حزم في كتاب الفِصَلِ ٣ / ٢٥٠ ما نصه:
" فلما أمرنا الله بتلاوة القرآن وقد حكى لنا فيه قول أهل الكفر وأخبرنا أنه لا يرضي لعباده الكفر , خرج القاريء للقرآن لذلك عن الكفر إلى رضى الله وخرج الشاهد المخبر عن الكافر بكفره عن أن يكون بذلك كافرا إلى رضى الله والإيمان لقول الله " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " , كما خرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافرا إلى رخصة الله والثبات على الإيمان لقول الله " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " وبقي من أظهر الكفر لا قارئا ولا شاهدا ولا حاكيا ولا مُكْرَهاً
стр. 37
علي وجوب الكفر له بإجماع الأمة علي الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله بذلك وبنص القرآن علي من قال كلمة الكفر إنه كافر بذلك , وليس قول الله " ولكن من شرح بالكفر صدرا " علي ما ظنوه - أي من لم يُكَفِّرْه - من اعتقاد الكفر , بل كل من نطق بالكلام الذي يُحْكَمُ لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قارئا ولا حاكيا ولا مكرها فقد شرح بالكفر صدرا بمعني أنه شرح صدره لقبول الكفر المحرم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أن يقولوه سواء اعتقدوه أو لم يعتقدوه؛ لأن هذا العمل من إعلان الكفر غير الوجوه المباحة في
стр. 38
إيراده وهو شرح الصدر به فبطل تمويههم بهذه الآية (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا) ".
وشرح ذلك:
أن من سب أو استهزأ بالله ودينه ورسوله لا قارئا ذلك في القرآن ولا شاهدا بذلك عند القاضي ولا مُكْرها فأجمعت الأمة على كفره لأن ذلك هو شرح الصدر بالكفر المُحَرَّمُ على المسلم , لا أن شرح الصدر بالكفر هو أن يقول ذلك لكن قلبه لم يعتقد ذلك أو يستحله.
стр. 39
ثامنا: أمثلة للسب والاستهزاء واللعن المُخْرِجُ من الملة
سب الدين أو الخالق أو النبي بصيغ اللعن أو الشتم أو التنقص.
إلقاء النكات والتي يُذْكَرُ فيها الله أو آياته أو رسوله أوأحاديثه ولو كانت ضعيفة لكن من يذكرها يعتقد أنها صحيحة أو الغيبيات من جنة ونار وقبر وملائكة.
السخرية والاستهزاء من المتمسكين بشرع الله بسبب تمسكهم , فمثلا " التهكم بالملتحي بسبب لحيته والمحجبة لحجابها والمقصر لثوبه لذلك ".
وصف آيات الله أو شرعه بالنقص أو أن هناك غيره أكمل منه , مثل " وصف حدا من حدود الله بالقسوة، أو
стр. 40
التخلف أو الرجعية أو أن شرع الله لا ينفع اليوم ".
ذكر آية من القرآن أو حديث النبي ﷺ أو أي شئ من الدين فى معرض السخرية أو لإضحاك الآخرين.
الأغاني والأفلام والمسرحيات والقصص والكاريكتير التي يُذْكَرُ فيها الاستهزاء بآيات القرآن أو أحاديث النبي ﷺ أو المتمسكين بالدين مثل " أغنية قدر أحمق الخطا - أغنية السلام عليكم - رواية أعشاب البحر وفيها سب لله وللقرآن وللنبى صراحة ".
стр. 41
تاسعا: الأسباب الحاملة على السب والاستهزاء
اعلم أن العبد لا يُقْدِمُ على هذا الفعل إلا وقد سبق منه ما يقتضى عقوبته من الله , فكما أن العبد يأتي بالأسباب التى يوفقه الله إلى الهداية بها , فإنه يأتي بالأسباب التي تُوجِبُ إضلال الله له , قال الله " نسوا الله فنسيهم " , وقال " فلما أزاغوا أزاغ الله قلوبهم " , وقال " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه "
ومما انتشر من الاسباب (١)
стр. 42
المُوجِبَة للوقوع فى مثل هذه الأقوال المُخْرِجَة من الدين:
١ - الإعراض عن دين الله فلا يتعلمه ولا يَسْأَلُ عنه من أمر ونهى وحلال وحرام.
٢ - الإعتقاد بأن دين الله لم يَعُدْ صالحا لمواكبة تطورات العصر ورميه بالجمود والتخلف.
٣ - التحاكم إلى القوانين الوضعية في شئون الحياة وترك التحاكم إلى شرع الله.
٤ - عدم اعتقاد كفر اليهود والنصاري وكل من كَفَّرَهُ الله ورسوله أو شك في كفرهم كمن يقول " لا فرق بين الاسلام وغيره من الديانات " , أو صَحَّحَ المذاهب الكافرة كالعلمانية والاشتراكية بأن يقول: " إن فصل الدين عن
стр. 43
الدولة هو السبيل لتقدم الأمة ".
٥ - موالاة الكافرين موالاة كاملة ومودتهم وإعانتهم فى حربهم على المسلمين.
٦ - إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرم الله ورسوله كالربا والزنا بعد العلم بحرمتها وإقامة الحجة.
٧ - ترك الصلوات الخمس كلية.
٨ - الوقوع في الكبائر والإصرار عليها وعدم التوبة منها خاصة " الزنا والربا والخمر والمخدرات ".
стр. 44
عاشرا: هل من توبة قبل الموت من سب الله رب العالمين والاستهزاء بدينه ؟
فإن قلت: هل لي من توبة؟ وإذا كان لي توبة فما شروطها؟
اعلم - هداني الله وإياك - أن الله يقبل التوبة عن عباده وإن كان مشركا أو مرتدا عن الإسلام بل كما أخبر النبي أن الله يفرح بتوبة العبد , ونوجز شروطها فيما يلي:
الإخلاص لله بالتوبة بحيث يكون الحامل عليها تقوى الله , والخوف من عقابه , ورجاء ثوابه لا رياء ولا خوف من مخلوق ولا لينال أمرا من أمور الدنيا.
الندم بحيث يجد في نفسه حسرة وحزنا على ما مضى.
стр. 45
الإقلاع عن الذنب وعدم الإصرار عليه فإن كان الذنب بترك واجب فعله وإن كان بإتيان محرم أقلع عنه , وفي مسألتنا هنا هي الإقلاع عن سب الله ورسوله ودينه والاستهزاء بشئ من ذلك.
العزم على عدم العودة إلى سب الله ورسوله ودينه في المستقبل.
أن تكون التوبة قبل الموت.
فإن قلت: ماذا علي نحو من أسمعهم يسبون الله أورسوله أو دينه أو الاستهزاء بذلك؟
اعلم - وفقني الله وإياك - أن علينا أن نُبَيِّنَ للناس بالحسنى خطورة السب على دين العبد وكيفية التوبة منه وهو من أفرض الفروض
стр. 46
علينا ونُصْحَهم , وإلا فلا تَقْعُدْ في مجلس فيه كلام من هذا , مع استمرار النصح لمن يَصْدُرُ عنه ذلك مع سؤال الله أن يهديه على يديك.
وأخيرا:
يا من تسب وتستهزأ بالله ورسوله ودينه ألم يأت الوقت الذي تتوقف فيه عن ذلك الفعل الشنيع وتتوب إلى ربك , فورب العرش العظيم إن هذه الرسالة ما كُتِبَت إلا لك حتى تلقى الله على التوحيد الذي لن تدخل الجنة إلا به , والذي يَنْقُضُه ذلك السب والاستهزاء , وكذلك كُتِبَت
стр. 47
لكي تدعو من يسب ويستهزأ حتى يتوقف مثلك عن ذلك , حتى ينصر الله بنا هذه الأمة , وإذا قرأت هذه الرسالة فانشرها على من تعرفه ومن لا تعرفه؛ لكي تكون أنت سببا في المنع من السب والاستهزاء لترضي ربك , وحتى تُتْبِعَ السيئة الحسنة تمحها.
يا من تسمع هذه الأقوال والتي فيها سب واستهزاء بالله ورسوله ودينه ولا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر إليك هذه الرسالة لكي تعينك في القيام بهذا الفرض.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات , وصلى الله وسلم على رسوله النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم