Полный текст (103 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
السَّحَائِبِ الْمَاطِرَةِ وَالسَّحَائِبِ الْمُخْلِفَةِ، وَالْبُرُوقِ الصَّادِقَةِ وَالْكَاذِبَةِ، وَبِهِ يَنْتَقِلُونَ عَنِ الْمَحَاضِرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَعَنِ الْمِيَاهِ إِلَى الْمَحَاضِرِ، وَلَيْسَ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي أَنَا ذَاكِرُهَا.
فَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي تَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ، وَصِدْقًا بِالنُّجُومِ»
وَبِطَرِيقٍ آخَرَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ لَقِيتُهُ وَأَنَا شَابٌّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَقَالَ لِي: إِنْ لَمْ تَكُنْ قَدَرِيًّا
стр. 37
وَلا مُرْجِيًّا حَدَّثْتُكَ، وَإِلا لَمْ أُحَدِّثْكَ، فَقُلْتُ: مَا فِيَّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي خَصْلَتَيْنِ: تَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ، وَتَصْدِيقًا بِالنُّجُومِ ".
وَقَالَ: أَخَذَ يَزِيدُ بِعَرَضِ شَيْبَتِهِ، وَقَالَ: آمَنَّا بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ
وَأَخْرَجَ عَنْ جُنَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلاثٌ مِنْ فِعَالِ
стр. 38
الْجَاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلامِ: اسْتِنَاءَةٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَطَعْنٌ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ " وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ فِي أُمَّتِي أَرْبَعًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَنْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَحْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ " لأَنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَأَخْرَجَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ ﵁، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا
стр. 39
نَظَرَ إِلَيْهَا، وَقَالَ: " هَذِهِ جَزِيرَةٌ قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الشِّرْكِ، مَا لَمْ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْغَيْثُ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا ".
وَأَخْرَجَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: " أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ، فَقَدْ آمَنَ بِي وَكَفَرَ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَقَدْ آمَنَ بِالْكَوَاكِبِ وَكَفَرَنِي، وَكَفَرَ نِعْمَتِي ".
стр. 40
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الزَّجَّاجِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا جَاءَ التَّغْلِيظُ فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطَرَ الَّذِي جَاءَ عِنْدَ سُقُوطِ النَّجْمِ هُوَ فِعْلُ النَّجْمِ، وَلا يَجْعَلُونَهُ سُقْيًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ وَافَقَ سُقُوطَ النَّجْمِ.
وَأَمَّا مَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَهُ وَقْتًا كَمَوَاقِيتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا.
стр. 41
وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ اسْتَسْقَى بِالنَّاسِ بِالْمُصَلَّى نَادَى الْعَبَّاسَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ بِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ سَبْعًا بَعْدَ وُقُوعِهَا، فَوَاللَّهِ مَا مَضَتْ تِلْكَ السَّبْعُ حَتَّى غِيثَ النَّاسُ ".
قَدْ مَضَى الْكَلامُ فِي الضَّرْبِ الأَوَّلِ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ وَهُوَ الْمُبَاحُ.
стр. 42
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَحْظُورُ، فَهُوَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُنَجِّمُونَ مِنَ الأَحْكَامِ، وَلَيْسَ أَشَدُّ إِتْعَابًا لِلْفِكْرِ، وَإِنْصَابًا لِلْبَدَنِ، وَإِضْلالا لِلْفَهْمِ مِنْهُ، فَإِذَا أَنْفَدَ النَّاظِرُ فِيهِ عُمُرَهُ بِإِسْهَارِ اللَّيْلِ، وَشَغَلَ الْقَلْبَ عَنِ الْمَطْعَمِ، وَالْمَشْرَبِ، وَاللَّذَّاتِ، وَالْعَمَلِ لِلدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَتَبَاعَدَ مِنَ اللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَمِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَرَمَاهُ النَّاسُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ بِالْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، كَانَ عُرْفُهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ، وَزُبْدَتُهُ الَّتِي مَخَضَ عَنْهَا عِلْمَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَتَى يَكُونُ؟ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يُحْدَثُ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ وَمِقْدَارُ مَا يَكْسَفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَوَقْتُ الانْجِلاءِ؟ وَهَذَا عِلْمٌ لا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وَإِنَّمَا الْكُسُوفُ شَيْءٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَيَكُونُ بِاجْتِمَاعِهِمَا أَوْ تَقَابُلِهِمَا، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْكُسُوفِ حِينَ يَكُونُ مِنْ عَيْبٍ وَلا نَقْصٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَيْبُ فِي الْجَهْلِ بِمَا تَعْلَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ أَمْرِ النُّجُومِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، فَإِنِ اسْتَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْقَضَاءِ وَالأَحْكَامِ، وَاعْتَقَدَ فِي الْكُسُوفِ أَنَّهُ لِمَوْتِ أَحَدٍ أَوْ حَيَاتِهِ أَوْ حُلُولِ حَادِثَةٍ وَوُقُوعِ جَائِحَةٍ، فَقَدْ عَقِلَهُ الشَّيْطَانُ بِالْغُرُورِ، وَقَطَعَ أَسْبَابَهُ مِنَ الدِّينِ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِالْغَيْبِ دُونَ أَنْبِيَائِهِ وَمَلائِكَتِهِ،
стр. 43
إِلا مَا أَطْلَعَهُمْ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ الْعَبْدِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةً لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 44
أَنَّهُ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ وَكُسُوفَ هَذَا الْقَمَرِ، وَزَوَالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَوَضِعِهَا لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا، وَلَكِنَّهَا هِيَ آيَاتُ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، لِيَنْظُرَ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً» قَالَ الشَّيْخُ: إِنْ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ حَدِيثِ، عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَأَرَانِي الْقَمَرَ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: أَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» .
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَمَرُ غَاسِقًا، لأَنَّهُ يَكْسَفُ،
стр. 45
فَيَغْسَقُ، أَيْ يَسْوَدُّ، وَيُظْلَمُ.
الْغَسَقُ: الظُّلْمَةُ.
وَوُقُوبُهُ: دُخُولُهُ إِمَّا فِي حَالِ الْكُسُوفِ، وَإِمَّا فِي شَيْءٍ يَسْتُرُهُ، وَيُكْسَفُ نُورُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، لأَنَّ أَهْلَ الْفَسَادِ يَنْتَشِرُونَ فِي الظُّلْمَةِ، وَيَتَمَكَّنُونَ فِيهَا مِمَّا لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فِي حَالِ
стр. 46
الضِّيَاءِ، فَيَقْدُمُونَ عَلَى الْعَظَائِمِ، وَيَجْتَرِئُونَ عَلَى انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، فَأَضَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَ أَهْلِ الْفَسَادِ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِلَى الْقَمَرِ، لأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ: كُسُوفُهُ، كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ سَبَبًا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ يُفُيدُ عِلْمًا صَحِيحًا، لَمْ يَجُزْ لَنَا اسْتِعْمَالُهُ، لأَنَّ شَرِيعَتَنَا قَدْ حَظَرَتْهُ وَنَهَتْ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ الدُّخُولُ فِيهِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَقَدْ حَظَرَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ مَا دُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْخَرَزِ، وَالْحَلَقِ لِلْمَنْفَعَةِ بِهَا.
وَأَخْرَجَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ.
قَالَ: «انْبُذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّهَا لا تُزِيدُكَ إِلا وَهْنًا، لَوْ مِتَّ
стр. 47
وَهِيَ عَلَيْكَ وُكِّلْتَ إِلَيْهَا» .
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّمِيمَةَ مِنْ قِلادَةِ الصَّبِيِّ» .
قَالَ: وَهُوَ الشَّيْءُ يُحْرِزُ فِي عُنُقِ الصَّبِيِّ مِنَ الْعَيْنِ، وَقَطَعَهَا مِنْ عُنُقِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
قَالَ الشَّيْخُ: فَقَدْ وَرَدَ هَذَا التَّغْلِيطُ فِي تَعْلِيقِ حَلْقَةٍ وَنَحْوِهَا، فَكَيْفَ فِي خِدْمَةِ كَوْكَبٍ وَطَاعَةِ مُنَجِّمٍ؟ ! فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ هُبُوبِ بَعْضِ الرِّيَاحِ: «هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ» .
وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخُ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: رُحْنَا مِنَ الْمُرَيْسِيعِ قَبْلَ الزَّوَالِ،
стр. 48
وَكَانَ الْجُهْدُ بِنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَسَرَّحَ النَّاسُ ظَهْرَهُمْ، فَأَخَذَتْهُمْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، حَتَّى أَشْفَقَ النَّاسُ مِنْهَا، وَسَأَلُوا عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لِمَوْتِ مُنَافِقٍ عَظِيمِ النِّفَاقِ بِالْمَدِينَةِ، فَلِذَلِكَ عَصَفَتِ الرِّيحُ» .
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّهُ إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ فِي يَوْمِ كَذَا، فَاعْلَمْ أَنِّي أُمِيتُ فُلانًا، وَكَفَيتُكَ أَمْرَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ وَضَعَ عَلَى النُّجُومِ عَلامَاتٍ وَدِلالاتٍ أَنَّهَا إِذَا نَزَّلَتْ بَعْضَ الْبُرُوجِ، دَلَّتْ عَلَى كَذَا؟ قُلْنَا: لا يُنْكَرُ هَذَا لَوْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَرَسُولُهُ ﷺ فَأَمَّا وَلَمْ يَأْتِ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّا لا نُجَوِّزُهُ، وَلا نُجَوِّزُ إِلا مَا جَوَّزَتْهُ الشَّرِيعَةُ، أَوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى تَجْوِيزِهِ.
стр. 49
مَطْلَبُ ذِكْرِ الأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ وَأُخْرِجَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لا تَسْأَلُوا عَنِ النُّجُومِ، وَلا تُفَسِّرُوا الْقُرْآنَ بِرَأْيِكُمْ، وَلا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ ذَلِكَ الإِيمَانُ الْمَحْضُ» .
وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ، وَأَمَرَنِي بِإِسْبَاغِ الطُّهُورِ» .
стр. 50
وَبِطَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَلِيُّ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ، وَلا تَأْكُلِ الصَّدَقَةَ، وَلا تُنْزِ الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ، وَلا تُجَالِسْ أَصْحَابَ النُّجُومِ» .
وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْهُ ﵁ بِطُرِقٍ شَتَّى، أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى
стр. 51
النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا» .
стр. 52
وَأَخْرَجَ بِطُرُقٍ أُخَرَ عَنْهُ مِثْلَهُ.
وَعَنِ الأَعْمَشِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: أَرَادَ ﷺ بِالإِمْسَاكِ عَنِ النُّجُومِ الْكَفَّ عَمَّا يَقُولُ الْمُنَجِّمُونَ فِيهَا، مِنْ أَنَّهَا فَاعِلَةٌ مُدَبِّرَةٌ، وَأَنَّهَا
стр. 53
تُسْعِدُ وَتُنْحِسُ، وَأَنَّ مَا يَكُونُ فِي الْعَالَمِ مِنْ حَادِثٍ فَهُوَ بِحَرَكَاتِ النُّجُومِ، فَأَمَرَ ﵊ بِالإِمْسَاكِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَنْ يُقَالَ فِيهَا: إِنَّهَا كَمَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ، وَيُعْرَفُ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ، وَإِنَّ فِيهَا دَلالَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَأَخْرَجَ بِطُرِقٍ عَدِيدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، مَا زَادَ زَادَ، وَمَا زَادَ زَادَ» .
стр. 54
إِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَضَافَ النَّبِيُّ ﷺ عِلْمَ النُّجُومِ إِلَى السِّحْرِ؟ فَالْجَوَابُ: لأَنَّهُمَا وَقَعَا مِنَ التَّمْوِيهِ، وَالْخِدَاعِ، وَالأَبَاطِيلِ مَوْقِعًا وَاحِدًا، إِذِ النُّجُومُ لا فِعْلَ لَهَا فِي خَيْرٍ وَلا شَرٍّ، وَإِنَّمَا اللَّهُ تَعَالَى الْفَاعِلُ عِنْدَ حَرَكَتِهَا، وَكَذَلِكَ السِّحْرُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْمَلَكَيْنِ مَعَ مَنْ أَخَذَ السِّحْرَ عَنْهُمَا: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، فَأَعْلَمَنَا أَنَّ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ
стр. 55
عَنْ فِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَيْسَ بِوَاقِعٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ: بِإِرَادَةِ اللَّهِ .
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الأَحْمَرِ، أَنَّ مُسَافِرَ بْنَ عَوْفٍ، قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الأَنْبَارِ إِلَى أَهْلِ النَّهْرَوَانِ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَسِرْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَسِرْ فِي ثَلاثِ سَاعَاتٍ يمْضِينَ مِنَ النَّهَارِ.
قَالَ عَلِيٌ ﵁: وَلِمَ؟ قَالَ: لأَنَّكَ إِنْ سِرْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ أَصَابَكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ بَلاءٌ، وَضُرٌّ شَدِيدٌ، وَإِنْ سِرْتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرْتُكَ
стр. 56
بِهَا، ظَفَرْتَ، وَظَهَرْتَ، وَأَصَبْتَ مَا طَلَبْتَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مُنجِّمٌ، وَلا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ، هَلْ تَعْلَمُ مَا فِي بَطْنِ فَرَسِي هَذِهِ؟ قَالَ: إِنْ حَسَبْتُ عَلِمْتُ.
قَالَ: مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] .
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَدَّعِي عِلْمَ مَا ادَّعَيْتَ عِلْمَهُ، تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي تُصِيبُ السُّوءَ مَنْ سَارَ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ فِي صَرْفِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي لِلْمُقِيمِ بِأَمْرِكِ أَنْ يُوَلِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ اللَّهِ رَبِّهِ، لأَنَّكَ أَنْتَ بِزَعْمِكَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي
стр. 57
تُنْجِي مِنَ السُّوءِ مَنْ سَافَرَ فِيهَا، فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ لَمْ آمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَمَنِ اتَّخَذَ دُونَ اللَّهِ نِدًّا أَوْ ضِدًّا، اللَّهُمَّ لا طَائِرَ إِلا طَائِرُكَ، وَلا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ.
نُكَذِّبُكَ، وَنُخَالِفُكَ، وَنَسِيرُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَنْهَانَا عَنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ هَذِهِ النُّجُومِ إِلا مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، إِنَّمَا الْمُنَجِّمُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ، وَالْمُنَجِّمُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، وَتَعْمَلُ بِهَا، لأُخَلِّدَنَّكَ فِي الْحَبْسِ مَا بَقِيتَ وَبَقِيتُ، وَلأَحْرِمَنَّكَ الْعَطَاءَ مَا كَانَ لِي سُلْطَانٌ، ثُمَّ سَارَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْهَا، فَلَقِيَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، فَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ سِرْنَا فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا، فَظَفَرْنَا وَظَهَرْنَا، لَقَالَ قَائِلٌ: سَارَ
стр. 58
فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُنَجِّمُ.
مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مُنَجِّمٌ، وَلا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِلادَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَسَائِرَ الْبِلْدَانِ.
أَيُّهَا النَّاسُ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَثِقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ ".
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ الْجُهَنِي حَدَّثَهُ، قَالَ: " لَمَّا غَزَا عُمَرُ ﵁ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نُدْلِجَ نَظَرْتُ فَإِذَا الْقَمَرُ فِي الدَّبَرَانَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَ لِعُمَرَ ذَلِكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ ذِكْرَ النُّجُومِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا حَفْصٍ، انْظُرْ إِلَى الْقَمَرِ مَا أَحْسَنَ اسْتِوَاءِهِ اللَّيْلَةَ! فَنَظَرَ
стр. 59
فَإِذَا هُوَ فِي الدَّبَرَانِ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ مَا تُرِيدُ يَا ابْنَ سَبْرَةَ، تَقُولُ: إِنَّ الْقَمَرَ بِالدَّبَرَانِ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَخْرُجُ بِالشَّمْسِ وَلا بِالْقَمَرِ، وَلَكِنْ نَخْرُجُ بِاللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ".
قَالَ الشَّيْخُ: كَذَا كَانَ الْحَدِيثُ فِي أَصْلِ الْحِيرِيِّ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عِنْدِي سَمَاعُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁، وَلَعَلَّ الرَّبِيعَ رَوَاهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ ﵁ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ [النحل: ١٥] ، قَالَ: طُرُقًا، ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ [النحل: ١٦] ، قَالَ: هِيَ النُّجُومُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصَالٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَعَلَهَا نَهْتَدِي بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينَ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْطَأَ حَظَّهُ، وَقَالَ رَأْيَهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ
стр. 60
مَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّ أُنَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَعَمْرِي مَا مِنَ النُّجُومِ نَجْمٌ إِلا يُولَدُ بِهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ، وَالأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ، وَالْحَسَنُ وَالذَّمِيمُ، قَالَ: وَمَا عِلْمُ هَذَا النَّجْمِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّيْرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ، وَقَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] .
وَلَعَمْرِي لَوْ أَنَّ أَحَدًا عَلِمَ الْغَيْبَ لَعَلِمَهُ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ، فَأَكَلَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَ، وَنَهَاهُ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَا زَالَ بِهِ الْبَلاءُ حَتَّى وَقَعَ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ يَعْلَمُ الْغَيْبَ لَعَلِمَهُ الْجِنُّ حِينَ مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ ﵇ فَلَبِثَ الْجِنُّ يَعْمَلُونَ لَهُ حَوْلا فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ وَأَشَدِّ الْهَوَانِ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ، وَمَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، وَهِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: تَبَيَّنَتِ الإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
قَالَ: قَدْ كَانَتْ تَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ: إِنَّا نَعْلَمُ،
стр. 61
فَابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَ مَوْتَ سُلَيْمَانَ لِلْجِنِّ وَالإِنْسِ عِبْرَةً ".
وَأَخْرَجَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ، عَنْ مُبَارَكٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: " طَلَعَ سُهَيْلٌ، وَبَرَدَ اللَّيْلُ، فَتَكَرَّهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّكَ مِمَّنْ تُرَاعِي سُهَيْلا، إِنَّ سُهَيْلا لا يَأْتِي بِبَرْدٍ وَلا يَنْصَرِفُ بِحَرٍّ "
وَرُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيِّ، وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
стр. 62
النَّرْسِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَينُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصِيبِيُّ، قَالُوا: ثنا أَبُو الْقَاسِمِ مُوسَى بْنُ عِيسَى السَّرَّاجُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى
стр. 63
عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلا عِكْرِمَةُ عَنْ حِسَابِ النُّجُومِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُخْبِرَهُ، قَالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «عِلْمٌ عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ وَدِدْتُ أَنْ عَلِمْتَهُ»
قَالَ الشَّيْخُ: وَالَّذِي سَأَلَهُ عِكْرِمَةُ عَنْهُ إِنَّمَا كَانَ مِنَ الضَّرْبِ الأَوَّلِ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تَخْتَصُّ بِهِ، فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ مَحْظُورٌ لَمَّا سَمِعَ التَّغْلِيظَ الْوَارِدَ فِي عِلْمِ النُّجُومِ، وَحَسِبَ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: مَا قَدَّمَنَا ذِكْرَهُ مِنْ رُوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ.
وَيُوَضِّحُهُ أَيْضًا مَا رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ قَوْمًا يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ، وَيَحْسِبُونَ أَبْرَاجًا، وَمَا أَرَى لِلَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ خَلاقٍ» .
стр. 64
وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَوْصِنِي.
قَالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهَ، وَإِيَّاكَ وَعِلْمَ النُّجُومِ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا بِخَيْرٍ، فَيُكِبَّكَ اللَّهُ عَلَى وَجْهِكَ فِي جَهَنَّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْفَرَ بِهِمْ هَذَا الدِّينَ، وَإِيَّاكَ وَالْكَلامَ فِي الْقَدَرِ، فَإِنَّهُ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ اثْنَانِ إِلا أَثِمَا، أَوْ أَثِمَ أَحَدُهُمَا» .
стр. 65
قَالَ الشَّيْخُ: فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ شُعْبَةٌ مِنَ السِّحْرِ» ، وَقَالَ: هُوَ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ، وَكِلا الأَمْرَيْنِ أَعْنِي السِّحْرَ وَالنُّجُومَ، عَظِيمٌ أَمْرُهُمَا، فَظِيعٌ شَأْنُهُمَا وَالْكِهَانَةُ مِنْ عُلُومِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَتُلْقِيَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا مِنَ الْكَهَنَةِ، فَأَبْطَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالإِسْلامِ، وَحَرَسَ السَّمَاوَاتِ بِالنُّجُومِ وَالشُّهُبِ، وَمَنَعَ الشَّيَاطِينَ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمَعِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » .
стр. 66
وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْكُهَّانُ قَدْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ بِشَيْءٍ، فَيَكُونُ حَقًّا.
قَالَ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقْذِفُهَا فِي أُذِنِ وَلِيِّهِ، فَيُزِيدُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كِذْبَةٍ» .
قَالَ الشَّيْخُ: إِنَّمَا يَدْخُلُ الشَّبَهُ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْرِ الْمُنَجِّمِينَ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمُنَجِّمَ يُصِيبُ فِي مَسْأَلَةٍ تَقْعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، كَالْجَنِينِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوِ الْمَرِيضِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَصِحَّ أَوْ يَمُوتَ، وَالْغَائِبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَانٍ أَوْ يَؤُوبَ.
стр. 67
وَمِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَحْفَظُوا الصَّوَابَ لِلْعُجْبِ بِهِ وَالشَّغَفِ، وَيَتَنَاسَوْنَ الْخَطَأَ، لأَنَّهُ الأَصْلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، وَالأَمْرُ الَّذِي لا يُنْكِرُونَهُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ بِأَنَّهُ سَأَلَ الْمُنَجِّمَ فَأَخْطَأَ؟ ! وَإِنَّمَا التَّحَدُّثُ بِأَنَّهُ سَأَلَهُ فَأَصَابَ.
وَالصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ أَمْرَينِ قَدْ يَقَعُ أَحْيَانًا لِلْمَعْتُوهِ وَالطِّفْلِ، فَضْلا عَنِ المُتَلَطِّفِ الرَّفِيقِ، وَالْقَوْلُ فِي إِصَابَةِ الْمُنَجِّمِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الطَّيْرَةِ:
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لا طَيْرَ إِلا ... عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهِيَ الثُّبُورُ
بَلْ شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ ... أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ
وَإِنْ وُجِدَ لِمَنْ يَدَّعِي الأَحْكَامَ إِصَابَةٌ فِي شَيْءٍ، فَخَطَؤُهُ أَضْعَافُهُ، وَلا تَبْلُغُ إِصَابَتُهُ عُشْرَ مِعْشَارِهِ، وَتَكُونُ الإِصَابَةُ اتِّفَاقًا
стр. 68
كَمَا يَظُنُّ الظَّانُّ الْمُنَافِي لِلْعِلْمِ الْمُقَارِنِ لِلْجَهْلِ الشَّيْءَ فَيَكُونُ عَلَى ظَنِّهِ، وَيُخْطِئُ فِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَكْثَرَ عُمُرِهِ، وَلا يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ إِصَابَةٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا، وَيُرْجَعُ إِلَيْهَا، بَلْ إِذَا تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الإِصَابَةُ فِي قَوْلِهِ، وَكَثُرَ الصِّدْقُ فِي لَفْظِهِ وَالصِّحَّةُ فِي حُكْمِهِ، وَلَمْ يُخْرَمْ مِنْهُ إِلا الأَقَلُّ حِينَئِذٍ سَلِمَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ، وَشُهِدَ لَهُ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَةِ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنَجِّمِ وَالْكَاهِنِ إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الإِخْبَارَ بِالْغُيُوبِ، وَكَيْفَ يُسَلَّمُ لِلْمُنَجِّمِينَ مَا يَدَّعُونَهُ وَأَحَدُهُمْ عَلَى التَّحْقِيقِ مَا يَعْرِفُ مَا حَدَثَ فِي مَنْزِلِهِ وَلا مَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، بَلْ لا يَعْرِفُ مَا يُصْلِحُهُ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤْثِرُ عَنْهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ أَحَدًا، وَلَمْ يَسْتَوْدِعْهُ بَشَرًا إِلا لِرَسُولٍ يَرْتَضِيهُ أَوْ نَبِيٍّ يَصْطَفِيهُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي عُرْسٍ وَهُنَّ يُغَنِّينَ:
стр. 69
وَأَهْدَى لَهَا كَبْشًا تَنَحْنَحَ فِي الْمِرْبَدِ ... وَزَوْجُكِ فِي النَّادِي وَيَعْلَمُ مَا فِي غَدِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلا اللَّهُ تَعَالَى» .
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ إِلا اللَّهُ، وَلا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلا يَعْلَمُ مَا غَدٍ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ ".
قَالَ: وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ
стр. 70
الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَفِي خَلْقِهِ مَنْ يَعْلَمُهَا كَعِلْمِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي خَلْقِهِ مَنْ يَعْلَمُهَا كَعِلْمِهِ مَا كَانَ لِوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ بِهَا مَوْقِعٌ يَخْتَصُّ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، لِمُشَارَكَةِ خَلْقِهِ فِيهَا، وَلا إِفَادَةَ لِلْمُتَصَفِّحِ قَرَاءَتَهَا، وَإِذَا اشْتَرَكَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ فِي شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَتَبَيَّنُ الْقَادِرُ مِنْهُمَا وَالْعَاجِزُ فِيهِمَا عَلَى أَوْضَاعِ الْمُنَجِّمِينَ وَهُمْ قَدْ شَارَكُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﵎ فِي عِلْمِ هَذِهِ الأُمُورِ؟ لأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُخْبِرُ أَنَّ طُوفَانَ نَارٍ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ يَحُدُّهُ يَأْتِي عَلَى الْخَلْقِ يَنْتَثِرُ لَهُ الْكَوَاكِبُ، فَالْمُظْهِرُ لِلتَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ الْقِيَامَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَتَكَلَّمُونَ أَيْضًا فِي الْغَيْثِ وَفِي تَحَاوِيلِ السِّنِينَ، وَيَحْكُمُونَ عَلَى الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ طَالِعٍ يُؤْخَذُ لِلْوَقْتِ أَوْ كَانَ أُخِذَ لِسُقُوطِ النُّطْفَةِ، فَيَقُولُونَ ذَكَرٌ هُوَ أَوْ أُنْثَى، وَمَتَى تُلْقِيهِ أُمُّهُ، وَيَتَحَقَّقُونَ بِحُكْمِهِمْ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَمَا يَكُونُ حِرْفَتُهُ، وَأَيُّ شَيْءٍ يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَأَيْنَ يَكُونُ مَنِيَّتُهُ.
وَلَوْ صَحَّ أَنَّ أَقْوَالَ الْمُنَجِّمِينَ فِي الْقَطْعِ عَلَى الآجَالِ صَحِيحَةٌ غَيْرُ سَقِيمَةٍ، وَفِي الأَرْزَاقِ وَالاكْتِسَابِ صَادِقَةٌ غَيْرُ كَاذِبَةٍ،
стр. 71
لاحْتَرَسَ الْعِبَادُ مِنْ مَالِكِهِمْ، وَجَازَتْ عَلَيْهِ حِيَلُهُمْ، وَأَفْسَدَ إِرَادَتَهُ مَكْرُهُمْ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخُ بِسَنَدِهِ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحْكَامَ النُّجُومِ لا يَصْلُحُ تَعَاطِي عِلْمِهَا لِذِي عَقْلٍ وَلا دِينٍ، لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إِلَى اتِّصَالِ الصَّوَابِ فِيهَا، وَالَّذِي يُشْبِهُ الصَّوَابَ فَإِنَّمَا يَتَهَيَّأُ بِالاتِّفَاقِ، وَكَيْفَ الْعَاقِلُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يُكَذَبَ مَرَّةً، وَيُصْدَقَ أُخْرَى؟ وَإِنَّمَا عُمُرُ الإِنْسَانِ كَالْبِضَاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَلا يُنْفِقَهَا إِلا فِي عِلْمٍ يَزْدَادُ بِالإِنْفَاقِ، فَبُعْدًا مِنْ بَاطِلٍ، وَقُرْبًا مِنْ حَقٍّ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ لا يُخْطِئَ النَّاظِرُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ تَنْغِيصٌ لِلْعَيْشِ، وَتَكْدِيرٌ لِصَفْوِهِ، وَتَضْيِيقٌ لِمُنْفَسَحِ الآمَالِ الَّتِي بِهَا قَرَّتِ الأَنْفُسُ، وَعُمِرَتِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَفِ مَا يُرْجَى مِنَ الْخَيْرِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّرِّ، لأَنَّ بَعْضًا لَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ إِلَى سَنَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ
стр. 72
يَكْتَسِبُهُ مِنْ دُنْيَاهُ، وَلا صِحَّةٍ يَمْتَنِعُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا لا يُشْبِهُ تَفَضُّلَ اللَّهِ، وَإِحْسَانَهُ، وَرَأْفَتَهُ بِخَلْقِهِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاظِرَ فِيهَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَمُوتُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ فِيهَا مَا مَلَكَ قَارُونُ، وَيَكُونُ عَلَى غَايَةِ الصِّحَّةِ، لَبَطَرَ، وَمَا انْتَهَى عَنْ لَذَّةٍ وَلا فَاحِشَةٍ، وَلا تَوَرَّعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَلا اتَّقَى حَتْفًا هَاجِمًا، وَلا زَوَالا مِنْ نِعْمَةٍ، اتِّكَالا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ عُمُرِهِ وَحَالِهِ، وَلَفَسَدَتِ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، فَسَادُهَا بِإِهْمَالِ النَّاسِ، لَوْ تَرَكُوا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَلأَكَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ أَوْ سَنَةٍ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَتَحَاذَقَ عَلَى رَبِّهِ، وَيْدُخَلَ الْجَنَّةَ بِتَوْبَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَصَوَابِ تَدْبِيرِهِ، فَلا شَكَّ أَنَّ الْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَنَا مِنْ طَيِّ عِلْمِ ذَلِكَ عَنَّا، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى جَمِيلِ صُنْعِهِ وَلَطِيفِ إِحْسَانِهِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " هَلْ لِعِلْمِ النُّجُومِ أَصْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، يُقَالُ لَهُ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّا لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتَّى تُعِلِّمَنَا بِدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى غَمَامَةٍ، فَأَمْطَرَتْهُمْ، وَاسْتَنْقَعَ عَلَى الْجَبَلِ مَاءٌ صَافٍ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
стр. 73
وَالنُّجُومِ أَنْ تَجْرِيَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أَنْ يَرْتَقِيَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى الْجَبَلِ، فَارْتَقَوُا الْجَبَلَ، فَقَامُوا عَلَى الْمَاءِ حَتَّى عَرَفُوا بُدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ بِمَجَارِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ وَمَتَى يَمْرَضُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يُولَدُ لَهُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: فَبَقُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ ﵊ قَاتَلَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ فِي الْقِتَالِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، وَمَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ، وَلا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ، فَقَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، أُقَاتِلُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَيُقَاتِلُ هَؤُلاءِ عَلَى مَعْصِيَتِكَ، فَيُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِي، وَلا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي كُنْتُ عَلَّمْتُهُمْ بُدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ، وَإِنَّمَا أَخْرَجُوا إِلَيْكَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ، وَمَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، فَمِنْ ثُمَّ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
قَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، عَلَى مَاذَا عَلَّمْتَهُمْ؟ قَالَ: عَلَى مَجَارِي الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَحُبِسَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ، فَزَادَ فِي النَّهَارِ، فَاخْتَلَطَتِ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ الزِّيَادَةِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ حِسَابُهُمْ.
стр. 74
قَالَ عَلِيٌ: فَمِنْ ثُمَّ كُرِهَ النَّظَرُ فِي النُّجُومِ ".
قَالَ الشَّيْخُ: فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ وَاحِدٍ مَجْهُولٍ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ عِلْمِ الْقَوْمِ بِأَوْقَاتِ آجَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَحَبْسُ اللَّهِ تَعَالَى الشَّمْسَ عَلَى دَاوُدَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لأَنَّ فِي رُوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى أَحَدٍ، إِلا عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
وَأَمَّا بِطُولِ عِلْمِ النُّجُومِ الْمُتَعَلِّقِ بِالأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: «لَمَّا تَجَهَّزَ الْمُعْتَصِمُ لِغَزْوِ عَمُّورِيَّةَ حَكَمَ الْمُنَجِّمُونَ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُ لا يَرْجِعُ مِنْ غَزْوِهِ، فَإِنْ رَجَعَ كَانَ مَعْلُولا خَائِبًا، لأَنَّهُ خَرَجَ فِي وَقْتِ نَحْسٍ، فَكَانَ مِنْ فَتْحِهِ الْعَظِيمِ وَظَفَرِهِ مَا لَمْ يَخْفَ» .
حَتَّى وَصَفَ ذَلِكَ أَبُو تَمَّامٍ
стр. 75
الطَّائِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: " السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الْكُتُبِ فَقَالَ:
وَالْعِلْمُ فِي شُهُبِ الأَرْمَاحِ لامِعَةٌ ... بَيْنَ الْخَمِيسَيْنِ لا فِي السَبْعَةِ الشُّهُبِ
أَيْنَ الرُّوَايَةُ أَمْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا ... صَاغُوهُ مِنْ زُخْرُفٍ فِيهَا وَمِنْ كَذِبِ
تَخَرُّصًا وَأَحَادِيثًا مُلَفَّقَةً ... لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إِذَا عُدَّتْ وَلا غُرُبِ
عَجَائِبًا زَعَمُوا الأَيَّامَ مُجْفِلَةً ... عَنْهُنَّ فِي صَفَرِ الأَصْفَارِ أَوْ رَجَبِ
وَخَوَّفُوا النَّاسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَةٍ ... إِذَا بَدَا الْكَوْكَبُ الْغَرْبِيُّ ذُو الذَّنَبِ
وَصَيَّرُوا الأَبْرَاجَ الْعُلْيَا مَرْتَبَةً مَا كَانَ مُنْقَلِبًا أَوْ غَيْرَ مُنْقَلِبِ
следующие страницы →