في سرهم ونجواهم وفي ظاهرهم وباطنهم وفي أذاهم لرسول الله ( ﷺ ) أمامه ومن ورائه أما الأوامر الإلهية لرسول الله ﷺ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ ((٢)) فهي تنبيه على لسان الرسول ( ﷺ ) للكافرين بأنهم إنما ينعمون بفضل الله وإخبار الله لنبيه مُحَمَّد ( ﷺ ) بقصة قارون فيه أسرار وحكم إلهية منها: إن حال أغنياء الكافرين من قريش كحال قارون. إن المال سلطة زائلة وليس قوة دائمة. إن قلة الصحابة الفقراء رضوان الله عليهم فيهم البركة. إن الاغترار لا يجر إلا إلى الندم. سرعة انقلاب الناس عن تولي زمانه. الصبر على الفقر في الدنيا نجاح وظفر في الآخرة. وأسرار أخرى تتضح بقراءة الآيات الخاصة بقارون مما كان فيه مفهوم النص الموجه لرسول الله ( ﷺ ) . ونلاحظ كذلك أن الله بشر رسوله ( ﷺ ) في وقت ضعفه بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٣)) ، فجعل رسول الله ( ﷺ ) في أمن وأمان في الدنيا وفي الآخرة، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ((٤)) ، فهو قول فيه جماع شخصية رسول الله ( ﷺ ) يستنبط منه: عظمة شخصية المصطفى ( ﷺ ) .

стр. 566

وثوق النبي ( ﷺ ) بربه. عظمة الدار الآخرة في الرجوع إليها. إسناد كل شيء لله . صحة إنزال القرآن الكريم. أهمية الرجوع لله في الدنيا والآخرة. انتصار الإسلام. العودة للأرض التي أخرج منها رسول الله ( ﷺ ) . إن الهدى والضلال علمها عند الله . وبذلك تتضح مقومات شخصية رسول الله ( ﷺ ) ، وكذلك الأمر في قوله تعالى مخاطباً رسوله ( ﷺ ) : ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ ((١)) ، فهي آية دالة على أن الله يصطفي من رسله من يشاء عن غير استعداد نفسي منهم كما يقول بعض الفلاسفة والعقلانيين والملاحدة الذين جعلوا الرسالة اصطفاء عقلياً فبان بذلك فضل رسول الله ( ﷺ ) . وكذلك قوله تعالى لرسول الله ( ﷺ ) آمراً فإن المأمور من الله تعالى مستلزم لشرفه وفضله (تَكُونَنَّ) (لا يصدنك) (ادع) (لا تدع) فكلها أشرف خطاب لأشرف الرسل عليهم وعليه أفضل الصلاة والسلام. وبذلك كله يمكن أن تصور رسول الله ( ﷺ ) على ما أسلفنا. المطلب الخامس: المناسبة بين رسالة الرسول مُحَمَّد ( ﷺ ) ورسالة سيدنا موسى (﵇) كما جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ

стр. 567

لقد جاءت سورة القصص في فترة نزولها المكية لتؤكد جانباً مهماً من الجوانب الإيمانية التي نبه عليها المفسرون القدماء منهم والمحدثون ألا وهو جانب المناسبة، بمعنى (التناسب الإيماني) بين الرسالة المحمدية وبين الرسالة الموسوية، ولعل مما يوضح ذلك قول رسول الله ( ﷺ ) : ((لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي)) ((١)) . لذلك اشتدت عناية بعض حاقدي اليهود ومبشري النصارى بتحليل سورة القصص لإثبات كونها مأخوذة من سفر الخروج وسفر تثنية الاشتراع ((٢)) . وقد لاحظنا من خلال تحليلنا لسورة القصص أنها تشكل رابطاً خفياً لا يكاد ينتبه إليه أحد في العلاقة بين رسالة رسول الله ( ﷺ ) ورسالة موسى (﵇) . وهو اتحاد القضيتين في المبنى والمعنى والدلالة. ويكفي في إثبات ذلك أن المناسبة هاهنا تكمن في وجود روابط خفية في السورة بين أولها وآخرها تدلّ على ذلك، وأن هيمنة الرواية القرآنية على المرويات الإسرائيلية (المنحولة) أمر قد غدا في حكم المسلمات العلمية التي تثبت بالبراهين والأدلة ((٣)) .

стр. 568

وذلك أن الرواية التاريخية في أفاق النص القرآني تعتمد إضافة إلى قدسية مصدرها على الاستعداد الذاتي لقبولها بعد أن تشوهت كل الروايات التاريخية للقصص نفسها في العهد القديم وفي التلموذ (بنسختيه الأورشليمية والبابلية) وفي العهد الجديد بأناجيله الأربعة والرسائل التي تتلوها ((١)) . وهذا ما توصلت له أحدث الدراسات الجديدة للمؤرخين اليهود والنصارى وفق أحدث المكتشفات الأثرية في فلسطين وفي أرض الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين الميلادي على أيدي الرحالة والمستكشفين. وفي ذلك يذكر الدكتور رون سنوبي: " إن المقارنة بين ما ورد في أسفار التوراة (العهد القديم) وما ورد في بعض آيات وسور كتاب المسلمين المقدس ترينا أن النص الإسلامي أبتعد ابتعاداً كلياً عن التعتيم التاريخي اليهودي على حقائق حيوات أنبياء بني إسرائيل أو ما يسمى في الأدب اليهودي ـ المسيحي الأباء الأوائل (البطاركة الأول) ، وهكذا فإن قصة موسى على سبيل المثال ـ وهو كما لا يخفى أساس الوجود اليهودي ـ صيغت في أسفار العهد القديم وبخاصة سفر الخروج صياغة توحي ببدائيتها وبأنها أجترحت لموسى أفكاراً لم تكن له، أما كتاب المسلمين المقدس فأنه يصور (موسى) على أنه نبي واجب الاعتراف له بالنبوة ويصفه بأجمل وأحلى وأحسن الصفات " ((٢)) . وقد تنبه لذلك كله قوم آخرون من كبار الباحثين حتَّى وإن كانت توجهاتهم علمانية ـ لا دينية ((٣)) .

стр. 569

وهذا الأمر جعل بعض الباحثين من اليهود أنفسهم يتنصلون من قصة موسى ﵇ بكاملها، أو يعيدون صياغتها صياغة تختلف كلّ الاختلاف عن النصّ التوارتي وفق نظريات جديدة، وذلك لما لاحظوه في النص التوراتي من كذب ودجل ((١)) . وفي ذلك يقول فرويد: " المأثور الذي يستند إلى محض تناقل شفهي لا يمكن أن يكون له ذلك الطابع اللجوج التسلطي المميز للظاهرات الدينية، بل هو قد يلقى أذناً صاغية فيقيم ويحاكم وقد ينبذ ويطرح جانباً مثله مثل أي آت من الخارج، ولن يكتب له أبداً في هذه الحال امتياز الإفلات من مقتضيات نمط التفكير المنطقي" (٢) . ففرويد في هذا النص الذي يختم به تحليله للنص التوراتي الذي يسرد سيرة موسى يكَّذب كل ما ورد في التوراة عنه، ويقول كذلك: " إن واحدة من خصائص قصة موسى تفسر علة اختلاف هذه القصة عن سائر الخرافات المماثلة لها في النوع " ((٣)) . وهذا الكلام السقيم اليهودي ـ النصراني تدحضه سورة القصص في أنبائها لصدق الرواية القرآنية وغلبتها وهيمنتها على الروايات الكاذبة وصولاً إلى صدق رسول الله ( ﷺ ) في رسالته.

стр. 570

فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ((١)) جاء فيها النصّ مفتوح المعنى لاحتمال أن يفهم من خصوصية لآيات الكتاب المنزل على موسى ﵇، أو على مُحَمَّد ( ﷺ ) وهذا من إعجاز الأسلوب القرآني وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ ((٢)) يدلّ في اختصاص التلاوة برسول الله ( ﷺ ) على أنه إنما أريد له التسلية عن مواقف فراعنة قريش من كفارها معه ﵇)) وكون تلك المواقف سيكون عاقبتها الإلهية عاقبة فرعون. وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ ((٣)) يحتمل الوارثين وراثة قوم موسى ووراثة أصحاب رسول الله ( ﷺ ) للأرض، وهو ما تحقق بعد فتح مكة لرسول الله ( ﷺ ) فكانت المناسبة ظاهرة بين السنتين الإلهيتين. وقوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ((٤)) جاءت دالة على المناسبة والمقارنة بين من مكن لهم في الأرض من الطائفتين (بني إسرائيل والصحابة الكرام رضوان الله عليهم) فالتمكين في الأرض من الله تعالى هاهنا دال على أنه يدل في دلالته على المناسبة بين رسالة موسى، ورسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) . وقوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ((٥)) فيه تسلية لرسول الله ( ﷺ ) في كون الخطاب محتملاً أن يكون مضارعته لام موسى (﵇) ، أو أمر (بالتاء) لرسول الله ( ﷺ ) وهذا من إعجاز النص القرآني.

стр. 571

وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ((١)) يشبه الذي سيحدث فيها بعد لرسول الله ( ﷺ ) من الخروج بخوف مترقباً من مكة عند الهجرة، وذلك قبل أن يهاجر رسول الله ( ﷺ ) بزمن. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ((٢)) يدلّ كلّ الدلالة في عموميته وخصوصيته على المناسبة التامة والمقارنة الكاملة بين التوحيد الذي جاء به موسى (﵇) ومحمد ( ﷺ ) خلافاً لبعض الذين زعموا أن موسى تعلم التوحيد من قوم فرعون ((٣)) ، ولا يقول بذلك إلا كافر بالله . وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ((٤)) يدلّ في التوجيه المعنوي وفي تحليل عموميات ألفاظه على أن موسى بَشَّر صدقاً وحقاً برسول الله ( ﷺ ) ، فرسول الله ( ﷺ ) وهو الذي جائ بالهدى، وهو من كانت له ولأمته عاقبة الدار. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ((٥)) يدلّ على أن توجيه الخطاب لرسول الله ( ﷺ ) خاص بذاته، لأن النبي لم يكن موجوداً بجانب الغربي، ولكنها كانت موجودة بتواصل الرسالة النبوية ـ الإلهية

стр. 572

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ((١)) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ((٢)) يحملان المعنى ذاته في تواصل الرسالة بين موسى ومحمد ـ عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ. أما قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ ((٣)) فهو نص خاص بأن رسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) كانت متواصلة مع رسالة موسى (﵇) من خلال سياق الفعل المضارع (لتنذر) . وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ ((٤)) خاص بأن عدم الاستجابة لرسول الله ( ﷺ ) مثل عدم الاستجابة التي قام بها فرعون وقومه لموسى (﵇) في العاقبة والمآل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِين﴾ ((٥)) من أعظم الأدلة على صدق ما عرضنا في هذا المطلب كون هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل مُحَمَّد ( ﷺ ) كانوا من قبل مسلمين، وهذا دليل ما بعده دليل على المناسبة التواصلية بين الرسالتين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً﴾ ((٦)) مما اختلفت فيه العلماء بين أن يكون أمها (أم القرى) ، أو أي مدينة كبيرة على ما قدمنا بيان ذلك فيما مضى، فإذا كان النص محتملاً لهذه المعاني المتواصلة المتقاربة دل على صدق الرسالتين، رسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) ، ورسالة موسى (﵇) .

стр. 573

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((١)) . أوتيها قوم موسى فنبذوها وأوتيها أصحاب مُحَمَّد ﷺ فحافظوا عليهما فجعلت الأرض لهم ديناً ودنيا على مر حضارتهم الزاهرة العظيمة في الماضي والحاضر والمستقبل. أما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ((٢)) فإنهما في خطابهما لرسول الله ﷺ دالة على صدقه فلو كان هذا القرآن من عنده ﷺ لما خاطب نفسه هذه المخاطبة وهذا كذلك من الدلائل على المناسبة بين الرسالتين. ولا ريب في أننا واجدون من خلال القراءة التحليلية لسورة القصص إن هنالك أوجهاً عجيبة من الشبه النبوي بين سيدنا موسى ﵇ وسيدنا مُحَمَّد ﷺ من خلال تقصينا لحياتهما قبل النبوة وبعد النبوة وهو الأمر الذي تعده بعض التقديرات الإلهية انطلاقاُ من قوله تعالى (والله أعلم حيث يجعل رسالته) فالاصطفاء الإلهي هو بين الحالتين وهذا عين ما عبرت عنه سورة القصص في فاتحتها بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ((٣)) فالإشارة العامة للكتاب (أي كتاب إلهي كان) تجعل أفاق المقارنة والمشابهة مفتوحة من خلال التقصي لسيرتي النبيين الكريمين.

стр. 574

ولقد عبر عن ذلك النص القرآني أصدق تعبير إذ قال تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ((١)) إذ أن مجيء الصيغة المضارعة (يؤمنون) مشعرة باستمرارية التلاوة الحقة وهكذا يمكن لنا أن نجد استناداً إلى ذلك بعض المقارنات التفصيلية بين حالي الرسولين الكريمين ـ عليهما الصلاة والسلام ـ من خلال سيرتهما القرآنية النبوية الموثقة وفي ذلك رد كل الرد على من زعم ان القصص القرآني لا تفيد أي حقبة تاريخية لا في مبناها ولا في معناها. وهكذا فنحن واجدون ما يأتي من خلال القراءة المقارنة لسورة القصص: إن قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ، ثم قوله تعالى على لسان شعيب ﵇: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٢)) ، ثم قوله تعالى له: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ((٣)) يشبه كل الشبه خوف رسول الله ( ﷺ ) على الإسلام وخروجه من مكة وقوله لأبي بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ ((٤)) ، ثم نزول قوله تعالى له ( ﷺ ) : ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ((٥)) فالأمر واحد في الحالتين، وهو يدل على التشابه التام بين القصتين كحكمة إلهية عالية.

стр. 575

إن سيدنا موسى قد رعى الغنم فترة من عمره على ما جاء في الآثار العديد ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ((١)) ، فكان له من ذلك خبرة في الحياة فجعل رعية لغنم شعيب (﵇) مهراً لأبنته، وسيدنا مُحَمَّد ( ﷺ ) رعى الغنم فترة من عمره قبل البعثة (على قراريط قريش) ((٢)) كما قال ( ﷺ ) ، فحاز من ذلك الخبرة بالناس ومعرفته لهم وتعوده على الصبر. فقوله تعالى في سورة القصص: ﴿أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ((٣)) في رعي الغنم كما في حديث رعي الرسول ( ﷺ ) للغنم.

стр. 576

إن هناك تشابهاً عجيباً في قصتي الهجرتين هجرة موسى (﵇) وهجرة الرسول ( ﷺ ) فنجد في سورة القصص قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ((١)) و ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٢)) و ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ((٣)) يشبه كل الشبه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ ((٤)) ، فالنص واحد والمعنى واحد والنهاية واحدة في النجاة الإلهية إلى النصر الإلهي فموسى (﵇) انتصر على فرعون ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ((٥)) . ومحمد ( ﷺ ) انتصر على المشركين والكافرين جميعاً ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ((٦)) ، وهذا مما يوضح الترابط العفوي بين كل سور وآيات القرآن.

стр. 577

إن هنالك رهبة أولى من تلقي الوحي الإلهي متشابهة بين الرسولين الكريمين، فنجد قوله تعالى في سورة القصص: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ((١)) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ((٢)) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ((٣)) ، فالمعنى واحد هو محصول الاطمئنان الإلهي والأمن الرباني بعد الوحي للنبيين إذا أصابهما بعض الروع والخوف فاذهب الله ذلك عنهما. إن هنالك تشابهاً كبيراً بين سيرة النبيين الكريمين قبل الزواج في اختيار الزوجة، وفي العلاقة التجارية معهما فموسى (﵇) كما جاء في سورة القصص عمل أجيراً لدى والد زوجته (﵇) ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ((٤)) ، أي: أن والدها هو الذي خطبها له. ونجد في السيرة النبوية أن رسول الله ( ﷺ ) عمل عند خديجة بنت خويلد ـ رضي الله تعالى عنها ـ وأجرته في تجارتها، ثم خطبته لنفسها ونجد أن النبيين عملا لدى والد الزوجة، أو الزوجة نفسها لحكمة إلهية لا تخفى على ذوي الألباب تتمثل في التعويد الإلهي على الدخول على كل أصناف المجتمع وتحمل المشاق والمسؤولية وليؤكد على أهمية العمل.

стр. 578

إن النبيين الكريمين ـ عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ استطاعاً من خلال دعائهما أن يحوزا وزيرين يشدان بهما عضدهما وينتصران بهما في دعوتهما فقوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ ((١)) ونجد مقارباً لذلك قول رسول الله ( ﷺ ) : ((اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب)) ((٢)) . وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ((٣)) ففي كلا الحالتين هناك ترابط واحد في السيرتين الشريفتين. إن النبيين الكريمين رميا بالسحر، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ ((٤)) ، ﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ((٥)) وهذا من ديدن الكفار من الفراعنة، وكفار قريش على حد سواء.

стр. 579

إننا نجد من هذا التشابه الكبير الواضح بين شخصية الرسول مُحَمَّد ( ﷺ ) وسيرته الشريفة ومراحل دعوته. وسيرة نبي الله موسى (﵇) أثناء قراءتنا المعاصرة للنص القرآني بآفاقه المفتوحة في سُوْرَة الْقَصَصِ إن مجيء سيدنا مُحَمَّد ( ﷺ ) بعد سيدنا موسى (﵇) وختم الله به الرسالات دالاً على أن الله ارتضى لصلاح هذا الكون ولخلافة الأرض الديانة الإسلامية، وأن أمة الإسلام لها السيادة في الدنيا والآخرة. وإن من أراد أن يطفئ نور الله الذي هو الإسلام من اليهود والنصارى الذين حرفوا الديانات، وقتلوا الأنبياء، قد حكم الله عليهم في سُوْرَة الْقَصَصِ بأنهم سيلاقون المصير نفسه الذي لاقاه فرعون على يد موسى (﵇) لأن الإرادة الإلهية شاءت أن يكون الإسلام الدين المهيمن على كلّ الديانات والناسخ لهما ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ ((١)) ، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ ((٢)) . وهذا الترابط في سُوْرَة الْقَصَصِ يجعلنا نعرج على ما جاءت به صحاح الآثار في كتب الفتن والملاحم في الصحيحين ـ البخاري، ومسلم رحمهما الله برحمته ـ في أن النهاية القرآنية لبني إسرائيل ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً﴾ ((٣)) آتية لا محالة مهما علا اليهود في الأرض كما فعل الله بفرعون وهامان وجنودهما وقارون.

стр. 580

أما قوله تعالى في أخر آيتين من السورة: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((١)) فإنها من الآيات التي تلخص سُوْرَة الْقَصَصِ كلها، وتوجه المعاني فها نحو الدلالة العامة على التواصل بين الرسالتين، رسالة موسى (﵇) ورسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) ، وبذلك كله يستقيم لنا الغرض الذي قدمناه من قبل من كون سُوْرَة الْقَصَصِ تحمل صدق رسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) ، ومن كونها تخالف التوراة المحرفة في تحريفها العام، ومن كونها تربط ربطاً متسلسلاً متواصلاً بين الرسالتين، وتدل على أن منبعهما واحد. ... الفصل الثامن: دراسة مقارنة بين هيمنة فرعون وأمريكا وسقوط دولتها وانتصار الإسلام من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ في دلالاتها السياسية الحديثة تمهيد تعدّ القراءة المعاصرة لأي سورة قرآنية في حدود الرأي المأثور باستقراء كوامن النص وبواطنه المعنوية التي تعطي للنص القرآني آفاقا جديدة، عملية مهمة جداً في التفسير القرآني والتأويل الكتابي، وقد حاولت في هذا الفصل من هذه الرسالة أن أقارن بين فرعون وقومه وقارون وأمواله، وبين أمريكا وقومها واليهود وأموالهم، وذلك لوجه الشبه الكبير بين الماضي والحاضر، وصولاً إلى استشراف آفاق المستقبل الإسلامي، فقد تأثر المسلمون اليوم بالهيمنة الأمريكية، كما تأثر قوم موسى ﵇ من المؤمنين بالهيمنة الفرعونية وهو ما سنلاحظه في هذا الفصل (المقارن) ولأنه عبارة عن فكرة جديدة. وعسى أن لا نكون في ذلك ممن يقول في القرآن الكريم برأيه، فما هي إلا محاولة لخدمة النص القرآني وتجدده الزماني ـ والمكاني.

стр. 581

المبحث الأول: دراسة مقارنة بين دولة فرعون ودولة أمريكا المطلب الأول: هيمنة فرعون وأمريكا في الملك والقوة والمال والأعلام وفقاً لما جاء في سُوْرَة الْقَصَصِ إن موضوع الهيمنة في الطغيان الفرعوني مقارنة بالهيمنة في الطغيان الأمريكي، هو من المواضيع المتعددة المفاهيم، وذلك لأوجه الشبه والتشابه بين الطغيانين، فكأن التاريخ يكرر نفسه، وهو يكرر نفسه بحق في الصدام الخطابي بين الإيمان والكفر، بين القديم والحديث ((١)) . فنحن نجد في سورة القصص إن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين﴾ ((٢)) يدلّ في مضمونه اللغوي على استمرارية الدلالة الزمانية ـ المكانية لآيات الكتاب المبين في الماضي والحاضر والمستقبل. وذلك كما قال في آية أخرى: ﴿إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ((٣)) ، بمعنى أن الهداية القرآنية التي دلّ عليها في سورة القصص قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين﴾ هي هداية مضافة إلى آيات باهرة تجعل الإنسان يفهم س في الأرض: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ يُذَبِحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٤)) . وقوله في موضع آخر: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ ((٥)) يصلح أن يكون إذا ما نقل من قرآنية المعنى إلى إنسانية المعنى، ونقل من الماضي إلى الحاضر لوصف هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم كما نرى في الجدول الآتي المقتبس من دلالات سورة القصص. الموضوع تسلسل هيمنة فرعون هيمنة أميركا هيمنة الملك ١

стр. 582

العلو في الأرض: ﴿إِنَّ فرعون علاَ في الأَرْضِ﴾ ((١)) القوة العظمى الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ٢ جعل أهلها شيعا: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ((٢)) . جعل العالم إما معها وإما مع الإرهاب وإما ديمقراطياً وإما غير ديمقراطي وإما حراً وإما غير حر كذلك زرعها الفتن والنزعات الطائفية وتغذيتها ٣ كان فرعون يأتمر بالمؤمنين ليقتلهم ﴿يُذَبِّح أَبْنَاءهُمْ﴾ ((٣)) . تشن أميركا حرب شعواء على المسلمين في كل بقاع الأرض ٤ فرعون ظالم في ملكه ﴿علاَ في الأَرْضِ﴾ ((٤)) أميركا ظالمة في قوتها العاتية هيمنة القوة ١ يستضعف طائفة من أهل الأرض ﴿يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ﴾ ((٥)) . تستضعف أميركا شعوب العالم والمسلمين من خلال تهديدها بالقوة الغاشمة أو من خلال سيطرتها على مقدرات الشعوب. ٢ ادعى أن الأرض له: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ((٦)) تدعي أميركا اليوم أن كلّ الأرض مفتوحة أمامها باسم حق التدخل المفتوح. ٣ كان لفرعون وهامان وجنودهما ما يحذرون من يومئذ ألا وهو الإيمان ﴿وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((٧)) . لأميركا وإسرائيل وجنودهما ما يحذرون منه اليوم، وهو الإسلام. هيمنة المال ١

стр. 583

سلب أموال المستضعفين في الأرض ﴿اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ﴾ ((١)) . سلب كل الأموال المودعة لديها باسم مكافحة الإرهاب، وجمدت أرصدة وحسابات دول وجماعات من الضعفاء ٢ سلب إمامتهم في المال. سلب اقتصاديات كثير من الدول التي تعد إمامة في المال، مثلما حدث في أزمة الخمور الأسيوية ١٩٩٧ م. ٣ كان يدعي أن له ملك مصر أو مالها ﴿أَلَيْسَ لِي ملك مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ((٢)) . تدعي أميركا أنها ملك العالم وأموالها. هيمنة الإعلام ١ ادعاؤه أن ما جاء به موسى سحر ﴿قَالُوا مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ ((٣)) . رميها كل ما خالفها بالإرهاب. ٢ ادعاؤه أنه الإله الواحد: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ((٤)) . أميركا تدعي أنها القوة المتحدية الواحدة. تقول أولبرايت ((٥)) : " في هذا الكون قوة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية ". ٣ استهزائه بموسى وطلبه الإيقاد على الطين برجاً (صرحاً) ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ ((٦)) . إن بناء ناطحات السحاب ومكوكات الفضاء الأميركية يشابه الأبراج والصروح التي أراد تشييدها فرعون وهامان. ٤ الاستكبار مع الجنود ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ((٧)) . إن العقيدة السياسية الأميركية هي أن الأميركي لا يقهر وفق رؤية عصرية. ٥

стр. 584

الزعم بأنهم لن يرجعوا لله تعالى ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ((١)) . أميركا تدعي أنها لن ترجع إلى أي جهة كانت كما جاء في دستور الولايات المتحدة الأميركية بانفرادها بضرب الدول، وتهديدها بالضرب دون الرجوع إلى قرارات مجلس الأمن. الجرائم ١ قتل أبناءهم ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ﴾ ((٢)) . قتل الناس بالجملة كما في هيروشيما ونكازاكي والعراق وأفغانستان. ٢ يستحي نسائهم ﴿وَيستحي نِسَاءهُمْ﴾ ((٣)) استعباد النساء في الرق الأبيض. ٣ الفساد ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٤)) . إشاعة الفساد العالمي والإباحية والشذوذ. ٤ التآمر على أهل الإيمان وموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ((٥)) تآمر أميركا المستمر على أهل الإيمان وضربها تلك الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم إن الجدول الماضي المستخلص من سورة القصص للمقارنة بين فرعون وأميركا، يرينا كيف أن فرعون استحق قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ((٦)) ، وكذلك أميركا اليوم بقادتها وجنرالاتها المستكبرين في الأرض، وهيمنتها بهم على العالم، استحقت أن تكون ملعونة من قبل كل شعوب العالم في هذه الدنيا، كما لعن فرعون في سورة القصص في الآية السابقة.

стр. 585

إن هيمنة فرعون قديماً، وأميركا حديثاً واستمرارية ذلك يوضحها في سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) ، بمعنى إننا نستنتج من هذه الآية أن كل قرية (دولة، أمة) ، إذا ما بطرت معيشتها سيكون مصيرها الهلاك، وأميركا دولة باطرة مبطرة، وأمثلة بطرها كثيرة، منها أنها تلقي فائض غذائها في البحر بطراً وعدواناً. وتوضح آيات سورة القصص أن هيمنة فرعون، وبالتالي الهيمنة الأميركية عاقبتها الإهلاك بعد الإنذار، ونجد في العصر الحديث أن أميركا لها من ينذرها من المسلمين، والنصارى المخلصين من الوعاظ الحقيقيين، ولكنها في طغيانها لا ترجع من ذلك الطغيان ((٢)) . يقول : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ((٣)) ، وأي ظلم أشد من الظلم الأميركي اليوم، فكأن هذه الآية تنطق بحال هذا العصر مثلما نطقت بحال العصر الذي وصفته بصورة عامة، وذلك وجه من أوجه الإعجاز القرآني ((٤)) .

стр. 586

المطلب الثاني: أسباب زوال الطغاة قديماً وحديثاً في سُوْرَة الْقَصَصِ كتب كثيراً عن أسباب وآليات زوال الطغاة واندثارهم في القرآن الكريم بصورة عامة، أو في سور من السور القرآنية بصورة خاصة غير أن ما تتميز به سورة القصص ـ موضوع هذه الرسالة ـ هو احتواءها على عوامل وأسباب وآليات وشروط زوال الطغاة في الماضي والحاضر والمستقبل. وذلك أن آفاق المعنى المفتوح في سورة القصص تتضمن البشارات والإنذارات التي حددها الله ، كي يتعظ من يتعظ بالإنذار، ويزداد إيماناً من يزداد بالبشارات الصادقة جملة وتفصيلاً. لقد احتوت سورة القصص على نقاط كثيرة يمكن إيجازها وفق المنهجية العلمية في النقاط التالية أدناه (أي: أسباب زوال الطغاة) التي هي: عدم التمسك بالشرع الإلهي الذي هو: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ((١)) الابتعاد عن شرعة الحق: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ من نَبَإِ موسى وفرعون بِالْحَقِّ﴾ ((٢)) . العلو في الأرض: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ﴾ ((٣)) . تفريق الناس: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ ((٤)) . استضعاف الناس: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ﴾ ((٥)) . القتل غير المبرر: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ((٦)) . استعباد النساء: ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ﴾ ((٧)) . الفساد العالمي: ﴿إِنَّهُ كَانَ من الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٨) (. اغتصاب الأرض: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((٩)) .

стр. 587

الاغترار بالجيوش: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ((١)) . إشاعة الخوف في الناس: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ﴾ ((٢)) ظهور الأعداء: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ ((٣)) . ظهور الأحزان: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ . الخطأ العام: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ((٤)) الفساد العسكري: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطئِينَ﴾ . كثرة الهرج والمرج: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ ((٥)) . المؤامرات العالمية: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ((٦)) ((٧)) . الظلم: ﴿رَبِّ نَجِّنِي من الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٨)) . الفسق الخاص والعام: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ((٩)) . تكذيب الدعاة: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ ((١٠)) . وصم الناس المصلحين بصفات مهنية: ﴿مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ ((١١) . الاغترار بالدساتير الوضعية: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهذا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ((١٢)) .

стр. 588

جنون العظمة: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ((١)) . طلب المحال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ موسى﴾ ((٢)) . الاغترار بالظن الكاذب الشيطاني من الشيطان الذي لعنه الله بنفسه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ من الْكَاذِبِينَ﴾ ((٣)) . الاستكبار العالي: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ﴾ ((٤)) . الحكم بغير الحق بظلم الناس: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ﴾ . إنكاره الآخرة: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ((٥)) . عدم معرفة العواقب: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٦)) . تقبيح الحسن وتحسين القبيح: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ﴾ ((٧)) . المطاولة في العمر الحضاري للقوة العظمى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ ((٨)) . كذب الأماني: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ من عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى﴾ ((٩)) . الكفر: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ موسى من قَبْلُ﴾ ((١٠)) . تسخير الإعلام للإضلال: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ ((١١)) .

стр. 589

اتباع الهوى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ ((١)) . الخوف من غير الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أَرْضِنَا﴾ ((٢)) . بطر المعيشة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ((٣)) . الغواية: ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الذين أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كما غَوَيْنَا﴾ ((٤)) . الكذب الدائم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ((٥)) . عمى الأنباء: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ((٦)) الفراغ الروحي: ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . الانشغال بالمادة: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ((٧)) . الزعم الكاذب: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ((٨)) . الافتراء: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((٩)) . البغي: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ((١٠)) . وفرة المال والطغيان فيه بنسيان الله : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ((١١)) . الفرح بما هو ليس لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ .

стр. 590

عدم الإحسان: ﴿وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ((١)) . بغي الفساد في الأرض: ﴿وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٢)) . الاغترار بالعلم: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ ((٣)) . الاغترار باشتداد القوة والجموع: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ ((٤)) . الإجرام: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ ((٥)) . الاغترار بالزينة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ ((٦)) . إرادة العلو في الأرض: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ﴾ ((٧)) . إرادة الفساد: ﴿وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٨)) . المجيء بالسيئات: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((٩)) . الضلال المبين: ﴿وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ((١٠)) . مظاهرة الكافرين: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ ((١١)) .

стр. 591

الصد عن آيات الله ﷻ : ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ ((١)) . الشرك الظاهر والخفي: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ من الْمُشْرِكِينَ﴾ ((٢)) . دعوة إله آخر مع الله : ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ((٣)) . الحكم بغير ما أنزل الله : ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٤)) . إن هذه الأسباب التي تقدم ذكرها يمكن رؤيتها بجلاء ووضوح في الطغيان الأميركي المعاصر لنا، وكأن سورة القصص عند التحليل الدقيق لدلالات ألفاظها تصف حال أميركا وما جنته في الأرض من إفساد وفساد عام وخاص، وكيف أنها اليوم تحاول أن تكون القوة العظمى، وتظن أنها لا تهلك ولن تهلك، والله يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٥)) ، فلا بدّ من خلال استقراء ما جرى لفرعون وهامان وقارون، وما يشابههم من حال أميركا وجشعها وعدتها من ملاقاة المصير نفسه، لأنه كما قال في سورة القصص: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((٦)) ، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه آنفاً ((٧)) .

стр. 592

المطلب الثالث: أموال قارون واقتصاد العولمة وتفككه في سُوْرَة الْقَصَصِ من الواضح مما تقدم أن الولايات المتحدة الأميركية في اعتمادها على الرأسمالية التي طورتها في عقد التسعينات باسم العولمة التي تعني: " تحرير التجارة العالمية، وفتح الحدود، وإلغاء الضرائب والقيود على المعاملات المالية، ونقل قيم الاقتصاد الرأسمالي إلى كل الدول والأنظمة والحكومات على اختلاف مشاربها " ((١)) . حاولت أميركا ولا زالت تحاول من خلال آلياتها العسكرية أن تفرض نظم استهلاكها الاقتصادي، ونظم معاملاتها التجارية، ونظم مصارفها الربوية على العالم كله، اغترارً بما هي عليه من قوة وعلم وجمع مال، ووجود مؤسسات المال الدولية في الأرض الأميركية، حتَّى صار كثير من جهلة الناس يعتقدون أن أميركا هي (أرض الأحلام) ، ويتمنون السكنى فيها والتجنس بجنسيتها، وهو عين ما تتمناه أميركا، وإن تمنعت قليلاً على استحياء. إن مقومات اقتصاد العولمة: رأس المال المشترك. التقانة العلمية. الاتصالات المفتوحة. ثورة المعلومات. يمكن رؤيته على أنه (الوحش الكاسر) الذي يهدد عالمنا كما وصفه بعض مناهضي العولمة. والعولمة: " وهو في الأصل مبدأ اقتصادي يهدد لإشاعة فاحشة الربا في الناس كافة " ((٢)) ، وجه من أوجه الطغيان الأميركي، ونحن علينا أن نجد في القراءة المعاصرة لسورة القصص ما يدلّ على ذم العولمة فيها، ومن ذلك: تقسيم العالم إلى أول وثان وثالث: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ ((٣)) السيطرة على سياسات الدول وقراراتها من خلال قروض صندوق النقد الدولي: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ﴾ ((٤)) .

стр. 593

أخذ أموال الناس بالباطل طمعاً: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ((١)) . وذلك أولى بالتالي لأن تتضح صورة هذه العولمة الأميركية في مثل دلالة قوله وهو أصدق القائلين: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ((٢)) . فأميركا من خلال قوتها العسكرية وهيمنتها الإعلامية، واقتصادها المعولم المحرر التي تريد فرضه مع قيمتها (الأخلاقية) على العالم، واستكبرت هي وجنودها (بقواعدهم) في الأرض، وهي تظن أنها لن ترجع إلى الله ، بدليل أنها لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، فعل من لا يخاف الله . وقد حاول بعض الناس في العصر الحديث تبرير دخولهم إلى منظمة التجارة العالمية (بوابة العولمة الأميركية) بدعوى أنهم لا يملكون مالاً ولا تجارة ولا ثروات طبيعية، وأنهم محتاجون للعولمة. ومن قبل يبين الله حجة أمثال هؤلاء في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا من لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((٣)) .

стр. 594

واقتصاد العولمة المحرر ادعى إلى بطر في المعيشة بفعل الرخاء الغربي، حيث يتنعم الغرب وأميركا والشمال، ويتضور المسلمون والأفارقة والجنوب من الجوع، ولقد بطرت أميركا باقتصادها حتَّى صارت تفرض ما غيرته من خلق الله بإدراجها مبرراً فرض قبول الأغذية المعدلة وراثياً في مساعداتها للدول النامية. ونحن نجد مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) ، مع قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ ((٢)) ، بمعنى أن ما تقوم به أمريكا في هذا العصر إنما مآله الانتهاء بالاندحار. وهذه الآية تدل فيما تدل عليه أن الاقتصاد البطر (في عصر اقتصاد العولمة) مصيره الهلاك، وهو عين الدستور القرآني في كون الأمم التي تظلم نفسها بجحود النعم، وكفران الله ، تنقلب بها الأحوال من حال إلى حال، وقد حدث ذلك في عصرنا للاتحاد السوفيتي السابق سنة ١٩٩١ م، وسيكون ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ كما تدل عليه قواعد نذر سورة القصص للولايات المتحدة الأميركية. ونجد في قصة قارون في سورة القصص كيف يتطور الاقتصاد (الكفري) ، (اقتصاد العولمة مثلاً) ، ثُمَّ كيف يذهب هذا الاقتصاد بنظرياته وأهله، (كذلك في عصرنا حدث مثل ذلك للنظرية الماركسية الشيوعية في الاقتصاد التي بدأت في أيام ماركس وأنجلز، وطبقت بعد ثورة ١٩١٧ م في روسيا، وأنشأت القوة العظمى الثانية للاتحاد السوفيتي ثُمَّ كان لها أن تتفكك وان تغرق في مهاوي النسيان) .

стр. 595

ففي سورة القصص نجد أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ((١)) يدلّ على أن اليهود الذين هم (من قوم موسى) كانوا ولا زالوا أهل بغي، ثُمَّ نجد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ ((٢)) ، فنلاحظ أن في عصرنا هذا قد كثرت البنوك الرأسمالية حتَّى صار من الصعب إحصاؤها أو عدها أو ذكر أسمائها، وأن ما فيها من أموال يغطي الأرض مرات ومرات، ونجد أن قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ((٣)) ، يحمل في طياته كل سمات العولمة الحديثة في وعظ قوم موسى من المؤمنين لقارون، فنجد من سمات العولمة في قصة قارون: الفرح الاحتفالي المبالغ فيه. نسيان الآخرة. جعل الدنيا النصيب كله. عدم الإحسان. الفساد في الأرض. ونجد كذلك في سورة القصص مقومات العولمة العلمية التي هي في عصرنا ثورة المعلومات والاتصالات والتقنيات في جواب قارون لقومه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ ((٤)) . ونجد رياء العولمة وتبخترها وتكبرها في مثل ما نجده في صفة قارون في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ ((٥)) .

стр. 596

ونجد إعجاب بعض الجهلة بالعولمة التي لا يدرون مآلها ومآلهم معها من قوله تعالى في السورة نفسها: ﴿قَالَ الذين يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ((١)) ، وفي عصرنا تكفلت وسائل الإعلام كلها بتحبيب نموذج العولمة للأذهان، فصار الناس يتشدقون: إن العولمة في هذا العصر هي (الحظ العظيم) ، وهذا ما وسوسه الشيطان الرجيم ـ لعنه الله بلعنته ـ في قلوب الناس. ثم نجد مصير قارون في الخسف هو عين ما يتوقع المنظرون الاقتصاديون للعولمة من مصير (التفكك) في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ ((٢)) ، ويبين الله الحقيقة على لسان الذين اغتروا بقارون بعد أن رأوا أمثاله (وفي عصرنا بعد أن يروا تفكك العولمة) ، في قوله حاكياً عنهم قولهم: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمن يَشَاءُ من عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ ((٣)) ، ويقرر القرآن الكريم دلالة حقيقة الاقتصاد العالمي في كل نظرياته بقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ من جَاءَ بِالْهُدَى وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ((٤)) ، بمعنى أن النظريات الاقتصادية في هدايتها وفي ضلالها إنما جاءت بمعناها العام لتدل على الخصوصية الاقتصادية العالمية، لأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد هداية خاصة، والاقتصاد العالمي المعولم اقتصاد ضلال يهودي ربوي، فبان الفرق بينهما في دلالات الآية.

стр. 597

وبذلك كانت سورة القصص دالة كل الدلالة على وجه الشبه بين أموال قارون واقتصاد العولمة، والخسف والتفكك الذي أصاب وسيصيبها قديماً وحديثاً ((١)) . المطلب الرابع: الاستعداد لمواجهة الطغيان الأميركي من خلال سورة القصص لقد أمر الإسلام الحنيف المؤمنين كافة بالاستعداد وإعداد العدة لأعداء الله ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ وَمن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ((٢)) . لذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية خشيت الاستعداد للجهاد، فبدأت تطالب بإلغاء تدريس آيات القتال في العالم الإسلامي، وخشيت قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ ((٣)) ، فاخترعت مصطلحاً وترجمته للعربية بالفعل (ر. هـ. ب) ، وجعلته كلمة مكروه هو (الإرهاب) ، كما كره الغرب للناس من قبل كلمة الاستعمار في ترجمته لها، وهي كلمة قرآنية: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ((٤)) ، (فنسب الاستعمار لله وهذا من فساد حياتنا اللغوية! . وهكذا فإن الاستعداد لمواجهة العدو الكافر المشرك ثابت في كل آيات القتال الكريمة ظاهراً وباطناً، غير أنا نجد في سورة القصص آيات كثيرة تتعلق دلالتها الماضية بما سبق، ودلالتها الحاضرة بالوضع العام العالمي الذي نعيشه في عصر الطغيان والهيمنة الأميركية على العالم.

стр. 598

وتتلخص آليات الاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وكل من كان على شاكلتها في سورة القصص في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ ((١)) . فإن هذه الآية في دلالتها العامة والخاصة تشمل الاستعداد بالقوة لوراثة الأرض من أميركا التي استضعفت المؤمنين. ثم نجد أن قوله تعالى: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((٢)) ، يدل في دلالته الحديثة المعاصرة على أن ما وعد به الله في الثواب الكريم، ورسوله ﷺ في السنة النبوية الشريفة من انتصار الإسلام بعد أخذ الحذر والاهبة والاستعداد لقتال الكفرة واليهود، هو أمر متحقق إن شاء الله العلي العظيم. ولا ننسى هاهنا أن أميركا تمثل اليهود، وأن الوعد النبوي الذي ما ينطق صاحبه عن الهوى ﵊ بقتال اليهود والانتصار عليهم، يشمل أميركا بدلالته، وهو ما نجده في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ ((٣)) . ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ((٤)) ، فالآية تدل على أن من فعل فعل فرعون وهامان وجنودهما ملعون في الدنيا، وفي الاستعداد لمواجهة أميركا (فرعون العصر وهامانه) ، (إذا جاز لي هذا التعبير) ، نجد أن أميركا (أمة ملعونة) كما وصفها بعض أبنائها من قبل! .

стр. 599

ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا في سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً من رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ من نَذِيرٍ من قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((١)) . وضمن الاستعداد لمواجهة أميركا نجد دلالة قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ((٢)) ، وأي ظلم يجب الاستعداد لملاقاته أشد من ظلم الولايات المتحدة الأميركية منذ نشؤها (وقتلها للهنود الحمر) حتَّى اليوم (في عدوانها على أفغانستان بدعوى محاربة الإرهاب) ؟ ! . ثُمَّ نلاحظ من سمات الاستعداد لمواجهة أميركا دلالة توجيهية لأخذ أميركا بذنوبها بعد أن اعترف شهودها بأن لا برهان لهم على ما تفعله حكومتهم بالعالم، وهو قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَنَزَعْنَا من كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((٣)) . ثم خاتمة مطاف الاستعداد لمواجهة أميركا في قوله تعالى في وصف الآخرة مقابل الدنيا الزائلة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٤)) ، مع أن المبدأ الأساسي لأميركا هو: العلو في الأرض. الفساد في الأرض.

стр. 600

وهو ما أوجب على المسلمين أن يستعدوا ما وسعهم الاستعداد للملحمة الكبرى التي تستعد لها أميركا في أدبياتها النصرانية تحت اسم (هار مجدون) ، إذ يظنون أنهم باستعدادهم لملاقاة المسلمين سيعيدون مملكة (يسوع المسيح) في ألفيتها حسب مزاعمهم، وهو ما قرره الكبراء منهم من قسسهم وحاخاماتهم ودجاليهم المنبئين. أما الاستعداد الإسلامي لذلك فنجده مندرجاً تحت قوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((١)) ، على الذي تحقق من دلالته قديماً وحديثاً في التراث والمعاصرة، كما لا يخفى على أحدٍ. المبحث الثاني: السنن الإلهية في زوال الأمم وسقوط الحضارات في سُوْرَة الْقَصَصِ المطلب الأول: الزوال ـ نهاية أميركا مقارنة بفرعون وهامان وقارون في سُوْرَة الْقَصَصِ إن من خصائص النص القرآني أنه نص متجدد يصلح في دلالاته للماضي والحاضر والمستقبل في الدنيا والآخرة على ما قرره العلماء، ونحن يمكن أن نفهم دلالاتها الحقيقية في دلالات معاصرة على أمور نعلم أن الله يعلم بها جميعاً وبأعمالها بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ((٢)) . لذلك فليس عجيباً أن نجد أن النهاية التي انتهى إليها فرعون وهامان وجنودهما وقارون، هي عين ما يتوقع المنظرون السياسيون وعلماء علم المستقبليات السياسي من الغربيين للولايات المتحدة الأميركية في قابل أيامها ومستقبل أعوامها. ويمكن على وجه من الوجوه رؤية الزوال الفرعوني الهاماني القاروني في الزوال الذي وقع زلزالاً صبيحة ١١ / أيلول / ٢٠٠١ م في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا وسمي باسم (أحداث الحادي عشر من أيلول) على ما هو مشهور معروف! ونحن في قراءتنا المعاصرة الدينية لسورة القصص، نجد أن هنالك نقاطاً تحذيرية ـ تنبيهية كثيرة، عن الزوال الأعظم في الماضي والحاضر:
следующие страницы →