يُضِلّهم ويُبطِل سعيَهم، وكذلك ضَمِنَ زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه، وأخبر أنه لا يُضلُّ إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه، وأنه إنما يُضلُّ من آثر الضلال واختاره على الهدى، فيطبع حينئذٍ على سمعه وقلبه، وأنه يُقلِّبُ قلبَ من لم يرضَ بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعَه وردَّه، فيقلبُ فؤادَه وبصرَه عقوبةً له على ردِّه ودفعِه لما تحقَّقه وعَرفَه وأنه سبحانَه لو عَلِمَ في تلك المحالِّ التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرًا لأفهمَها وهداها، ولكنها لا تَصلُح لنعمته ولا تليق بها كرامته؛ وقد أزاح سبحانه العللَ وأقام الحججَ ومكَّن من أسباب الهداية، وأنه لا يُضلُّ إلا الفاسقين والظالمين، ولا يطبع إلا على قلوب المعتدين، ولا يُركِسُ في الفتنة إلَّا المنافقين بكسبهم، وأن الرينَ الذي غطَّى به قلوبَ الكفار هو عين كسبهم وأعمالهم؛ كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وقال عن أعدائه من اليهود: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وأخبر أنه لا يُضلُّ من هداه حتى يُبين له ما يتقي، فيختار -لشقوته وسوء طبيعته- الضلالَ على الهدى والغيَّ على الرَّشاد ويكون مع نفسه وشيطانه وعدوِّ ربه عليه.
وأما المكر الذي وصفَ به نفسه؛ فهو مجازاتُهُ للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن، فيكون المكر منهم أقبحَ شيءٍ، ومنه أحسن شيءٍ؛ لأنه عدلٌ ومجازاةٌ. وكذلك المخادعة منه جزاءٌ على مخادعة رسله وأوليائه. فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر.
وأما كون الرجل "يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها
стр. 247
إلا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكتاب"؛ فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملًا مقبولًا صالحًا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يُبطِله عليه.
وقوله: "لم يبقَ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ" يُشكِل على هذا التأويل، فيقال: لما كان العمل بآخره وخاتمته؛ لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفةٌ كامنةٌ ونكتةٌ خُذِلَ بها في آخر عمره، فخانتْه تلك الآفةُ والداهيةُ الباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها، وعملتْ عملها، ولو لم يكن هناك غشٌّ وآفةٌ لم يقلب الله إيمانه كفرًا ورِدَّةً (١) مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سببٍ منه يقتضي إفسادَه عليه، والله يعلم من سرائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض.
وأما شأن إبليس فإن الله سبحانه قال للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]؛ فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا تعلمه الملائكة، فلما أُمِروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوِّه من الكبر والغش والحسد، فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
وأما خوف أوليائه من مكره فحقٌّ؛ فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيرون إلى الشقاء؛ فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمته.
وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] إنما هو في حق
стр. 248
الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يَعصِي ويأمنُ مقابلةَ الله له على مكر السيئات بمكره به إلَّا القوم الخاسرون.
و الذي يخافه العارفون بالله من مكره:
أن يؤخّر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع اغترارٍ، فيأنسوا بالذُّنوب، فيجيئهم العذابُ على غِرَّةٍ وفترة.
وأمرٌ آخر: وهو أن يغفلوا عنه ويَنسَوا ذكره، فيتخلى عنهم إذا تخلَّوا عن ذكره وطاعته، فيُسرِع إليهم البلاءُ والفتنة، فيكون مكره بهم تخلّيه عنهم.
وأمرٌ آخرُ: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون.
وأمرٌ آخرُ: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه، فيُفتنون به، وذلك مكرٌ.
فصل
• السَّنة شجرةٌ، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعته فثمرة شجرته طيبةٌ، ومن كانت في معصيةٍ فثمرته حنظلٌ، وإنما يكون الجَدَادُ يوم المعاد؛ فعند الجَدَاد يتبينُ حلو الثمار من مُرّها.
• والإخلاص والتوحيد شجرةٌ في القلب؛ فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ؛ فثمرة التوحيد والإخلاص في الدُّنيا كذلك.
стр. 249
• والشركُ والكذبُ والرياءُ شجرةٌ في القلب؛ ثمرها في الدنيا الخوف والهمُّ والغمّ وضيق الصدر وظلمةُ القلب، وثمرها في الآخرة الزقُّوم والعذابُ المقيم.
وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم.
فصل
إذا بلغ العبد أُعطِيَ عهدَه الذي عَهِدَه إليه خالقه ومالكه.
فإذا أخذ عهده بقوة وقبول وعزمٍ على تنفيذ ما فيه؛ صَلُح للمراتب والمناصب التي يَصلُح لها الموفون بعهودهم.
فإذا هزَّ نفسه عند أخذ العهد وانتخاها وقال: قد أُهِّلتُ لعهد ربي؛ فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني؟! فحَرَصَ أولًا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له، ثم وطَّن نفسَه على امتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده، فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمَّنه، فاستحدث همَّةً أخرى وعزيمةً غير العزيمة التي كان فيها وقت الصِّبا قبل وصول العهد، فاستقال من ظلمة غِرَّةِ الصِّبا والانقياد للعادة والمنشأ، وصبر على شرف الهمة، وهتكَ ستر الظلمة إلى نور اليقين، فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله.
فأوَّلُ مراتب سعادته أن تكون له أذنٌ واعيةٌ وقلبٌ يَعقِل ما تَعِيْه الأذُن.
فإذا سمع، وعقلَ، واستبانتْ له الجادَّة، ورأى عليها تلك الأعلامَ، ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يمينًا وشمالًا، فلزمها، ولم ينحرف مع
стр. 250
المنحرفين، الذين كان سببُ انحرافهم عدمَ قبول العهد، أو قبلوه بكُرهٍ ولم يأخذوه بقوةٍ ولا عزيمةٍ ولا حدَّثوا أنفسَهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه، بل عُرِضَ عليهم العهدُ ومعهم ضَراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات، فتلقَّوا العهدَ تلقيَ من هو مكتفٍ بما وجدَ عليه آباءه وسلفه وعادتهم، لا تلقّي من يجمع همَّه وقلبه على فهم العهد والعمل به، حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له: تأملْ ما فيه ثم اعملْ بموجبه! فإذا لم يتلقَّ عهدَه هذا التلقي أخلَد إلى سيرة القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده! فإن عَلَتْ همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفاتٍ إلى تدبر العهد وفهمه، فرضي لنفسه أن يكون دينه دينَ العادة! فإذا شامَه الشيطان، ورأى هذا مبلغَ همته وعزيمته؛ رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه، وزيَّن له أن هذا هو الحق وما خالفه باطلٌ، ومثَّل له الهدى في صورة الضلال والضلالَ في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أُسِّستْ على غير علم، فرِضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم، فخُذِل عن الهدى، وولَّاه الله ما تولى؛ فلو جاءه كل هدى يخالف قومَه وعشيرته لم يَره إلا ضلالة.
وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبلَ على حفظ عهده وفهمه وتدبره، وعلم أن لصاحب العهد شأنًا ليس كشأن غيره، فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد، فوجدَه قد تعرف إليه وعرَّفه نفسَه وصفاتِه وأسماءه وأفعاله وأحكامه، فعرف من ذلك العهد: قيومًا بنفسه مقيمًا لغيره، غنيًّا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه، يرى ويسمع، ويرضى ويغضب، ويحب ويبغضُ، ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلمٌ آمرٌ ناهٍ، يُرسل رسلَه
стр. 251
إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يُسمِعه من يشاء من خلقه، وأنه قائمٌ بالقسط مُجازٍ بالإحسان والإساءة، وأنه حليمٌ غفور شكور جوادٌ محسنٌ، موصوفٌ بكل كمال، منزَّهٌ عن كل عيب ونقص، وأنه لا مِثلَ له، ويشهد حكمته في تدبير مملكته، وكيف يقدر مقاديره بمشيئةٍ غير مضادةٍ لعدله وحكمته، وتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة فصدَّق كل منهما صاحبيه، وفَهِمَ عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه التي بها نزل الكتاب وبها نطقَ ولها أثبتَ وحققَ وبها تعرَّفَ إلى عباده حتى أقرَّتْ به العقولُ وشهدتْ به الفِطرُ.
فإذا عرفَ بقلبه وتيقنَ صفاتِ صاحب العهد أشرقَتْ أنوارها على قلبه فصارت كالمعاينة له:
فرأى حينئذ تعلُّقَها بالخلق والأمر وارتباطهما بها وسريانَ آثارهما (١) في العالم الحسي والعالم الروحي.
ورأى تصرفها في الخلائق؛ كيف عمَّتْ وخصَّتْ وقرَّبتْ وأَبعدتْ وأعطتْ ومنعتْ، فشاهد بقلبه مواقع عدله سبحانه وقسطه وفضله ورحمته، واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته، وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته، ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته، ومعيته، وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجُوده وعفوه وحلمه.
ورأى لزومَ الحجة مع قهر المقادير التي لا خروجَ لمخلوق عنها، وكيف اصطحاب الصفات وتوافقُها وشهادة بعضها لبعض، وانعطاف
стр. 252
الحكمة التي هي نهايةٌ وغاية على المقادير التي هي أولٌ وبدايةٌ، ورجوع فروعها إلى أصولها ومبادئها إلى غاياتها، حتى كأنه يشاهد مبادئَ الحكمة وتأسيس القضايا على وفق الحكمة والعدل والمصلحة والرحمة والإحسان، لا تَخرجُ قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان وانفصال الأحكام يوم الفصل بين العباد وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما أخبرت به عنه لجميع الخليقة؛ إنسِها وجنِّها مؤمنها وكافرها، وحينئذٍ يتبينُ من صفات جلاله ونعوت كماله للخلق ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك، حتى إن أعرف خلقه به في الدنيا يُثني عليه يومئذٍ من صفات كماله ونعوت جلاله ما لم يكن يُحسِنه في الدنيا (١)، وكما يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ الزائغون وضلَّ الضالون وانقطع المنقطعون، فيكون الفرق بين العلم يومئذٍ بحقائق الأسماء والصفات والعلم بها في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار ومشاهدتهما وأعظم من ذلك.
وكذلك يفهم من العهد: كيف اقتضتْ أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع وأن لا يترك خلقه سُدىً، وكيف اقتضتْ ما تضمنتْه من الأوامر والنواهي، وكيف اقتضتْ وقوعَ الثواب والعقاب والمعاد، وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته؛ بحيث يُنزَّهُ عما زعم أعداؤُهُ من إنكار ذلك.
ويرى شمولَ القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يَشِذَّ عنها مثقال ذرة، ويرى أنه لو كان معه إلهٌ آخرُ لفسدَ هذا العالم، فكانت تفسد السماوات والأرض ومن فيهن، وأنه سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدكَ هذا العالم بأسْرِه ولم يثبتْ طرفةَ عين.
стр. 253
ويرى مع ذلك الإسلام والإيمان اللَّذين تعبَّد الله بهما جميعَ عباده؛ كيف انبعاثهما من الصفات المقدسة، وكيف اقتضيا الثوابَ والعقاب عاجلًا وآجلًا.
ويرى مع ذلك أنه لا يستقيم قبولُ هذا العهد والتزامُه لمن جحدَ صفاتِه وأنكر علوَّه على خلقه وتكلمه بكتبه وعهوده؛ كما لا يستقيم قبوله لمن أنكر حقيقة سمعه وبصره وحياته وإرادته وقدرته، وأن هؤلاء هم الذين ردُّوا عهدَه وأبَوا قبولَه، وأن من قبله منهم لم يقبله بجميع ما فيه. وبالله التوفيق.
فصل
خُلِق بدنُ ابنِ آدم من الأرض وروحُه من ملكوت السماء، وقُرِنَ بينهما:
فإذا أجاع بدنَه وأسهَره وأقدمه في الخدمة وجدتْ روحُه خفةً وراحة، فتاقتْ إلى الموضع الذي خُلِقتْ منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي. وإذا أشبَعه ونعَّمه ونوَّمَه واشتغل بخدمتِه وراحتِه أخلد البدنُ إلى الموضع الذي خُلِق منه، فانجذبت الروحُ معه، فصارتْ في السجن؛ فلولا أنها ألِفت السجنَ لاستغاثتْ من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خُلِقت منه كما يستغيث المعذَّبُ.
وبالجملة فكلَّما خفَّ البدنُ لَطُفتِ الروحُ وخفَّتْ وطلبت عالمها العلوي، وكلما ثَقُل وأخلدَ إلى الشهوات والراحة ثقلتِ الروحُ وهبطتْ من عالمها وصارتْ أرضيةً سُفْليةً.
فترى الرجلَ روحُه في الرفيق الأعلى وبدنُه عندك، فيكون نائمًا على
стр. 254
فراشِه وروحُه عند سدرة المنتهى تجول حول العرش، وآخرُ واقفٌ في الخدمة ببدنِه وروحُه في السفل تجول حول السفليات.
فإذا فارقت الروحُ البدنَ التحقتْ برفيقها الأعلى أو الأدنى؛ فعند الرفيق الأعلى كلُّ قرةِ عين وكلُّ نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة، وعند الرفيق الأسفل كلُّ همّ وغمّ وضيق وحزن وحياة نكِدةٍ ومعيشة ضَنْكٍ.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]؛ فذِكْره كلامه الذي أنزله على رسوله، والإعراض عنه ترك تدبره والعملِ به، والمعيشة الضنك فأكثر ما جاء في التفسير: أنها عذاب القبر. قاله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابنُ عباس (١)، وفيه حديث مرفوع (٢)، وأصل الضنك في اللغة الضيق والشدة، وكل ما ضاقَ فهو ضَنْكٌ، يقال: منزلٌ ضنكٌ وعيشٌ ضنك؛ فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن بالشهوات واللذات والراحة؛ فإن النفس كلما وسّعت عليها ضيَّقت على القلب حتى تصير معيشةً ضنكا، وكلما ضيَّقت عليها وسَّعت على القلب حتى ينشرحَ وينفسحَ؛ فضنك المعيشة في الدنيا بموجب التقوى سعتها في البرزخ والآخرة، وسعة المعيشة في الدنيا بحكم الهوى ضَنْكها في البرزخ والآخرة.
فآثِرْ أحسَن المعيشتين وأطيَبهما وأدومَهما! وأَشْقِ البدنَ بنعيم الروح
стр. 255
ولا تُشْقِ الروحَ بنعيم البدن! فإن نعيم الروح وشقاءها أعظم وأدوم، ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون.
والله المستعان.
فصل
العارفُ لا يأمر الناسَ بترك الدنيا؛ فإنهم لا يقدرون على تركها، ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم؛ فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضةٌ؛ فكيف يُؤمَر بالفضيلة من لم يُقِم الفريضة؟!
فإن صعُب عليهم ترك الذنوب؛ فاجتهد أن تحبّب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله؛ فإن القلوب مفطورةٌ على محبته؛ فإذا تعلقتْ بحبه هانَ عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها.
وقد قال يحيى بن معاذ: طلبُ العاقلِ للدنيا خيرٌ من ترك الجاهل لها.
العارف يدعو الناسَ إلى الله من دنياهم فتسهُلُ عليهم الإجابة، والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا فتشُقُّ عليهم الإجابة؛ فإن الفطام عن الثدي الذي ما عقلَ الإنسانُ نفسَه إلا وهو يرتضع منه شديد، ولكن تخيّر من المرضعات أزكاهن وأفضلهن؛ فإن للبن تأثيرًا في طبيعة المرتضع، ورضاع المرأة الحمقى يعود بحمق الولد، وأنفع الرضاعة ما كان من المجاعة. فإن قوِيتَ على مرارة الفطام، وإلَّا فارتضِعْ بقدر؛ فإن من البَشَم ما يقتل.
стр. 256
فصل
• بين رعاية الحقوق مع الضرّ ورعايتها مع العافية بونٌ بعيدٌ.
• "إن عبدي -كل عبدي- الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرنَه" (١).
• ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥].
• ليس العجب من صحيح فارغ واقفٍ مع الخدمة، إنما العجب من ضعيف سقيم تَعتَوِره الأشغال وتختلف عليه الأحوال وقلبه واقف في الخدمة غير متخلِّفٍ بما يقدر عليه.
فصل
• معرفة الله سبحانه نوعان:
الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس؛ البر والفاجر، والمطيع والعاصي.
والثاني: معرفة تُوجب الحياءَ منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخاصة الجارية على لسان القوم، وتفاوتُهم فيها لا يُحصيه إلا الذي عرفَهم بنفسه وكشفَ لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم، وكلٌّ أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كُشِفَ له منها،
стр. 257
وقد قال أعرفُ الخلق به: "لا أُحصِي ثناء عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك" (١)، وأخبر أنه سبحانه يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن.
• ولهذه المعرفة بابان واسعان:
باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله.
والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة، وتأملُ حكمتِه فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه.
وجِماعُ ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق والأمر؛ فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
فصل
الدراهم أربعةٌ: درهمٌ اكتُسِبَ بطاعة الله وأُخرِج في حقِّ الله؛ فذاك خير الدراهم، ودرهم اكتُسِب بمعصية الله وأُخرج في معصية الله؛ فذاك شر الدراهم، ودرهم اكتُسِب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم؛ فهو كذلك، ودرهم اكتسب بمباح وأُنفق في شهوة مباحة؛ فذاك لا له ولا عليه.
стр. 258
هذه أصول الدراهم، ويَتفرَّعُ عليها دراهمُ أُخر؛ منها: درهم اكتُسِب بحق وأُنفِق في باطل. ودرهم اكتُسِب بباطل وأنفق في حق؛ فإنفاقه كفارته. ودرهم اكتُسِب من شبهة؛ فكفارته أن ينفق في طاعة.
وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم؛ فكذلك يتعلق باكتسابه.
وكذلك يُسأَل عن مستخرجه ومصروفه؛ من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه (١)؟
فصل
المواساةُ للمؤمنين أنواعٌ: مواساةٌ بالمال، ومواساةٌ بالجاه، ومواساةٌ بالبدن والخدمة، ومواساةٌ بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومواساةٌ بالتوجع لهم.
و على قدر الإيمان تكون هذه المواساة ؛ فكلما ضَعُفَ الإيمان ضعفت المواساةُ، وكلما قوي قويتْ.
وكان رسول الله ﷺ أعظمَ النالس مواساةً لأصحابه بذلك كله؛ فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له.
ودخلوا على بِشر الحافي في يوم شديد البرد، وقد تجرَّد، وهو يَنتفِضُ، فقالوا: ما هذا يا أبا نصر؟ فقال: ذكرتُ الفقراء وبردَهم، وليس لي ما أواسيهم به، فأحببتُ أن أواسيَهم في بردهم.
стр. 259
فصل
الجهل بالطريق وآفاتها والمقصودِ يُوجب التعبَ الكثير مع الفائدة القليلة؛ فإن صاحبه إما أن يجتهد في نافلة مع إضاعة الفرض، أو في عمل بالجوارح لم يواطئه عمل القلب، أو عمل بالباطن والظاهر لم يتقيد بالاقتداء، أو همةٍ إلى عمل لم ترق بصاحبها إلى ملاحظة المقصود، أو عمل لم يحترز من أفاته المفسدة له حال العمل وبعده، أو عملٍ غفلَ فيه عن مشاهدة المنة فلم يتجرَّد عن مشاركة النفس فيه، أو عمل لم يشهد تقصيرهُ فيه فيقوم بعده في مقام الاعتذار منه، أو عمل لم يُوفِّه حقَّه من النصح والإحسان وهو يظنُّ أنه وفَّاه؛ فهذا كله مما ينقص الثمرة مع كثرة التعب. والله الموفق.
فصل
إذا عزم العبدُ على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضَتْ له الخوادع والقواطع، فينخدع أولًا بالشهوات والرئاسات والملاذِّ والمناكح والملابس. فإن وقف معها انقطع، وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتُلِي بوطء عقبه وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ذلك. فإن وقف معه انقطعَ به عن الله وكان حظّه منه، وإن قطعهُ ولم يقفْ معه ابتُلِي بالكرامات والكشوفات. فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه، وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي ولذة الجمعية وعزة الموحدة والفراغ من الدنيا. فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود، وإن لم يقف معه وسار ناظرًا إلى مراد الله منه وما يحبه منه؛ بحيث يكون عبده الموقوف على محابِّه ومراضيه أين كانت وكيف كانت؛ تعبَ بها أو استراح،
стр. 260
تنعَّم أو تألم، أخرجتْه إلى الناس أو عزلتْه عنهم، لا يختار لنفسه غيرَ ما يختاره له وليُّه وسيدُه، واقفٌ مع أمره ينفذه بحسب الإمكان، ونفسه عنده أهونُ عليه أن يُقدِّم راحتَها ولذَّتها على مرضاة سيده وأمرِه؛ فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيءٌ البتة. وبالله التوفيق.
فصل
النعم ثلاثةٌ: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمةٌ منتظرةٌ يرجوها، ونعمةٌ هو فيها لا يَشعُر بها.
فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرَّفَه نعمتَه الحاضرة وأعطاه من شكره قيدًا يُقيِّدُها به حتى لا تَشرُد؛ فإنها تَشرد بالمعصية وتُقيَّدُ بالشكر. ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصَّره بالطرق التي تسُدُّها وتقطع طريقها ووفَّقه لاجتنابها، وإذا بها قد وافتْ إليه على أتم الوجوه. وعرَّفه النعمَ التي هو فيها ولا يشعر بها.
ويُحكى أن أعرابيًّا دخل على الرشيد، فقال: أمير المؤمنين! ثبَّتَ الله عليك النعمَ التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقَّق لك النعمَ التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرَّفك النعمَ التي أنت فيها ولا تَعرِفها لتشكرها. فأعجبه ذلك منه وقال: ما أحسنَ تقسيمَه!
قاعدة جليلة
مبدأُ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوعَ الفعل، وكثرةُ تكراره تعطي العادة.
стр. 261
فصلاحُ هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادُها بفسادها.
فصلاحُ الخواطر بأن تكونَ مراقِبةً لوليها وإلهها، صاعدةً إليه، دائرةً على مرضاته ومحابِّه؛ فإنه سبحانه به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشدٍ، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاءٍ.
فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته وطرق عبوديته، وإنزاله إيَّاه حاضرًا معه مشاهدًا له ناظرًا إليه رقيبًا عليه مطلعًا على خواطره وإراداته وهمّه؛ فحينئذٍ يَستحيي منه ويُجِلُّه أن يُطلِعه منه على عورةٍ يكره أن يطلع عليها مخلوقٌ مثله أو يرى في نفسه خاطرًا يَمقُته عليه.
فمتى أنزل ربَّه هذه المنزلةَ منه رفَعَه وقرَّبهُ منه وأكرمه واجتباه ووالاه، وبقدر ذلك يَبعُد عن الأوساخ والدَّناءات والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة؛ كما أنه كلما بَعُد منه وأعرض عنه قَرُب من الأوساخ والدناءات والأقذار، ويُقطَع عن جميع الكمالات ويتصل بجميع النقائص.
فالإنسان خيرُ المخلوقات إذا تقرَّب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه، وشرُّ المخلوقات إذا تباعد عنه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته؛ فمتى اختار التقربَ إليه وآثره على نفسه وهواه فقد حكَّم قلبَه وعقله وإيمانه على نفسه وشيطانِه، وحكَّم رشدَه على غيِّه وهداه على هواه، ومتى اختار التباعدَ منه فقد حكَّم نفسَه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده.
стр. 262
واعلم أن الخطراتِ والوساوسَ تُؤدِّي متعلقاتُها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤدِّيها إلى التذكُّر، فيأخذها الذِّكر فيؤدِّيها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤدِّيها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، فردُّها من مبادئها أسهلُ من قطعها بعد قوتها وتمامها.
ومعلوم أنه لم يُعطَ الإنسانُ إماتةَ الخواطر ولا القوةَ على قطعها؛ فإنها تَهجُم عليه هجومَ النفس؛ إلَّا أن قوة الإيمان والعقل تُعِينُهُ على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى دَفْع أقبحها وكراهته له ونفرته منه؛ كما قال الصحابة: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يَحترِقَ حتى يصير حُمَمةً أحبُّ إليه من أن يتكلم به؟ فقال: "أوقد وجدتموه؟ ". قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان" (١). وفي لفظ: "الحمد لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسة" (٢).
وفيه قولان:
أحدهما: أن ردَّه وكراهته صريح الإيمان.
والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان؛ فإنه إنما ألقاهُ في النفس طلبًا لمعارضة الإيمان وإزالته به.
وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهةً بالرَّحى الدائرة التي لا تَسكُن ولا بد لها من شيء تطحنه؛ فإذا وُضع فيها حَبٌّ طحنتْه، وإن وُضع فيها ترابٌ أو حصى طحنتْه. فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي
стр. 263
بمنزلة الحب الذي يوضع في الرَّحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلةً قط، بل لا بد لها من شيءٍ يوضع فيها؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبًّا يخرج دقيقًا ينفع به نفسَه وغيره، وأكثرهم يطحن رملًا وحصىً وتْبِنًا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العَجْن والخَبْز تبيَّن له حقيقةُ طحينه.
فصل
فإذا دفعتَ الخاطر الوارد عليك اندفعَ عنك ما بعده، وإن قبلتَه صار فكرًا جوالًا، فاستخدَم الإرادةَ، فتساعدتْ هي والفكر على استخدام الجوارح؛ فإن تعذَّر استخدامُها رجعا إلى القلب بالمُنَى والشهوة وتَوجُّهِه إلى جهة المراد.
ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهلُ من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد.
فأنفع الدواء أن تَشغلَ نفسَك بالفكر فيما يَعنِيك دون ما لا يَعنِيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه.
فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحقُّ شيءٍ بإصلاحه من نفسك؛ فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعدُ بها أو تقرُبُ من إلهك ومعبودك الذي لا سعادةَ لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكلُّ الشقاء في بعدك عنه وسخطِه عليك.
ومن كان في خواطره ومجالاتِ فكره دنيئًا خسيسًا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك.
стр. 264
وإياك أن تُمكِّن الشيطانَ من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يُفسِدها عليك فسادًا يَصعُب تداركُه، ويُلقِي إليك أنواعَ الوساوس والأَفكار المضرة، ويَحُول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنتَه على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك؛ فمثالك معه مثال صاحب رحًى يطحن فيها جيدَ الحبوب، فأتاه شخصٌ معه حِمْلُ ترابٍ وبَعرٍ وفحم وغُثاء ليطحنه في طاحونه؛ فإن طرده ولم يُمكِّنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمرَّ على طحن ما ينفعه، وإن مكنَّه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسدَ ما فيها من الحَبّ وخرج الطحين كله فاسدًا.
والذي يُلقِيه الشيطانُ في النفس لا يَخرُج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما لم يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالات وهميةٍ لا حقيقة لها، إمّا في باطل، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طُوي عنه علمه، فيُلقِيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غايةً ولا يقف منها على نهايةٍ، فيجعل ذلك مجال فكره ومسرحَ وهمِه.
وجِمَاع إصلاح ذلك: أن تَشغَل فكرَك في باب العلوم والتصورات بمعرفةَ ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرُّز منها. وفي باب الإرادات والعُزوم أن تَشغَل نفسَك بإرادة ما ينفعك إرادته، وطَرْحِ إرادة ما يضرُّك إرادتُهُ.
وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضرُّ على القلب من نفس الخيانة، ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها؛ فإن تمنّيها يَشغَل القلبَ بها ويملؤه منها ويجعلها همَّه ومرادهُ.
стр. 265
وأنت تجد في الشاهد: الملِك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخَدَمِه من هو مُتمنٍّ لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلئٌ منها، وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله؛ فإذا اطلع على سرِّه وقصدِه مَقَتَه غايةَ المقت، وأبغضَه، وقابله بما يستحقه، وكان أبغضَ إليه من رجل بعيد عنه جَنَى بعضَ الجنايات وقلبُه وسِرُّه مع الملك غير منطوٍ على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها؛ فالأول يتركها عجزًا واشتغالًا بما هو فيه وقلبه ممتلئٌ بها، والثاني يفعلها وقلبه كارهٌ لها ليس فيه إضمارُ الخيانة ولا الإصرار عليها؛ فهذا أحسنُ حالًا وأسلمُ عاقبةً من الأول.
وبالجملة ف القلب لا يخلو قطُّ من الفكر: إما في واجب آخرته ومصالحها، وإما في مصالح دنياه ومعاشه، وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدَّرات المفروضة.
وقد تقدَّم أن النفس مَثلُها كمثل الرَّحَى تدور بما يُلقى فيها؛ فإن ألقيتَ فيها حبًّا دارتْ به، وإن ألقيتَ فيها زجاجًا وحصىً وبعرًا دارت به، والله سبحانه هو قيِّم تلك الرحى ومالكها ومُصرِّفُها، وقد أقام لها ملَكًا يُلقِي فيها ما ينفعها فتدور به، وشيطانًا يلقي فيها ما يضرُّها فتدور به؛ فالملك يلمُّ بها مرةً والشيطان يلمُّ بها مرة؛ فالحَبّ الذي يُلقيه الملك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، والحَبّ الذي يُلقيه الشيطان إيعادٌ بالشر وتكذيبٌ بالوعد، والطحين على قدر الحب، وصاحب الحبّ المُضِرّ لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغةً من الحب النافع، وقيِّمها قد أهملها وأعرض عنها؛ فحينئذ يُبادِر إلى إلقاء ما معه فيها.
وبالجملة فقَيِّمُ الرَّحى إذا تخلَّى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحَبّ النافع فيها وجدَ العدوُّ السبيلَ إلى إفسادها وإدارتها بما معه.
стр. 266
وأصل صلاح هذه الرَّحى بالاشتغال بما يعنيك، وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك.
وما أحسن ما قال بعض العقلاء: لما وجدتُ أنواع الذخائر منصوبةً غرضًا للمتالف، ورأيتُ الزوال حاكمًا عليها مدركًا لها، انصرفتُ عن جميعها إلى ما لا يُنازِع فيه ذو الحِجَا أنه أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر. والله المستعانُ.
• قال شقيق بن إبراهيم: أُغلِقَ بابُ التوفيق عن الخلق من ستة أشياء: اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم في العلم وتركهم العمل، والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم، وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها، وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها.
قلت: وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة، وأصله ضعف اليقين، وأصله ضعفُ البصيرة، وأصله مهانة النفس ودناءتها واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ، وإلَّا فلو كانت النفس شريفةً كبيرةً لم ترضَ بالدُّون.
فأصلُ الخير كله -بتوفيق الله ومشيئته- شرفُ النفس ونُبلها وكِبَرها، وأصلُ الشر خِسَّتها ودناءتها وصِغَرها.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]؛ أي أفلح من كبَّرها وكثَّرها ونمَّاها بطاعة الله، وخاب من صغَّرها وحقَّرها بمعاصي الله.
فالنفوسُ الشريفةُ لا ترضى من الأشياء إلَّا بأعلاها وأفضلها
стр. 267
وأحمدها عاقبةً، والنفوسُ الدنيئة تحومُ حولَ الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار.
فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنَّها أكبر من ذلك وأجلُّ، والنفس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك.
فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]؛ أي: على ما يشاكله ويناسبه؛ فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته، وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعادته التي ألِفَها وجُبِلَ عليها؛ فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة النعم بالمعاصي والإعراض عن المنعم، والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر المنعم ومحبته والثناء عليه والتودُّد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه وإجلاله.
فصل: من لم يَعرِف نفسَه كيف يَعرِف خالقَه؟
فاعلم أن الله تعالى خلق في صدرك بيتًا وهو القلب، ووضعَ في صدره عرشًا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى؛ فهو مستوٍ على عرشه بذاته بائنٌ من خلقه، والمثل الأعلى من معرفته ومحبته وتوحيده مستوٍ على سرير القلب، وعلى السرير بِساطٌ من الرضى، ووضع عن يمينه وشماله مَرافقَ شرائعِه وأوامره، وفتَح إليه بابا من جنة رحمته والأنس به والشوق إلى لقائه، وأمطره من وابل كلامه ما أنبتَ فيه أصنافَ الرياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطاعات والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس، وجعل في وسط البستان شجرة معرفة؛ فهي ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا
стр. 268
كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] من المحبة والإنابة والخشية والفرح به والابتهاج بقربه، وأجرى إلى تلك الشجرة ما يَسقِيها من تدبر كلامه وفهمه والعمل بوصاياهُ، وعلَّق في ذلك البيت قنديلًا أسرجَه بضياء معرفته والإيمان به وتوحيده؛ فهو يَستمِدُّ من ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]، ثم أحاط عليه حائطًا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان؛ فلا يلحقه أذاهم، وأقام عليه حرسًا من الملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه، ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه؛ فهو دائمًا همُّه إصلاح السكن ولمُّ شَعَثِه ليرضاه الساكن منزلًا، وإذا أحسَّ بأدنى شعث في السكن بادر إلى إصلاحه ولمّه خشيةَ انتقال الساكن منه؛ فنعم الساكن والمسكن.
فسبحان الله رب العالمين! كم بين هذا البيت وبيتٍ قد استولى عليه الخرابُ وصار مأوى للحشرات والهوامِّ ومحلًّا لإلقاء الأنتان والقاذورات فيه؛ فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربةً لا ساكن فيها ولا حافظ لها، وهي مُعدَّة لقضاء الحاجة، مظلمة الأرجاء، منتةُ الرائحة، قد عمَّها الخرابُ وملأتْها القاذوراتُ؛ فلا يأنس بها ولا يَنزِل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوامِّ؛ الشيطان جالسٌ على سريرها، وعلى السرير بساطٌ من الجهل، وتَخفِقُ فيه الأهواء، وعن يمينه وشماله مَرافقُ الشهَوات واتباع الهوى، وقد فُتح إليه بابٌ من حَقْلِ الخذلان والوحشة والركونِ إلى الدنيا والطمأنينة بها والزهد في الآخرة، وأُمطِرَ من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع ما أنبتَ فيه أصنافَ الشوك والحنظل والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات، من الزوائد والتنديبات والنوادر والهزليات والمضحكات
стр. 269
والأشعار الغزليات والخمريات التي تُهيِّج على ارتكاب المحرمات وتُزهِّد في الطاعات، وجُعِلَ في وسط الحقل شجرةُ الجهل به والإعراض عنه؛ فهي تؤتي أُكلَها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون والذهاب مع كل ريح واتباع كل شهوة، ومن ثمرِها الهمومُ والغموم والأحزان والآلام، ولكنها متواريةٌ باشتغال النفس بلهوها ولعبها؛ فإذا أفاقتْ من سكرها أُحضرتْ كلَّ همٍّ وغمٍّ وحزنٍ وقلق ومعيشة ضَنْك، وأُجرِيَ إلى تلك الشجرة ما يَسقِيها من اتباع الهوى وطول الأمل والغرور، ثم تُرِكَ ذلك البيتُ وظلماته وخراب حيطانه؛ بحيث لا يُمنَع منه مفسِدٌ ولا حيوانٌ ولا مؤذٍ ولا قذرٌ.
فسبحانَ خالقِ هذا البيت وذلك البيت!
فمن عرف قدرَ بيته وقدر الساكن فيه وقدرَ ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات؛ انتفع بحياته ونفسه، ومن جَهِلَ ذلك جهل نفسَه وأضاع سعادته.
وبالله التوفيق.
فصل
• سئل سهل التستري: الرجل يأكل في اليوم أكلةً؟ قال: أكل الصديقين. قيل له: فأكلتين؟ قال: أكل المؤمنين. قيل له: فثلاث أكلاتٍ؟ فقال: قل لأهله يَبنُوا له مِعْلفًا.
• قال الأسود بن سالم: ركعتين (١) أصلِّيهما لله أحبّ إليَّ من الجنة بما فيها. فقيل له: هذا خطأٌ. فقال: دَعُونا من كلامكم؛ الجنة رضَى
стр. 270
نفسي، والركعتان رضَى ربي، ورضى ربي أحبُّ إليَّ من رضي نفسي.
• العارف في الأرض ريحانةٌ من رياحين الجنة، إذا شمَّها المريد اشتاقتْ نفسُه إلى الجنة.
• قلبُ المحب موضوعٌ بين جلال محبوبه وجماله؛ فإذا لاحظ جلاله هابهُ وعظَّمهُ، وإذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إليه.
فائدة
من الناس من يَعرِف اللَّهَ بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته. وأعمُّ هؤلاء معرفةً من عرفَهُ من كلامه؛ فإنه يعرف ربًّا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال، منزَّهٌ عن المثال، بريءٌ من النقائص والعيوب، له كل اسم حسن وكل وصف كمال، فعَّالٌ لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيمٌ لكل شيء، آمرٌ، ناهٍ، متكلمٌ بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيءٍ، أرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين.
فالقرآن أُنزِلَ لتعريف عباده به، وبصراطه المُوصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه.
فائدة
من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعمَ الله بها عليه
стр. 271
واختارها له، فَيمَلُّها العبدُ ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خيرٌ له منها، وربُّه برحمته لا يُخرِجه من تلك النعمة ويَعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعًا بتلك النعمة وسَخِطَها وتبرَّمَ بها واستحكم مَللُه لها سَلَبه الله إياها؛ فإذا انتقل إلى ما طلبه، ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه؛ اشتدَّ قلقُه وندمه وطلبَ العودة إلى ما كان فيه.
فإذا أراد الله بعبده خيرًا ورشدًا أشهدَه أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورَضَّاهُ به وأوزعَه شكره عليه؛ فإذا حدَّثتْه نفسُه بالانتقال عنه استخار ربَّه استخارةَ جاهلٍ بمصلحته عاجزٍ عنها مُفوِّضٍ إلى الله طالبٍ منه حسنَ اختياره له.
وليس على العبد أضرُّ من مَلَلِه لنعم الله؛ فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها، بل يَسخَطها ويشكوها ويعدُّها مصيبةً، هذا وهي من أعظم نعم الله عليه.
فأكثر الناس أعداءُ نِعَمِ الله عليهم، ولا يَشعُرون بفتح الله عليهم نِعمَه، وهم مجتهدون في دفعها وردَّها جهلًا وظلمًا؛ فكم سَعَتْ إلى أحدهم من نعمةٍ وهو ساعٍ في ردِّها بجهده! وكم وصلتْ إليه وهو ساعٍ في دفعها وزوالها بظلمه وجهله!
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
فليس للنعم أعدى من نفس العبد؛ فهو مع عدوه ظهير على نفسه،
стр. 272
فعدوه يطرح النارَ في نعمه وهو ينفخ فيها؛ فهو الذي مكَّنه من طرح النارِ ثم أعانهُ بالنفخ؛ فإذا اشتد ضرامُها استغاثَ [من] الحريق، وكان غايته معاتبة الأقدار:
وعاجزُ الرأي مِضياعٌ لفرصته … حتَّى إذا فاتَ أمرٌ عاتبَ القدرا (١)
فصل
من أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال، وهي معرفة خواصِّ الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمُّهم معرفةً من عرفه بكماله وجلاله وجماله، سبحانه ليس كمثله شيءٌ في سائر صفاته.
ولو فرضتَ الخلقَ كلهم على أجملهم صورةً، وكلهم على تلك الصورة، ونسبتَ جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه؛ لكان أقلَّ من نسبة سراج ضعيف إلى قُرْصِ الشمس.
ويكفي في جماله أنه لو كشفَ الحجابَ عن وجهه لأحرقتْ سُبُحاتُه ما انتهى إليه بصره من خلقه (٢).
ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته؛ فما الظنُّ بمن صدر عنه هذا الجمال؟!
ويكفي في جماله أنه له العزة جميعًا، والقوة جميعًا، والجود كله، والإحسان كله، والعلم كله، والفضل كله، ولنور وجهه أشرقت
стр. 273
الظلمات؛ كما قال النبي ﷺ في دعاء الطائف: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلماتُ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة" (١).
وقال عبد الله بن مسعود (٢): ليس عند ربكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه؛ فهو سبحانه نور السماوات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تُشرِق الأرضُ بنوره.
ومن أسمائه الحسنى: الجميل.
وفي الصحيح عنه ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" (٣).
وجماله سبحانه على أربعة مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء؛ فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ ورحمةٌ. وأما جمال الذات وما هو عليه فأمرٌ لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرَّف بها إلى من أكرمه من عباده؛ فإن ذلك الجمال مَصُونٌ عن الأغيار، محجوبٌ بستر الرداء والإزار؛ كما قال رسوله ﷺ فيما يحكي عنه: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" (٤)، ولما كانت الكبرياء أعظمَ وأوسع كانت أحقَّ باسم الرداء؛ فإنه سبحانه الكبير المتعال؛ فهو سبحانه العلي العظيم.
стр. 274
قال ابن عباس: حجب الذَّات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال؛ فما ظنك بجمال حُجِبَ بأوصاف الكمال، وسُتِرَ بنعوت العظمة والجلال؟!
ومن هذا المعنى يُفهَم بعضُ معاني جمال ذاته؛ فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات؛ فإذا شاهد شيئًا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات.
ومن ها هنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله، وأن أحدًا من خلقه لا يحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وأنه يستحق أن يُعبَد لذاته ويُحَبّ لذاته ويُشكَر لذاته، وأنه سبحانه يُحِبّ نفسه ويُثني على نفسه ويحمد نفسه، وأن محبته لنفسه وحمده لنفسه وثناءه على نفسه وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة الحمد والثناء والحب والتوحيد؛ فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، وهو سبحانه كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله؛ فكل أفعاله حسن محبوب، وإن كان في مفعولاته ما يُبغضه ويكرهه؛ فليس في أفعاله ما هو مكروهٌ مسخوطٌ، وليس في الوجود ما يُحَب لذاته ويُحمَد لذاته إلا هو سبحانه، وكل ما يُحَبّ سواه؛ فإن كانت محبته تابعةً لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحةٌ، وإلَّا فهي محبةٌ باطلةٌ، وهذا هو حقيقة الإلهية؛ فإن الإله الحق هو الذي يُحَبّ لذاته ويُحمَد لذاته؛ فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبره ورحمته؟!
فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا مُحسِن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا
стр. 275
هو، فيحبه لإحسانه وإنعامه ويحمده على ذلك؛ فيحبه من الوجهين جميعًا.
وكما أنه ليس كمثله شيءٌ؛ فليس كمحبته محبةٌ.
والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها؛ فإنها غاية الحب بغاية الذُّل، ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملًا.
وحمده يتضمن أصلين: الإخبار بمحامده وصفات كماله، والمحبة له عليها؛ فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامدًا، ومن أحبه من غير إخبار بمحاسنه لم يكن حامدًا؛ حتى يجمع الأمرين.
وهو سبحانه يَحمد نفسَه بنفسه، ويَحمد نفسَه بما يُجرِيه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين؛ فهو الحامد لنفسه بهذا وهذا؛ فإن حمدهم له بمشيئته وإذنه وتكوينه؛ فإنه هو الذي جعل الحامد حامدًا والمسلم مسلمًا والمصلي مصليًا والتائب تائبًا؛ فمنه ابتدأت النعم وإليه انتهت، فابتدأت بحمده وانتهت إلى حمده، وهو الذي ألهم عبده التوبة وفرح بها أعظمَ فرح وهي من فضله وجوده، وألهم عبدَه الطاعةَ وأعانَه عليها ثم أثابهُ عليها وهي من فضله وجوده.
وهو سبحانه غني عن كل ما سواه بكل وجه، وما سواه فقيرٌ إليه بكل وجه، والعبد مفتقر إليه لذاته في الأسباب والغايات؛ فإن ما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع.
стр. 276
فصل
• وقوله في الحديث: "إن الله جميل يُحِبُّ الجمال" (١) يتناول جمال الثياب المسؤول عنه في نفس الحديث، ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء.
كما في الحديث الآخر: "إن الله نظيفٌ يحب النظافة" (٢).
وفي الصحيح: "إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا" (٣).
وفي السنن: "الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٤).
وفيها: عن أبي الأحوص الجُشَمي، [عن أبيه]؛ قال: رآني النبي ﷺ وعليَّ أطمارٌ، فقال: "هل لك من مال؟ ". قلت: نعم. قال: "من أي المال؟ ". قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاء. قال: "فلتُرَ نعمتُه وكرامتُه عليك" (٥).
فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن؛ فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها.
стр. 277
ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباسًا وزينةً تُجمِّل ظواهرهم وتقوى تُجمِّل بواطنهم فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال في أهل الجنة: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً (١٢)﴾ [الإنسان: ١١ - ١٢]؛ فجمَّلَ وجوهَهم بالنضرة وبواطنَهم بالسرور وأبدانَهم بالحرير.
وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة يُبغِضُ القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيئة؛ فيبغض القبيح وأهله، ويحب الجمال وأهله.
ولكن ضل في هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلقه جميل؛ فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه؛ فلا نبغض منه شيئًا. قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة. وأنشد منشدهم:
وإذا رأيتَ الكائناتِ بعينهم … فجميعُ ما يَحوِي الوجودُ مليحُ
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]. والعارف عندهم هو الذي يُصرِّح بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحًا. وهؤلاء قد عُدِمَتِ الغيرةُ لله من قلوبهم والبغضُ في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده! ويَرى جمال الصور من الذُّكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله، فيتعبدون بفسقهم! وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده
стр. 278
يظهر في تلك الصورة ويَحُلُّ فيها! وإن كان اتحاديًّا قال: هي مظهر من مظاهر الحق، ويسميها المظاهر الجمالية!!
فصل
وقابلهم الفريقُ الثاني، فقالوا: قد ذمَّ سبحانه جمالَ الصور وتمام القامة والخلقة؛ فقال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ [مريم: ٧٤] أي أموالًا ومناظر؛ قال الحسن: هو الصور. وفي "صحيح مسلم" (١) عنه ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". قالوا: ومعلومٌ أنه لم يَنفِ نظرَ الإدراك، وإنما نفى نظر المحبة. قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا. وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]. وفي الحديث: "البذاذة من الإيمان" (٢). وقد ذمَّ الله المسرفين، والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس.
وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يُحمَد، ومنه ما يُذَمّ، ومنه ما لا يتعلق به مدحٌ ولا ذمٌّ:
فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له؛ كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود (٣)، وهو نظير لباس آلة
стр. 279
الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه؛ فإن ذلك محمودٌ إذا تضمَّنَ إعلاءَ كلمة الله ونصرَ دينِه وغيظَ عدوِّه.
والمذموم منه ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه؛ فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همةٌ في سوى ذلك.
وأما ما لا يُحمَد ولا يُذم فهو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين.
والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين؛ فأوله معرفة، وآخره سلوكٌ؛ فيُعرَف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيءٌ، ويُعبَد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق؛ فيحب من عبده أن يُجمِّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار؛ فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة؛ فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه؛ فجمعَ الحديثُ قاعدتين: المعرفة، والسلوك.
فصل
ليس للعبد شيءٌ أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق العزيمة ؛ فيَصدُقه في عزمه وفي فعله؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ (٢١)﴾ [محمد: ٢١]؛ فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل. فصدق العزيمة جَمْعُها وجزمُها وعدم التردد
стр. 280
فيها، بل تكون عزيمةً لا يشوبها ترددٌ ولا تلوُّمٌ. فإذا صدقتْ عزيمتُه بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغُ الوسع وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيءٍ من ظاهره وباطنه. فعزيمةُ القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور.
ومن صَدَقَ اللَّهَ في جميع أموره صنعَ الله له فوق ما يصنع لغيره.
وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل؛ فأصدق الناس من صح إخلاصه وتوكله.
فائدة جليلة في القدر
ربٌّ ذو إرادة أمر عبدًا ذا إرادة:
فإن وفقه أراد من نفسه أن يُعِينه ويُلهِمه فعلَ ما أمر به.
وإن خَذلَه خلَّاه وإرادته ونفسه، وهو من هذه الحيثية لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعُه؛ فهو من حيث هو إنسانٌ لا يريد إلا ذلك، ولذلك ذمَّه الله في كتابه من هذه الحيثية، ولم يمدحه إلا بأمر زائدٍ على تلك الحيثية، وهو كونه مسلمًا ومؤمنًا وصابرًا ومحسنًا وشكورًا وتقيًّا وبرًّا ونحو ذلك، وهذا أمرٌ زائدٌ على مجرد كونه إنسانًا وإرادته صالحة، لكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيَّد بقدر زائد على ذلك، وهو التوفيق؛ كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية العين للإدراك إن لم يَحصُلْ سببٌ آخر من النور المنفصل عنها.
فصل
من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبُك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره؛ فإنك تُوقِّر المخلوقَ وتُجِلُّه أن يراك
стр. 281
في حال لا تُوقِّر الله أن يراك عليها!
قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]؛ أي لا تعاملونه معاملةَ من توقِّرونه، والتوقير: العظمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]؛ قال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقًّا ولا تشكرونه؟! وقال مجاهدٌ: لا تبالون عظمة ربكم. وقال ابن زيد: لا ترون لله طاعة. وقال ابن عباس: لا تعرفون حقَّ عظمته (١).
وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم لو عظَّموا الله وعرفوا حقَّ عظمته وحَّدوه وأطاعوه وشكروه؛ فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب.
ولهذا قال بعض السلف: لِيعظُم وقارُ الله في قلب أحدكم أن يذكره عند ما يستحيي من ذكره فَيقرِن اسمه به؛ كما تقول: قبح الله الكلب والخنزير والنتن، ونحو ذلك! فهذا من وقار الله.
ومن وقاره أن لا تَعدِلَ به شيئًا من خلقه، لا في اللفظ بحيث تقول: واللَّهِ وحياتِك ما لي إلا الله وأنت، وما شاء الله وشئتَ، ولا في الحب والتعظيم والإجلال، ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله، بل أعظم؛ كما عليه أكثر الظلمة والفجرة، ولا في الخوف والرجاء؛ ويجعله أهونَ الناظرين إليه، ولا يستهين بحقه ويقول: هو مبنيٌّ على المسامحة، ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه، ولا يكون الله ورسوله في حدٍّ وناحيةٍ، والناس في ناحية وحد، فيكون في الحد والشِّقِّ الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله
стр. 282
ورسوله، ولا يُعطي المخلوق في مخاطبته قلبَه ولبَّه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه، ولا يجعل مراد نفسه مقدمًا على مراد ربه، فهذا كله من عدم وقار الله في القلب. ومن كان كذلك فإن الله لا يُلقي له في قلوب الناس وقارًا ولا هيبة، بل يُسقِط وقارَه وهيبته من قلوبهم، وإن وقَّروه مخافةَ شره؛ فذاك وقارُ بغضٍ لا وقارُ حب وتعظيم.
ومن وقار الله أن يستحيي من اطلاعه على سِرِّه وضميره فيرى فيه ما يكره.
ومن وقاره أن يستحيي منه في الخلوة أعظم مما يستحيي من أكابر الناس.
والمقصود أن من لا يُوقِّر الله وكلامَه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يَطلب من الناس توقيَره وتعظيمه؟!
القرآن والعلم وكلام الرسول ﷺ صلاتٌ من الحق وتنبيهاتٌ وروادعُ وزواجر واردةٌ إليك، والشيب زاجرٌ ورادعٌ وموقظٌ قائمٌ بك؛ فلا ما ورد إليك وعظك، ولا ما قام بك نصحك، ومع هذا تطلب التوقيرَ والتعظيم من غيرك!! فأنت كمصابٍ لم تؤثر فيه مصيبته وعظًا وانزجارًا، وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر إلى مُصابه؛ فالضرب لم يُؤثِّر فيه زجرًا، وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه!!
من سمع بالمَثُلات والعقوبات والآيات في حق غيره ليس كمن رآها عيانًا في غيره؛ فكيف بمن وجدها في نفسه؟! ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ فآياته في الآفاق مسموعة معلومة، وآياته في النفس مشهودة مرئية؛ فعياذًا بالله من الخذلان.
стр. 283
قال تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١].
والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويُتمِّم نقائصَ خِلقته بفضائل أخلاقه وأعماله؛ فكلما امتَحِىَ من جُثمانه أثرٌ زاد في إيمانه أثرٌ، وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة.
وإن لم يكن هكذا فالموت خيرٌ له؛ لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد؛ بخلاف العيوب والنقائص مع طول العمر؛ فإنها زيادةٌ في ألمه وهمه وغمه وحسرته، وإنما حَسُنَ طول العمر ونفعَ ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الفرص والتوبة النصوح؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧].
فمن لم يُورِثه التعميرُ وطول البقاء إصلاحَ معايبه وتداركَ فارطه واغتنامَ بقية أنفاسه؛ فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم، وإلَّا فلا خيرَ له في حياته، فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة وإما إلى النار؛ فإذا طال عمره وحسُنَ عمله كان طول سفره زيادةً له في حصول النعيم واللَّذَّة؛ فإنه كلما طال السفر إليها كانت الصبابة أجل وأفضل، وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادةً في ألمه وعذابه ونزولًا له إلى أسفل؛ فالمسافرُ إما صاعدٌ وإما نازلٌ.
وفي الحديث المرفوع: "خيركم من طال عمرُه وحسُنَ عملُه،
стр. 284
وشركم من طال عمرُه وقبُحَ عملُه" (١).
فالطالب الصادق في طلبه كلما خَرِبَ شيءٌ من ذاته، جعله عمارةً لقلبه وروحه، وكلما نقص شيءٌ من دنياهُ جعله زيادةً في آخرته، وكلما مُنِعَ شيئًا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله همٌّ أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته؛ فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته: إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمةً به وخيرًا له، وإلَّا كان حرمانًا وعقوبة على ذنوب ظاهرةٍ أو باطنةٍ أو ترك واجب ظاهرٍ أو باطن؛ فإن حرمانَ خيرِ الدنيا والآخرة مرتَّبٌ على هذه الأربعة. وبالله التوفيق.
فائدة
الناس منذ خُلِقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌّ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار.
والعاقل يعلم أن السفر مبنيٌّ على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادةً أن يُطلَب فيه نعيمٌ ولذَّةٌ وراحةٌ، إنما ذاك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأةِ قَدَمٍ أو كل آنٍ من آناتِ السفر غير واقفةٍ، ولا المكلف واقفٌ، وقد ثبت أنه مسافرٌ على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدمِ الاستعداد للسير.
стр. 285
فائدة
عند العارفين أن الاشتغال بالمشاهدة عن البِرِّ في السير وقوف؛ لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحبَ عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من معرفة وإيمان مفصل كان أولى به؛ فإن اللطيفة الإنسانية تُحشَر على صورة عملها ومعرفتها وهمتها وإرادتها، والبدن يُحشَر على صورة عمله الحسن أو القبيح؛ وإذا انتقلت من هذه الدار شاهدتْ حقيقة ذلك.
وعلى قدر قرب قلبك من الله تَبعُد من الأنس بالناس ومساكنتهم، وعلى قدر صيانتك لِسرِّك وإرادتك يكون حفظه، وملاك ذلك صحةُ التوحيد، ثم صحة العلم بالطريق، ثم صحة الإرادة، ثم صحة العمل.
والحذرَ كلَّ الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يَعثُروا على موضع غرضك؛ فإنها الآفة العظمى.
فصل
كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات:
أحدها: التزيد والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فضلةً، وهي حظُّ الشيطان ومدخله إلى القلب. وطريق الاحتراز [منه الاحتراز] من إعطاء النفس تمامَ مطلوبها من غذاءٍ أو نوم أو لذةٍ أو راحة؛ فمتى أغلقتَ هذا البابَ حصلَ الأمان من دخول العدو منه.
الثانية: الغفلة؛ فإن الذاكر في حصن الذكر؛ فمتى غَفَل فتح باب الحصن، فولجَه العدوُّ، فيعسُر عليه أو يصعبُ إخراجه.
الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء.