← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21486

مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن

عبد الجواد خلف

Полный текст (228 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى أصحابه ومن والاه. وبعد: فإن أكثر ما قامت عليه الحضارات البشرية كلها مردّه إلى التعاليم الإلهية التى جاءت بها النبوات الكبرى منذ العصور الأولى للإنسان. وقد ختمت هذه النبوات، وتبلورت مفاهيمها، ووضحت صورتها تمام الوضوح ببعثة محمد ﷺ بالإسلام. وقد كان لبعثته ﷺ فاتحة عهد جديد لظهور أمة جديدة ختمت بها الأمم، أرست قواعدها وأركانها الأساسية، وأقامت جذورها، على «الوحى الإلهى» الذى تبلور فى علوم القرآن، وعلوم السّنة. وهذا الكتاب محاولة «لترتيب المفاهيم الفكرية للإنسان» حول جذور الحضارة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بالمنبع الأصلى لهذه الجذور، وهو «الوحى الإلهى»، الذى لم تكن الحضارة الإسلامية بدعا من الأمم فى الاعتماد عليه، وإنما تفردت عن سائر الأمم المعتمدة على هذا المنبع فى تنظيمه، وتنسيقه، وإعداده ليكون منهج حياة يستوعب سائر الأمم مكانا وزمانا. و «الوحى الإلهى» فى مفهوم الحضارة الإسلامية هو القرآن والسنة معا، لا ينفكان ولا ينفصلان عن «مفهوم الوحى». وإنما ينفكان وينفصلان فى ضوابط الحكم على جزئيات المسائل الفرعية بين ما هو قطعى فى دلالته على الحكم، أو ما هو ظنىّ فيها، وهذا ما توصف به السنة كما يوصف به القرآن، وذلك عند من يفهم أن منبع هذه الجذور واحد. أما من لا يستقيم له هذا الفهم فينكر السّنة أو شيئا منها، فليس له من فهم الحضارة الإسلامية نصيب كبير، وعلّته فى سقم فهمه، ولا يفتّ فى عضد جذر

стр. 2

من جذور هذه الحضارة قليلا أو كثيرا. وهذا الكتاب أيضا، وإن ألقى ضوءا سريعا على السنّة النبوية المشرفة، ومنزلتها، وعلومها الجليلة إلا أنه معنىّ بالدرجة الأولى فى الأخذ بيد القارئ إلى التعرف على علوم القرآن الكريم، وأولها «علم علوم القرآن» وهو علم التفسير. فلا غرابة إذا أن يكون عنوان هذا الكتاب: «مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن» ليعرف القارئ الكريم أن أول ما نشأ من علوم القرآن فى أحضان النّبوّة، وتحت رعايتها هو «علم التفسير» الذى احتاج فيما بعد إلى ابتكار سائر علوم القرآن ليشدّ من أزره على خدمة القرآن، والكشف عن مراد الله تعالى، وبيان تشريعه، وأحكامه، وآدابه. وكذلك ليرتب كلّ منتم إلى حضارة الإسلام ذهنه وفكره، على أن القرآن والسنة بعلومهما، وفنونهما هما منابع تلك الحضارة، وأن البعد عن هذه المنابع بعد عن الأمة الإسلامية والانسلاخ عنها إلى حضارات أخرى ليست محل عنايتها. وقد جاء هذا المدخل فى قسمين رئيسين: تناولت فى القسم الأول: الكلام حول مجموعة من المباحث اهتمت بالحديث عن جذور الحضارة الإسلامية. وتناولت فى القسم الثانى: مجموعة من الأبواب المختارة فى علم التفسير، وبعض علوم القرآن المتعلقة به. وتركت تفصيل ذكر مباحث القسمين إلى الفهرس العام. والله أسأل أن ينفع به من صلحت نيته للاستفادة منه، وأن يأجرنا جميعا بصوالح نوايانا إنه نعم المجيب. د/ عبد الجواد خلف كراتشى فى: ١٤٠٩ هـ- ١٩٨٩ م القاهرة فى: ١٤١٠ هـ- ١٩٩٦ م

стр. 3

القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية

стр. 4

القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية المبحث الأول: تمهيد كل أمة من أمم الأرض تخضع فى «حضارتها» بمفهومها الشامل، من ثقافة، وتربية، وتعليم، وزراعة، وصناعة، وعادات، وتقاليد، وعمران، إلى «دينها» الذى تدين به. فأمة الهند مثلا تبنى كل حياتها على الديانة «الهندوكية» وتوابعها من البوذية، والجينية وتستمد كل ثقافاتها من هذه العقائد الدينية بما فيها أشكال الأبنية والعمارات، والزواج، والطلاق، وسائر شئون الحياة حتى التعامل مع جثث الموتى. وكذلك أمة اليهود والنصارى يستمدان حضارتهما من ديانتهما. والأمة التى لا تدين بدين، ولا تؤمن بإله، أمة- أيضا- تستمد حضارتها من الدين. ودين مثل هذه الأمة: «أنه لا دين لها». ومنذ أدرك الإنسان نفسه على سطح هذا الكوكب الذى نعيش فيه، وهو يبحث بفطرته وغريزته عن سرّ وجوده فى هذا الكون، بل وعن الكون المحيط به: من أوجده؟ وما غاية هذا الوجود؟. ولم يزل الإنسان فى هذا البحث منذ عهد سحيق يريد أن يحدد مركزه ومركز الكون المحيط به وهو يرى السماء والأرض، والسهول والجبال، ويرى الرعد القاصف والبرق الخاطف والعواصف الشديدة، ويرى الأعاصير التى تقتلع الأشجار، والأمطار الغزيرة التى تجعله يبحث عن مأوى يحميه منها. ثم يرى الليل، والنهار، والشمس، والقمر، وتأثير كل واحد منها على حياته، وحياة الكائنات الحية فيما حوله من حيوانات، وطيور.

стр. 5

ثم يتأمل الحياة فيمن يولد من حوله .. ويتفكر فى الموت فى من يذهب عنه ليدفن فى باطن الأرض .. ما السّر وراء كل ذلك؟! وها هي الآثار الأدبية للإنسان المصرى القديم تحدثنا عن هذه التأملات الفكرية المتقدمة فى تلك المنظومة الرائعة للوزير «حتب» الكاهن المصرى الفرعونى، والتى سجلها فى «كتاب الموتى» حيث يقول: «إن الموتى الذين ذهبوا لم يعد واحد منهم من «الأبديّة» ليحدثنا بما جرى لهم حتى يسعد قلوبنا .. فدع عقلك ينسى هذا، واتبع رغبات قلبك ما دمت حيّا، وتمتّع بأطايب الحياة قبل أن يأتى «يوم الآخرة» .. فالمرء لا يأخذ متاعه، والذاهب لا يعود». ولا أحسب أن ذلك الإنسان القديم .. قدم التاريخ .. وهو يقدم لنا هذا الفكر المتواضع كان يدرك- وهو يفعل هذا- أنه إنما ينمّى غريزة كامنة فى نفسه، ألا وهى غريزة التدين! فكما أن علماء الاجتماع توصلوا إلى أن الإنسان «مدنى بطبعه» فإن علماء الأديان يحق لهم أن يقولوا أيضا: «إن الإنسان متدين بطبعه» .. ! وغريزة التدين شأنها شأن سائر الغرائز التى أودعها الله فى الإنسان كغريزة الجوع، وغريزة العطش، وغريزة التّمدن، وغريزة حبّ التملك، وغيرها من الغرائز التى تطالب الإنسان أن يسعى إلى إشباعها، وسدّ مطالبها واحتياجاتها. فغريزة الجوع: تدفعه إلى العمل، والسعى فى الأرض للحصول على الرزق الذى يهيئ له الطعام ليسد به غائلة جوعه، ويشبع به هذه الغريزة. وغريزة العطش: تدفعه إلى البحث عن الماء، وتنمية موارده وتخزينه، واستعماله عند الضرورة والحاجة. وغريزة التّمدّن: جعلته يشعر بالحاجة إلى أخيه من بنى الإنسان، وأنه لا

стр. 6

يمكن أن يعيش بمفرده منعزلا عن الآخرين. وغريزة حب التملك: دفعته إلى اقتناء الحاجات الضرورية، وحفظها، والدفاع عنها ضد من يحاول أن ينتزعها من يده. وكذلك «التدين» غريزة دفعته إلى أن ينظر إلى نفسه، من أين أتى .. ؟ وإلى أين يذهب .. ؟ وأن ينظر إلى الكون من حوله .. ما مصيره؟ وما مصير العالم كله من بعده؟ وسرعان ما اكتشف بعقله المجرد .. أن هذا الوجود كله لا بد وأن يكون وراءه موجد، وأن هذا الكون كله لا بد له من صانع، وقد تبين له أن الصانع الموجد قوة جبارة تقهر ولا تقهر، تجير ولا يجار عليها. عرفها أيضا بعقله، وفطرته، وغريزته .. واستصرخها، وطلب نجدتها عند ما ألمّت به أمواج البحار توشك أن تغرقه، أو عند ما عصفت به الرياح توشك أن تهلكه .. فأغاثته ونجدته. وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ (١). وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (٢). وانتشر الإنسان على الأرض ليكوّن الجماعات، وانتشرت الجماعات لتكوّن الشعوب، والقبائل، والأمم، وعرفت كل أمة بحضارتها، ولونها وجنسها، ودينها. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا. (٣) ومع انتشار الأمم وتفرق القبائل، تفرّقت الأديان، وتشعبت الملل والنّحل

стр. 7

واعتصمت كلّ أمة بإله تناجيه، وتلوذ به. عرف أن العرب قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام .. فصنعوها من الحجر، والخشب ثم ما لبثوا أن صنعوها من العجوة، وكانوا يحملونها فى أسفارهم حتى إذا جاعوا جلسوا إلى شجرة فأكلوا منها ثم سجدوا لها شاكرين. وقد ذكروا أن أعرابيا مسافرا أكل من عجوة صنمه شيئا، ثم قام يقضى حاجته بعيدا، فجاء ثعلب من الثعالب يطوف حول متاع الأعرابى والصنم قائم عند المتاع، فأخذ الثعلب يشم رائحة الصنم يستسيغ أكله فلم يسغه، لأن الثعالب من فصيلة الكلاب .. تأكل ما يأكله الكلب، وتبول كما يبول الكلاب، فما كان من الثعلب- وقد استقذر- رائحة الصنم إلا أن رفع رجله وبال على رأسه والأعرابى يرقبه فى حذر ودهشة. فلما انتهى الثعلب من فعلته، وأفاق الأعرابى من دهشته، قام إلى متاعه فحمله، وإلى صنمه فداسه، ثم أنشد على فطرته السليمة هاتفا: أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب (١) ومثله ذلك الأعرابى على فطرته السليمة .. وغريزته البصيرة، وقد نظر فى ما حوله من صحراء مترامية الأطراف، ترتمى فى أحضان أرض بعيدة المدار .. تعلوها سماء تتعانق معهما عند مدّ البصر، ذات نجوم وأبراج، فما لبث يفكر فى عظمة هذا الخلق، ويردّه بفطرته إلى يد الخالق فيقول: «سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج. البعرة تدل على البعير، والقدم يدل على المسير. أفلا يدل هذا على الحكيم الخبير» ... ؟

стр. 8

وأما أصحاب الفطر السقيمة، والعقول القاصرة، فلم يبلغوا هذا المبلغ فتخبطوا فى دياناتهم خبط عشواء متحلقين حول صنم لا ينفع ولا يضر، أو متجهين إلى كوكب مصيره الأفول، أو إلى نار يوقدها بنفسه لتنطفئ وتخلف رمادا لا طائل من ورائه لعابد ولا ناسك. أو حائرين حول فلسفات عقلية، أو مناظرات ومجادلات عقيمة لا تؤدى إلى نتيجة قاطعة. فكان من رحمة الله الخالق المدبر أن أرسل رسله مبشرين، هادين ومرشدين ولم يترك عباده لعقولهم وأهوائهم تلعب بهم: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١). * فبعث فى كل أمة رسولا منهم ليعرفوه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ (٢). * يتكلم بلسانهم، ويخاطبهم بلغتهم ليفهموا عنه، ويبين لهم، ليعوا ما يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (٣). * يعلمهم أنهم مخلوقون لله جل شأنه، خلقهم ليعرفوه فيعبدوه، وهم محتاجون له وهو غنى عنهم: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٤). ومنذ ذلك الوقت البعيد: تنزّل الوحى، على رسل مختارة بعناية الله لهداية الأمم والأقوام، والتقت السماء بالأرض، والملائكة بالأنبياء تحمل معها كتب

стр. 9

الله وصحفه، لتتلوها رسله على خلقه. فسارع إلى الإيمان بها من كتب له النجاة. وسارع إلى نكرانها من كتبت له الشقاوة والحرمان. وتنازعت أمم الأرض أديان مختلفة، وعقائد متباينة، نجملها فى اثنين لا ثالث لهما. أديان إلهية سماوية، وأديان فلسفية عقلية. والأديان الإلهية: أساسها الوحى، ووسائل بيانها وتبليغها الأنبياء والرسل. والأديان الوضعية: أساسها العقل البشرى، ووسائل تبليغها مفكروها وفلاسفتها. وجميع الأديان سواء كانت إلهية، أو عقلية متفقة كلها على التمييز بين الخير والشر فكلها يدرك أن الصدق، والوفاء، والأمانة، وإطعام الجائع، وإكساء العارى، وعلاج المرضى، ونصرة المظلوم، والنكاح الصحيح من مكارم الأخلاق ومحاسنها. وكلها يدرك أن الكذب والخيانة، والسرقة، والفظاظة والغلظة، والقتل، والزنا، وشرب الخمر من مساوئ الأخلاق التى لا يرضاها العاقل من الناس. والفارق بين الديانات الإلهية والعقلية: أن الديانات العقلية الفلسفية ترد الأعمال إلى ضرورة الاجتماع البشرى الذى يرى العقل المجرد ضرورة تنظيمه فى إقرار المعروف وإنكار المنكر فى صورة قوانين، ولوائح، ونظم، يجرّمها ويعاقب عليها سلطة زمنية مؤقتة سواء كان حاكما، أو إلها مزيفا لا يملك مع الله الخالق الحقيقى شيئا.

стр. 10

وأما الديانات الإلهية، فإنها ترد الأعمال كلها إلى الخالق الحقيقى للكون والإنسان، وترد التجريم، والعقاب، والجزاء إليه، وتعتبر أن هذه الحياة التى يحياها البشر حياة مؤقتة، معدة للأعمال، وما يسرى فيها من جزاء إنما هو جزاء مؤقت، وأن الجزاء الأوفى فى حياة أبدية دائمة، تقام بعد فناء هذا العالم الذى سيزول يوما ما. وهذا الفكر الذى جاءت به الديانات الإلهية تبلور بصفة نهائية فى مسمّى الإسلام، واكتملت كل أسسه وقواعده على يد النبىّ محمد ﷺ ، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء. إذا: فما هو هذا «الإسلام»؟ والجواب: الإسلام هو دين الله . قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (١). وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢). وقال تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (٣). وهو دعوة جميع الرسل، والأنبياء. أى أن جميع الرسل والأنبياء أمروا من الله تعالى بتبليغ «الإسلام» إلى أممهم من أولهم: «نوح» ﵇، إلى آخرهم: «محمد» ﷺ ، وعلى إخوانه من الأنبياء. قال : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى، وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ

стр. 11

عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١) وقال النبى ﷺ : «الأنبياء إخوة لعلّات، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد» (٢). وما أرسل الله رسولا من هؤلاء الرسل، ولا أتبعه بنبىّ من بعده إلا بلّغ قومه بالإسلام، وحثهم عليه فى نفسه، وأمرهم فى أنفسهم أن يسلموا، بل وربما كان من شدة خوف الأنبياء من الله تعالى، وخوفهم على أبنائهم وأممهم أنه كان إذا حضر الواحد منهم الموت جمع أبناءه حوله، وأخذ يطمئن منهم على تمسكهم من بعده بدعوة الإسلام. والمتتبع لدعوة الأنبياء جميعا من خلال نصوص القرآن الكريم يراهم حريصين جدّ الحرص الذى لا حرص بعده ولا قبله على تمسكهم بمسمى الإسلام وغايته، لا مسمى غيره، ولا غاية سواه، واحدا بعد واحد. وسنمضى مع مسيرتهم المباركة بحسب ترتيبهم الزمنى كما يأتى: (١) نوح: ﵇: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣). (٢) إبراهيم: ﵇: ١ - وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ

стр. 12

١ - وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١). ٢ - وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٢). (٣) إبراهيم وإسماعيل: ﵉: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣). (٤) يعقوب (إسرائيل) وبنوه: ﵈: ١ - أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤). ٢ - قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٥). (٥) يوسف: ﵇: يطلب يوسف من ربه- بعد أن منّ عليه بالنبوة والملك أن يحسن ختامه «بالإسلام». رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٦).

стр. 13

(٦) سليمان: ﵇: ١ - فى خطاب سليمان الذى أرسله إلى «بلقيس» ملكة اليمن يدعوها إلى «الإسلام». إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (١). ٢ - طلب سليمان من معاونيه من الجنّ، ومن عنده علم من الكتاب إحضار عرش «بلقيس» من اليمن إليه فى الشام قبل أن تجئ إليه «مسلمة»: قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٢). ٣ - إقرار بلقيس «بالإسلام» الذى يعتقده ويدين به سليمان ﵇: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣). (٧) موسى: ﵇، والنبيون حملة التوراة: ١ - يقول موسى لقومه وهو يشد من أزرهم وعزمهم ويثبّتهم على الإيمان إن كانوا قد أسلموا حقيقة. وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٤) ٢ - إقرار سحرة فرعون بالإيمان بالله، وصبرهم على تعذيب فرعون، ودعائهم إلى الله بالصبر والثبات، وعدم إماتتهم إلا على «الإسلام». وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (٥). ٣ - إقرار فرعون «بالإسلام» الذى عليه موسى، وبنو إسرائيل فى آخر لحظة من عمره:

стр. 14

وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١). ٤ - إثبات أن «التوراة» يحكم بها النبيون، والربانيون، والأحبار- الذين أسلموا على يد موسى ﵇ شعب اليهود. إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ . (٢) (٨) عيسى: ﵇، وأتباعه: الحواريون: ١ - يقر أصحاب عيسى ﵇ وهم الحواريون الذين آمنوا به- أنهم على دين «الإسلام». وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (٣) ٢ - إثبات القرآن اعتراف أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- وغيرهم بالإيمان بالله تعالى، وبالقرآن الذى سينزل على نبىّ آخر الزمان محمد ﷺ :

стр. 15

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. (١) ٣ - كما نجد أن الله تعالى ينفى تماما عن أبى الأنبياء وجدّهم إبراهيم ﵇ أىّ مسمى آخر غير مسمى «الإسلام» وأىّ دين آخر غير دين «الإسلام». ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢). (٩) محمد: ﷺ ، وختم الوحى والنبوّات: ثم بعث الله محمدا ﷺ برسالة الإسلام التى كلّف بها إخوانه من الرسل السابقين، وأمره ربّه بتبليغ الإسلام لقومه: ١ - قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ (٣). ٢ - قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤). * ثم شاءت إرادة الله تعالى أن يجعل محمّدا ﷺ آخر الأنبياء والمرسلين وأن يختم به الوحى والنبوات إلى قيام الساعة. ١ - يقول الله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ (٥). ٢ - ويقول الرسول محمد ﷺ : أ- «أنا محمد النبىّ الأمىّ، ولا نبىّ بعدى» (٦).

стр. 16

ب- «يا علىّ: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبىّ بعدى» (١) ج- «يا محمد: أنت رسول الله وخاتم الأنبياء» (٢). * كما شاءت إرادته سبحانه أن يجعل رسالة محمد ﷺ رسالة كافة للعالمين، عامة للناس أجمعين إلى قيام الساعة: ١ - وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (٣). ٢ - وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ (٤). * وبهذا شبّه «الإسلام» كأنه قصر عظيم بدئ فى بنائه منذ عهد أول نبى، حتى كمل بناؤه، واستقر صرحه، وثبتت دعائمه، وحسنت صورته ببعث محمد صلى الله عليهم جميعا وسلّم. وهذا تماما ما صوره رسول الله ﷺ حيث يقول: «مثلى فى النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون لو تم موضع هذه اللبنة؟ «فأنا فى النبيين موضع تلك اللبنة». (٥) * وبعد تمام نعمة «الإسلام» واكتمال الدين: ١ - نفى الحرج عن كل أتباع الإسلام الذين ينتسبون إليه منذ عهد إبراهيم ﵇:

стр. 17

وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (١). ٢ - ونهى عن التعرض بالأذى أو الاعتداء لأهل الكتاب من اليهود والنصارى المندرجين بالعهد فى أمة الإسلام والذين أعرضوا عن مسمى الإسلام إلى مسمى اليهودية، والنصرانية. والاكتفاء بدعوتهم «إلى العودة» إلى مسمى «الإسلام» بالحسنى والرفق فإن أجابوا فلأنفسهم، وإن أعرضوا فعليها، و «أما نحن». فله «مسلمون». أ- وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٢). ب- فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٣). * أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ «بالاعلان» لجميع البشر أن «الإسلام» هو الدين القيّم، وهو الصراط المستقيم: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٤) نتيجة هذا المبحث: حقق هذا المبحث النتائج التالية: ١ - «الدّين» غريزة من الغرائز التى فطرها الله وأودعها فى الإنسان عند خلقه كسائر الغرائز. ٢ - غريزة «التّديّن» الكامنة فى فطرة الإنسان تحتاج إلى درجة من الإشباع

стр. 18

سدّا لحاجة هذه الغريزة عند الشعور بها، تماما كحاجته إلى الطعام لسد غائلة الجوع عند الشعور به غريزيا. ٣ - إهمال معالجة إشباع غريزة التدين يؤدى إلى الانحراف عن الله تعالى، وعن دينه الصحيح. ٤ - للإشباع السليم لغريزة التدين عند الإنسان أرسل الله الرسل والأنبياء للناس أيا كان زمانهم أو مكانهم لإرشادهم إلى أن الحقيقة الكبرى، والوحيدة، والباقية التى لا تفنى إنما هى: وجود الله . ٥ - أن جميع الرسل والأنبياء دعاة لدين واحد، له مسمى واحد: هو «الإسلام»، وأنّ له غاية واحدة هى: معرفة الله الذى لا شريك له، ولا خالق سواه. ٦ - اكتملت رسالة الإسلام تماما، وأغلقت النبوات، وختمت الشرائع ببعث محمد ﷺ . المبحث الثانى: الوحى الإلهى مطلب فى: الله ... والفطرة ... والأنبياء ... والوحى ... (١) استدلّ إنسان ما قبل النّبوّات فى مواقع مختلفة من هذا الكوكب بفطرته، وغريزته إلى أن هناك قوة عظمى وخفية هى المؤثرة فى هذا العالم وجودا، ونظاما، ونشاطا. وكان هذا استجابة لمطلب غريزى يدفعه إلى سوق بعض التساؤلات عن خلقه وخالقه، والكون المحيط به، وأنظمته، والحياة، والموت، وما وراءهما. كما كانت استجابة لمطلب عقلى فطرى يدفعه إلى ضرورة الإجابة عن ما قد يتوفر له معرفته ردّا على هذه التّساؤلات الغريزية.

стр. 19

(٢) ولما كان العقل البشرى الفطرى يختلف من إنسان لآخر فى حدّ القدرة والذكاء، كما يختلف فى حدّ الضعف والغباء، وأن الناس يتفاوتون فى المعرفة نتيجة تفاوتهم فى الاستنتاج والاستنباط من مقدمات الكون وأدلته، لذلك لم يترك الله وهو الحقيقة الكبرى والوحيدة- هذا المخلوق نهبا لعقله الفطرى الذى قد يصيب عند البعض، ويخطئ عند الغالبية العظمى، لذلك «ألهم» من بينهم عقلاء ... شرفاء ... أمناء ... أرسلهم إلى أممهم ليدلوهم على الطريق السوى ... ويهدوهم إلى السبيل القويم ... ويتلوا عليهم كتبا فيها تنظيم لسلوكياتهم، وترشيد لمفاهيمهم وأعمالهم، وتعريفهم بمنازلهم عند الخطأ أو حال الصواب. ١ - أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١). ٢ - وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٢). * إذا فالله تعالى هو حقيقة الوجود بلا مراء، ولا جدال، وكل ما عداه باطل .. زائف .. زائل. وهذا المعنى هتفت به فطرة الإنسان العربى قبل أن يبعث النبىّ محمد ﷺ . قال لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل (٣) * وقد دلّت الفطرة السليمة، والنظر السديد فى آيات الكون المنظور .. فى السماء .. فى الأرض .. فى الجبال .. فى البحار .. فى المطر .. فى الرعد .. فى كل شىء على إثبات حقيقة وجود الله تعالى .. وحقيقة أنه الخالق ..

стр. 20

القادر .. القاهر فوق عباده: وفى كل شىء له آية ... تدل على أنه الواحد إلى حدّ أنه من البساطة بمكان إحباط حجة «الملحد» الذى ينكر وجود الله أصلا عند ما يبادرك بسؤاله التقليدى الساذج: ما الدليل على أنّ الله موجود؟ فيكون إحباط ما يظنّ ويدّعى أنه سؤال مفحم بمجرد عكس السؤال وردّه عليه كالآتى: وما الدليل على أن الله غير موجود؟ عندئذ ينكشف الستار عن سهولة الإجابة عن السؤال الأول حيث تتوفر هذه الإجابة فى ملايين الملايين من الأدلة القاطعة التى لا مجال لإنكارها. كما ينكشف الستار لا عن صعوبة الإجابة على السؤال الثانى فحسب .. بل عن استحالة وجود جواب صحيح قاطع يصلح أن يقيم لمعارض حجة. * ولما ثبت وجود الله تعالى بالنظر فى آيات الكون المنظور، والفطرة الغريزية، والدلائل العقلية، والمقدمات المنطقية السليمة المؤدية إلى نتائج صحيحة ثبتت له جل شأنه القدرة على كل شىء: ١ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١). ٢ - يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢). ٣ - يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣). * وتبعا لهذا الإيمان اليقينى الراسخ، نؤمن بأن الله تعالى خلق ما يشاء من الخلق كالملائكة من حيث شاء، وكالجن من حيث شاء، وكالطير من حيث شاء، وكسائر الخلق من حيث شاء، فهو ربّ الخلائق، والعوالم، وله الحمد على كلّ ما خلق:

стр. 21

١ - الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١). ٢ - وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ (٢). * وقدّر لكل مخلوق عمله، ووظيفته، وقدّر له مقدرته على أداء هذه الأعمال، فشأن الملائكة مثلا: القدرة على الهبوط إلى الأرض، والصعود إلى السماء، والتشكل بما يشاءون من الأشكال الحسنة، والأجنحة المتعددة التى تساعدهم على أداء وظائفهم. الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ (٣). * فلا غرابة إذا أن تنزل الملائكة على أشخاص مميزين ليكونوا رسل الله إلى الناس فى أممهم .. ولا يستنكر العقل، ولا العاطفة، ولا الشعور، ولا الغريزة: تلك الظاهرة التى عرضناها فى صلة السماء بالأرض، ألا وهى ظاهرة: الوحى. فلا ينكر أهل «التوراة» أن «الوحى» نزل على موسى ﵇ بها، و «بالألواح» التى كتب له فيها من كل شىء موعظة، وبكل شىء تفصيل. ولا ينكر أهل «الإنجيل» أن «الوحى» نزل على عيسى ﵇ «بالإنجيل»، فيه هدى ونور، ليحكم به أهله بما أنزل الله فيه. فظاهرة «الوحى» عند أصحاب النبوات جميعا ظاهرة معروفة غير منكرة، فهى إذا ثابتة بالتواتر منذ عهد آدم، والكلام عنه من باب تعليم المتعلم ما ينبغى أن يعلم، وليس من باب إثبات شىء يحتاج إلى إثبات؛ وما كتبه بعض الباحثين عن «إمكانية وقوع الوحى» ومحاولة إثباته، لا يعدو أن يكون ترفقا ببعض من يركبهم الغرور الناتج عن خلل فطروا عليه فى تفكيرهم.

стр. 22

نتيجة هذا المبحث: ١ - أن «لله» تعالى هو الخالق للوجود كله بلا مراء ولا جدال. ٢ - ثبوت الوحى المنزل على الرّسل بالتواتر عن جميع الأديان السماوية. مطلب فى: التعريف بالوحى: قال الله : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (١). قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (٢). قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ (٣). فما هو الوحى إذا؟ ما معناه؟ وما أنواعه؟: (١) الوحى فى لغة العرب: مصدر مأخوذ من الفعل: وحى، و .. أوحى وهو لفظ من ألفاظ الاشتراك اللغوى التى تطلق على معان منها: الإلهام، والإشارة، والرسالة، والأمر، والإيماء ويجمعها كلها معنى واحد هو: «إعلام الغير فى خفاء» (٤). وقد ورد لفظ «الوحى» فى القرآن الكريم بهذه المعانى اللغوية الشائعة على النحو التالى: ١ - على سبيل الإلهام الغريزى الذى يعطى للكائن البسيط كالحشرات، والحيوانات لكى تؤدى وظائفها المنوطة بها. ونجد هذا المعنى فى قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا (٥). ٢ - على سبيل الإلهام الفطرى للإنسان، حيث يتلقى الإنسان معلومة فطرية سريعة لم تكن فى سابق تفكيره.

стр. 23

ونجد هذا المعنى متمثلا فى تصرف «أم موسى» الذى يحدثنا به القرآن الكريم: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (١). ٣ - على سبيل الوسوسة، وهو ما يحدث من تفكير الشياطين الذى تحدث عنه القرآن الكريم بقوله: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (٢). فهذه المعانى الثلاثة للوحى تناولها القرآن الكريم من حيث الدلالة اللغوية العامة لمعنى كلمة «الوحى» وليس من حيث الدلالة الاصطلاحية الفنية، التى تدل على الوحى بالمعنى الشرعى. الوحى: شرعا: يجب أن يعرف أن أى معنى اصطلاحى، أو شرعى لا بد وأن يكون مأخوذا من المعنى اللغوى أو من أحد المعانى اللغوية إن كان للكلمة أكثر من معنى. ولا يكون المعنى الاصطلاحى أو الشرعى معتبرا إذا أهمل المعنى اللغوى للكلمة، ومن هنا فإن: الوحى هو: تكليم الله لمن اختاره من عباده بإحدى طرق الوحى. (٣) أو هو: كلام الله المنزل على الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. (٤) وقد عرفه الإمام محمد عبده بقوله: «عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من الله تعالى بواسطة أو

стр. 24

بغير واسطة» (١). ومن هذه التعاريف يفهم أن للوحى الشرعى قيودا، وضوابط يخصصه عن الإطلاق اللغوى العام، وأهم هذه الضوابط هى: أ- له مصدر أساسى، أوحد: وهو الله تعالى (الموحى). ب- له مستقبل مختار بعناية الله: لا يملك التنصل عن مهمة الاستقبال والتبليغ: وهو الرسول المختار (الموحى إليه). ج- له نصّ خاص يراد إبلاغه وبيانه للناس (موحى به). د- له كيفية خاصة تربط المصدر بالمستقبل وهذه الكيفية هى الواسطة بين المصدر، والمستقبل (وهى صور الوحى). مطلب: فى صور الوحى للوحى صور متعددة يأتى فيها وهى: (١) النّفث فى روع النبى، أو إلقاء الإلهام فى قلبه على صورة غير مشكوك فيها أنها من عند الله . وهذه الصورة تتم بطريقتين: الأولى: بالإلهام. ودليلها: قوله ﷺ : «إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسا لن تموت حتى تستوفى رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا فى الطلب» (٢). والثانية: بالرؤيا فى المنام. ودليلها: ١ - قوله تعالى فى شأن إبراهيم وولده إسماعيل:

стр. 25

يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى (١). ٢ - ما أخرجه البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى: الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» (٢). (٢) تكليم الله تعالى لنبيّه من وراء حجاب . وصورتها: أن يسمع الموحى إليه الصوت، ولا يبصر المتكلم لتنزه البارى ﷻ عنه. ودليل هذه الصورة: قوله تعالى فى شأن «موسى» ﵇: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً،. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (٣). (٣) ملك يخصص بالوحى: فيأتى إلى النبى ﷺ على واحد من الصور الآتية: الأولى: صوت كصوت الجرس، أو كدوى النحل، أو كخفق أجنحة الملك يتقدم بإلقاء القول الثقيل على قلبه، ويكون تقدمه من أجل أن يفرغ سمعه للوحى فلا يبقى فيه مكانا لغيره. ودليله: قول عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: «سألت النبى ﷺ : هل تحس بالوحى؟، فقال: أسمع صلاصل، ثم

стр. 26

أسكت، وعند ذلك: فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسى تقبض (١). وهذه أشد حالات الوحى قوة، كما ورد فى صحيح البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت: «سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه علىّ فيفصم عنى، وقد وعيت عنه» (٢). الثانية: يأتيه ملك الوحى على صورته الحقيقية التى خلقه الله تعالى عليها بأجنحته الوفيرة ودليله: ١ - حديث عائشة رضى الله عنها فى رؤيته ﷺ لجبريل. قال ﷺ : «رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (٣). ٢ - حديث زرّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، قال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى، قال: رأى جبريل فى صورته له ستّمائة جناح» (٤). الثالثة: يأتيه ملك الوحى على صورة «رجل» مجهول حسن الصورة لا يعرفه أحد ودليله: حديث عمر رضى الله عنه؛ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب. شديد سواد الشّعر. لا يرى عليه أثر السّفر. ولا يعرفه منّا أحد. حتّى

стр. 27

جلس إلى النّبىّ ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه. وقال: يا محمّد! أخبرنى عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله. وتقيم الصّلاة. وتؤتى الزّكاة. وتصوم رمضان. وتحجّ البيت، إن استطعت إليه سبيلا» قال: صدقت. قال فعجبنا له. يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان، قال «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» قال: صدقت، قال: فأخبرنى عن الإحسان، قال «أن تعبد الله كأنّك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك». قال: فأخبرنى عن السّاعة. قال «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل» قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: «أن تلد الأمة ربّتها. وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاة، يتطاولون فى البنيان». قال: ثمّ انطلق فلبثت مليّا، ثم قال لى «يا عمر! أتدري من السّائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال «فإنّه جبريل. أتاكم يعلّمكم دينكم». الرابعة: يأتيه ملك الوحى، على صورة رجل معين من العرب كان حسن الصورة والهيئة اسمه «دحية الكلبى». أما الرسول ﷺ ، فيعرف أنه جبريل ﵇، ويذكر ذلك لأصحابه بعد أن ينصرف جبريل ﵇. (١). ودليله قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ. (٢). وجميع صور الوحى مجملة كلها فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٣).

стр. 28

ويلاحظ من التدبر والنظر فى ظاهرة الوحى أنّ لها الخصائص التالية: الأولى: أنها قوة خارجية، ليست ذاتية فى نفس النبى الذى يوحى إليه. الثانية: أنها قوة خيّرة معصومة، مهمتها الإرشاد إلى الخير، ومعصومة من الخلل والزلل فى توجيه الأوامر والنواهى، والسلوكيات العامة والخاصة. الثالثة: أنها قوة عالمة، تمد النبىّ بعلم مكنون لم يكن له به معرفة سابقة. الرابعة: أنها حالة اختيارية. الخامسة: أنها أمر عارض غير عادى (١). ولما كنّا قد استخلصنا من تعريف الوحى بالمعنى الشرعى الخاص، والمقيد بالإطلاق اللغوى بمفهومه العام قيودا، وضوابط هى: (١) الموحى: وهو الله تعالى شأنه. (٢) الموحى به: وهو الكلام المنزل. (٣) المرسل بالوحى: وهو الملك. (٤) المستقبل للوحى: وهو الرسول المختار. لذلك فإن كلمة «الوحى» قد تطلق على أغلب هذه الضوابط. فقد يسمى الملك المرسل، وحيا. وقد يسمى الكلام الموحى به- القرآن، والحديث النبوى، والحديث القدسى- وحيا. * ويلاحظ- كذلك- أن الوحى كان ينزل بأوامر الله تعالى، ونواهيه، كما ينزل بالأخبار وقصص الأولين، كما ينزل فاصلا لمنازعات وقتية، ومشاحنات عارضة.

стр. 29

وهى فى كل هذه الأمور لا بدّ أن يوقف الوحى الرّسول الموحى إليه على القول الموحى به من حيث إثباته فى السطور وتدوينه وحفظه فى الصدور، أم لا. ويوقفه على ما ينبغى معرفته إن كان آية يجب إثباتها على أنها من كلام الله تعالى أم أنها خبر للفصل فى قضية أو منازعة. كما نلاحظ- أيضا- الفرق بين الوحى الّذي هو شخص الملك، والوحى الذى هو إلهام، والوحى الذى هو رؤيا فى المنام. فما كان متعلقا بكلام الله تعالى لفظا ومعنى، ونصّا فإن الوحى «الملك» ينزل به شخصيا، ويوقف عليه رسول الله ﷺ على أنه كلام الله تعالى نصا، كما يعلمه موقع الآية، أو الآيات من السورة الواحدة. وما ليس من كلام الله تعالى نصا، ولكنه من كلامه معنى، فإن الوحى فى هذه الصورة يمكن أن يكون بطريق الإلهام، أو الرؤيا، كما يمكن أن يكون بطريق الملك نفسه غير أن الملك يخبر الرسول على أنه ليس من كلام الله نصا. مطلب فى: أنواع الوحى وخصائصه: ولذلك يمكن لنا أن نقسم «الوحى» تقسيما «اجتهاديا» وذلك على ضوء الملاحظات المتكررة فى مبحث «الوحى» إلى حالتين اثنتين «نختصهما بالوحى المنزل على نبينا محمد ﷺ » وهما: (١) وحى جلىّ: وهو القرآن الكريم، كلام الله (لفظا ومعنى). ويقال فيه: وحى مسطور، أو وحى مسجل فى اللوح المحفوظ، خص «جبريل» من بين الملائكة (غالبا) بإنزاله على رسوله محمد ﷺ مفرقا على مدار سنوات الدعوة التى بلغت ثلاثا وعشرين سنة. كما نزل بالكتب على سائر الأنبياء من قبله صلوات الله عليهم جميعا.

стр. 30

(٢) وحى خفىّ: وهو السنة النبوية المشرفة، التى هى (كلام الله معنى)، وأقوال النبى ﷺ لفظا، وأفعاله عملا. وهو بمثابة البيان، والتفصيل للقرآن، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١). ويدخل فى هذا النوع الحديث القدسى. ولما كانت صفة الوحى على هذا الاعتبار والتقسيم الاجتهادى فإننا نلاحظ خصائص عامة مشتركة بين الوحى بنوعيه خفيا أم جليا، كما نلاحظ خصائص منفردة لكل منهما. ١ - الخصائص المشتركة بين الوحى الخفى والوحى الجلى: * أن كليهما من الله . * أن كليهما منزل على محمد ﷺ خاصة. * أن كليهما قابل للتشريع (أى الأمر، والنهى، والإباحة والتحريم). ٢ - خصائص الوحى الجلى وصوره: * أن جميعه متواتر قطعى الثبوت، محصور ومحفوظ بين دفتى المصحف. * أن نزوله بواسطة «الروح الأمين جبريل» الملك المخصص برسائل رب العالمين إلى الرسل والأنبياء، فلا يثبت بالإلهام، ولا بالرؤيا فى المنام. قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٢). ٣ - خصائص الوحى الخفى وصوره: * ليس كله متواترا، وليس كله قطعى الثبوت لكثرته، وتعدد روايته،

стр. 31

واختلاف رواته، وليس كله محصورا فى مكان واحد من كتاب واحد. * يثبت الوحى الخفى بالإلهام، وبالرؤيا فى المنام، وبجبريل ﵇ فهو أعم من الوحى. وهو بهذا الإثبات نوعان: توقيفى، وتوفيقى. * غير مقصود بذاته فى الصلاة فلا تجوز الصلاة به. * معناه من الله تعالى ولفظه من النبى ص. * غير معجز، ولا متحد به البلغاء، وإنما هو من جوامع الكلم. * يصح أداؤه بالمعنى لمن قدر على فهمه ونسى خاصة لفظه، أو شك فيما حفظه منه. * هو أعم من أن يكون إلهاما، أو رؤيا منامية، أو بواسطة جبريل ﵇. * الحديث القدسى يشتمل على الحكم، والمواعظ، وليس فيه تشريع، ولا أحكام. وعلى ألفاظه سمة خاصة تعطيه معنى القدس، أى: الطهر. مطلب فى: كتابة الوحى، وتدوينه، وأشهر كتابه الوحى الجلى: لما كان الوحى الجلى هو القرآن الكريم وهو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته فى الصلاة. لذلك حظى من الرعاية والعناية الغاية القصوى سواء، كان ذلك بالحفظ فى الصدور، أو بالكتابة فى السطور. فلم يلحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، إلا وقد جمع القرآن الكريم ودون فى الصحف، إلى جانب حفظ رسول الله ﷺ له فى صدره حفظا تاما كاملا يراجعه جبريل ويسمعه منه فى شهر رمضان، كما حفظه عدد وفير من

стр. 32

الصحابة رضوان الله عليهم. وكان أشهر كتاب الوحى بين يدى النبى ﷺ : * عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) * على بن أبى طالب. (ت: ٤٠ هـ) * أبى بن كعب. (ت: ٢٠ هـ) * زيد بن ثابت. (ت: ٤٥ هـ) * أبو بكر بن أبى قحافة. (ت: ١٣ هـ) * عمر بن الخطاب. (ت: ٢٣ هـ) * عامر بن فهيرة. (ت: ٣ هـ) * عبد الله بن الأرقم. (ت: ٣٣ هـ تقريبا) * ثابت بن قيس بن شماس. (ت: ١٢ هـ) * خالد بن سعيد بن العاص. (ت: ١٢ هـ) * أبان بن سعيد بن العاص. (ت: ٣٥ هـ) * حنظلة بن أبى عامر الأسدي. (ت: ١٠ هـ) * معاوية بن أبى سفيان. (ت: ٦٠ هـ) * شرحبيل بن حسنة. (ت: ١٨ هـ) * عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول. (ت: ١٢ هـ) * الزبير بن العوام. (ت: ٣٦ هـ) * معيقب بن أبى فاطمة الدوسى. (ت: ٣٤ هـ تقريبا) * المغيرة بن شعبة. (ت: ٥٠ هـ)

стр. 33

* خالد بن الوليد. (ت: ٢١ هـ) * العلاء بن الحضرمى. (ت: ٢١ هـ) * عمرو بن العاص. (ت: ٤٣ هـ) * جهيم بن الصلت. (ت: .... هـ) * عبد الله بن رواحة. (ت: ٨ هـ) * محمد بن مسلمة. (ت: ٤٦ هـ) * عبد الله بن سعيد بن أبى سرح. (ت: ٣٦ هـ) رضى الله عنهم أجمعين. وقد بلغ عدد كتاب الوحى نيفا وأربعين كاتبا، غير أن أكثرهم مداومة وملازمة لكتابة الوحى هو: زيد بن ثابت رضى الله عنه، أما أكثر الصحابة حفظا وجمعا للقرآن الكريم فهم: * عثمان بن عفان. (ت: ٣٥ هـ) * على بن أبى طالب. (ت: ٤٠ هـ) * أبى بن كعب. (ت: ٢٠ هـ) * عبد الله بن مسعود. (ت: ٣٢ هـ) * زيد بن ثابت. (ت: ٤٥ هـ) * أبو الدرداء: عويمر بن صخر. (ت: ٣٢ هـ) * أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر. (ت: ٥٧ هـ) * عبد الله بن عباس. (ت: ٦٨ هـ) * عبد الله بن السائب. (ت: ٧٠ هـ)

стр. 34

نتيجة هذا المبحث: (١) أن «الوحى» بنوعيه الجلىّ، والخفىّ، وصوره التى نزل بها مصدرها واحد. وعن الوحى جاء ما عرف علميا باسم «السنة»، وما عرف علميا باسم «القرآن». (٢) أن الجيل الأول الذى شاهد الوحى وهو ينزل «بالعلم» هم الذين قاموا على تسجيله وضبطه، وحفظة، سواء فى الصدور، أو فى السطور تحت رعاية النبىّ ﷺ وتوجيهه، وإرشاده. المبحث الثالث: السنة النبوية المشرفة (الوحى الخفى) أما الوحى الخفى (أعنى السنة المشرفة) فقد تأخر تدوينها بصفة رسمية نظرا لوجود بعض الأحاديث الناهية عن كتابتها وتدوينها، مما جعل كثيرا من حفاظ السنة ونقلتها يحجمون عن كتابتها تورعا، وخوفا من وقوعهم فى ما نهى رسول الله ﷺ عنه. بقوله: «لا تكتبوا عنى شيئا، ومن كتب عنّى غير القرآن فليمحه». وقد اتخذ بعض المغرضين من تأخر تدوين السنة ذريعة للتشكيك فى صحتها جملة وتفصيلا، أو التشكيك فى معظمها. غير أن الباحث المنصف إذا أمعن النظر فى الحكمة من نهى الرسول ﷺ عن التدوين لوجد أن الباعث على النهى أحفظ للسنة من الباعث على الإجازة بكتابتها. ولو كتبت السنة فى وقت متزامن مع القرآن لكان مجال الطعن فيها وفى القرآن معا أكثر من مجال الطعن فى تأخر تدوينها. وغالب ما يؤدى إليه نظرى أن النبى الأكرم صلوات الله وسلامه عليه كان أكثر تشوفا للمستقبل عند ما نهى عن التدوين المبكر للسنة مما أدى فيما بعد إلى ابتكار علوم الدفاع عنها، وإثراء الفكر الإسلامى بها، وتفتق الملكات العقلية

стр. 35

بمصنفاتها وبحوثها، فى الوقت الذى تجنب فيه كتاب الوحى مظنة الخلط بين تدوين القرآن الكريم وتدوين السنة المشرفة، فقد أمن اللبس والخلط بينهما تماما بسبب ظهور هذا النهى الرسمى المبكر. حتى إذا كان مطلع القرن الثانى الهجرى حفزت مجموعة من الأسباب والبواعث همّة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين إلى إصدار أمره إلى ابن شهاب الزهرى بجمع السنة وتدوينها. وكان هذا أول أمر رسمى بتدوين وكتابة السنة. غير أن المنيّة لم تمهل هذا الخليفة العظيم حتى يرى ثمرة أمنيته وقد تحققت، بل لم يقدّر للسنة النبوية أن تجمع كلها من صدور الرجال فى كتاب واحد. ولكن لم ينته القرن الثالث الهجرى حتى دونت أهم كتب المسانيد والصحاح وهما مسند الإمام أحمد بن حنبل، وصحيح أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، وحتى وقت جمع هذين السفرين الجليلين من صدور الرواة إلى سطور الصحف كانت السنة غالبا تحفظ فى الصدور، ويتلقاها الخلف عن السلف شفاها فى حرص شديد، ودقة تامة. وكان هذا هو الحال الغالب والأعم بالنسبة للسنة النبوية، وإن كان قد وجد بعض الصحف المكتوبة سواء فى عهد النبى ﷺ أم فى عهد الصحابة رضى الله عنهم، غير أن هذه الصحف لم تكن من الغلبة والكثرة بالقدر الذى يمكننا من إصدار حكم قاطع بأن السنة قد دونت وجمعت كلها كما دون القرآن وجمع. ولما كان حظ السنة فى القرون الثلاثة الأولى الغالب عليها «الرواية»، فقد حرص النقاد من حفاظ الحديث حرصا شديدا على تتبع رواة السنة ونقلتها، وتمييز مروياتهم من مرويات غيرهم من الضعفاء والمتهمين بقلة الأمانة فى نقل مأثور الكلام عن المعصوم ﷺ ، لما فى «الرواية» شفاها من مظنة الخطأ وضعف

стр. 36

الحفظ، والتدليس، بل والوضع والكذب فى بعض الأحيان، خاصة وأنه لا يوجد كتاب ضابط، ولا سفر يدوّن على الراوى مقولته، ويسجل عليه روايته، فنشأت لذلك علوم الجرح والتعديل، وتاريخ الرواة لدفع الكذب والكذابين عن صاحب الوحى، سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه. فلا يوجد فى هذه الأعصر الثلاثة الأولى راو إلا وقد غربله النقاد غربلة تامة، وتتبعوه فى كل شأن من شئون حياته، ووضعوه تحت قيود فنية على غاية من الدقة فى التعديل إن كان عدلا، أو فى التجريح إن كان مجروحا. أما ما خلا القرون الثلاثة الأولى، فقد شمّر الحفاظ عن سواعد الجدّ لتدوين السنة المشرفة فى الكتب والأسفار التى ما لبثت أن أخذت من جهود الحفاظ أثمن وأغلى ما فى أعمارهم، واجتهدوا فى ترتيبها، وتبويبها، وتصنيفها حتى استقر غالب السنة فى أسفار عظيمة سمى كل سفر منها بحسب اجتهاد جامعه، وتبويبه، وترتيبه على النحو التالى: ١ - المسند: وهو كتاب يرتبه راوى أحاديثه على أسماء الصحابة بحيث يجمع أحاديث كل صحابى فى مكان واحد على حدة، وأول من رتب الأحاديث النبوية فى مسند هو الإمام أبو داود الطيالسى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، وأجمع المسانيد تدوينا للسنة والحديث هو شيخ الإمام البخارى الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المتوفى سنة ٢٤١ هـ، إذ جمع فيه قريبا من أربعين ألف حديث. ٢ - الصحيح: وهو الكتاب الذى يجمع الحديث طبقا لشروط دقيقة للصحة والاعتبار مشتملة على أبواب الفقه الأكبر (فقه العقائد)، وهى المعروفة اليوم بالصحاح الستة، وهى بحسب ترتيب أهميتها: صحيح البخارى، مسلّم، أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجة. ٣ - السنن: وهى الكتب التى رتبت الحديث طبقا لترتيب أبواب الفقه الكبير (فقه الشريعة)، فتبدأ بأحاديث الطهارة، إلى آخر أبواب هذا الفقه، ومنها

стр. 37

سنن البيهقى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ وسنن الدارقطنى المتوفى سنة ٣٠٦ هـ. ٤ - المصنف: وهو مثل السنن فى ترتيب الأحاديث، وأهمها: مصنف عبد الرزّاق الصنعانى المتوفى سنة ٢١١ هـ ومصنف أبى بكر بن أبى شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. ٥ - الموطأ: وهو مثل السنن، والمصنفات فى ترتيب الأحاديث، وأهمها: موطأ الإمام مالك المتوفى سنة ١٧٩ هـ وموطأ محمد بن الحسن الشيبانى المتوفى سنة ١٨٩ هـ. ٦ - المعجم: وهو الكتاب الذى يرتب الأحاديث على أسماء الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان حسب ترتيب الحروف الهجائية لهذه الأسماء. فمثال المعجم على أسماء الصحابة: المعجم الكبير للطبرانى المتوفى سنة ٣٦٠ هـ. ومثال المعجم على أسماء الشيوخ: المعجم الأوسط للطبرانى أيضا. ومثال المعجم على أسماء البلدان: معجم السفر لأبى طاهر السّلفى المتوفى سنة ٥٧٦ هـ. ٧ - الجامع: وهو كتاب الحديث المشتمل على الأبواب المختلفة من عقائد، وأحكام، ورقاق، وآداب وأكل وشرب وسفر ومقام، وما يتعلق بالتفسير والتاريخ والفتن والمثالب وغير ذلك، مثل جامع الترمذى المتوفى سنة ٢٧٩ هـ. ٨ - المستخرج: وهو الكتاب الذى يقوم راويه بتخريج أحاديث كتاب معين ولكن بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه فى شيخه أو من فوقه مثل: مستخرج أبى على الحسين بن على الخراسانى المتوفى سنة ٣١٢ هـ على صحيح الترمذى. ٩ - الجزء: جمع الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم مثل: جزء الحسن بن سفيان النسائى المتوفى سنة ٣٠٣ هـ ومستخرج

стр. 38

الإسماعيلي على البخارى. أو جمع الأحاديث فى موضوع واحد كجزء فى صلاة الضحى للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ، أو جزء فى قيام الليل للمروزى المتوفى سنة ٢٩٢ هـ. ١٠ - المستدرك: هو الكتاب الذى يستدرك فيه راويه ما فات راوى كتاب آخر من الأحاديث التى شرط على نفسه شروطا معينة لروايتها. مثل: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. ١١ - الموضوع: هو كتاب جمع فيه صاحبه غالب ما رواه الوضاعون والكذابون، والغرض حصره فى مكان واحد ليعرف أنه كذب. مثل: الموضوعات لابن الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ هـ واللآلى المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ. ومن هنا يعرف أنه بعد تدوين غالب السنة، واستقرار العلماء على تسجيلها فى الدفاتر والأسفار قلّت الحاجة إلى تجريح الرواة وتتبعهم كما كان الحال فى القرون الثلاثة الأولى، وصار جلّ اهتمام الرواة على نقل الأحاديث وروايتها من أسفارها المعتبرة، وليس من صدور الرواة، فاكتفى بتعديل الرواة على ستر الحال، وثناء العلماء على الراوى، وشهادتهم له بالتقوى والصلاح دون الحاجة إلى قوانين وقواعد الجرح والتعديل التى نشأت فى عصر الرواية. وبهذا نكون قد أجملنا القول فى معنى «الوحى» بنوعيه القرآن والحديث (ومنه الحديث القدسى)، إجمالا غير مخلّ بالمفهوم العلمى للوحى. على أن ما يجب أن أنبه عليه هو أن تقسيم الوحى إلى خفى وجلى، ليس من قبيل التقسيم الشرعى المنصوص عليه، وإنما هو تقسيم اجتهادى تصورى نابع من البحث والنظر والاستقراء، للتسهيل على الفهم العام. كما يجب التنبيه على أن «الوحى» بأنواعه كلها وحى واجب الاعتبار لا

стр. 39

يصح إنكار جزئية من جزئياته إذا صح ورودها طبقا للمواصفات العلمية الدقيقة التى حققها العلماء، ووضعوا ضوابطها. فالسنة الثابتة بالنقل المحرر الدقيق، كالقرآن سواء بسواء تستقل بالتشريع ويثبت بها الأحكام، ومنكرها منكر للوحى. قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (١). وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (٢). وقال ﷺ : «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه» (٣). وقالت الصحابة- وهم الذين عاينوا الوحى وشاهدوه-: «كان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن». «وسأل رجل عبد الله بن الشّخير- رضى الله عنه- كالمعترض: «حدثنا بالقرآن. كل يوم تقول قال رسول الله .. قال رسول الله!! أما تقل يوما قال الله؟! فقال له عبد الله: أما وإنك لرجل أحمق، والله ما نبغى عن الله بديلا، ولكنّا نريد من هو أعلم منّا بالله (يعنى رسول الله ﷺ . يا هذا أو تجد الظهر فى كتاب الله أربعا لا يجهر فيه بالقراءة؟» والواقع أن منكر السنة هو أصلا منكر للقرآن، لأن السنة والقرآن كليهما وحى مصدرهما النبىّ ﷺ . فالذى أعلمنا بالقرآن هو النبى ﷺ ، ولولاه ما عرفنا القرآن فكيف ننكر قوله بالسنة؟. ولا ينسحب هذا الكلام على ما انفك عن ضوابط العلم من نقل الرواة المجرحين، فالمجرحون من الرواة جنّبت رواياتهم، وغربلت، ووضعت تحت مجهر البحث العلمى والنقد الفنى المنضبط، وقسمت الروايات كلها إلى:

стр. 40

صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع. وجعل لكل قسم دواوين، وأسفار مستقلة منضبطة. كما عرف كل راو من نقلة الوحى معرفة تامة كاملة أحاطت بكل دقة باسمه، واسم أبيه. وأجداده، وكنيته، ولقبه، وسنة مولده ووفاته، وحياته، وشيوخه وتلاميذه، وكل ما ينفى الجهالة عنه فى دينه أو خلقه، ومحله من التعديل والجرح، والإتقان والضبط، بحيث لم يبق هناك إسناد ولا متن لم يخضع لمبضع العلم سندا أو متنا. حتى صار الإسناد وتوثيق الكلام ضابطا من ضوابط أمة الإسلام وخاصية، ومزية من المزايا لا تشاركها فيها أمة سواها. قال عبد الله بن المبارك رضى الله عنه: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (١). وروى عن محمد بن أسلّم الطوسى قوله: «قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله » (٢). فما صحّ نقله أخذ بعين الاعتبار فى تشريع الحلال والحرام. نتيجة هذا المبحث: أن السنة النبوية المشرفة جزء من الوحى لا ينفصل عنه، أخذت حظّها من الحفظ مثلما أخذ القرآن سواء بسواء، وأخذت حظّها من الجمع والتدوين مثلما أخذ القرآن سواء بسواء غير أن جمعها وتدوينها تأخر لحين الانتهاء من استقرار القرآن الكريم بين دفتيه، حتى إذا ما أمن عليه عدم الاختلاط بغيره وأصبح متميزا جدّت الهمم لتدوين السنة مثلما جدّ لتدوين القرآن. ثم أخذ الوحى (قرآنا وسنة) مكانه فى إنشاء الحضارة الإسلامية، ثم رقيّها، ثم استقرارها.
следующие страницы →