Полный текст (103 стр.). Показаны 71–103 · переход к 76.
стр. 71
لاحْتَرَسَ الْعِبَادُ مِنْ مَالِكِهِمْ، وَجَازَتْ عَلَيْهِ حِيَلُهُمْ، وَأَفْسَدَ إِرَادَتَهُ مَكْرُهُمْ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخُ بِسَنَدِهِ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحْكَامَ النُّجُومِ لا يَصْلُحُ تَعَاطِي عِلْمِهَا لِذِي عَقْلٍ وَلا دِينٍ، لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إِلَى اتِّصَالِ الصَّوَابِ فِيهَا، وَالَّذِي يُشْبِهُ الصَّوَابَ فَإِنَّمَا يَتَهَيَّأُ بِالاتِّفَاقِ، وَكَيْفَ الْعَاقِلُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يُكَذَبَ مَرَّةً، وَيُصْدَقَ أُخْرَى؟ وَإِنَّمَا عُمُرُ الإِنْسَانِ كَالْبِضَاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَلا يُنْفِقَهَا إِلا فِي عِلْمٍ يَزْدَادُ بِالإِنْفَاقِ، فَبُعْدًا مِنْ بَاطِلٍ، وَقُرْبًا مِنْ حَقٍّ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ لا يُخْطِئَ النَّاظِرُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ تَنْغِيصٌ لِلْعَيْشِ، وَتَكْدِيرٌ لِصَفْوِهِ، وَتَضْيِيقٌ لِمُنْفَسَحِ الآمَالِ الَّتِي بِهَا قَرَّتِ الأَنْفُسُ، وَعُمِرَتِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَفِ مَا يُرْجَى مِنَ الْخَيْرِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّرِّ، لأَنَّ بَعْضًا لَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ إِلَى سَنَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ
стр. 72
يَكْتَسِبُهُ مِنْ دُنْيَاهُ، وَلا صِحَّةٍ يَمْتَنِعُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا لا يُشْبِهُ تَفَضُّلَ اللَّهِ، وَإِحْسَانَهُ، وَرَأْفَتَهُ بِخَلْقِهِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاظِرَ فِيهَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَمُوتُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ فِيهَا مَا مَلَكَ قَارُونُ، وَيَكُونُ عَلَى غَايَةِ الصِّحَّةِ، لَبَطَرَ، وَمَا انْتَهَى عَنْ لَذَّةٍ وَلا فَاحِشَةٍ، وَلا تَوَرَّعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَلا اتَّقَى حَتْفًا هَاجِمًا، وَلا زَوَالا مِنْ نِعْمَةٍ، اتِّكَالا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ عُمُرِهِ وَحَالِهِ، وَلَفَسَدَتِ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، فَسَادُهَا بِإِهْمَالِ النَّاسِ، لَوْ تَرَكُوا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَلأَكَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ أَوْ سَنَةٍ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَتَحَاذَقَ عَلَى رَبِّهِ، وَيْدُخَلَ الْجَنَّةَ بِتَوْبَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَصَوَابِ تَدْبِيرِهِ، فَلا شَكَّ أَنَّ الْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَنَا مِنْ طَيِّ عِلْمِ ذَلِكَ عَنَّا، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى جَمِيلِ صُنْعِهِ وَلَطِيفِ إِحْسَانِهِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " هَلْ لِعِلْمِ النُّجُومِ أَصْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، يُقَالُ لَهُ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّا لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتَّى تُعِلِّمَنَا بِدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى غَمَامَةٍ، فَأَمْطَرَتْهُمْ، وَاسْتَنْقَعَ عَلَى الْجَبَلِ مَاءٌ صَافٍ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
стр. 73
وَالنُّجُومِ أَنْ تَجْرِيَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أَنْ يَرْتَقِيَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى الْجَبَلِ، فَارْتَقَوُا الْجَبَلَ، فَقَامُوا عَلَى الْمَاءِ حَتَّى عَرَفُوا بُدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ بِمَجَارِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ وَمَتَى يَمْرَضُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يُولَدُ لَهُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: فَبَقُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ ﵊ قَاتَلَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ فِي الْقِتَالِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، وَمَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ، وَلا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ، فَقَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، أُقَاتِلُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَيُقَاتِلُ هَؤُلاءِ عَلَى مَعْصِيَتِكَ، فَيُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِي، وَلا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي كُنْتُ عَلَّمْتُهُمْ بُدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ، وَإِنَّمَا أَخْرَجُوا إِلَيْكَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ، وَمَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، فَمِنْ ثُمَّ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
قَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، عَلَى مَاذَا عَلَّمْتَهُمْ؟ قَالَ: عَلَى مَجَارِي الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَحُبِسَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ، فَزَادَ فِي النَّهَارِ، فَاخْتَلَطَتِ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ الزِّيَادَةِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ حِسَابُهُمْ.
стр. 74
قَالَ عَلِيٌ: فَمِنْ ثُمَّ كُرِهَ النَّظَرُ فِي النُّجُومِ ".
قَالَ الشَّيْخُ: فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ وَاحِدٍ مَجْهُولٍ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ عِلْمِ الْقَوْمِ بِأَوْقَاتِ آجَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَحَبْسُ اللَّهِ تَعَالَى الشَّمْسَ عَلَى دَاوُدَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لأَنَّ فِي رُوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى أَحَدٍ، إِلا عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
وَأَمَّا بِطُولِ عِلْمِ النُّجُومِ الْمُتَعَلِّقِ بِالأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: «لَمَّا تَجَهَّزَ الْمُعْتَصِمُ لِغَزْوِ عَمُّورِيَّةَ حَكَمَ الْمُنَجِّمُونَ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُ لا يَرْجِعُ مِنْ غَزْوِهِ، فَإِنْ رَجَعَ كَانَ مَعْلُولا خَائِبًا، لأَنَّهُ خَرَجَ فِي وَقْتِ نَحْسٍ، فَكَانَ مِنْ فَتْحِهِ الْعَظِيمِ وَظَفَرِهِ مَا لَمْ يَخْفَ» .
حَتَّى وَصَفَ ذَلِكَ أَبُو تَمَّامٍ
стр. 75
الطَّائِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: " السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الْكُتُبِ فَقَالَ:
وَالْعِلْمُ فِي شُهُبِ الأَرْمَاحِ لامِعَةٌ ... بَيْنَ الْخَمِيسَيْنِ لا فِي السَبْعَةِ الشُّهُبِ
أَيْنَ الرُّوَايَةُ أَمْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا ... صَاغُوهُ مِنْ زُخْرُفٍ فِيهَا وَمِنْ كَذِبِ
تَخَرُّصًا وَأَحَادِيثًا مُلَفَّقَةً ... لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إِذَا عُدَّتْ وَلا غُرُبِ
عَجَائِبًا زَعَمُوا الأَيَّامَ مُجْفِلَةً ... عَنْهُنَّ فِي صَفَرِ الأَصْفَارِ أَوْ رَجَبِ
وَخَوَّفُوا النَّاسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَةٍ ... إِذَا بَدَا الْكَوْكَبُ الْغَرْبِيُّ ذُو الذَّنَبِ
وَصَيَّرُوا الأَبْرَاجَ الْعُلْيَا مَرْتَبَةً مَا كَانَ مُنْقَلِبًا أَوْ غَيْرَ مُنْقَلِبِ
стр. 76
يَقْضُونَ بِالأَمْرِ عَنْهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ ... مَا دَارَ فِي فَلَكٍ مِنْهَا وَفِي قُطُبِ
لَوْ بَيَّنَتْ قَطُّ أَمْرًا قَبْلَ مَوْقِعِهِ ... لَمْ يَخْفَ مَا حَلَّ بِالأَوْثَانِ وَالصُّلُبِ ".
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الضَّبِّيِّ: «
إِنَّ النُّجُومَ الَّتِي تَسْرِي بِهَا الْعَرَبُ ... زُرْقُ الأَسِنَّةِ وَالْهِنْدِيَّةُ الْقُضُبُ
الْبِيضُ وَالسُّمْرُ أَمْضَى فِي مَطَالِعِهَا ... مِنَ النُّجُومِ وَأَسْدُ الْحَرْبِ تُجْتَنَبُ
لأَنَّهَا أَنْجُمٌ شُهْبٌ إِذَا نَجَمَتْ ... ضَلَّتْ هُنَاكَ لَدَيْهَا الأَنْجُمُ الشُّهُبُ
كَفَاكَ بِالسَّيْفِ نَجْمًا لَيْسَ يُسْعِدُهُ ... رَأْسٌ فَيُنْجِيَهُ فِي حَالَةٍ ذَنَبُ
стр. 77
مَا لِلْكَوَاكِبِ مِنْ صُنْعٍ وَمِنْ عَمَلٍ ... إِلا التَّخَرُّصُ مِنْ قَوْمٍ بِهَا اكْتَسَبُوا
إِنَّ النُّجُومَ غُفُولٌ فِي أَمَاكِنِهَا ... عَمَّا تَدُورُ بِهِ الأَيَّامُ وَالْحُقَبُ
فَكَيْفَ تُحَدِّثُ فِيمَا بَيْنَنَا عُقُبًا ... مِنَ الزَّمَانِ وَفِيمَا بَيْنَهَا عُقُبُ
أَمْ كَيْفَ يَقْضِي عَلَى مَا لا نُشَاهِدُهُ ... مِنْهَا وَمَا هِيَ عَنْهُ نُزَّحٌ غُيُبُ
مَا فِي النُّجُومِ لِذِي لُبٍّ وَمَعْرِفَةٍ ... مُمَيَّزٌ وَطَرٌ يَوْمًا وَلا إِرَبُ
لَوْ أنَّهَا فَعَلَتْ شَيْئًا إِذَا رَفَعَتْ ... عَنْهَا الْمَنَاحِسُ إِذْ ذَاكَ الَّذِي يَجِبُ
فَالْبَعْضُ يَكْسِفُ مِنْهَا الْبَعْضَ مُعْتَرِضًا ... فَآفِلٌ مَرَّةً عَنْهَا وَمُنْقَلِبُ
حَصِّلْ عَلَى الْمُدَّعِي عِلْمًا بِغَامِضِهَا ... فَإِنَّ مَحْصُولَهُ التَّمْوِيهُ وَالْكَذِبُ
مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا مَاذَا يَحِلُّ بِهِ ... لَمْ يَدْرِ مِنْ غَيْرِهِ مَا بَعْدُ يَكْتَسِبُ
стр. 78
إِنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ الأَشْيَاءَ دَبَّرَهَا ... فِي الْخَلْقِ لا فَلَكٌ يَدْرِي وَلا قُطْبُ» .
وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ قَيْصَرَ، سَأَلَ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ، قَالَ: " أَخْبِرْنِي هَلْ نَظَرْتَ فِي النُّجُومِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، نَظَرْتُ فِيمَا يُرَادُ بِهِ الْهِدَايَةُ، وَلَمْ أَنْظُرْ فِيمَا يُرَادُ بِهِ الْكِهَانَةُ، وَقَدْ قُلْتُ فِي النُّجُومِ أَبْيَاتًا مِنَ الشِّعْرِ، فَأَنْشَأَ:
عِلْمُ النُّجُومِ عَلَى الْعُقُولِ وَبَالُ ... وَطِلابُ شَيْءٍ لا يُنَالُ ضَلالُ
مَاذَا طِلابُكَ عِلْمَ شَيْءٍ غُيِّبَتْ ... مِنْ دُونِهِ الْخَضْرَاءُ لَيْسَ يُنَالُ
هَيْهَاتَ مَا أَحَدٌ بِغَامِضِ فِطْنَةٍ ... يَدْرِي كَمِ الأَرْزَاقُ وَالآجَالُ
إِلا الَّذِي مِنْ فَوقِ عَرْشٍ رَبُّنَا ... لِوَجْهِهِ الإِكْرَامُ وَالإِجْلالُ ".
стр. 79
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ: "
أَيُّهَا الْمُعْتَزِي إِلَى التَّنْجِيمِ ... تُهْتَ فِي غَمْرَةِ الْجَهُولِ الأَثِيمِ
أَتَعْلَمُ النُّجُومُ تَحْكُمُ فِي الْغَيْبِ ... بِحُكْمٍ يَرُدُّ حُكْمَ الْحَكِيمِ
كَيْفَ تَدْرِي النُّجُومُ أَمْ كَيْفَ تُنْبِي ... بِقَضَاءٍ مُغَيَّبٍ مَكْتُومِ
وَهِيَ لا تَعْلَمُ النُّحُوسَ إِذَا مَا ... أَدْرَكَتْهَا مِنْ أَيِّمَا إِقْلِيمِ
لا وَمَنْ ظِلْتُ أَرْتَجِي مِنْهُ عَفْوًا ... عَنْ ذُنُوبِي وَفُرْجَةِ الْهُمُومِ
مَا عَلَى الأَرْضِ مَنْ يُطِيقُ مِنَ الْخَلْقِ ... دِفَاعَ الْمُكَوَّنِ الْمَحْتُومِ
فَكِلِ الأَمْرَ إِنْ عَقِلْتَ إِلَى اللَّهِ ... وَلا تَغْتَرِرْ بِلَبْسِ النُّجُومِ
стр. 80
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَ أَبُو عِمَارَةَ التِّنِّيسِيُّ، قَالَ: أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكِنْدِيُّ فِي كِتَابِ الأَدْوَارِ مَا أَقَامَ بِهِ لِلْمُنَجِّمِينَ عُذْرًا لأَغْلاطِهِمْ، فَحَطَّ بِذَلِكَ مِنْ أَقْدَارِهِمْ: " أَنَّ عُلَمَاءَ الْهِنْدِ كَانُوا أَحْذَقَ النَّاسِ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَأَصْدَقَهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ نَشَأَ فِيهِمْ أَوْلادُهُمْ ، فَأَحَبُّوا إِفَادَتَهُمْ عِلْمَهُمْ، فَوَاظَبُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ طُولُ الْمُوَاظَبَةِ مِنَ الْعِلْمِ لِغُمُوضِهِ إِلا بُعْدًا، وَمِنْ فَهْمٍ إِلا جَهْلا وَصَدًّا، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ يَخْتَصِرُوا مِنْ عِلْمِهِمْ جُزْءًا يُلْقُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيَقْرُبَ فِهْمُهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَرُوهُ، وَصَنَّفُوهُ كِتَابَيْنِ: الأَرجهير، وَتَفْسِيرُهُ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ عِلْمِهِمْ، وَالْمِجَسْطِيَّ، وَأَلْقَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِمْ فَقَبِلَتْهُ أَفْهَامُهُمْ، وَقَوِيَتْ عَلَى
стр. 81
تَعَلُّمِهِ طِبَاعُهُمْ، وَهَلَكَ الْمُخْتَصِرُونَ، وَأَسَنَّ الْمُتَعَلِّمُونَ، وَنَشَأَ فِيهِمْ شَبَابٌ وَغِلْمَانٌ أَحَبُّوا لَهُمْ مِثْلَ مَا أَحَبَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَجَذَبُوهُمْ إِلَى التَّعْلِيمِ، فَاسْتَغْلَقَ بَابُهُ عَلَيْهِمْ، وَدَقَّ مَا كَانَ اخْتُصِرَ عَلَى عُقُولِهِمْ، فَلَمْ يَفْهَمُوهُ، وَلا تَعَلَّمُوهُ، فَقَالَ الْمُسِنُّونَ: قَدْ عَرَضَ لِهَؤُلاءِ مِنْ قِلَّةِ الْفَهْمِ مَا يُخَافُ مَعَهُ دُثُورُ هَذَا الْعِلْمِ، وَقَدْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا اخْتَصَرُوا لَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ مَا قَدْ صَعُبَ الْيَوْمَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصِرُوا لِهَؤُلاءِ أَيْضًا مِثْلَ مَا اخْتُصِرَ لَنَا، فَاخْتَصَرُوا مِنَ الأرجهير جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، وَصَنَّفُوهُ كِتَابًا يُدْعَى الأَرْكَنْدُ وَتَفْسِيرُهُ: الْمُسَهَّلُ، وَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَبِلُوهُ، وَتَعَلَّمُوهُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ أَفْهَامُهُمْ، وَأَدْرَكَتْهُ أَذْهَانُهُمْ، ثُمَّ اخْتُصِرَ مِنَ الْمِجَسْطِيِّ وَمِنْ هَذِينِ الْكِتَابَيْنِ أَعْنِي الأَرْكَنْدَ، اخْتُصِرَتِ الزِّيجَاتُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمُ الْيَوْمَ ".
قَالَ يَعْقُوبُ: فَمَا ظَنُّكَ بِعِلْمٍ اخْتُصِرَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، وَمِنْ جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مَا يَبْقَى مِنَ الإِصَابَةِ فِيهِ؟ ! قَالَ الشَّيْخُ: فَأَوْرَدَ هَذَا كَمَا تَرَى لِلاعْتِذَارِ مِنْ بُعْدِ إِصَابَةِ
стр. 82
الْمُنَجِّمِينَ، وَكَثْرَةِ أَغْلاطِهِمِ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ مَا نَعْلَمُ أَلَهَا صِحَّةٌ أَمْ لا؟ وَإِلا اشْتَبَهَ بِطُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ بِأَنَّ الزِّيجَاتِ قَدِ اخْتُصِرَتْ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ، وَإِنَّ اخْتِصَارَهَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ، مَا أُنْكِرَ قَوْلُهُ، لِمُشَابَهَتِهِ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ يَعْقُوبُ مِنْ ذَهَابِ مَا ذَهَبَ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ وَاخْتِلالِهِ، لَكَانَ تَرْكُهُ وَالإِعْرَاضُ عَنْهُ أَوْلَى مِنِ اسْتِعْمَالِهِ
وَأَخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: " كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ أَبِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، فَأَرَادَ قِسْمَتَهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ نُجُومٍ، فَنَظَرَ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا السُّعُودُ، فَخَرَجَ فِيهَا، وَنَظَرَ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا النُّحُوسُ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي، فَلَمَّا اقْتَسَمَا الأَرْضَ، خَرَجَ خَيْرُ السَّهْمَيْنِ لأَبِي، فَجَعَلَ صَاحِبُ النُّجُومِ يَتَعَجَّبُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: مَا لَكَ؟ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: فَهَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِمَّا صَنَعْتَ؟
стр. 83
إِذَا أَصْبَحْتَ، فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ، يَذْهَبْ عَنْكَ نَحْسُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ، يَذْهَبْ عَنْكَ نَحْسُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ".
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ سَلامٍ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْبَرَارِي كِتَابًا، وَكَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ اللِّسَانَ، فَدَبَّرْتُهُ فَإِذَا فِيهِ:
يُدَبِّرُ بِالنُّجُومِ وَلَيْسَ يَدْرِي ... وَرَبُّ الْعَرْشِ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
وَأَخْرَجَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ
стр. 84
أَحْمَدَ:
" بَلِّغَا عَنِّي الْمُنَجِّمَ أَنِّي ... كَافِرٌ بِالَّذِي قَضَتْهُ الْكَوَاكِبْ
مُؤْمِنٌ أَنَّ مَا يَكُونُ وَمَا كَانَ ... قَضَاءٌ مِنَ الْمُهَيْمِنِ وَاجِبْ.
وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا لِلْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ:
أَبْلِغَا عَنِّي الْمُنَجِّمَ أَنِّي كَافِرٌ ... بِالَّذِي قَضَتْهُ الْكَوَاكِبْ
عَالِمٌ أَنَّ مَا يَكُونُ وَمَا كَانَ ... قَضَاءٌ مِنَ الْمُهَيْمِنِ وَاجِبْ
مُوقِنٌ أَنَّ مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ نَجَّمَ ... كُلُّ عَلَى الْمَقَادِيرِ كَاذِبْ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ: الْبَيْتُ الثَّالِثُ أَنْشَدَنِيهِ أَبِي بِغَيْرِ
стр. 85
هَذَا الإِسْنَادِ وَأَخْرَجَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: وَقَفَ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الأَصَمِّ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ أَغْدُو عَلَى الاسْتِخَارَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ تَغْدُو عَلَى الطَّالِعِ، وَأَصْبَحْتُ أَرْجُو اللَّهَ، وَأَنْتَ تَرْجُو الْمُشْتَرِيَ، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ اللَّهَ ، وَأَنْتَ تَخَافُ زُحَلَ "
стр. 86
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: قِيلَ لأَبِي مُحَمَّدٍ الْبَافِيِّ " إِنَّ مُنَجِّمًا لَقِيَ رَجُلا مُسْلِمًا، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ أَرْجُو اللَّهَ، وَأَخَافُهُ، وَأَصْبَحْتَ أَنْتَ تَرْجُو الْمُشْتَرِيَ، وَتَخَافُ زُحَلَ، فَنَظَمَهُ الْبَافِيُّ شِعْرًا، وَأَنْشَدَنَاهُ:
أَصْبَحْتُ لا أَرْجُو وَلا أَخْشَى سِوَى الْجَبَّارِ ... فِي الدُّنْيَا وَيَوْمِ الْمَحْشَرِ
وَأَرَاكَ تَخْشَى مَا يُقَدَّرُ أَنَّهُ ... يَأْتِي بِهِ زُحَلٌ وَتَرْجُو الْمُشْتَرِي
شَتَّانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَالْتَزِمْ ... طُرْقَ النَّجَاةِ وَخَلِّ طُرْقَ الْمُنْكَرِ "
стр. 87
وَأَخْرَجَ عَنِ الْبَافِيِّ لَهُ:
وَكُنْتُ إِنْ بَكَّرْتُ فِي حَاجَةٍ ... أُطَالِعُ التَّقْوِيمَ وَالزِّيجَا
فَأَصْبَحَ الزِّيجُ كَتَصْحِيفِهِ ... وَأَصْبَحَ التَّقْوِيمُ تَعْوِيجَا
وَأَخْرَجَ عَنْ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ لَهُ:
стр. 88
مَنْ كَانَ يَخْشَى زُحَلا ... أَوْ كَانَ يَرْجُو الْمُشْتَرِي
فَإِنَّنِي مِنْهُ وَإِنْ ... كَانَ أَبِي الأَدْنَى بَرِي
وَأَخْرَجَ عَنْ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ أَيْضًا لَهُ:
إِذَا كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ النُّجُومَ ... تَضُرُّ وَتَنْفَعُ مَنْ تَحْتَهَا
فَلا تُنْكِرَنْ عَلَى مَنْ يَقُولُ ... بِأَنَّكَ بِاللَّهِ أَشْرَكْتَهَا
وَلِمَنْصُورٍ أَيْضًا فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا الإِسْنَادِ:
стр. 89
لَيْسَ لِلنَّجْمِ إِلَى ضُرٍّم ... وَلا نَفْعٍ سَبِيلْ
إِنَّمَا النَّجْمُ عَلَى الأَوْقَاتِ ... وَالشَّمْسِ دَلِيلْ
أَنْشَدَنِي أَبُو النَّجِيبِ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الأُرْمَوِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي مَعْرُوفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُذَكَّرُ لابْنِ عَبَّادٍ الصَّاحِبِ: «خَوَّفَنِي مُنَجِّمٌ أَخُو خَبَلْ تَرَاجُعَ الْمِرِّيخِ فِي بُرْجِ الْحَمَلْ
стр. 90
فَقُلْتُ دَعْنِي مِنْ أَبَاطِيلِ الْحِيَلْ الْمُشْتَرِي عِنْدِي سَوَاءٌ وَزُحَلْ أَدْفَعُهُ بِخَالِقِي »
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنا أَبُو عِمَارَةَ التِّنِّيسِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: أُنْشِدْتُ لِبَعْضِهِمْ: «
إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ تَضْيِيعَ قِطْعَةٍ ... عَلَى جَاهِلٍ صَارَتْ بِكَفِّ مُنَجِّمِ
وَإِلا فَمَا يُغْنِي الْمُنَجِّمَ زِيجُهُ ... وَتَقْوِيمُهُ عَنْ حَدِّ وَلِيٍّ مُقْوِمِ
لَعَمْرُكَ مَا يُبْرِيكَ مِنْ دَاءِ عِلَّةٍ ... طَبِيبٌ بِهِ دَاءٌ كَذَلِكَ فَافْهَمِ
وَلَكِنَّ تَعْلِيلَ النُّفُوسِ تَوَهُّمٌ ... وَلَيْسَ يَشِينُ الْمَرْءَ مِثْلُ التَّوَهُّمِ
رَأَيْتُ الْبَلايَا وَالْمَنَايَا خَفِيَّةً ... إِذَا خَفِيَ الشَّيْءُ الْخَفِيُّ فَسَلِّمِ»
стр. 91
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَنْشَدَنِي لِلْبَيْنِيِّ:
بَاكَرَنِي عَنْ نُجُومٍ يَسْأَلُ ... يَنْتَظِرُ السَّعْدَ حِينَ يَتَّصِلْ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي بَرِيَّتِهِ ... لا ينفع المشتري وَلا زُحَلْ
سَأَجْعَلُ الْيَأْسَ مِنْهُمَا أَمَلِي ... وَالْيَأْسُ مِنْ مِثْلِ ذَا الْوَرَى أَمَلْ
مُتَّكِلا فِي الَّذِي أَرُومُ عَلَى ... مَنْ كُلُّ خَلْقٍ عَلَيْهِ يَتَّكِلْ "
أَنْشَدَنِي أَبُو النَّجِيبِ الأُرْمَوِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو النَّصْرِ البَّارِقِيُّ، بِسَهْرَوَرْدَ، لأَبِي فِرَاسِ بْنِ حَمْدَانَ:
стр. 92
«يَا مُعْجَبًا بِنُجُومِهِ ... لا النَّحْسُ مِنْكَ وَلا السَّعَادَةْ
اللَّهُ ينقص ما يشاء ... ومنه إتمام الزيادة
دع ما تريد لما يريد ... فإن لله الإرادة»
أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروز أبادي الفقيه لنفسه
حكيم يرى أَنَّ النُّجُومَ حَقِيقَةٌ ... وَيَذْهَبُ فِي أَحْكَامِهَا كُلَّ مَذْهَبِ
يُخَبِّرُ عَنْ أَفْلاكِهَا وَبُرُوجِهَا ... وَمَا عِنْدَهُ عِلْمٌ بِمَا فِي الْمُغَيَّبِ
стр. 93
وَأَخْرَجَ عَنْ فَضْلِ بْنِ مَرْوَانَ يَقُولُ: " عِلْمَانِ نَظَرْتُ فِيهِمَا، أَمْعَنْتُ النَّظَرَ، فَلَمْ أَرَهُمَا يَصِحَّانِ: النُّجُومُ، وَالسِّحْرُ ".
وَهَذَا كَلامٌ لِبَعْضِ الْمُتقَدِّمِينَ فِي الطَّعْنِ عَلَى الْمُنَجِّمِينَ.
قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: يُقَالُ لِلْمُنَجِّمِ: أَخْبِرْنِي عَمَّا ادَّعَيْتَهُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ، وَكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ وَبَرَاهِينِهِ، لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَكَ فِيهِ مُخَالِفُونَ؟ وَطَعَنَ عَلَيْكَ طَاعِنُونَ؟ فَأَقَلُّهُمْ عَلَيْكَ اعْتِرَاضًا، وَأَسْهَلُهُمْ فِيكَ أَمْرًا: مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ قِيَاسَكَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَنَظَرَكَ نَظَرٌ مَدْخُولٌ، وَأَنَّكَ لا تَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ إِلا إِلَى ظَنٍّ وَحِسْبَانٍ، وَأَكْثَرُ مَا تَقُولُهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا تَقُولُهُ بِالْحَدْسِ وَالتَّبْخِيتِ، وَأَنَّكَ فِي أَكْثَرِهِ كَصَاحِبِ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ، أَوْ كَالْمُتَخَرِّصِ الْمُدَّعِي عِلْمَ عِلْمِ الْغَيْبِ.
وَيَسْتَدِلُّ قَائِلُ هَذَا بِكَثْرَةِ خَطَئِكَ فِي قَضَايَاكَ وَقَوْلِكَ لِلشَّيْءِ:
стр. 94
إِنَّهُ يَكُونُ، وَلا يَكُونُ، وَللشَّيْءِ إِنَّهُ لا يَكُونُ، فَيَكُونُ، وَفِي تَوْقِيتِكَ لِلشَّيْءِ وَقْتًا قَرِيبًا، فَيَكُونُ بَعِيدًا، وَرُبَّمَا بَاعَدْتَهُ، فَيَكُونُ قَرِيبًا، وَيُخْبِرُ عَنْ مِقْدَارِ الشَّيْءِ الْكَائِنِ، فَيَتَضَعَّفُ أَضْعَافًا، وَرُبَّمَا يَنْقُصُ نُقْصَانًا كَثِيرًا، وَيَمْتَحِنُكَ الْمُمْتَحِنُ، فَيَقُولُ: بِمَ تَقْضِي عَلَيَّ: أَقُومُ أَمْ أَقْعُدُ، فَإِنْ قُلْتَ تَقُومُ: قَعَدْتُ، وَإِنْ قُلْتَ: تَقْعُدُ قُمْتُ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا لَطِيفٌ لا يَضْبِطُهُ الْحِسَابُ، وَلا يُحَصِّلُهُ الْقَضَاءُ.
قَالَ لَكَ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ أَمْرَ النُّجُومِ كُلَّهُ لَطِيفٌ لا يَضْبِطُهُ الْحِسَابُ، وَلا يُحَصِّلُهُ الْقَضَاءُ، وَلا يَصِحُّ فِيهِ، وَكَذَا إِنْ قُلْتَ: إِنَّ هَذَا لا يَكُونُ إِلا مِنْ غَلَطِ الْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ، قَالَ لَكَ خَصْمُكَ: فَلَعَلَّ أَوَّلَ هَذَا وَآخِرَهُ غَلَطٌ، وَأَنْتَ لا تَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ الَّذِي يُؤَمِّنُنِي مِنَ الْغَلَطِ فِي الْكُلِّ، وَالَّذِي يَدُلُّنِي عَلَى أَنَّ فِيهِ الأَمْرَ الْجَلِيلَ الْمَفْهُومَ: أَنِّي قَدْ أَجِدُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ صَحِيحًا، وَإِنِّي إِذَا تَحَفَّظْتُ فِي الْحِسَابِ وَالْحُكْمِ، أَصَبْتُ، وَلَمْ أُخْطِ، رَجَعَ خَصْمُكَ إِلَى أَنْ يَقُولَ: فَهَكَذَا أَصْحَابُ الْحَدَسِ وَالتَّبْخِيتِ وَالتَّخْلِيطِ، وَالنَّاظِرُونَ فِي الأَكْتَافِ قَدْ يُصِيبُونَ كَثِيرًا،
стр. 95
وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: لَوْ تَحَفَّظْتُ لَمْ أُخْطِ، وَكَذَا صَاحِبُ الزُّكَانِ قَدْ يُصِيبُ بِأَكْثَرَ مِنْ صَوَابِكَ، وَيُجِيبُ بِأَوْضَحَ مِنْ جَوَابِكَ، وَهَذَا الرَّاجِزُ يَأْتِي بِالأَمْرِ الْعَجِيبِ، وَالصَّوَابِ الْكَثِيرِ، وَيُخْبِرُ عَنِ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ، وَعَمَّا كَانَ وَيَكُونُ فِي الأَوْقَاتِ الْيَسِيرَةِ وَالْمُدَدِ الْقَرِيبَةِ، وَلا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَخْذِكَ الارْتِفَاعَ وَتَعَرُّفِكَ الْوَقْتَ، وَإِحْصَائِكَ السَّاعَاتِ، وَإِقَامَتِكَ الطَّالِعَ وَالأَوْتَارَ، وَتَقَوُّمِكَ الْكَوَاكِبَ، وَمَعْرِفَتِكَ بِالاتِّصَالِ وَالانْصِرَافِ وَمَطَارِحِ الشُّعَاعِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، مَعَ أَشْيَاءَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكَ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا عِنْدَ خَصْمِكَ أَكْثَرُ مِنْكَ صَوَابًا، وَأَخْصَرُ جَوَابًا، وَأَقَلُّ تَرْدَادًا وَتَوَقُّفًا، وَأَمْضَى عَزِيمَةً، وَأَنْفَذُ بَصِيرَةً، مَعَ غِنَاهُمْ عَنْ آلاتِكَ، وَكَثْرَةِ مُقَدِّمَاتِكَ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحَسِّنَ أَمْرَ نَفْسِكَ، وَتَلْتَمِسَ لَهَا الْمَعَاذِيرَ عِنْدَ خَصْمِكَ، وَإِنَّمَا الشَّأَنُ: فِي أَنْ تَصْدَعَ بِالْحُجَّةِ، وَتَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ الْوَاضِحَةِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَشْرَكُكَ فِي صِنَاعَتِكَ يَزْعُمُ أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ لا يَثْبَتُ فِي الْقِيَاسِ، وَلا يَصِحُّ عِنْدَ الاحْتِجَاجِ، وَأَصْلُهُ: أَوْضَاعٌ مُسْتَحْسَنَةٌ،
стр. 96
وَأُمُورٌ اصْطِلاحِيَّةٌ، قَالَ: وَإِلا فَبِأَيِّ قِيَاسٍ أَوْجَبَ قِسْمَةَ الْبُرُوجِ الاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، وَكَيْفَ صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ بَيْتَانِ بَيْتَانِ، وَلِلنَّيِّرَيْنِ بَيْتٌ بَيْتٌ، وَبِأَيَّةِ حُجَّةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَدْيُ وَالدَّلْوُ بَيْتَيْ زُحَلَ دُونَ سَائِرِ الْبُيُوتِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَلِمَ صَارَ الْقَوْسُ وَالْحُوتُ بَيْتَيِ الْمُشْتَرِي دُونَ غَيْرِهِمَا؟ ! وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمِرِّيخِ وَالشَّمْسِ، وَالزُّهَرَةِ، وَعُطَارِدِ، وَالْقَمَرِ، وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ شُرُفُ الشَّمْسِ: الْحَمْلَ، وَهُبُوطُهَا فِي الْمِيزَانِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وَدُونَ أَنْ يَكُونَ شُرُفُهَا: الأَسَدَ الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ بَيْتُهَا، وَيَكُونُ هُبُوطَهَا هُوَ الدَّلْوُ الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ بَيْتُ وَبَالِهَا، وَيَجْرِي الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَبُيُوتِهَا وَإِشْرَافِهَا، وَمَوَاضِعِ هُبُوطِهَا وَمُثَلَّثَاتِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قِسْتُمُوا لِهَا هَذَا الْمَجْرَى، وَلِمَ بَدَأْتُمْ بِزُحَلَ فِي الْقِسْمَةِ؟ وَلِمَ حِينَ بَدَأْتُمْ بِهِ أَعْطَيْتُمُوهُ بَيْتَيْنِ بَيْتَيْنِ دُونَ ثَلاثَةٍ، وَدُونَ وَاحِدٍ؟ ! فَإِنْ قُلْتُمْ: بَدَأْنَا بِالزُّحَلِ، لأَنَّهُ أَعْلَى فَلَكًا مِنْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَأَوْسَعُ دَائِرَةً، وَأَثْقَلُ سَيْرًا، وَأَقْوَى أَمْرًا.
قُلْنَا: وَلِمَ بَدَأْتُمْ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وَدُونَ أَنْ تَبْدَأُوا بِالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ عِنْدَكُمْ قَيِّمَةُ الْكَوَاكِبِ، وَبِهَا يَسْتَقِيمُ، وَبِهَا تَرْجِعُ، وَتَسْتَوْلِي عَلَى النُّجُومِ، فَتُحْرِقُهَا، وَتَذْهَبُ بِقُوَاهَا، وَبِطُلُوعِهَا يَكُونُ
стр. 97
النَّهَارُ، وَبِمَغِيبِهَا يَأْتِي اللَّيْلُ، وَهِيَ سِرَاجُ الْعَالَمِ، وَضَوْءُهُ، وَأَحْرَى أَنُّكُمْ بَدَأْتُمْ بِهَا فِي الإِشْرَاقِ، فَهَلا بَدَأْتُمْ بِهَا فِي الْبُيُوتِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إِنَّا نَبْدَأُ بِالشَّمْسِ فِي الْقِسْمَةِ لِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي وُصِفَتْ، قِيلَ لَهُ: وَلِمَ بَدَأْتُمْ بِهَا قَبْلَ زُحَلَ، وَالزُّحَلُ عِنْدَكُمْ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا؟ ثُمَّ يُقَالُ: وَأَيُّ قِيَاسٍ أَوْجَبَ قِسْمَةَ الْحُدُودِ؟ أَعَلَى مَا قَسَّمَهَا عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ وَأَهْلُ بَابِلَ؟ أَوْ عَلَى مَا قَسَّمَهَا عَلَيْهِ بَطْلَيْمُوسُ مَعَ تَفَاوِتِ اخْتِلافِهِمَا؟ أَوَ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْخِلافِ يَتَحَيَّرُ النَّاظِرُ فِي عُلُومِ النُّجُومِ؟ أَوْ يَيَأْسُ مِنْ إِدْرَاكِ عِلْمِهَا وَمِنْ أَنْ يَهْجِمَ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَةٍ لاسِيَّمَا مَعَ عِظَمِ حَاجَةِ الْمُنَجِّمِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُدُودِ وَتَحْصِيلِهَا، وَقَدْ رَأَيْتُمْ أَهْلَ مِصْرَ لَمَّا قَسَّمُوا الْحُدُودَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ أَوَّلِ الْحَمْلِ سِتَّ دَرَجَاتٍ، وَلِلزُّهَرَةِ سِتًّا، وَلِعُطَارِدَ وَالْمِرِّيخِ خَمْسًا، وَخَالَفَهُمْ بَطْلَيْمُوسُ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ لِلزُّهَرَةِ ثَمَانِيَ دَرَجَاتٍ، وَلِعُطَارِدَ سِتًّا، وِلِلْمُشْتَرِي ثَمَانِيًا، وَلِزُحَلَ خَمْسًا، وَلِلْمِرِّيخَ ثَلاثًا، وَخَالَفَهُمْ بَطْلَيْمُوسُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلا فِي حَدِّ الزُّهَرَةِ، فَجَعَلَ
стр. 98
لِعُطَارِدَ سَبْعَ دَرَجَاتٍ، وُلِلْمُشْتَرِي سَبْعًا، وَلِزُحَلَ سِتًّا، وَلِلْمِرِّيخِ دَرَجَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ خَالَفَهُمْ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ وَقِسْمَتِهَا، ثُمَّ خَالَفَهُمْ أَيْضًا فِي أَنْ قَدَّمَ بَعْضَ مَا أَخَّرُوا، وَأَخَّرَ بَعْضَ مَا قَدَّمُوا، وَهَذَا أَشَدُّ فِي الْخِلافِ، وَأَضَرُّ بِالْعَمَلِ مِنْ زِيَادَةِ دَرَجَةٍ وَدَرَجَتَيْنِ فِي دَرَجِ الْحُدُودِ، وَنُقْصَانِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَبَعْضُهُمْ يُقَدِّمُ زُحَلَ عَلَى عُطَارِدَ بِالنَّهَارِ، وَيُقَدِّمُ عُطَارِدَ عَلَى زُحَلَ بِاللَّيْلِ، وَغَيْرُهُمْ يَعْكِسُ ذَلِكَ، فَالْمِصْرِيُّونَ يَعْمَلُونَ عَلَى حُدُودِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا أَصَحُّ، وَبَطْلَيْمُوسُ وَأَصْحَابُهُ يَعْمَلُونَ عَلَى حُدُودِهِمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا أَصَحُّ، وَيَزْعُمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ أَنَّهُ يَجِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ عِنْدَ الامْتِحَانِ وَالاعْتِبَارِ حِسًّا وَضَرُورَةً مَعَ هَذَا الاخْتِلافِ الْمَوْصُوفِ.
ثُمَّ هَا أَنْتُمْ أَنْفُسِكُمْ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ هَذَا وَأَجَلُّ أَمْرًا، وَهُوَ اخْتِلافُكُمْ فِي تَقْوِيمِ الْكَوَاكِبِ بِالزِّيجَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَبَعْضُهُمْ يُقَوِّمُهَا بِزِيجِ بَطْلَيْمُوسَ، وَبَعْضُهُمْ يُقَوِّمُهَا بِ «السِّنْدِ هِنْدَ» وَبَعْضُهُمْ يُقَوِّمُهَا بِالْمُمْتَحِنِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الزِّيجَاتُ اخْتَلَفَ الْحِسَابُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحِسَابُ اخْتَلَفَتْ مَوَاقِعُ الْكَوَاكِبِ فِي الْبُرُوجِ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ مَوَاقِعُهَا
стр. 99
اخْتَلَفَتْ دَلائِلُهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ دَلائِلُهَا اخْتَلَفَ الْقَضَاءُ عَلَيْهَا وَالْحُكْمُ فِيهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْقَضَاءُ عَلَيْهَا وَالْحُكْمُ فِيهَا، وَقَعَ الْخَطَأُ وَالْكَذِبُ لا مَحَالَةَ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ قَضَيَّتَكُمْ فِي أَوَّلِ مَا يَتْلُونَ بِهِ مِنْ أَمْرِهَا، فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا تَرَقَّبْتُمْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَإِذَا مَرَّ عَلَى غَلْطَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ مَا، وَعَلَى مَا أَصِلُ مِنَ الْخَطَأِ مَفَرٌّ مَا، وَلاسِيَّمَا إِذَا حَكَمَ فِي الْمَوَالِيدِ، وَالأَعْمَارِ، وَفِي أُمُورِ الْمُلُوكِ، وَالدُّوَلِ، وَالْحُرُوبِ، وَالأُمُورِ الْعِظَامِ.
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَعْضُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ مِنْ عَظِيمِ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْخَطَأُ وَالْفَسَادُ، سِوَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْفَلَكِ، وَشَكْلِهِ، وَحَرَكَتِهِ، وَصُورَةِ كَوْاكَبِهِ، وَأَشْكَالِهَا، وَحَرَكَاتِهَا: أَبِأَنْفُسِهَا تَتَحَرَّكُ أَمْ بِأَفْلاكِهَا؟ فَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهَا تَتَحَرَّكُ عَلَى الْفَلَكِ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ مِسْمَارِ مُثَلَّثٍ فِي كُرَةٍ، وَأَنَّ حَرَكَةَ الْكَوْكَبِ إِنَّمَا هِيَ بِحَرَكَةِ فَلَكِهِ، وَقَدْ قَالُوا فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَيْضًا.
стр. 100
وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ الأَفْلاكَ عَلَى هَيْئَةِ الأَطْوَاقِ، وَشَبَّهُوهَا بِذَاتِ الْحِلَقِ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهَا عَلَى هَيْئَةِ الْكُرَةِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ شَكْلَ الأَفْلاكِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا شَكْلُ الْفَلَكِ الأَعْظَمِ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَعَلَى نَحْوٍ مِنْهُ: اخْتِلافُهُمْ فِي أَلْوَانِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، وَأَلْوَانِ الْبُرُوجِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَمَقَادِيرِ أَجْرَامِهَا، وَاخْتِلافُهُمُ فِي شَكْلِ الأَرْضِ وَصُورَتِهَا، وَجَوَاهِرِهَا، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ دَلِيلٌ سِوَى أَقَاوِيلِ أَسْلافِهِمْ، وَغَيْرَ مَا رَسَمُوهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الدَّعَاوَى وَالانْتِحَالِ لِلإِصَابَةِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَاطِعَةٍ، وَلا حُجَّةٍ وَاجِبَةٍ، فَهُمْ فِي غَمْرَةٍ يَعْمَهُونَ، وَفِي حِيرَةٍ يَتَرَدَّدُونَ.
قَالَ الشَّيْخُ: لَوْ لَمْ يَزْهَدِ النَّاسُ فِي النَّظَرِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ إِلا مَا تَرَى مِنْ إِكْذَابِ الْعَاقِلِ، وَإِنْجَاحِ الأَحْمَقِ، وَخَيْبَةِ السَّاعِي، وَظَفَرِ الْقَاعِدِ، وَمَا نُشَاهِدُهُ دَائِمًا مِنِ اتِّفَاقَاتِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ
стр. 101
مِمَّا لَمْ تُورِدْهَا الْخَوَاطِرُ، وَلَمْ تَشْعُرْ بِهَا النُّفُوسُ فِي اجْتِلابِ مَا يَسُرُّ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّ لأَقْنَعَ وَكَفَى، وَأَوْجَبَ التَّسْلِيمَ لِلْقَضَاءِ وَالْعِلْمَ بِأَنَّ الأُمُورَ صَادِرَةٌ عِنْ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ لِخَلْقِهِ، الْحَكِيمُ فِي فِعْلِهِ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
أنا أَبُو الْقَاسِمِ رِضْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَاتِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّاهِدُ، بِالرَّيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، بِدِمِشْقَ، قَالَ: أَنْشَدَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ، لِنَفْسِهِ:
стр. 102
لَوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ مَقْسُومَةً ... بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْجِبُ الْعَبْدُ
لَكَانَ مَنْ يُخْدَمُ مُسْتَخْدَمًا ... وَغَابَ نَحْسٌ وَبَدَا سَعْدُ
وَاعْتَذَرَ الدَّهْرُ إِلَى أَهْلِهِ ... وَانْتَقَشَ السُّؤدَدُ وَالْمَجْدُ
لَكِنَّهَا تَجْرِي عَلَى سَمْتِهَا ... كَمَا يُرِيدُ الْوَاحِدُ الْفَرْدُ "
وَإِلَى الْقَاسِمِ الْمُحْسِنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُعَلَّى، وَأَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ:
لَسْتُ أَدْرِي وَلا الْمُنَجِّمُ يَدْرِي ... مَا يُرِيدُ الْقَضَاءُ بِالإِنْسَانِ
غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ قَوْلَ مُحِقٍّ ... وَأَرَى الْغَيْبَ فِيهِ مِثْلَ الْعِيَانِ
стр. 103
إِنَّ مَنْ كَانَ مُحْسِنًا قَابَلَتْهُ ... بِمَيْلٍ عَوَاقِبُ الإِحْسَان