← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذا كتاب من أروع ما وصل إلينا من مؤلفات الإمام ابن القيم ﵀، جمع فيه ألوانًا من الفوائد واللطائف والعبر والمواعظ والنكت والدقائق والملاحظات والأفكار في فنون مختلفة، ولم يُرتِّبه على الموضوعات والأبواب، ويبدو أنه خصَّص كُنّاشًا أو دفترًا لتسجيل هذه الخواطر والفوائد المتفرقة، وأدرج فيه ما استحسن منها في فترات مختلفة من حياته. وطريقته فيه أنه يبدأ كل فائدة وبحث بكلمة: فصل أو قاعدة أو فائدة أو تنبيه، ويورد تحتها من بنات فكره أو من الكلمات المأثورة عن السلف أو من الأبيات والحكم المنثورة ما يعتبرها خير معين لمن يريد طريق النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. ويحتوي الكتاب على موضوعات عديدة في التوحيد والعقيدة، فيذكر أن معرفة الله تحصل بالنظر في مفعولاته والتفكر في آياته وتدبرها (ص ٢٨)، وأتمّ الناس معرفةً به من عرفه بكماله وجلاله وجماله (ص ٢٦٤)، ومعرفة الله نوعان: معرفة إقرار يشترك فيها المطيع والعاصي، ومعرفة توجب الحياء منه والمحبة له والإنابة إليه، وهي المعرفة الخاصة (ص ٢٤٨). وبيَّن المؤلف تفاوت الناس في التوحيد (ص ٢٨٢) وفوائد التوحيد في الدنيا والآخرة (ص ٧٢) وأن راحة القلب والبدن في طاعة الله (ص ٢٩٣)، وذكر

стр. 2

معنى العبودية (ص ٣١) ومراتبها (ص ١٦٣) وثمرة الإيمان بالصفات الإلهية (ص ٩٨) والتوسل بأسماء الله الحسنى (ص ٣٦)، وحقيقة التوكل وأنواعه (ص ١٢٤، ١٦٥)، وتعرض لموضوع القضاء والقدر (ص ٣٣) والرزق والأجل (ص ٧٩) وأن النعم كلها من الله والذنوب من الشيطان (ص ٢٩٦) وأن شفاعة الرسول ﷺ تُنال بطاعته (ص ٢٢٦). إلى غير ذلك من الموضوعات التي تتعلق بالتوحيد. وهناك أبحاث جليلة في التفسير وعلوم القرآن، منها بيان شروط الانتفاع بالقرآن (ص ٣) وأنواع هجر القرآن (ص ١١٨) وتأملات في سورة الفاتحة (ص ٢٦) وسورة ق (ص ٥) وسورة التكاثر (ص ٤٣) وتفسير آيات عديدة (ص ٢٣، ٣٣، ١١٤، ١١٥، ١٢٧، ١٣٠، ١٤٦، ١٩٩، ٢٣٧، ٢٤٦، ٢٥٩، ٢٧٣، وغيرها). وهو يشرح أحيانًا بعض الأحاديث، مثل حديث ابن مسعود في الهم والحزن (ص ٣٠)، وقوله ﷺ : "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (ص ٢٠٧) وقول الله تعالى لأهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" (ص ٢٠)، وقوله ﷺ : "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (ص ٨١)، وقوله ﷺ : "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفِّر اللسان" (ص ٨١). وتكلم على مسألة أصولية كلامًا طويلًا، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي، وقرر ذلك من وجوه كثيرة (ص ١٧١). وفي الكتاب فصول مهمة عن فضائل العلم (ص ١٥١) وأنواعه وآفاته (ص ١٢٢) ومراتب العلوم (ص ٨٤)، وصفات علماء السوء (ص ٨٥) وتحذير العالم من الدنيا والركون إليها (ص ١٤٥).

стр. 3

أما الحديث عن أعمال القلوب وأسباب الذنوب والمعاصي وآثارها والأخلاق المحمودة والمذمومة والنصائح والمواعظ والعبر واللطائف والإشارات والرقائق والزهد فهي تحتلُّ مكانًا بارزًا في الكتاب. وبالجملة فالكتاب مليء بالفوائد، وسُمِّي حقًّا بكتاب "الفوائد". وهو يختلف في موضوعاته وأبحاثه عن "بدائع الفوائد"، فكتاب "الفوائد" كما رأينا: أكثره تأملات وخواطر، وعبر ومواعظ، ولطائف ورقائق، ويقل فيه النقل عن المصادر الأخرى، بينما كتاب "البدائع" يحتوي على مسائل علمية من فنون مختلفة مع تحقيق وإطالة نفس، ويكثر فيه النقل عن العلماء ومصنفاتهم مع التعليق عليها. ويوجد موضع واحد وقع فيه الاتفاق بين الكتابين في النقل عن "المدهش" لابن الجوزي بدون عزو (١). • تحقيق عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف: طبع هذا الكتاب لأول مرة في المطبعة المنيرية بالقاهرة سنة ١٣٤٤ بعناية الشيخ محمد منير الدمشقي، وسماه الناشر كتاب "الفوائد". ولم يذكره المترجمون لابن القيم في القديم، ولم يشيروا إلى تأليف له بهذا العنوان في مصادر ترجمته، وإنما اشتهر الكتاب بعد طباعته، ثم ذكره مَن ترجم له من المحدثين. ويوجد الأصل الوحيد للكتاب ضمن "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" لابن عروة الحنبلي (المتوفى سنة _________ (١) تكلم أخونا البحاثة المحقق علي العمران عن العلاقة بين الكتابين في مقدمة تحقيقه لـ "بدائع الفوائد" (١/ ٢٤ - ٢٥)، فأغنانا عن الإعادة.

стр. 4

٨٣٧) المخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [٥٦٧] (المجلد ٣٩، الورقة ١٤٥ أ - ٢٠٠ ب)، وقد عنون له ابن عروة بقوله: "فوائد شتى ونكت حسان من تفسير آية أو حديث أو أثر سلفي، تتعلق بعلم التوحيد القولي العلمي والعملي الإرادي". ثم قال: "وهي من كلام الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين بحر العلوم أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرعي الشهير بابن قيم الجوزية". ثم قال: "وهي غير بدائع الفوائد له، وهي إما فائدة تعود إلى معرفة أو سلوك، أو تحذير من قاطع، أو تنبيه على مقصود". ومعنى ذلك أن هذا الكتاب لم يكن له عنوانٌ محدَّد، وإلا ذكره ابن عروة، ولم يقل: "فوائد شتى ونكت حسان … ". وقد نقل عنه السيوطي في موضعين من "قوت المغتذي على جامع الترمذي" (٢/ ٦١٠، ٨١٧)، وسماه في الموضع الأول: "نكت شتى وفوائد حسان"، وفي الموضع الثاني: "فوائد شتى ونكت حسان"، فكأنه اعتمد على نسخة ابن عروة. ولما نشره محمد منير الدمشقي اختصر عنوان ابن عروة وسمَّى الكتاب "الفوائد"، ولا غبار عليه فإنه مطابق لمحتوياته، ولذا أبقيناه نظرًا لشهرته لدى القراء والباحثين. ثم إن ذكره الصريح للإمام ابن القيم يقطع الشك في صحة نسبته إليه، وابنُ عروة من أعرف الناس بآثار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد احتفظ لنا بنصوصٍ كثيرة منها وفرَّقها في مواضع مختلفة من موسوعته "الكواكب الدراري" لأدنى مناسبة، وبعض هذه الآثار لم تصل إلينا إلّا من

стр. 5

طريقه. وهو على دراية تامة بمحتويات الكتاب، والفرق بينه وبين بدائع الفوائد، كما يظهر ذلك من وصفه للكتاب. ولهذا فنحن مطمئنون إلى صحة نسبته لابن القيم. وإذا نظرنا في الكتاب وجدنا فيه أمورًا أخرى تؤكِّد صحة نسبته إليه (١)، فالمؤلف يذكر في أثنائه ثلاثةً من مؤلفاته: "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" (ص ٤)، و"المعالم" (ص ١٠) والمقصود به "أعلام الموقعين عن رب العالمين"، و"كتابنا الكبير في القضاء والقدر" (ص ٣٦) ويقصد به "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل". ثم إنه يذكر شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة منه بقوله: "شيخنا" (ص ١٢، ١٣٦، ١٥٣)، وينقل عنه نصوصًا من كلامه، وهي معروفة له في كتبه التي وصلت إلينا، وقد أشرنا إليها في الهوامش. وقد سبق أن هناك اتفاقًا بين هذا الكتاب و"بدائع الفوائد" في النقل عن "المدهش" لابن الجوزي، وهذا أيضًا من القرائن على كون مؤلفهما واحدًا. ونجد في أثناء الكتاب تصريحًا باسم ابن القيم في مواضع مختلفة (ص ٤، ١٣٦، ١٥٢)، وهذا إما أن يكون من المؤلف نفسه كما يفعل ذلك كثير من المؤلفين، وإما أن يكون من تلاميذه والناسخين لكتابه أو من ابن عروة الذي أدرج هذا الكتاب ضمن "الكواكب". وهذه إحدى القرائن القوية لنسبته إلى ابن القيم. _________ (١) ذكر العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد بعض وجوه التوثيق في كتابه "ابن القيم الجوزية: حياته وآثاره" (ص ٢٨٤).

стр. 6

وأخيرًا فإن أسلوب الكتاب هو أسلوب ابن القيم في سائر كتبه، ولا يخفى ذلك على مَن قرأ مؤلفاته باهتمام، وخاصةً تلك المؤلفات التي تتعلق بالسلوك والزهد والتربية. وكثير من الموضوعات التي أوجزها هنا فصَّلها في كتبه الأخرى، وكأن ما في الكتاب خلاصة هذا النوع من مؤلفاته، اقتصر فيه على النكت المستحسنة والفوائد الغالية، وزاد عليها لطائف ودقائق وعبرًا ومواعظ لا توجد في غيره. • موارده: ذكرنا فيما سبق أن أغلب ما في الكتاب تأملات وخواطر وفوائد اهتدى إليها المؤلف بفكره وتأمله، ولم ينقل إلا القليل من مصادر أخرى، وقد صرَّح أحيانًا باسم المؤلف أو المصدر الذي ينقل عنه، وأغفل أحيانًا أخرى ذكره. ومن المصادر التي نقل عنها: - ابن قتيبة: ص ٣، ١١٦ من "تفسير غريب القرآن"، وص ١٤، ١٦، ١٢٩، ١٤٩ من "تأويل مشكل القرآن". - الزجاج: ص ١٩، ١١٦ من "معاني القرآن وإعرابه". - الواحدي: ص ١٢٨، ١٣١ من "الوسيط". - ابن الجوزي: ص ٢١ "كشف مشكل الصحيحين". ونقل من كتابه "المدهش" كثيرًا بلا نسبة، فأغلب النصوص في الصفحات ٥٢ - ٦٩ مأخوذة منه، وكذا في مواضع أخرى. - ابن تيمية: ص ١٢، ١٣٦، ١٥٣. - وعزا بعض النصوص إلى "كتاب الزهد" للإمام أحمد (ص ٧٥) وإلى

стр. 7

كتاب الترمذي (ص ٣٩)، ولا توجد فيهما، ويبدو أنه عزا إليهما من حفظه. - وأغلب النصوص في فصل من كلام عبد الله بن مسعود (ص ٢١١ - ٢١٨) منقولة من كتاب الزهد للإمام أحمد و"حلية الأولياء" لأبي نعيم، كما يظهر من هوامش التخريج. هذه بعض المصادر التي استقى منها، ولكن الطابع العام للكتاب كونه تأملاتٍ وخواطرَ وتصيُّدًا للفوائد والنكت. وهذا ما يُميِّز الكتاب عن الكتب الأخرى للمؤلف، ومن هنا تأتي أهميته. • وصف النسخة الخطية: ذكرنا فيما مضى أنه لا يوجد من الكتاب إلا نسخة فريدة ضمن "الكواكب الدراري" (مج ٣٩) من الورقة ١٤٥ إلى الورقة ٢٠٠، في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [٥٦٧]، وناسخ هذا المجلد هو إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي، كتبه بخط نسخي سنة ٨٢٧. والنسخة واضحة الخط، نادرة الأخطاء، وعدد الأسطر في كل صفحة منها ٢٨ سطرًا، وهي مقابلة ومصححة، كما يظهر ذلك بالاستدراكات على هوامش النسخة وبالدوائر المنقوطة في أثناء الأسطر، وعلى النسخة بلاغات يقول فيها: بلغ مقابلة بأصله، أو نحو هذه العبارة. وعليها ختم مجاميع المدرسة العمرية. وفي هذا المجلد عدة رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، نُشر بعضها ضمن "مجموع الفتاوى" وبعضها في مجاميع أخرى. ويبدأ كتاب "الفوائد" لابن القيم بقول ابن عروة: "فوائد شتى ونكت حسان … وهي من كلام الشيخ الإمام … ابن قيم الجوزية … "، وقد سبق نقل العبارة بتمامها فيما

стр. 8

مضى. ثم بدأ كلام المؤلف بقوله: "قاعدة جليلة" دون أن يسبقه البسملة والحمد والمقدمة. وكأن المؤلف لم يفرغ من جمعه وترتيبه والتقديم له، ولذلك لم يرد له ذكرٌ في مصادر ترجمته، ولو لم يُدرِجه ابن عروة في موسوعته لضاع فيما ضاع من تراث ابن القيم. • الطبعات السابقة للكتاب: صدرت أول طبعة للكتاب في المطبعة المنيرية بالقاهرة سنة ١٣٤٤ بعناية الشيخ محمد منير الدمشقي ﵀، وقد صرَّح فيها أنه اعتمد على نسخة "الكواكب". وعلى الرغم مما بذل الناشر من جهد مشكور في قراءة النص وتقديمه، فقد وقعت في هذه الطبعة أخطاء وتحريفات، وسقطت كلمات وأسطر في مواضع كثيرة، وزيدت على النص زيادات دون التنبيه عليها مع عدم الحاجة إليها. وأُلحق به نصٌّ لشيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير أول العنكبوت (ص ٢٠٧ - ٢١٢) دون الإشارة إلى أنه زيادة على كتاب ابن القيم. والواقع أنه نصٌّ خارج عن الكتاب، ولكنه موجود في مكان آخر من "الكواكب الدراري" [الورقة ٢٠٥ أ- ٢٠٧ أ] من النسخة السابقة. ولشدة حرص الناشر على طبع آثار شيخ الإسلام وغيره من علماء السلف ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية" وغيرها، استنسخ هذه الرسالة وطبعها ملحقةً بكتاب "الفوائد" من باب الحفظ والإفادة، دون تمييزها عن أصل الكتاب، حتى توهَّم القراء والباحثون أنها جزء منه. ولا أحبّ الخوض في ذكر الأخطاء والتحريفات والأسقاط والزيادات الموجودة في تلك الطبعة، ومن أراد معرفة ذلك فليقم بالمقابلة بينها وبين الطبعة التي بين يديه، أو بينها وبين الأصل ليعرف مدى الفرق بينهما.

стр. 9

والناشر على كل حال مشكور لسبقه إلى نشر هذا الكتاب النفيس وتقديمه إلى المتعطشين للعلم لأول مرة، فجزاه الله أحسن الجزاء على ما قام به من خدمة للعلم وأهله. ثم توالت طبعات الكتاب بالاعتماد على تلك الطبعة، وتسرَّبت إليها جميعًا -بل زادت- تلك العيوب التي ذكرناها، لعدم رجوع القائمين عليها إلى الأصل المخطوط، ومن الغريب حقًّا أن يقوم المحققون بتحقيق الكتاب وتصحيحه وضبطه وتخريجه وخدمته وتقديمه بالاعتماد على الطبعات المتداولة، وهي أكثر خطأ وتحريفًا وسقطًا من الطبعة الأولى، مع أن الحصول على الأصل كان أسهل لهم من معاناة المقابلة بين الطبعات المختلفة والوصول إلى نص سليم في ضوئها! وتوجد مصورة "الكواكب" الآن في كثير من المراكز العلمية والجامعات الإسلامية، فكان الواجب الرجوع إليها عند إعادة طبع الكتاب. • هذه الطبعة: كان الاعتماد في إخراج هذه الطبعة على الأصل المخطوط الوحيد الذي سبق وصفه، وبمقابلة الطبعة الأولى على هذا الأصل صححتُ كثيرًا من الأخطاء والتحريفات الواقعة فيها واستدركتُ السقط الذي قد يتجاوز أكثر من سطر، وحذفتُ الزيادات التي زيدت على الأصل. وهكذا أصبح النصُّ مطابقًا للأصل دون زيادة أو نقص. وحذفتُ "تفسير أول العنكبوت" لشيخ الإسلام (١)، لأنه ليس من كتاب "الفوائد" كما ذكرتُ. _________ (١) أعدتُ نشره في "جامع المسائل" (٣/ ٢٥١ - ٢٦١).

стр. 10

ثم رجعت إلى النصّ، وقمتُ بضبطه وتقسيمه إلى فقرات، مع الاهتمام بعلامات الترقيم، ليكون واضحًا مفهومًا لدى القراء. ثم خدمتُ النصَّ بعزو الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث والآثار والنقول من المصادر، وتخريج الأشعار ونسبتها إلى قائليها. أما ترجمة الأعلام وشرح الكلمات والعبارات والتعريف بالأماكن فلم أهتمَّ بها، لأني أعتبرها من لوازم الشرح لا من متطلبات تحقيق النصّ. وقمتُ بوضع فهارس متنوعة للكتاب، ليصل القارئ إلى ما يبحث عنه في أسرع وقت. فدونك أيها القارئ كتابًا كلُّه درر وفوائد، وتبصرة وتذكرة، وإرشاد وتوجيه، ولعلك لا تجد له نظيرًا بين الكتب التي قرأتَها. أدعو الله أن يوفقني وإياك للتأمل فيه والاستفادة منه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه محمد عزير شمس

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قاعدة جليلة إذا أردتَ الانتفاعَ بالقرآن فاجمعْ قلبك عند تلاوته وسماعه، وألْقِ سمعَك، واحضُرْ حُضورَ من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطابٌ منه لك على لسان رسوله: قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]. وذلك أنَّ تمام التأثير لمَّا كان موقوفًا على مُؤثِّرٍ مُقْتَضٍ، ومحلٍّ قابل، وشرطٍ لحصول الأثرِ، وانتفاء المانع الذي يمنعُ منه، تضمَّنَتِ الآيةُ بيانَ ذلك كلِّه بأوجز لفظٍ وأبينِهِ وأدلِّه على المُراد. فقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾: إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من أول السورةِ إلى ها هنا، وهذا هو المؤثِّرُ. وقولُه: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: فهذا هو المحلُّ القابلُ، والمرادُ به القلبُ الحيُّ الذي يَعْقِلُ عن الله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]؛ أي: حيَّ القلبِ. وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أي: وجَّه سمعَه وأصغَى حاسَّةَ سمعِهِ إلى ما يُقال له، وهذا شرطُ التأثُّر بالكلام. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾، أي: شاهدُ القلبِ حاضرٌ غيرُ غائبٍ. قال ابن قتيبة (١): استمعَ كتاب الله، وهو شاهدُ القلب والفهم، ليس

стр. 12

بغافلٍ ولا ساهٍ. وهو إشارةٌ إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهوُ القلب وغيبتُه عن تعقُّلِ ما يُقال له والنظرِ فيه وتأمُّلِه. فإذا حصل المؤثِّرُ وهو القرآنُ، والمحلُّ القابلُ وهو القلبُ الحيُّ، ووُجِد الشرطُ وهو الإصغاءُ، وانتفى المانعُ وهو اشتغالُ القلبِ وذهولُه عن معنى الخطاب وانصرافُه عنه إلى شيءٍ آخر؛ حَصَل الأثرُ وهو الانتفاعُ والتذكُّرُ. فإن قيل: إذا كان التأثيرُ إنَّما يتمُّ بمجموع هذه؛ فما وجهُ دخول أداة (أو) في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾؛ والموضع موضعُ واو الجمع لا موضعُ (أو) التي هي لأحد الشيئين؟ قيل: هذا سؤالٌ جيدٌ، والجوابُ عنه أن يُقال: خُرِّج الكلام بـ (أو) باعتبار حال المخاطب المدعوِّ: فإنَّ من الناس من يكون حيَّ القلب، واعِيَهُ، تامَّ الفطرة؛ فإذا فكَّر بقلبه، وجال بفكرِه؛ دلَّه قلبُه وعقلُه على صحة القرآن، وأنَّه الحقُّ، وشهد قلبه بما أخبر به القرآنُ، فكان ورودُ القرآنِ على قلبه نورًا على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قيل فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقال في حقِّهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]؛ فهذا نورُ الفطرة على نور الوحي، وهذا حالُ صاحب القلب الحيِّ الواعي. قال ابنُ القيِّم: وقد ذكرنا ما تضمَّنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة

стр. 13

والجهمية" (١). فصاحبُ القلب يجمعُ بين قلبه وبين معاني القرآن، فيجدُها كأنَّها قد كُتِبَتْ فيه؛ فهو يقرؤُها عن ظهر قلبٍ. ومن الناس من لا يكونُ تامَّ الاستعداد، واعيَ القلبِ، كاملَ الحياةِ، فيحتاجُ إلى شاهدٍ يُميِّزُ له بين الحقِّ والباطل، ولم تبلُغْ حياةُ قلبه ونورُهُ وزكاءُ فطرته مبلغَ صاحب القلب الحي الواعي؛ فطريقُ حصولِ هدايته: أن يُفَرِّغَ سمعَهُ للكلام، وقَلْبَهُ لتأمُّلِهِ والتفكُّرِ فيه وتعقُّلِ معانيه، فيعلم حينئذٍ أنَّه الحقُّ. فالأوَّلُ حالُ من رأى بعينَيه (٢) ما دُعي إليه وأُخْبِرَ به، والثاني حالُ مَن علمَ صدْقَ المُخْبِرِ وتيقَّنَهُ وقال: يكفيني خبرُهُ. فهو في مقام الإيمان، والأولُ في مقام الإحسان. هذا قد وصل إلى علم اليقين وتَرقَّى قلبُهُ منه إلى منزلة عين اليقين، وذاك معهُ التصديقُ الجازمُ الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام. ف عينُ اليقين نوعان: نوعٌ في الدُّنيا، ونوعٌ في الآخرة. فالحاصلُ في الدُّنيا نسبتُه إلى القلب كنسبةِ الشاهد إلى العين. وما أخبرتْ به الرسلُ من الغيب يُعايَنُ في الآخرة بالأبصار وفي الدنيا بالبصائر؛ فهو عينُ يقينٍ في المرتبتين. فصل وقد جمعتْ هذه السورةُ من أصول الإيمان ما يكفي ويشْفي ويُغْني

стр. 14

عن كلام أهل الكلام ومعقولِ أهل المعقول؛ فإنَّها تضمَّنَتْ تقريرَ المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوةِ والإيمان بالملائكة، وانقسام الناس إلى هالكٍ شقيٍّ وفائزٍ سعيدٍ، وأوصاف هؤلاء وهؤلاء، وتضمَّنتْ إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يُضَادُّ كماله من النقائص والعيوب، وذكر فيها القيامتينِ الصُّغرى والكبرى، والعالمَين: الأكبرَ -وهو عالمُ الآخرةِ- والأصغر -وهو عالمُ الدُّنيا-، وذَكَر فيها خلْقَ الإنسان ووفاتَهُ وإعادتَهُ، وحالهُ عند وفاتِهِ ويوم معادِهِ، وإحاطتَهُ سبحانه به من كلِّ وجهٍ، حتى عِلْمَهُ بوساوسِ نفسه، وإقامة الحفظة عليه يُحصُون عليه كلَّ لفظةٍ يتكلَّم بها، وأنه يوافيه يوم القيامة ومعه سائقٌ يسوقُه إليه وشاهدٌ يشهدُ عليه؛ فإذا أحضره السائقُ؛ قال: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ [ق: ٢٣]؛ أي: هذا الذي أُمِرْتُ بإحضارِهِ قد أحضرتُه، فيقالُ عند إحضاره: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾ [ق: ٢٤]؛ كما يُحْضَرُ الجاني إلى حضرةِ السُّلطانِ، فيقالُ: هذا فلانٌ قد أحضرتُهُ. فيقولُ: اذهَبوا به إلى السجنِ وعاقبوهُ بما يستحقُّه! وتأملْ كيف دلَّتِ السورةُ صريحًا على أن الله سبحانه يعيدُ هذا الجسد بعينِهِ الذي أطاعَ وعَصى، فيُنَعِّمُهُ ويُعذِّبُهُ، كما يُنعِّمُ الرُّوحَ التي آمنتْ بعينها ويُعذِّبُ التي كَفَرتْ بعينها، لا أنَّه سبحانه يَخْلُقُ روحًا أخرى غير هذه فينعِّمُها ويعذِّبها كما قاله من لم يعرف المعادَ الذي أخبرتْ به الرسلُ! حيثُ زعم أنَّ الله سبحانه يخلُقُ بدنًا غير هذا البدن من كلِّ وجهٍ! عليه يقعُ النعيمُ والعذابُ! والرُّوحُ عنده (١) عَرَضٌ من أعراضِ البدن! فيخلُقُ رُوحًا غير هذه الرُّوح وبدنًا غير هذا البدن! وهذا غيرُ ما اتَّفقت

стр. 15

عليه الرسلُ ودلَّ عليه القرآنُ والسنةُ وسائرُ كتب الله تعالى. وهذا في الحقيقة إنكارٌ للمعاد، وموافقةٌ لقول من أنكره من المكذِّبين؛ فإنهم لم ينكروا قدرة الله على خلق أجسامٍ أُخَرَ غير هذه الأجسام يعذِّبها وينعِّمُها؛ كيف وهم يشهدون النوعَ الإنسانيَّ يُخْلَقُ شيئًا بعد شيءٍ؛ فكلَّ وقتٍ يَخْلُقُ الله سبحانه أجسامًا وأرواحًا غيرَ الأجسامِ التي فَنِيَتْ؛ فكيف يتعجَّبون من شيءٍ يُشاهدونَه عِيانًا؟! وإنما تعجَّبوا من عَوْدِهم بأعيانِهِم بعد أن مَزَّقَهُمُ البِلَى وصاروا عظامًا ورُفاتًا، فتعجَّبوا أن يكونوا هم بأعيانهم مبعوثينَ للجزاء، ولهذا قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ [الصافات: ١٦]، وقالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣]. ولو كان الجزاءُ إنما هو لأجسامٍ غير هذه؛ لم يكن ذلكِ بعثًا ولا رجعًا، بل يكونُ ابتداءً، ولم يكن لقولِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤] كبيرُ معنًى؛ فإنه سبحانه جعل هذا جوابًا لسؤالٍ مقدَّرٍ، وهو أنه يُميِّزُ تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت إلى العناصر بحيث لا تتميَّزُ، فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تَنْقُصُهُ الأرضُ من لُحومهم وعِظامهم وأشعارهم، وأنَّه كما هو عالمٌ بتلك الأجزاء؛ فهو قادرٌ على تَحْصيلها وجَمْعِها بعد تفرُّقِها وتأليفِها خلقًا جديدًا. وهو سبحانَه يُقرِّرُ المعادَ بذِكْرِ كمالِ علمِهِ وكمالِ قُدرتِهِ وكمالِ حكمتِهِ؛ فإنَّ شُبَه المُنكِرين له كلَّها تعودُ إلى ثلاثةِ أنواع: أحدها: اختلاطُ أجزائِهِم بأجزاءِ الأرض على وجهٍ لا يتميَّزُ ولا يحصُلُ معه (١) تميُّزُ شخصٍ عن شخصٍ!

стр. 16

الثاني: أن القدرة لا تتعلَّقُ بذلك! الثالث: أن ذلك أمرٌ لا فائدةَ فيه! وإنما (١) الحكمةُ اقتضَتْ دوامَ هذا النوع الإنسانيِّ شيئًا بعد شيءٍ هكذا أبدًا؛ كلما مات جِيلٌ؛ خَلَفَهُ جِيلٌ آخرُ؛ فأمَّا أن يُمِيتَ النوعَ الإنسانيَّ كلَّه ثم يُحْيِيَهُ بعد ذَلك؛ فلا حكَمةَ في ذلك! فجاءتْ براهينُ المعادِ في القرآن مَبْنِيَّةً على ثلاثةِ أصول: أحدُها: تقريرُ كمال علم الربِّ سبحانَه؛ كما قال في جوابِ مَنْ قال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، وقال: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٥ - ٨٦]، وقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤]. والثاني: تقريرُ كمال قدرتِهِ؛ كقوله: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وقوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٤]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحج: ٦]. ويَجمعُ سبحانه بين الأمرين؛ كما في قوله: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس: ٨١]. الثالثُ: كمالُ حكمتِهِ؛ كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا

стр. 17

لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]. ولهذا كان الصوابُ أنَّ المعاد معلومٌ بالعقل مع الشرع، وأن كمالَ الربِّ تعالى وكمال أسمائه وصفاته تَقتضِيهِ وتُوجِبُهُ، وأنَّه مُنزَّهٌ عما يقولُه مُنكِروه كما يُنَزَّهُ كمالُه عن سائر العيوبِ والنقائص. ثم أخبر سبحانَه أنَّ المُنكِرين لذلك لما كذَّبوا بالحقِّ اختلط عليهم أمرُهم؛ ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ [ق: ٥] مختلطٍ لا يَحصُلونَ منه على شيءٍ. ثم دعاهم إلى النظرِ في العالم العُلْويِّ وبنائِهِ وارتفاعِهِ واستوائِهِ وحُسْنِه والتئامِهِ. ثم إلى العالم السُّفْلِيِّ، وهو الأرضُ، وكيف بَسَطَها وهيَّأها بالبسط لِما يُرادُ منها، وثبَّتها بالجبال، وأودعَ فيها المنافع، وأنبتَ فيها من كلِّ صنفٍ حسنٍ من أصنافِ النباتِ على اختلاف أشكالِهِ وألوانِهِ ومقاديرِهِ ومنافعِهِ وصفاتِهِ. وأنَّ ذلك تَبْصِرةٌ؛ إذا تأمَّلها العبدُ المُنِيبُ وتَبصَّرَ بها تَذَكَّرَ ما دلَّت عليه مما أخبرتْ به الرسلُ من التوحيدِ والمعادِ؛ فالناظرُ فيها يَتبصَّرُ أولًا، ثم يَتذكَّرُ ثانيًا. وأنَّ هذا لا يَحصُلُ إلا لعبدٍ منيبٍ إلى الله بقلبِهِ وجوارحِهِ. ثم دعاهم إلى التفكُّر في مادةِ أَرْزاقِهِم وأقواتِهم ومَلابِسِهم ومَراكِبِهم

стр. 18

وجَنَّاتِهِم، وهو الماءُ الذي أنزلَه من السماءِ وباركَ فيه، حتى أنْبَتَ به جَناتٍ مختلفةَ الثمارِ والفواكهِ ما بين أبيضَ وأسودَ وأحمرَ وأصفرَ وحلوٍ وحامضٍ وبَيْنَ ذلك، مع اختلافِ منافِعِها وتنوُّعُ أجناسِها، وأنْبَتَ به الحبوبَ كلَّها على تَنوُّعِها واختلافِ مَنافِعهَا وصفاتِها وأشكالها ومقاديرها، ثم أفردَ النخلَ لما فيه من موضع العبرةِ والدِّلالةِ التي لا تَخفى على المتأمِّل، وأَحيا به الأرض بَعْدَ مَوْتِها. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ١١]؛ أي: مثلُ هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمارَ والأقوات والحبوبَ خروجُكُم من الأرض بعد ما غُيِّبْتُم فيها. وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم" (١)، وبيَّنَّا بعضَ ما فيها من الأسرار والعِبَر. ثم انتقلَ سبحانه إلى تقرير النبوَّةِ بأحسنِ تقريرٍ وأوجزِ لفظٍ وأبعدِهِ عن كلِّ شُبهةٍ وشكٍّ، فأخبر أنه أرسل إلى قوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوطٍ وقوم فرعونَ رُسلًا فكذَّبوهم، فأهلكَهُم بأنواع الهلاك، وصَدَّقَ فيهم وعيدَه الذي أوْعَدَتْهم به رُسُلُهُ إن لم يؤمنوا، وهذا تقريرٌ لنبوَّتِهِم ولنبوَّةِ مَن أخبرَ بذلك عنهم من غير أن يتعلَّم ذلك من مُعلِّمٍ ولا قرأهُ في كتابٍ، بل أخبر به إخبارًا مفصَّلًا مطابقًا لما عند أهل الكتابِ. ولا يَرِدُ على هذا إلَّا سؤالُ البَهْتِ والمكابرةِ على جَحْدِ الضَّروريات بأنَّه لم يكنْ شيءٌ من ذلك! أو أنَّ حوادثَ الدهرِ ونكباتِهِ أصابتْهم كما أصابتْ غيرَهم!! وصاحبُ هذا السؤال يعلَمُ من نفسِهِ أنه بَاهتٌ

стр. 19

مُباهِتٌ جاحدٌ لما شَهِد به العيانُ وتَناقَلتْهُ القرونُ قرنًا بعد قرنٍ؛ فإنكارُهُ بمنزلةِ إنكارِ وجودِ المشهورينَ من الملوكِ والعلماءِ والبلاد النائية. ثم عاد سبحانه إلى تقرير المعاد بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥]؛ يُقالُ لكلِّ من عجز عن شيءٍ: عَيِيَ به، وعَيِيَ فلانٌ بهذا الأمرِ. قال الشاعر (١): عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَما … عَيَّتْ بِبَيضَتِها الحَمامَهْ ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. قال ابن عباس: يريدُ: أفَعَجَزْنا؟ وكذلك قال مقاتلٌ. قلت: هذا تفسيرٌ بلازم اللفظة، وحقيقتُها أعمُّ من ذلك؛ فإنَّ العرب تقولُ: أعياني أن أَعرِف كذا وعَيِيْتُ به: إذا لم تَهْتَدِ لوجهِهِ ولم تقْدِرْ على معرفته وتحصيله، فتقولُ: أعياني دواؤك: إذا لم تهتدِ له ولم تقفْ عليه، ولازم هذا المعنى العجزُ عنه. والبيتُ الذي استشهدوا به شاهدٌ لهذا المعنى؛ فإنَّ الحَمامةَ لم تعْجِزْ عن بَيضتِها، ولكن أعياها إذا أرادت أن تَبِيْضَ أين تَرْمي بالبيضةِ؛ فهي تدورُ وتَجُولُ حتى تَرميَ بها؛ فإذا باضَتْ أعياها أين تَحفظُها وتُودِعُها حتى لا تُنال؛ فهي تَنقُلُها من مكانٍ إلى مكانٍ وتَحَار أين تجعلُ مَقرَّها؛ كما هو حالُ من عَيِيَ (٢) بأمرِهِ فلم يدرِ من أين يَقصِدُ له ومن أين يأتيهِ. وليس المرادُ بالإعياءِ في هذه الآية التعبَ كما يظنُّه من لم يَعرِفْ

стр. 20

تفسيرَ القرآنِ، بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]. ثم أخبر سبحانه أنهم ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق: ١٥]؛ أي: أنهم التبس عليهم إعادةُ الخلق خلقًا جديدًا. ثم نبَّههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشَواهدِ ربُوبيَّتِهِ وأدلَّة المعادِ، وهو خَلْقُ الإنسانِ؛ فإنَّه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد، وأيُّ دليلٍ أوضحُ من تركيب هذه الصورة الآدميَّةِ بأعضائها وقُواها وصفاتِها وما فيها من اللحم والعظم والعُروقِ والأعصابِ والرِّباطات والمنافذِ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات؛ كل ذلك من نطفةِ ماءٍ؟! فلو أنصفَ العبدُ ربَّه؛ لاكتفى بفكْرِهِ في نفسِه، واستدلَّ بوجودِهِ على جميع ما أخبرتْ به الرسلُ عن اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ. ثم أخبرَ سبحانَه عن إحاطةِ علمِهِ به، حتى عَلِمَ وساوسَ نفسِهِ. ثم أخبرَ عن قربِهِ إليه بالعلم والإحاطةِ، وأنَّ ذلك أدنى إليه من العِرْقِ الذي هو داخلَ بدنِهِ؛ فهو أقربُ إليه بالقدرةِ عليه والعلم به من ذلك العِرقِ. وقال شيخُنا (١): المرادُ بقوله: ﴿نَحْنُ﴾؛ أي: ملائكتُنا؛ كما قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨]؛ أي: إذا قرأه عليك رسولُنا جبريلُ. قال: ويدلُّ عليه قولُه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧]؛ فقُيِّدَ القربُ المذكورُ بتلقِّي المَلَكَيْنِ، ولو كان المرادُ به قربَ الذاتِ لم يَتَقَيَّدْ بوقتِ تلقِّي الملكين؛ فلا حجَّةَ في الآيةِ لِحُلوليٍّ ولا مُعطِّلٍ. ثم أخبر سبحانه أنَّ على يميِنِه وشمالِهِ مَلَكين يكتُبانِ أعمالَه

стр. 21

وأقوالَه، ونبَّه بإحصاءِ الأقوال وكتابتِها على كتابة الأعمال، التي هي أقلُّ وقوعًا وأعظمُ أثرًا من الأقوال، وهي غاياتُ الأقوال ونهايتُها. ثم أخبر عن القيامةِ الصغرى، وهي سَكْرَةُ الموتِ، وأنها تجيءُ بالحقِّ، وهو: لقاؤُه سبحانَه، والقدومُ عليه، وعَرْضُ الرُّوح عليهِ، والثوابُ والعقابُ الذي تعجَّلَ لها قبلَ القيامة الكبرى. ثم ذكر القيامة الكبرى بقولهِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ [ق: ٢٠]. ثم أخبرَ عن أحوال الخَلْقِ في هذا اليوم، وأنَّ كل أحدٍ يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائقٌ يَسوقُه وشهيدٌ يَشهدُ عليه، وهذا غير شهادةِ جوارحِهِ، وغيرُ شهادةِ الأرض التي كان عليها له وعليه، وغيرُ شهادةِ رسولِهِ والمؤمنين؛ فإنَّ الله سبحانه يستشهدُ على العبادِ الحفظةَ والأنبياءَ والأمكنةَ التي عملوا عليها الخير والشرَّ، والجلود التي عَصَوْه بها، ولا يَحكُمُ بينهم بمجرَّد علمِهِ؛ وهو أعدلُ العادلينَ وأحكمُ الحاكمين، ولهذا أخبر نبيُّه أنه يحكُمُ بين الناس بما سَمِعَهُ من إقرارِهم وشهادة البيِّنَةِ لا بمجرَّد علمِهِ (١)؛ فكيف يَسُوغُ لحاكمٍ أن يَحْكُمَ بمجرَّدِ علمِهِ من غيرِ بيِّنةٍ ولا إقرار؟! ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلةٍ من هذا الشأن الذي هو حقيقٌ بأن لا يَغْفُلَ عنه وأن لا يزالَ على ذكرِهِ وبالِهِ، وقال: ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]، ولم يقل: عنه؛ كما قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾

стр. 22

[فصلت: ٤٥]، ولم يقل: في شكٍّ فيه، وجاء هذا في المصدر وإن لم يَجِئ في الفعل -فلا يقالُ: غَفَلْتُ منه ولا شَكَكْتُ منه- كأن غَفْلَتَهُ وشكَّه ابتداءٌ منه؛ فهو مبدأُ غفلتِهِ وشكِّه! وهذا أبلغ من أن يُقال: في غفلةٍ عنه وشكٍّ فيه؛ فإنه جعل ما ينبغي أن يكون مبدأ التذكرة واليقينِ ومنشأهما مبدأً للغفلةِ والشكِّ. ثم أخبر أنَّ غطاءَ الغفلة والذُّهول يُكْشَفُ عنه ذلك اليوم كما يُكْشَفُ غطاءُ النوم عن القلب فيستيقظُ وعن العين فتنفتحُ؛ فنسبةُ كَشْفِ هذا الغطاءِ عن العبدِ عند المعاينةِ كنسبةِ كَشْفِ غطاءِ النوم عنه عند الانتباهِ. ثم أخبر سبحانه أنَّ قرينَه -وهو الذي قُرِنَ به في الدُّنيا من الملائكةِ يَكْتُبُ عَمَلَه وقولَه- يقولُ لمَّا يُحْضِرُهُ: هذا الذي كنتَ وَكَلْتَني به في الدُّنيا قد أحضرتُه وأتيتكَ به. هذا قول مجاهدٍ (١). وقال ابنُ قُتيبة (٢): المعنى: هذا ما كتبتُهُ عليه وأحصيتُهُ من قولِهِ وعملِهِ حاضرٌ عندي. والتحقيقُ أن الآية تتضمَّنُ الأمرين؛ أي: هذا الشخص الذي وُكِلْتُ به، وهذا عَملُهُ الذي أحصيتُهُ عليه. فحينئذٍ يُقالُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، وهذا إما أن يكون خطابًا للسائقِ والشهيد، أو خطابًا للملك المُوَكَّل بعذابِهِ وإن كان واحدًا، وهو مذهبٌ معروفٌ من مذاهب العرب في خطابها، أو تكونُ الألفُ منقلبةً عن نون التأكيد الخفيفة ثمَّ أُجْرِيَ الوصلُ مُجرَى الوقفِ.

стр. 23

ثم ذَكَرَ صفاتِ هذا المُلْقَى، فذَكَرَ له ستَّ صفاتٍ: إحداها (١): أنَّه كَفَّارٌ لنِعَمِ الله وحقوقه، كفَّارٌ بديِنِه وتوحيدِهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ، كَفَّارٌ برُسُلِه وملائكتِهِ، كفَّارٌ بكتبِهِ ولقائِهِ. الثانيةُ: أنه مُعانِدٌ للحقِّ بدَفْعِهِ جَحْدًا وعِنادًا. الثالثةُ: أنه مَنَّاعٌ للخير، وهذا يَعُمُّ منعَهُ للخيرِ الذي هو إحسانٌ إلى نفسِهِ من الطاعاتِ والقُرَبِ إلى الله، والخير الذي هو إحسانٌ إلى الناس؛ فليس فيه خيرٌ لنفسِهِ ولا لبنَي جنسِهِ؛ كما هو حالُ أكثرِ الخَلْقِ. الرابعةُ: أنه مع مَنْعِهِ للخيرِ مُعتدٍ على الناس، ظلومٌ، غَشُومٌ، مُعتدٍ عليهم بيدِهِ ولسانِهِ. الخامسة: أنه مُرِيْبٌ؛ أي: صاحبُ رَيْبٍ وشكٍّ، ومع هذا فهو آتٍ لكلِّ رِيبةٍ، يُقال فلان مُرِيبٌ، إذا كان صاحِبَ رِيبةٍ. السادسةُ: أنه مع ذلك مُشرِكٌ باللهِ، قد اتَّخَذَ مع الله إلهًا آخر؛ يَعبُدُه، ويُحِبُّه، ويَغضَبُ له، ويَرضى له، ويَحلِفُ باسمِهِ، وَينذُرُ له، ويُوالي فيه، ويُعادي فيه. فيَختصِمُ هو وقرينهُ من الشياطين، ويُحِيلُ الأمرَ عليه، وأنه هو الذي أَطغاه وأَضلَّهُ، فيقولُ قرينُه: لم يكن لي قُوةٌ أن أُضِلَّهُ وأُطْغِيَهُ، ولكن كان في ضلال بعيدٍ؛ اختاره لنفسهِ، وآثَرَهُ على الحقِّ؛ كما قال إبليسُ لأهل النار: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وعلى هذا؛ فالقرينُ هنا هو شيطانُه؛ يَختصمان عند الله.

стр. 24

وقالت طائفةٌ: بل قرينُه ها هنا هو المَلَكُ، فيدَّعي عليهِ أنَّه زاد عليه فيما كَتبَهُ عليه وطَغَى، وأنَّه لم يَفْعَلْ ذلك كلَّه، وأنه أعْجَلَهُ بالكتابةِ عن التوبة، ولم يُمْهِلْهُ حتى يتوبَ! فيقولُ المَلَكُ: ما زِدتُ في الكتابةِ على ما عَمِلَ، ولا أَعجَلْتُه عن التوبة، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧]. فيقولُ الربُّ تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]، وقد أخْبَرَ سبحانَه عن اختصام الكُفَّار والشياطين بين يديه في سورتي (١) الصافات والأعراف، وأخبرَ عن اختصام الناس بين يديهِ سبحانَه في سورة الزمر، وأخبَر عن اختصام أهلِ النارِ فيها في سورة الشعراءِ وسورةِ ص. ثم أخبر سبحانه أنه لا يُبدَّلُ القولُ لديه، فقيلَ: المرادُ بذلك: قولُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩]، ووَعْدُه لأهل الإيمان بالجنة، وأنَّ هذا لا يُبدَّلُ ولا يُخْلفُ. قال ابن عباس: يرِيدُ: ما لِوَعْدِي خُلْفٌ لأهل طاعتي ولا أهل معصيتي. قال مجاهدٌ: قد قَضَيتُ ما أنا قاضٍ. وهذا أصحُّ القولين في الآية (٢). وفيها قولٌ آخرُ: أن المعنى: ما يُغيَّرُ القولُ عندي بالكذبِ والتلبيسِ كما يُغيَّرُ عند الملوكِ والحُكَّام، فيكون المرادُ بالقول قولَ المختصمين، وهو اختيارُ الفرَّاءِ وابنِ قُتيبةَ. قال الفرَّاءُ (٣): المعنى: ما يُكْذَبُ عندي لعِلْمي بالغيبِ. وقال ابنُ قُتيبة (٤). أي: ما يُحَرَّفُ القولُ عندي ولا يُزادُ

стр. 25

فيه ولا يُنْقَصُ منه. قال: لأنَّه قال: ﴿الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ (١)، ولم يقلْ: قولي، وهذا كما يُقالُ: لا يُكْذَبُ عندي. فعلى القول الأول يكونُ قولُه: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق: ٢٩] من تمام قولِهِ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ في المعنى؛ أي: ما قلتُهُ ووَعدتُ به لا بدَّ من فعِلِه، ومع هذا فهو عدلٌ لا ظلمَ فيه ولا جَوْرَ. وعلى الثاني يكونُ قد وَصَفَ نفسَه بأمرينِ: أحدُهما: أنَّ كمال علمِهِ واطلاعِهِ يَمنع من تبديل القول بين يديْهِ وترويج الباطل عليه. و [الثاني: أنَّ] (٢) كمال عدلِهِ وغناه يَمنعُ من ظلمِهِ لعَبيدِهِ. ثم أخبرَ عن سَعَةِ جهنَّمَ، وأنها كلَّما أُلْقِيَ فيها ﴿تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠]، وأخطأ من قال: إن ذلك للنفي؛ أي: ليس فيَّ (٣) مزيدٌ. والحديثُ الصحيحُ يَرُدُّ هذا التأويل (٤). ثم أخبر عن تقريب الجنَّة من المتَّقينَ، وأنَّ أهلَها هم الذين اتَّصفوا بهذه الصفاتِ الأربع: إحداها (٥): أن يكون أوَّابًا؛ أي: رَجَّاعًا إلى الله؛ من معصيتِهِ إلى طاعتِهِ، ومن الغفلةِ عنه إلى ذِكْرِهِ. قال عبيدُ بن عُميرٍ: الأوَّابُ: الذي

стр. 26

يَتذكَّرُ ذنوبَه ثم يَستغفرُ منها. وقال مجاهد: هو الذي إذا ذكَر ذنبَه في الخلاءِ استغفَر منه (١). وقال سعيدُ بن المسيب: هو الذي يُذْنِبُ ثم يتوبُ ثم يُذْنِبُ ثم يتوبُ. الثانية: أن يكون حفيظًا، قال ابنُ عباس: لِمَا ائتَمَنَهُ الله عليه وافتَرَضَهُ. وقال قتادةُ: حافظٌ لِما استَوْدَعَهُ الله من حقه ونعمته (٢). ولما كانت النفس لها قوَّتان: قوةُ الطلب وقوةُ الإمساك، كان الأوَّابُ مُستعملًا لقوَّةِ الطلب في رجوعه إلى الله ومَرْضاتِهِ وطاعتِهِ، والحفيظُ مستعملًا لقوَّةِ الحفظِ في الإمساك عن معاصيه ونواهيه؛ فالحفيظُ: المُمْسِكُ نفسه عما حُرِّم عليه، والأوَّابُ: المُقْبِلُ على الله بطاعتِهِ. الثالثةُ: قولُه: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾ [ق: ٣٣]: يَتضمَّنُ الإقرار بوجودِهِ وربوبيتِهِ وقدرتهِ وعلمِهِ واطلاعِهِ على تفاصيلِ أحوالِ العبدِ، ويَتضمَّنُ الإقرار بكتبِهِ ورسلِهِ وأمرِهِ ونهيِهِ، ويَتضمَّنُ الأقرار بوَعْدِهِ ووَعيدِهِ ولِقائِهِ؛ فلا تَصِحُّ خشيةُ الرحمن بالغيبِ إلَّا بعد هذا كلِّه. الرابعةُ: قولُه: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق: ٣٣]: قال ابنُ عباس: راجعٌ عن معاصي الله مُقبِلٌ على طاعةِ الله. وحقيقةُ الإنابةِ عُكوفُ القلبِ على طاعةِ الله ومحبَّتِهِ والإقبالِ عليه. ثم ذكر سبحانه جزاء من قامتْ به هذه الأوصافُ بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٤ - ٣٥].

стр. 27

ثم خَوَّفهم بأن يُصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبْلَهم، وأنَّهم كانوا أشدَّ منهم بَطْشَا ولم يَدْفَعْ عنهم الهلاك شدةُ بطشِهم، وأنَّهم عند الهلاكِ تقلَّبوا وطافوا في البلاد، هل يَجِدون مَحِيْصًا ومَنجًى من عذاب الله؟! قال قَتادةُ: حَاصَ أعداءُ الله فوجدوا أمر الله لهم مُدرِكًا. وقال الزَّجَّاجُ (١): طوَّفوا وفَتَّشوا فلم يَرَوا مَحِيصًا من الموتِ. وحقيقةُ ذلك أنهم طلبوا المَهْربَ من الموتِ فلم يَجِدوه. ثم أخبر سبحانَه أنَّ في هذا الذي ذُكِرَ ذِكرى ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]. ثم أخبر أنَّه خَلَقَ السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يَمَسَّهُ من تَعَبٍ ولا إعياءٍ؛ تكذيبًا لأعدائِهِ من اليهودِ؛ حيثُ قالوا: إنه استراح في اليوم السابع!! ثم أمرَ نبيَّهُ بالتأسِّي به سبحانَه في الصبرِ على ما يقولُ أعداؤُه فيه؛ كما أنَّه سبحانه صبَرَ على قول اليهود: إنَّه استراح! ولا أحدَ أصْبَرُ على أذًى يَسْمَعُهُ منه (٢). ثم أمَرَهُ بما يَستعينُ به على الصبر، وهو التسبيحُ بحمدِ ربِّه قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبِها وبالليل وأدبارَ السُّجود: فقيل: هو الوِتْرُ. وقيل: الركعتان بعد المغرب. والأولُ قولُ ابن عباس، والثاني قولُ عمر وعليٍّ وأبي هريرة والحسن بن عليٍّ وإحدى الروايتينِ عن ابن عباس.

стр. 28

وعن ابن عباس روايةٌ ثالثةٌ: أنَّه التسبيحُ باللسانِ أدبارَ الصَّلَواتِ المكتوبات (١). ثم ختَمَ السورة بذكر المعاد، ونداءِ المنادي برجوع الأرواح إلى أجسادها للحشر، وأخبرَ أنَّ هذا النداء من مكانٍ قريبٍ يَسمعُه كلُّ أحدٍ، ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٤٢]: بالبعث ولقاء الله، ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾ كما تَتشقَّقُ عن النباتِ، فيَخرُجونَ ﴿سِرَاعًا﴾ من غير مُهلةٍ ولا بُطءٍ، ذلك حشرٌ يَسيرٌ عليه سبحانَه. ثم أخبر سبحانه أنَّه عالمٌ بما يقولُ أعداؤه، وذلك يَتضمَّنُ مُجازاتَهُ لهم بقولِهِم إذ لم يخْفَ عليه، وهو سبحانَه يذكُر علمَه وقدرتَه لتحقيقِ الجزاءِ. ثم أخبره (٢) أنَّه ليس بمسلَّطٍ عليهم ولا قهَّارٍ ولم يُبْعَثْ لِيُجْبِرَهُم على الإسلام ويُكْرِهَهُم عليه، وأمَرَهُ أن يُذَكِّرَ بكلامِهِ مَنْ يَخافُ وعيدَه؛ فهو الذي ينتفعُ بالتذكير، وأما مَنْ لا يؤمنُ بلقائِهِ ولا يخافُ وعيدَه ولا يرجو ثوابَه؛ فلا ينتفع بالتذكير. فائدة قول النبيِّ ﷺ لعمرَ: "وما يُدْرِيك أنَّ الله اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ، فقالَ: اعْمَلُوا ما شئْتُم؛ فقدْ غَفَرْتُ لكُم؟! " (٣) أشْكَلَ على كثيرٍ من الناس

стр. 29

معناهُ؛ فإنَّ ظاهرَه إباحةُ كلِّ الأعمال لهم وتخييرُهم فيما شاؤوا منها، وذلك ممتنعٌ. فقالتْ طائفةٌ منهم ابن الجوزيِّ (١): ليس المرادُ من قولِهِ: "اعْمَلوا": الاستقبال، وإنَّما هو للماضي، وتقديرُهُ: أيُّ عمل كان لكم؛ فقد غَفرتُهُ. قال: ويَدُلُّ على ذلك شيئانِ: أحدُهما: أنَّه لو كان للمستقبل؛ كان جوابُهُ قولَه: سأَغْفِر لكم. والثاني: أنه كان يكونُ إطلاقًا في الذُّنوبِ، ولا وجه لذلك. وحقيقةُ هذا الجوابِ: أني قد غَفرتُ لكم بهذه الغزوةِ ما سلف من ذُنوبكم. لكنه ضعيفٌ من وجهين: أحدُهما: أنَّ لفظ (اعملوا) يأباه؛ فإنه للاستقبال دون المُضِيِّ. وقولُه: "قَدْ غَفَرْتُ لكُم" لا يُوجِبُ أن يكون (اعملوا) مثلَه؛ فإنَّ قوله: "قَدْ غَفَرْتُ" تحقيقٌ لوقوع المغفَرةِ في المستقبل؛ كقولهِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ونظائره. الثاني: أن نفسَ الحديثِ يَرُدُّه؛ فإنَّ سببَه قصةُ حاطبٍ وجَسُّه (٢) على النبيِّ ﷺ ، وذلك ذنبٌ واقعٌ بعد غزوةِ بدرٍ لا قبلَها، وهو سببُ الحديث؛ فهو مرادٌ منه قطعًا. فالذي نظنُّ في ذلك -والله أعلمُ- أنَّ هذا خطابٌ لقوم قد عَلِمَ الله سبحانه أنَّهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنَّهم قد

стр. 30

يُقارِفونَ بعضَ ما يُقارِفُهُ غيرُهم من الذُّنوب، ولكن لا يَترُكُهم سبحانه مُصرِّين عليها، بل يُوفِّقُهم لتوبةٍ نَصوحٍ واستغفارٍ وحسنات تمحو أثرَ ذلك، ويكونُ تخصيصُهم بهذا دون غيرهم، لأنَّه قد تَحقَّق ذلك فيهم وأنهم مغفورٌ لهم، ولا يمنعُ ذلك كونَ المغفرةِ حصلتْ بأسبابٍ تقومُ بهم؛ كما لا يقتضي ذلك أن يُعطِّلوا الفرائض وثوقًا بالمغفرة؛ فلو كانت قد حَصَلتْ بدون الاستمرار على القيام بالأوامر؛ لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حجٍّ ولا زكاةٍ ولا جهادٍ! وهذا محالٌ! ومن أوجب الواجباتِ التوبةُ بعد الذنب؛ فضَمانُ المغفرةِ لا يُوجِبُ تعطيلَ أسبابَ المغفرة. ونظيرُ هذا قولُه في الحديث الآخر: "أذْنَبَ عبدٌ ذنبًا، فقال: أي ربِّ! أذْنَبْتُ ذنبًا؛ فاغْفِرْهُ لي! فغفر لهُ. ثمَّ مكثَ ما شاء الله أن يمكُث، ثمَّ أذْنَبَ ذنبًا آخر، فقال: أي رَبِّ! أصَبْتُ ذنبًا؛ فاغْفِرْهُ لي! فغفرَ له. ثمَّ مكث ما شاء الله أن يمْكُثَ، ثمَّ أذْنَبَ ذنبًا آخر، فقال: رَبِّ! أصبْتُ ذنبًا؛ فاغْفِرْهُ لي! فقال الله: علِمَ عبدي أنَّ لهُ ربًّا يغْفِرُ الذَّنْبَ ويأخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لعبدي؛ فليَعْمَلْ ما شاءَ" (١). فليس في هذا إطلاقٌ وإذنٌ منه سبحانه له في المحرَّماتِ والجرائم، وإنما يدلُّ على أنَّه يَغْفِرُ له ما دام كذلك إذا أذنب تابَ. واختصاصُ هذا العبد بهذا -لأنَّه قد علمَ أنَّه لا يُصِرُّ على ذنبٍ وأنَّه كلما أذنب تابَ- حكمٌ يَعُمُّ كلَّ من كانت حالُه حاله، لكنَّ ذلك العبد مقطوعٌ له بذلك كما قُطعَ به لأهل بدرٍ.

стр. 31

وكذلك كلُّ من بَشَّرَهُ رسولُ الله ﷺ بالجنة أو أخبره بأنَّه مغفورٌ له؛ لم يَفْهَمْ منه هو ولا غيرُه من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومُسامَحتَهُ بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشدَّ اجتهادًا وحذرًا وخوفًا بعد البشارة منهم قبلَها؛ كالعشرةِ المشهودِ لهم بالجنة، وقد كان الصدِّيقُ شديد الحذَر والمخافةِ، وكذلك عمرُ؛ فإنَّهم علموا أن البشارة المطلقة مقيَّدةٌ بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيَّدةٌ بانتفاءِ موانِعها، ولم يَفهمْ أحدٌ منهم من ذلك الإطلاقَ والإذنَ فيما شاؤوا من الأعمال. فائدة جليلة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. أخبر سبحانه أنه جعل الأرض ذلولًا مُنقادةً للوطءِ عليها وحَفْرِها وشَقِّها والبناءِ عليها، ولم يجعلها مستصعبةً ممتنعةً على من أراد ذلك منها. وأخْبَرَ سبحانه أنَّه جعلها مهادًا وفراشًا وبساطًا وقرارًا وكفاتًا. وأخْبَرَ أنَّه دحاها وطحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها، وثبَّتَها بالجبال، ونهج فيها الفجاج والطُّرُقَ، وأجرى فيها الأنهار والعيون، وبارك فيها وقدَّرَ فيها أقواتها. ومن بركتِها أنَّ الحيوانات كلَّها وأرزاقها وأقواتها تخرُجُ منها، ومن بركتها أنك تُودِعُ فيها الحَبَّ فتُخرِجه لك أضعافَ أضعافِ ما كان، ومن بركتها أنَّها تحملُ الأذى على ظهرها، وتُخْرِجُ لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها؛ فتُوارِي منه كلَّ قبيح وتخرجُ له كلَّ مليح. ومن بركتها أنها تَسْتُرُ قبائحَ العبدِ وفَضَلاتِ بدنِهِ وتُواريها، وتضمُّه وتُؤويه، وتُخرجُ له طعامه وشرابه؛ فهي أحملُ شيءٍ للأذى وأعودُه بالنفع. فلا كان من الترابِ خيرٌ منه وأبعدُ من الأذى وأقربُ إلى

стр. 32

الخير (١). والمقصود أنه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذَّلول الذي كيفما يُقادُ ينقادُ. وحَسُنَ التعبيرُ بمناكبها عن طُرُقِها وفجاجِها لما تقدَّم من وصفها بكونها ذلولًا؛ فالماشي عليها يَطأُ على مناكبَها، وهي (٢) أعلى شيءٍ فيها، ولهذا فُسِّرت المناكب بالجبال؛ كمناكب الإنسان، وهي أعاليه. قالوا: وذلك تنبيهٌ على أن المشي في سهولِها أيسرُ. وقالت طائفةٌ: بل المناكب الجوانبُ والنواحي، ومنه مناكبُ الإنسانِ لجوانبه. والذي يظهرُ أن المراد بالمناكب الأعالي، وهذا الوجهُ الذي يمشي عليه الحيوانُ هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له؛ فإنَّ سطح الكُرَةِ أعلاها، والمشيُ إنَّما يَقعُ في سَطْحِها، وحسُنَ التعبيرُ عنه بالمناكب لما تقدَّم من وصفها بأنَّها ذَلولٌ. ثم أمرَهُم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها؛ فذَلَّلها لهم، ووطَّأها، وفتَقَ فيها السُّبُل والطرق التي يمشون فيها، وأوْدَعَها رِزْقَهم؛ فذَكَرَ تهيئة المسكن للانتفاع والتقلُّب فيه بالذَّهابِ والمجيء والأكَل مما أُوْدِعَ فيه للساكن. ثم نبَّه بقولِهِ: ﴿وَإِلَيهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ على أنَّا في هذا المسكن غيرُ مستوطنين ولا مقيمين، بل دخلْناه عابرِي سبيلٍ؛ فلا يَحْسُنُ أن نتَّخِذَه

стр. 33

وطنًا ومستقرًّا، وإنما دخلْناه لنتزوَّدَ منه إلى دارِ القرارِ؛ فهو منزلُ عُبورٍ لا مستقرُّ حُبورٍ، ومَعْبرٌ ومَمرٌّ لا وطنٌ ومُستقَرٌّ. فتضمَّنت الآيةُ الدِّلالةَ على ربوبيتِهِ ووحدانيتِهِ وقدرتِهِ وحكمتِهِ ولطفِهِ، والتذكير بِنعَمِهِ وإحسانه، والتحذير من الركونِ إلى الدُّنيا واتِّخاذِها وطنًا ومستَقرًّا، بل نُسرعُ فيها السير إلى دارِهِ وجنَّتِهِ. فلله ما في ضمنِ هذه الآيةِ من معرفتِهِ، وتوحيدِهِ، والتذكير بِنعَمِهِ، والحَثِّ على السير إليه والاستعدادِ للقائِهِ والقدوم عليه، والإعلامِ بأنَّه سبحانَه يَطوي هذه الدارَ كأنْ لم تكنْ، وأنَّه يُحيي أهلَها بعدما أماتَهم، وإليه النُّشورُ. فائدة للإنسانِ قوَّتانِ: قوةٌ علميةٌ نظريةٌ، وقوةٌ عمليةٌ إراديةٌ. وسعادتُهُ التامَّةُ موقوفةٌ على استكمال قوَّتيهِ العلميةِ والإرادية. واستكمالُ القوةِ العلميةِ إنَّما يكونُ: بمعرفة فاطرِهِ وبارئِهِ، ومعرفةِ أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه (١)، ومعرفة الطريق التي تُوصِلُ إليه ومعرفة آفاتِها، ومعرفةِ نفسِهِ ومعرفةِ عيوبِها؛ فبهذه المعارفِ الخمسة (٢) يحصُلُ كمالُ قوَّتِهِ العلمية، وأعلمُ الناس أعرَفُهم بها وأفقهُهم فيها. واستكمالُ القوةِ العملية الإرادية لا يَحْصُلُ إلا بمراعاةِ حقوقِهِ سبحانَه على العبد والقيامِ بها إخلاصًا وصدقًا ونُصحًا وإحسانًا ومتابعةً

стр. 34

وشُهودًا لمِنَّتِهِ عليه وتقصيرِهِ هو في أداءِ حقِّه؛ فهو مُسْتَحْي من مُواجَهتِهِ بتلك الخدمةِ؛ لعلمِهِ أنها دونَ ما يَستحقُّه عليه ودونَ دونِ ذلك، وأنَّه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونتِهِ؛ فهو مضطرٌّ إلى أنْ يَهدِيَهُ الصراطَ المستقيمَ الذي هَدى إليه أولياءَهُ وخاصَّتَهُ، وأن يُجنِّبَهُ الخروج عن ذلك الصراطِ: إما بفسادٍ في قوتِهِ العلميةِ فيقعُ في الضَّلال، وإما في قوتِهِ العمليةِ فيُوجِبُ له الغضبَ. فكمالُ الإنسانِ وسعادتُهُ لا تَتِمُّ إلا بمجموع هذه الأمور، وقد تضمَّنَتْها سورةُ الفاتحة وانتظمتْها أكمل انتظام: فإنَّ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] يتضمَّنُ الأصلَ الأول، وهو معرفةُ الربِّ تعالى ومعرفةُ أسمائِهِ وصفاتِه وأفعالِهِ. والأسماءُ المذكورةُ في هذه السورة هي أصولُ الأسماءِ الحسنى، وهي اسمُ اللهِ والربِّ والرحمن؛ فاسم الله متضمِّنٌ لصفات الألوهيَّةِ، واسمُ الربِّ متضمِّنٌ لصفاتِ الربوبيَّةِ، واسمُ الرحمن متضمِّنٌ لصفاتِ الإحسانِ والجودِ والبرِّ. ومعاني أسمائه تدورُ على هذا. وقولُهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] يتضمَّنُ معرفة الطريق المُوصِلةِ إليه، وأنها ليستْ إلَّا عبادتَهُ وحدَه بما يُحِبُّه ويرضاهُ واستعانتَهُ على عبادتِهِ. وقولُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] يتضمَّن بيانَ أنَّ العبد لا سبيل له إلى سعادتِهِ إلا باستقامتِهِ على الصراطِ المستقيم، وأنَّه لا سبيلَ له إلى الاستقامةِ إلَّا بهداية ربِّه له؛ كما لا سبيلَ له إلى عبادتِهِ إلَّا بمعونتِهِ؛ فلا سبيلَ لهُ إلى الاستقامة على الصراط إلَّا بهدايتِهِ.

стр. 35

وقولُهُ: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] يتضمَّنُ بيانَ طرفَي الانحراف عن (١) الصراط المستقيم، وأنَّ الانحراف إلى أحد الطرفين انحرافٌ إلى الضَّلال الذي هو فسادُ العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطرف الآخر انحرافٌ إلى الغضب الذي سببُهُ فسادُ القصدِ والعمل. ف أولُ السورة رحمةٌ، وأوسطُها هدايةٌ، وآخرُها نعمةٌ. وحَظُّ العبدِ من النعمةِ على قَدْرِ حَظِّهِ من الهداية، وحظُّه منها على قَدْرِ حظِّه من الرحمةِ. فعادَ الأمرُ كلُّه إلى نعمتِهِ ورحمتِهِ. والنعمةُ والرحمةُ من لوازم ربوبيَّتِهِ؛ فلا يكونُ إلا رحيمًا مُنعِمًا، وذلك من موجباتِ إلهيتِهِ؛ فهو الإله الحقُ وإنْ جَحَدَهُ الجاحدونَ وعدَلَ به المشركون. فمن تحقَّق بمعاني الفاتحةِ علمًا ومعرفةً وعملًا وحالًا؛ فقد فاز من كمالِهِ بأوفرِ نصيبٍ، وصارتْ عبوديتُه عبوديَّةَ الخاصَّةِ الذين ارتفعتْ درجتُهم عن عوامِّ المتعبِّدينَ. والله المستعان (٢).

стр. 36

فائدة الربُّ تعالى يدعو عباده في القرآنِ إلى معرفتِهِ من طريقين: أحدُهما: النظرُ في مفعولاتِهِ. والثاني: التفكُّر في آياتِهِ وتدبُّرُها؛ فتلك آياتُهُ المشهودةُ، وهذه آياتُهُ المسموعةُ المعقولةُ. فالنوع الأول: كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى آخرها [البقرة: ١٦٤] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِـ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠] وهو كثيرٌ في القرآنِ. والثاني: كقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقولهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وهو كثيرٌ أيضًا. فأمّا المفعولاتُ فإنَّها دالَّةٌ على الأفعال، والأفعالُ دالَّةٌ على الصفات؛ فإنَّ المفعولَ يدلُّ على فاعلٍ فَعَلَه، وذلك يَستلزمُ وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعلمَه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياريِّ من معدوم أو موجودٍ لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة. ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوِّعة دالٌّ على إرادة الفاعل وأنَّ فعله ليس بالطبع بحيثُ يكونُ واحدًا غير متكرر (١)، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دالٌّ على حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دالٌّ على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دالٌّ على غضبِهِ، وما فيها من الإكرام والتقريب

стр. 37

والعناية دالٌّ على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دالٌّ على بِغضته ومَقتِه، وما فيها من ابتداءِ الشيءِ في غايةِ النقص والضَّعْفِ ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دالٌّ على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرُّف المياه دليلٌ على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليلٌ على صحة النُّبُوَّات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليلٌ على أنَّ مُعطي تلك الكمالات أحقُّ بها؛ فمفعولاتُهُ من أدلِّ شيءٍ على صفاتِهِ وصِدْقِ ما أخبرتْ به رسُلُه عنه. فالمصنوعاتُ شاهدة تُصدِّقُ الآياتِ المسموعاتِ، منبِّهةٌ على الاستدلال بالآياتِ المصنوعات. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ أي: أنَّ القرآن حقٌّ؛ فأخبر أنه لا بدَّ أن يُريهم من آياتِهِ المشهودة ما يُبَيِّنُ لهم أنَّ آياتِهِ المتلوَّة حقٌّ، ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدَّلائل والبراهين على صدق رسولِهِ؛ فآياتُهُ شاهدةٌ بصدقِهِ، وهو شاهدٌ بصدقِ رسولِهِ بآياته؛ فهو الشاهدُ والمشهودُ له، وهو الدليلُ والمدلولُ عليه؛ فهو الدليلُ بنفسه على نفسه؛ كما قال بعضُ العارفين: كيف أطلبُ الدليل على من هو دليلٌ لي على كلِّ شيءٍ؟! فأيُّ دليلٍ طلبتُه عليه؛ فوجودُه أظهرُ منه. ولهذا قال الرسلُ لقومِهِم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]؟! فهو أعرف من كلِّ معروفٍ، وأبينُ من كلِّ دليل؛ فالأشياءُ عُرِفَتْ به في الحقيقة، وإنْ كان عُرِفَ بها في النظر والاستدلال بأفعالِهِ وأحكامِهِ عليه.

стр. 38

فائدة في "المسند" و"صحيح أبي حاتم" (١) من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما أصاب عَبْدًا هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فقال: اللهمَّ! إنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عبْدكَ، ابنُ أمَتِكَ، ناصِيَتي بيدِكَ، ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عدْلٌ فيَّ قضاؤكَ، أسألُكَ بكُلِّ اسْمٍ هُوَ لك؛ سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أو أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أو عَلَّمْتَهُ أحدًا مِنْ خَلقِكَ، أو اسْتأثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ: أن تَجْعلَ القُرْآنَ ربيع قلبي، ونُور صَدري، وجِلاءَ حُزْني، وذَهَاب همِّي وغَمِّي؛ إلَّا أذْهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ وأبدلهُ مكَانهُ فرحًا". قالوا: يا رسول الله! أفلا نتعلَّمُهُنَّ؟ قال: "بلى؛ ينْبغي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أن يَتَعلَّمهُنَّ". فتضمَّن هذا الحديثُ العظيم أمورًا من المعرفة والتوحيد والعبودية: • منها: أنَّ الدَّاعي به صدَّرَ سؤاله بقوله: "إنِّي عَبدُك ابْنُ عبدِك ابنُ أمتِك"، وهذا يتناولُ من فوقَهُ من آبائِهِ وأمهاتِهِ إلى أبويْهِ آدمَ وحوَّاء، وفي ذلك تملُّقٌ له، واستخذاءٌ بين يديه، واعترافٌ بأنَّه مملوكُه وآباؤه مماليكُه، وأن العبد ليس له غيرُ بابِ سيِّدِهِ وفضلِهِ وإحسانِهِ، وأنَّ سيِّدَهُ إن أهمله وتخلَّى عنه هلك، ولم يُؤْوهِ أحدٌ، ولم يَعطِفْ عليه، بل يَضِيعُ أعظمَ ضَيعةٍ. فتحت هذا الاعتراف: أنِّي لا غِنًى بي عنك طرْفَة عينٍ، وليس لي

стр. 39

من أعوذُ بِهِ وألوذُ به غير سيِّدي الذي أنا عبدُه. وفي ضِمْنِ ذلك الاعتراف بأنَّه مربوبٌ، مُدَبَّرٌ، مأمورٌ، منهيٌّ، إنَّما يتصرفُ بحُكم العبوديَّة لا بحكم الاختيار لنفسه؛ فليس هذا شأنَ العبدِ بل شأنُ الملوكِ والأحرارِ، وأما العبيدُ فتَصَرُّفُهُم على مَحْض العبوديَّة. فهؤلاء عَبِيدُ الطاعةِ المضافون إليه سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومن عداهم عَبِيدُ القَهْرِ والرُّبوبيَّة؛ فإضافتُهم إليه كإضافة سائر البيوتِ إلى مُلْكِهِ، وإضافةُ أولئك كإضافة البيت الحرام إليه وإضافة ناقتِهِ إليه ودارِهِ التي هيِ الجنةُ إليه، وإضافةِ عبوديَّةِ رسولِهِ إليه؛ بقولِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. وفي التحقُّق ب معنى قولِهِ: "إنِّي عبدُك": التزامُ عبوديَّتِهِ من الذُلِّ والخُضوعِ والإنابة، وامتثالُ أمرِ سيدِهِ، واجتنابُ نهيِهِ، ودوامُ الافتقارِ إليه، واللَّجَأ إليه، والاستعانةِ به، والتوكُّل عليه، وعياذِ العبدِ به، ولِياذِهِ به، وأن لا يتعلَّقَ قلبُهُ بغيرِهِ محبَّةً وخوفًا ورجاءً. وفيه أيضًا أني عبدٌ من جميع الوجوه، صغيرًا وكبيرًا، حيًّا وميِّتًا، مطيعًا وعاصيًا، مُعافًى ومبتلًى؛ بالروح والقلب واللسان والجوارح. وفيه أيضًا أن مالي ونفسي مُلكٌ لك؛ فإن العبد وما يَملِكُ لسيدِه. وفيه أيضًا أنَّكَ أنت الذي مننْتَ عليَّ بكلِّ ما أنا فيه من نعمةٍ؛ فذلك كلُّه من إنعامك على عبدك.

стр. 40

وفيه أيضًا: أنِّي لا أتصرَّف فيما خوَّلْتَني من مالي ونفسي إلا بأمرك؛ كما لا يتصرَّفُ العبدُ إلا بإذنِ سيِّدِهِ، وأنِّي لا أملكُ لنفسي ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا. فإن صحَّ له شهودُ ذلك؛ فقد قال: إنِّي عبدُك حقيقةً. • ثم قال: "ناصيتي بيدِكَ"؛ أي: أنت المتصرِّفُ فيَّ، تُصرِّفُني كيف تشاءُ، لستُ أنا المتصرِّف في نفسي. وكيف يكونُ له في نفسه تصرُّفٌ [وهو] منْ نفسُهُ بيدِ ربِّه وسيِّدِهِ، وناصيتُهُ بيدِهِ، وقلبُهُ بين إصبعين من أصابعِهِ (١)، وموتُهُ وحياتُهُ وسعادتُهُ وشقاوتُهُ وعافيتُهُ وبلاؤهُ كلُّه إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيءٌ، بل هو في قبضةِ سيِّدِهِ أضعفُ من مملوكٍ ضعيفٍ حقيرٍ ناصيتُهُ بيدِ سلطانٍ قاهرٍ مالكٍ له تحت تصرُّفِهِ وقهرِهِ، بل الأمرُ فوق ذلك؟! ومتى شهِدَ العبدُ أنَّ ناصيتَهُ ونواصيَ العبادِ كلَّها بيدِ الله وحدَه يُصرِّفُهم كيف يشاءُ؛ لم يَخَفْهُم بعد ذلك، ولم يَرْجُهُم، ولم يُنْزِلْهُمْ منزلة المالكين، بل منزلةَ عَبِيدٍ مقهورين مربوبينَ، المتصرِّفُ فيهم سواهُم، والمدبِّرُ لهم غيرُهم. فمن شَهِدَ نفسَهُ بهذا المشهدِ؛ صارَ فَقْرُهُ وضرورتُهُ إلى ربِّه وصفًا لازمًا له، ومتى شهدَ الناسَ كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يُعلِّقَ أملَه ورجاءَه بهم، فاستقامَ توحيدُه وتوكُّلُه وعبوديتُهُ. ولهذا قال هودٌ لقومِهِ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
следующие страницы →