← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21486

مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن

عبد الجواد خلف

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحفظ، والتدليس، بل والوضع والكذب فى بعض الأحيان، خاصة وأنه لا يوجد كتاب ضابط، ولا سفر يدوّن على الراوى مقولته، ويسجل عليه روايته، فنشأت لذلك علوم الجرح والتعديل، وتاريخ الرواة لدفع الكذب والكذابين عن صاحب الوحى، سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه. فلا يوجد فى هذه الأعصر الثلاثة الأولى راو إلا وقد غربله النقاد غربلة تامة، وتتبعوه فى كل شأن من شئون حياته، ووضعوه تحت قيود فنية على غاية من الدقة فى التعديل إن كان عدلا، أو فى التجريح إن كان مجروحا. أما ما خلا القرون الثلاثة الأولى، فقد شمّر الحفاظ عن سواعد الجدّ لتدوين السنة المشرفة فى الكتب والأسفار التى ما لبثت أن أخذت من جهود الحفاظ أثمن وأغلى ما فى أعمارهم، واجتهدوا فى ترتيبها، وتبويبها، وتصنيفها حتى استقر غالب السنة فى أسفار عظيمة سمى كل سفر منها بحسب اجتهاد جامعه، وتبويبه، وترتيبه على النحو التالى: ١ - المسند: وهو كتاب يرتبه راوى أحاديثه على أسماء الصحابة بحيث يجمع أحاديث كل صحابى فى مكان واحد على حدة، وأول من رتب الأحاديث النبوية فى مسند هو الإمام أبو داود الطيالسى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، وأجمع المسانيد تدوينا للسنة والحديث هو شيخ الإمام البخارى الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المتوفى سنة ٢٤١ هـ، إذ جمع فيه قريبا من أربعين ألف حديث. ٢ - الصحيح: وهو الكتاب الذى يجمع الحديث طبقا لشروط دقيقة للصحة والاعتبار مشتملة على أبواب الفقه الأكبر (فقه العقائد)، وهى المعروفة اليوم بالصحاح الستة، وهى بحسب ترتيب أهميتها: صحيح البخارى، مسلّم، أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجة. ٣ - السنن: وهى الكتب التى رتبت الحديث طبقا لترتيب أبواب الفقه الكبير (فقه الشريعة)، فتبدأ بأحاديث الطهارة، إلى آخر أبواب هذا الفقه، ومنها

стр. 37

سنن البيهقى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ وسنن الدارقطنى المتوفى سنة ٣٠٦ هـ. ٤ - المصنف: وهو مثل السنن فى ترتيب الأحاديث، وأهمها: مصنف عبد الرزّاق الصنعانى المتوفى سنة ٢١١ هـ ومصنف أبى بكر بن أبى شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. ٥ - الموطأ: وهو مثل السنن، والمصنفات فى ترتيب الأحاديث، وأهمها: موطأ الإمام مالك المتوفى سنة ١٧٩ هـ وموطأ محمد بن الحسن الشيبانى المتوفى سنة ١٨٩ هـ. ٦ - المعجم: وهو الكتاب الذى يرتب الأحاديث على أسماء الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان حسب ترتيب الحروف الهجائية لهذه الأسماء. فمثال المعجم على أسماء الصحابة: المعجم الكبير للطبرانى المتوفى سنة ٣٦٠ هـ. ومثال المعجم على أسماء الشيوخ: المعجم الأوسط للطبرانى أيضا. ومثال المعجم على أسماء البلدان: معجم السفر لأبى طاهر السّلفى المتوفى سنة ٥٧٦ هـ. ٧ - الجامع: وهو كتاب الحديث المشتمل على الأبواب المختلفة من عقائد، وأحكام، ورقاق، وآداب وأكل وشرب وسفر ومقام، وما يتعلق بالتفسير والتاريخ والفتن والمثالب وغير ذلك، مثل جامع الترمذى المتوفى سنة ٢٧٩ هـ. ٨ - المستخرج: وهو الكتاب الذى يقوم راويه بتخريج أحاديث كتاب معين ولكن بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه فى شيخه أو من فوقه مثل: مستخرج أبى على الحسين بن على الخراسانى المتوفى سنة ٣١٢ هـ على صحيح الترمذى. ٩ - الجزء: جمع الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم مثل: جزء الحسن بن سفيان النسائى المتوفى سنة ٣٠٣ هـ ومستخرج

стр. 38

الإسماعيلي على البخارى. أو جمع الأحاديث فى موضوع واحد كجزء فى صلاة الضحى للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ، أو جزء فى قيام الليل للمروزى المتوفى سنة ٢٩٢ هـ. ١٠ - المستدرك: هو الكتاب الذى يستدرك فيه راويه ما فات راوى كتاب آخر من الأحاديث التى شرط على نفسه شروطا معينة لروايتها. مثل: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. ١١ - الموضوع: هو كتاب جمع فيه صاحبه غالب ما رواه الوضاعون والكذابون، والغرض حصره فى مكان واحد ليعرف أنه كذب. مثل: الموضوعات لابن الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ هـ واللآلى المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ. ومن هنا يعرف أنه بعد تدوين غالب السنة، واستقرار العلماء على تسجيلها فى الدفاتر والأسفار قلّت الحاجة إلى تجريح الرواة وتتبعهم كما كان الحال فى القرون الثلاثة الأولى، وصار جلّ اهتمام الرواة على نقل الأحاديث وروايتها من أسفارها المعتبرة، وليس من صدور الرواة، فاكتفى بتعديل الرواة على ستر الحال، وثناء العلماء على الراوى، وشهادتهم له بالتقوى والصلاح دون الحاجة إلى قوانين وقواعد الجرح والتعديل التى نشأت فى عصر الرواية. وبهذا نكون قد أجملنا القول فى معنى «الوحى» بنوعيه القرآن والحديث (ومنه الحديث القدسى)، إجمالا غير مخلّ بالمفهوم العلمى للوحى. على أن ما يجب أن أنبه عليه هو أن تقسيم الوحى إلى خفى وجلى، ليس من قبيل التقسيم الشرعى المنصوص عليه، وإنما هو تقسيم اجتهادى تصورى نابع من البحث والنظر والاستقراء، للتسهيل على الفهم العام. كما يجب التنبيه على أن «الوحى» بأنواعه كلها وحى واجب الاعتبار لا

стр. 39

يصح إنكار جزئية من جزئياته إذا صح ورودها طبقا للمواصفات العلمية الدقيقة التى حققها العلماء، ووضعوا ضوابطها. فالسنة الثابتة بالنقل المحرر الدقيق، كالقرآن سواء بسواء تستقل بالتشريع ويثبت بها الأحكام، ومنكرها منكر للوحى. قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (١). وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (٢). وقال ﷺ : «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه» (٣). وقالت الصحابة- وهم الذين عاينوا الوحى وشاهدوه-: «كان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن». «وسأل رجل عبد الله بن الشّخير- رضى الله عنه- كالمعترض: «حدثنا بالقرآن. كل يوم تقول قال رسول الله .. قال رسول الله!! أما تقل يوما قال الله؟! فقال له عبد الله: أما وإنك لرجل أحمق، والله ما نبغى عن الله بديلا، ولكنّا نريد من هو أعلم منّا بالله (يعنى رسول الله ﷺ . يا هذا أو تجد الظهر فى كتاب الله أربعا لا يجهر فيه بالقراءة؟» والواقع أن منكر السنة هو أصلا منكر للقرآن، لأن السنة والقرآن كليهما وحى مصدرهما النبىّ ﷺ . فالذى أعلمنا بالقرآن هو النبى ﷺ ، ولولاه ما عرفنا القرآن فكيف ننكر قوله بالسنة؟. ولا ينسحب هذا الكلام على ما انفك عن ضوابط العلم من نقل الرواة المجرحين، فالمجرحون من الرواة جنّبت رواياتهم، وغربلت، ووضعت تحت مجهر البحث العلمى والنقد الفنى المنضبط، وقسمت الروايات كلها إلى:

стр. 40

صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع. وجعل لكل قسم دواوين، وأسفار مستقلة منضبطة. كما عرف كل راو من نقلة الوحى معرفة تامة كاملة أحاطت بكل دقة باسمه، واسم أبيه. وأجداده، وكنيته، ولقبه، وسنة مولده ووفاته، وحياته، وشيوخه وتلاميذه، وكل ما ينفى الجهالة عنه فى دينه أو خلقه، ومحله من التعديل والجرح، والإتقان والضبط، بحيث لم يبق هناك إسناد ولا متن لم يخضع لمبضع العلم سندا أو متنا. حتى صار الإسناد وتوثيق الكلام ضابطا من ضوابط أمة الإسلام وخاصية، ومزية من المزايا لا تشاركها فيها أمة سواها. قال عبد الله بن المبارك رضى الله عنه: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (١). وروى عن محمد بن أسلّم الطوسى قوله: «قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله » (٢). فما صحّ نقله أخذ بعين الاعتبار فى تشريع الحلال والحرام. نتيجة هذا المبحث: أن السنة النبوية المشرفة جزء من الوحى لا ينفصل عنه، أخذت حظّها من الحفظ مثلما أخذ القرآن سواء بسواء، وأخذت حظّها من الجمع والتدوين مثلما أخذ القرآن سواء بسواء غير أن جمعها وتدوينها تأخر لحين الانتهاء من استقرار القرآن الكريم بين دفتيه، حتى إذا ما أمن عليه عدم الاختلاط بغيره وأصبح متميزا جدّت الهمم لتدوين السنة مثلما جدّ لتدوين القرآن. ثم أخذ الوحى (قرآنا وسنة) مكانه فى إنشاء الحضارة الإسلامية، ثم رقيّها، ثم استقرارها.

стр. 41

المبحث الرابع: القرآن الكريم (الوحى الجلى) مطلب فى التعريف بالقرآن الكريم: (١) فى اللغة: أ- إما أن يكون مصدر على وزن: «فعلان»، ويكون فعله: «قرأ» بالهمزة ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ (١) أى قراءته. «وقرأ» الشيء؛ أى: جمعه، وضمه بعضه إلى بعض، ويكون معنى: «القرآن: الجمع، والضم؛ سمى بذلك لأنه: يجمع الآيات فيضمها فى سورة، ويجمع السور فيضمها بعضها إلى بعض (٢). وقيل: سمى بذلك لكونه جامعا لثمرة الكتب السماوية السابقة، أو لكونه جامعا لثمرة كل العلوم، كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ (٣). ب- وإما أن يكون من: «قرن» تقول: قرن الشيء بالشيء: إذا ضمّه. ج- وإما أن يكون لفظ «قرآن». اسم علم مرتجل على كتاب الله غير مشتق من أى فعل (٤). (٢) فى الاصطلاح: حاول بعض الباحثين حصر القرآن الكريم في تعريف ذى قيود مميزة لخصائص القرآن فقال: هو كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ ، المكتوب بين دفتى المصحف، المبدوء بسورة الحمد، المختوم بسورة الناس، المعجز بلفظه ومعناه، المتعبّد

стр. 42

بتلاوته، المنقول بالتواتر». ورغم أن القرآن الكريم لا يمكن حصره فى تعريف اصطلاحى لتعذر جمع قيوده الضابطة لمعناه، الحاصرة لأوصافه؛ غير أن هذا التعريف اشتمل على أشهر قيود المعرّف، وبيانها على النحو التالى (١): القيد الأول: إضافة الكلام إلى الله- فكانت العبارة «كلام الله» فخرج بهذا القيد: سائر كلام المخلوقين: كالملائكة والرسل والإنس والجن. القيد الثانى: «المنزل» خرج بهذا القيد: الكلام الإلهى الذى استأثر الله- تعالى به، ولم ينزله على أحد من خلقه. وهذا المنزل بالنسبة لغير المنزل قليل جدا؛ يشير إلى ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢). القيد الثالث: «على سيدنا محمد ﷺ » خرج بهذا القيد: الكلام الإلهى المنزل على الأنبياء والمرسلين قبله مثل: التوراة والزبور والإنجيل وصحف آدم وشعيب وإبراهيم وموسى يقول الحق- ﵎: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ١٦٤ (٣).

стр. 43

القيد الرابع: «المكتوب بين دفتى المصحف، وذلك أن النبى صلوات الله عليه وسلّم كان يدعو كتبة الوحى، ويأمرهم بكتابة الآيات والسور إثر تلقيها من جبريل- ﵉ وقد أشار إلى ذلك قوله- : وَالطُّورِ ١ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ٢ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ٣ (١). القيد الخامس: «أوله سورة الحمد وآخره سورة الناس» خرج بهذا القيد ما نسخت تلاوته، وما نسخت تلاوته وحكمه معا (٢). القيد السادس: «المعجز بلفظه ومعانيه» فقد تحدى الله- الإنس والجن، وطلب إليهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور أو بسورة واحدة فعجزوا قال تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ٨٨ (٣). وقال- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ١٣ (٤). هذا؛ من جهة اللفظ، أما من جهة المعانى: فقد ثبت إعجازه للخلق كافة: فمن نظر إلى آيات القرآن وجدها محدودة العدد إذا ما قورنت بالمعانى التي تندرج تحت الألفاظ ولا يزال عطاء القرآن ممتدا إلى يوم الجزاء. قال- جلت حكمته- وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩ (٥).

стр. 44

وقد سجل لنا التاريخ بعضا ممن اختلت عقولهم وفسدت عقائدهم: حاولوا معارضة القرآن ففضح أمرهم وهموا بما لم ينالوا، إذ أن المطلع على كلامهم يجده هراء ولغوا لا يقوى على مواجهة الفصيح من كلام الخلق فضلا عن قدرته على مواجهة كلام الخلّاق، فكانت محاولاتهم بمثابة العدم المحض. (١) ولقد كان القرآن معجزا لأنه من لدن قوى قاهر أحاط بكل شىء علما، متصف بصفات الكمال ومتنزه عن صفات النقص فكان كلامه معجزا لذلك، وكلام المخلوقين صادر عن ضعيف ناقص لا يملك أسباب الكمال، لذا فقد جاء غير معجز ولا سالم من صفات النقص. ويخرج بهذا القيد- أيضا- الحديث القدسى، فهو منسوب إلى الله تعالى، لكنه لم يصل بألفاظه ومعانيه إلى حد الإعجاز. القيد السابع: «المتعبد بتلاوته» فقد تعبدنا الله- بتلاوته واعتبرها الشارع الحكيم عبادة فى حد ذاتها، فى الصلاة وفى خارجها. قال تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ (٢) فقد أمر بالتلاوة فى الصلاة وجعلها ركنا من أركانها لا تصح الصلاة بدونها. وقال- ﵎ آمرا بالتلاوة حاضا على التدبر والعمل بما فى القرآن من أوامر ونواه حيث قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣)، وبهذا القيد خرج الحديث القدسى والحديث النبوى، والقرآن المنسوخ التلاوة لأن الله لم يأمرنا بتلاوتها فى الصلاة ولا فى خارجها ولم يتعبدنا بها كذلك. القيد الثامن: «المنقول بالتواتر» لم يحظ كتاب من الكتب السماوية بمثل ما حظى به

стр. 45

القرآن الحكيم من حيث قوة السند الناقل له حتى كان معصوما ومحفوظا من أيدى العابثين، والمقصود بالتواتر: هو أن ينقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب- عن جمع مثلهم حتى يتصل السند بالمنزّل عليه ﷺ . وهكذا قد نقل إلينا القرآن بسوره وآياته بهذا الطريق القطعى الثبوت، وقد هيأ الله له الأسباب حتى كان كذلك تحقيقا لوعده بحفظه حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. (١) ويخرج بهذا القيد: ما نسخت تلاوته، والقراءات غير المتواترة سواء أكانت مشهورة أم غير ذلك مثل قراءة عبد الله بن مسعود (متتابعات) عقب قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وكقراءته- أيضا- رضى الله عنه (متتابعات) عقب قوله- وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فإن شيئا من ذلك لا يسمى قرآنا ولا يأخذ حكمه (٢). فإن قال قائل: لم اهتم علماؤنا اهتماما بالغا بتدوين مثل هذه القراءات أو بما نسخت تلاوته على حين أنها لا يطلق عليها حكم القرآن ولا تسمى به؟ قيل: كان اهتمامهم بها (وبتدوينها) من أكبر الأدلة على مدى اهتمام المسلمين عامة والصحابة والأولين خاصة بتدوين كل ما يتعلق بكتاب ربهم سواء وصل سنده إلى حد التواتر أولا. كما أنه يحتاج إلى غير المتواتر عند اختلاف الأحكام الفقهية فى ترجيح أحدها على الآخر (٣). مطلب فى بعض أسماء القرآن، وأوصافه: (أ) أسماؤه: للقرآن أسماء كثيرة أهمها: (١) القرآن: قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٤). (٢) الكتاب: قال تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (٥).

стр. 46

(٣) الفرقان: قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ (١). (٤) الذكر: قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٢). (٥) التنزيل: قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣). (٦) كلام الله: قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٤). (ب) أوصافه: وصف الله تعالى القرآن الكريم بأوصاف كثيرة منها: ١ - أنه: «عربى، وبشير، ونذير» قال تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً (٥). ٢ - أنه: «هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة» قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٦). ٣ - أنه: نور: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (٧). ٤ - أنه: بشرى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٨). ٥ - أنه: عزيز وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٩).

стр. 47

القسم الثانى علوم القرآن

стр. 48

القسم الثانى علوم القرآن الكريم تمهيد: علوم القرآن بالمعنى الإضافى: هى كل ما يتعلق بعلوم الحضارة الإسلامية التى ذكرنا لك أن أساسها الوحى، سواء كانت هذه العلوم دينية، أم عربية. فعلوم القرآن إذا تشمل جميع علوم الحضارة الإسلامية من فقه، وتفسير، وحديث، وعقيدة، ونحو، وصرف، وبلاغة، وأدب. وغير ذلك. علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي: ويقصد بها مجموعة العلوم التى تتعلق مباحثها بالقرآن الكريم خاصة سواء ما يتعلق بنزوله، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه، ومنسوخه، ومكّيه ومدنيه، ودفع الشبه عنه، إلى آخره. موضوع علوم القرآن: هى مسائلها المتعلقة بالقرآن الكريم من أىّ ناحية من النواحى المذكورة فى التعريف، كل علم فيما يخص مسائله. (١) فعلم التفسير: موضوعه: القرآن الكريم من حيث شرح آياته، وبيان معناها. (٢) وعلم الناسخ والمنسوخ: موضوعه: القرآن الكريم من حيث معرفة الآيات التى رفع حكمها بخطاب شرعى آخر متراخ عنه فى النزول. (٣) وعلم القراءات: موضوعه: القرآن الكريم من ناحية لفظه وأدائه. وهكذا سائر علوم القرآن الباقية موضوعها كلها «القرآن الكريم» ولكن بالحيثيات المختلفة التى تتعلق بكل فنّ على حدة. علاقة علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي، بعلوم القرآن بالمعنى الإضافي: إذا كانت علوم القرآن بالمعنى الإضافى تشمل كافة العلوم المتعلقة بالحضارة

стр. 49

الإسلامية بالمعنى العام، وأن علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي تتعلق بالقرآن الكريم بالمعنى الخاص. فإن العلاقة بين المعنى الاصطلاحي، والمعنى الإضافى كعلاقة الفرع بالأصل، ونسبته إليها «كنسبة الفرع إلى أصوله، أو الدليل إلى مدلوله. كما عبّر الزرقانى فى «المناهل» (١). فائدة علوم القرآن الكريم: لما كانت الحضارة الإسلامية ككل مبنية أصلا على «الوحى». سواء أكان جليا وهو «القرآن». أم خفيا، وهو «السّنّة». فأن «المفسّر» للقرآن، والشارح للسنة يحتاج إلى أدوات يفسّر بها القرآن لتعينه على تقريب مراد الله تعالى من آياته إلى أذهان الناس. ولا وسيلة لهذا إلا بمعرفة العلوم التى تعينه على ذلك. ومثل علوم القرآن هنا كمثل علوم الحديث بالنسبة لمن أراد أن يدرس علم الحديث. وهو ما عبر عنه السيوطى فى مقدمة «الإتقان». حين قال: «ولقد كنت فى زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابا فى أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث». ثم أخذ يستعرض ما وقع له من مشايخه فى علوم القرآن (٢). وبهذا يعرف فى الجملة أن من أراد أن يقترب من مراد الله تعالى فى آيات القرآن فعليه أن يلم إلماما كافيا بعلوم القرآن فهى وسيلته التى تعينه على ذلك. أهمية علوم القرآن: (١) لا شك أن القرآن الكريم نفسه هو أساس مادة التشريع والأحكام، وبيان

стр. 50

الحلال والحرام، ولا يعرف ذلك إلا من خلال معرفة علوم القرآن الكريم كمعرفة المكى والمدنى، وأول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل، ليتوصل بذلك إلى ما إذا كان الحكم منسوخا أو محكما، فهذه العلوم هى التى تمد المفسر ببيان التفسير، وتمد الفقيه بمعرفة الأحكام، وتمد الأصولى بالقواعد الكلية. (٢) ولمواقع النظم القرآنى غرض لا يعرفه إلا من تمرس بعلم البلاغة، ولبيان إعجاز القرآن، وبلاغته يلجأ إلى دراسة علم إعجاز القرآن ودراسة أسلوبه. (٣) وكذلك فإن معانى القرآن، وأسلوب القرآن، وضمائره، كلها تتضافر مع علم الناسخ والمنسوخ، والمكىّ والمدنى، المتقدم والمتأخر، وغيرها من علوم القرآن فى خدمة القضايا الكلية التى نزل القرآن أصلا لمعالجتها سواء فى النواحى الاجتماعية، أم السياسية، أم الاقتصادية، أم الحربية، أم الأخلاقية، أم غير ذلك. تطور علوم القرآن يرى كثير من الباحثين أن علوم القرآن لم تترعرع وتشب عن الطوق إلا على يد بدر الدين الزركشى فى نهاية القرن الثامن الهجرى. غير أنه يحسن بنا أن نلقى الضوء فى اختصار على تاريخ بدء هذا العلم ومراحل نموّه فى النقاط التالية: * نشأت علوم القرآن فى صدور الصحابة- رضوان الله عليهم- حيث كانوا أعلم الناس بالقرآن ومعرفة علومه دون أن تكون لهذه العلوم ثمة شىء من التدوين أو التسجيل، شأن كافة العلوم التى نبتت فى صدور الصحابة، وعرفوها وميزوا آيات الذكر الحكيم على ضوئها دون أن تسمّى هذه العلوم، فضلا عن أن يكون لها نصيب من التدوين، إذ كان النهى عن تدوين غير القرآن أمر صاحب الرسالة- صلوات الله وسلامه عليه- مخافة أن يلتبس غير القرآن به. وما أن كانت الخلافة الراشدة الثالثة حتى هبّ عثمان بن عفان- رضى الله عنه- بجمع القرآن على لغة واحدة هى لغة قريش، وعلى رسم واحد فى الكتابة

стр. 51

عرف حتى يومنا هذا باسم «الرسم العثمانى». وكان هذا العمل بعد أن بلغه أن المسلمين فى الأمصار من أهل القبائل المختلفة يكادون يتقاتلون لاختلاف القراءات والروايات. وما أن جمع المصحف على لغة واحدة، ورسم واحد، حتى نسخت منه عدة نسخ أرسلت إلى مختلف الأمصار الإسلامية، وأحرق ما عداها. وبهذا يكون خليفة المسلمين الثالث عثمان- رضى الله عنه- قد وضع أول لبنة فى «علم رسم القرآن». وهو أحد «علوم القرآن» وهو علم الرسم والضبط. ولما انتقل مقر الخلافة من المدينة إلى الكوفة فى عهد على- كرم الله وجهه- وانتشر أصحاب رسول الله ﷺ : ظهرت مدارس التفسير فى الأمصار الإسلامية وعلى رأسها: (١) المدرسة المكية: وشيخها ابن عباس- رضى الله عنهما- وتلاميذها: مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغيرهم. (٢) المدرسة المدنية: وشيخها أبىّ بن كعب- رضى الله عنه- وتلاميذها: أبو العالية، ومحمد بن كعب القرظى، زيد بن أسلم العدوى، وغيرهم. (٣) المدرسة العراقية: وشيخها عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- وتلاميذها: الحسن البصرى، علقمة النخعى، ومسروق بن الأجوع، وعامر الشعبى، وغيرهم. وقد قدّم لنا المعنيون برصد علوم القرآن مادة علمية وفيرة، سواء ما يتعلق منها بإنشاء علوم القرآن علما علما، أو ما يتعلق منها بحصر ما كتب حولها منذ نشأة هذه العلوم. وإذا كان القرآن الكريم هو أصل الأصول فى إنشاء الحضارة الإسلامية فلا غرابة أن تكون العلوم التى تأسست على هذا الأصل قد بلغت عشرات العلوم.

стр. 52

وإذا نحن تتبعنا ما رصده بدر الدين الزركشى، وجلال الدين السيوطى من علوم القرآن الكريم وحده لوجدنا أنها تعدّت السبعين علما. وهذا السيوطى على وجه التحديد يذكر لنا ثمانين علما من علوم القرآن الكريم. والناظر فيها إجمالا يجدها تندرج تحت ستّ مجموعات يمكن إجمالها على النحو التالى: المجموعة الأولى: علوم تتعلق بنزول القرآن الكريم، وتبلغ ستة عشر علما هى: ١ - علم معرفة: ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة. ٢ - علم معرفة: ما نزل فى الحضر، وما نزل فى السفر. ٣ - علم معرفة: ما نزل فى الليلى، وما نزل فى النهار. ٤ - علم معرفة: ما نزل فى الصيف، وما نزل فى الشتاء. ٥ - علم معرفة: ما نزل فى الفراش، وما نزل فى النوم. ٦ - علم معرفة: ما نزل فى الأرض، وما نزل فى السماء. ٧ - علم معرفة: أول ما نزل من القرآن. ٨ - علم معرفة: أخر ما نزل من القرآن. ٩ - علم معرفة: أسباب نزول آيات القرآن وسوره. ١٠ - علم معرفة: ما أنزل من القرآن على لسان بعض الصحابة. ١١ - علم معرفة: ما تكرر نزوله من الآيات، أو السور. ١٢ - علم معرفة: ما تأخر حكمه عن نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه. ١٣ - علم معرفة: ما نزل مفرقا، وما نزل جمعا. ١٤ - علم معرفة: ما نزل مشيّعا، وما نزل مفردا. ١٥ - علم معرفة: ما أنزل من القرآن على بعض الأنبياء، وما لم ينزل منه

стр. 53

على أحد قبل محمد ﷺ . ١٦ - علم معرفة: كيفية إنزاله. المجموعة الثانية: علوم تتعلق بذات القرآن الكريم، وتصل إلى تسعة علوم وهى: ١٧ - علم معرفة: أسماء القرآن، وأسماء سوره. ١٨ - علم معرفة: عدّ سوره، وآياته، وكلماته، وحروفه. ١٩ - علم معرفة: فواصل الآى. ٢٠ - علم معرفة: فواتح السّور. ٢١ - علم معرفة: خواتم السور. ٢٢ - علم معرفة: مناسبة الآيات، والسور لما قبلها، وما بعدها. ٢٣ - علم معرفة: فضائل القرآن. ٢٤ - علم معرفة: أفضل القرآن، وفاضله. ٢٥ - علم معرفة: خواص القرآن. المجموعة الثالثة: علوم إجرائية تتعلق بالقراءة، والكتابة، والآداب، وتبلغ عشرة علوم. أ- ما يتعلق بالقراءة: ٢٦ - علم معرفة: أماكن الوقف، وأماكن الابتداء فى القراءة. ٢٧ - علم معرفة: الإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب. ٢٨ - علم معرفة: ما ينبغى أن يمد، وما ينبغى أن يقصر. ٢٩ - علم معرفة: الإمالة، والفتح. ٣٠ - علم معرفة: تخفيف المهموز. ٣١ - علم معرفة: الموصول لفظا، المفصول معنى.

стр. 54

ب- ما يتعلق بالكتابة: ٣٢ - علم معرفة: رسم خط المصحف. ٣٣ - علم معرفة: جمع القرآن، وترتيبه. ٣٤ - علم معرفة: كيفية تحمله، وحفظه. ٣٥ - علم معرفة: آداب تلاوته، وآداب تاليه. المجموعة الرابعة: علوم تتعلق بدرجة تحمّل القرآن عن السلف حفظا، ورواية. وتصل إلى ثمانية علوم هى: ٣٦ - علم معرفة: حفّاظه، ورواته. ٣٧ - علم معرفة: العالى والنازل من أسانيده. ٣٨ - علم معرفة: المتواتر. ٣٩ - علم معرفة: المشهور. ٤٠ - علم معرفة: الآحاد. ٤١ - علم معرفة: الشاذ. ٤٢ - علم معرفة: المدرج. ٤٣ - علم معرفة: الموضوع. المجموعة الخامسة: هى العلوم المستنبطة من القرآن، وهى أنواع: أ- علوم اللغة، والنحو، والبلاغة . ٤٤ - علم معرفة: مفردات القرآن. ٤٥ - علم معرفة: غريب القرآن. ٤٦ - علم معرفة: ما وقع فى القرآن بغير لغة أهل الحجاز. ٤٧ - علم معرفة: ما وقع فى القرآن بغير لغة العرب.

стр. 55

٤٨ - علم معرفة: إعراب القرآن. ٤٩ - علم معرفة: المحكم والمتشابه. ٥٠ - علم معرفة: العام والخاص. ٥١ - علم معرفة: المجمل والمبين. ٥٢ - علم معرفة: مطلقه ومقيده. ٥٣ - علم معرفة: مشكلة، وموهم الاختلاف، والتناقض. ٥٤ - علم معرفة: مقدمه، ومؤخره. ٥٥ - علم معرفة: منطوقه، ومفهومه. ٥٦ - علم معرفة: الخطاب فى القرآن، ووجوهه. ٥٧ - علم معرفة: حقيقة القرآن ومجازه. ٥٨ - علم معرفة: تشبيهه، واستعارات. ٥٩ - علم معرفة: كناياته، وتعريضاته. ٦٠ - علم معرفة: الحصر، والاختصاص. ٦١ - علم معرفة: الإيجاز والإطناب. ٦٢ - علم معرفة: الخبر والإنشاء. ٦٣ - علم معرفة: بديع القرآن. ٦٤ - علم معرفة: إعجاز القرآن. ٦٥ - علم معرفة: الوجوه والنظائر. ٦٦ - علم معرفة: المتشابه. ٦٧ - علم معرفة: المبهم. ٦٨ - علم معرفة: أسماء من نزل فيهم القرآن. ٦٩ - علم معرفة: ما وقع فى القرآن من الأسماء، والكن، والألقاب.

стр. 56

٧٠ - علم معرفة: أمثال القرآن. ٧١ - علم معرفة: أقسام القرآن. ٧٢ - علم معرفة: جدل القرآن. ٧٣ - علم معرفة: الناسخ والمنسوخ. ب- علوم أخرى أشار إليها القرآن الكريم تنبيها لا تفصيلا: ٧٤ - كعلم الأجنة، والطب النفسى والعضوى، والعلوم الفلكية، والجغرافية، وعلوم الحرف، والصناعات، وغيرها. المجموعة السادسة: وهى علوم تتعلق بخدمة القرآن تفسيرا، واستنباطا، وبيانا وتأويلا. ٧٥ - علم معرفة: تفسير القرآن. ٧٦ - علم معرفة: الأدوات التى يحتاج إليها المفسر. ٧٧ - علم معرفة: القواعد النحوية التى يحتاج إليها المفسر. ٧٨ - علم معرفة: شروط المفسر وآدابه. ٧٩ - علم معرفة: غرائب التفسير. ٨٠ - علم معرفة: طبقات المفسرين. وللباحثين تقريع هذه العلوم واستنباط ما يشاءون منها من علوم القرآن الكريم، فهو معين لا ينضب، وقد قال من نزل عليه ﷺ : «هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضى عجائبه». (١)

стр. 57

الباب الأول علم التفسير

стр. 58

الباب الأول علم التفسير تمهيد، وتعريف: من المفيد جدا أن نقول: إن علم «التفسير» هو أصل علوم القرآن كلها؛ وهو أول ما نشأ من هذه العلوم، وكانت نشأته بذرة طيبة نبتت وترعرعت فى أحضان «الوحى». فالمفسر، والمبين الأول عن الله تعالى، هو رسول رب العالمين، ومن أنزل عليه القرآن الذى طولب بأن يكون هو المبين، والموضح، والمفسر له. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١). وكان تفسير النبى ﷺ فى الحدود المطلوبة التى احتاج الناس إليها فى زمنه، فلم يؤثر عنه ﷺ أنه فسّر جميع القرآن آية آية. ذلك أن القرآن كان ينزل فيترجم إلى سلوك، وواقع عملى، وكان هذا السلوك الواقعى هو أعظم ما يفسر القرآن ويبينه، ويوضّحه، إلى جانب أن القرآن كان ينزل بلغة العرب، وما تعارفوا عليه من استعمالاتها البلاغية المختلفة، ولم يكونوا قد اختلطوا- بعد- بغيرهم من أصحاب اللغات الأخرى. وكان منهج النبى ﷺ فى بيانه وتفسيره للقرآن يقوم على القرآن نفسه، فما هو مبهم فى موضع موضح فى موضع آخر كما فى قوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (٢). عرّفوا فى سورة النساء بأنهم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون فى قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٣).

стр. 59

كما اعتمد تفسيره ﷺ على ما كان «يوقفه الوحى» عليه من التفسير، كما فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١)؛ قال ﷺ ؛ الكوثر «نهر فى الجنة أعطانيه ربّى» (٢). أو ما كان ينزل لسبب من الأسباب الكثيرة الواردة فى مظانها المختلفة من علم التفسير. ولم يكن ثمّة حاجة إلى تدوين التفسير فى عهده ﷺ لبواعث هامة اقتضتها النبوة، وهى النّهى عن تدوين شىء «غير القرآن» آنذاك، وهو باعث لا يدركه إلا النبىّ بينما يلوكه بالنقد من يجهل مثل هذا الباعث الهام. ولكن المتفحص لهذا الباعث يرى أنه من قبيل الإرهاصات النبوية للمستقبل، فعدم تدوين شىء من تفسير النبىّ ﷺ ، أو شىء من أحاديثه فى غير مجال التفسير، أفسح المجالات الواسعة لظهور علوم الحضارة الإسلامية، وهى مئات العلوم. لأنه لمّا لم تدوّن علوم القرآن، ولا علوم الحديث؛ ظهر الافتيات على الأمة ورسولها بظهور الكذابين، والوضاعين، فقام الجهابذة من العلماء لوضع القوانين العلمية الضابطة لعلوم القرآن، ولعلوم الحديث، ولولا ذلك ما شحذت الهمم لمثل هذا القيام. وكان أول ما ظهر علم تفسير القرآن الذى صار بعد ذلك محتاجا إلى إظهار كافة علوم القرآن علما علما. فالمفسّر صار يحتاج فى تفسيره إلى معرفة، القراءات الواردة عن المعصوم ﷺ لأن هذه القراءات بمثابة بيان للقرآن، وتفسير له. واحتاج فى تفسيره إلى معرفة علوم نزوله: كالمكى والمدنى، وما نزل أولا، وما نزل آخرا؛ وغير ذلك من علوم القرآن. وكان كلما تباعد الزمان عن وقت نزول الوحى قلّت الحاجة إلى ذلك فى زمن التنزيل لقربهم من التعامل الذاتى مع الوحى، وشارحه المكلف بالبيان وهو

стр. 60

رسول الله ﷺ . فلا غرابة إذا أن يكون التفسير هو أمّ علوم القرآن كلها، وأنها إنما ابتكرت ونشأت لخدمة التفسير، فالتفسير إذا علم خادم لكتاب الله ، وعلوم القرآن كلها، أو جلّها- على أقل تقدير- خادمة لعلم التفسير. فأصبح من اللازم علينا أن نجعل منهجنا فى هذا المدخل وفقا لما عنونّا به هذه الدراسة وهى (مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن) ليخبر عنوان هذه الدراسة عمّا يحتويه باطنها من القصد العلمى، ويلمس كبد الحقيقة منها. تعريف التفسير: يستعمل التفسير فى الكشف الحسى، كما يستعمل فى الكشف عن المعانى المعقولة، والاستعمال الثانى أكثر. التفسير: لغة مأخوذ من «الفسر» وهو: الإبانة وكشف المغطّى. والتأويل: ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. وقال ثعلب: «التفسير والتأويل واحد» (١). واصطلاحا: عرفه الزركشى فى «البرهان» بأنه: ١ - علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل على محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه (٢). ٢ - أو هو: «علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية». ٣ - أو هو: علم يبحث فى نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. ويظهر من هذه التعاريف أن موضوع التفسير هو آيات القرآن الكريم من حيث بيان معانيها واستخراج أحكامها وحكمها.

стр. 61

مبحث فى: نشأة التفسير ومراحله ١ - كان القرآن ينزل منجما على رسول الله ﷺ على مدى ثلاثة وعشرين عاما فمنه ما كان ينزل على الحوادث والأسباب، فيكون هذا بيانه وتفسيره، ومنه ما كان ينزل ابتداء، وفيه من بواطن العلم ما لا يعرفه أحد إلا رسول الله ﷺ فيفسره ويوضحه للناس كما ورد فى تفسير الكوثر فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ قال: «الكوثر نهر فى الجنّة أعطانيه ربى». فكان النبى ﷺ هو المصدر الأول للتفسير، والمرجع الأساسى المبين لمراد الله- تعالى- على وجه الحقيقة. ٢ - وانتقل علم رسول الله ﷺ فى معرفة كتاب الله وبيان معانى آياته إلى فئة معينة من أصحابه- رضى الله عنهم- وكانوا ستة عشر نفرا هم أعلم الأمة بالتفسير وهم: (أ) من الرجال: ١ - أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- ٢ - عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- ٣ - عثمان بن عفان- رضى الله عنه- ٤ - على بن أبى طالب- رضى الله عنه- ٥ - عبد الله بن عباس- رضى الله عنه- ٦ - عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- ٧ - أبىّ بن كعب- رضى الله عنه- ٨ - زيد بن ثابت- رضى الله عنه- ٩ - أبو موسى الأشعرى- رضى الله عنه- ١٠ - عبد الله بن الزبير- رضى الله عنه- ١١ - أنس بن مالك- رضى الله عنه- ١٢ - أبو هريرة- رضى الله عنه- ١٣ - عبد الله بن عمر- رضى الله عنه- ١٤ - عبد الله بن عمرو- رضى الله عنه- ١٥ - جابر بن عبد الله- رضى الله عنه- (ب) ومن النساء: ١٦ - عائشة- رضى الله عنها .

стр. 62

أما الستة نفر الأخيرة فلم يرو عنهم من التفسير سوى النذر اليسير وبقى علم التفسير منحصرا كله فى العشرة رجال الأول (١). غير أن المكثرين منهم فى رواية التفسير عن النبىّ ﷺ ، بله الاجتهاد أيضا فى الحدود الشرعية انتهى إلى أربعة منهم سنذكرهم أيضا فى الترتيب التالى بحيث الأكثر فالأقل وهم: ١ - عبد الله بن عباس- رضى الله عنه- ٢ - عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- ٣ - عليّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه ٤ - أبىّ بن كعب- رضى الله عنه- وعلى علم هؤلاء الأربعة نما علم التفسير وترعرع. كما نشأت على أيديهم أهم مدارس التفسير فيما بعد، عند ما تفرق الصحابة فى الأمصار بسبب نقل الخلافة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة فى زمن الخليفة الرابع علىّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه، وبسبب الفتوحات الإسلامية. (١) فنشأت المدرسة المكية فى التفسير على يد ابن عباس- رضى الله عنهما- (٢) ونشأت المدرسة المدنية على يد أبىّ بن كعب- رضى الله عنه- (٣) ونشأت مدرسة العراق فى الكوفة على يد عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- وبهذا انتقل التفسير من المرحلة الأولى فى عصر الصحابة إلى المرحلة الثانية فى عهد التابعين، ثم انتقل من صدور التابعين إلى صدور أتباع التابعين. وكان التفسير خلال هذه العهود الثلاثة يحتفظ بطابع الرواية والمشافهة من الصدور إلى الصدور، لأنه كان جزءا لا يتجزأ من علم الحديث، حتى ما جرى عليه علم الحديث بعد ذلك من التدوين فى أواخر عهد الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية.

стр. 63

مطلب فى: أقسام التفسير وأنواعه: يختلف الباحثون فى تقسيم التفسير باعتبار اصطلاحاتهم فى هذا التقسيم إذ يعتمد ذلك على قرائحهم، واجتهاداتهم فى التفريع وتنظيم العلوم على النحو التالى: (١) تقسيم عبد الرزاق بن همام الحميرى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: التفسير أربعة أقسام: ١ - قسم تعرفه العرب فى كلامها. ٢ - وقسم لا يعذر أحد بجهالته من الحلال والحرام. ٣ - وقسم يعلمه العلماء خاصة. ٤ - وقسم لا يعلمه إلا الله وحده. قال الزركشى فى البرهان: وهذا تقسيم صحيح (١). (٢) تقسيم عام يقول به بعض الباحثين فيقسمه إلى قسمين اثنين هما: أ- تفسير جاف لا يتجاوز حلّ الألفاظ، وإعراب الجمل، وبعض النكات البلاغية. ب- تفسير هادف غرضه تجلية هدايات القرآن وتعاليمه، وحكمة الله فيما شرع للناس. (٣) تقسيم ثالثا مشهور علميا، وهو ثلاثة أقسام: أ- تفسير بالرواية، ويسمى أيضا: «التفسير بالمأثور». ب- تفسير بالدراية، ويسمى أيضا: «التفسير بالرأى» و «التفسير بالاجتهاد». ج- تفسير بالإشارة ويسمى أيضا: «التفسير الإشارى».

стр. 64

وهذا التقسيم الأخير هو ما يجرى عليه العمل فى الأوساط التعليمية، لأنه أقرب تفريعا إلى النواحى العلمية المتعلقة بالدراسات الجامعية والمدرسية. وسنتحدث عن كل نوع أو قسم، أو لون من هذه الألوان الثلاثة الأخيرة أيضا فى مباحث مستقلة إن شاء الله تعالى. مطلب فى: شروط المفسر، وآدابه أولا: شروط المفسر: ينبغى ألا يتصدى للتفسير من لم يحط بمجمل الشروط التى حددها العلماء لمن يتصدى للبيان عن مراد الله- تعالى- وأهمها: ١ - أن يكون المفسّر صحيح الاعتقاد بالله تعالى، فإن صحة العقيدة تقى المفسّر من تحريف النصوص، وخيانة الآيات، والوقاية من الزلل فيها. ٢ - التخلى عن الأهواء المذهبية، والتحلى بالحق لوجه الحق دون لىّ أعناق الآيات لمذهب يروج له، أو عقيدة خاصة ينحرف بالقرآن إليها. ٣ - ألا يخوض فى التفسير الاجتهادى حتى يتم له النظر والإثبات فى التفسير بالمأثور على النحو التالى: أ- أن يطلب التفسير من القرآن نفسه، فإن القرآن يشرح بعضه بعضا فى آيات مختلفة. ب- ثم إن لم يجد: طلب التفسير من السنّة فإن النبى ﷺ هو المبين الحقيقى عن الله- تعالى- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١). ج- ثم إن لم يجد: طلب التفسير فى أقوال الصحابة، فهم أقرب الناس

стр. 65

جميعا إلى رؤية الوحى، ومعرفة الوقائع، وأقرب إلى التقوى وسمت النبى ﷺ ، واقرب الأجيال جميعا إلى الملكة اللغوية التى نزل بها القرآن الكريم. د- ثم إن لم يجد: اجتهد فى تفسير آيات الذكر الحكيم بما حصّل من الأدوات الضرورية واللازمة لكل مفسر وهى تحصيل العلوم المعينة على التفسير والبيان وأهمها: ١ - العلم باللغة العربية ٢ - العلم بالنحو ٣ - العلم بالاشتقاق ٤ - علم الأبنية. ٥ - علوم البلاغة الثلاثة: المعانى، والبيان، والبديع ٦ - علم القراءات. ٧ - علم الكلام. ٨ - علم أصول الفقه. ٩ - علم أصول الدين ١٠ - علم السيرة والقصص. ١١ - علم الناسخ والمنسوخ. ١٢ - علم الحديث. ١٣ - علم الموهبة. ثانيا: آداب المفسّر: ١ - حسن النية، وسلامة القصد لله تعالى. ٢ - حسن الخلق ٣ - الورع والتقوى. ٤ - تحرى الصدق والضبط فى النقل ٥ - عزّة النفس. ٦ - التواضع ولين الجانب. ٧ - الجهر بالحق. ٨ - التروى والأناة فى سر التفسير. ٩ - حسن الإعداد وطريقة الأداء. ١٠ - تقديم من هو فى العلم أولى منه. والله أعلم

стр. 66

مبحث فى الأربعة المكثرون فى التفسير من الصحابة رأينا أن التفسير، قام فى باكورته الطاهرة الأولى على جهود خمسة عشر صحابيا، شاركتهم أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها. فكان لجهود هؤلاء الستة عشر فضل السبق فى خدمة القرآن الكريم، وإرساء المادة العلمية القيمة لعلم التفسير الذى هو الغرض الأول من انزاله ليكون عقيدة، وتشريعا، وأخلاقا وارساء لدعائم الحضارة الإسلامية. غير آن ثمة أربعة منهم قامت على أكتافهم مهمة التفسير فى جيلهم، ثم تواصلت مهمتهم الطيبة المشكورة حتى امتدت فيما بعد إلى الأمصار الإسلامية، فيما سنعرفه عند الحديث عن مدارس التفسير فى عصر التابعين، وهؤلاء الأربعة هم: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى وأبىّ رضى الله عنهم جميعا، وسنوجز الكلام عنهم فيما يأتى:- (١) عبد الله بن عباس- رضى الله عنه - التعريف به: * هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشى، الهاشمى ابن عم رسول الله ﷺ . * ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، والنبى ﷺ محصور بالشعب بمكة. * توفى رسول الله ﷺ وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة وقيل: خمس عشرة سنة * لازم النبىّ ﷺ لقرابته منه ﵊، ولأن خالته ميمونة أم المؤمنين زوج النبى ﷺ . * مات- رضى الله عنه- بالطائف ودفن بها سنة (٦٩ هـ) وله من العمر سبعون سنة.

стр. 67

علم ابن عباس- رضى الله عنه - حظى ابن عباس بموهبة علمية فذّة جعلته على درجة عالية من الاجتهاد، ومعرفة تامة بالفقه ومعانى كتاب الله العزيز مما جعل شخصية عظيمة مثل شخصية عمر بن الخطاب الخليفة الثانى- رضى الله عنه- يرفع منزلته عنده ويدنيه منه ويقربه من مجالس كبار الصحابة ومتقدميهم فى السن والمنزلة، حتى أن ابن عباس- رضى الله عنه- يقدم لنا بنفسه هذه الصورة فى بيانه التالى الذى نقله البخارى إلينا. «كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد فى نفسه، وقال: لم تدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم فدعاهم ذات يوم، فأدخلنى معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا: فقال لى: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله فقال إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» (١). لم يصل ابن عباس إلى هذه المنزلة إلا بشيئين هامين: الأول: دعاء النبى ﷺ له: «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» (٢). الثانى: دأبه على تحصيل العلم فقد مكث يعقل النبوة والوحى ثمانى سنوات على الأقل فى بيت رسول الله ﷺ عند خالته أم المؤمنين «ميمونة» فنهل من بيت النبوة فى تلك الفترة ما شاء الله له أن ينهل (٣). وبعد أن لحق رسول الله ﷺ بربه انصرف ابن عباس إلى كبار الصحابة يستزيد

стр. 68

من علمهم، ويتزود من معارفهم، منهم الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود وغيرهم، فأدرك ما فاته فى صغره منهم، ولحقت به دعوة رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» «اللهم آته الحكمة» (١). * تقريظ عمر له رضى الله عنهما: ١ - «إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأفقههم فى دين الله». ٢ - ذاكم فتى الكهول: «إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا». ٣ - يا ابن عباس: «إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها» (٢). * شهادة عبد الله بن مسعود: ١ - «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». * شهادة أقرانه: يقول فيه ابن عمر رضى الله عنهما: ١ - «ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد». * شهادة تلاميذه (٣): ١ - روى الأعمش عن أبى وائل قال: «استخلف «علىّ» عبد الله بن عباس على الموسم فقرأ فى خطبته سورة البقرة- أو قال: سورة النور- ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم، والترك، والديلم لأسلموا. ٢ - قيل لطاوس: «لزمت هذا الغلام- أى ابن عباس- وتركت أكابر الصحابة! فقال: «إنى رأيت سبعين رجلا من أصحاب النبى ﷺ إذا تدارءوا- أى

стр. 69

اختلفوا- فى أمر صاروا إلى قول ابن عباس». ٣ - وقال عطاء: «ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس: أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واحد». ٤ - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب، وتأويل، وما رأيت أحدا كان أعلم بمن سبقه من حديث رسول الله ﷺ منه، ولا بقضاء أبى بكر، وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه فى رأى منه، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه. ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازى، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علما». فلا غرابة بعد ذلك أن يكون علم ابن عباس- رضى الله عنه- فى مقام رفيع بين أصحاب النبى ﷺ ، وأن يلقبه محمد بن الحنفية ب «حبر الأمة»، بعد أن دفنه بيده فى الطائف قال «مات والله اليوم حبر هذه الأمة». ولعل أصدق عبارة تشرح منزلة ابن عباس- رضى الله عنه- فى وضوح لا لبس فيه ولا غموض تلك الجملة الفائقة العظيمة للإمام عليّ- كرم الله وجهه- يقرظ علم ابن عباس فى التفسير فيقول: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق». منزلة ابن عباس فى التفسير إنك لتستطيع أن تتبين منزلة ابن عباس فيما أثر عنه من روايات توضح مدى اجتهاده فى تقريب المعنى المراد من كلام الله تعالى بقلب مؤمن؛ وعقل واع رشيد، وذاكرة حافظة لشعر العرب ولغاتهم. * أخرج البخارى عن ابن عباس: قال: قال عمر يوما لأصحاب النبى ﷺ : «فيمن ترون هذه الآية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ (١). قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال

стр. 70

ابن عباس: فى نفسى منها شىء، فقال: يا ابن أخى، قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أى عمل؟ قال ابن عباس: لرجل يعمل بطاعة الله، ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله. * وأخرج أبو نعيم فى «الحلية» (١): أن عمر بن الخطاب جلس فى رهط من المهاجرين من الصحابة، فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: مالك يا ابن عباس لا تتكلم! تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إن الله وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على السبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق فوقنا سماوات سبعا، وخلق تحتنا أرضين سبعا وأعطى المثانى سبعا، ونهى فى كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع. وقسم الميراث فى كتابه على سبع، ونقّع فى السجود من أجسامنا على سبع وطاف رسول الله ﷺ بالكعبة سبعا، وبين الصفا والمروة سبعا، ورمى الجمار بسبع، فأراها فى السبع الأواخر من شهر رمضان، فتعجب عمر، وقال: ما وافقنى فيها أحد إلا هذا الغلام الذى لم تستو شئون رأسه، ثم قال: يا هؤلاء من يؤدينى فى هذا كابن عباس» (٢). * يقول سعيد بن جبير: سألنى يهودى بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنى أراك رجلا متتبع العلم، فأخبرنى أى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعنى ابن عباس- فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة، سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودى، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما: إن النبى إذا وعد لم يخلف. قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودى فأخبرته، فقال: «صدق والذى أنزل على موسى» (٣). * وعند ما يسأل عن عدد أهل الكهف فيقول: (ما يعلمهم إلا قليل) وأنا من القليل الذين يعلمون عددهم، فيقولون: وكيف، فيقول: إن الله تعالى ذكر ثلاثة أقوال لأهل الكتاب فى عددهم فوصف القولين الأولين بأنهما رجم بالغيب (أى

стр. 71

كذب) وسكت عن الثالث وهو أنهم سبعة والثامن كلبهم، فدل على صحته لأنه لو كان باطلا لرده كما ردهما. إذا فلقد عرف كبار الصحابة منزلة ابن عباس وقيمته فى التفسير لآيات الكتاب الحكيم وفى الفتيا رغم حداثة سنه بالنسبة لهم. وهذا وحده يبين لك أن ابن عباس- ﵁ هو أساس علم تفسير القرآن الكريم بلا مراء،﵁ وعن أبيه ونفعنا الله بعلمه. أسباب نبوغ ابن عباس رضى الله عنه: لعل من أهم الأسباب التى ساعدت على بروز العلم فى شخص ابن عباس رضى الله عنه واحتلاله لمنزلة العالم الذى تتجه إليه الأنظار، وترشحه العقول للفتيا، وبيان آيات الله العزيز ترجع فى مجملها إلى مجموعة من العوامل أهمها: أولا: بركة دعاء النبى ﷺ (١). وتفصيلها بعد الإجمال الذى ذكرناه على النحو التالى: * اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل. * اللهم علمه الحكمة. * اللهم آته الحكمة. * اللهم بارك فيه وانشر منه. * أخرج أبو نعيم فى «الحلية» عن ابن عباس قال: انتهيت إلى النبى ﷺ وعنده جبريل، فقال جبريل: إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوصى به خيرا (٢). * وأخرج عنه أيضا أن النبى ﷺ قال لى: نعم ترجمان القرآن أنت. ثانيا: نشأته فى بيت النبوة منذ عهد التمييز ووعيه للشيء الكثير فى وقت مبكر من حياته عن حياة النبى ﷺ بين أهله، وشهوده كثيرا من أحوال الوحى وهو ينزل بالقرآن.

стр. 72

ثالثا: حرصه الشديد على ملازمة كبار الصحابة للأخذ عنهم ما فاته خاصة الأنصار، يقول ابن عباس- ﵁: «وجدت عامة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار فإنى كنت لآتى الرجل فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لى لأوقظ، فأجلس على بابه تسفى على وجهى الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عما أريد ثم أنصرف» (١). رابعا: بلوغه مرتبة الاجتهاد، وعدم تحرجه منه، وشجاعته فى بيان ما يعتقد أنه الحق، وما ذلك إلا عن علم أوتيه. خامسا: عنايته الفائقة، واهتمامه البالغ بلغة القرآن، يبحث عنها فى ألسنة العرب ولهجاتهم خاصة فى دواوين الشعر القديم، ويرى أن الشعر هو ديوان العرب وأصل لغتهم، فلا يمنعه مانع من أن يسافر فى سبيل كلمة من كتاب الله تعالى غاب فهم معناها عنه. يقول: «ما كنت أعرف معنى «يحور» فى قوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (٢) حتى كنت فى البادية فسمعت أعرابية تقول لابنتها وقد تركت غنمهما، لماذا تركت الغنم؟ حورى. أى ارجعى». أدوات التفسير عند ابن عباس ومصادره من هذا العرض السريع تعرف قيمة ابن عباس ومنزلته فى التفسير كما يمكن استخلاص أهم مصادر التفسير عند ابن عباس وأدواته فى النقاط التالية: ١ - رسول الله ﷺ هو المصدر الأول لدى ابن عباس بطبيعة الحال، بحكم التربية والملازمة له فى صغره. ٢ - الصحابة- رضوان الله عليهم- خاصة كبارهم والسابقين منهم إلى الإسلام وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومتقدمو الأنصار.

стр. 73

٣ - الملكة العلمية لدى ابن عباس، والحاسة التفسيرية، التى أدت به إلى النظر والتأمل ثم الاجتهاد وخوض غماره غير هيّاب. ٤ - تحصنه بلغة العرب وحفظه لشعرهم ودواوينهم ساعده كل المساعدة وملّكه أهم أداة من أدوات التفسير لكتاب الله العزيز. حتى أن نافع بن الأزرق قال لنجدة بن عويمر- رضى الله عنهما- قم بنا إلى هذا الذى يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به فقاما إليه فقال: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما: ١ - فقال نافع: أخبرنى عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (١). قال ابن عباس: العزون: الحلق الرقاق، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول عبيد بن الأبرص. فجاءوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا ٢ - قال أخبرنى عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٢) قال: الوسيلة: الحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول عنترة: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلى وتخضبي وقد جمع السيوطى هذه الأسئلة فى حوالى مائة وتسعين سؤالا من طريق الطبرانى شيئا، ومن طريق أبى بكر بن الأنبارى وغيره شيئا آخر (٣).

стр. 74

طرق الرواية عن ابن عباس رضى الله عنه: يعتبر ما أثر عن ابن عباس- رضى الله عنه- فى التفسير، كما هائلا ليس له مثيل عند مفسرى الصحابة، إذ لا نكاد نجد آية من كتاب الله تعالى ليس لابن عباس فيها تفسير، مما جعل علماء الأثر يقفون موقف الارتياب من هذه المرويات ويتتبعون طرقها بالنقد، وقد لخص الدكتور محمد حسين الذهبى أهم هذه المرويات فيما يأتى باختصار: ١ - طريق: معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس وهذه أجود الطرق عنها. قال الإمام أحمد- يرحمه الله تعالى: «إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها علىّ بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» (١). ٢ - طريق: قيس بن مسلم الكوفى، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريقة صحيحة على شرط الشيخين، ويخرج منها الفريابى كثيرا والحاكم فى مستدركه. ٣ - طريق: ابن إسحاق- صاحب السير- عن محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة- أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس. وهى طريقة جيدة وإسنادها حسن، خرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم والطبرانى فى المعجم الكبير. ٤ - طريق: إسماعيل بن عبد الرحمن (السّدى الكبير) تارة عن أبى مالك،

стр. 75

وتارة عن أبى صالح عن ابن عباس. والسّدى: مختلف فيه، وفيه تشيع لم يخرج منه ابن أبى حاتم وخرج له ابن جرير. ٥ - طريق عبد الملك بن جريج، عن ابن عباس. وهذه الطريقة فيها الصحيح والسقيم، وتحتاج إلى دراية وحنكة فى معرفة الجرح والتعديل لمن يأخذ منها (١). ٦ - طريق: الضحاك بن مزاحم الهلالى، عن ابن عباس رضى الله عنه، وهى طريقة منقطعة لأن الضحاك روى عن ابن عباس ولم يلقه، وهى مرضية فى إجمالها، ومن أى طرقها. ٧ - طريق: عطية العوفى، عن ابن عباس رضى الله عنه. وهى غير مرضية أيضا لضعف عطية، وإن خرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم كثيرا. ٨ - طريق: مقاتل بن أبى سليمان الأزدى الخراسانى. وهو الذى قال فيه الشافعى: «الناس عيال على مقاتل فى التفسير». ومع ذلك ضعفه علماء الفن، وكذبه غير واحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه. ٩ - طريق: محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس- رضى الله عنه- وهذه أوهى طرق الرواية عن ابن عباس رضى الله عنه. وإن كان تفسير ابن السائب أطول وأشيع التفاسير، ويروى عنه محمد ابن
следующие страницы →