الثانية: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام، نحو: علمت أيُّهم مواظب على الحضور، ومنه قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ (١) فاللام للتعليل، والمضارع بعدها منصوب بـ (أن) مضمرة جوازاً (أيُّ الحزبين) مبتدأ ومضاف إليه (أحصى) خبره. والجملة في محل نصب سدَّت مسد مفعولي (نعلم) (٢) .
باب الفاعل
قوله: (الفَاعِلُ مَرْفُوعٌ كَقَامَ زَيْدٌ، وَمَاتَ عَمْرٌو، وَلاَ يَتأَخَّرُ عَامِلهُ عَنْهُ) .
لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام على الجمل الاسمية، وهي المبتدأ والخبر، ونواسخ الابتداء، شرع في ذكر الجمل الفعلية، وأولها: الفاعل.
والفاعل: ما قُدِّم الفعل التام أو شبهه عليه بالأصالة، وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه.
وقولنا: (ما) أي لفظ، وهو الاسم الصريح نحو: جاء الحق، أو المؤول (٣) نحو: يسرني أن تصدق. فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل (يسر) أي: يسرني صدقُك.
وقولنا: (قدم الفعل التام عليه) شامل للفعل المتصرف كما مُثَّلَ، والجامد. نحو: نعم القائد خالد. فـ (نعم) فعل ماض جامد (٤) للمدح (القائد) فاعل (نعم) ، والجملة خبر مقدم، (خالد) مبتدأ مؤخر.
стр. 142
وخرج بالتام: الفعل الناقص ككان وأخواتها. فمرفوعها ليس فاعلاً كما تقدم (١) .
وقولنا: (أو شبهه) أي: مما يعمل عمل الفعل، كاسم الفاعل نحو: ما نادم المتأني، فـ (ما) نافية (نادم) مبتدأ (المتأني) فاعل سد مسد الخبر، مرفوع بضمة مقدرة للثقل. وقد مضى ذلك في باب المبتدأ والخبر.
وقولنا: (قُدِّم الفعل التام أو شبهه عليه بالأصالة) بفتح الهمزة يخرج نحو: (خالد) من قولك: (قائمٌ خالدٌ) لأن المسند وهو (قائم) وإن قدم لفظًا مؤخرٌ رتبة؛ لأنه خبر، فهو في نية التأخير.
وقولنا: (على جهة قيامه به) لبيان أنه ليس معنى كون الاسم فاعلاً أن مسماه أحدث شيئاً، بل كونه مسندًا إليه على جهة قيامه به نحو: مات عمرو. فإن عمرًا لم يحدث الموت وإنما قام به.
وقولنا: (أو وقوعه منه) ، هذا هو الأكثر أن الفاعل يقع منه الفعل نحو: جاء الضيف، وخرج بذلك نائب الفاعل نحو: أُكرِم الضيف، فإن الإسناد على جهة وقوعه عليه لا وقوعه منه.
وقول المصنف: (الفاعل مرفوع) إشارة إلى الحكم الأول من أحكام الفاعل. وذلك أن للفاعل خمسة أحكام:
الأول: الرفع. وقد يُجَرُّ لفظًا ويكون في محل رفع، وذلك في موضعين: -
الأول: إذا أُضيف المصدر إلى فاعله نحو: سرني احترامُ خالدٍ أباه. فـ (احترام) فاعل (سرَّ) مرفوع بالضمة. وهو مضاف و (خالد) مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله. و (أباه) مفعول به للمصدر، لأن المصدر يعمل عمل فعله كما سيأتي إن شاء الله في أواخر الكتاب.
стр. 143
الموضع الثاني: أن يجرَّ بحرف جر زائد (١) نحو: ما جاء من أحدٍ، فـ (من) حرف جر زائد (أحد) فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (٢) فـ (كفى) فعل ماض مبني على فتح مقدر، ومعناه: وفَّى وأغنى، أي: (حصل به الاستغناء) (بالله) الباء حرف جر زائد إعرابًا مؤكد معنى، ولفظ الجلالة فاعل في محل رفع (حسيبًا) تمييز.
الحكم الثاني: أن عامله لا يتأخر عنه بل يتقدم عليه. فتقول: حضر الغائب، ولا يجوز: الغائب حضر. على أنه فاعل. بل على أنه مبتدأ. وفاعل (حضر) ضمير مستتر جوازًا تقديره هو يعود على (الغائب) .
قوله: (وَلاَ تَلْحَقُهُ عَلاَمَةُ تَثْنِيَةٍ ولاَ جَمْع بَلْ يُقَالُ: قَامَ رَجُلاَنِ وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ، كما يُقَالُ: قَام رَجُلٌ. وَشَذَّ: " يَتَعَاقَبُونْ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ"، "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ") .
هذا الحكم الثالث: من أحكام الفاعل. وهو أن فعله يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوحد مع إفراده. ومعنى توحيده: أنه لا تلحقه علامة تثنية ولا جمع. بل يقال: قام رجلان. وقام رجال، وقامت نساء، كما يقال: قام رجل.
стр. 144
ومن العرب من يلحق الفعل علامة التثنية والجمع. فيقوله: قاما رجلان، وقاموا رجال، وقمن نساء، وعلى ذلك ظاهر قوله ﷺ : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". (١) فـ (يتعاقبون) فعل مضارع مرفوع بالنون، والواو حرف دال على الجمع. (ملائكة) فاعل.
وقوله ﷺ لورقة بن نوفل: " أوَ مخرجيَّ هُمْ" حين قال له ورقة: يا ليتني أكون حيًا إذا يخرجك قومك (٢) . وهو بفتح الواو لأنها للعطف. والأصل: مخرجون، ثم حذفت النون للإضافة لياء المتكلم فصار: أوَ مخرجوى هم. فاجتمعت الواو والياء، في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ثم كسر ما قبل الياء للمناسبة، فـ (مخرجيَّ) اسم فاعل مضاف لياء المتكلم، مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم و (هم) فاعل سد مسد الخبر. أو (مخرجي) خبر مقدم و (هم) مبتدأ مؤخر. وهذا هو الأرجح (٣) .
стр. 145
وقوله: (وَتَلْحَقُهُ عَلاَمَةُ تأْنِيثٍ إِنْ كَانَ مُؤَنثًا كَـ (قَامَتْ هِنْدٌ، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ) ، وَيَجُوزُ الوَجْهَانِ في مَجَازِيِّ التَّأْنِيثِ الظَاهِرِ نَحْوُ: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، وَفِي الحَقِيقِيِّ المُنْفَصِلِ نَحْوُ: حَضَرَتِ القَاضِيَ امْرَأةٌ، وَالمُتَّصِلِ في بَابِ نِعْمَ وَبِئْسَ نَحْوُ: نِعْمَتِ المَرْأَةُ هِنْدٌ، وفي الجَمْعِ نَحْوُ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٢) إلا جَمْعَي التَّصْحِيحِ فَكَمُفْرَدَيْهِمَا نَحْوُ: قَامَ الزَّيْدُونَ، وَقَامَتِ الهِنْدَاتُ، وإِنَّمَا امَتَنَعَ في النَّثْر مَا قَامَتْ إِلاَّ هِنْدٌ لأنَّ الفَاعِلَ مُذَكَّرٌ مَحْذوفٌ ... ) .
هذا الحكم الرابع: من أحكام الفاعل، وهو أنه إن كان مؤنثاً لحقت فعله علامة التأنيث. وهي تاء ساكنة في آخر الماضي، نحو: قامت هند، طلعت الشمس، وتاء متحركة في أول المضارع، نحو: تقوم هند، تطلع الشمس. وتاء التأنيث مع الفعل لها حالتان: -
١-حالة وجوب.
٢-حالة جواز.
فالواجب في موضعين:
١-أن يكون الفاعل اسمًا ظاهرًا حقيقي التأنيث (٣) ليس مفصولاً عن فعله ولا واقعًا بعد (نعم أو بئس) نحو: عادت زينب.
٢-أن يكون الفاعل ضميراً مستترًا يعود على مؤنث حقيقي التأنيث نحو: نجلاءُ وصلت رحمها. ففاعل (وصلت) ضمير مستتر جوازًا تقديره: (هي) ، أو يعود على مؤنث مجازي التأنيث نحو: الحديقة أزهرت. فالفاعل ضمير مستتر تقديره: (هي) .
وأما التأنيث الجائز ففي أربع مسائل:
стр. 146
١-أن يكون المؤنث اسمًا ظاهرًا مجازي التأنيث، نحو: أخصبت الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، بتأنيث الفعل مع الفاعل المجازي (موعظة) ، وجاء التذكير في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢) .
٢-أن يكون الفاعل اسمًا ظاهرًا حقيقي التأنيث، وهو منفصل عن العامل بغير (إلا) نحو: حضرت القاضيَ امرأةٌ، وحضر القاضيَ امرأةٌ.
فإن كان الفاصل (إلا) وجب ترك التاء في النثر، نحو ما قام إلا هند. لأن ما بعد (إلا) ليس هو الفاعل في الحقيقة، وإنما هو بدل من فاعل مقدر قبل (إلا) ، وهو مذكر، والتقدير: ما قام أحد إلا هند.
٣-أن يكون العامل نعم أو بئس نحو: نِعْمَتِ المرأةُ فاطمةُ، ونعم المرأة فاطمة، وإنما جاز الوجهان، لأن الفاعل مراد به الجنس (٣) فأشبه جمع التكسير - الذي يجوز فيه الوجهان - في أن المقصود به متعدد.
٤-أن يكون الفاعل جمعًا لمذكر أو مؤنث، فالمذكر نحو: بدأ العمال. وبدأت العمال، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٤) والمؤنث نحو: عَرَفَتِ الفواطمُ قيمة الحجاب. أو عرف، فحَذْفُ التاءِ على تأويله بالجمع، فيكون مذكر المعنى. فكأن العامل مسند إلى هذا المذكر، وإثبات التاء على تأويله بالجماعة، فيكون مؤنث المعنى، فكأن العامل مسند إليه.
стр. 147
ويستثنى من ذلك جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم، فإنه يحكم لهما بحكم مفرديهما، فتقول: حضر المدرسون؛ بترك التاء لا غير، كما تفعل في: حضر المدرس. وتقول: حضرت المعلمات؛ بالتاء لا غير، كما تفعل في: حضرت المعلمة.
قوله: (وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي النَّثْر مَا قَامَتْ إلاَّ هِنْد؛ لأَنَّ الْفَاعِلَ مُذَكَّرٌ محْذُوفٌ كَحَذْفِهِ في نحَو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) ﴾ (١)) و ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (٢) و ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٣) ، وَيَمْتَنِعُ فِي غَيْرِهِنَّ) .
ذكر المصنف ﵀ أربعة مواضع يحذف فيها الفاعل:
الأول: إذا وقع قبل (إلا) كما في المثال السابق: ما قام إلا هند.
الثاني: فاعل المصدر كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٤) فـ (إطعام) مصدر. وفاعله محذوف، التقدير - والله أعلم - أو إطعامه يتيمًا، بالإضافة إلى الفاعل، و (إطعام) معطوف على قوله سبحانه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) ﴾ (٥) ، و (يتيماً) مفعول به للمصدر، و (ذي) صفة له، والمسغبة: المجاعة وشدة المؤونة.
الثالث: في باب النيابة عن الفعال كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (٦) وتقديره - والله أعلم - وقَضَى الله الأمرَ.
стр. 148
الرابع: فاعل (أفْعِلْ) في التعجب، عند وجود ما يدل عليه كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (١) التقدير - والله أعلم - وأبصر بهم، فحذف (بهم) من الثاني؛ لدلالة الأول عليه. فـ (أسمع) فعل ماض جاء على صيغة الأمر. (بهم) الباء: حرف جر زائد إعرابًا مؤكد معنى (هم) فاعل مبني على السكون، وهو مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة البناء الأصلي في محل رفع فاعل.
وقول المصنف ﵀: (ويمتنع في غيرهن) أي: لأن الفاعل عمدة، وكالجزء من الكلمة، وهذا فيه نظر، فإن هناك مواضع أخرى حُذِفَ فيها الفاعل (٢) ، منها: أن يكون الفاعل واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، وفعله مؤكد بالنون نحو: هل تقومُنَّ بواجبكم، وهل تقومِنَّ بواجبكِ، فإن الفاعل محذوف، وهو الواو والياء، وقد مضى توضيحه في موضعه.
قوله: (وَالأَصْلُ أَنْ يَلِيَ عَامِلَهُ، وَقَدْ يَتَأَخَّر جَوَازًا نَحْوَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) ﴾ (٣) وَكَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسى عَلَى قَدَرٍ. وَوُجُوبًا نَحْوُ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ (٤) وَضَرَبَنِي زَيْدُ) .
هذا الحكم الخامس من أحكام الفاعل وهو أن الأصل في الفاعل أن يقع بعد عامله. والأصل في المفعول أن يأتي بعدهما، نحو: حَرَّمَ الإسلام الغشَّ.
وقد يتأخر الفاعل عن المفعول وهو نوعان:
١- تأخر جائز، وهو ما خلا من موجب التقديم أو التأخير، نحو: أخذ عاصمٌ جائزة، فتقول: أخذ جائزةً عاصمٌ. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) ﴾ (٥) فـ (آل) مفعول به مقدم، وهو مضاف و (فرعون) مضاف إليه، و (النذر) فاعل (جاء) مؤخر، ومنه قول الشاعر:
стр. 149
جاء الخلافة أو كانت له قدرًا ...كما أتى ربَّهُ موسى على قدر (١)
فقدم الشاعر المفعول به، وهو لفظ (ربَّه) على الفاعل (موسى) مع كون المفعول به مضافاً إلى ضمير يعود على الفاعل المتأخر. وإنما جاز عود الضمير على متأخر، لأنه متأخر لفظا متقدم رتبةً، لأن رتبة الفاعل قبل المفعول.
٢- تأخر واجب. وذلك في ثلاث مسائل ذكر منها ابن هشام مسألتين:
(١) الأولى: أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول نحو: قرأ الكتابَ صاحبهُ، فـ (الكتاب) مفعول به مقدم، و (صاحبه) فاعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ (٢) فـ (إبراهيم) مفعول به مقدم (ربه) فاعل. وإنما وجب تقديم المفعول على الفاعل، لأنه لو أخر المفعول وقدم الفاعل لعاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وذلك لا يجوز إلا في الضرورة ومواضع مخصوصة (٣)
стр. 150
الثانية: أن يكون المفعول ضميرًا متصلاً بالفعل نحو: أكرمني صالح، فـ (الياء) مفعول به مقدم و (صالح) فاعل مؤخر. ولو قدم الفاعل فقيل: أكرم صالح إياي، لا نفصل الضمير مع إمكان اتصاله، وهذا لا يجوز إلا فيما اُستثني، كما تقدم في الضمير.
الثالثة: أن يحصر الفاعل بـ (إنما) نحو: إنما ينفع المرءَ العملُ الصالُح، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) ، فـ (العلماء) فاعل (يخشى) ، أو يحصر بـ (إلا) على الأصح نحو: لا ينفع المرءَ إلا العملُ الصالح، وهذه المسألة لم يذكرها المصنف.
قوله: (وَقَدْ يَجِبُ تَأْخِيرُ المَفْعُولِ كَضَرَبْتُ زَيْداً، وَمَا أَحْسَنَ زَيْدًا، وَضَرَبَ مُوسى عِيسى، بخِلافِ: أَرْضَعَتِ الصُغْرَى الكُبْرَى) .
ذُكر فيما مضى أن الأصل تقدم الفاعل وتأخر المفعول. وقد يكون ذلك واجبًا، وذلك في ثلاث مسائل، ذكر منها ابن هشام مسألتين:
الأولى: إذا كان الفاعل ضميرًا متصلاً والمفعول به اسمًا ظاهرًا نحو: أتقنت العمل؛ فلا يجوز تقديم المفعول على الفاعل بأن تقول: أتقن العمل أنا، لئلا ينفصل الضمير مع إمكان اتصاله، وهذا لا يجوز إلا فيما اُستثنى كما في باب الضمير.
الثانية: إذا خيف التباس أحدهما بالآخر، وذلك إذا خفى الإعراب فيهما. ولم توجد قرينة تبين الفاعل من المفعول، نحو: أكرم موسى عيسى. فيجب كون (موسى) فاعلاً و (عيسى) مفعولاً.
فإن وجد قرينة لفظية أو معنوية تبين الفاعل من المفعول لم يجب تقديم الفاعل وتأخير المفعول. فاللفظية نحو: وعظت عيسى ليلى، فـ (ليلى) فاعل، بدليل تأنيث الفعل. والمعنوية نحو: أرضعت الصغرى الكبرى، فـ (الكبرى) فاعل مؤخر عن المفعول.
стр. 151
الثالثة: أن يكون المفعول محصورًا بـ (إنما) نحو: إنما يقول المسلمُ الصدقَ، أو بـ (إلا) على الأصح، نحو: ما يقول المسلمُ إلا الصدقَ. فـ (الصدق) مفعول به - في المثالين - ويجب تأخيره عن الفاعل، وهذه المسألة لم يذكرها المصنف.
قوله: (وَقَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى العَامِلِ جَوَازًا نَحْوُ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا﴾ (١) وَوُجُوبًا نَحْوُ: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ (٢)) .
لما ذكر المصنف ﵀ تقدم المفعول على الفاعل وتأخره عنه، ذكر تقدم المفعول على العامل. وأنه نوعان: -
١-تقدم جائز، وهو: ما خلا من موجب التقديم أو التأخير، نحو: كتب الطالب الواجب؛ فيجوز تقدم المفعول على الفعل، فيقال: الواجبَ كتب الطالبُ. ومنه قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٣) فـ (فريقًا) مفعول به منصوب قدم على عامله، وهذا التقديم جائز لا واجب. و (هَدَى) فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره (هو) أي: الله، (وفريقًا) مفعول به لفعل محذوف، أي: وأضل فريقًا.
٢- تقدم واجب: وذلك إذا كان المفعول من الألفاظ التي لها الصدارة كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام، نحو: أيَّ طالب تكرمْ أكرمْ. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ (٤) فـ (أيَّ) مفعول مقدم للفعل (تنكرون) ، وقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٥) فـ (أيًا) مفعول مقدم للفعل (تدعوا) و (ما) حرف زائد إعراباً مؤكد معنى، و (تدعوا) مجزوم بـ (أيًا) وعلامة جزمه النون، والواو فاعل، وتقدم ذكر الآية في أدوات الشرط.
стр. 152
قوله: (وَإذَا كَانَ الفِعْلُ نِعْمَ أَوْ بِئْسَ فَالْفَاعِلُ إِمَّا مُعَرَّفٌ بِـ (ال) الجِنْسِيَّةِ نَحْوُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (١) أَوْ مضَافٌ لِمَا هِيَ فِيهِ نَحْوُ: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) أَوْ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ مُفَسَّرٌ بِتَمْييزٍ مُطابِقٍ لِلْمَخْصُوصِ نَحْوُ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٣)) .
أي إذا كان الفعل العامل في الفاعل: نعم أو بئس. فالفاعل ثلاثة أنواع:
الأول: أن يكون مقترنًا بـ (ال) الجنسية (٤) نحو: نعم الخلقُ الوفاءُ بالوعد، وبئس الخلقُ خلفُ الوعد. فـ (نعم) فعل ماض (٥) جامد لإنشاء المدح و (الخلق) فاعل (الوفاء بالوعد) مبتدأ مؤخر، وما قبله خبر متقدم، ومنه قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (٦) ، فـ (العبد) فاعل (نعم) مرفوع بالضمة.
الثاني: أن يكون الفاعل مضافاً لما اقترن بـ (ال) نحو: نعم قائدُ الإسلام صلاحُ الدين، وبئس زعيمُ القوم أبو جهل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧) فـ (اللام) واقعة في جواب قسم مقدر، و (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح (دار) فاعل (المتقين) مضاف إليه والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
стр. 153
الثالث: أن يكون الفاعل ضميراً مستترًا وجوباً يعود على تمييز بعده يفسَّر ما فيه من الغموض والإبهام، نحو نعم صديقًا الكتاب، بئس خلقًا الكذب، ففي كل من (نعم) و (بئس) ضمير مستتر وجوبًا هو الفاعل، تقديره: (هو) مراداً منه الممدوح أو المذموم. ويعود على التمييز (صديقًا) و (خلقًا) أي: نعم الصديق صديقًا الكتاب. وبئس الخلق خلقًا الكذب. ومنه قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (١) . ففاعل (بئس) ضمير مستتر وجوبًا تقديره: (هو) أي: البدل، و (بدلاً) تمييز منصوب.
وقول المصنف: (بتمييز مطابق للمخصوص) فيه مسألتان:
الأولى: أن (نعم وبئس) بحاجة - في الغالب - إلى اسم مرفوع بعدهما، هو المقصود بالمدح أو الذم، ويسمى: المخصوص بالمدح أو الذم، وعلامته: أن يصلح وقوعه مبتدأ، والجملة قبله خبر، مع استقامة المعنى. نحو: نعم الخليفة أبو بكر ﵁، بئس جليس السوء النمامُ. فـ (أبو بكر) مخصوص بالمدح. و (النمام) مخصوص بالذم، وكلاهما يصلح أن يكون مبتدأ، فيقال: أبو بكر نعم الخليفة، والنمامُ بئس جليس السوء، والرابط بينهما العموم الذي في (ال) كما تقدم في الابتداء، والمشهور في إعرابه أن يكون مبتدأ مؤخرًا والجملة قبله خبر عنه، ويصح إعرابه خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبًا. (٢)
стр. 154
المسألة الثانية: إذا كان الفاعل ضميرًا مستترًا مفسرًا بتمييز كما مضى، فلابد من مطابقة التمييز للمخصوص بالمدح أو الذم، فيتطابقان تذكيرًا وتأنيثًا وإفرادًا فتقول: نعم رجلاً محمد، ونعم رجلين المحمدان، ونعم رجالاً المحمدون. نعم أو نِعْمت فتاةً المتحجبة، أو فتاتين المتحجبتان، أو فتياتٍ المتحجبات.
نائب الفاعل
قوله: (يُحْذََفُ الْفَاعِلُ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا مَفْعُولٌ بِهِ، فإنِْ لَمْ يُوجَدْ فَمَا اخْتَصَّ وتَصَرَّفَ مِنْ ظَرْف أَوْ مَجْرُورٍ، أَوْ مَصْدَرٍ) .
نائب الفاعل (١) : هو ما حذف فاعله وأُقيم مُقامه.
وقولنا: (ما) أي: اسم صريح نحو: نُقل الخبر، أو مؤول، نحو: يُخَاف أن تزيد الأسعار. فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل، أي: يُخَافُ زيادةُ الأسعار.
وقولنا: حذف فاعله، أي لغرض لفظي أو معنوي، فاللفظي: كالمحافظة على السجع نحو: من طابت سريرتُه حُمدت سيرتُه، والمعنوي: كالعلم به، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . (٢) أو الجهل به نحو: سُرِقَ القلم؛ إلى غير ذلك من الأغراض التي هي من مباحث البلاغين في علم المعاني.
وقولنا: (وأقيم مُقامه) أي أقيم النائب من مفعول به وغيره مُقام الفاعل. فيأخذ أحكامه كلها من إسناد العامل إليه. ووجوب تأخره عنه. واستحقاقه للاتصال به، وامتناع حذفه، وتأنيث الفعل له، إن كان مؤنثاً، وغير ذلك، فتقول في: أَكْرَمَ خالدٌ الغريبَ. أُكْرِمَ الغريبُ وفي: أَكرم خالدٌ فاطمةَ، أُكْرِمَت فاطمةُ.
فإذا أريد حذف الفاعل لغرض من الأغراض ترتب على حذفه أمران:
стр. 155
١-تغيير صيغة الفعل، وهو تحويله من الفعل المبني للمعلوم إلى مبني للمجهول، إيذاناً بالنيابة، وهذا سيأتي بيانه إن شاء الله.
٢-إقامة نائب عنه يَحُلُّ محله. وهو أربعة أشياء:
الأول: المفعول به، وهو الأصل في النيابة عن الفاعل، ولهذا لا ينوب عنه غيره مع وجوده، كما يفهم من قول ابن هشام: (فإن لم يوجد) ، وتقدم له أمثلة.
فإن كان الفعل يتعدى لمفعولين أنيب الأول مُناب الفاعل وبقي الثاني منصوباً، نحو: أَعطيتُ الفقير ثوباً، فتقول: أُعطي الفقيرُ ثوباً. فـ (أُعطي) فعل ماض مبني للمجهول (الفقير) نائب فاعل مرفوع (ثوباً) مفعول ثانٍ منصوب.
الثاني: الظرف بنوعيه - الزماني والمكاني - ويشترط لنيابته عن الفاعل شرطان:
١-أن يكون متصرفًا. والمراد به ما يخرج من النصب على الظرفية، ومن الجر بـ (من) إلى التأثر بالعوامل المختلفة، كـ (زمن ووقت وساعة ويوم وقدام وخلف) ونحوها، بخلاف (سحر) - إذا أريد به سَحَرُ يوم بعينه - فلا يصلح أن يكون نائب فاعل؛ لأنه ملازم للنصب على الظرفية. وبخلاف: (عندَ) فإنه ملازم للنصب أو الجر بـ (من) .
٢-أن يكون الظرف مختصاً. والمراد بالاختصاص - هنا - أن يزاد على معنى الظرفية معنى جديداً، ليزول الغموض والإبهام من معناه. وذلك إما بوصف أو إضافة أو علمية ونحوها. مثل: صِيْمَ يومُ الخميس، فـ (يوم) نائب فاعل مرفوع (١) . وقد حصل الاختصاص بإضافته إلى كلمة (الخميس) ، ونحو: جُلس وقتٌ طويلٌ. فـ (وقت) نائب فاعل مرفوع، تخصص بالوصف، ونحو: صيم رمضانُ، فـ (رمضان) نائب فاعل مرفوع، وقد تخصص بالعلمية، ونحو: جُلِسَ قدامُ الطلاب. فتخصص الظرف المكاني بالإضافة، بخلاف: جُلس وقت: فلا يصح، لعدم الفائدة.
الثالث: مما ينوب عن الفاعل: المصدر، ويشترط لنيابته شرطان كالظرف:
стр. 156
١-أن يكون متصرفاً، والمراد به ما يخرج من النصب على المصدرية إلى التأثر بالعوامل المختلفة، نحو: أَكْلٌ، كتابة، فَهْمٌ، جلوس وغيرها، بخلاف (مَعَاذَ اللهِ) فهو مصدر ميمي منصوب بفعل محذوف، أي: أعوذ بالله معاذًا، ولم يشتهر استعماله عن العرب ِإلا منصوبًا مضافًا، فلا يقع نائب فاعل، لئلا يُخْرَجَ عما استقر له في لسان العرب.
٢-أن يكون مختصًا، والمراد بالاختصاص هنا: أن يكتسب المصدر من لفظ آخر معنى زائدًا على معناه المبهم المقصور على الحدث المجرد نحو: قُرئ قراءةٌ مجودةٌ، جُلس جلوسُ الخائف، بخلاف: قُرئ قراءة. لعدم الفائدة؛ لأن المصدر لم يفد معنى زائدًا على ما فهم من الفعل.
الرابع: مما ينوب عن الفاعل: الجار والمجرور، وله شرطان:
١-أن يكون حرف الجر متصرفًا، والمراد به: ألا يلزم طريقة واحدة لا يخرج عنها إلى غيرها، مثل: في، عن، الباء ونحوها، بخلاف (مذ) و (منذ) الملازمين لجر الزمان، و (رُبَّ) الملازمة للنكرات.
٢-أن يكون المجرور مختصًّا، والمراد بالاختصاص: أن يكتسب الجار مع مجروره معنى زائدًا إما بوصف أو إضافة أو غيرهما نحو: جُلس في حديقة واسعة، فُرح بانتصار المسلمين. ونائب الفاعل هو الجار والمجرور فيكون في محل رفع. (١)
قوله: (وَيُضَمُّ أَوَّلُ الْفِعْلِ مُطْلَقاً، ويُشَاركُهُ ثَانِي نَحْو تُعُلَّمَ وثَالِثُ نحْوِ انْطُلِقَ، ويُفْتَحُ مَا قَبِلَ الآخرِ فِي الْمُضَارع، ويُكْسَرُ فِي الْمَاضِي ولَكَ فِي نَحْوِ قَالَ وبَاعَ الْكَسْرُ مُخْلَصاً ومُشَمًّا ضَماً والضَّمُّ مُخْلَصاً) .
стр. 157
تقدم أن شرط النيابة عن الفاعل: تغيير صورة الفعل إيذانًا بهذه النيابة، وتفصيل ذلك كما يلي:
١-إذا كان الفعل ماضيًا صحيح العين خاليًا من التضعيف وجب ضم أوله وكسر ما قبل آخره، نحو: فَتَحَ العملُ بابَ الرزق فيقال: فُتح بابُ الرزق. فـ (فتح) فعل ماض مبني للمجهول (باب) نائب فاعل مرفوع و (الرزق) مضاف إليه.
٢-إذا كان الفعل مضارعًا وجب ضم أوله وفتح ما قبل آخره، نحو: يحترم الناسُ العالِمَ، فيقال: يُحتَرَمُ العالمُ، فـ (يحترم) فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة (العالم) نائب فاعل مرفوع.
وهذا معنى قوله: (يُضم أول الفعل مطلقًا) أي: ماضيًا كان أو مضارعًا، ثلاثيًا كان أو رباعيًا، مجردًا أو مزيدًا. كما سيأتي.
٣-إذا كان الفعل مبدوءاً بتاء زائدة وجب ضم الحرف الثاني مع الأول نحو: تعَلَّم خليلٌ النحوَ، فيقال: تُعُلِّم النحوُ.
٤-إذا كان الماضي مبدوءًا بهمزة وصل وجب ضم ثالثه مع أوله نحو: انطلق خالدٌ يومَ الخميس، فيقال: اُنطُلق يومُ الخميسِ.
(١) إذا كان الماضي ثلاثيًا مُعَلَّ العين (١) جاز في فائه عند بنائه للمجهول ثلاثة أوجه، سواء كان واويًّا أو يائيًّا، وهي:
стр. 158
الأول: إخلاص الكسر، فينقلب حرف العلة ياء، وهذا هو الأفصح، نحو: صام المسلمون رمضانَ، باع التاجر بضاعَتَهُ. فيقال: صِيمَ رمضانُ، وبيعت البضاعةُ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (١) فـ (سيق) فعل ماض مبني للمجهول و (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، وجملة (اتقوا ربهم) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و (زمراً) حال.
الثاني: إخلاص الضم، فينقلب حرف العلة واواً، وهذا أضعف الأوجه، فيقال: صُوم وبُوع.
الثالث: الإشمام وهو في النطق لا في الكتابة، وهو عند النحاة: النطق بحركة صوتية تجمع بين ضمة قصيرة وكسرة طويلة على التوالي السريع.
باب الاشتغال
قوله: (يَجُوزُ فِي نَحْو زَيْداً ضَرَبْتُهُ، أَوْ ضَرَبْتُ أَخَاهُ، أَوْ مَرَرْتُ بِهِ، رَفْعُ زَيْدِ بِالابْتِدَاءِ فَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ ونَصْبُهُ بِإضْمَارِ ضَرَبْتُ وَأَهَنْتُ وجَاوَزْتُ وَاجِبَةَ الْحَذْفِ، فَلاَ مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهُ) .
الاشتغال: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه عامل مشغول عن نصبه بالعمل في ضميره أو مضافٍ لضميره.
مثال المشتغل بالضمير: الضعيفَ ساعدتُه، محمدًا مررتُ به.
ومثال المشتغل بمضاف للضمير: خالدًا ضربتُ ابنه.
في هذه الأمثلة تقدم اسم، وتأخر عنه فعل اشتغل عن نصبه بنصب الضمير العائد عليه، لفظاً كما في المثال الأول. أو محلاً كما في المثال الثاني، أو بنصب اسم متصل بالضمير العائد عليه كما في المثال الثالث، ولو لم يشتغل الفعل بنصب الضمير أو ما اتصل بالضمير لتسلط على الاسم السابق فنصبه.
وأركان الاشتغال ثلاثة: مشغول عنه، وهو الاسم المتقدم، ومشغول وهو العامل، ومشغول به وهو ضمير الاسم السابق أو ما اتصل بضميره.
وإذا وجد المثال على الهيئة المذكورة فالأصل أن ذلك الاسم يجوز فيه وجهان:
стр. 159
الأول: راجح لسلامته من التقدير، وهو أن يعرب الاسم السابق مبتدأ، والجملة بعده خبر، وجملة الكلام حينئذ اسمية؛ لأنها مبدوءة باسم.
الثاني: مرجوح لاحتياجه إلى تقدير، وهو أن ينصب الاسم السابق على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوباً يفسره المذكور بعده.
وهذا الفعل المحذوف لابد أن يكون موافقاً للمذكور، إما لفظًا ومعنى كالمثال الأول، فإن التقدير: ساعدت الضعيفَ ساعدته. أو معنى فقط كالمثال الثاني فإن تقديره: جاوزت محمدًا مررت به. أو غير موافق لفظًا ولا معنى، ولكنه لازم للمذكور كالمثال الأخير فإن تقديره: أهنت خالدًا ضربت ابنه.
وعلى هذا الإعراب فما بعد الاسم السابق جملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب (١) وجملة الكلام حينئذ فعلية، لأنها مبدوءة بالفعل المحذوف وهذا معنى قوله: (فلا موضع للجملة بعده) .
وقوله: (وَيَتَرَجَّحُ النَّصْبُ فِي نَحْو زَيْداً اضْرِبْهُ لِلطَّلَبِ، ونَحْوِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) مُتَأَوَّلٌ. وفِي نَحْوِ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ (٣) لِلَّتَناسُبِ ونَحْوِ: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ (٤) ومَا زَيْداً رَأَيْتُهُ لِغَلَبَةِ الْفِعْلِ) .
стр. 160
تقدم أن الاسم المشغول عنه يجوز فيه الرفع والنصب، والرفع أرجح، ولا تكون المسألة حينئذ من باب الاشتغال؛ لعدم صدق التعريف عليه، لكنه قد يطرأ على الاسم السابق ما يرجح نصبه، أو يوجبه، أو يوجب الرفع، أو يجوز الوجهين على حد سواء.
فيترجح نصب المشغول عنه في ثلاث مسائل:
الأولى: أن يقع بعد المشغول عنه فعل دال على طلب، نحو: خالدًا أكرمه. فيترجح نصب المشغول عنه (خالداً) على رفعه؛ لأنه لو رفع لصارت الجملة بعده خبرًا. والإخبار بالجملة الطلبية - وإن كان جائزًا عند الجمهور - فهو على خلاف الأصل، لأن الطلبية لا تحتمل الصدق والكذب.
فإن قيل: ما توجيه الرفع في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) فإن ظاهره أن الطلب خبر، وقد أجمع السبعة على الرفع؟ فالجواب: أنه متأول (٢) كما قال ابن هشام ﵀ على أن الخبر محذوف تقديره: (مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ، فحذف الخبر (مما يتلى عليكم) ثم حذف المضاف (حكم) وأقيم المضاف إليه مقامه، والفاء حرف استئناف، وجملة الطلب استئنافية، لبيان الحكم فلم تقع خبرًا كما هو الظاهر.
стр. 161
المسألة الثانية: أن يكون الاسم المشغول عنه مقترنًا بعاطف مسبوق بجملة فعلية كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ (١) فـ (الأنعام) منصوب بفعل محذوف، أي: وخلق الأنعامَ، وحَسُنَ النصب ليُعطف جملة فعلية وهي جملة: (والأنعامَ) على جملة فعلية تقدمت، وهي (خَلَق الإنسان) ، وهذا فيه تناسب، وهذه قراءة السبعة.
المسألة الثالثة: أن يقع المشغول عنه بعد أداة يغلب أن يليها الفعل، كهمزة الاستفهام، وما النافية وغيرهما، نحو: أوالدَك احترمته؟ ومنه قوله تعالى: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ (٢) فـ (بشراً) مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور، وجملة (نتبعه) تفسيرية، وإنما ترجح النصب؛ لأنه لو رُفِعَ لصار مبتدأ، ورَفعُ المبتدأ بعد همزة الاستفهام - مع جوازه - قليل، لكثرة دخولها على الأفعال. ومثلها (ما) النافية نحو: ما صديقًا أهنته، فـ (صديقًا) مفعول به لفعل محذوف، وجملة (أهنته) تفسيرية.
قوله: (وَيَجِبُ فِي نَحْوِ: إنْ زَيْداً لَقيِتَهُ فَأَكْرِمُهُ، وهَلاَّ زَيْداً أَكْرَمْتَهُ لِوُجُوِبِه) .
стр. 162
أي يجب نصب المشغول عنه إذا وقع بعد ما يختص بالفعل، كأداة الشرط نحو: إن خالدًا لقيته فأكرمه، أو أداة التحضيض نحو: هلا زيدًا أكرمته. أو أداة العرض (١) نحو: ألا الحديثَ حفظته. فيجب نصب ما بعد هذه الأدوات بفعل محذوف، لوجوب وقوع الفعل بعدها. ولو جاز الرفع على الابتداء لخرجت عن اختصاصها بالأفعال (٢) .
وقوله (لوجوبه) أي لوجوب وقوع الفعل بعد هذه الأدوات.
قوله: (وَيجِبُ الرَّفْعُ فِي نَحْوِ خَرَجْتُ فَإذَا زَيْدٌ يَضْربُهُ عَمْروٌ لامْتِنَاعِهِ) .
أي يجب رفع المشغول عنه إذا وقع بعد ما يختص بالابتداء، كـ (إذا) الفجائية (٣) نحو: خرجت فإذا الغبارُ تثيره الرياح، برفع (الغبار) على أنه مبتدأ وما بعده خبر، و (إذا) حرف دال على المفاجأة، ولا يجوز نصبه بتقدير فعل. لامتناع وقوع الفعل بعدها.
стр. 163
وكذلك يجب الرفع إذا وقع الفعل المشتغل بالضمير بعد ماله صدر الكلام، كأدوات الشرط والاستفهام وغيرهما، نحو: الكتابُ إن استعرته فحافظ عليه. المريضُ هل زرتَه؟ فيجب رفع المشغول عنه في المثالين وهما: (الكتاب) و (المريض) ولا يجوز نصبه لأن ماله صدر الكلام لا يعمل ما بعده فيما قبله، وما لا يعمل لا يصلح أن يكون مفسرًا لعامل محذوف. (١)
وقوله (لامتناعه) أي لامتناع الفعل بعد (إذا) الفجائية.
قوله: (وَيَسْتَوِيَانِ فِي نَحْوِ زَيدٌ قَامَ أَبُوهُ وعَمْروٌ أَكْرَمْتُهُ لِلتَّكافُؤِ) .
أي يجوز رفع المشغول عنه ونصبه على حد سواء. إذا وقع المشغول عنه بعد عاطف تقدمته جملة ذات وجهين، وفَسَّروا الجملة ذات الوجهين بأنها جملة اسمية وخبرها جملة فعلية. (٢) نحو: زيد قام أبوه وعمرو أكرمته. فيجوز رفع (عمرو) على أنه مبتدأ خبره (أكرمته) وتُعطف جملة اسمية على جملة اسمية، وهي: زيد قام أبوه، ويجوز نصبه بفعل محذوف. وتُعطف جملة فعلية على جملة فعلية وهي (قام أبوه) وإنما جاز الوجهان على السواء (للتكافؤ) الحاصل على كلا التقديرين؛ لأن الجملة الأولى اسمية الصدر فعلية العجز، فإن راعيت صدرها رفعت. وإن راعيت عجزها نصبت، فالتشاكل بين المتعاطفين موجود على كلا التقديرين ولا مرجح.
قوله: (وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) ﴾ (٣) ، وأَزَيْدٌ ذُهِبَ بِهِ؟) .
стр. 164
أي: ليس من باب الاشتغال قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) ﴾ لعدم صحة تسلط العامل على ما قبله على قاعدة الاشتغال، إذ لو صحَّ لكان التقدير: فعلوا كل شيء في الزبر. وهو فاسد؛ لأنه يقتضي أنهم فعلوا في الزبر - أي صحف الأعمال - كل شيء مع أنهم لم يفعلوا فيها شيئًا، بل الكرام الكاتبون أو قعوا فيها الكتابة، وليس هذا هو معنى الآية، وإنما معناها - والله أعلم - أن كل شيء فعلوه ثابت في صحائف أعمالهم. فيجب رفع (كل) على أنه مبتدأ، وجملة (فعلوه) في محل جر صفة لـ (شيء) والخبر هو الجار والمجرور (في الزبر) .
وكذا ليس من باب الاشتغال (أزيد ذُهِبَ به؟) ببناء الفعل للمجهول، لعدم صدق ضابط الباب عليه. إذ لو سلط العامل على ما قبله على قاعدة الاشتغال لم يَنْصِبْ، لأن الفعل (ذُهِبَ) لا يعمل النصب. لأنه فعل لازم مبني للمجهول، فالجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل، ويجب رفع (زيدٌ) على أنه مبتدأ وما بعده خبر. أو على أنه مرفوع بفعل محذوف لأجل الهمزة - التي يكثر دخولها على الفعل - والتقدير: أَذَهَبَ زيدٌ فَذُهِبَ به؟ والأول أرجح لوضوحه وسلامته من التقدير.
باب في التنازع
قوله: (يَجُوز في نحْوِ ضَرَبَنِي وَضَرَبْتُ زَيْداً، إعْمَالُ الأوَّلِ واخْتَارَهُ الكُوفيُّونَ، فَيُضْمَرُ في الثَّانِي كُلُّ ما يَحْتَاجُهُ، أَوِ الثَّانِي، واخْتَارَهُ الْبَصْرِيُّونَ، فَيُضْمَرُ في الأوَّلِ مَرْفُوعُه فَقَطْ، نَحْوُ: جَفَوْني ولمْ أَجْفُ الأخِلاَّءَ ... ) .
التنازع: توجه عاملين إلى معمول واحد، نحو: سمعتُ ورأيتُ القارئ. فكل واحد من (سمعتُ) و (رأيتُ) يطلب القارئ مفعولاً به ونحو: ضربني وضربت زيدًا، فالأول يطلب الاسم فاعلاً، والثاني يطلبه مفعولاً.
стр. 165
وقد يكون التنازع بين أكثر من عاملين. وقد يكون المتنازع فيه متعددًا، نحو: يجلس ويستمع ويكتب المتعلم. وكقوله ﷺ : " تسبحون وتَحْمَدُون وتكبرون دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين " متفق عليه. فـ (دُبُرَ) منصوب على الظرفية، و (ثلاثاً وثلاثين) منصوب على أنه مفعول مطلق وقد تنازعهما ثلاث عوامل. (١)
ولا خلاف في جواز إعمال أيِّ العاملين أو العوامل، وإنما الخلاف في الأولى منهما فقال البصريون: الثاني أولى لقربه من الاسم، وقال الكوفيون: الأول أولى لتقدمه.
فإن أعملت الأول في الاسم الظاهر أعملت الثاني المهمل في ضميره، ويؤتى بهذا الضمير سواء كان مرفوعًا نحو: قام وقعدا أخواك، أو منصوبًا، نحو: قام وأكرمتهما أخواك، أو مجرورًا نحو: قام ومررت بهما أخواك. فـ (أخواك) فاعل (قام) وقد عمل الثاني في ضمير هذا الاسم، ولا محذور في الإتيان بالضمير، لرجوعه إلى متقدم رتبة؛ لأن مرجع الضمير وهو (أخواك) معمول للعامل الأول.
وإن أعملت الثاني في الاسم الظاهر أعملت اِلأول في ضميره ويؤتى بهذا الضمير إن كان مرفوعاً، لامتناع حذف العمدة، وإن لزم منه عوده على متأخر لفظًا ورتبة (٢) فتقول: قاما وقعد أخواك. فـ (أخواك) فاعل (قعد) ، ومنه قول الشاعر:
جفوني ولم أجفُ الأخلاءَ إنني ......لغير جميل من خَلِيلِيَ مهملُ (٣)
стр. 166
فأعمل الشاعر الثاني وهو (لم أجف) في (الأخلاء) فنصبه على أنه مفعول به، وأعمل الأول في ضميره، وهو (واو الجماعة) ، وأثبت الضمير؛ لأنه وإن عاد على متأخر لفظاً ورتبة لكن مجيئه عن العرب دليل على جوازه هنا.
وإن كان الضمير منصوبًا أو مجرورًا حذفته نحو: ضربت وضربني زيد، ومررت ومر بي زيد، ولا يؤتى بهذا الضمير إذ لو قيل: ضربته وضربني زيد، ومررت به ومر بي زيد. لعاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وهذا الضمير فضلة يستغني عنه الكلام، فيحذف.
قوله: (وَلَيْسَ مِنْهُ كَفَانيِ ولَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المَالِ لِفسَادِ المَعْنى) .
أي ليس من باب التنازع قول امرئ القيس:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ......كفاني ولم أطلب قليل من المال (١)
стр. 167
لأن من شرط التنازع صحة توجه كل واحد من العاملين إلى ذلك المعمول من غير فساد في اللفظ ولا في المعنى، وفي هذا البيت تقدم عاملان وهما: (كفاني) و (لم أطلب) وتأخر معمول واحد وهو (قليل من المال) ولو توجه إليه العاملان لفسد المعنى المراد. إذ يصير التقدير: (كفاني قليل من المال ولم أطلب قليلاً من المال) وهذا كلام غير مستقيم، فيتعين أن يكون مفعول (أطلب) محذوفاً، وتقدير الكلام: لو كان سعيي لأدنى معيشة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك، ومقتضى ذلك أنه طالب للملك. وهذا هو المراد، بدليل قوله بعده:
ولكنما أسعى لمجدٍ مُؤثَّل ......وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
ومجد مؤثَّل: أي: قديم.
باب في ذكر منصوبات الأسماء
قوله: (المَفْعُولُ مَنْصُوبٌ وهُوَ خَمْسَةٌ: المَفْعُولُ بِهِ، وهُوَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْفَاعِلِ كَضَرَبْتُ زَيْداً) .
ذكر ابن هشام ﵀ في هذا الباب المفاعيل الخمسة وهي: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول له، والمفعول فيه، والمفعول معه، وقدمها على غيرها من المنصوبات الأخرى؛ لأنه الأصل وغيرها محمول عليها ومشبه بها، وكلها منصوبة.
وبدأ بالمفعول به فقال: هو ما وقع عليه فعل الفاعل، كضربت زيدًا. فـ (زيدًا) مفعول به، لوقوع فعل الفاعل عليه، وهو الضرب، وهذا بخلاف بقية المفاعيل، فإن المفعول المطلق نفس فعل الفاعل، والمفعول له وقع لأجله، والمفعول فيه وقع فيه، والمفعول معه وقع معه، كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: (وَمِنْهُ المُنَادَى، وإنَّمَا يُنْصَبُ مُضَافاً كَيَا عَبْدَ الله أَوْ شَبِيهاً بِالمُضَافِ كَيَا حَسَناً وَجْهُهُ، ويَا طَالِعاً جَبَلاً، وَيَا رَفِيقاً بِالْعِبَادِ، أَوْ نَكِرَةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ، كَقَوْلِ الأعْمَى: يَا رَجُلاً خُذْ بَيدِي) .
стр. 168
من أنواع المفعول به: المنادى، وله أحكام تخصه؛ فلهذا أفرده بالذكر، وبيان كونه مفعولاً به أن قولك: يا عبدَ الله. أصله: أدعو عبدَ الله، فحُذِفَ الفعل، وأُنيب (يا) عنه.
والمنادى: هو المطلوب إقباله بحرف نائب مناب (أدعو) (١) ، وهو قسمان:
١-منادى معرب، وهو ما يظهر فيه النصب. وهو المراد هنا.
٢-منادى مبني، وهو الذي لا يظهر فيه النصب، ويأتي إن شاء الله.
فينصب المنادى لفظًا في ثلاث مسائل:
الأولى: أن يكون مضافًا، نحو: يا عبدَ الله، فـ (يا) : حرف نداء. و (عبد الله) منادى منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
الثانية: أن يكون شبيهًا بالمضاف. وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه، كما يتصل المضاف بالمضاف إليه نحو: يا مسافراً إلى مكة استفد من وقتك.
فـ (مسافرًا) منادى منصوب. وقد اتصل به شيء من تمام معناه لأننا إذا قلنا (يا مسافرًا) لم يتبين للسامع المراد كاملاً؛ لأن السفر يكون إلى بقاع شتى. فإذا قلنا: (إلى مكة) أتممنا المعنى وخصصناه كما يُخَصَّصُ المضاف بالمضاف إليه.
وهذا الذي به التمام إما أن يكون اسماً مرفوعًا بالمنادى نحو: يا ضائعًا كتابه، فـ (يا) حرف نداء (ضائعًا) منادى منصوب (كتابه) فاعل لاسم الفاعل مرفوع، والهاء مضاف إليه، ومثله: يا حسناً وجهه. فـ (وجهه) فاعل للصفة المشبهة (حسنًا) .
وإما أن يكون منصوبًا نحو: يا طالعًا جبلاً، فـ (طالعًا) منادى منصوب. وفيه ضمير مستتر هو فاعله، لأنه اسم فاعل، و (جبلاً) مفعول به منصوب لاسم الفاعل.
وإما أن يكون مجروراً كما تقدم في المثال: يا مسافراً إلى مكة، ومثله: يا رفيقًا بالعباد. فـ (بالعباد) جار ومجرور متعلق بـ (رفيقًا) .
стр. 169
المسألة الثالثة: أن يكون المنادى نكرة غير مقصودة كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي، فـ (رجلاً) منادى منصوب؛ لأنه نكرة غير مقصودة، أما أنه نكرة فلأنه لا يدل على معين، وأما أنها غير مقصودة، فلأن الأعمى حين يقول: يا رجلاً، لا يوجه الخطاب إلى إنسان خاص، ولا يقصد به شخصاً دون آخر.
قوله: (والمُفَردُ المَعْرِفَةُ يُبْنَى عَلَى مَا يُرْفَعُ بِهِ كَيَا زَيْدُ ويَا زَيْدَانِ، وَيَا زَيْدُونَ، ويَا رَجُلُ لِمُعَيَّنٍ) .
هذا القسم الثاني من أقسام المنادى، وهو المنادى المبني، فيبنى بشرطين:
الأول: أن يكون مفردًا، والمراد به هنا: ما ليس مضافاً ولا شبيهاً به، فيدخل فيه المفرد والمثنى والجمع.
الثاني: أن يكون معرفة، أي: معينًا سواء كان معرفة قبل النداء وهو العلم كـ (خالد) ، أو معرفة بعد النداء بسبب الإقبال عليه، وهو النكرة المقصودة.
والمنادى في هذا القسم يبنى على ما كان يرفع به قبل النداء حالة الإعراب، ويكون في محل نصب، فإن كان يرفع بالضمة بني على الضم من غير تنوين نحو: يا هشامُ تمهل، يا رجالُ أتقنوا أعمالكم، يا فاطماتُ اتركن الغيبة، وإن كان يُرفع بالألف بني على الألف، نحو: يا عليان قوما بالواجب. يا فتيان لا تعبثا بالأزهار، وإن كان يرفع بالواو بني على الواو نحو: يا محمدون صلوا أرحامكم، خذوا جوائزكم يا فائزون. فـ (هشام) في المثال الأول منادى مبني على الضم في محل نصب؛ لأن المنادى أصله مفعول به كما تقدم. وهكذا في بقية الأمثلة، فهو مبني على ما يرفع به.
قوله: ((فَصْلٌ) وتَقُولُ يَا غُلامُ بِالثَّلاثِ وبالْيَاءِ فَتْحاً وإِسْكَاناً وبِالأَلِفِ) .
ذكر ابن هشام ﵀ في هذا الفصل حكم المنادى المضاف إلى ياء المتكلم، والمنادى المضاف إلى مضاف إلى ياء المتكلم.
стр. 170
فأما الأول وهو المنادى المضاف إلى ياء المتكلم فلا يخلو: إما أن يكون المنادى كلمة (أب) أو (أم) أو غيرهما، فإن كان غيرهما. نحو: يا غلامي، جاز فيه ست لغات، ثلاث منها بإثبات الياء، وثلاث بحذفها، وهي كما يلي:
الأولى: إثبات الياء ساكنة، فتقول: يا غلامي، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ (١) ، في قراءة من أثبت الياء ساكنة وهم نافع وأبو عمرو وابن عامر من السبعة، فـ (عبادي) منادي منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهو مضاف وياء المتكلم ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
الثانية: إثبات الياء مفتوحة فتقول: يا غلاميَ، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) فـ (عبادي) منادى منصوب - كما تقدم - وياء المتكلم ضمير مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه.
الثالثة: قلب الكسرة التي قبل الياء المفتوحة فتحة، فتنقلب الياء ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول: يا غلامَا. قال تعالى: عن يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٣) فـ (أسفا) منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. (٤) وياء المتكلم المنقلبة ألفًا ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
وإلى هذه اللغات الثلاث أشار بقوله: (وبالياء فتحًا وإسكاناً وبالألف) .
стр. 171
اللغة الرابعة: حذف الياء الساكنة وإبقاء الكسرة دليلاً عليها فتقول: يا غلامِ، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١) فـ (عباد) منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء المحذوفة ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
اللغة الخامسة: قلب الياء ألفًا - كما تقدم - وحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلاً عليها، فتقول: يا غلامَ. فـ (غلامَ) منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وياءُ المتكلمِ المنقلبةُ ألفًا محذوفةً مضافٌ إليه.
اللغة السادسة: حذف الياء - مع ملاحظتها في المعنى - وبناء المنادى على الضم، فيضم الحرف الذي كان مكسوراً لأجل الياء. فتقول: يا غلامُ، فـ (غلام) منادى مبني على الضم في محل نصب لانقطاعه عن الإضافة لفظًا لا معنى. (٢)
وإلى هذه اللغات الثلاث أشار ابن هشام ﵀ بقوله: (وتقول يا غلام بالثلاث) أي بالحركات الثلاث على الميم، وهي الكسرة والفتحة والضمة، من غير ياء، على ما تقدم بيانه.
وهذه اللغات الست متفاوتة، فبعضها أقوى وأكثر استعمالاً من بعض. فأفصحها وأكثرها استعمالاً حذفُ الياء اكتفاءً بالكسرة، ثم إثبات الياء ساكنة ومفتوحة، ثم قلبها ألفًا، ثم حذف الألف اكتفاء بالفتحة. وأما اللغة السادسة فهي أضعفها، ولذا أهملها بعض النحاة فلم يذكرها بين اللغات الجائزة؛ لأنها لا تخلو من لبس في تَبَيُّنِ نوعها واضطرابٍ في إعرابها.
стр. 172
قوله: (وَيَا أَبَتِ ويَا أُمَّتِ وابْنَ أُمَّ ويَا ابْنَ عَمَّ بِفتْحٍ وكَسْرٍ، وإلْحَاقُ الألِفِ أوِ الْيَاءِ للأَوَّلَيْنِ قبيحٌ، ولِلآخَرَيْنَ ضَعِيفٌ) .
ذكر النوع الثاني من أنواع المنادي المضاف إلى الياء، وهو أن يكون كلمة (أب) أو (أم) ، وذكر حكم المنادى المضاف إلى مضاف إلى ياء المتكلم.
فإذا كان المنادى المضاف كلمة (أب) أو (أم) جاز فيه اللغات الست السابقة ولغات أربع أخرى وهي:
١-حذف ياء المتكلم. والإتيان بتاء التأنيث عوضاً عنها (١) مع بنائها على الكسر، وهذا هو الأكثر، نحو: يا أبتِ، يا أمَّتِ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ (٢) . فقد قرأ السبعة - عدا ابن عامر - بالكسر، لتدل الكسرة على الياء المحذوفة في النداء، وأصله قبل التعويض: يا أبي، وإعرابه: (يا) حرف نداء. (أبت) منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو مضاف وياء المتكلم المحذوفة ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. والتاء حرف دال على التأنيث اللفظي مبني على الكسر لا محل له.
٢-حذف الياء والإتيان بتاء التأنيث مفتوحة، نحو: يا أبتَ، ويا أمَّتَ، ومنه قراءة ابن عامر: (يا أبتَ) بالفتح. وإعرابه كما سبق غير أن التاء مبنية على الفتح.
стр. 173
٣-الجمع بين تاء التأنيث التي هي عوض، وألفٍ بعدها أصلها ياء المتكلم، نحو: يا أبتا، ويا أُمَّتا، فـ (أبتا) منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، والتاء حرف دال على التأنيث اللفظي مبني على الفتح، والألف المنقلبة عن ياء المتكلم ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. (١)
٤-الجمع بين تاء التأنيث التي هي عوض وياء المتكلم نحو: يا أبتي، ويا أمتي، فـ (أبتي) منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة (٢) ، والتاء للتأنيث حرف مبني على الكسر، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
واللغتان الأخيرتان فيهما جمع بين العوض (وهي التاء) والمعوَّض (وهو ياء المتكلم) أو بدل المعوَّض وهو (الألف) ، وهذا ممنوع؛ ولهذا قال ابن هشام ﵀: (وإلحاق الألف أو الياء للأولين) وهما: يا أبت، ويا أمت (قبيح) لما ذكرنا، وسبيل ذلك هو الشعر على ما اختاره جماعة، واللغة الأخيرة أضعف من التي قبلها.
أما إذا كان المنادى مضافاً إلى مضاف إلى ياء المتكلم. فإنه يجب إثبات الياء مفتوحة، أو ساكنة نحو: يا ابن أخي، يا ابن خالي؛ إلا إذا كان المنادى ابن أم أو ابن عم، أو ابنة أم أو ابنة عم، ففيه وجهان:
الأول: حذف ياء المكلم وإبقاء الكسرة قبلها دليلاً عليها، وهو الأكثر، فتقول: يا ابنَ أمِّ ويا ابنَ عمِّ.
стр. 174
الثاني: حذف ياء المتكلم بعد قلبها ألفاً. وقلب الكسرة قبلها فتحة، فتقول: يا ابن أمَّ ويا ابن عمَّ. ومنه قوله تعالى عن هارون ﵇: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ (١) ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ (٢) فقد قرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الميم على الوجه الأول، وقرأ الباقون بفتحها على الوجه الثاني. (٣)
وإعرابه: (ابنَ أمَّ) ابن: منادى بحرف نداء مقدر، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف و (أمَّ) بالفتح مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التي جاءت لقلب الياء ألفًا. وحذفت هذه الألف للتخفيف و (أمَّ) مضاف، والياء المحذوفة المنقلبة ألفًا في محل جر مضاف إليه.
و (ابنَ أمِّ) على قراءة كسر الميم (ابن) كما تقدم و (أمِّ) مضاف إليه مجرور بالكسر الظاهرة (٤) ، و (أم) مضاف والياء المحذوفة للتخفيف في محل جر مضاف إليه. (٥)
وأما إثبات الياء نحو (يا ابن أمي) أو الألف المنقلبة عن الياء نحو: (يا ابن أما) فهو ضعيف.
وهذا معنى قوله: (وإلحاقهما) أي الياء والألف (للأخيرين) وهما: ابن أَمَّ، وابن عَمَّ (ضعيف) لا يكاد يوجد إلا في ضرورة الشعر.
فصل: في أحكام تابع المنادى
стр. 175
قوله: (وَيجْرِي مَا أُفْرِدَ أَوْ أُضِيفَ مَقْروناً بِألْ من نَعْتِ المَبْنيِّ وتَأْكِيدِه وبَيَانِهِ ونَسَقِهِ المَقْرُونِ بِألْ عَلَى لَفْظِهِ أَوْ مَحَلِّهِ، ومَا أضِيفَ مُجَرَّداً عَلَى مَحَلّهِ، ونَعْتُ أيٍّ عَلَى لَفْظِهِ، والْبَدَلُ والنَّسَقُ المُجَرَّدُ كَالمُنَادَى المُسْتَقِلِّ مُطْلَقاً) .
تقدم أن المنادى قد يكون مفردًا فيبنى (١) ، وقد يكون مضافاً أو شبيهًا به، فينصب لفظه، وذكر هنا تابع المنادى المبني، وبيانه كما يلي:
١-إذا كان المنادى مبنيًا - وهو العلم والنكرة والمقصودة - وكان تابعه نعتًا، أو توكيدًا، أو عطف بيان، أو عطف نسق مقرونًا بـ (ال) جاز في هذا التابع وجهان:
١-الرفع مراعاة للفظ المنادى.
٢-النصب مراعاة لمحله.
بشرط أن يكون هذا التابع مفردًا عن الإضافة، أو مضافًا مقترنًا بـ (ال) ، مثال النعت: يا خالدُ العاقلُ. يا صالحُ الكريمُ الأب.
ومثال التوكيد: أن تخاطب شباباً فتقول: أنتم رجال الغد يا شبابُ أجمعون أو أجمعين.
ومثال عطف البيان: يا سعيدُ كرزٌ أو كرزًا.
ومثال عطف النسق: يا خالدُ والضحاكُ. ومنه قوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (٢) فـ (جبال) منادى مبني على الضم في محل نصب و (الطير) بالنصب - على قراءة السبعة - معطوف على محل الجبال، والمعطوف على المنصوب منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
стр. 176
وهذا القسم أشار إليه بقوله (ويجري ما أفرد) أي عن الإضافة (أو ما أضيف) حالة كونه (مقروناً بال من نعت) المنادى (المبني) وهو العلم، والنكرة المقصودة (وتأكيده) (و) عطف (بيانه ونسقه) أي: عطف النسق (المقرون بأل على لفظه) أي لفظ المنادى المبني. فيرفع مراعاة للفظه (أو محله) أي: أو يجري التابع على محل المنادى فينصب.
٢- فإن كان التابع (من نعت أو توكيد أو بيان) مضافاً مجرداً من (ال) وجب نصبه مراعاة لمحل المنادى كما لو كان هو المنادى.
مثال النعت: يا خليلُ كبيرَ القوم تكلم.
ومثال التوكيد: يا شبابُ كلَّكَم أو كلَّهم (١) أنتم رجال الغد (خطابا لمعينين) .
ومثال عطف البيان: يا محمدُ أبا عبد الله، فـ (أبا) عطف بيان منصوب بالألف، وما بعده مضاف إليه.
وهذا القسم أشار إليه بقوله: (وما أضيف مجردًا على محله) أي ويجري ما أضيف من نعت أو توكيد أو بيان حالة كونه مجردًا من (ال) على محل المنادى دون لفظه فينصب فقط.
٣-وإن كان التابع نعتاً، ومنعوته المنادى هو كلمة (أي) في التذكير و (أية) في التأنيث، وجب رفعه مراعاة للفظ ذلك المنادى، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾ (٣) فـ (يا) حرف نداء. و (أي) منادى مبني على الضم في محل نصب و (ها) حرف تنبيه. (الإنسان) نعت لـ (أيّ) مرفوع بالضمة، و (الكافرون) نعت (لأي) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
وهذا القسم أشار إليه ابن هشام ﵀ بقوله: (ونعت (أيّ) على لفظه) أي: ويجري نعت (أي) و (أية) على لفظ هذا المنادى فيرفع فقط؛ لأنه المقصود بالنداء.
стр. 177
٤-وإن كان التابع بدلاً أو عطف نسق مجردًا من (ال) فإنه يعطى حكم المنادى المستقل؛ فيبنى إذا كان مفردًا معرفة، نحو: يا رجلُ زيدُ. ويا رجلُ وزيدُ. بالضم كما يبنى لو قلت: يا زيدُ.
وينصب إذا كان مضافًا أو شبيهًا به نحو: يا زيدُ أبا عبد الله، ويا عليُّ وأبا عبد الله. بنصب (أبا عبد الله) ؛ لأنه مضاف، وهو ينصب لو كان منادى نحو: يا أبا عبد الله. دون النظر إلى المتبوع.
وهذا القسم أشار إليه بقوله: (والبدل والنسق والمجرد كالمنادى المستقل مطلقًا) أي: إن البدل وعطف النسق المجرد من (ال) كالمنادى المستقل، فيبنى حيث يبنى المنادى، وينصب حيث ينصب وإن كان المتبوع خلاف ذلك، ولذا قال (مطلقًا) أي مبنيًا كان المنادى أو معربًا.
هذا كله إذا كان المنادى مبنيًا، فإن كان معربًا - وهو المنادى المنصوب، ولم يذكره ابن هشام - نُصِبَ التابع مطلقًا (١) مراعاة للفظ المتبوع.
مثال النعت: يا طالبًا مجتهدًا لا يؤثر عليك الكسالى (تقوله لغير معين) فـ (مجتهدًا) نعت منصوب.
ومثال عطف البيان: يا مسلمين أهلَ العقيدة دافعوا عن دينكم. فـ (أهل العقيدة) عطف بيان منصوب.
ومثال التوكيد: يا طلابًا كلَّكم أو كلَّهم احفظوا أوقاتكم.
ومثال البدل: يا أبا محمد خالدًا تصدق على الفقراء.
ومثال عطف النسق: يا أبا محمد وعليًا تصدقا على الفقراء.
قوله: (ولَكَ في نَحْوِ: ̄ يَا زَيْدُ زيْدَ الْيَعْمَلاَتِ ̄ فَتْحُهُمَا أَوْ ضَمُّ الأوَّلِ) .
إذا تكرر المنادي المفرد، وكان اللفظ الثاني المكرر مضافًا نحو: يا طالبُ العلم احرص على الفائدة. جاز في الأول وجهان:
стр. 178
١-النصب على اعتبار أن هذا المنادى (الأول) مضافًا للمضاف إليه المذكور في الكلام، والاسم الثاني المكرر مقحماً بين المتضايفين (ويعرب توكيدًا لفظيًا للأول) (١) ، أو مضافًا إلى محذوف يماثل المذكور، وأصل الكلام: يا طالبَ العلِم طالبَ العلم. بإضافتين في الأسلوب الواحد، ويكون الاسم الثاني منصوبًا على أنه توكيد لفظي أو بدل أو عطف بيان أو مفعولاً به لفعل محذوف أو منادى بحرف نداء محذوف.
٢-بناء الأول على الضم؛ لأنه مفرد معرفة (بالقصد والإقبال) في محل نصب. ويكون الثاني حينئذ توكيدًا لفظيًا أو بدلاً أو عطف بيان مراعى في الثلاثة محل المتبوع - لأنه في محل نصب كما ذكرنا - أو يكون منادى سقط منه حرف النداء، أو مفعولاً به لفعل محذوف، وبهذا تبين أن الثاني واجب النصب، والوجهان في الأول، ومن ذلك ما أشار إليه ابن هشام ﵀ من قول الشاعر:
(١) يا زيدُ زيدَ اليعملات الذُّبَّلِ.........تطاول الليل عليك فانزلِ (٢)
стр. 179
فصل في ترخيم المنادى
قوله: (وَيَجُوزُ تَرْخِيمُ المُنَادَى المَعْرفَةِ، وهَوُ حَذُفُ آخِرِهِ تَخْفِيفاً، فَذُو التَّاءِ مَطْلَقًا كـ (يَا طَلْحُ، وَيَا ثُبُ)
من أحكام المنادى: الترخيم. وهو: حذف آخره تخفيفاً على وجه مخصوص، فتقول: يا حارِ، في نداء: حارث، وفي نداء طفلة اسمها (عَزَّة) : يا عَزَّ.
وقوله: (حَذفُ آخره) أي حذف آخر المنادى. ولم يقيده بكونه حرفًا ليشمل الحرف، والحرفين، وجزء المركب، كما سيأتي.
وقوله: (تخفيفاً) أي لمجرد التخفيف، وفيه بيان أن أهم أغراض الترخيم هو التخفيف.
وشروط الترخيم: أن يكون المنادى معرفة إما بالعلمية، وإما بالقصد والإقبال (وهو النكرة المقصودة) .
والمنادى الذي يراد ترخيمه قسمان:
الأول: مقترن بتاء التأنيث.
الثاني: مجرد منها.
أما المقترن بتاء التأنيث فيجوز ترخيمه (مطلقًا) أي: سواء أكان علماً، أم نكرة مقصودة، ثلاثيًا أم أكثر.
فتقول في نداء (طلحة) : يا طلحَ (١) فـ (طلحَ) . منادى مبني على الضم على التاء المحذوفة للترخيم في محل نصب.
وتقول في نداء (عائشة) : يا عائشَ (٢) ، وتقول في نداء فتاة اسمها (هِبَة) ياهِبَ، وتقول في نداء (ثُبة) وهي الجماعة: يا ثُبَ.
قوله: (وَغَيْرُهُ بِشَرْطِ ضَمْهِ وعَلَميَّتِه وَمُجَاوَزَتَهِ ثَلاَثَةَ أحْرُفٍ كَـ (يَا جَعْفُ ضَمَّا وَفَتحا) .
هذا القسم الثاني من المنادى الذي يجوز ترخيمه، وهو المجرد من تاء التأنيث، فيشترط فيه - زيادة على ما تقدم - ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مبنياً على الضم.
الثاني: أن يكون تعريفه بالعلمية دون غيرها.
الثالث: أن يكون متجاوزاً ثلاثة أحرف.
стр. 180
فتقول في ترخيم (يا حارِثُ) : يا حارِ. و (يا سالِمُ) : يا سال، فإن كان غير مضموم نحو: يا عبدَ الله، أو كان معرفة بغير العلمية نحو: يا صاحبُ (لمعين) أو كان ثلاثيًا كـ (عمر) لم يجز ترخيمه.
وأشار بقوله: (كيا جعفُ ضمًا وفتحًا) إلى كيفية ضبط المنادي بعد ترخيمه وأن لضبطه طريقتين:
الأولى: قطع النظر عن المحذوف للترخيم، فيجعل الباقي كأنه اسم تام موضوع على تلك الصيغة، فيبني على الضم، فتقول في (جعفر) : يا جعفُ. وفي (سالم) : يا سالُ، وإعرابه: منادى مبني على الضم في محل نصب. وتسمى (لغة من لا ينتظر) .
الثانية: أن يلاحظ المحذوف. ويعتبر كأنه باقٍ فيبقى ما كان قبله على حركته أو سكونه قبل الحذف، ويكون البناء على الضم مقصورًا على الحرف الأخير المحذوف، كما كان قبل حذفه، فتقول في (جَعْفَرٍ) : يا جعفَ. وفي (سَالمٍ) : يا سالِ. وفي نداء (طلحة) : يا طلحَ، وتقدم إعرابه. وتسمى هذه الطريقة: (لغة من ينتظر) .
وقول ابن هشام (ضماً) إشارة إلى الطريقة الأولى. وقوله (وفتحًا) أي فتح الفاء من قوله: (يا جعف) وهي الطريقة الثانية.
قوله: (وَيُحْذَفُ مِنْ نَحْوِ سَلْمَانَ وَمَنْصُورٍ وَمِسْكِينٍ حَرْفانِ وَمِنْ نَحْوِ: مَعْدِ يَكَرِبَ الكَلِمَةُ الثَّانَيَةُ) .
المحذوف من آخر المنادى عند ترخيمه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: حذف الحرف الأخير وحده، وهو الأغلب، وتقدم له أمثلة.
القسم الثاني: حذف الحرفين الأخيرين معًا، وشرط ذلك أن يكون المنادى علمًا مجردًا من تاء التأنيث اجتمعت فيه أربعة شروط: -
١-أن يكون معتلا (١) .