← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فائدة الربُّ تعالى يدعو عباده في القرآنِ إلى معرفتِهِ من طريقين: أحدُهما: النظرُ في مفعولاتِهِ. والثاني: التفكُّر في آياتِهِ وتدبُّرُها؛ فتلك آياتُهُ المشهودةُ، وهذه آياتُهُ المسموعةُ المعقولةُ. فالنوع الأول: كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى آخرها [البقرة: ١٦٤] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِـ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠] وهو كثيرٌ في القرآنِ. والثاني: كقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقولهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وهو كثيرٌ أيضًا. فأمّا المفعولاتُ فإنَّها دالَّةٌ على الأفعال، والأفعالُ دالَّةٌ على الصفات؛ فإنَّ المفعولَ يدلُّ على فاعلٍ فَعَلَه، وذلك يَستلزمُ وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعلمَه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياريِّ من معدوم أو موجودٍ لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة. ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوِّعة دالٌّ على إرادة الفاعل وأنَّ فعله ليس بالطبع بحيثُ يكونُ واحدًا غير متكرر (١)، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دالٌّ على حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دالٌّ على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دالٌّ على غضبِهِ، وما فيها من الإكرام والتقريب

стр. 37

والعناية دالٌّ على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دالٌّ على بِغضته ومَقتِه، وما فيها من ابتداءِ الشيءِ في غايةِ النقص والضَّعْفِ ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دالٌّ على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرُّف المياه دليلٌ على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليلٌ على صحة النُّبُوَّات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليلٌ على أنَّ مُعطي تلك الكمالات أحقُّ بها؛ فمفعولاتُهُ من أدلِّ شيءٍ على صفاتِهِ وصِدْقِ ما أخبرتْ به رسُلُه عنه. فالمصنوعاتُ شاهدة تُصدِّقُ الآياتِ المسموعاتِ، منبِّهةٌ على الاستدلال بالآياتِ المصنوعات. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ أي: أنَّ القرآن حقٌّ؛ فأخبر أنه لا بدَّ أن يُريهم من آياتِهِ المشهودة ما يُبَيِّنُ لهم أنَّ آياتِهِ المتلوَّة حقٌّ، ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدَّلائل والبراهين على صدق رسولِهِ؛ فآياتُهُ شاهدةٌ بصدقِهِ، وهو شاهدٌ بصدقِ رسولِهِ بآياته؛ فهو الشاهدُ والمشهودُ له، وهو الدليلُ والمدلولُ عليه؛ فهو الدليلُ بنفسه على نفسه؛ كما قال بعضُ العارفين: كيف أطلبُ الدليل على من هو دليلٌ لي على كلِّ شيءٍ؟! فأيُّ دليلٍ طلبتُه عليه؛ فوجودُه أظهرُ منه. ولهذا قال الرسلُ لقومِهِم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]؟! فهو أعرف من كلِّ معروفٍ، وأبينُ من كلِّ دليل؛ فالأشياءُ عُرِفَتْ به في الحقيقة، وإنْ كان عُرِفَ بها في النظر والاستدلال بأفعالِهِ وأحكامِهِ عليه.

стр. 38

فائدة في "المسند" و"صحيح أبي حاتم" (١) من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما أصاب عَبْدًا هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فقال: اللهمَّ! إنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عبْدكَ، ابنُ أمَتِكَ، ناصِيَتي بيدِكَ، ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عدْلٌ فيَّ قضاؤكَ، أسألُكَ بكُلِّ اسْمٍ هُوَ لك؛ سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أو أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أو عَلَّمْتَهُ أحدًا مِنْ خَلقِكَ، أو اسْتأثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ: أن تَجْعلَ القُرْآنَ ربيع قلبي، ونُور صَدري، وجِلاءَ حُزْني، وذَهَاب همِّي وغَمِّي؛ إلَّا أذْهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ وأبدلهُ مكَانهُ فرحًا". قالوا: يا رسول الله! أفلا نتعلَّمُهُنَّ؟ قال: "بلى؛ ينْبغي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أن يَتَعلَّمهُنَّ". فتضمَّن هذا الحديثُ العظيم أمورًا من المعرفة والتوحيد والعبودية: • منها: أنَّ الدَّاعي به صدَّرَ سؤاله بقوله: "إنِّي عَبدُك ابْنُ عبدِك ابنُ أمتِك"، وهذا يتناولُ من فوقَهُ من آبائِهِ وأمهاتِهِ إلى أبويْهِ آدمَ وحوَّاء، وفي ذلك تملُّقٌ له، واستخذاءٌ بين يديه، واعترافٌ بأنَّه مملوكُه وآباؤه مماليكُه، وأن العبد ليس له غيرُ بابِ سيِّدِهِ وفضلِهِ وإحسانِهِ، وأنَّ سيِّدَهُ إن أهمله وتخلَّى عنه هلك، ولم يُؤْوهِ أحدٌ، ولم يَعطِفْ عليه، بل يَضِيعُ أعظمَ ضَيعةٍ. فتحت هذا الاعتراف: أنِّي لا غِنًى بي عنك طرْفَة عينٍ، وليس لي

стр. 39

من أعوذُ بِهِ وألوذُ به غير سيِّدي الذي أنا عبدُه. وفي ضِمْنِ ذلك الاعتراف بأنَّه مربوبٌ، مُدَبَّرٌ، مأمورٌ، منهيٌّ، إنَّما يتصرفُ بحُكم العبوديَّة لا بحكم الاختيار لنفسه؛ فليس هذا شأنَ العبدِ بل شأنُ الملوكِ والأحرارِ، وأما العبيدُ فتَصَرُّفُهُم على مَحْض العبوديَّة. فهؤلاء عَبِيدُ الطاعةِ المضافون إليه سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومن عداهم عَبِيدُ القَهْرِ والرُّبوبيَّة؛ فإضافتُهم إليه كإضافة سائر البيوتِ إلى مُلْكِهِ، وإضافةُ أولئك كإضافة البيت الحرام إليه وإضافة ناقتِهِ إليه ودارِهِ التي هيِ الجنةُ إليه، وإضافةِ عبوديَّةِ رسولِهِ إليه؛ بقولِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. وفي التحقُّق ب معنى قولِهِ: "إنِّي عبدُك": التزامُ عبوديَّتِهِ من الذُلِّ والخُضوعِ والإنابة، وامتثالُ أمرِ سيدِهِ، واجتنابُ نهيِهِ، ودوامُ الافتقارِ إليه، واللَّجَأ إليه، والاستعانةِ به، والتوكُّل عليه، وعياذِ العبدِ به، ولِياذِهِ به، وأن لا يتعلَّقَ قلبُهُ بغيرِهِ محبَّةً وخوفًا ورجاءً. وفيه أيضًا أني عبدٌ من جميع الوجوه، صغيرًا وكبيرًا، حيًّا وميِّتًا، مطيعًا وعاصيًا، مُعافًى ومبتلًى؛ بالروح والقلب واللسان والجوارح. وفيه أيضًا أن مالي ونفسي مُلكٌ لك؛ فإن العبد وما يَملِكُ لسيدِه. وفيه أيضًا أنَّكَ أنت الذي مننْتَ عليَّ بكلِّ ما أنا فيه من نعمةٍ؛ فذلك كلُّه من إنعامك على عبدك.

стр. 40

وفيه أيضًا: أنِّي لا أتصرَّف فيما خوَّلْتَني من مالي ونفسي إلا بأمرك؛ كما لا يتصرَّفُ العبدُ إلا بإذنِ سيِّدِهِ، وأنِّي لا أملكُ لنفسي ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا. فإن صحَّ له شهودُ ذلك؛ فقد قال: إنِّي عبدُك حقيقةً. • ثم قال: "ناصيتي بيدِكَ"؛ أي: أنت المتصرِّفُ فيَّ، تُصرِّفُني كيف تشاءُ، لستُ أنا المتصرِّف في نفسي. وكيف يكونُ له في نفسه تصرُّفٌ [وهو] منْ نفسُهُ بيدِ ربِّه وسيِّدِهِ، وناصيتُهُ بيدِهِ، وقلبُهُ بين إصبعين من أصابعِهِ (١)، وموتُهُ وحياتُهُ وسعادتُهُ وشقاوتُهُ وعافيتُهُ وبلاؤهُ كلُّه إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيءٌ، بل هو في قبضةِ سيِّدِهِ أضعفُ من مملوكٍ ضعيفٍ حقيرٍ ناصيتُهُ بيدِ سلطانٍ قاهرٍ مالكٍ له تحت تصرُّفِهِ وقهرِهِ، بل الأمرُ فوق ذلك؟! ومتى شهِدَ العبدُ أنَّ ناصيتَهُ ونواصيَ العبادِ كلَّها بيدِ الله وحدَه يُصرِّفُهم كيف يشاءُ؛ لم يَخَفْهُم بعد ذلك، ولم يَرْجُهُم، ولم يُنْزِلْهُمْ منزلة المالكين، بل منزلةَ عَبِيدٍ مقهورين مربوبينَ، المتصرِّفُ فيهم سواهُم، والمدبِّرُ لهم غيرُهم. فمن شَهِدَ نفسَهُ بهذا المشهدِ؛ صارَ فَقْرُهُ وضرورتُهُ إلى ربِّه وصفًا لازمًا له، ومتى شهدَ الناسَ كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يُعلِّقَ أملَه ورجاءَه بهم، فاستقامَ توحيدُه وتوكُّلُه وعبوديتُهُ. ولهذا قال هودٌ لقومِهِ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].

стр. 41

• وقوله: "ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عدْلٌ فِيَّ قضاؤكَ": تضمَّنَ هذا الكلامُ أمرينِ: أحدُهُما: مضاءُ حكمِهِ في عبدِهِ. والثاني: يتضمَّن حمدَه وعدلَه، وهو سبحانه له المُلْكُ وله الحمدُ. وهذا معنى قولِ نبيِّهِ هودٍ: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾؛ أي: مع كونِهِ مالكًا قاهرًا متصرِّفًا في عبادِهِ نواصيهم بيدِهِ؛ فهو على صراطٍ مستقيم، وهو العدلُ الذي يتصرَّفُ بِهِ فيهم؛ فهو على صراطٍ مستقيم في قولِهِ وفعلِهِ وقضائِهِ وقَدَرِهِ وأمرِهِ ونهيِهِ وثوابِهِ وعقابِهِ، فخبرُهُ كلُّه صدقٌ، وقضاؤُهُ كلُّه عدلٌ، وأمرُهُ كلُّه مصلحةٌ، والذي نهى عنه كلُّهُ مفسدةٌ، وثوابُهُ لمنْ يَستحقُّ الثوابَ بفضلِهِ ورحمتِه، وعقابُهُ لمن يَستحقُّ العقابَ بعدلِهِ وحِكمتِهِ. وفرَّقَ بين الحكم والقضاءِ، وجَعَلَ المَضاءَ للحكم والعدلَ للقضاءِ: فإن حُكْمَهُ سبحانه يتناولُ حُكْمَهُ الدينيَّ الشرعيَّ وحكمَهُ الكونيَّ القدريَّ، والنوعانِ نافذان في العبدِ ماضيان (١) فيه، وهو مقهورٌ تحت الحكمين، قد مضيا فيه ونفذا فيه شاء أم أبي، لكن الحكمُ الكونيُّ لا يُمْكِنُهُ مخالفتُهُ، وأما الدينيُّ الشرعيُّ فقد يخالِفُه. ولما كان القضاءُ هو الإتمامُ والإكمالُ، وذلك إنما يكون بعد مُضيِّه ونفوذِهِ؛ قال: "عَدْلٌ فيَّ قضاؤك"؛ أي: الحكمُ الذي أكملتَهُ وأتممتَهُ ونفَّذْتَهُ في عبدِكَ عدلٌ منك فيه. وأما الحكمُ فهو ما يَحْكُمُ به سبحانه، وقد يشاءُ تنفيذَه وقد لا يُنَفِّذُهُ؛ فإنْ كان حُكمًا دينيًّا، فهو ماضٍ في العبدِ، وإنْ كان كونيًّا؛ فإن

стр. 42

نَفَّذَهُ سبحانَه مضى فيه، وإن لم يُنَفِّذْهُ انْدَفَعَ عنه. فهو سبحانه يُمضيِ (١) ما يقضي به، وغيرُه قد يَقضي بقضاءٍ ويُقدِّرُ أمرًا ولا يستطيعُ تنفيذه، وهو سبحانه يَقْضي ويُمْضي؛ فله القضاءُ والإمضاءُ. وقولُه: "عدلٌ فيَّ قضاؤُكَ": يتضمَّنُ جميعَ أقضيتِه في عبدِهِ من كلِّ الوجوهِ؛ من صحةٍ وسُقْم، وغنًى وفقرٍ، ولذةٍ وألم، وحياةٍ وموتٍ، وعقوبةٍ وتجاوزٍ وغير ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾ [الشورى: ٤٨]؛ فكلُّ ما يقضي على العبد فهو عدلٌ فيه. فإن قيلَ: فالمعصيةُ عندكم بقضائِهِ وقدَرِهِ؛ فما وجهُ العدل في قضائِها؛ فإنَّ العدلَ في العقوبة عليها ظاهر؟! قيلَ: هذا سؤالٌ له شأنٌ، ومن أجلِهِ: زعمتْ طائفةٌ أنَّ العدلَ هو المقدورُ، والظلمَ ممتنعٌ لذاتِهِ. قالوا: لأن الظُّلْمَ هو التصرفُ في مُلْكِ الغير، والله له كل شيءٍ؛ فلا يكونُ تصرُّفُهُ في خلْقِهِ إلا عدلًا! وقالتْ طائفةٌ: بل العدلُ أنه لا يُعاقِبُ على ما قضاهُ وقدَّرَهُ، فلما حَسُنَ منه العقوبة على الذنبِ عُلِمَ أنه ليس بقضائه وقدره فيكون العدلُ هو جزاؤه على الذنبِ بالعقوبَة والذَّمِّ، إما في الدُّنيا وإما في الآخرة!

стр. 43

وصعُبَ على هؤلاء الجمعُ بين العدل وبين القدر، فزعموا أنَّ من أثبت القدر لم يُمكِنْهُ أن يقول بالعدل، ومن قال بالعدل لم يُمكِنْهُ أن يقول بالقدر! كما صعب الجمعُ بين التوحيد وإثبات الصفات، فزعموا أنه لا يُمكِنُهم إثباتُ التوحيد إلا بإنكار الصفات! فصار توحيدهم تعطيلًا، وعدلهم تكذيبًا بالقدر!! وأما أهلُ السُّنَّة فهم مُثبتون للأمرين، والظُّلم عندهم هو وَضْعُ الشيءِ في غير موضعه؛ كتعذَيب المطيع ومن لا ذَنْبَ لهُ، وهذا قد نزَّه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه. وهو سبحانه وإن أضلَّ من شاء، وقَضَى بالمعصية والغَيِّ على من شاء؛ فذلك محضُ العدل فيه، لأنَّه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به. كيف ومن أسمائه الحُسنى العَدْلُ، الذي كلُّ أفعاله وأحكامه سدادٌ وصوابٌ وحقٌّ؟! وهو سبحانه قد أوضح السُّبُلَ، وأرسل الرُّسُلَ، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكَّن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول. وهذا عدلُه. ووفَّقَ من شاء بمزيد عنايةٍ، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفِّقَه. فهذا فضلُه. وخَذَلَ من ليس بأهلٍ لتوفيقه وفضله، وخلَّى بينه وبين نفسه، ولم يُرِدْ سبحانه من نفسه أن يوفِّقَهُ، فقطع عنه فضله ولم يَحرِمْه عدله. وهذا نوعان: أحدُهما: ما يكون جزاءً منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدُوِّه في الطاعة والموافقة عليه، وتناسى ذِكره وشكره، فهو أهلٌ أن يخذُلَهُ ويتخلَّى عنه. والثاني: أن لا يشاءَ له ذلك ابتداءً؛ لما يَعلمُ منه أنه لا يعرف قدر

стр. 44

نعمة الهداية، ولا يشكره عليه، ولا يُثني عليه بها، ولا يحبُّه؛ فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محلِّهِ؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]؛ فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية؛ كان ذلك محض العدل؛ كما إذا قضى على الحيَّةِ بأنْ تُقْتَل وعلى العقرب وعلى الكلبِ العقور (١)؛ كان ذلك عدلًا فيه، وإنْ كان مخلوقًا على هذه الصفة. وقد استوفَينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاءِ والقدر (٢). والمقصودُ أنَّ قولَه ﷺ : "ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عدلٌ فيَّ قضاؤُكَ": ردٌّ على الطائفتين: القدريَّة الذين ينكرون عموم أقضية الله في عبده، ويُخرِجون أفعال العبادِ عن كونها بقضائه وقدره، ويردُّون القضاء إلى الأمر والنَّهي! وعلى الجبْريَّة الذين يقولون: كلُّ مقدورٍ عدلٌ! فلا يبقى لقولِهِ: "عدْلٌ فيَّ قضاؤُك": فائدةٌ؛ فإنَّ العدل عندهم كلُّ ما يمكنُ فعلُه، والظلمُ هو المحالُ لذاتِهِ! فكأنَّه قال: ماضٍ ونافذٌ فيَّ قضاؤُك. وهذا هو الأولُ بعيِنهِ. • وقولُهُ: "أسألُكَ بكلِّ اسم … " إلى آخرِهِ: توسُّلٌ إليه بأسمائه كلِّها؛ ما علم العبدُ منها وما لم يعلم. وهذه أحبُّ الوسائل إليه؛ فإنَّها

стр. 45

وسيلةٌ بصفاتِهِ وأفعالِهِ التي هي مدلولُ أسمائِهِ. • وقولُهُ: "أنْ تجعل القُرْان ربيعَ قلبي ونورَ صدري": الربيعُ: المطرُ الذي يُحيي الأرض؛ شبَّه القرآن به لحياة القلوب به، وكذلك شبَّهَهُ الله بالمطر، وجمع بين الماء الذي تحصُلُ به الحياةُ والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق؛ كما جمع بينهما سبحانه في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ [الرعد: ١٧]. وفي قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. وفي قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الآيات [النور: ٣٥]. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ﴾ الآية [النور: ٤٣]. فتضمَّنَ الدعاءُ أن يُحيي قلبه بربيع القرآن وأن يُنَوِّرَ به صدرهُ فتجتمع له الحياةُ والنورُ؛ قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ولما كان الصدرُ أوسع من القلب؛ كان النورُ الحاصلُ له يَسرِي منهُ إلى القلب؛ لأنَّه قد حصل لما هو أوسعُ منه. ولما كانتْ حياةُ البدنِ والجوارح كلِّها بحياة القلب، تَسرِي الحياةُ منه إلى الصدرِ ثم إلى الجوارح؛ سألَ الحياة له بالربيع الذي هو مادتُها. ولما كان الحُزْنُ والهمُّ والغمُّ يُضادُّ حياة القلبِ واستنارتَهُ؛ سألَ أن يكون ذَهابُها بالقرآن؛ فإنَّها أحرى أن لا تعود، وأما إذا ذَهبتْ بغير القرآن من صحةٍ أو دنيا أو جاهٍ أو زوجةٍ أو ولدٍ؛ فإنَّها تعودُ بذهاب ذلك. والمكروه الواردُ على القلب: إن كان من أمرٍ ماضٍ؛ أحدث

стр. 46

الحزن، وإن كان من مستقبل؛ أحدث الهمَّ، وإن كان من أمرٍ حاضرٍ؛ أحدث الغَمَّ. والله أعلم. فائدة أنزَهُ الموجودات وأطهَرُها وأنوَرُها وأشرفُها وأعلاها ذاتًا وقَدْرًا وأوسعُها عرشُ الرحمن ﷻ ، ولذلك صلح لاستوائه عليه. وكلُّ ما كان أقربَ إلى العرش؛ كان أنور وأنْزَه وأشرف مما بعدَ عنه. ولهذا كانت جنةُ الفردوسِ أعلى الجِنانِ وأشرفها وأنورها وأجلَّها؛ لقُربِها من العرش؛ إذ هو سَقْفُها (١). وكلُّ ما بعدَ عنه كان أظلم وأضيق. ولهذا كان أسفل سافلينَ شرَّ الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كلِّ خيرٍ. وخَلَق الله القلوب وجعلها محلًّا لمعرفتِهِ ومحبَّتِهِ وإرادتِهِ؛ فهي عرشُ المثل الأعلى الذي هو معرفتُه ومحبتُه وإرادتُه. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ فهذا من المثل الأعلى، وهو مستوٍ على قلب المؤمن؛ فهو عرشُه. وإن لم يكن أطهرَ الأشياء وأنزهَها وأطيَبها وأبعدَها من كل دنس وخبث؛ لم يصلُحْ لاستواء، المثل الأعلى عليه معرفةً ومحبةً وإرادةً، فاستوى

стр. 47

عليه مثلُ الدُّنيا الأسفلُ ومحبتُها وإرادتُها والتعلُّق بها، فضاق وأظلم وبعد من كمالِهِ وفلاحه. حتى تعود القلوبُ على قلبين: قلبٍ هو عرشُ الرحمن؛ ففيه النورُ والحياة والفرحُ والسرور والبهجةُ وذخائرُ الخير. وقلبٍ هو عرشُ الشيطان؛ فهناك الضِّيقُ والظلمة والموتُ والحزن والغمُّ والهمُّ؛ فهو حزينٌ على ما مضى، مهمومٌ بما يُستقْبَلُ، مغمومٌ في الحال. وقد روى التِّرمذيُّ وغيره (١) عن النبي ﷺ ؛ أنَّه قال: "إذا دخل النُّورُ القلبَ انْفسَحَ وانشرحَ". قالوا: فما علامةُ ذلك يا رسول الله؟ قال: "الإنابةُ إلى دار الخلود، والتَّجافي عن دار الغُرور، والاستعدادُ للموت قبل نُزولِهِ". والنور الذي يدخُلُ القلب إنَّما هو من آثارِ المثل الأعلى؛ فلذلك ينفسحُ وينشرحُ، وإذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبتُه؛ فحطُه الظُّلْمةُ والضِّيق. فائدة تأمَّلْ خطابَ القرآن، تجدْ ملكًا له الملك كلُّه وله الحمدُ كلُّه، أزِمَّةُ الأمور كلِّها بيدَيْه ومصدَرُها منه ومردُّها إليه، مستويًا على سرير ملكه، لا تخفى عليه خافيةٌ في أقطار مملكتِهِ، عالِمًا بما في نفوس عبيدِهِ، مُطَّلِعًا على إسرارِهِم وعلانِيَتِهِم، منفردًا بتدبير المملكة، يَسمعُ ويَرى،

стр. 48

ويُعطِي ويَمنعُ، ويُثيبُ ويعاقِبُ، ويُكْرِمُ ويُهِيْن، ويخلُق ويرزُقُ، ويُميتُ ويُحْيي، ويُقدِّرُ ويَقضي ويُدبِّر، الأمورُ نازلةٌ من عنده دقيقُها وجليلُها وصاعدةٌ إليه، لا تتحرَّكُ ذرَّةٌ إلا بإذِنِه، ولا تسقطُ ورقةٌ إلا بعلمِهِ. فتأمَّلْ كيف تجِدُهُ يُثْني على نفسِهِ، ويُمجِّد نفسه، ويحمدُ نفسه، وينصِح عباده، ويدُلُّهم على ما فيه سعادتُهم وفلاحُهم، ويُرغِّبُهم فيه، ويُحذِّرُهم مما فيه هلاكُهم، ويتعرَّفُ إليهم بأسمائِهِ وصفاتِهِ، ويَتحبَّبُ إليهم بنعمِهِ وآلائِهِ؛ فيُذكِّرهم ييعَمِه عليهم ويَأمرهم بما يستوجبون به تمامَها، ويُحذِّرهم من نِقَمِه ويُذكِّرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعدَّ لهم من العقوبة إن عصوهُ، ويُخبِرُهم بصنعِهِ في أوليائِهِ وأعدائِهِ، وكيف كانت عاقبةُ هؤلاءِ وهؤلاءِ، ويُثني على أوليائِهِ بصالح أعمالِهِم وأحسن أوصافهم، ويذمُّ أعداءه بسيِّئِ أعمالِهِم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، ويُنوِّعُ الأدلة والبراهين، ويُجيب عن شُبه أعدائِهِ أحسنَ الأجوبة، ويُصدِّقُ الصادق، ويكذِّبُ الكاذب، ويقولُ الحقَّ، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام ويَذكُرُ أوصافها وحُسنها ونعيمها، ويُحذِّرُ من دار البوار ويَذكُرُ عذابها وقبحها وآلامها، ويُذكِّرُ عباده فقرهم إليه وشدَّة حاجتهم إليه من كلِّ وجهٍ، وأنَّهم لا غِنًى لهم عنه طرفةَ عينٍ، ويذكُرُ غِناه عنهم وعن جميع الموجودات، وأنه الغنيُّ بنفسه عن كلِّ ما سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بنفسه، وأنه لا ينالُ أحدٌ ذرَّةً من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرَّة من الشر فما فوقها إلا بعدلِهِ وحكمتِهِ. ويشهدُ من خطابه عتابَهُ لأحبابهِ ألطفَ عتابٍ، وأنه مع ذلك مُقِيلٌ عثراتهم، وغافرٌ زلَّاتِهم، ومُقيمٌ أعذارهم، ومُصلحٌ فسادهم، والدافع

стр. 49

عنهم، والمُحامي عنهُم، والناصرُ لهم، والكفيلُ بمصالحهم، والمُنجي لهم من كلِّ كربٍ، والمُوفِي لهم بوعده، وأنَّه وليُّهم الذي لا وليَّ لَهم سواهُ؛ فهو مولاهم الحقُ، ونَصيرُهم على عدوِّهم؛ فنعم المولى ونعم النصيرُ. فإذا شَهدتِ القلوبُ من القرآن ملكًا عظيمًا رحيمًا جوادًا جميلًا هذا شأنُهُ، فكيف لا تُحِبُّه، وتُنافِسُ في القُرْب منه، وتُنْفِقُ أنفاسها فيِ التودُّد إليه، ويكون أحبَّ إليها من كل ما سواه، ورضاهُ آثر عندها من رِضى كلِّ ما سواه؟! وكيف لا تلهَجُ بذكْرِهِ، ويصير حبُّه والشوقُ إليه والأُنسُ به هو غذاءها وقُوتَها ودواءَها؛ بحيثُ إن فقدتْ ذلك، فسدتْ وهلكتْ ولم تَنتفعْ بحياتِها؟! فائدة قَبولُ المَحلِّ لما يُوضع فيه مشروطٌ بتفريغه من ضدِّه، وهذا كما أنَّه في الذَّواتِ والأعيان؛ فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات: فإذا كان القلبُ ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبةً؛ لم يبْقَ فيه لاعتقاد الحقِّ ومحبتِهِ موضعٌ؛ كما أنَّ اللسان إذا اشتغلِ بالتكلُّم بما لا ينفعُ؛ لم يَتمكَّنْ صاحبُهُ من النُّطق بما ينفعُهُ؛ إلا إذا فرَّغ لسانه من النُّطق بالباطل، وكذلك الجوارحُ إذا اشتغلت بغير الطاعة؛ لم يُمكن شغلها بالطَّاعة إلَّا إذا فرَّغها من ضدِّها. فكذلك القلبُ المشغولُ بمحبَّة غير الله وإرادته والشوق إليه والأُنْس به لا يُمكن شغلُهُ بمحبة الله وإرادتِهِ وحبِّه والشوق إلى لقائه؛ إلا بتفريغِهِ من تعلُّقه بغيره، ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمتِهِ؛ إلَّا إذا فرَّغها من ذكر غيره وخدمته؛ فإذا امتلأ القلبُ بالشُّغْل بالمخلوق والعلوم

стр. 50

التي لا تنفعُ؛ لم يبق فيها موضعٌ للشُّغل بالله ومعرفة أسمائِهِ وصفاتِهِ وأحكامِه. وسرُّ ذلك أنَّ إصغاء القلب كإصغاءِ الأُذُنِ: فإذا صَغا إلى غير حديث الله؛ لم يبْقَ فيه إصغاءٌ ولا فهمٌ لحديثِهِ، كما إذا مال إلى غير محبَّة الله؛ لم يبقَ فيه ميلٌ إلى محبَّتِهِ، فإذا نطق القلبُ بغير ذِكرِهِ؛ لم يَبْقَ فيه محلٌّ للنُّطقِ بذكرِهِ كاللسان. ولهذا في الصحيح (١) عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لأنْ يَمْتَلِئَ جوفُ أحدِكُمْ قَيْحًا حتَّى يَرِيَهُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا"؛ فبيَّنَ أنَّ الجوف يمتلئُ بالشِّعرِ. فكذلك يمتلئُ بالشُّبه، والشُّكوكِ، والخيالاتِ، والتقديرات (٢) التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفعُ، والمُفاكَهاتِ، والمُضحِكاتِ، والحكاياتِ ونحوها. وإذا امتلأ القلبُ بذلك؛ جاءتْهُ حقائقُ القرآنِ والعلم الذي به كمالُهُ وسعادتُهُ، فلم تجدْ فيه فراغًا لها ولا قبولًا، فتَعدَّتْهُ وجاوزتْهُ إلى محلٍّ سواهُ؛ كما إذا بُذِلَتِ النصيحةُ لقلبٍ ملآن من ضدِّها لا منفذَ لها فيه؛ فإنَّه لا يقبلُها ولا تلجُ فيه، لكن تَمُرُّ مجتازةً لا مستوطنةً. ولذلك قيل (٣): نَزِّهْ فُؤادك من سوانا تَلْقنا … فجَنابُنا حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزَّهِ

стр. 51

والصَّبْرُ طِلَّسْمٌ لِكَنْزِ وصالِنا … من حَلَّ ذا الطِّلَّسْم فازَ بكَنْزِهِ وبالله التوفيق. فائدة قولُه تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ إلى آخرها [التكاثر: ١]. أُخْلِصَتْ هذه السورة للوعد والوعيد والتهديد، وكفى بها موعظةً لمن عقلها. فقولُه تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾؛ أي: شَغَلَكُم على وجهٍ لا تُعذَرون فيه؛ فإنَّ الإلهاء عن الشيءِ هو الاشتغالُ عنهُ، فإن كان بقصدٍ فهو محلُّ التكليف، وإن كان بغير قصدٍ -كقوله ﷺ في الخميصة: "إنَّها ألهتْني آنفًا عن صلاتي" (١) - كان صاحبُهُ معذورًا، وهو نوعٌ من النسيان، وفي الحديث: فلها رسول الله ﷺ عن الصَّبيِّ (٢)؛ أي: ذهلَ عنه، ويقال: لها بالشيء أي: اشتغل به، ولها عنه: إذا انصرف عنه. واللهوُ للقلب، واللعبُ للجوارح، ولهذا يُجْمعُ بينهما. ولهذا كأنه قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ أبلغ في الذَّمِّ من (شَغلَكُم)؛ فإنَّ العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاهٍ به؛ فاللهو هو ذهولٌ وإعراضٌ. والتكاثر تفاعل من الكثرة، أي مكاثرة بعضكم لبعض، وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادةً لإطلاقه وعمومه وأنَّ كلَّ ما يُكاثِرُ به العبدُ غيَره -سوى طاعةِ الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده- فهو داخلٌ في هذا التكاثر، فالتكاثرُ في كل شيء؛ من مال، أو جاهٍ، أو رئاسة، أو نسوةٍ،

стр. 52

أو حديثٍ، أو علم -ولا سيَّما إذا لم يحتج إليه-، والتكاثر في الكتب، والتصانيف، وكثرة المسائل، وتفريعها، وتوليدها، والتكاثر أن يطلب الرجلُ أن يكون أكثر من غيره، وهذا مذمومٌ؛ إلَّا فيما يُقَرِّبُ إلى الله؛ فالتكاثر فيه منافسةٌ في الخيرات ومسابقة إليها. وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث عبد الله بن الشخِّير أنه انتهى إلى النبيِّ ﷺ وهُو يقرَأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، قال: "يقولُ ابنُ آدم: مالي! مالي! وهل لك من مالك إلَّا ما تصدقتَ فأمضيتَ، أو أكلتَ فأفْنيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ؟! ". تنبيه • من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذُنه. • للعبد سترٌ بينه وبين الله وسترٌ بينه وبين الناس؛ فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله؛ هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس. • للعبد ربٌّ هو ملاقيه وبيتٌ هو ساكنُهُ؛ فينبغي له أن يسترضيَ ربَّه قبل لقائه، ويعمُرَ بيته قبل انتقالِهِ إليه. • إضاعة الوقت أشدُّ من الموت؛ لأنَّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموتُ يقطعك عن الدنيا وأهلها. • الدُّنيا من أولها إلى آخرها لا تُساوي غمَّ ساعة؛ فكيف بغمِّ العُمر؟! • محبوبُ اليوم يعقب المكروه غدًا، ومكروه اليوم يعقب

стр. 53

المحبوب غدًا. • أعظم الرِّبْح في الدُّنيا أن تشتغل نفسك كلَّ وقتٍ بما هو أولى بها وأنفعُ لها في معادها. • كيف يكون عاقلًا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟! • يخرُجُ العارفُ من الدُّنيا ولم يقضِ وَطَرهُ من شيئين: بكاؤُهُ على نفسه، وثناؤُهُ على ربِّه. • المخلوق إذا خِفتَه؛ استوحشتَ منه وهربتَ منه، والربُّ تعالى إذا خِفتَه؛ أنستَ به وقَرُبتَ إليه. • لو نفع العلم بلا عمل؛ لما ذمَّ الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص؛ لما ذمَّ المنافقين. • دافع الخطرةَ؛ فإن لم تفعل صارت فكرةً؛ فدافع الفكرة؛ فإن لم تفعل صارت شهوةً؛ فحارِبْها؛ فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمَّةً؛ فإن لم تُدافعها صارت فعلًا؛ فإن لم تتداركهُ بضدِّه صار عادةً، فيصعُبُ عليك الانتقالُ عنها. • التقوى ثلاث (١) مراتب: إحداها: حميةُ القلبِ والجوارح عن الآثام والمحرَّماتِ. الثانية: حميتُها عن المكروهات. الثالثة: الحميةُ عن الفُضول وما لا يعني. فالأولى تُعطي العبدَ حياتَه، والثانيةُ تفيدُهُ صحَّتَه وقوَّتهُ، والثالثةُ تُكسِبُهُ سرورَه وفرحهُ وبهجَتَهُ. غُموضُ الحقِّ حين تذُبُّ عنهُ … يُقلِّلُ ناصرَ الخصمِ المُحقِّ

стр. 54

تَضِلُّ عن الدَّقيقِ فُهُومُ قومٍ … فتقْضي للمُجِلِّ على المُدقِّ (١) • بالله أبْلُغُ ما أسعى وأُدرِكُهُ … لا بي ولا بشفيعٍ لي من الناس إذا أيستُ وكادَ اليأسُ يقطعُني … جاء الرَّجا مُسرعًا من جانب الياسِ (٢) • لمَّا طلب آدمُ الخلود في الجنة من جانب الشجرة؛ عُوقِب بالخُروج منها، ولما طلب يوسفُ الخروج من السجن من جهة صاحب الرُّؤيا؛ لبث فيه بضع سنين. • إذا جرى على العبد مقدورٌ يكرهُهُ؛ فله فيه ستةُ مشاهد: أحدُها: مشهدُ التوحيد، وأنَّ الله هو الذي قدَّرهُ وشاءهُ وخلقهُ، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. الثاني: مشهدُ العدل، وأنه ماضٍ فيه حُكْمُهُ، عدلٌ فيه قضاؤُهُ. الثالثُ: مشهد الرحمة، وأنَّ رحمته في هذا المقدور غالبةٌ لغضبِهِ وانتقامِهِ، ورحمتُهُ حشوُهُ. الرابع: مشهدُ الحكمة، وأن حكمتَهُ سبحانه اقتضتْ ذلك، لم يُقدِّرْهُ سُدًى ولا قضاه [عبثًا] (٣). الخامس: مشهد الحمدِ، وأنَّ له سبحانه الحمد التامَّ على ذلك من جميع وجوهِهِ. السادسُ: مشهدُ العبوديَّة، وأنه عبدٌ محضٌ من كلِّ وجه، تجري

стр. 55

عليه أحكامُ سيِّدِه وأقضيتُهُ بحكم كونه ملكه وعبدهُ، فيُصَرِّفُه تحت أحكامه القدرية كما يصرِّفُهُ تحت أحكامه الدينية؛ فهو محلٌّ لجَرَيانِ هذه الأحكام عليه. • قلةُ التوفيق، وفسادُ الرأي، وخفاءُ الحقِّ، وفسادُ القلبِ، وخُمولُ الذِّكْر، وإضاعةُ الوقت، ونفرةُ الخلق، والوحشةُ بين العبد وبين ربِّه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحقُ البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم،، ولباس الذُّلِّ، وإدالةُ العدوِّ، وضيقُ الصدر، والابتلاءُ بقُرَناءِ السَّوءِ الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهمِّ والغمِّ، وضنْكُ المعيشة، وكسفُ البال: تتولَّدُ من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولَّدُ الزرعُ عن الماء والإحراقُ عن النار. وأضدادُ هذه تتولَّدُ عن الطاعة. فصل طوبى لمن أنصف ربَّه؛ فأقرَّ له بالجهل في علمه، والآفاتِ في عمله، والعيوبِ في نفسه، والتَّفريط في حقِّه، والظُّلم في معاملته. فإن آخذَهُ بذُنوبه رأى عدلَهُ، وإن لم يؤاخِذْه بها رأى فضْلَهُ. وإن عمل حسنةً رآها من منَّتِهِ وصدَقَتِه عليه؛ فإن قبِلها فمنةٌ وصدقةٌ ثانيةٌ، وإن ردَّها فلكون مثلها لا يصلح أن يُواجه به. وإن عمل سيئةً رآها من تخلِّيه عنه، وخذلانه له، وإمساك عصمته عنه، وذلك من عدله فيه، فيرى في ذلك فقرهُ إلى ربِّه، وظلمهُ في نفسه؛ فإن غفرها له؛ فبمحضِ إحسانِه وجوده وكرمه. ونكتةُ المسألة وسرُّها أنَّه لا يرى ربَّه إلا محسنًا، ولا يرى نفسهُ إلا

стр. 56

مُسيئًا أو مفرِّطًا أو مقصِّرًا، فيرى كلَّ ما يَسُرُّه من فضل ربِّه عليه وإحسانه إليه وكلَّ ما يسوؤهُ من ذنوبه وعدل الله فيه. المحبُّون إذا خربتْ منازلُ أحبابهم؛ قالوا: سَقْيًا لِسُكَّانِها. وكذلك المُحبُّ إذا أتت عليه الأعوامُ تحت التُّراب؛ ذكر حينئذٍ حسن طاعته له في الدُّنيا وتودُّدِهِ إليه [و] تجدُّدَ رحمتِهِ وسقياهُ لمن كان ساكنًا في تلك الأجسام البالية. فائدة الغَيرَةُ غيرتان: غيرةٌ على الشيء، وغيرةٌ من الشيءِ. فالغيرةُ على المحبوب: [حرصُكَ عليه] (١)، والغيرةُ من المكروه أن يُزاحِمَك عليه. فالغيرة على المحبوب لا تتمُّ إلا بالغيرة من المزاحم. وهذه تُحمدُ حيثُ يكونُ المحبوبُ تقبُحُ المشاركةُ في حبِّهِ؛ كالمخلوق. وأما من تحسُنُ المشاركةُ في حُبِّه؛ كالرسول والعالم بل الحبيب القريب سبحانه؛ فلا يُتَصوَّرُ غيرَةُ المزاحمة عليه، بل هو حسدٌ! والغيرةُ المحمودةُ في حقِّه أن يَغارَ المحبُّ على محبَّتِهِ له أن يصرِفَها إلى غيره، أو يَغار عليها أن يطَّلعَ عليها الغيرُ فيُفسِدَها عليه، أو يغارَ على أعمالِهِ أن يكون فيها شيءٌ لغير محبوبه، أو يَغار عليها أن يشوبَها ما يكرهُ محبوبُه من رياءٍ أو إعجابٍ أو محبَّةٍ لإشرافِ غيرهِ عليها أو غيبتِهِ عن شُهودِ مِنَّتِهِ

стр. 57

عليه فيها. وبالجملة فغيرتُهُ تقتضي أن تكون أحوالُهُ وأعمالُهُ وأفعالُهُ كلُّها لله، وكذلك يغارُ على أوقاتِه أن يذهب منها وقتٌ في غير رِضَى محبوبِهِ. فهذه الغيرةُ من جهةِ العبد، وهي غيرةٌ من المُزاحِم له المُعوِّقِ القاطع له عن مرضاةِ محبوبِهِ. وأمَّا غيرَةُ محبوبه عليه؛ فهي كراهيةُ أن ينصرفَ قلبُهُ عن محبتِهِ إلى محبةِ غيره بحيث يشاركُهُ في حبِّه. ولهذا كانت غيرةُ الله أن يأتي العبدُ ما حُرِّم عليه (١)، ولأجل غيرتهِ سبحانه حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن (٢)؛ لأنَّ الخلقَ عبيدُهُ وإماؤُهُ؛ فهو يَغارُ على إمائِهِ كما يَغارُ السيدُ على جواريهِ، ولله المَثلُ الأعلى، ويَغارُ على عبيدِهِ أن تكون محبَّتُهم لغيرِهِ؛ بحيثُ تَحمِلُهم تلك المحبةُ على عشق الصُّور ونيل الفاحشة منها. • من عظُمَ وَقارُ الله في قلبهِ أن يعصيَهُ؛ وَقَّرَهُ الله في قلوب الخلق أن يُذِلُّوه. • إذا علقتْ شُروشُ (٣) المعرفة في أرض القلب؛ نبتت فيه شجرةُ المحبَّة؛ فإذا تمكَّنت وقويت أثمرت الطاعة، فلا تزالُ الشجرة ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم" ٢٥]. • أولُ منازل القوم: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً

стр. 58

وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وأوسطُها: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وآخرُها: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. • أرضُ الفطرة رحبةٌ قابلةٌ لما يُغرسُ فيها؛ فإن غُرِستْ شجرةُ الإيمان والتَّقْوى أورثتْ حلاوةَ الأبد، وإن غرِستْ شجرة الجهل والهوى فكلُّ الثَّمَرِ مُرٌّ. • ارْجعْ إلى الله، واطلُبْهُ من عينك وسمعك وقلبك ولسانك، ولا تَشْرُدْ عنهُ من هذه الأربعة؛ فما رجع من رجع إليه بتوفيقه إلَّا منها، وما شرد من شرد عنه بخذلانِهِ إلَّا منها؛ فالمُوفَّقُ يَسمعُ ويُبصِرُ ويتكلَّمُ ويبطش بمولاه (١)، والمخذول يصدُر منه ذلك بنفسه وهواه. • مثالُ تولُّدِ الطاعات ونُموِّها وتزايُدِها؛ كمثل نواةٍ غرستَها، فصارت شجرةً، ثم أثمرتْ، فأكلتَ ثمرها، وغَرستَ نواها، فكلَّما أثمر منها شيءٌ جَنيتَ ثمرَهُ، وغَرستَ نواهُ، وكذلك تَداعِي المعاصي. فليتدَبَّرِ اللبيبُ هذا المثال؛ فمن ثواب الحسنةِ الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيئةِ السيئةُ بعدها. • ليس العجبُ من مملوكٍ يتذلَّلُ لله ويتعبَّدُ له ولا يملُّ من خِدْمَتِهِ مع حاجتِهِ وفقرِهِ إليه، إنَّما العجبُ من مالكٍ يتحبَّبُ إلى مملوكِهِ بصنوفِ إنعامِهِ ويتودَّدُ إليه بأنواع إحسانِهِ مع غِناهُ عنهُ. • كفى بك عِزًّا أنك له عبدٌ، وكفى بك فخرًا أنَّه لك ربٌّ.

стр. 59

فصل • إيَّاكَ والمعاصي؛ فإنَّها أذلَّتْ عِزَّ ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] وأخرجتْ إقطاع ﴿اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]. • يا لها لحظة أثمرتْ حرارة القلقِ ألف سنة. • ما زال يكتُبُ بدم النَّدَم سطور الحزن في القصص، ويُرسِلُها مع أنفاس الأسف، حتَّى جاءه توقيعُ: ﴿فَتَابَ عَلَيهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. • فرح إبليسُ بنزول آدمَ من الجنة، وما علم أنَّ هبوط الغائص في اللُّجَّة خلف الدُّرِّ صعودٌ. • كم بين قولهِ لآدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله لك: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٣]!! • ما جرى على آدم هو المرادُ من وجودِهِ، "لَوْ لَمْ تُذْنِبوا … " (١). • يا آدمُ! لا تَجزعْ من قولي لك: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨]؛ فلك ولصالح ذُرِّيَّتِكَ خلقْتُها. • يا آدم! كنت تدخلُ عليَّ دخولَ الملوك على الملوك، واليوم تدخل عليَّ دخولَ العبيد على الملوك. • يا آدم! لا تجزعْ من كأس زللٍ كانت سببَ كيسك؛ فقد استخرج منك داءُ العُجب، وأَلبِسْتَ خلعةَ العبوديَّة، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾

стр. 60

[البقرة: ٢١٦]. • يا آدم! لم أُخرج إقطاعك إلى غيرك، إنما نحَّيتُك عنه؛ لأكمِّل عمارتهُ لك، وليبعث إليَّ العمالُ نفقةَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة: ١٦]. • تالله ما نفعَهُ عند معصيته عزُّ ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] ولا شرف ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ [البقرة: ٣١]، ولا خصيصةُ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ولا فخرُ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما انتفع بذُلِّ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. • لَمَّا لبس دِرْعَ التوحيد على بدن الشُّكر؛ وقعَ سهمُ العدوِّ منه في غير مقتل، فجرحهُ، فوضع عليه جُبارَ الانكسار، فعاد كما كان، فقام الجريح كأن لم يكن به قلبةٌ (١). فصل نجائبُ النجاةِ مُهيَّأةٌ للمُراد، وأقدامُ المطرود موثوقةٌ بالقُيود. هَبَّتْ عواصفُ الأقدار في بيداءِ الأكوان، فتقلَّب الوجود، ونجَمَ الخيرُ، فلما ركدت الريحُ إذا أبو طالب غَرِيقٌ في لُجَّةِ الهلاك، وسلمانُ على ساحل السَّلامة، والوليدُ بن المغيرة يقدُمُ قومَهُ في التِّيهِ، وصُهيبٌ قد قدم بقافلة الرُّوم، والنجاشيُّ في أرض الحبشة يقولُ: لبيك اللهمَّ لبيك، وبلالٌ ينادي: الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، وأبو جهل في رقدةِ المخالفة. لما قُضي في القدم بسابقةِ سلمان (٢)؛ عرَّجَ به دليلُ التوفيق عن

стр. 61

طريق آبائه في التَّمَجُّس، فأقبل يناظرُ أباه في دين الشرك، فلما عَلاهُ بالحُجَّة؛ لم يكن له جوابٌ إلا القيد -وهذا جوابٌ يتداولُه أهلُ الباطل من يوم حرَّفوه، وبه أجاب فرعونُ موسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي﴾ [الشعراء: ٢٩]، وبه أجاب الجهميَّةُ الإمامَ أحمد لما عرضوه على السِّياط، وبه أجاب أهل البدع شيخَ الإسلام حين استودعوهُ السجن، وها نحنُ على الأثر-، فنزل به ضيفُ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فنال بإكرامِهِ مرتبةَ "سلمانُ منَّا أهلَ البيت" (١)، فسمع أن ركبًا على نية السفر، فسرقَ نفسَه من أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب السعادة، فغاص في بحر البحث ليقع بدُرَّةِ الوجود، فوقف نفسه على خدمة الأدلَّاء وقوفَ الأذلَّاء، فلما أحسَّ الرهبانُ بانقراض دولتهم؛ سلَّموا إليه أعلام الإعلام على نبوَّة نبيِّنا، وقالوا: إنَّ زمانه قد أظلَّ؛ فاحذر أن تضلَّ! فرحل مع رفقةٍ لم يرفُقوا به، فشَروهُ بثمن بَخْسٍ دراهم معدودةٍ، فابتاعه يهوديٌّ بالمدينة، فلما رأى الحرَّة؛ توقَّد حَرُّ شَوقِه، ولم يعلم ربُّ المنزل بوجدِ النازل؛ فبينا هو يُكابدُ ساعات الانتظارَ؛ قدم البشيرُ بقدوم البشير، وسلمان في رأس نخلةٍ، وكاد القلقُ يُلقيه، لولا أنَّ الحزم أمسكهُ؛ كما جرى يوم ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فعجَّل النزولَ لتلقِّي رَكْبِ البشارة ولسانُ حالِه يقولُ: خليليَّ من نجدٍ قِفا بي على الرُّبا … فقدْ هبَّ منْ تلكَ الدِّيارِ نسيمُ (٢)

стр. 62

فصاح به سيِّدُهُ: ما لك؟! انصرِفْ إلى شُغلك! فقال (١): كيفَ انصرافي وَلِيْ في دارِكُمْ شُغُلُ ثم أخذ لسانُ حالِهِ يترنَّمُ لو سمع الأطروشُ: خليليَّ لا واللهِ ما أنا منْكُما … إذا عَلَمٌ مِنْ آلِ لَيْلَى بَدا لِيا (٢) فلما لقيَ الرسول عارض نسخةَ الرُّهبانِ بكتابِ الأصل، فوافقَهُ. يا محمدُ! أنت تريدُ أبا طالبٍ، ونحنُ نريدُ سلمان. أبو طالبٍ إذا سُئلَ عن اسمِهِ قال: عبدُ منافٍ. وإذا انتسبَ افْتَخَرَ بالآباءِ. وإذا ذُكِرَتِ الأموالُ عَدَّ الإبِلَ. وسلمانُ إذا سُئل عن اسمِهِ قال: عبدُ الله. وعن نسبهِ قال: ابنُ الإسلام. وعن مالِهِ قال: الفقرُ. وعن حانوتِهِ قال: المسَجدُ. وعن كَسْبهِ قال: الصبرُ. وعن لباسِهِ قال: التقوى والتواضعُ. وعن وسادِهِ قال: السهرُ. وعن فخرِهِ قال: "سلمانُ مِنَّا". وعن قصدِهِ قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وعن سيرهِ قال: إلى الجنة. وعن دليلِهِ في الطريق قال: إمامُ الخلق وهادي الأئمة (٣). إذا نحنُ أدلجْنا وأنْتَ إمامُنا … كفى بالمطايا طِيْبُ ذِكراك حاديَا وإنْ نحنُ أضللنا الطَّريق ولم نَجِدْ … دليلًا كفانا نورُ وجهِكَ هادِيَا (٤)

стр. 63

• الذنوبُ جِراحاتٌ، ورُبَّ جُرْحٍ وقع في مقتل. • لو خرج عقلُك من سلطان هواك عادتِ الدولةُ له. • دخلتَ دار الهوى؛ فَقامرْتَ بعُمرِكَ. • إذا عرضتْ نظرةٌ لا تحلُّ فاعلم أنها مِسْعَرُ حَربٍ؛ فاستترْ منها بحجاب ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣٠]؛ فقد سَلِمتَ من الأثر، وكفى الله المؤمنين القتال. • بحرُ الهوى إذا مَدَّ أغرق، وأخوفُ المَنافذِ على السابح فتحُ البصر في الماء. • ما أحدٌ أكرَمَ مِنْ مُفْردٍ … في قَبْرِهِ أعْمالُهُ تُؤْنِسُهْ مُنَعَّمًا في القَبْرِ في رَوْضَةٍ … ليْسَ كَعَبْدٍ قبْرُهُ مَحْبِسُهْ (١) • على قَدْرِ فَضْلِ المرْءِ تأتي خُطوبُهُ … ويُعْرَفُ عند الصَّبْر فيما يُصيبُهُ ومنْ قلَّ فيما يتَّقيه اصطبارُهُ … فقد قلَّ ممَّا يرتجيه نصيبُهُ (٢) • كم قُطِعَ زَرعٌ قبل التَّمام؛ فما ظنُّ الزَّرعِ المستحصد. • اشترِ نفسَك؛ فالسوقُ قائمةٌ، والثمنُ موجودٌ. • لا بدَّ من سِنَةِ الغفلة ورُقادِ الهوى، ولكن كُنْ خفيفَ النوم؛ فحُرَّاسُ البلد يصيحون: دنا الصباحُ!

стр. 64

• نورُ العقل يُضيء في ليل الهوى، فتلُوحُ جادَّةُ الصواب، فيتلمَّحُ البصيرُ في ذلك النور عواقبَ الأمور. • اخرُجْ بالعزم من هذا الفِنَاء الضَّيِّق المحشُوِّ بالآفات إلى ذلك الفِنَاء الرَّحبِ الذي فيه ما لا عينٌ رأتْ؛ فهناك لا يتعذَّرُ مطلوبٌ ولا يُفْقَدُ محبوبٌ. • يا بائعًا نفسَه بهوى من حُبُّه ضَنًى ووصلُه أذًى وحُسنُهُ إلى فناء! لقد بعتَ أنفَسَ الأشياء بثمن بخس!! كأنَّك لم تعرِفْ قدرَ السلعة ولا خِسَّةَ الثمن!! حتى إذا قدمتَ يومَ التغابُن؛ تبَيَّنَ لك الغَبْنُ في عقد التبايُع. لا إِله إلا الله سلعةٌ، الله مشتريها، وثمنُها الجنةُ، والدَّلَّالُ الرسولُ؛ تَرضى ببيعها بجزءٍ يسيرٍ مما لا يُساوي كلُّه جَناح بَعوضة (١)؟! إذا كان شيءٌ لا يُساوي جميعُهُ … جَناحَ بعوضٍ عند من صِرتَ عبدَهُ ويملك جُزءٌ منهُ كُلَّكَ ما الَّذي … يكون على ذا الحال قدرُكَ عندَهُ وبِعتَ به نفسًا قد استامها بما … لديه من الحُسْنى و [قد] زال وُدُّهُ (٢) • يا مُخنَّثَ العزم! أين أنت؛ والطريقُ طريقٌ تعبَ فيه آدمُ، وناحَ لأجلِهِ نوحٌ، ورُمِيَ في النار الخليلُ، وأُضْجِعَ للذبح إسماعيلُ، وبِيع يوسفُ بثمنٍ بَخْس ولَبِث في السجن بضعَ سنين، ونُشِرَ بالمنشار زكرِيَّا، وذُبح السيدُ الحصورُ يحيى، وقاسَى الضُّرَّ أيوبُ، وزاد على المقدار

стр. 65

بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمدٌ ﷺ ؛ تُزْهَى أنت باللهوِ واللعب؟! فيا دارَها بِالحَزْنِ إنَّ مزارَها … قريبٌ ولكن دون ذلك أهوالُ (١) • الحربُ قائمةٌ، وأنت أعزلُ في النظَّارةِ؛ فإن حرَّكْتَ رِكابَكَ فللهزيمةِ. • من لم يُباشِرْ حَرَّ الهجيرِ في طِلابِ المجد؛ لم يَقِلْ في ظِلال الشرف. تقولُ سُلَيمى لوْ أقمْتَ بِأرْضِنا … ولم تَدْرِ أنِّي للمُقامِ أطوِّفُ (٢) قيلَ لبعض العُبَّاد: إلى كم تُتعِبُ نفسَك؟! فقال: راحتَها أريدُ. • يا مُكَرَّمًا بحُلَّةِ الإيمانِ بعد حُلَّة العافية وهو يُخْلِقُهُما في مخالفة الخالق! لا تُنْكِرِ السَّلْبَ؛ يَستحقُّ من استعمل نعمةَ المنعِم فيما يكرهُ أن يُسْلَبَها. • عَرائسُ الموجوداتِ قد تزيَّنَتْ للناظرين؛ لِيَبْلُوَهُم أيُّهم يُؤثِرُهُنَّ على عرائس الآخرة؛ فمن عرفَ قدْرَ التفاوتِ آثَرَ ما ينبغي إيثارُهُ. وحِسانُ الكوْنِ لمَّا أنْ بَدَتْ … أقْبَلتْ نَحْوي وقالتْ لي إلَيّ (٣) فتعامَيتُ كأنْ لَمْ أرَها … عنْدَما أبْصَرْتُ مَقْصودي لَدَيّ • كواكِبُ هِمَم العارفين في بُروجِ عَزائمِهِم سيارةٌ ليس فيها زُحَلٌ.

стр. 66

• يا مَنِ انحرفَ عن جادَّتِهِم! كنْ في أواخرِ الركب، ونَمْ إذا نِمتَ على الطريق؛ فالأميرُ يُراعِي السَّاقَةَ. • قيل للحسن: سَبَقَنا القومُ على خيلٍ دُهْم، ونحنُ على حُمُرٍ مُعَقَّرةٍ، فقال: إن كنتَ على طريقِهِم؛ فما أسرعَ اللَّحاقَ بهم! فائدة • من فَقَدَ أُنْسَهُ بالله بين الناس ووجدَه في الوَحْدَةِ؛ فهو صادقٌ ضعيفٌ، ومن وجدَهُ بين الناس وفقدَهُ في الخلوة؛ فهو معلولٌ، ومن فقدَهُ بين الناس وفي الخلوة؛ فهو ميتٌ مطرودٌ، ومن وَجَدَهُ في الخلوةِ وفي الناس؛ فهو المحبُّ الصادقُ القويُّ في حالِهِ. ومن كان فتحُهُ في الخلوة؛ لم يكن مزيدُهُ إلَّا منها، ومن كان فتحُهُ بين الناس ونصحِهِم وإرشادِهِم؛ كان مزيدُهُ معهُم، ومن كان فتحُهُ في وقوفِهِ مع مرادِ الله حيث أقامَه وفي أيِّ شيءٍ اسْتَعْمَلَهُ؛ كان مزيدُهُ في خلوتِهِ ومع الناس. فأشرفُ الأحوالِ أن لا تختارَ لنفسِكَ حالةً سوى ما يختارُهُ لك ويُقِيمُكَ فيه؛ فكنْ مع مرادِهِ منكَ، ولا تكنْ مع مرادِكَ منه. • مصابيحُ القلوبِ الطاهرةِ في أصل الفطرة مُنِيرةٌ قبل الشرائع، ﴿يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]. • وَحَّدَ قُسٌّ (١) وما رأى الرسولَ، وكَفَرَ ابنُ أبيٍّ (٢) وقد صلى معه

стр. 67

في المسجد. • مع الضَّبِّ رِيٌّ ولا ماء، وكم من عطشانَ في اللُّجَّةِ. • سبَقَ العلمُ بنبوَّةِ موسى وإيمانِ آسية، فَسِيقَ تابوتُهُ إلى بيتها، فجاء طفلٌ منفردٌ عن أمٍّ، إلى امرأةٍ خاليةٍ عن ولدٍ! فللهِ كم في هذه القصة من عبرةٍ! كم ذَبَحَ فرعونُ في طلب موسى من ولدٍ، ولسانُ القَدَرِ يقولُ: لا نُربِّيهِ إلّا في حِجْرِكَ!! • كان ذو البِجادَين (١) يتيمًا في الصِّغَرِ، فكَفَلَهُ عمُّه، فنازعتْه نفسُه إلى اتباع الرسولِ، فهَمَّ بالنُّهوضِ؛ فإذا بقيةُ المرض مانعةٌ، فقعد ينتظرُ العمَّ، فلما تكاملتْ صحَّتُهُ؛ نَفِدَ الصبرُ، فناداه ضميرُ الوجدِ: إلى كمْ حَبْسُها تَشْكو المَضِيقا … أثِرْها رُبَّما وَجَدَتْ طريقَا (٢) فقال: يا عمُّ! طال انتظاري لإسلامِكَ، وما أرى منكَ نشاطًا!! فقال: والله؛ لئنْ أسلمتَ لأنتزِعَنَّ كلَّ ما أعطيتُكَ. فصاح لسانُ الشوقِ: نظرةٌ من محمدٍ أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها. ولَوْ قيلَ لِلْمَجْنونِ ليلى ووَصْلَها … تريدُ أمِ الدُّنْيا وما في طواياها لَقال تُرابٌ من غُبارِ نعالِها … ألذُّ إلى نَفْسي وأشْفى لِبَلْواها (٣) فلمَّا تجرَّدَ للسير إلى الرسول؛ جرَّدَهُ عمُّه من الثياب، فناولتْهُ الأمُّ

стр. 68

بِجادًا، فقطعَهُ لسفرِ الوصل نصفين؛ اتَّزرَ بأحدِهِما وارتدى بالآخر، فلما نَادى صائحُ الجهاد؛ قنِعَ أن يكون في ساقةِ الأحباب، والمحبُّ لا يرى طولَ الطريق؛ لأنَّ المقصودَ يُعينُهُ. ألا بَلَّغَ اللَّهُ الحِمى مَنْ يُريدُهُ … وبَلَّغَ أكْنافَ الحِمى مَنْ يُريدُها (١) فلما قضى نَحْبَهُ نزل الرسولُ يُمهِّدُ له لَحْدَهُ، وجعل يقولُ: "اللهمَّ! إنِّي أمْسَيتُ عنهُ راضيًا؛ فارْضَ عنْهُ" (٢). فصاحَ ابنُ مسعودٍ: يا ليتني كنتُ صاحبَ القبرِ. فيا مُخَنَّثَ العزم! أقلُّ ما في الرقعةِ البَيْذَقُ، فلمَّا نَهَضَ تفَرْزَن (٣). • رأى بعضُ الحكماءِ بِرْذَوْنًا يُسْقَى عليه، فقال: لو هَمْلَجَ هذا لَرُكِبَ. • [متى همَّتْ] (٤) أقدامُ العزم بالسُّلوكِ انْدَفَع من بينِ أيديها سدُّ القواطع. • القواطعُ مِحَنٌ يتبيَّنُ بها الصادقُ من الكاذبِ؛ فإذا خُضْتَها انقلبتْ أعوانًا لك توصِلُك إلى المقصودِ.

стр. 69

فصل • الدُّنيا كامرأةٍ بَغِيٍّ لا تَثْبُتُ مع زوجٍ، إنَّما تَخْطُبُ الأزواجَ لِيُسْتَحْسَنوا عليها؛ فلا ترضَ بالدِّياثَةِ. مَيَّزْتُ بينَ جَمالِها وَفَعالِها … فإذا الملاحةُ بالقباحَةِ لا تَفي حَلَفَتْ لنا أنْ لا تَخونَ عُهودَنا … فكأنَّها حَلَفَتْ لنا أنْ لا تَفي (١) السَّيرُ في طلبها سيرٌ في أرضٍ مسبَعَةٍ (٢)، والسباحةُ فيها سباحةٌ في غدير التمساح، المفروحُ به منها هو عينُ المحزونِ عليه، آلامُها متولِّدةٌ من لَذَّاتِها، وأحزانُها من أفراحِها. مَآرِبُ كانتْ في الشَّبابِ لأهْلِها … عِذابًا فَصارَتْ في المَشيبِ عَذابَا (٣) • طائرُ الطبع يرى الحَبَّة، وعينُ العقل ترى الشَّرَك؛ غير أنَّ عينَ الهوى عمياءُ. وَعَينُ الرِّضى عَنْ كُل عَيْبٍ كَليلةٌ … كما أنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المساويا (٤) • تزخرفت الشَّهواتُ لأعين الطِّباع، فغَضَّ عنها الذين يِؤمنون بالغيب، ووقِعَ تابعوها في بَيداءِ الحسرات؛ فـ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]، هؤلاء يُقالُ لهم: ﴿كُلُوا

стр. 70

وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ [المرسلات: ٤٦]. • لمَّا عرف الموفَّقون قدْرَ الحياةِ الدُّنيا وقلة المُقام فيها؛ أماتوا فيها الهوى طلبًا لحياة الأبد. لمَّا استيقظوا من نوم الغفلة؛ استرجعوا بالجدِّ ما انتهبَهُ العدوُّ منهم في زمن البطالة، فلما طالت عليهم الطريقُ تلمَّحَوا المقصد، فقَرُبَ عليهم البعيدُ، وكلَّما أمرَّتْ لهم الحياةُ حَلا لهم تذكُّرُ ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وركْبٍ سَرَوا واللَّيلُ مُلْقٍ رواقَهُ … على كُل مُغْبَرِّ المطالِعِ قاتِمِ حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعتِ الأرْضُ بينَها … فصارَ سُراهُمْ في ظهور العزائِمِ تُرِيهِمْ نُجومُ اللَّيْلِ ما يَبْتَغونَهُ … على عاتِقِ الشِّعْرى وهامِ النَّعائِمِ إذا اطَّرَدتْ في مَعْرِكِ الجِدِّ قَصَّفوا … رماحَ العَطايا في صُدورِ المكارِم (١) فصل من أعجبِ الأشياءِ: أن تعرِفَه ثم لا تحبَّهُ، وأن تسمع داعِيَهُ ثم تتأخَّر عن الإجابة، وأن تعرفَ قدرَ الربح في معاملتِهِ ثم تعامل غيرَهُ، وأن تعرف قدْر غضبهِ ثم تتعرَّض له، وأن تذوقَ ألمَ الوَحْشةِ في معصيتِهِ ثم لا تَطْلُبَ الأنسَ بَطاعتِهِ، وأن تذوقَ عُصْرةَ القلبِ عند الخوْض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصَّدْرِ بذِكْرِهِ ومناجاتِهِ، وأن تذوقَ العذابَ عند تعلُّق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه!! وأعجبُ من هذا علمُك أنَّك لا بدَّ لك منهُ وأنَّك أحوجُ شيءٍ إليه وأنت عنه مُعْرِضٌ وفيما يُبعِدُك عنه راغبٌ!!

стр. 71

فائدة ما أخذ العبدُ ما حُرِّم عليه إلا من جهتين: إحداهُما (١): سوءُ ظنِّهِ بربِّهِ، وأنَّه لو أطاعَهُ وآثَرَهُ لم يُعطِهِ خيرًا منه حلالًا. والثانيةُ: أن يكون عالِمًا بذلك، وأنَّ مَنْ تركَ لله شيئًا أعاضَهُ خيرًا منه (٢)، ولكن تغلِبُ شهوتُهُ صبَرهُ وهواهُ عقلَهُ. فالأولُ مِن ضَعْفِ علمِهِ، والثاني من ضَعْفِ عقلِهِ وبصيرتِهِ. • قال يحيى بن معاذٍ: من جمع الله عليه قلبَهُ في الدُّعاءِ لم يَرُدَّهُ. قلتُ: إذا اجتمع عليه قلبُهُ، وصَدَقتْ ضرورتُهُ وفاقتُهُ، وقَوِيَ رجاؤُهُ؛ فلا يكاد يُرَدُّ دعاؤُهُ. فصل • لما رأى المتيقِّظون سطوةَ الدُّنيا بأهلها، وخداعَ الأملِ لأربابهِ، وتملُّك الشيطانِ قيادَ النُّفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمَّارةِ؛ لجأوَا إلى حصنِ التضرُّع والالتجاءِ؛ كما يأوي العبدُ المذعورُ إلى حَرَمِ سيِّدِهِ.

стр. 72

• شهواتُ الدُّنيا كلُعَبِ الخيال، ونظرُ الجاهل مقصورٌ على الظاهر، فأمَّا ذو العقل فيرى ما وراء السِّتْرِ. • لاحَ لهمُ حَبُّ المشتهَى، فلما مدُّوا أيدي التناول؛ بانَ لأبصارِ البصائرِ خيطُ الفخِّ، فطاروا بأجنحةِ الحَذَرِ، وصوَّبوا إلى الرحيل الثاني: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [يس: ٢٦]. • تلمَّحَ القومُ الوجودَ، ففهِموا المقصودَ، فأجمعوا الرحيلَ قبل الرحيل، وشمَّروا للسيرِ في سواءِ السبيل؛ فالناسُ مشتغلون بالفضلاتِ، وهم في قطع الفلواتِ، وعصافيرُ الهوى في وَثاقِ الشبكةِ ينتظرونَ الذبحَ. • وَقَعَ ثَعْلبانِ في شبكةٍ، فقال أحدُهما للآخرِ: أينَ الملتقى (١) بعد هذا؟ فقال: بعد يومينِ في الدِّباغةِ. • تالله ما كانتِ الأيامُ إلا منامًا؛ فاستيقظوا وقد حصلوا على الظَّفَرِ. • ما مضى من الدُّنيا أحلامٌ، وما بقي منها أمانيُّ، والوقتُ ضائعٌ بينَهما. • كيف يَسْلَمُ من له زوجةٌ لا تَرحمُهُ، وولدٌ لا يَعذِرُه، وجارٌ لا يأمَنُه، وصاحبٌ لا ينصحُه، وشريكٌ لا يُنصِفُه، وعدوٌّ لا ينامُ عن معاداته، ونفسٌ أمَّارةٌ بالسوءِ، ودُنيا متزينةٌ، وهوًى مُرْدٍ، وشهوةٌ غالبةٌ له، وغضبٌ قاهرٌ، وشيطانٌ مزيِّنٌ، وضعفٌ مستولٍ عليه؟! فإن تولَّاهُ الله وجذَبَهُ إليه انقهرتْ له هذه كلُّها، وإن تخلَّى عنه ووكلَهُ

стр. 73

إلى نفسه اجتمعت عليه، فكانت الهَلَكةُ. • لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسُّنَةِ والمحاكمةِ إليهما، واعتقدوا عدمَ الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراءِ والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ؛ عرضَ لهم من ذلك فسادٌ في فِطَرِهم، وظلمةٌ في قلوبِهِم، وكدَرٌ في أفهامِهِم، ومَحْقٌ في عقولِهِم، وعَمَّتْهم هذه الأمورُ وغلبتْ عليهم؛ حتى رُبِّيَ فيها الصغيرُ، وهَرِمَ عليها الكبيرُ، فلم يَرَوْها منكرًا! فجاءتهمْ دولةٌ أخرى قامتْ فيها البدَعُ مقامَ السُّنَنِ، والنفسُ مقامَ العقل، والهوى مقام الرُّشدِ، والضلالُ مقام الهدى، والمنكرُ مقامَ المعروفِ، والجهلُ مقام العلم، والرِّياءُ مقامَ الإخلاصِ، والباطلُ مقام الحقِّ، والكذِبُ مقامَ الصِّدْقِ، والمداهنةُ مقام النصيحة، والظلمُ مقام العدل؛ فصارت الدولةُ والغلبَةُ لهذه الأمور، وأهلُها هم المشارَ إليهم، وكانتْ قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلُها هم المشارَ إليهم. • فإذا رأيتَ دولةَ هذه الأمور قد أقبلتْ، وراياتُها قد نُصِبَتْ، وجيوشُها قد رَكِبَتْ؛ فبطنُ الأرض والله خيرٌ من ظهرها، وقُلَلُ الجبال خيرٌ من السهول، ومخالطةُ الوحشِ أسلمُ من مخالطةِ الناس. اقشعرَّتِ الأرضُ وأظلمتِ السماءُ وظهر الفسادُ في البرِّ والبحر من ظلم الفَجَرَةِ، وذهبتِ البركاتُ وقلَّتِ الخيراتُ وهزُلتِ الوحوشُ وتكدَّرتِ الحياةُ من فسق الظَّلَمَةِ، وبكى ضوءُ النهارِ وظلمةُ الليل من الأعمال الخبيثةِ والأفعال الفظيعةِ، وشكا الكرامُ الكاتبون والمُعَقِّباتُ إلى ربِّهم من كثرةِ الفواحش وغلبةِ المنكرات والقبائحِ. وهذا والله مُنذِرٌ بسَيلِ عذابٍ قد انعقد غمامُهُ، ومُؤذِنٌ بليل بلاءٍ قد ادْلهَمَّ ظلامُهُ؛ فاعزِلوا

стр. 74

عن طريق هذا السَّيل بتوبةٍ نَصوح ما دامتِ التوبةُ ممكنةً وبابُها مفتوحٌ! وكأنَّكم بالباب وقد أُغْلِقَ، وبالرهنِ وقد غَلِقَ (١)، وبالجَناح وقد عَلِقَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. • اشترِ نفسَك اليومَ؛ فإنَّ السوقَ قائمةٌ، والثمنَ موجودٌ، والبضائع رخيصةٌ، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يومٌ لا تَصِلُ فيه (٢) إلى قليل ولا كثير، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ﴾ [الفرقان: ٢٧]. إذا أنْتَ لمْ تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى … وأبْصَرْتَ يومَ الحَشْرِ منْ قَدْ تَزوَّدا نَدِمْتَ على أنْ لا تكون كَمِثِلِه … وأنَّكَ لمْ تُرْصِدْ كما كان أرْصَدا (٣) • العملُ بغير إخلاص ولا اقتداءٍ كالمسافر يَملأُ جرابَهُ رملًا يُثْقِلُهُ ولا ينفعُهُ. • إذا حملتَ على القلب همومَ الدُّنيا وأثقالهَا، وتهاونتَ بأورادِهِ التي هي قُوتُهُ وحياتُهُ؛ كنتَ كالمسافر الذي يُحمِّلُ دابَّتَهُ فوق طاقتِها، ولا يُوفيها علفَها؛ فما أسرع ما تَقِفُ به! • ومُشَتَّتُ العَزَماتِ يُنْفِقُ عُمْرَهُ … حيْرانَ لا ظَفَرٌ ولا إخْفاقُ (٤) • هلِ السَّائقُ العَجْلانُ يَمْلِكُ أمْرَهُ … فما كُلُّ سَيرِ اليَعْمَلاتِ وَخيدُ

стр. 75

رويدَا بأخفافِ المَطِيِّ فإنَّما … تُداسُ جِباهٌ تَحتَها وخُدود (١) • من تلمَّحَ حلاوة العافية هان (٢) عليه مرارةُ الصَّبرِ. • الغايةُ: أولٌ في التقديرِ، آخرٌ في الوجودِ، مَبدأٌ في نظرِ العقلِ، منتهًى في منازل الوصول. • ألِفْتَ عَجْزَ العادةِ؛ فلو عَلَتْ بك هِمَّتكَ رُبا المعالي؛ لاحتْ لك أنوارُ العزائم. • إنَّما تفاوَتَ القومُ بالهِمَم لا بالصُّوَرِ. • نزولُ هِمَّةِ الكَسَّاح دَلَّاهُ في جُبِّ العَذِرَة. • بينَك وبين الفائزينَ جبلُ الهوى، نزلوا بين يديهِ ونزلْتَ خَلْفَهُ؛ فاطْوِ فَضْلَ منزل تَلْحَقْ بالقوم. • الدُّنيا مِضْمارُ سباقٍ، وقد انعقد الغبارُ، وخَفِيَ السابقُ، والناسُ في المِضمارِ بين فارسٍ وراجل وأصحابِ حُمُرٍ مُعَقَّرةٍ. سَوْفَ تَرى إذا انْجَلى الغُبارُ … أفَرَسٌ تَحْتَكَ أمْ حِمارُ (٣) • في الطبع شَرَهٌ، والحِميةُ أوفقُ. • لصُّ الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى. • حَبَّةُ المشتَهى تحتَ فَخِّ التَّلَفِ؛ فتفكَّرْ في الذبح؛ وقد هان
следующие страницы →