← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 281–308 · переход к 286.

стр. 281

في حال لا تُوقِّر الله أن يراك عليها! قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]؛ أي لا تعاملونه معاملةَ من توقِّرونه، والتوقير: العظمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]؛ قال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقًّا ولا تشكرونه؟! وقال مجاهدٌ: لا تبالون عظمة ربكم. وقال ابن زيد: لا ترون لله طاعة. وقال ابن عباس: لا تعرفون حقَّ عظمته (١). وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم لو عظَّموا الله وعرفوا حقَّ عظمته وحَّدوه وأطاعوه وشكروه؛ فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب. ولهذا قال بعض السلف: لِيعظُم وقارُ الله في قلب أحدكم أن يذكره عند ما يستحيي من ذكره فَيقرِن اسمه به؛ كما تقول: قبح الله الكلب والخنزير والنتن، ونحو ذلك! فهذا من وقار الله. ومن وقاره أن لا تَعدِلَ به شيئًا من خلقه، لا في اللفظ بحيث تقول: واللَّهِ وحياتِك ما لي إلا الله وأنت، وما شاء الله وشئتَ، ولا في الحب والتعظيم والإجلال، ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله، بل أعظم؛ كما عليه أكثر الظلمة والفجرة، ولا في الخوف والرجاء؛ ويجعله أهونَ الناظرين إليه، ولا يستهين بحقه ويقول: هو مبنيٌّ على المسامحة، ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه، ولا يكون الله ورسوله في حدٍّ وناحيةٍ، والناس في ناحية وحد، فيكون في الحد والشِّقِّ الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله

стр. 282

ورسوله، ولا يُعطي المخلوق في مخاطبته قلبَه ولبَّه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه، ولا يجعل مراد نفسه مقدمًا على مراد ربه، فهذا كله من عدم وقار الله في القلب. ومن كان كذلك فإن الله لا يُلقي له في قلوب الناس وقارًا ولا هيبة، بل يُسقِط وقارَه وهيبته من قلوبهم، وإن وقَّروه مخافةَ شره؛ فذاك وقارُ بغضٍ لا وقارُ حب وتعظيم. ومن وقار الله أن يستحيي من اطلاعه على سِرِّه وضميره فيرى فيه ما يكره. ومن وقاره أن يستحيي منه في الخلوة أعظم مما يستحيي من أكابر الناس. والمقصود أن من لا يُوقِّر الله وكلامَه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يَطلب من الناس توقيَره وتعظيمه؟! القرآن والعلم وكلام الرسول ﷺ صلاتٌ من الحق وتنبيهاتٌ وروادعُ وزواجر واردةٌ إليك، والشيب زاجرٌ ورادعٌ وموقظٌ قائمٌ بك؛ فلا ما ورد إليك وعظك، ولا ما قام بك نصحك، ومع هذا تطلب التوقيرَ والتعظيم من غيرك!! فأنت كمصابٍ لم تؤثر فيه مصيبته وعظًا وانزجارًا، وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر إلى مُصابه؛ فالضرب لم يُؤثِّر فيه زجرًا، وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه!! من سمع بالمَثُلات والعقوبات والآيات في حق غيره ليس كمن رآها عيانًا في غيره؛ فكيف بمن وجدها في نفسه؟! ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ فآياته في الآفاق مسموعة معلومة، وآياته في النفس مشهودة مرئية؛ فعياذًا بالله من الخذلان.

стр. 283

قال تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]. والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويُتمِّم نقائصَ خِلقته بفضائل أخلاقه وأعماله؛ فكلما امتَحِىَ من جُثمانه أثرٌ زاد في إيمانه أثرٌ، وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة. وإن لم يكن هكذا فالموت خيرٌ له؛ لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد؛ بخلاف العيوب والنقائص مع طول العمر؛ فإنها زيادةٌ في ألمه وهمه وغمه وحسرته، وإنما حَسُنَ طول العمر ونفعَ ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الفرص والتوبة النصوح؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]. فمن لم يُورِثه التعميرُ وطول البقاء إصلاحَ معايبه وتداركَ فارطه واغتنامَ بقية أنفاسه؛ فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم، وإلَّا فلا خيرَ له في حياته، فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة وإما إلى النار؛ فإذا طال عمره وحسُنَ عمله كان طول سفره زيادةً له في حصول النعيم واللَّذَّة؛ فإنه كلما طال السفر إليها كانت الصبابة أجل وأفضل، وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادةً في ألمه وعذابه ونزولًا له إلى أسفل؛ فالمسافرُ إما صاعدٌ وإما نازلٌ. وفي الحديث المرفوع: "خيركم من طال عمرُه وحسُنَ عملُه،

стр. 284

وشركم من طال عمرُه وقبُحَ عملُه" (١). فالطالب الصادق في طلبه كلما خَرِبَ شيءٌ من ذاته، جعله عمارةً لقلبه وروحه، وكلما نقص شيءٌ من دنياهُ جعله زيادةً في آخرته، وكلما مُنِعَ شيئًا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله همٌّ أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته؛ فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته: إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمةً به وخيرًا له، وإلَّا كان حرمانًا وعقوبة على ذنوب ظاهرةٍ أو باطنةٍ أو ترك واجب ظاهرٍ أو باطن؛ فإن حرمانَ خيرِ الدنيا والآخرة مرتَّبٌ على هذه الأربعة. وبالله التوفيق. فائدة الناس منذ خُلِقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌّ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار. والعاقل يعلم أن السفر مبنيٌّ على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادةً أن يُطلَب فيه نعيمٌ ولذَّةٌ وراحةٌ، إنما ذاك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأةِ قَدَمٍ أو كل آنٍ من آناتِ السفر غير واقفةٍ، ولا المكلف واقفٌ، وقد ثبت أنه مسافرٌ على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدمِ الاستعداد للسير.

стр. 285

فائدة عند العارفين أن الاشتغال بالمشاهدة عن البِرِّ في السير وقوف؛ لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحبَ عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من معرفة وإيمان مفصل كان أولى به؛ فإن اللطيفة الإنسانية تُحشَر على صورة عملها ومعرفتها وهمتها وإرادتها، والبدن يُحشَر على صورة عمله الحسن أو القبيح؛ وإذا انتقلت من هذه الدار شاهدتْ حقيقة ذلك. وعلى قدر قرب قلبك من الله تَبعُد من الأنس بالناس ومساكنتهم، وعلى قدر صيانتك لِسرِّك وإرادتك يكون حفظه، وملاك ذلك صحةُ التوحيد، ثم صحة العلم بالطريق، ثم صحة الإرادة، ثم صحة العمل. والحذرَ كلَّ الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يَعثُروا على موضع غرضك؛ فإنها الآفة العظمى. فصل كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات: أحدها: التزيد والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فضلةً، وهي حظُّ الشيطان ومدخله إلى القلب. وطريق الاحتراز [منه الاحتراز] من إعطاء النفس تمامَ مطلوبها من غذاءٍ أو نوم أو لذةٍ أو راحة؛ فمتى أغلقتَ هذا البابَ حصلَ الأمان من دخول العدو منه. الثانية: الغفلة؛ فإن الذاكر في حصن الذكر؛ فمتى غَفَل فتح باب الحصن، فولجَه العدوُّ، فيعسُر عليه أو يصعبُ إخراجه. الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء.

стр. 286

فائدة طالبُ النفوذ إلى الله والدار الاخرة -بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة بحيث يكون رأسًا في ذلك مُقتدىً به فيه- يحتاج أن يكون شجاعًا، مِقدامًا، حاكمًا على وهمه، غيرَ مقهور تحت سلطان تخيُّله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه، مِقدامَ الهمة، ثابت الجأش، لا يَثنيِه عن مطلوبه لومُ لائم ولا عذلُ عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تَستفِزُّه المعارضات، شعارُه الصبر، وراحته التعب، محبًّا لمكارم الأخلاق، حافظًا لوقته، لا يخالط الناس إلا على حذر كالطائر الذي يلتقط الحبَّ بينهم، قائمًا على نفسه بالرغبة والرهبة، طامعًا في نتائج الاختصاص على بني جنسه، غيرَ مرسلٍ شيئًا من حواسِّه عبثًا، ولا مُسرِّحًا خواطره في مراتب الكون. ومِلاكُ ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب. وعند العوام أن لزوم الأدب مع الحجاب خير من اطِّراح الأدب مع الكشف. فائدة من الذاكرين من يبتدئُ بذكرِ اللسان، وإن كان على غفلة، ثم لا يزال فيه حتى يحضر قلبه، فيتواطأ على الذكر. ومنهم من لا يرى ذلك، ولا يبتدئُ على غفلةٍ، بل يسكن حتى يحضر قلبه، فيشرع في الذكر بقلبه؛ فإذا قوي استتبع لسانه، فتواطأ جميعًا.

стр. 287

فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه. والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه، من غير أن يخلو قلبه منه، بل يسكن أولًا حتى يحس بظهور الناطق فيه؛ فإذا أحس بذلك نطق قلبه، ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني، ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرًا. وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده. فصل أنفع الناس لك رجل مكَّنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرًا أو تَصنع إليه معروفًا؛ فإنه نِعمَ العونُ لك على منفعتك وكمالك؛ فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر. وأضر الناس عليك من مكَّن نفسَه منك حتى تعصي الله فيه؛ فإنه عونٌ لك على مضرتك ونقصك. فصل اللذَّةُ المحرمة ممزوجةٌ بالقبح حال تناولها، مُثمِرة للألم بعد انقضائها؛ فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكِّرْ في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها؛ ثم وازِنْ بين الأمرين، وانظر ما بينهما من التفاوت. والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن، مثمرٌ للذَّة والراحة؛ فإذا ثقلتْ على النفس ففكِّرْ في انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذَّتها وسرورها، ووازِنْ بين الأمرين، وآثرِ الراجحَ على المرجوح.

стр. 288

فإن تألَّمتَ بالسبب فانظرْ إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذَّة يَهُنْ عليك مُقاساته. وإن تألمتَ بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه، ووازِنْ بين الألمين. وخاصيةُ العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما. وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يختار به الأولى والأنفع له منها؛ فمن وَفَرَ قسمُه من العقل والعلِم اختار الأفضل وآثرَه، ومن نقصَ حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافَه، ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدًا منهما إلا بمشقة؛ فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما. فصل لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمرٌ، وله عليه فيه نهيٌ، وله فيه نعمةٌ، وله به منفعةٌ ولذةٌ. فإن قام لله في ذلك العضو بأمره، واجتنب فيه نهيَه فقد أدَّى شكر نعمته عليه فيه، وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به. وإن عطَّل أمر الله ونهيه فيه عطَّلهُ الله من انتفاعه بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته. وله عليه في كل وقت من أوقاته عبوديةٌ تُقدِّمه إليه وتُقرِّبه منه، فإن شَغَل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه. وإن شغله بهوى أو راحة وبطالةٍ تأخر. فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر، ولا وقوفَ في الطريق البتة. قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٧].

стр. 289

فصل أقام الله سبحانه هذا الخلقَ بين الأمر والنهي والعطاء والمنع؛ فافترقوا فرقتين: فرقة قابلتْ أمرَه بالترك، ونهيَه بالارتكاب، وعطاءه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط. وهؤلاء أعداؤه، وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك. وقسم قالوا: إنما نحن عبيدك؛ فإن أمرتَنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتَنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتَنا حمدناك، وإن منعتَنا تضرَّعنا إليك وذكرناك. فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا؛ فإذا مزَّقه عليهم الموت صاروا إلى النعيم المقيم وقرة الأعين؛ كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة؛ فإذا مزَّقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم. فإذا تصادمتْ جيوشُ الدُّنيا والآخرة في قلبك، وأردتَ أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر: مع من تَميل منهما ومع من تُقاتل، إذْ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين؛ فأنت مع أحدهما لا محالةَ. فالفريق الأول استغشُّوا الهوى فخالفوهُ، واستنصحوا العقلَ فشاوروه، وفرَّغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له، وجوارحهم للعمل بما أُمروا به، وأوقاتهم لعمارتها بما يَعمُر منازلَهم في الآخرة، واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال، وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها، واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها، واهتموا بالله وطاعته على قدر حاجتهم إليه، وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها، فعجَّل لهم

стр. 290

سبحانه من نعيم الجنة وروحها أن آنسَهم بنفسه، وأقبل بقلوبهم إليه، وجمعها على محبته، وشوَّقهم إلى لقائه، ونعَّمهم بقربه، وفرَّغ قلوبهم مما ملأ قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها والغمّ من خوف ذهابها، فاستلانوا ما استوعرَه المُترَفون، وأَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون؛ صَحِبُوا الدنيا بأبدانهم، والملأَ الأعلى بأرواحهم. فصل التوحيد ألطفُ شيءٍ وأنزهه وأنظفه وأصفاه؛ فأدنى شيءٍ يَخدِشُه ويُدنِّسه ويُؤثر فيه؛ فهو كأبيض ثوبٍ يكون يُؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدًّا أدنى شيءٍ يُؤثر فيها، ولهذا تُشوِّشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفيَّة؛ فإن بادر صاحبه وقلعَ ذلك الأثرَ بضده، وإلَّا استحكمَ وصار طبعًا يتعسَّر عليه قلعُهُ. وهذه الآثار والطبوع التي تحصُل فيه: منها ما يكون سريعَ الحصول سريعَ الزوال، ومنها ما يكون سريعَ الحصول بطيء الزوال، ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال، ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال. ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرًا عظيمًا، يَنغمِرُ فيه كثيرٌ من تلك الآثار ويستحيل فيه، بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وَسَخ، فيغترُّ به صاحبُ التوحيد الذي هو دونه، فيَخلِط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده، فيظهر من تأثيره ما لم يظهر في التوحيد الكثير. وأيضًا فإن المحل الصافي جدًّا يظهر لصاحبه مما يُدنَّسه ما لا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه، فيتداركه بالإزالة دون هذا؛

стр. 291

فإنه لا يشعُر به. وأيضًا فإن قوة الإيمان والتوحيد إذا كانت قويةً جدًّا أحالتْ الموادَّ الرديئة وقهرتْها؛ بخلاف القوة الضعيفة. وأيضًا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات يُسامَحُ بما لا يُسامَح به من أتى مثل تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن؛ كما قيل: وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ … جاءتْ محاسنُه بألفِ شفيعِ (١) وأيضًا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يُحيل تلك العوارض والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه؛ كما أن الكذب وفساد القصد وضعف الانقياد يُحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه؛ كما يُشاهَد ذلك في الأخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها. فائدة ترك الشهوات لله وإن أنجى من عذاب الله وأوجبَ الفوزَ برحمته؛ فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا تَحصُل في قلبٍ فيه غيره وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم؛ فإن الله سبحانه أبى أن يجعل ذخائره في قلبٍ فيه سواه وهمتُه متعلقةٌ بغيره، وإنما يودِع ذخائرَه في قلب يرى الفقر غنى من الله والغنى فقرًا دون الله، والعزَّ ذلًّا دونه والذُلَّ عزًا معه، والنعيمَ عذابًا دونه والعذاب نعيمًا معه.

стр. 292

وبالجملة فلا يرى الحياةَ إلا به ومعه، والموت والألم والهمَّ والغمَّ والحزن إذا لم يكن معه؛ فهذا له جنتان: جنةٌ في الدنيا معجَّلةٌ، وجنةٌ يوم القيامة. فائدة الإنابة هي عكوف القلب على الله كاعتكاف البدن في المسجد لا يُفارِقه. وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته، وذِكْره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله. ومن لم يَعكُف قلبه على الله وحده عكَف على التماثيل المتنوعة؛ كما قال إمام الحنفاء لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢]. فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف؛ فكان حظُّ قومه العكوفَ على التماثيل، وكان حظُّه العكوفَ على الرب الجليل. والتماثيل جمع تمثال وهي الصور الممثلة. فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوفٌ منه على التماثيل التي قامت بقلبه، وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام، ولهذا كان شرك عبّاد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإراداتهم على تماثيلهم. فإذا كان في القلب تماثيلُ قد ملكتْه واستعبدتْه بحيث يكون عاكفًا عليها؛ فهو نظير عكوف [عبَّاد] الأصنام عليها، ولهذا سماه النبي ﷺ

стр. 293

عبدًا لها ودعا عليه بالتَّعَس والنكس، فقال: "تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِيْكَ فلا انتقش" (١). الناس في هذه الدار على جناح سفر كلهم، وكلُّ مسافر فهو ظاعنٌ إلى مقصده ونازلٌ على من يُسَرُّ بالنزول عليه، وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعنٌ إلى الله في حال سفره ونازلٌ عليه عند القدوم عليه؛ فهذه همته في سفره وفي انقضائه. ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وقالت امرأةُ فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]؛ فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة؛ فإن الجار قبل الدار. من كلام الشيخ علي (٢) قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم: • لا تُبدِ فاقةً إلى غيري فأضاعفَها عليك، مكافأةً لخروجك عن حدك في عبوديتك. • ابتليتُك بالفقر لتصير ذهبًا خالصًا؛ فلا تَزِيْفَنَّ بعد السبك. • حكمتُ لك بالفقر ولنفسي بالغنى؛ فإن وصلتَها بي وصلتُك

стр. 294

بالغنى، وإن وصلتَها بغيري حسمتُ عنك موادَّ معونتي طردًا لك عن بابي. • لا تركَنْ إلى شيءٍ دوننا؛ فإنه وبالٌ عليك وقاتلٌ لك: إن ركنتَ إلى العمل رددناه عليك، وإن ركنتَ إلى المعرفة نكَّرناها عليك، وإن ركنتَ إلى الوجد استدرجناك فيه، وإن ركنتَ إلى العلم أوقفناك معه، وإن ركنتَ إلى المخلوقين وكَلْناك إليهم، ارْضَنا لك ربًّا نرضاك لنا عبدًا. فائدة الشهقةُ التي تَعرِض عند سماع القرآن أو غيره لها أسبابٌ: أحدُها: أن يَلُوح له عند السماع درجةٌ ليست له، فيرتاح إليها، فتَحدُث له الشهقةُ؛ فهذه شهقة شوق. وثانيها: أن يَلُوح له ذنبٌ ارتكبه، فيشهَق خوفًا وحزنًا على نفسه، وهذه شهقة خشية. وثالثها: أن يلوح له نقصٌ فيه لا يَقدِرُ على دفعه عنه، فيُحدِث له ذلك حزنًا، فيشهَق شهقة حزن. ورابعها: أن يلوح له كمال محبوبه، ويرى الطريق إليه مسدودةً عنه، فيُحدِث ذلك شهقَة أسفٍ وحزنٍ. وخامسها: أن يكون قد توارى عنه محبوبُهُ، واشتغل بغيره، فذكَّره السماعُ محبوبَه، فلاح له جماله، ورأى الباب مفتوحًا والطريق ظاهرةً، فشهق فرحًا وسرورًا بما لاح له. وبكل حالٍ فسبب الشهقة قوةُ الوارد وضعف المحل عن الاحتمال،

стр. 295

والقوة أن يعمل ذلك الوارد عمله داخلًا ولا يظهر عليه، وذلك أقوى له وأدوم؛ فإنه إذا أظهره ضعُفَ أثره وأوشك انقطاعه. هذا حكم الشهقة من الصادق؛ فإن الشاهق إما صادقٌ وإما سارقٌ وإما منافقٌ. قاعدة نافعة أصل الخير والشر من قبل التفكر ؛ فإن الفكر مبدأُ الإرادة والطلب والزهد والترك والحب والبغض. وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها؛ فهذه أربعة أفكار هي أجلُّ الأفكار. ويليها أربعةٌ: فكرٌ في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها. فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء. ورأس القسم الأول: الفكر في آلاء الله ونعمه، وأمره ونهيه، وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما. وهذا الفكر يُثمِر لصاحبه المحبةَ والمعرفة؛ فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخسَّتها وفنائها؛ أثمرَ له ذلك الرغبةَ في الآخرة والزهد في الدنيا، وكلما فكَّر في قِصَر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجدَّ والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت. وهذه الأفكار تُعلِي همته، وتُحييها بعد موتها وسفولها، وتجعله في وادٍ والناس في وادٍ. وبإزاء هذه الأفكار الأفكارُ الرديئة التي تَجُول في قلوب أكثر هذا الخلق:

стр. 296

فالفكر فيما لم يُكلَّف الفكرَ فيه ولا أُعطِيَ الإحاطةَ به من فضول العلم الذي لا ينفع؛ كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيلَ للعقول إلى إدراكه. ومنها: الفكر في الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضرُّ؛ كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير. ومنها: الفكر في العلوم التي لو كانت صحيحة لم يُعطِ الفكرُ فيها النفسَ كمالًا ولا شرفًا؛ كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكثر علوم الفلاسفة، التي لو بلغ الإنسان غاياتها لم يكمُلْ بذلك ولم تَزْكُ نفسُه. ومنها: الفكر في الشهوات واللَّذَّات وطرق تحصيلها، وهذا وإن كان للنفس فيه لذَّةٌ، لكن لا عاقبة له، ومضرته في عاقبة الدنيا قبل الآخرة أضعافُ مسرته. ومنها: الفكر فيما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ كالفكر فيما إذا صار ملكًا أو وجدَ كنزًا أو ملك ضيعةً ماذا يصنع؟ وكيف يتصرف ويأخذ ويعطي وينتقم؟ ونحو ذلك من أفكار السفل. ومنها: الفكر في جزئيات أحوال الناس وماجرياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذلك من فكر النفوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة. ومنها: الفكر في دقائق الحيل والمكر التي يتوصَّل بها إلى أغراضه وهواه؛ مباحةً كانت أو محرمة. ومنها: الفكر في أنواع الشعر وصروفه وأفانينه في المدح والهجاء

стр. 297

والغزل والمراثي ونحوها؛ فإنه يَشْغَل الإنسان عن الفكر فيما فيه سعادته وحياتُه الدائمة. ومنها: الفكر في المقدَّرات الذهنية التي لا وجود لها في الخارج ولا بالناس حاجةٌ إليها البتَّةَ، وذلك موجودٌ في كل علم، حتى في علم الفقه والأصول والطب. فكل هذه الأفكار مضرتُها أرجح من منفعتها، ويكفي في مضرتها شَغْلُها عن الفكر فيما هو أولى به وأعوَدُ عليه بالنفع عاجلًا وآجلًا. فصل • الطلب لِقاحُ الإيمان؛ فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمرا العملَ الصالح. • وحسن الظن بالله لِقاح الافتقار والاضطرار إليه؛ فإذا اجتمعا أثمرا إجابةَ الدعاء. • والخشية لِقاح المحبة؛ فإذا اجتمعا أثمرا امتثالَ الأوامر واجتناب المناهي. • والصبر لِقاح اليقين؛ فإذا اجتمعا أورثا الإمامةَ في الدين؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. • وصحة الاقتداء بالرسول لِقاح الإخلاص؛ فإذا اجتمعا أثمرا قبولَ العمل والاعتداد به. • والعمل لِقاح العلم؛ فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة، وإن انفرد

стр. 298

أحدهما عن الآخر لم يُفِدْ شيئًا. • والحلم لِقاح العلم؛ فإذا اجتمعا حصلتْ سيادة الدنيا والآخرة وحصل الانتفاع بعلم العالم، وإن انفرد أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع. • والعزيمة لِقاحُ البصيرة؛ فإذا اجتمعا نال صاحبهما خيرَ الدنيا والآخرة، وبلغتْ به همتُه من العلياء كلَّ مكان؛ فتخلُّف الكمالاتِ إما من عدم البصيرة وإما من عدم العزيمة. • وحسن القصد لِقاحٌ لصحة الذهن؛ فإذا فُقِدا فُقِد الخيرُ كلُّه، وإذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات. • وصحة الرأي لِقاح الشجاعة؛ فإذا اجتمعا كان النصرُ والظفر، وإن فُقِدا فالخذلان والخيبة، وإن وُجد الرأي بلا شجاعة فالجبنُ والعجز، وإن حصلت الشجاعة بلا رأي؛ فالتهور والعطب. • والصبر لِقاح البصيرة؛ فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما؛ قال الحسن: إذا شئتَ أن ترى بصيرًا لا صبرَ له رأيتَه، وإذا شئت أن ترى صابرًا لا بصيرةَ له رأيتَه، فإذا رأيتَ صابرًا بصيرًا فذاك. • والنصيحة لِقاح العقل، فكلما قويتِ النصيحةُ قوي العقلُ واستنار. • والتذكُّر والتفكر كل منهما لِقاح الآخر، إذا اجتمعا أنتجا الزهدَ في الدنيا والرغبة في الآخرة. • والتقوى لِقاح التوكل؛ فإذا اجتمعا استقام القلب. • ولِقاحُ أخذِ أُهبة الاستعداد للقاء قِصَرُ الأمل؛ فإذا اجتمعا فالخير

стр. 299

كله في اجتماعهما، والشر في فرقتهما. • ولِقاح الهمة العالية النية الصحيحة؛ فإذا اجتمعا بلغ العبدُ غايةَ المراد. قاعدة للعبد بين يدي الله موقفان: موقفٌ بين يديه في الصلاة، وموقفٌ بين يديه يوم لقائه. فمن قام بحق الموقف الأول هُوِّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يُوفِّه حقَّه شُدِّد عليه ذلك الموقف. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٦ - ٢٧]. قاعدة اللَّذةُ من حيث هي مطلوبة للإنسان بل ولكلِّ حيٍّ؛ فلا تُذَمُّ من جهة كونها لذَّةً، وإنما تُذَمُّ ويكون تركها خيرًا من نيلها وأنفعَ إذا تضمنتْ فَواتَ لذَّةٍ أعظمَ منها وأكملَ، أو أعقَبتْ ألمًا حصوله أعظم من ألم فواتها؛ فها هنا يظهر الفرق بين العاقل الفَطِن والأحمق الجاهل؛ فمتى عرف العقلُ التفاوتَ بين اللَّذَّتين والألمين، وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر؛ هانَ عليه تركُ أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما، واحتمالُ أيسرِ الألمينِ لدفع أعلاهما. وإذا تقررتْ هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدومُ، ولذة الدنيا أصغر وأقصر، وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا. والمُعوَّل في ذلك على الإيمان واليقين؛ فإذا قوي اليقينُ وباشرَ القلب آثرَ الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتملَ الألمَ الأسهلَ

стр. 300

على الأصعب. والله المستعان. فائدة قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]: جمع في هذا الدعاء بين: حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملُّق له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنه أرحم الراحمين، والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره. ومتى وجدَ المبتلى هذا كُشِفتْ عنه بلواه. وقد جُرِّبَ أنه من قالها سبع مراتٍ -ولا سيما مع هذه المعرفة- كشفَ الله ضرَّه. فائدة قوله تعالى عن يوسف نبيه: إنه قال: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]: جمعتْ هذه الدعوةُ: الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجلّ غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء. فائدة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] متضمنٌ لكنز من الكنوز، وهو أن كل شيءٍ لا يُطلَب إلا ممن عنده خزائنه، ومفاتيح تلك الخزائن بيديه، وأن طلبه من غيره طلبٌ ممن ليس عنده ولا

стр. 301

يَقدِرُ عليه. وقوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢] متضمن لكنز عظيم، وهو أن كل مراد إن لم يُرَدْ لأجله ويتصلْ به فهو مضمحل منقطع؛ فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها، فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه؛ فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوبٍ لا يُحَبُّ لأجله فمحبته عَناءٌ وعذابٌ، وكل عمل لا يُراد لأجله فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقيٌّ محجوبٌ عن سعادته وفلاحه. فاجتمع ما يُراد منه كله في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، واجتمع ما يُراد له كله في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾؛ فليس وراءه سبحانه غاية تُطلَب، وليس دونه غايةٌ إليها المنتهى. وتحت هذا سرٌّ عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئنُّ ويَسكُن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يُحَبّ ويُراد فمرادٌ لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدٌ إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين؛ كما يستحيل أن يكون ابتداءُ المخلوقات من اثنين. فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطلَ عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوجَ ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفِرَ بنعيمه ولذته وبهجته وسعادته أبدَ الآباد. العبد دائمًا متقلبٌ بين أحكام الأوامر وأحكام النوازل ؛ فهو محتاجٌ -بل مضطرٌّ- إلى العون عند الأوامر وإلى اللطف عند النوازل، وعلى قدر قيامه بالأوامر يحصل له من اللطف عند النوازل؛ فإن كمل

стр. 302

القيام بالأوامر ظاهرًا وباطنًا ناله اللطف ظاهرًا وباطنًا، وإن قام بصُوَرها دون حقائقها وبواطنها ناله اللطف في الظاهر وقلَّ نصيبُه من اللطف في الباطن. فإن قلت: وما اللطف الباطن؟ فهو ما يحصُلُ للقلب عند النوازل من السكينة والطمأنينة وزوال القلق والاضطراب والجزع، فيَستخذِي بين يدي سيده ذليلًا له مستكينًا ناظرًا إليه بقلبه ساكنًا إليه بروحه وسِرِّه، وقد شَغَله مشاهدةُ لطفه به عن شدة ما هو فيه من الألم، وقد غيَّبه عن شهود ذلك معرفتُه بحسن اختياره له وأنه عبدٌ محضٌ يُجرِي عليه سيدُه أحكامَه رضي أو سخط؛ فإن رضي نال الرضى، وإن سخط فحظُّه السخط. فهذا اللطف الباطن ثمرة تلك المعاملة الباطنة؛ يزيد بزيادتها، وينقص بنقصانها. فائدة جليلة لا يزال العبدُ منقطعًا عن الله حتى تتصل إرادته ومحبته بوجهه الأعلى. والمراد بهذا الاتصال: أن تُفضيَ المحبةُ إليه وتتعلق به وحده، فلا يَحجُبها شيءٌ دونه، وأن تتصل المعرفة بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فلا يَطمِس نورَها ظلمةُ التعطيل؛ كما لا يَطمِس نورَ المحبة ظلمةُ الشرك، وأن يتصل ذكره به سبحانه؛ فيزول بين الذاكر والمذكور حجابُ الغفلة والتفاتُه في حال الذكر إلى غير مذكوره؛ فحينئذٍ: يتصلُ الذكر به.

стр. 303

ويتصل العمل بأوامره ونواهيه؛ فيفعل الطاعة لأنه أُمر بها وأحبّها، ويترك المناهي لكونه نُهي عنها وأبغضها؛ فهذا معنى اتصال العمل بأمره ونهيه. وحقيقته زوال العلل الباعثة على الفعل والترك من الأغراض والحظوظ العاجلة. ويتصل التوكل والحب به؛ بحيث يصير واثقًا به سبحانه، مطمئنًا إليه، راضيًا بحسن تدبيره له، غير متّهم له في حال من الأحوال. ويتصل فقره وفاقته به سبحانه دون من سواه. ويتصل خوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه به وحده؛ فلا يخاف غيره ولا يرجوه ولا يفرح به كل الفرح ولا يُسَرُّ به غايةَ السرور، وإن ناله بالمخلوق بعض الفرح والسرور؛ فليس الفرح التامُّ والسرور الكامل والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون القلب إلا به سبحانه، وما سواه إن أعان على هذا المطلوب فرِحَ به وسُرَّ به، وإن حجَبَ عنه فهو بالحزن به والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحقُّ منه بأن يفرح به؛ فلا فرحةَ ولا سرورَ إلا به أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته. وقد أخبر سبحانه أنه لا يحبّ الفرحين بالدنيا وزينتها، وأمر بالفرح بفضله ورحمته، وهو الإسلام والإيمان والقرآن؛ كما فسَّره الصحابة والتابعون. والمقصود أن من اتصلتْ له هذه الأمور بالله سبحانه فقد وصل، وإلا فهو مقطوعٌ عن ربه، متصلٌ بحظه ونفسه، ملبَّسٌ عليه في معرفته وإرادته وسلوكه.

стр. 304

قاعدة جليلة فكَّرتُ في هذا الأمر؛ فإذا أصله: أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده؛ نِعم الطاعات ونِعم اللَّذَّات، فترغب إليه أن يُلهمك ذكرَها ويُوزِعَك شكرَها، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤]، وكما أن تلك النعم منه ومن مجردِ فضله؛ فذِكرُها وشكرُها لا يُنال إلَّا بتوفيقه. والذنوب من خِذلانه وتخلِّيه عن عبده وتَخليتِه بينه وبين نفسه، وإن لم يكشفْ ذلك عن عبده فلا سبيلَ له إلى كشفه عن نفسه؛ فإذا هو مضطرٌّ إلى التضرع والابتهال إليه أن يدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر منه، وإذا وقعتْ بحكم المقادير ومقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها. فلا ينفكُّ العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة، ولا فلاحَ له إلا بها: الشكر، وطلب العافية، والتوبة النصوح. ثم فكَّرتُ فإذا مدارُ ذلك على الرغبة والرهبة، وليسا بيد العبد، بل بيد مقلِّب القلوب ومصرِّفها كيف يشاء؛ فإن وفَّق عبدَه أقبل بقلبه إليه وملأهُ رغبةً ورهبةً، وإن خذلَه تركه ونفسَه، ولم يأخذ بقلبه إليه، ولم يشأ له ذلك، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم فكَّرتُ: هل للتوفيق والخذلان سببٌ؟ أم هما بمجرد المشيئة لا سببَ لهما؟ فإذا سببهما أهلية المحل وعدمها؛ فهو سبحانه خالق

стр. 305

المحالِّ متفاوتةً في الاستعداد والقبول أعظم تفاوت؛ فالجمادات لا تَقبل ما يقبله الحيوان، وكذلك النوعانِ كل نوعٍ منهما متفاوت في القبول؛ فالحيوان الناطق لا يقبل ما يقبله البهيم، وهو متفاوت في القبول أعظم تفاوت، وكذلك الحيوان البهيم متفاوت في القبول، لكن ليس بين النوع الواحد من التفاوت كما بين النوع الإنساني. فإذا كان المحلُّ قابلًا للنعمة بحيث يعرفها، ويعرف قدرها وخطرها، ويشكر المنعمَ بها، ويُثني عليه بها، ويُعظِّمه عليها، ويعلم أنها من محض الجود وعين المنّة من غير أن يكون هو مستحقًّا لها ولا هي له ولا به، وإنما هي لله وحده وبه وحده؛ فوحده بنعمته إخلاصًا، وصرفها في محبته شكرًا، وشهدها من محض جوده منةً، وعرف قصوره وتقصيره في شكرها عجزًا وضعفًا وتفريطًا، وعلِم أنه إن أدامها عليه فذلك محض صدقته وفضله وإحسانه، وإن سلبَه إياها فهو أهلٌ لذلك مستحق له، وكلما زاده من نعمه ازداد ذُلًّا له وانكسارًا وخضوعًا بين يديه وقيامًا بشكره وخشية له سبحانه أن يسلبه إياها لعدم توفيته شكرها، كما سلبَ نعمتَه عمن لم يعرفها ولم يَرْعَها حقَّ رعايتها. فإن لم يشكر نعمته وقابلها بضد ما يليق أن يقابل به سَلبَه إياها ولا بدَّ. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]، وهم الذين عرفوا قدر النعمة وقبلوها وأحبُّوها وأثنَوا على المنعم بها وأحبوه وقاموا بشكره. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ

стр. 306

رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. فصل وسببُ الخِذلان عدمُ صلاحيةِ المحلّ وأهليته وقبوله للنعمة؛ بحيث لو وافتْه النعم لقال: هذا لي! وإنما أوتيِتُه لأنِّي أهله ومستحقه! كما قال تعالى: ﴿قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]؛ أي على علمٍ عَلِمَه اللهُ عندي أستحقُّ به ذلك وأستوجبه وأستأهله. قال الفراء (١): أي على فضلٍ عندي، أي كنت أهله ومستحقًا له إذ أُعطِيتُه. وقال مقاتل: يقول على خيرٍ عَلِمَه الله عندي. وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل سليمانَ بن داود فيما أوتي من الملك، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، ولم يقل: هذا من كرامتي! ثم ذكر قارون وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. يعني: أن سليمان رأى ما أوتيه من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلي به شكره، وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه. وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]؛ أي: أنا أهله وحقيقٌ به؛ فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه! والمؤمن يرى ذلك ملكًا لربه وفضلًا منه منَّ به على عبده من غير استحقاقٍ منه، بل صدقةً تصدق بها على عبده وله أن لا يتصدق بها؛ فلو منعه إياها؛ لم يكن قد منعه شيئًا هو له يستحقه عليه.

стр. 307

فإذا لم يشهد ذلك رأى فيه أهلًا ومستحقًّا، فأعجبتْه نفسه، وطغَتْ بالنعمة، وعلَتْ بها، واستطالتْ على غيرها، فكان حظها منها الفرح والفخر؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ [هود: ٩ - ١٠]؛ فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء، وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء، واستبدل بحمد الله وشكره والثناء عليه إذ كشفَ عنه البلاءَ قوله: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، ولو أنه قال: أذهبَ الله السيئاتِ عني برحمته ومنِّه لما ذُمَّ على ذلك، بل كان محمودًا عليه، ولكنه غَفلَ عن المُنعِم بكشفِها ونسبَ الذهابَ إليها وفرح وافتخر. فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبدٍ فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخلِّيه عنه؛ فإن محلَّه لا تناسبه النعمة المطلقة التامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣]، فأخبر سبحانه أن محلَّهم غير قابل لنعمته، ومع عدم القبول ففيهم مانعٌ آخر يمنع وصولها إليهم، وهو تولِّيهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها. ومما ينبغي أن يُعلَم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خُلِقَتْ عليه في الأصل وإهمالها وتخليتها؛ فأسباب الخذلان منها وفيها، وأسباب التوفيق من جَعْلِ الله سبحانه لها قابلةً للنعمة؛ فأسبابُ التوفيق منه ومن فضلِه، وهو الخالق لهذه وهذه؛ كما خلق أجزاءَ الأرض؛ هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له، وخلق الشجرَ؛ هذه تَقبلُ الثمرة وهذه لا

стр. 308

تقبلها، وخلق النحلةَ قابلةً لأن يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه، والزُّنبور غير قابلٍ لذلك، وخلق الأرواحَ الطيبة قابلةً لذكره وشكره ومحبتِه وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده، وخلق الأرواحَ الخبيثة غيرَ قابلةٍ لذلك بل لضده، وهو الحكيم العليم.