٣-أن يكون الخبر قبل حال لا تصلح خبرًا نحو: ضربي زيدًا قائمًا. فـ (ضربي) مبتدأ، والياء مضاف إليه. و (زيدًا) مفعول به للمصدر. و (قائمًا) حال من (زيد) والخبر ظرف محذوف مع جملة فعلية بعده أضيف إليها. والتقدير: ضربي زيدًا إذا كان قائماً [في المستقبل] وتقدر (إذ) في الماضي. و (كان) تامة. وهذه الحال لا تصلح خبرًا؛ لأن الخبر وصف للمبتدأ في المعنى، والضرب لا يوصف بالقيام.
٤-إذا وقع الخبر بعد واو المصاحبة الصريحة، وهي التي يصح حذفها وَوَضْعُ كلمةِ (مَعَ) موضعَها. فلا يتغير المعنى بل يتضح نحو: كلٌّ رجلٍ وضيعتُه (١) فـ (كل) مبتدأ و (رجل) مضاف إليه و (ضيعته) معطوف على المبتدأ، والخبر محذوف، أي: مقترنان، وإنما حذف للعلم به، ولأن العطف يسد مسده.
فإن لم تكن الواو للمصاحبة بل لمجرد التشريك في الحكم لم يحذف الخبر وجوبًا، نحو خالد وعاصم متباعدان. وكذا إن كانت للمصاحبة ولكنها ليست صريحة، نحو: الرجل وجاره مقترنان. وإنما لم تكن صريحة لأن الجار لا يلازم جاره، ولا يكون معه في الأوقات كلها أو أكثرها.
باب كان وأخواتها
قوله: (النَّواسِخُ لِحُكْم المُبَتَدأ والْخَبرِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ. أَحَدُهَا كَانَ وأَمْسى وأَصْبَحَ وأَضَحْى وظَلَّ وبَاتَ وصَارَ ولَيسَ ومَا زَالَ ومَا فَتِئَ ومَا انْفَكَّ ومَا بَرِحَ ومَا دَامَ، فَيَرْفَْعنَ المُبَتَدأَ اسْماً لَهُنَّ ويَنْصِبْنَ الْخَبَرَ خَبَراً لَهُنَّ نحْوُ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (٢)) .
لما فرغ ابن هشام ﵀ من الكلام على المبتدأ والخبر ذكر النواسخ، وهي جمع ناسخ. والنسخ في اللغة يطلق على الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل: أزالته. فسميت بذلك لأنها تزيل حكم المبتدأ والخبر وتغيره.
وهي من حيث العمل ثلاثة أنواع:
стр. 107
١-ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر. وهو "كان وأخواتها"، وما حمل على (ليس) من الحروف النافية، وأفعال المقاربة (١) .
٢-ما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر. وهو إن وأخواتها. ولا النافية للجنس.
٣-ما ينصبهما معاً، وهو ظن وأخواتها.
فـ (كان) وأخواتها ترفع المبتدأ ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها، وقد ذكر المؤلف منها ثلاثة عشر فعلاً، وهي ثلاثة أقسام:
(أ) ما يعمل هذا العمل بلا شرط، وهو ثمانية أفعال:
١-كان: ويفيد اتصاف الاسم بالخبر في الماضي مع الانقطاع نحو: كان الجو صحواً، أو مع الاستمرار، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (٢) فـ (كان) فعل ماض ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر، (ربك) اسمها مرفوع بها، والكاف مضاف إليه (قديراً) خبرها منصوب بها.
٢-أمسى: ويفيد اتصاف الاسم بالخبر في وقت المساء نحو: أمسى الجو باردًا.
٣-أصبح: ويفيد اتصاف الاسم بالخبر في وقت الصباح نحو: أصبح الساهر متعبًا.
٤-أضحى: ويفيد اتصاف الاسم بالخبر في وقت الضحى نحو: أضحى الطالب نشيطاً.
٥-ظل: ويفيد اتصاف الاسم بالخبر في جميع النهار غالبًا نحو: ظل الجوُّ حارًا.
٦-بات: يفيد اتصاف الاسم بالخبر في وقت البيات وهو الليل نحو: بات الحارس ساهراً.
٧-صار: يفيد تحول الاسم من حالته إلى الحالة التي يدل عليها الخبر نحو: صار الحديد بابًا.
стр. 108
٨-ليس: يفيد نفي الخبر عن الاسم في الزمن الحالي عند الإطلاق (١) نحو: ليست المكتبة مفتوحة.
(ب) ما يعمل بشرط أن يتقدمه نفي أو نهي أو دعاء وهو أربعة: (زال، وبرح وفتئ وانفك) فمثال النفي: لا يزال البرد قارساً، فـ (لا) نافية و (يزال) فعل مضارع يرفع الاسم وينصب الخبر (البرد) اسمها (قارساً) خبرها.
ومثال النهي: لا تفتأ محسنًا إلى الفقراء. فـ (لا) ناهية (تفتأ) فعل مضارع يرفع الاسم وينصب الخبر مجزوم. واسمه ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت (محسنًا) خبر (تفتأ) (إلى الفقراء) متعلق بالخبر.
ومثال الدعاء: لا زال بيتكم عامرًا بطاعة الله، فـ (لا) دعائية (زال) فعل ماض يرفع الاسم وينصب الخبر (بيتكم) اسمها والكاف مضاف إليه، والميم علامة الجمع (عامرًا) خبرها.
وهذه الأربعة تدل على ملازمة الخبر للاسم ملازمة مستمرة لا تنقطع. أو مستمرة إلى وقت الكلام ثم تنقطع بعد وقت طويل أو قصير. فالأول نحو: ما زال الأدب حلية طالب العلم. ومثال الثاني: لا يزال الخطيب يتكلم.
стр. 109
(ج) ما يعمل بشرط أن تتقدمه (ما) المصدرية الظرفية، وهو (دام) ومعنى المصدرية: أنها تقدر بالمصدر وهو الدوام. والظرفية: لنيابتها عن الظرف وهو (مدة) ، ومثالها: لا أصحبك ما دمت منحرفًا. فـ (ما) مصدرية ظرفية. و (دام) فعل ماض ناقص. والتاء اسمها. و (ما) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بإضافة ظرف الزمان، والتقدير: مدة دوامك، ولما حذف الظرف نابت (ما) وصلتها منابه فاستحقت إعرابه. فهي في محل نصب (منحرفاً) خبر (ما دام) .
ومعنى (ما دام) : استمرار المعنى الذي قبلها مدة محدودة، هي مدة ثبوت معنى خبرها لاسمها، فنفي الصحبة في المثال السابق، يدوم بدوام وقت معين محدود هو: مدة الانحراف.
قوله: (وقَدْ يَتَوَسَّطُ الْخَبرُ نحْوُ: * فَلَيْسَ سَوَاءً عالِمٌ وجَهُولٌ *) .
قد يتوسط الخبر- في هذا الباب- بين الاسم والفعل مع جميع الأفعال، وهذا التوسط نوعان:
стр. 110
١-توسط جائز: إذا لم يوجد ما يوجب التوسط ولا ما يوجب التأخر (١) نحو: كان الخطيب مؤثرًا. أو كان مؤثرًا الخطيب. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فـ (حقاً) خبر (كان) مقدم (نصر المؤمنين) اسمها مؤخر. ومضاف إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ (٣) فقد قرأ الكوفيون (٤) وابن عامر بنصب (عاقبة) على أنه خبر مقدم لـ (كان) و (السُّوأى) اسمها مؤخر على أحد الأعاريب. والتقدير: (ثم كانت السوأى (٥) عاقبة الذين أساءوا) . ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٦) فقد قرأ حمزة وحفص - من السبعة - بنصب (البرَّ) على أنه خبر (ليس) مقدم، والمصدر المؤول من (أن تولوا) اسمها مؤخر، أي: ليس البرَّ تولية وجوهِكم، وقرأ الباقون برفع (البر) على أنه اسم (ليس) والخبر هو المصدر المؤول، ومنه - أيضاً - قول الشاعر:
стр. 111
سلي إن جهلتِ الناسَ عنا وعنهمُ ......فليس سواءً عالمٌ وجهولُ (١)
فـ (سواءً) خبر (ليس) مقدم. و (عالمٌ) اسمها مؤخر.
وقوله (وقَدْ يَتَوَسَّطُ) يفيد أن الأصل تأخر الخبر، وتوسطه جائز.
٢-توسط واجب: وذلك في موضعين:
الأول: أن يكون الخبر محصوراً في الاسم نحو: ما كان مستفيدًا إلا المجدُّ.
الثاني: أن يتصل بالاسم ضمير يعود على بعض الخبر نحو: كان في الفصل طلابُه، وقد تقدم إيضاح ذلك في باب المبتدأ والخبر.
قوله: (وقَدْ يَتَقَدَّمُ الْخَبَرُ إلاَّ خَبَرَ دَامَ ولَيْسَ) .
قد يتقدم الخبر على الاسم والفعل، وهذا التقدم نوعان:
١-تقدم جائز نحو: كان الجو باردًا. فتقول: باردًا كان الجو.
٢-تقدم واجب. كأن يكون الخبر اسماً واجب الصدارة كأسماء الاستفهام نحو: أين كان الغائب؟ فـ (أين) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان) مقدم (الغائب) اسمها مؤخر. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢) فـ (كيف) اسم استفهام في محل نصب خبر مقدم لـ (كان) و (عاقبة) اسمها.
стр. 112
ولا يستثنى من أفعال هذا الباب إلا (دام، وليس) ، أما (دام) فلا يجوز تقدم الخبر على (ما) المتصلة بها، فلا تقول: لا أصحبك منحرفًا ما دمت، وعللوا لذلك بأن تقديم الخبر على (ما) يقتضي تقديم بعض الصلة على الموصول؛ لأن (ما) مصدرية. فهي موصول حرفي وما بعده صلة له، فلو قدم الخبر لزم منه تقدم بعض أجزاء الصلة، وهذا لا يجوز (١) . وأما تقدمه على (دام) وحدها فالظاهر الجواز، تقول: لا أصحبك ما منحرفاً دمت.
وأما (ليس) فقد وقع الخلاف في جواز تقديم خبرها عليها. والمنع أرجح؛ لأن ذلك لم يرد في لسان العرب.
قوله: (وتختَصُّ الْخَمْسَةُ الأُوَلُ بُمَرادَفَةِ صَارَ) .
تختص الخمسة الأول من أفعال هذا الباب وهي: كان. أمسى. أصبح. أضحى. ظل. بمرادفة (صار) فتستعمل فيما يدل على التحول والانتقال نحو: احترق الخشب فكان ترابًا،
стр. 113
ومنه قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) ﴾ (١) أي: (صارت) ؛ لأن المعنى يقتضي هذا. وتقول: أصبح الكتاب مبذولاً، وإنما كانت بمعنى (صار) لأن المراد ليس مقصوراً على وقت الصباح، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٢) وتقول: شرحت له باب (الفاعل) فأمسى واضحاً، وإنما كانت بمعنى (صار) لأن المراد ليس مقيداً بوقت المساء، وتقول: أضحى طلب العلم ميسورًا؛ لأن المراد ليس مقيداً بوقت الضحى. ومثال (ظل) : قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) ﴾ (٣) وإنما كانت بمعنى صار، لأن وجهه لم يكن مسودًا قبل البشرى، وإنما تحول إلى السواد بعد ولادة البنت.
قوله: (وغَيرُ لَيْسَ وفَتئَ وزَالَ بجَوَاز التَّمام أي: الاسْتِغْنَاء عَن الْخَبر نحْوُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) ، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) ﴾ (٥)
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٦)) .
стр. 114
تختص غير (ليس، زال، فتئ) من أفعالها هذا الباب بجواز استعمالها تامة. ومعنى التمام: أن تستغنى بمرفوعها عن الخبر فتكون كغيرها من الأفعال التامة. ويعرب فاعلاً، نحو: إذا كان الشتاء فاجتهد في الصدقة. فـ (كان) فعل ماض تام بمعنى: جاء، و (الشتاء) فاعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) فـ (ذو عسرة) فاعل (كان) وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٢) أي تدخلون في المساء، و (تمسون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ومثله (تصبحون) . وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣) أي ما بقيت و (السموات) فاعل، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٤) أي: ترجع، و (الأمور) فاعل، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (٥) فقوله: (لا أبرح) أي: لا أذهب. والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنا. وتقول: أضحينا. أي دخلنا في الضحى. و (نا) فاعل: وبات بالقوم، أي: نزل بهم ليلاً، والفاعل ضمير مستتر، وتقول: لو ظل الظلم هلك الناس. فـ (ظل) بمعنى دام. وتقول: فككت حلقات السلسلة فانفكت، أي: انفصلت، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره (هي) .
هذا هو المراد بالتمام في هذا الباب.
стр. 115
وأما النقصان - الذي هو الأصل فيها - فمعناه احتياج هذه الأفعال إلى منصوب، إذ لا يتم معناها بذكر مرفوعها فقط، فإذا قلت: كان خالد. لم تدل إلا على الوجود المطلق الذي هو ضد العدم؟، وهذا غير مراد ولا مطلوب، فإذا جاء الخبر، وقلت: كان خالد مسافرًا، تحدد المعنى. وتم المراد.
وأما (زال وفتئ وليس) فهي ملازمة للنقصان، فلا تستعمل تامة كما تقدم. والمراد (زال) التي مضارعها (يزال) ، أما (زال) التي مضارعها (يزول) فهي تامة، وليست من أفعال هذا الباب، نحو: صلاة الظهر إذا زالت الشمس.
قوله: (وكانَ بِجَوَازِ زِيَادَاتِها مُتَوَسِّطَةً نحْوُ: ما كان أَحْسَنَ زَيْداً) .
هذا معطوف على ما تقدم أي: وتختص كان عن باقي أخواتها بأحكام خاصة، وقد ذكر منها ابن هشام أربعة:
الأول: جواز زيادتها، ومعنى زيادتها أنها غير عاملة، وأن الكلام يستغني عنها، ولا ينقص معناه بحذفها، وتزاد لإفادة التوكيد وتقوية الكلام، وعلى هذا فـ (كان) الزائدة غير (كان) الناقصة و (كان) التامة، وقد مضتا، وشرط زيادتها أمران:
١-أن تكون بلفظ الماضي.
٢-أن تكون متوسطة بين شيئين متلازمين، كالمبتدأ والخبر نحو: (الكتابُ كان مفيدٌ) ، وبين (ما) وفعل التعجب نحو: (ما كان أحسن زيدًا) فـ (ما) تعجيبة مبتدأ و (كان) زائدة، و (أحسن) فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: هو، يعود على (ما) و (زيدًا) مفعول به، والجملة خبر.
قوله: (وحَذْفِ نُونِ مُضَارِعَها المَجْزُومِ وصْلاً إنْ لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ ولاَ ضَمِيرُ نَصْبٍ مُتَّصِلٌ) .
الثاني: مما تختص به كان: جواز حذف نون مضارعها، وذلك بخمسة شروط:
١-أن يكون المضارع مجزومًا، فلا حذف في نحو: من تكونُ له الجائزة؟ لعدم الجزم.
٢-أن يكون الجزم بالسكون، ولم يذكره المصنف، لأنه الأصل والمتبادر عند الإطلاق، فلا حذف في نحو: إن تأخرتم لم تكونوا مستفيدين، لأن الجزم ليس بالسكون، وإنما بحذف النون.
стр. 116
٣-أن لا يقع بعد النون ضمير نصب متصل، بخلاف قوله ﷺ : لعمر ﵁ في شأن ابن صياد "إن يَكُنْهُ فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله" (١) فلا يجوز حذف النون، لأن بعدها ضمير نصب متصل، وهو الهاء.
٤-أن لا يقع بعدها ساكن، بخلاف قولك (لم يكن الجوُّ صحوًا) فلا تحذف النون لوقوع الساكن بعدها، وهو لام التعريف.
٥-أن يكون ذلك في حالة الوصل، فلا تحذف حال الوقف نحو (لم أكن) ؛ لأن النون في حالة الوقف ترجع وتظهر.
والمثال: (لم يكُ طالبُ العلم مقصرًا) وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) وقال تعالى عن مريم: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٣) فقوله (ولم يك) أصله: لم يكوْنْ، فهو مجزوم بالسكون على النون، فالتقى ساكنان: الواو والنون، فحذفت الواو للتخلص من التقائهما، فصار: لم يكنْ، ثم حذفت النون تخفيفاً، فـ (لم يك) (لم) حرف نفي وجزم وقلب، و (يك) فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف.
قوله (وحَذْفِها وحْدَهَا مُعَوِّضاً عَنَها (مَا) في مِثْل: أمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ، ومَعَ اسْمِهَا في مِثْلِ: إِنْ خيراً فَخَيرٌ، والْتَمِسْ ولَوْ خاتَماً مِنْ حَديدٍ) .
الثالث: مما تختص به (كان) : جواز حذفها وبقاء اسمها وخبرها. وذلك بعد (أن) المصدرية، في كل موضع: أريد فيه تعليل شيء بشيء.
стр. 117
مثال ذلك: أمَّا أنت غنياً فتصدق. والأصل: تصدق لأن كنت غنيًا، فقدمت اللام: وما بعدها على (تصدق) للاختصاص. ثم حذفت اللام للاختصار والتخفيف، فصار: أن كنت غنيًا، ثم حذفت (كان) للاختصار، فانفصل الضمير فصار: أن أنت غنيًا: ثم أتى بـ (ما) الزائدة عوضاً عن (كان) ثم أدغمت النون في الميم فصار: أما أنت غنيًا، فـ (أما) عبارة عن (أن) المصدرية. المدغمة في (ما) و (أنت) اسم لكان المحذوفة و (غنيًا) خبرها ومثله قول الشاعر:
(١) أبا خراشة أما أنت ذا نفر ...فإن قومي لم تأكلهم الضبع (١)
والأصل: فَخَرْتَ عليَّ لأن كنت ذا نفر. فعمل فيه ما ذكرنا.
الرابع مما تختص به (كان) : جواز حذفها مع اسمها وبقاء خبرها وذلك بعد (إن) و (لو) الشرطيتين. نحو: المرء محاسب على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. فـ (خيرًا) خبر لكان المحذوفة مع اسمها و (فخير) خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير إن كان عمله خيرًا فجزاؤه خير، وإن كان عمل شرًا فجزاؤه شر.
стр. 118
ومثال الحذف بعد (لو) قوله ﷺ : (التمس ولو خاتمًا من حديد) (١) فـ (خاتمًا) خبر (كان) المحذوفة مع اسمها، والتقدير: ولو كان الملتمس خاتَماً من حديث.
الحروف العاملة عمل (ليس)
قوله: (وَمَا النَّافِيَةُ عِِنْدَ الحِجازِيِّينَ كلَيْسَ إنْ تَقَدَّمَ الاسم ولَمْ يُسْبَقْ بِإنْ ولاَ بِمَعْمُول الْخَبر إلاَّ ظَرْفاً، أوْ جاراً ومجْروراً، ولا اقْتَرَنَ الْخَبرُ بِإلاَّ نحْوُ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (٢)) .
اعلم أنهم أجروا ثلاثة أحرف من حروف النفي مُجْرَى (ليس) في رفع الاسم ونصب الخبر، وهي: (ما) و (لا) و (لات) ، ولكل منها كلام يخصها.
والكلام الآن في (ما) وهي حرف يفيد نفي المعنى عن الخبر في الزمن الحالي عند الإطلاق (٣) وإعمالها عمل (ليس) لغة الحجازيين وبها جاء التنزيل، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٤) ، فـ (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ما) و (بشرًا) خبرها منصوب، و (هن) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما) و (أمهاتهم) خبر (ما) منصوب وعلامة نصبه الكسرة، لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء مضاف إليه، والميم علامة الجمع، ولا تعمل عندهم إلا بأربعة شروط:
١-أن يتقدم اسمها على خبرها، فإن تقدم الخبر بطل عملها، نحو: (ما الفقر عيبًا) فلو قيل: ما عيب الفقر، بتقديم الخبر بطل عملها. ووجب رفع ما بعدها على أنه مبتدأ وخبر.
٢-ألا يقترن اسمها بـ (إنْ) الزائدة، فإن اقترن بطل عملها، نحو (ما إنِ الحقُ منهزمٌ) برفع (منهزم) على أنه خبر المبتدأ.
стр. 119
٣-ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها، فإن تقدم بطل عملها، نحو (ما العاقلُ مصاحبًا الأحمقَ) فتقول: ما الأحمقَ العاقلُ مصاحبٌ، برفع مصاحب، لأنه خبر المبتدأ، إلا إن كان المعمول ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، فيجوز إعمالها وإهمالها مع تقدمه، نحو: ما في الشر أنت راغبًا، وما عندي معروفك ضائعًا، والأصل: ما أنت راغبًا في الشر. وما معروفك ضائعاً عندي.
٤-ألا يقترن الخبر بـ (إلا) فإن اقترن بطل عملها، نحو: ما دنياك إلا فانية. برفع (فانية) على أنه خبر المبتدأ. قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (١) .
قوله: (وكَذَا لاَ النَّافِيةِ في الشِّعْرِ بِشَرْطِ تَنْكِيرِ مَعْمُولَيْهَا نحْوُ:
تَعَزَّ فَلاَ شَيءٌ عَلَىَ الأْرْضِ باقِياً ......ولاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضى الله وَاقياً)
الحرف الثاني مما يعمل عمل ليس: (لا) وهي النافية للواحد (٢) وهي لنفي معنى الخبر في الزمان الحالي عند الإطلاق، نحو: لا طالب حاضرًا. أي: الآن، فـ (لا) نافية عاملة عمل ليس (طالب) اسمها مرفوع بها (حاضرًا) خبرها منصوب بها، وقد ذكر المصنف لإعمالها شرطين:
الأول: أن يكون ذلك في الشعر خاصة، فلا تعمل في النثر. ولا يخفى أنه إذا اثبت السماع عن العرب فلا حاجة لتقييده بالشعر.
الثاني: تنكير معموليها أي: اسمها وخبرها. فلا تعمل في المعرفة. ومن شواهد إعمالها في النكرات قول الشاعر:
تعزَّ فلا شيء على الأرض باقيًا ...ولا وَزَرٌ مما قضى الله واقياً (٣)
стр. 120
فـ (لا) نافية عاملة عمل ليس. (شيء) اسمها و (باقيًا) خبرها.
وكذا الشطر الثاني.
ويشترط لها زيادة على هذين الشرطين ما يشترط في عمل (ما) فلا يتقدم خبرها على اسمها. ولا ينتقض نفيها بـ (إلا) .
قوله: (وَلاَتَ لكنْ في الحين، ولاَ يُجْمَعُ بَيْنَ جُزّءَيْها، والغَالِبُ حَذْفُ المَرْفُوعِ نَحْوُ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (١)) .
الحرف الثالث مما يعمل عمل (ليس) : (لات) وهي حرف مبني على الفتح، تفيد نفي معنى الخبر في الزمن الحالي عند الإطلاق. وشرط عملها أمران:
١-أن يكون اسمها وخبرها لفظ (الحين) وما رادفه، كالساعة والوقت ونحوهما، وإعمالها في (الحين) أكثر.
٢-أن يحذف أحدهما، والغالب حذف المرفوع، وهو اسمها، نحو: ندم الطالب المتأخر ولات وقت ندامة، أي: لات الوقتُ وقتَ ندامةٍ، والمعنى: ليس الوقت وقت ندامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (٢) بنصب (حين) وهي قراءة الجمهور، أي: ولات الحينُ حينَ مناصٍِ، فحذف الاسم، و (حينَ) خبرها منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والمناص: الفرار.
باب (إنَّ) وأخواتها
قوله: (الثَّانِي إِنَّ وأَنَّ لِلتَّأْكِيدِ، ولكِنَّ لِلاسْتِدْرَاكِ، وكَأَنَّ لِلَّتشْبِيهِ أَو الظَّنِّ، ولَيْتَ لِلتَّمَنِّي، ولَعَلْ لِلتَّرَجِّيِ أَو الإِشْفَاقِ أَو التَّعْلِيلِ، فَيَنْصِبْنَ المُبْتَدَأَ اسماً لَهُنّ، ويَرْفَعْنَ الْخَبَرَ خَبَراً لَهُنَّ) .
الثاني من نواسخ الابتداء: (إن وأخواتها) وهي تنصب الاسم وترفع الخبر، وهي ستة أحرف:
١-٢ إِنَّ، وأنَّ: ومعناهما التوكيد. أي: توكيد نسبة الخبر للمبتدأ، ورفع الشك عنها. نحو: إن القناعة كنز، علمت أن القناعة كنز.
стр. 121
٣-لكنَّ: ومعناها: الاستدراك، وهو تعقيب الكلام بنفي ما يتوهم ثبوته نحو: الإخوان كثيرون ولكنَّ الأوفياءَ قليلون. أو إثبات ما يتوهم نفيه نحو: الكتاب رخيص لكنَّ نَفْعَهُ عظيم.
٤-كأنَّ: وهي للتشبيه نحو: كأنَّ المعلمين آباء. أو الظن نحو: كأن خالدًا كاتب. (١)
٥-ليت: وهي للتمني ومعناه: طلب الشيء المحبوب الذي لا يرجى حصوله إما لكونه مستحيلاً أو بعيد المنال. فالأول: ليت الشباب يعود. والثاني كقول منقطع الرجاء: ليت لي مالاً فأحجَّ منه.
٦-لعل: وهي للترجي ومعناه: طلب الشيء المحبوب الذي يرجى حصوله، نحو: لعل المجاهد ينتصر. أو الإشفاق وهو توقع الأمر المخوف نحو: لعل العدو قادم. أو التعليل (٢) كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣)(٤) .
قوله: (فَيَنْصِبْنَ المُبْتَدَأَ اسماً لَهُنّ، ويَرْفَعْنَ الْخَبَرَ خَبَراً لَهُنَّ إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِهنَّ مَا الحَرْفِيَّةُ، نَحْوُ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ے﴾ (٥) ، إِلاَّ لَيْتَ فَيَجُوزُ فيها الأَمْرَانِ) .
أي أن هذه الأحرف تنصب الاسم، وترفع الخبر، بشرط ألا تتصل بهن (ما) الحرفية الزائدة، فإذا اتصلت بهن أحدثت أمرين:
الأول: كَفُّها عن العمل، ولذا تسمى (ما الكافة) أي المانعة للحرف الناسخ من العمل.
стр. 122
الثاني: إزالة اختصاصها بالأسماء، وتهيئتها للدخول على الجملة الفعلية، ولذا تسمى (ما المهيئة) .
مثال عملها: إنَّ الحياة جهاد. فـ (إن) حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر، و (الحياة) اسمها منصوب بها (جهاد) خبرها مرفوع بها.
ومثال اقترانها بـ (ما) : إنما الحياة جهاد. فـ (إنَّ) حرف توكيد مهمل و (ما) كافة. و (الحياة) مبتدأ و (جهاد) خبر. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ے﴾ (١) فـ (إنَّ) حرف توكيد مهمل، و (ما) كافة، (الله) مبتدأ مرفوع بالضمة، (إله) خبر مرفوع (واحد) صفة مرفوعة. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٢) .
فـ (كأن) حرف تشبيه مهمل (ما) كافة (يساقون) فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون. والواو: نائب فاعل، وجملة (وهم ينظرون) حال من الواو.
ويستثنى من ذلك (ليت) فيجوز فيها الإعمال والإهمال تقول: ليتما الحياةٌ خاليةٌ من الكدر، بنصب (الحياة) على الإعمال، ورفعها على الإهمال.
وقول المصنف (ما الحرفية) احتراز من (ما) الاسمية، وهي الموصولة، فإنها لا تكفها عن العمل نحو: إنَّ ما في الغرفة طفل (٣) ، أي: إن الذي في الغرفة طفل. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ (٤) فـ (ما) اسم موصول وهي اسم (إن) ، و (صنعوا) صلة الموصول، والعائد محذوف. و (كيد) خبر (إن) والمعنى: إن الذي صنعوه كيد ساحر.
стр. 123
قوله: (كإنِ المَكْسُورَةِ مُخَفَّفَةً) معنى هذا أنه كما يجوز الإعمال والإهمال في (ليتما) يجوز في (إنَّ) المكسورة الهمزة إذا خففت، وذلك بحذف النون الثانية المفتوحة، وإبقاء الأولى ساكنة وتحرك بالكسر لإلتقاء الساكنين نحو (إنِ القراءةُ لمفيدةٌ) ، والإهمال أرجح لزوال اختصاصها بالأسماء، وإذا أهملت لزمت اللام في خبر المبتدأ بعدها؛ لتفرق بينها وبين (إنْ) النافية، وسيأتي ذلك إن شاء الله.
قوله: (فَأَمَّا لكِنَّ مُخَفَّفَةً فتُهْمَلُ) إذا خففت (لكن) أهملت وجوبًا لزوال اختصاصها بالأسماء، ويبقى معناها، وهو الاستدراك نحو: الكتاب صغير لكنْ نفعُه عظيمٌ، ومن دخولها على الجملة الفعلية قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فـ (لكن) حرف استدراك مهمل (كانوا) فعل ماض ناقص، والواو اسمها (هم) ضمير فصل لا محل له (٢) (الظالمين) خبر كان.
قوله: (وَأَمَّا أَنْ فَتَعْمَلُ، ويَجِبُ في غَيْرِ الضَّرُورِةَ حَذْفُ اسمهَا ضَمِير الشَّأْنِ، وكَوْنُ خَبَرِهَا جُمْلَةً مَفْصُولَةً إنْ بُدِئَتْ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ غيْرِ دُعَاءٍ بـ (قَدْ) أَوْ تَنْفِيسٍ أَوْ نَفْي أَوْ لَوْ) .
إذا خففت (أن) ترتب على ذلك أربعة أحكام:
١-بقاء عملها.
٢-حذف اسمها وهو ضمير الشأن.
٣-كون خبرها جملةً اسمية أو فعلية.
٤-وجود فاصل في الأغلب بينها وبين خبرها، إذا كان جملة فعلية فعلها متصرف لا يقصد به الدعاء.
فإن كان خبرها جملة اسمية أو فعلية فعلها جامد، أو فعلية فعلها متصرف وهو دعاء لم تحتج إلى فاصل يفصلها من (أن) ، لأن الفصل خشية التباسها بالناصبة للمضارع، والناصبة لا تقع في مثل ذلك، كما تقدم في نواصب المضارع.
стр. 124
مثال الجملة الاسمية: (علمت أنْ حاتمٌ أشهرُ كرماءِ العرب) فـ (أن) مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي: أنَّه، و (حاتم) مبتدأ و (أشهر) خبر، والجملة خبر (أن) المخففة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فـ (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، تقديره: أنه، أي: الحال والشأن، وجملة (الحمد لله) خبرها. (٢)
ومثال الجملة الفعلية التي فعلها جامد: علمت أنْ ليس للظلم بقاءٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣) فـ (أن) مخففة، واسمها محذوف، (ليس) فعل ماض ناقص، (للإنسان) خبر ليس مقدم (إلا) حرف استثناء ملغى (ما) اسم موصول في محل رفع اسم ليس مؤخر، وجملة (سعى) صلة الموصول، وجملة (ليس) مع اسمها وخبرها في محل رفع خبر (أنْ) المخففة.
ومثال الجملة الفعلية التي فعلها دعاء: قراءة نافع المدني لقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (٤) بتخفيف (أنَّ) وكسر الضاد من (غضب) على أنه فعل ماض، وبقية السبعة قرأ بتشديد (أنَّ) ونصب ما بعدها.
ففي هذه المواضع الثلاثة لا تحتاج (أن) المخففة إلى فاصل. وأما إذا كان خبرها جملة فعلية فعلها متصرف غير دعاء فإنه يؤتى - في الغالب - بفاصل من هذه الأشياء الأربعة:
стр. 125
١- (قد) نحو: أيقنت أنْ قد خُظَّ ما هو كائن، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (١) فـ (أن) مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف. وجملة (صدقتنا) في محل رفع خبر (أنْ) ، والمصدر المؤول من (أن) وما بعدها في محل نصب. سدَّ مسد مفعولي (نعلم) . (٢)
٢-أحد حرفي التنفيس، أي: الاستقبال، وهما: (السين) نحو: إنْ لم تسمع نصحي فاعترف أنْ ستندم، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٣)(٤) أو (سوف) نحو: علمت أنْ سوف يأتي ما قضى الله.
٣-أحد حروف النفي الثلاثة التي استعملتها العرب في هذا الموضع وهي: (لا، لن، لم) نحو: أيقنت أنْ لا يضيعُ عند الله إحسان، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٥) ، ونحو: جزمت أنْ لن يضيعَ العرف بين الله والناس، ونحو قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (٦) فـ (أن) في هذه الآيات مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة المصدرة بحرف النفي في محل رفع خبرها.
٤- (لو) والنص عليها في كتب النحاة قليل مع أنها كثيرة في المسموع، نحو: أوقن أنْ لو استفاد المسلم مما يسمع لصلح المجتمع، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (٧) . فـ (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، (لو) حرف شرط غير جازم، وجملة الشرط وفعله وجوابه في محل رفع خبر (أنْ) .
وقد ورد ترك الفاصل في قول الشاعر:
стр. 126
علموا أنْ يؤمَّلون فجادوا ......قبل أن يُسألوا بأعظم سُؤْلِ (١)
فأعمل (أن) المخففة في الاسم، وهو ضمير الشأن المحذوف وفي الخبر وهو جملة (يؤملون) ، ولم يأتي بالفاصل.
قوله: (وَأمَّا كَأَنَّ فتَعْمَلُ ويَقِلُّ ذِكْرُ اسمهَا ويُفْصَلُ الْفِعْلُ مِنْهَا بِـ (لَمْ) أَوْ (قَدْ)) .
إذا خففت (كأن) - بحذف نونها الثانية المفتوحة وإبقاء الأولى ساكنة - ترتب على تخفيفها أمور:
١-بقاء عملها.
٢-جواز إظهار اسمها. وهذا قليل، والأغلب أنه ضمير الشأن محذوف، فمثال حذفه: كأنْ عصفورٌ سهمٌ في السرعة، فـ (كأن) مخففة واسمها ضمير الشأن محذوف. أي (كأنَّه) أي: الحال والشأن. وجملة (عصفور سهم) خبرها.
ومثال ذكره: يدق البَرَدُ النافذة وكأنْ حجرًا صغيرًا يدق.
٣-أن خبرها لابد أن يكون جملة إذا وقع اسمها ضمير شأن. فإن كانت اسمية لم تحتج لفاصل - كما تقدم في (أنْ) - وإن كانت فعلية فُصِلَ بـ (لم) مع المضارع، و (قد) مع الماضي.
стр. 127
مثال (لم) : كأن لم تنفعك نصيحتي، وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (١) فـ (ها) مفعول أول لـ (جعل) و (حصيدًا) مفعول ثان. (كأن) مخففة. واسمها ضمير الشأن محذوف. وجملة (لم تغن) خبرها في محل رفع.
ومثال (قد) : كأن قد طلع الفجر. فـ (كأن) مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف. وجملة (قد طلع الفجر) في محل رفع خبرها.
قوله: (وَلاَ يَتَوَسَّطُ خَبَرُهُنَّ إلاَّ ظَرْفاً أَوْ مَجْرُوراً نَحْوُ ﴿إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (٢) ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ (٣)) .
خبر هذه النواسخ نوعان:
١-أن يكون مفرداً أو جملة، وهذا لا يجوز توسطه بين الناسخ والاسم، ولو قُدِّم لبطل عمل الناسخ، وفسد الأسلوب.
...مثال المفرد إنَّ الحقَّ منتصرٌ، فـ (الحق) اسمها، و (منتصر) خبرها. ومثال الجملة: إن الإسلام آدابه عالية، فـ (الإسلام) اسمها. (آدابه) مبتدأ (عالية) خبر المبتدأ، والجملة خبر (إنَّ) .
٢- أن يكون شبه جملة - وهو الظرف والمجرور - وهذا يجوز توسطه نحو: إن العزَّ في طاعة الله، فتقول: إن في طاعة الله العزَّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) ﴾ (٤) فـ (في ذلك) خبر (إنَّ) مقدم (لعبرة) اسمها مؤخر، واللام للابتداء. وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ (٥) فـ (لدينا) لدى: ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة (ياء) ، و (نا) مضاف إليه، وهو خبر مقدم، (أنكالاً) اسم (إن) مؤخر (٦) ، والأنكال: جمع نِكْل، بكسر النون أي: قيودًا ثقالاً.
стр. 128
والمراد بجواز التوسط: ما يقابل الامتناع، لا ما يقابل الوجوب، لأنه قد يجب التوسط. وقد يجب التأخر. فالحالات للخبر الظرفي ثلاث:
١-الجواز كما تقدم.
٢-وجوب التوسط نحو: إن في الفصل طلابَهُ، كما تقدم في الابتداء.
٣-وجوب التأخر نحو: إن السعادة لفي العمل الصالح، فلا يجوز تقديم الخبر؛ لوجود لام الابتداء (١) ، قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) ﴾ (٢) .
واعلم أن المصنف لما ذكر امتناع التوسط في غير الظرف والمجرور فهم منه امتناع التقدم على الحرف الناسخ، لأن امتناع الأسهل يستلزم امتناع غيره. ولا يلزم من تجويز توسط الظرف والمجرور تجويز التقدم على الحرف الناسخ، لأنه لا يلزم من تجويز الأسهل تجويز غيره. بخلاف العكس.
قوله: (وَتُكْسَرُ إنَّ في الاْبتِداء نَحْوُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) ﴾ (٣) وبَعْدَ الْقَسَم نَحْوُ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) ﴾ (٤) والْقَوْلِ نَحْوُ: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ (٥) وقَبْلَ اللاَّمِ نَحْوُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ) (٦) .
لهمزة (إن) ثلاث حالات: وجوب الفتح، ووجوب الكسر، وجواز الوجهين.
стр. 129
والقاعدة في هذه المسألة: أن كل موضع يحتاج فيه ما قبل (إنَّ) إلى مصدر أي: إلى مفرد (١) فإن الهمزة تفتح؛ لأن فتحها معناه: أن لمصدر المؤول يحل محلها، وكل موضع يحتاج فيه ما قبل (إن) إلى جملة فإن الهمزة تكسر. وكل موضع يصح فيه الوجهان فإن الهمزة يجوز فتحها وكسرها.
فمثال وجوب فتحها: سرني أنك مواظب على الصف الأول، فيجب فتح همزة (إن) لأن المقام يستدعي فاعل (سرَّ) والفاعل لا يكون إلا مفردًا فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل (سر) أي: سرني مواظبتك.
وأما وجوب كسرها - وقد اقتصر عليه المصنف - ففي مواضع ذكر منها أربعة:
١-أن تقع (إن) في ابتداء الكلام سواء كان الابتداء حقيقياً كقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) ﴾ (٢) فـ (إن) حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر، و (نا) اسمها، وجملة (أنزلناه) خبرها. أو حكمياً كالواقعة بعد (ألا) الاستفتاحية كقوله تعالى: ﴿أَلَّا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ (٣) فـ (ألا) حرف استفتاح (إن) حرف ناسخ و (الهاء) : اسمها، والميم علامة الجمع (هم) ضمير فصل لا محل له (المفسدون) خبر إن.
стр. 130
٢-أن تقع جوابًا للقسم وقد حذف فعل القسم، سواء ذكرت اللام في خبرها كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) ﴾ (١) فـ (الواو) حرف قسم وجر، و (العصر) اسم مقسم به مجرور. وجملة (إن الإنسان لفي خسر) جواب القسم لا محل لها، أو لم تذكر، كقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٢) ، فـ (حم) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه حم. مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة الأداء. (والكتاب) الواو حرف قسم وجر. و (الكتاب) اسم مقسم به مجرور، وجملة (إنا أنزلناه) جواب القسم لا محل لها.
فإن ذكر فعل القسم وجب كسرها، بشرط وجود اللام، نحو: أحلف بالله إن التحيل على الربا لمحرم. قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ (٣) ، وإن لم توجد اللام جاز الوجهان نحو: أحلف أن ثمرة العلم العمل، فالكسر على أنها واسمها وخبرها جواب القسم، والفتح على أنها واسمها وخبرها مصدر منصوب بنزع الخافض سد مسد الجواب، والتقدير: أحلف على كون العمل ثمرة العلم.
٣-أن تقع في صدر جملة محكية بالقول نحو: قال الأستاذ: إن السعادة في القناعة؛ لأن المحكي بالقول لا يكون إلا جملة في الأغلب، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ (٤) . فـ (قال) فعل ماض مبني على الفتح، والجملة من (إن) واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول.
стр. 131
٤-أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب وقد علق عن العمل (١) بسبب وجود لام الابتداء في خبرها نحو: علمت إن الإسراف لطريق الفقر، فـ (علمت) : (علم) فعل ماض ينصب مفعولين، والتاء: فاعل، وجملة (إن الإسراف لطريق الفقر) سدت مسد مفعولي (علم) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ (٢) ، فـ (يعلم) فعل مضارع ينصب مفعولين. وفاعله ضمير مستتر، وجملة (إنك لرسوله) سدت مسد مفعولي (يعلم) (٣) .
فإن لم توجد اللام في خبرها فُتحت أو كُسرت، نحو: علمت أنَّ المصارفَ الربويةَ بلاءٌُ. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) ، فالقراءة بفتح همزة (إن) وهي واسمها وخبرها في تأويل مصدر سد مسد مفعولي (علم) .
وأما جواز الوجهين في همزة (إن) وهي الحالة الثالثة فلها مواضع، وقد مر بعضها ولم يذكرها ابن هشام ﵀.
قوله: (وَيَجُوزُ دُخُولُ اللاَّم عَلَى مَا تَأَخَّرَ مِنْ خَبَرِ إنَّ المَكْسُورَة أو اسمهَا أوْ مَا تَوَسَّط مِنْ مَعْمُولِ الخَبَرِ أوِ الْفَصْلِ، ويَجِبُ مَعَ المُخَفَّفَةِ إنْ اهْمِلَتْ ولَمْ يَظْهَرِ المَعْنَى) .
стр. 132
المراد بـ (اللام) : لام الابتداء. وهي لام مفتوحة يؤتى بها لقصد التوكيد، سميت بذلك، لكثرة دخولها على المبتدأ، أو ما أصله المبتدأ كقوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) ، فـ (اللام) للابتداء (أنتم) مبتدأ (أشد) خبر، (رهبة) تمييز، وقوله تعالى: ﴿إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (٢) . فدخلت اللام على اسم (إن) المؤخر. وأصله المبتدأ، وتقدم إعراب الآية قريباً.
ودخول اللام نوعان:
النوع الأول: دخول جائز. وهذا بعد (إن) المكسورة على أربعة أشياء:
١-خبر (إن) بشرط تأخره عن الاسم نحو: إن الكذب لممقوت. إن النجاة لفي الصدق.
٢-اسم (إن) بشرط تأخره عن الخبر نحو: إن في حوادث الدهر لعبرة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٣) .
٣-معمول خبر (إن) بشرط توسطه بين اسم (إن) وخبرها نحو: إنَّ الشدائدَ صانعةٌ أبطالاً، فتقول: إنَّ الشدائدَ لأبطالاً صانعةٌ.
٤-ضمير الفصل، وهو ضمير يذكر بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر (٤) نحو: إن الدنيا لهي الفانية. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) .
стр. 133
النوع الثاني: الدخول الواجب. فيجب الإتيان باللام إذا خففت (إن) وأهملت ولم يظهر قصد الإثبات، وإنما لزمت اللام لتفرق بينها وبين إنْ النافية، ولهذا تسمى (اللام الفارقة) نحو: إنْ خالد لمسافر. فلولا وجود اللام لاحتمل أن يكون نفيًا لأن (إنْ) تأتي نافية.
فإن عملت لم تلزم اللام لأنها لا تلتبس بـ (إن) النافية؛ لأن النافية لا تنصب الاسم وترفع الخبر نحو: إنْ خالدًا مسافر، فهو إثبات، وكذا (إذا) ظهر القصد بأن وجد قرينة تبين المراد، وهو التوكيد نحو: إنِ الاستقامةُ سعادةُ الدارين، فهي مخففة من الثقيلة مهملة، لأن المعنى يفسد على اعتبارها نافية.
باب (لا) النافية للجنس
قوله: (وَمِثْلُ إِنَّ لاَ النَّافِيَةُ للْجِنْسِ لَكِنْ عَمَلُهَا خَاصٌ بِالنَّكِرَاتِ المُتَّصِلَةِ بِهَا نَحْوُ: لاَ صَاحِبَ عِلْمٍ مَمْقُوتٌ. وَلاَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا عِنْدِي. وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا غَيْرَ مُضَافٍ وَلاَ شِبْهَهُ بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ في نَحْوِ: لاَ رَجُلَ وَلاَ رِجَالَ، وَعَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْكَسْرِ في نَحْوِ: لاَ مُسْلِمَاتٍ، وَعَلَى الْيَاءِ في نَحْوِ: لاَ رَجُلَيْنِ وَلاَ مُسْلِمينَ) .
من نواسخ الابتداء: (لا) النافية للجنس، وهي مثل (إنَّ) في عملها، فتنصب الاسم - لفظًا أو محلاً - وترفع الخبر.
ومعنى (النافية للجنس) أي: نفي الخبر عن الجنس كله على سبيل الاستغراق والشمول. فإذا قلت: لا طالبَ حاضرٌ، فقد نفيت الحضور عن جميع أفراد الطلاب، فلا يصح أن تقول: لا طالب حاضر بل طالبان، لأن هذا تناقض. بخلاف (لا) العاملة عمل (ليس) فإنها ليست نصًا في نفي الجنس. فهي تحتمل نفي الجنس، وتحتمل نفي الواحد (١) فإن قدرتها نافية للواحد صح أن تقول: لا طالبٌ حاضرًا بل طالبان، وإن قدرتها نافية للجنس لم يجز ذلك.
стр. 134
وهذا إن كان الاسم مفردًا. فإن كان مثنى أو جمعًا فالاحتمال موجود فيهما معًا نحو: لا عاقلين متشاتمان. لا مجدين مذمومون، ونحو: لا عاقلان متشاتمين، لا مجدون مذمومين، ففي هذا احتمال نفي الحكم عن الجنس كله أو نفي قيد التثنية فقط أو قيد الجمع فقط.
وتسمى (لا) النافية للجنس (لا) التبرئة؛ لتبرئة أفراد الجنس عن حكم الخبر. وهي تختص بهذه التسمية لقوة دلالتها على النفي المؤكد أكثر من غيرها من أدوات النفي الأخرى.
وقد ذكر ابن هشام لعملها شرطين:
الأول: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين: فلا تعمل في المعرفة. فإن دخلت على معرفة وجب تكرارها نحو: لا خالد في المسجد ولا هشام.
الثاني: أن يكون الاسم مقدمًا والخبر مؤخرًا. فإن تقدم الخبر بطل عملها ووجب تكرارها، نحو: لا في المعهد طلاب ولا مدرسون، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (١)(٢) فـ (لا) نافية ملغاة. (فيها) خبر مقدم (غول) مبتدأ مؤخر (ولا) الواو عاطفة. و (لا) مؤكدة للنفي. (هم) مبتدأ. وجملة (ينزفون) خبر. والواو نائب فاعل.
وإذا استوفت شروط عملها. فلا يخلو اسمها من ثلاث حالات:
١-أن يكون مفرداً، أي: كلمة واحدة، فالمفرد هنا: ما ليس بمضاف ولا شبيه بالمضاف، فيدخل فيه المفرد، نحو: لا سرورَ دائمٌ، وجمع التكسير نحو: لا كواكبَ طالعاتٌ. والمثنى نحو: لا ضدينِ مجتمعان. وجمع المذكر السالم نحو: لا متنافسينَ في الخير نادمون. وما جمع بألف وتاء نحو: لا متبرجاتٍ محترماتٌ.
стр. 135
وحكم الاسم في هذه الحال أنه يبنى على ما كان ينصب به. فالمفرد وجمع التكسير يبنيان على الفتح، والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على الياء. وما جمع بألف وتاء يبنى على الكسر، لأنه الأصل في هذا الجمع، ويجوز بناؤه على الفتح كما ذكر المصنف ﵀.
فنحو: لا سرور دائم، لا: نافية للجنس تنصب الاسم وترفع الخبر. (سرور) اسمها مبني على الفتح في محل نصب (دائم) خبرها مرفوع بها وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
٢-أن يكون اسمها مضافاً، أي: مكونًا من كلمتين أضيفت الأولى إلى الثانية نحو: لا طالبَ علم ممقوتٌ.
٣-أن يكون شبيهاً بالمضاف، أي: مكونًا من كلمتين للأولى تعلق بالثانية غير الإضافة (١) نحو: لا عاصيًا أباه موفق، لا عشرين درهماً عندي.
وحكم الاسم في هذين الحالين أنه ينصب لفظًا. نحو: لا عاصيًا أباه موفق. لا: نافية للجنس (عاصيًا) اسمها منصوب بها وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وفاعله ضمير مستتر. (أباه) مفعول به لاسم الفاعل، والهاء مضاف إليه، (موفق) خبر (لا) .
قوله: (وَلَكَ في نَحْوِ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ فَتْحُ الأَوَّلِ، وَفي الثَّانِي الْفَتْحُ وَالنَّصْبُ وَالرَّفْعُ كَالصِّفَةِ في نَحْو: لاَ رَجُلَ ظَرِيفٌ وَرَفْعُهُ فَيَمْتَنعُ النَّصْبُ، وإِنْ لَمْ تُكَرَّرْ لاَ أَوْ فُصِلَت الصِّفِةُ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْردَةٍ امْتَنَعَ الْفَتُحُ) .
إذا تكررت (لا) مع النكرة وسبق الثانية عاطف نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله) جاز في النكرة الأولى وجهان:
١-البناء على الفتح لأنه اسم مفرد - كما تقدم - فيجوز في الثاني ثلاثة أوجه:
(أ) البناء على الفتح (لا قوةَ) فتكون الثانية عاملة عمل (إن) .
стр. 136
(ب) النصب (ولا قوةً) عطفًا على محل اسم (لا) وتكون الثانية زائدة للتوكيد، وهذا ضعيف؛ لأن فيه نصب المفرد وحقه البناء.
(ج) الرفع (ولا قوةٌ) عطفًا على محل (لا) واسمها. وتكون الثانية زائدة أو عاملة عمل (ليس) أو مبتدأ و (لا) ملغاة.
٢-ويجوز في الأول الرفع (لا حولٌ) على الابتداء أو على أن (لا) عاملة عمل ليس. فيجوز في الثاني الرفع والبناء على الفتح، ولا يجوز النصب، لأنه إنما جاز في الوجه الأول لإمكان العطف على محل اسم (لا) ، وهنا ليست بناصبة فيسقط النصب. ولهذا قال: (ورفعه فيمتنع النصب) أي: يجوز رفع الأول، وإذا رفعته امتنع نصب الثاني.
فإن لم تتكرر (لا) نحو: لا مدرسَ وطالبٌ في المعهد أو طالبًا جاز في المعطوف (طالب) النصب عطفاً على محل اسم (لا) ، وجاز الرفع عطفًا على (لا) مع اسمها كما تقدم.
أما إذا وقع بعد اسم (لا) نعت فإنه يجوز فيه ثلاثة أوجه: البناء على الفتح، أو النصب، أو الرفع، وذلك بثلاثة شروط:
١-أن يكون النعت مفرداً أي ليس مضافًا ولا شبيهًا به.
٢-أن يكون اسم (لا) مفردًا.
٣-ألا يفصل بين النعت والمنعوت بفاصل.
مثال ذلك: لا مدرسَ مهمل ناجحٌ. فيجوز في النعت (مهمل) البناء على الفتح لتركبه مع اسم (لا) ، والنصب مراعاة لمحل اسم (لا) ، والرفع لمحلها مع اسمها؛ لأنهما بمنزلة المبتدأ المرفوع. وهذا معنى قوله: (كالصفة في نحو لا رجلَ ظريفٌ) فالشروط تستفاد من المثال.
فإذا تخلف شرط امتنع البناء، وجاز النصب أو الرفع. على التوجيه السابق.
فمثال تخلف الأول: لا مدرسَ مهملُ الطلابِ ناجحٌ. لأن النعت مضاف.
ومثال تخلف الثاني: لا تاجرَ ملابسٍ خداعٌ ناجحٌ. لأن اسم (لا) ليس بمفرد بل هو مضاف.
ومثال تخلف الثالث: لا طالبَ في الفصل ظريفٌ وظريفًا؛ لأنه فصل بين النعت والمنعوت.
باب ظن وأخوتها
стр. 137
قوله: (الثَّالِثُ ظَنَّ ورَأَى وحَسِبَ ودَرَى وخَالَ وزَعَمَ ووَجَدَ وعَلِمَ القَلْبِيَّاتُ فَتَنْصِبُهُما مَفْعُولَيْن نَحْوُ: رَأَيْتُ الله أَكْبَرَ كُلّ شَيْءٍ) .
هذا هو القسم الثالث من نواسخ الابتداء وهو (ظن وأخواتها) وهي أفعال تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان. وهو المراد بقوله: (فتنصبهما) .
وأفعال هذا الباب نوعان:
١-أفعال القلوب. وهي التي ذكر المصنف ﵀ وهي التي معانيها قائمة بالقلب متصلة به كالعلم والظن والزعم ونحوها.
٢-أفعال التحويل وهي التي تدل على تحول الشيء من حالة إلى أخرى مثل: جعل، صيَّر، نحو: جعلت الذهب خاتمًا. صيرت الزجاج لامعًا. ولم يذكرها المصنف.
وأما أفعال القلوب فمنها:
١-ظن، والغالب كونها للرجحان، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح، نحو ظننت الكتاب موجودًا. فـ (ظن) فعل ماض ناسخ ينصب مفعولين، والتاء فاعل. (الكتاب) مفعول أول (موجودا) مفعول ثان.
٢-رأى، والغالب كونها لليقين - وهو الاعتقاد الجازم - فتكون بمعنى (علم) : نحو رأيت العلماء باقين ما بقي الدهر، ومنه قول الشاعر:
رأيت اللهَ أكبرَ كلِّ شيء .........محاولةً وأكثرَهم جنوداً (١)
فلفظ الجلالة منصوب على التعظيم. و (أكبر) مفعول ثانٍ.
٣-حسب وتفيد الرجحان في التغلب، فتكون بمعنى: (ظن) ، نحو حسب المهمل النجاح سهلاً.
стр. 138
٤-درى: وتفيد اليقين، فتكون بمعنى: (علم) نحو: دريتُ ثمرةَ العلِم العملَ (١) .
٥-خال: وتفيد الرجحان في الغالب فتكون بمعنى: (ظن) نحو: خِلْتُ الدراسةَ متعةً.
٦-زعم: وتفيد الرجحان في الغالب، فتكون بمعنى: (ظن) ، نحو أنت زعمت خالدًا جريئًا (٢) .
٧-وجد: وتفيد اليقين، فتكون بمعنى: (علم) ، نحو: وجدتُ الاستقامةَ طريقَ النجاةِ.
٨-علم: وتفيد اليقين بكثرة، نحو: علمت الغيبةَ محرمةً.
قوله: (وَيُلْغَيْنَ بِرُجْحَانٍ إنْ تَأَخَّرْنَ نَحْوُ: القَوْمُ في أَثَري ظَنَنْتُ، وبِمُسَاوَاةٍ إنْ تَوَسَّطْنَ نَحْوُ: وفي الأَرَاجِيزِ خِلْتُ اللُّؤْمُ والخَوَرُ) .
أفعال هذا الباب لها ثلاثة أحكام:
١-الإعمال، وهو نصب المبتدأ والخبر، وهذا هو الأصل. وهو واقع في أفعال القلوب والتحويل.
٢-الإلغاء.
٣-التعليق.
وهذان مختصان بأفعال القلوب.
والإلغاء: إبطال العمل لفظًا ومحلاً. لضعف العامل بتوسطه، أو تأخره، وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله، نحو: الصدقُ نافعٌ علمتُ، فـ (الصدق) مبتدأ و (نافع) خبر، وقول الشاعر:
стр. 139
(٢) القَوْمُ في أَثَرِي ظَنَنْتُ فَإِنَ يَكُنْ ......مَا قَدْ ظَنَنْتُ فَقَدْ ظَفِرْتُ وَخَابُوا (١)
فالقوم: مبتدأ، وفي أثري: خبر، وظن: ملغاة.
وأما المتوسط فقيل: إعماله أولى، لأنه الأصل، وقيل: إعماله وإلغاؤه سواء، كما ذكر المصنف، نحو: الصدقُ - علمت - نافعٌ، وقول الشاعر:
(١) أبِالأراجيز يابن اللُؤمِ تُوعِدُنِي ......وفي الأراجيز خِلتُ اللؤمُ والخورُ (٢)
فـ (اللؤم) مبتدأ مؤخر و (في الأراجيز) خبر مقدم. وأُلغيت (خِلتُ) لتوسطها.
стр. 140
وأما إذا تقدم الفعل - وهي الحالة الثالثة - فإنه لا يجوز الأهمال على المشهور من كلام العرب.
قوله: (وَإنْ وَلِيَهُنَّ مَا أَوْ لا أو إن النَّافَياتُ أَوْ لاَمُ الابْتِدَاءِ أَوِ الْقَسَمِ أَوْ الاسْتِفْهَامُ بَطَلَ عَمَلُهُنَّ في الَّلفْظِ وُجوباً، وسُمِّيَ ذَلِكَ تَعْلِيقاً نَحُوُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ (١)) .
هذا الحكم الثالث المتعلق بأفعال القلوب - كما تقدم - وهو التعليق: وهو إبطال العمل لفظًا لا محلاً، لمجيء ماله صدر الكلام بعد الفعل.
فمثلاً: علمت الإسبالَ محرمًا، نجد الفعل (عِلَمَ) قد نصب المفعولين لفظًا، فإذا قلنا: علمتُ للإسبالُ محرمٌ. لم نر الفعل نصب المفعولين في الظاهر، بسبب وجود مانع، وهو لام الابتداء، التي فصلت الفعل الناسخ عن مفعوليه؛ لأن لها الصدارة فلا يعمل ما قبلها فيما بعدها، لكن عمل الفعل في المحل. فـ (الإسبال) مبتدأ. (محرم) خبره، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب سدَّت مسجد مفعولي (علم) ، أي: قامت مقامها لتعذر نصبهما لفظًا.
والمعلِّق عن العمل أنواع:
١-حروف النفي (ما، لا، إن) نحو: علمت ما التحيلُ شجاعةٌ، وجدت لا الإفراطُ محمودٌ ولا التفريطُ، رأيت إنِ التَحَيُّلُ جائزٌ أي: ما التحيل جائز.
٢-لام الابتداء نحو: علمت لزوال النعمة بكفرها.
٣-لام القسم نحو: علمت ليحاسبن المرء على عمله.
٤-الاستفهام وله صورتان.
الأولى: أن تدخل همزة الاستفهام على أحد المفعولين، نحو: علمت أعليُّ مسافر أم مقيم.
стр. 141
الثانية: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام، نحو: علمت أيُّهم مواظب على الحضور، ومنه قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ (١) فاللام للتعليل، والمضارع بعدها منصوب بـ (أن) مضمرة جوازاً (أيُّ الحزبين) مبتدأ ومضاف إليه (أحصى) خبره. والجملة في محل نصب سدَّت مسد مفعولي (نعلم) (٢) .
باب الفاعل
قوله: (الفَاعِلُ مَرْفُوعٌ كَقَامَ زَيْدٌ، وَمَاتَ عَمْرٌو، وَلاَ يَتأَخَّرُ عَامِلهُ عَنْهُ) .
لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام على الجمل الاسمية، وهي المبتدأ والخبر، ونواسخ الابتداء، شرع في ذكر الجمل الفعلية، وأولها: الفاعل.
والفاعل: ما قُدِّم الفعل التام أو شبهه عليه بالأصالة، وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه.
وقولنا: (ما) أي لفظ، وهو الاسم الصريح نحو: جاء الحق، أو المؤول (٣) نحو: يسرني أن تصدق. فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل (يسر) أي: يسرني صدقُك.
وقولنا: (قدم الفعل التام عليه) شامل للفعل المتصرف كما مُثَّلَ، والجامد. نحو: نعم القائد خالد. فـ (نعم) فعل ماض جامد (٤) للمدح (القائد) فاعل (نعم) ، والجملة خبر مقدم، (خالد) مبتدأ مؤخر.
стр. 142
وخرج بالتام: الفعل الناقص ككان وأخواتها. فمرفوعها ليس فاعلاً كما تقدم (١) .
وقولنا: (أو شبهه) أي: مما يعمل عمل الفعل، كاسم الفاعل نحو: ما نادم المتأني، فـ (ما) نافية (نادم) مبتدأ (المتأني) فاعل سد مسد الخبر، مرفوع بضمة مقدرة للثقل. وقد مضى ذلك في باب المبتدأ والخبر.
وقولنا: (قُدِّم الفعل التام أو شبهه عليه بالأصالة) بفتح الهمزة يخرج نحو: (خالد) من قولك: (قائمٌ خالدٌ) لأن المسند وهو (قائم) وإن قدم لفظًا مؤخرٌ رتبة؛ لأنه خبر، فهو في نية التأخير.
وقولنا: (على جهة قيامه به) لبيان أنه ليس معنى كون الاسم فاعلاً أن مسماه أحدث شيئاً، بل كونه مسندًا إليه على جهة قيامه به نحو: مات عمرو. فإن عمرًا لم يحدث الموت وإنما قام به.
وقولنا: (أو وقوعه منه) ، هذا هو الأكثر أن الفاعل يقع منه الفعل نحو: جاء الضيف، وخرج بذلك نائب الفاعل نحو: أُكرِم الضيف، فإن الإسناد على جهة وقوعه عليه لا وقوعه منه.
وقول المصنف: (الفاعل مرفوع) إشارة إلى الحكم الأول من أحكام الفاعل. وذلك أن للفاعل خمسة أحكام:
الأول: الرفع. وقد يُجَرُّ لفظًا ويكون في محل رفع، وذلك في موضعين: -
الأول: إذا أُضيف المصدر إلى فاعله نحو: سرني احترامُ خالدٍ أباه. فـ (احترام) فاعل (سرَّ) مرفوع بالضمة. وهو مضاف و (خالد) مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله. و (أباه) مفعول به للمصدر، لأن المصدر يعمل عمل فعله كما سيأتي إن شاء الله في أواخر الكتاب.
стр. 143
الموضع الثاني: أن يجرَّ بحرف جر زائد (١) نحو: ما جاء من أحدٍ، فـ (من) حرف جر زائد (أحد) فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (٢) فـ (كفى) فعل ماض مبني على فتح مقدر، ومعناه: وفَّى وأغنى، أي: (حصل به الاستغناء) (بالله) الباء حرف جر زائد إعرابًا مؤكد معنى، ولفظ الجلالة فاعل في محل رفع (حسيبًا) تمييز.
الحكم الثاني: أن عامله لا يتأخر عنه بل يتقدم عليه. فتقول: حضر الغائب، ولا يجوز: الغائب حضر. على أنه فاعل. بل على أنه مبتدأ. وفاعل (حضر) ضمير مستتر جوازًا تقديره هو يعود على (الغائب) .
قوله: (وَلاَ تَلْحَقُهُ عَلاَمَةُ تَثْنِيَةٍ ولاَ جَمْع بَلْ يُقَالُ: قَامَ رَجُلاَنِ وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ، كما يُقَالُ: قَام رَجُلٌ. وَشَذَّ: " يَتَعَاقَبُونْ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ"، "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ") .
هذا الحكم الثالث: من أحكام الفاعل. وهو أن فعله يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوحد مع إفراده. ومعنى توحيده: أنه لا تلحقه علامة تثنية ولا جمع. بل يقال: قام رجلان. وقام رجال، وقامت نساء، كما يقال: قام رجل.
стр. 144
ومن العرب من يلحق الفعل علامة التثنية والجمع. فيقوله: قاما رجلان، وقاموا رجال، وقمن نساء، وعلى ذلك ظاهر قوله ﷺ : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". (١) فـ (يتعاقبون) فعل مضارع مرفوع بالنون، والواو حرف دال على الجمع. (ملائكة) فاعل.
وقوله ﷺ لورقة بن نوفل: " أوَ مخرجيَّ هُمْ" حين قال له ورقة: يا ليتني أكون حيًا إذا يخرجك قومك (٢) . وهو بفتح الواو لأنها للعطف. والأصل: مخرجون، ثم حذفت النون للإضافة لياء المتكلم فصار: أوَ مخرجوى هم. فاجتمعت الواو والياء، في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ثم كسر ما قبل الياء للمناسبة، فـ (مخرجيَّ) اسم فاعل مضاف لياء المتكلم، مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم و (هم) فاعل سد مسد الخبر. أو (مخرجي) خبر مقدم و (هم) مبتدأ مؤخر. وهذا هو الأرجح (٣) .
стр. 145
وقوله: (وَتَلْحَقُهُ عَلاَمَةُ تأْنِيثٍ إِنْ كَانَ مُؤَنثًا كَـ (قَامَتْ هِنْدٌ، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ) ، وَيَجُوزُ الوَجْهَانِ في مَجَازِيِّ التَّأْنِيثِ الظَاهِرِ نَحْوُ: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، وَفِي الحَقِيقِيِّ المُنْفَصِلِ نَحْوُ: حَضَرَتِ القَاضِيَ امْرَأةٌ، وَالمُتَّصِلِ في بَابِ نِعْمَ وَبِئْسَ نَحْوُ: نِعْمَتِ المَرْأَةُ هِنْدٌ، وفي الجَمْعِ نَحْوُ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٢) إلا جَمْعَي التَّصْحِيحِ فَكَمُفْرَدَيْهِمَا نَحْوُ: قَامَ الزَّيْدُونَ، وَقَامَتِ الهِنْدَاتُ، وإِنَّمَا امَتَنَعَ في النَّثْر مَا قَامَتْ إِلاَّ هِنْدٌ لأنَّ الفَاعِلَ مُذَكَّرٌ مَحْذوفٌ ... ) .
هذا الحكم الرابع: من أحكام الفاعل، وهو أنه إن كان مؤنثاً لحقت فعله علامة التأنيث. وهي تاء ساكنة في آخر الماضي، نحو: قامت هند، طلعت الشمس، وتاء متحركة في أول المضارع، نحو: تقوم هند، تطلع الشمس. وتاء التأنيث مع الفعل لها حالتان: -
١-حالة وجوب.
٢-حالة جواز.
فالواجب في موضعين:
١-أن يكون الفاعل اسمًا ظاهرًا حقيقي التأنيث (٣) ليس مفصولاً عن فعله ولا واقعًا بعد (نعم أو بئس) نحو: عادت زينب.
٢-أن يكون الفاعل ضميراً مستترًا يعود على مؤنث حقيقي التأنيث نحو: نجلاءُ وصلت رحمها. ففاعل (وصلت) ضمير مستتر جوازًا تقديره: (هي) ، أو يعود على مؤنث مجازي التأنيث نحو: الحديقة أزهرت. فالفاعل ضمير مستتر تقديره: (هي) .
وأما التأنيث الجائز ففي أربع مسائل: