← Акыда

Акыда · id 21491

القول في علم النجوم للخطيب

الخطيب البغدادي

Полный текст (103 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ الإِمَامُ رِحْلَةُ زَمَانِهِ وَحَافِظُ عَصْرِهِ وَأَوَانِهِ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: سَأَلَ سَائِلٌ عَنِ النُّجُومِ: هَلِ الشُّرُوعُ فِيهِ مَحْمُودٌ أَمْ مَذْمُومٌ؟ وَأَنَا أَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُسْتَقِيمِ مَا تَيَسَّرَ بِتَوْفِيقِ مَوْلايَ الْكَرِيمِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَأَقُولُ: إِنَّ عِلْمَ النُّجُومِ يَشْتَمِلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُبَاحٌ، وَتَعَلُّمُهُ فَضِيلَةٌ. وَالآخَرُ مَحْظُورٌ، وَالنَّظَرُ فِيهِ مَكْرُوهٌ. فَأَمَّا الضَّرْبُ الأَوَّلُ: فَهُوَ الْعِلْمُ بِأَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ، وَمَنَاظِرِهَا، وَمَطَالِعِهَا، وَمَسَاقِطِهَا، وَسَيْرِهَا، وَالاهْتِدَاءُ بِهَا، وَانْتِقَالُ الْعَرَبِ عَنْ مِيَاهِهَا لأَوْقَاتِهَا، وَتَخَيُّرُهُمُ الأَزْمَانَ لِنِتَاجِ مَوَاشِيهَا، وَضِرَابِهِمُ الْفُحُولَ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِالأَمْطَارِ عَلَى اخْتِلافِهَا، وَاسْتِدْلالُهُمْ عَلَى مَحْمُودِهَا وَمَذْمُومِهَا، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِالنُّجُومِ، وَمَعْرِفَةُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ بِظُهُورِهَا وَأُفُولِهَا. وَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَفِي الآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَنْ أَخْيَارِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْخَالِفِينَ.

стр. 2

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] . وَقَالَ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] . وَجَاءَ فِي الآثَارِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عِيسَى بْنِ يَحْيَى الْبَلَدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الإِمَامُ، بِبَلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ

стр. 3

الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: ثنا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبَانَ،

стр. 4

عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ رِعَاءُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَيُحَبِّبُونَ اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ» وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ» .

стр. 5

وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: «إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَالنُّجُومَ، وَالأَظَلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ » . وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ قَالَ: «لَئِنْ شِئْتُمْ لأَقْسِمَنَّ أَنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ، وَيُرَاعُونَ النُّجُومَ، وَالأَظَلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ » ، وَعَنْهُ أَيْضًا: «لَئِنْ شِئْتُمْ لأَقْسِمَنَّ لَكُمْ أَنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ رُعَاةُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» . وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، وَمِنَ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي

стр. 6

الظُّلُمَاتِ» . وَأَخْرَجَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ، ثُمَّ انْتَهُوا، وَتَعَلَّمُوا مِنَ الأَنْسَابِ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، وَتَعْرِفُونَ مَا يَحِلُّ لَكُمْ مِمَّا يُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَنْسَابِ، ثُمَّ انْتَهُوا» .

стр. 7

وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» . وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لا بَأْسَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ مِنَ النُّجُومِ مَا يَهْتَدِي بِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَتَعَلَّمَ مَنَازِلَ الْقَمَرِ» . وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ، فَقَالَ: هِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ

стр. 8

مَنْزِلا يَنْزِلُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ: أَرْبَعَةَ عَشْرَ مِنْهَا شَامِيَّةٌ، وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ مِنْهَا يَمَانِيَّةٌ، فَأَوَّلُهَا الشَّرْطَيْنِ، وَالْبُطَيْنُ، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ،

стр. 9

وَالْهَقْعَةُ، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ، وَالطَّرْفُ،

стр. 10

وَالْجَبْهَةُ، وَالزُّبْرَةُ، وَالصَّرْفَةُ، وَالْعَوَّاءُ، وَالسِّمَاكُ،

стр. 11

وَهُوَ آخِرُ الشَّامِيَّةِ، وَالْغَفْرُ، وَالزُّبَانَا، وَالإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ،

стр. 12

وَالشَّوْلَةُ، وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وَسَعْدُ الذَّابِحُ،

стр. 13

وَسَعْدُ بُلَعَ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الأَخْبِيَةِ، وَمُقَدَّمُ الدَّلْوِ، وَمُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، وَالْحُوتُ، وَهُوَ آخِرُ الثَّمَانِيَةِ

стр. 14

وَالْعِشْرِينَ، فَإِذَا سَارَ هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ وَعِشْرِينَ مَنْزِلا عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ". وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فِي قَوْلِهِ ﵎: " ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] ، قَالَ: هِيَ هَذَا الاثْنَا عَشْرَ بُرْجًا: أَوَّلُهَا الْحَمْلُ، ثُمَّ الثَّوْرُ، ثُمَّ الْجَوْزَاءُ، ثُمَّ السَّرَطَانُ، ثُمَّ الأَسَدُ، ثُمَّ السُّنْبُلَةُ، ثُمَّ الْمِيزَانُ، ثُمَّ الْعَقْرَبُ، ثُمَّ الْقَوْسُ، ثُمَّ الْجَدْيُ، ثُمَّ الدَّلْوُ، ثُمَّ الْحُوتُ ". وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فِي قَوْلِهِ ﵎: " ﴿بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥-١٦] ، قَالَ: النُّجُومُ تَخْنَسُ

стр. 15

بِالنَّهَارِ، وَتَظْهَرُ بِاللَّيْلِ ". وَبِهَذَا السَّنَدِ، قَالَ: " هِيَ النُّجُومُ السَّبْعَةِ: زُحَلُ، وَبَهْرَامُ، وَعُطَارِدُ، وَالْمُشْتَرِي، وَالزُّهَرَةُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ ". قَالَ: " خُنُوسُهَا: رُجُوعُهَا، وَكُنُوسُهَا: تَغَيُّبُهَا ". وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا طَلَعَ

стр. 16

النَّجْمُ، ارْتَفَعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ» وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ» . قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا ذَهَابُ الْعَاهَةِ؟ . قَالَ: «طُلُوعُ الثُّرَيَّا» .

стр. 17

قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ أَكْثَرَ الْعَرَبُ فِي أَشْعَارِهِمْ أَشْيَاءَ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ، فَقَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَدَعْ عَنْكَ سُعْدَى إِنَّمَا تُسْعِفُ النَّوَى ... قِرَانَ الثُّرَيَّا مَرَّةً ثُمَّ تَافِلُ يُرِيدُ أَنَّ الثُّرَيَّا يُقَارِنُ الْهِلالَ لَيْلَةً مَرَّةً فِي السَّنَةِ، ثُمَّ تَغِيبُ، وَكَذَلِكَ سُعْدَى إِنَّمَا يُلاقِيهَا مَرَّةً فِي الْحَوْلِ. وَقَالَ آخَرٌ:

стр. 18

إِذَا مَا قَارَنَ الْقَمَرُ الثُّرَيَّا ... لِخَامِسَةٍ فَقَدْ ذَهَبَ الشِّتَاءُ وَالثُّرَيَّا تُقَارِنُ الْقَمَرَ لِخَمْسٍ تَخْلُو مِنَ الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ: عِنْدَ انْصِرَامِ الْبَرْدِ وَطِيبِ الزَّمَانِ، وَعِنْدَ انْصِرَامِ الْحَرِّ. وَقَالَ آخَرٌ: إِذَا مَا قَارَنَ الْقَمَرُ الثُّرَيَّا ... لِخَامِسَةٍ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَصِيفُ وَقَالَ حَاتِمُ طَيٍّ: وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَقَدْ غَابَ عَيُّوقُ الثُّرَيَّا فَعَرَّدَا وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي الاهْتِدَاءِ بِالنُّجُومِ:

стр. 19

فَقُلْتُ اجْعَلِي ضَوْءَ الْفَرَاقِدِ كُلِّهَا ... يَمِينًا وَمِهْرَ النِّسْرِ عَنْ شِمَالِكِ وَقَالَ آخَرٌ: فَسِيرُوا بِقَلْبِ الْعَقْرَبِ الْيَوْمَ إِنَّهُ ... سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ بِالنُّحُوسِ وَبِالسَّعْدِ أَيْ: سِيرُوا عِنْدَ سُقُوطِ قَلْبِ الْعَقْرَبِ، وَالْعَرَبُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نَحْسٌ. وَقَالَ آخَرٌ: قَدْ جَاءَ سَعْدٌ مَوْعِدًا بِشَرِّهِ ... مُخَبِّرَةً جُنُودُهُ بِحَرِّهِ

стр. 20

يَعْنِي سَعْدَ الأَخْبِيَةِ، وَجُنُودُهُ: الْحَشَرَاتُ، وَهُوَ يَطْلَعُ فِي إِقْبَالِ الدِّفْءِ، فَيُبَشِّرُ الْهَوَامُ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا مَا كَانَ مُخْتَبِئًا، وَقِيلَ: سُمِّيَ سَعْدَ الأَخْبِيَةِ لِذَلِكَ. وَلِلْعَرَبِ أَسْجَاعٌ فِي طُلُوعِ النُّجُومِ تَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ كَثِيرٍ. وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّاسِبِيِّ، قَالَ: قَالُوا يَعْنِي الْعَرَبَ: " إِذَا طَلَعَ الشَرْطَانِ، أَلْقَتِ الإِبِلُ أَوْبَارَهَا فِي الأَعْطَانِ، وَاعْتَدَلَ الزَّمَانُ، وَاخْضَرَّتِ الأَغْصَانُ، وَتَهَادَتِ الْجِيرَانُ. وَإِذَا طَلَعَ الْبُطَيْنُ، طَلَعَتِ الأَرْضُ بِكُلِّ زَيْنِ، وَاقْتُضِيَ الدَّيْنُ، وَحَسُنَ النَّبَاتُ فِي كُلِّ عَيْنٍ. وَإِذَا طَلَعَ النَّجْمُ، خِيفَ السَّقْمُ، وَتَرَى عَانَاتُ الْوَحْشِ فِي كَدَمٍ.

стр. 21

وَإِذَا طَلَعَ الدَّبَرَانِ، بَاتَ الْفَقِيرُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَرَمَتْ بِأَنْفُسِهَا حَيْثُ شَاءَتِ الصِّبْيَانُ، وَكُرِهَتِ النِّيرَانُ. وَإِذَا طَلَعَتِ الْهَقْعَةُ، صَعِدَ النَّاسُ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَرَجَعُوا إِلَى النَّجْعَةِ، وَأَوْرَسَتِ الْفَقْعَةُ. وَإِذَا طَلَعَتِ الْهَنْعَةُ، أَحَبَّ النَّاسُ إِلَى الرِّيفِ الرَّجْعَةَ. وَإِذَا طَلَعَتِ النَّثْرَةُ، تَرَطَّبَتِ الْبُسْرَةُ، وَجَثَى الْفَحْلُ بَكْرَةً، وَلَمْ يُتْرَكْ فِي ذَاتِ دَرٍّ قَطْرَةٌ، وَأَوَتِ الْمَوَاشِي إِلَى الْحُجْرَةِ. وَإِذَا طَلَعَتِ الْعَوَّا، طَابَ الْخِبَا، وَانْكَنَسَتِ الظِّبَا، وَأَشْرَفَ عَلَى عَوْدِهِ الْحَرْبَا.

стр. 22

وَإِذَا طَلَعَ سُهَيْلٌ، فَلأُمِّ الْفَصِيلِ الْوَيْلُ. وَإِذَا طَلَعَ السِّمَاكُ، فَأَجِدْ حِذَاكَ، وَأَصْلِحْ خِبَاكَ، وَصَوِّبْ فِنَاكَ، يَعْنِي لِلْمَطَرِ. وَإِذَا طَلَعَ الْغَفْرُ، أَتَاكَ مِنَ الْبَرْدِ صَدْرٌ، وَقَامَ الشَّعْرُ، وَطَابَ أَكْلُ التَّمْرِ. وَإِذَا طَلَعَ الزُّبَانَا، فَأَعِدَّ لِكُلِّ ذِي مَاشِيَةٍ هَوَانَا، وَلِكُلِّ ذِي عِيَالٍ شَانَا، وَقَالُوا: كَانَ وَكَانَا، فَاحْتَلْ لأَهْلِكَ وَلا تَوَانَا، وَاحْذَرْ أَنْ تُرَى عُرْيَانَا. وَإِذَا طَلَعَ الإِكْلِيلُ، هَبَّتْ عَلَى الأَنْيُقِ الْفُحُولُ، وَشُمِّرَتِ الذُّيُولُ، وَخِيفَتِ السُّيُولُ.

стр. 23

وَإِذَا طَلَعَ الْقَلْبُ، هَرَّ الْعِشَارُ مِثْلَ الْكَلْبِ، وَصَارَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ فِي غَمٍّ وَكَرْبِ. وَإِذَا طَلَعَتِ الشَّوْلَةُ، أَتَاكَ الشِّتَاءُ بِصَوْلَةٍ، وَكَانَتْ لِلضُّعَفَاءِ جَوْلَةٌ، وَاشْتَدَّ عَلَى الْعِيَالِ الْعَوْلَةُ، وَأَعْجَلَتِ الشَّيْخَ الْبَوْلَةُ. وَإِذَا طَلَعَتِ الْبَلْدَةُ، فَشَتِ الرِّعْدَةُ، وَأَصَابَ النَّاسَ مِنَ الْبَرْدِ شِدَّةٌ، وَأَحَبُّوا عِنْدَ النَّارِ الْقِعْدَةَ ". وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ فِي هَذَا الْوَقْتِ: وَأَوْقَدَتِ الشِّعْرَى مَعَ اللَّيْلِ نَارَهَا ... وَأَضْحَتْ مُحُولا جِلْدُهَا يَتَوَسَّفُ

стр. 24

وَأَصْبَحَ مُبْيَضَّ السَّقِيعِ كَأَنَّهُ ... عَلَى سَرَوَاتِ النِّيبِ قُطْنٌ مُنَدَّفٌ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَلَهُمْ مِنَ الأَسْجَاعِ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، وَلَهُمْ أَيْضًا أَسْجَاعٌ فِي تَقْدِيرِ مُكْثِ الْهِلالِ وَالْقَمَرِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ إِلَى عَشْرٍ مِنْهُ. وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ السَّرِيِّ الزَّجَّاجِ، قَالَ: " وَلِلْعَرَبِ فِي تَقْدِيرِ الْهِلالِ، وَالْقَمَرِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ إِلَى عَشْرٍ شَيْءٌ يَسْجَعُونَ فِيهِ، وَيُبَيِّنُونَ مِقْدَارَ مُكْثِ الْقَمَرِ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي التَّمْثِيلِ، فَيَقُولُونَ: الْهِلالُ ابْنُ لَيْلَةٍ، رَضَاعُ سُخَيْلَةٍ، حَلَّ أَهْلُهَا بِرُمَيْلَةٍ، أَيْ قَدْرُ مُكْثِهِ ذَلِكَ الْقَدْرِ

стр. 25

وَبَعْضُهُمْ، يَقُولُ: عَتَمَةُ سُخَيْلَةٍ، أَيْ: إِبْطَاءُ سُخَيْلَةٍ فِي الرَّضَاعِ. وَإِنَّمَا قَالُوا: حَلَّ أَهْلُهَا بِرُمَيْلَةٍ، لأَنَّ لَبَنَ أُمِّهَا يَقِلُّ، فَيَقِلُّ رَضَاعُهَا. وَابْنُ لَيْلَتَيْنِ، حَدِيثُ أَمَتَيْنِ، كَذِبٌ وَمَيْنٌ، أَيْ مُكْثُهُ قَلِيلٌ وَحَدِيثُهُمَا كَذِبٌ، فَهُوَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ. وَابْنُ ثَلاثٍ قَلِيلُ اللَّبَاثِ. وَقِيلَ: حَدِيثُ قَيْنَاتٍ، غَيْرُ جَدِّ مُؤْتَلِفَاتٍ. وَابْنُ أَرْبَعٍ، عَتَمَةُ رُبَعٍ، لا جَائِعٍ وَلا مُرْضَعٍ.

стр. 26

الرُّبَعُ: مَا نَتَجَ فِي الرَّبِيعِ، وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا يُنْتَحُ فِي الصَّيْفِ. وَابْنُ خَمْسٍ، عَشَاءُ خَلِفَاتٍ قُعْسٍ. وَالْخَلِفَاتُ: جَمْعُ خَلِفَةٍ، وَهُنَّ الْحَوَامِلُ، وَجَمَعَهُنَّ الْمَخَاضُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُنَّ قُعْسًا جَمْعُ قَعْسَاءَ، لأَنَّهَا إِذَا حَمَلَتْ شَمَخَتْ بِآنَافِهَا، وَرَفَعَتْ رُؤُوسَهَا، وَخَرَجَتْ صُدُورُهَا، وَتَشَذَّرَتْ فَيَقِلُّ أَكْلُهَا. وَابْنُ سِتٍّ، سِرْ وَبِتْ. وَقِيلَ: تَحَدَّثْ وَبِتْ، لأَنَّ الْقَمَرَ يَمْكُثُ نَحْوَ ثَلاثَةِ أَسْبَاعٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالُوا: ابْنُ سَبْعٍ، حَدِيثُ جَمْعٍ. وَقِيلَ: ابْنُ سَبْعٍ، دُلْجَةُ الضَّبُعِ، لأَنَّ ابْنَ السَّبُعِ يَغِيبُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَحَرَّكُ الضَّبُعُ، لأَنَّهَا تَدْلُجُ، وَإِنَّمَا

стр. 27

قِيلَ: حَدِيثُ جَمْعٍ، لأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ حَدِيثُ الْجَمَاعَةِ. وَابْنُ ثَمَانٍ، قَمَرٌ إِضْحِيَانَ. وَإِضْحِيَانُ: أَيْ بَيِّنٌ. وَابْنُ تِسْعٍ، يُلْتَقَطُ فِيهِ الْجِزْعُ. وَقَالُوا: انْقَطَعَ الشِّسْعُ، وَإِنَّمَا قِيلَ: انْقَطَعَ الشِّسْعُ، لِطُولِ الْمُكْثِ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ. وَابْنُ عَشْرٍ، مُحْنَقُ الْفَجْرِ. وَقَالُوا: يُؤَدِّيكَ إِلَى الْفَجْرِ. وَتَرَكَتِ الْعَرَبُ أَنْ تُمَثِّلَ مَا بَعْدَ هَذَا، لِقُرْبِهِ مِنَ الْفَجْرِ، لأَنَّهُمْ

стр. 28

قَدْ وَصَفُوا اللَّيَالِيَ بِجُمْلَتِهَا إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ ". وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي يَحْيَى مُحَمَّدِ بْنِ كُنَاسَةَ الأَسَدِيِّ صَاحِبِ النُّجُومِ، وَقَالَ: " كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّهْرَ عَشْرَةَ أَسْمَاءٍ، لِكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنْهَا اسْمٌ، فَتُسَمِّي أَوَّلَهَا الْغُرَرَ، ثُمَّ النُّفَلَ، ثُمَّ الدُّرَعَ، ثُمَّ الْعُشَرَ، ثُمَّ الْبِيضَ، ثُمَّ الظُّلُمَ، ثُمَّ الْحُنْدُسَ، ثُمَّ الدَّآدِئَ، ثُمَّ الْمُحَاقَ، ثُمَّ الْفَلْتَةَ. فَأَمَّا الْغُرَرُ، فَإِنَّ غُرَّةَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَوَّلِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ الْغُرَرَ شِبْهَ الْفَرْضِ عَلَيْهَا، لا تَتْرُكَهُ.

стр. 29

وَأَمَّا النُّفَلُ، فَكَانَتْ تَصُومُ شِبْهَ النَّافِلَةِ، إِنْ شَاءَتْ تَصُومُ، وَإِنْ شَاءَتْ تَتْرُكُهُ. وَأَمَّا الدُّرَعُ، فَتَقُولُ: قَدْ تَدَرَّعَتِ الأَرْضُ الْقَمَرَ، أَيْ: صَارَ الْقَمَرُ عَلَى الأَرْضِ كَثِيرًا. وَأَمَّا الْعُشَرُ: فَتَقُولُ: عَشَرٌ، وَأَحَدَ عَشَرَ، وَاثْنَا عَشَرَ. وَأَمَّا الْبِيضُ، فَتَعْنِي اتِّصَالَ الْقَمَرِ مَعَ الشَّمْسِ. وَأَمَّا الظُّلُمُ، فَحِينَ يَذْهَبُ الْقَمَرُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ. وَأَمَّا الْحُنْدُسُ، فَتَعْنِي بِهَا أَشَدَّ ظُلْمَةٍ مِنَ الظُّلُمِ. وَأَمَّا الدَّآدِئُ، فَحِينَ يَنْقُصُ الْهِلالُ، يَقُولُ: قَدْ وَقَعَ الدَّاءُ فِيهِ. وَأَمَّا الْمُحَاقُ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ وَقَدْ رَأَى رَجُلا يَحْتَجِمُ فِي الْمُحَاقِ: «أَمَا إِنَّهُ لَنْ يَنْفَعَهُ» . وَأَمَّا الْفَلْتَةُ، فَإِنَّ الشَّهْرَ لَيْسَ يَتِمُّ أَبَدًا ثَلاثِينَ، فَإِذَا تَمَّ فِي

стр. 30

الْحِينِ، سَمَّتْهُ الْعَرَبُ فَلْتَةَ ". قَالَ الشَّيْخُ: " وَالْعَرَبُ تَبْذُرُ فِيهَا بَيْنَ طُلُوعِ سُهَيْلٍ إِلَى سُقُوطِ الْغَفْرِ، فَأَوَّلُ طُلُوعِ سُهَيْلٍ فِي آذَارَ، وَآخِرُهُ عِنْدَ سُقُوطِ الْفَرْغِ الْمُؤَخَّرِ، هُوَ أَوَّلُ الْوَسْمِيِّ، وَيُحْضِرُونَ الْمِيَاهَ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيَّا إِلَى طُلُوعِ الشِّعْرَى، وَأَوَّلُ نِتَاجِ الشَّاءِ عِنْدَهُمْ مَعَ طُلُوعِ الْهَرَّارَيْنِ، وَهُمَا النَّسْرُ الْوَاقِعُ، وَقَلْبُ الْعَقْرَبِ، وَيَكُونُ طُلُوعُهُمَا مَعًا، وَهُوَ نِتَاجٌ غَيْرُ مَحْمُودٍ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَقِلَّةِ الْكَلأِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مَا نُتِجَ بَعْدَ سُقُوطِ الْغَفْرِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ، لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَهَيْجِ الأَرْضِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الشِّتَاءُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلا يَقْوَى ". وَقَالُوا: لا يَطْلُعُ السِّمَاكُ إِلا غَازِرًا ذَنَبَهُ فِي بَرْدٍ. وَنَوْءُ الزُّبْرَةِ لا يَخْلُو مِنْ مَطَرٍ أَوْ قَرٍّ. وَقَالُوا: مَا نَاءَ الدَّبَرَانُ وَالْبُطَيْنُ فَكَانَ فِي نَوْئِهِمَا مَطَرٌ إِلا أَجْدَبَ ذَلِكَ الْعَامُ، وَلا اجْتَمَعَ مَطَرُ الثُّرَيَّا فِي الْوَسْمِيِّ، وَمَطَرُ

стр. 31

الْجَبْهَةِ فِي الرَّبِيعِ إِلا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ كَثِيرَ الْحَيَاةِ، تَامَّ الْخِصْبِ ". فَالْعَرَبُ تَعْرِفُ أَوْقَاتَ الْمَطَرِ وَالرِّيَاحِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِمَطَالِعِ النَّجْمِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ بَيِّنَةٌ، وَإِذَا رَأَوُا السَّحَابَ عَرَفُوا: هَلْ هِيَ ذَاتُ مَطَرٍ أَمْ لا؟ وَهَلْ مَطَرُهَا كَثِيرٌ أَوْ غَيْرُ كَثِيرٍ؟ وَهَلْ هِيَ مِمَّا قَدْ أَهْرَاقَ مَاءَهُ أَوْ مَاؤُهُ فِيهَا؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ. قَالَ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِذَا نَشَأَتِ السَّمَاءُ بَحَرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ، فَتِلْكَ عَيْنٌ» ، أَوْ قَالَ: «عَامُ غَدِيقَةٍ» يَعْنِي مَطَرًا كَثِيرًا وَأَخْرَجَ الشَّيْخُ ﵀ بِسَنَدِهِ بِطَرِيقَيْنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 32

ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ، إِذْ نَشَأَتْ سَحَابَهٌ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ قَوَاعِدَهَا؟» قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا، وَأَشَدَّ تَمَكُّنَهَا! ، قَالَ: «فَكَيْفَ تَرَوْنَ رَحَاهَا؟» قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ اسْتِدَارَتَهَا! ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ بَوَاسِقَهَا؟» ، قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ اسْتِقَامَتَهَا! فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ جَوْنَهُ؟» ، قَالُوا: مَا أَحْسَنَهُ وَأَشَدَّ سَوَادَهُ! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَيَا» . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ مِنْكَ! قَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنَ بِلِسَانِي، لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ؟ !»

стр. 33

قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ تَفْسِيرُ الْكَلامِ: " قَوَاعِدُهَا: أَسَافِلُهَا. وَرَحَاهَا: وَسَطُهَا، وَمُعْظَمُهَا. وَبَوَاسِقُهُ: أَعَالِيهَا. وَإِذَا اسْتَطَارَ الْبَرْقُ مِنْ أَعَالِيهَا إِلَى أَسَافِلِهَا، فَهُوَ الَّذِي لا يُشَكُّ فِي مَطَرِهِ. وَالْخَفْوُ: أَضْعَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَرْقِ. وَالْوَمِيضُ: نَحْوُ التَّبَسُّمِ الْخَفِيِّ، يُقَالُ: وَمَضَ، وَأَوْمَضَ "

стр. 34

وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ السَّرِيِّ الزَّجَّاجِ، قَالَ: ثنا وَغَيْرُهُ، قال مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ النَّحْوِيُّ: " خَرَجَ أَعْرَابِيٌّ ضَرِيرٌ فِي بِغَاءِ إِبِلٍ لَهُ ضَلَّتْ، وَمَعَهُ بِنْتٌ لَهُ تَقُودُهُ، فَمَرَّا بِوَادٍ مُعْشِبٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَةِ، مَا رَأَيْتُ مَرْتَعَ أَبِلٍ كَهَذَا؟ ، فَقَالَ: إِنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِبِلَنَا سَرَحْنَا فِيهِ، فَلَمْ يَلْبَثَا أَنْ وَجَدَاهَا، فَأَرْسَلا فِيهِ، فَجَعَلَتْ تَخْضَمُ أَطْوَلَهُ وَأَقْصَرَهُ، فَبَيْنَا هُمَا كَذَلِكَ، قَالَتِ ابْنَتُهُ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ.

стр. 35

قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَحَابًا دَوَانِي وَسَحَابًا بَوَانِي. فَقَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ. فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ. قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَاهَا كَبُطُونِ الأُتُنِ الْقُمْرِ فِي الْمَرَابِضِ الْغُبْرِ. قَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ. فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ. قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَحَابًا دُونَ سَحَابٍ، كَأَنَّهُ نَعَامٌ يَعْلَقُ بِأَرْجُلِهِ. قَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ. فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ! قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: سَحَابًا أَكَادُ أَرْفَعُهُ بِيَدِي. قَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ. فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي وَاللَّهِ أَخَافُ الْمَطَرَ! قَالَ: مَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَاهَا قَدِ اسْلَنْطَحَتْ وَانْتَصَبَتْ. قَالَ: وَيْحَكِ، فَانْجِي بِنَا، وَلا أَظُنُّكِ نَاجِيَةً، فَلَمْ يَبْلُغَا آخِرَ الْوَادِي حَتَّى سَالَ أَوَّلُهُ " قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى اسْلَنْطَحَتْ: انْبَسَطَتْ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا، كُلُّهُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ، هُوَ الْعِلْمُ الصَّادِقُ النَّافِعُ، وَبِهِ يَكُونُ الاهْتِدَاءُ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالنَّجَاةُ مِنْ حَيْرَةِ الضَّلالِ، فَكَمْ مِنْ قَوْمٍ أَشْفَى بِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الْهَلاكِ، فَأَنْجَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالاسْتِدْلالِ بِنَجْمٍ أَمُّوهُ وَوَجْهٍ قَصَدُوهُ، وَبِهِ يُعْرَفُ وَقْتُ النِّتَاجِ، وَوَقْتُ تَأْبِيرِ النَّخْلِ، وَوَقْتُ بَيْعِ الثَّمْرَةِ، وَإِقْبَالُ الْخَيْرِ وَإِدْبَارِهِ، وَأَمَارَاتُ الْخِصْبِ وَالْجَدَبِ، وَعَلامَاتُ

стр. 36

السَّحَائِبِ الْمَاطِرَةِ وَالسَّحَائِبِ الْمُخْلِفَةِ، وَالْبُرُوقِ الصَّادِقَةِ وَالْكَاذِبَةِ، وَبِهِ يَنْتَقِلُونَ عَنِ الْمَحَاضِرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَعَنِ الْمِيَاهِ إِلَى الْمَحَاضِرِ، وَلَيْسَ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي أَنَا ذَاكِرُهَا. فَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي تَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ، وَصِدْقًا بِالنُّجُومِ» وَبِطَرِيقٍ آخَرَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ لَقِيتُهُ وَأَنَا شَابٌّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَقَالَ لِي: إِنْ لَمْ تَكُنْ قَدَرِيًّا

стр. 37

وَلا مُرْجِيًّا حَدَّثْتُكَ، وَإِلا لَمْ أُحَدِّثْكَ، فَقُلْتُ: مَا فِيَّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي خَصْلَتَيْنِ: تَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ، وَتَصْدِيقًا بِالنُّجُومِ ". وَقَالَ: أَخَذَ يَزِيدُ بِعَرَضِ شَيْبَتِهِ، وَقَالَ: آمَنَّا بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَأَخْرَجَ عَنْ جُنَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلاثٌ مِنْ فِعَالِ

стр. 38

الْجَاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلامِ: اسْتِنَاءَةٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَطَعْنٌ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ " وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ فِي أُمَّتِي أَرْبَعًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَنْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَحْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ " لأَنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَأَخْرَجَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ ﵁، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا

стр. 39

نَظَرَ إِلَيْهَا، وَقَالَ: " هَذِهِ جَزِيرَةٌ قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الشِّرْكِ، مَا لَمْ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْغَيْثُ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا ". وَأَخْرَجَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: " أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ، فَقَدْ آمَنَ بِي وَكَفَرَ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَقَدْ آمَنَ بِالْكَوَاكِبِ وَكَفَرَنِي، وَكَفَرَ نِعْمَتِي ".

стр. 40

وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الزَّجَّاجِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا جَاءَ التَّغْلِيظُ فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطَرَ الَّذِي جَاءَ عِنْدَ سُقُوطِ النَّجْمِ هُوَ فِعْلُ النَّجْمِ، وَلا يَجْعَلُونَهُ سُقْيًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ وَافَقَ سُقُوطَ النَّجْمِ. وَأَمَّا مَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَهُ وَقْتًا كَمَوَاقِيتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا.
следующие страницы →