← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 1296–1332 · переход к 1301.

стр. 1296

ذِكْرُ طَبَقَةٍ أُخْرَى مِنْ مُتَصَوِّفَةِ الْبَلَدِ أَبُو عَبْدِ اللَّهُ اللُّبْنَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ حَيَّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . أَبُوِ مُسْلِمٍ السَّقَّا، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . مَاشَاذَةُ بْنُ بَطَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .

стр. 1297

وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِمَايَنِ حَسْوَلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَبُو مُسْلِمٍ الْمُطَرِّزُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَبُو بَكْرٍ الشَّعْرَانِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ الشَّعْرَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّزْمَابَاذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . هَذَا آخِرُ الْأَسْمَاءِ الْمُجَرَّدَةِ، وَلَوْ ذَكَرْتُ أَخْبَارَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَكَرَامَاتَهُمْ لَطَالَ الْكِتَابُ وَفِي ذِكْرِهِمْ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ لَا حَرَمَنَا اللَّهُ بَرَكَاتَهُمْ وَجَمَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي دَارِ السَّلَامِ إِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْوَهَّابُ.

стр. 1298

فَصْلٌ آخَرُ فِي ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ صُلَحَاءِ أَصْبَهَانَ وَفُضَلَائِهِمْ مِنْهُمْ: بَكَّارُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى امْتُحِنَ أَيَّامَ الْمِحْنَةِ فَاسْتَجَارَ بَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ حَتَّى دَفَعَ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، امْتُحِنَ فِي أَيَّامِ الْوَاثِقِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى مَا يُرِيدُونَ. وَقَالَ: عُيُونُ النَّاسِ مَمْدُودَةٌ إِلَيَّ فَإِنْ أَجَبْتَ أَخْشَى أَنْ يُجِيبُوا وَيَكْفُرُوا، وَتَجَهَّزَ لِيَخْرُجَ، جَاءَهُ الْكِتَابُ مِنْ لَيْلَتِئِذٍ بِأَنَّ الثَّوْرَ انْكَسَرَ رِجْلُهُ، فَجَاءَ الْبَرِيدُ بِأَنَّ الْوَاثِقَ قَدْ مَاتَ فَطَرَدَ الْأَعْوَانَ عَنْ دَارِهِ وَكَانَ الَّذِي يُخْرِجُهُ حَيَّانُ بْنُ بِشْرٍ، وَكَانَ حَيَّانُ قَاضِي أَصْبَهَانَ، فَأَنْشَأَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي الطُّرُقِ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ: ذَهَبَ بَكَّارُ فِي الدِّسْتِ وَخَرَى حَيَّانُ فِي الطَّسْتِ، قِيلَ: كَانَ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ.

стр. 1299

ذِكْرُ مُوسَى بْنُ الْمُسَاوِرِ الضَّبِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا تَرَكَ مَا وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ لِأُخْوَتِهِ تَوَرُّعًا، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَتَوَلَّى السُّلْطَانَ وَأَنْفَقَ عَلَى الرِّبَاطَاتِ وَإِصْلَاحِ الطُّرُقِ مَالًا عَظِيمًا. رُئِيَ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي مَرَرْتُ يَوْمًا بِامْرَأَةٍ تَحْمِلُ جِرَابًا فَثَقُلَ عَلَيْهَا حَمْلُهُ فَحَمَلْتُهُ مَعَهَا، فَشَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لِي فَغَفَرَ لِي. ذِكْرُ حَمَّادٍ الْمَكْتَبِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ مِنْ أَفَاضِلِ النَّاسِ، حَكَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ حَمَّادٌ الْمَكْتَبِ يَكْتُبُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ الثَّوَابِ وَالْبَاقِي يَتْرُكُهُ، وَكَانَ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ذَهَبَ بِالْأَيْتَامِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَدْهِنُ رُءُوسِهِمْ.

стр. 1300

ذِكْرُ عِصَامِ بْنِ يَزِيدَ ﵀ كَانَ مِنَ الْأَخْيَارِ، بَعَثَ بِهِ الثَّوْرِيُّ إِلَى الْمَهْدِيِّ فِي رِسَالَةٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ بُرًّا فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَكَانَ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ، قَالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ: احْمِلْ كِتَابِي إِلَى الْمَهْدِيِّ. فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَا رَجُلٌ جَبَلِيٌّ وَلَعَلِّي أَسْقُطُ بِحَرْفٍ فَيَدْخُلُ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا، قَالَ: لَا تَقُلْ إِلَّا مَا تَعْلَمُ، تَرَى هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ وَجَّهْتُهُ فَيَرَى أَنِّي أَسْدَيْتُ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا. قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: لَوْ أَتَيْتُهُمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا يَعْلَمُونَ، فَإِذَا عَمِلُوا بِمَا يَعْلَمُونَ لَمْ يَسَعْنِي إِلَّا أَنْ آتِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَتَرَى أَنِّي أَخَافُ هَوَانَهُمْ؟ إِنَّمَا أَخَافُ كَرَامَتَهُمْ. ذِكْرُ عَامِرِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ ﵀ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا قَدِمَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ أَصْبَهَانَ، قَالَ عَامِرُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ: عَمَّنْ يُحَدِّثُ أَبُو دَاوُدَ؟ قَالُوا: عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: شُعْبَةُ أَنَا أَيْضًا قَدْ كَتَبْتُ عَنْهُ إِلَّا أَنَّنِي مِنْ مِشْتَلَةَ وَذَاكَ مِنَ الْبَصْرَةِ.

стр. 1301

ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ الْفُرْسَانِيِّ ﵀ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا أَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ فِرَاشًا مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُنْدَارٍ الضَّبِّيِّ ﵀ كَانَ مِنْ عُبَّادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ الْمُسَاوِرِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ مَنْدَهْ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُهُ: مَا خَلَفَ بَعْدَهُ مِثْلِهِ. ذِكْرُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ وَالِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵀ كَانَ مِنْ صُلَحَاءِ النَّاسِ، وَحُفَّاظِ الْحَدِيثِ، كَتَبَ الْكَثِيرَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لَهُ مُصَنَّفَاتٌ حَسَنَةٌ.

стр. 1302

ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ كَانَ مُحَدِّثًا كَبِيرًا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ كَبِيرٍ، قِيلَ: حَضَرَ مَجْلِسَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَشُغِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْهُ سَاعَةً، فَنَعِسَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَجْلِسِهِ قَاعِدًا، فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ: لَيْسَ يَخْلُو الشَّيْخُ مِنْ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ حَظٌّ، أَوْ يَكُونَ قَوِيَّ الْقَلْبِ شَدِيدَ الْجُرْأَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ، فَعَرِفَ أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ الْحَالَتَيْنِ. ذِكْرُ طَبَقَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْعَارِفِينَ مِنْهُمْ: إِبرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ ﵀ كَانَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ، لَهُ مَقَامَاتٍ فِي الرِّيَاضَاتِ، مَاتَ فِي جَامِعِ الرَّيِّ، قِيلَ: مَرِضَ بِالرَّيِّ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَكَانَ بِهِ عِلَّةُ الْقِيَامِ، وَكَانَ إِذَا قَامَ يَدْخُلُ الْمَاءَ يَغْتَسِلُ وَيَعُودُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، فَدَخَلَ مَرَّةً

стр. 1303

الْمَاءَ لِيَغْتَسِلْ فَخَرَجَتْ رَوْحُهُ وَهُوَ فِي وَسَطِ الْمَاءِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا الْخُلْدِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَصْبِرْ لَمْ يَظْفَرْ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ لَمْ تَبْكِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ لَمْ تَضْحَكِ الْآخِرَةُ إِلَيْهِ، قَالَ: وَسَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: بِتُّ لَيْلَةً مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ فَانْتَبَهْتُ فَإِذَا هُوَ يُنَاجِي إِلَى الصَّبَاحِ وَهُوَ يَقُولُ: بَرَحَ الْخَفَاءُ وَفِي التَّلَاقِي رَاحَةٌ ... هَلْ يَشْتَفِي خِلٌّ بِغَيْرِ خَلِيلِهِ؟. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا الْعِلْمُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْعِلْمَ وَاسْتَعْمَلَهُ وَاقْتَدَى بِالسُّنَنِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ الْآدَمِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، وَسُئِلَ عَنِ الْوَرَعِ فَقَالَ: أَلَا يَتَكَلَّمُ الْعَبْدُ إِلَّا بِالْحَقِّ، غَضِبَ أَمْ رَضِيَ، وَكَانَ اهْتِمَامُهُ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى. وَقَالَ: الْعِلْمُ كُلُّهُ فِي كَلِمَتَيْنِ: لَا تَتَكَلَّفُ مَا كُفِيتَ، وَلَا تُضَيِّعُ مَا اسْتُكْفِيتَ. وَقَالَ: التَّاجِرُ بِرَأْسِ مَالِ غَيْرِهِ مُفْلِسٌ. وَقَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَزْدِيَّ،

стр. 1304

يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: دَوَاءُ الْقَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ، وَخَلَاءُ الْبَطْنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عَنِ السِّحْرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ. ذِكْرُ خَيْرٍ النَّسَّاجِ ﵀ قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ خَيْرٌ النَّسَّاجَ لِأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ عَلَى بَابِ الْكُوفَةِ وَقَالَ: أَنْتَ عَبْدِي وَاسْمُكُ خَيْرٌ، وَكَانَ أَسْوَدَ فَلَمْ يُخَالِفْهُ فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي نَسْجِ الْخَزِّ سِنِينَ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا خَيْرُ، وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ، بَعْدَ سِنِينَ: إِنِّي غَلَطْتُ، لَا أَنْتَ عَبْدِي وَلَا اسْمُكَ خَيْرٌ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ خَيْرٌ النَّسَّاجُ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِي بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قِيلَ: صَحِبَ أَبَا حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيَّ، وَتَابَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ فِي مَجْلِسِهِ، عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ خَيْرٌ النَّسَّاجُ: لَا نَسَبَ أَشْرَفُ مِنْ نَسَبِ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَلَمْ يَعْصِهِ، وَلَا عِلْمَ أَرْفَعُ مِنْ عِلْمِ مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْأَسْمَاءَ كُلُّهَا، فَلَمْ تَنْفَعْهُ فِي وَقْتِ جَرَيَانِ الْقُدْرَةِ وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا عِبَادَةَ أَتَمُّ مِنْ عِبَادَةِ إِبْلِيسَ،

стр. 1305

فَلَمْ يُنْجِهِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْبُوقِ عَلَيْهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ: اخْتَارَ مَنِ اخْتَارَ مِنْ عِبَادِهِ لَا لِسَابِقَةٍ لَهُمْ إِلَيْهِ، بِلْ لِإِرَادَةٍ لَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ عَلِمَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ، وَمَا يَبْدُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الدخان: ٣٢] أَيْ مِنَّا بِمَا فِيهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ لِأَنَّ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً يَعْلَمُ عُيُوبَهَا لَا يَرُدُّهَا. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَالِكِيُّ: سَأَلْتُ مَنْ حَضَرَ مَوْتَ خَيْرٍ النَّسَّاجِ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ: لَمَّا حَضَرَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَأَوْمَأَ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَيْتِ وَقَالَ: قِفْ عَافَاكَ اللَّهُ، فَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ وَأَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ، مَا أُمِرْتَ بِهِ لَا يَفُوتَكَ وَمَا أُمِرْتُ بِهِ يَفُوتُنِي فَدَعْنِي لِأَمْضِيَ فِيمَا أُمِرْتُ بِهِ، ثُمَّ أَمْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى ثُمَّ تَمَدَّدَ وَغَمَّضَ عَيْنَيْهِ وَتَشَهَّدَ وَمَاتَ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ رُئِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: لَا تَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا وَلَكِنِّي اسْتَرَحْتُ مِنْ دُنْيَاكُمُ الْقَذِرَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ، الْوَضِرَةِ.

стр. 1306

ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ ﵀ أَصْبَهَانِيٌّ، زَاهِدٌ عَالِمٌ وَرِعٌ، أُسْتَاذُ عَلِيٍّ الْأَسْوَارِيِّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّحَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مَعْمَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ: كَانَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيِّ أَخٌ مِنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَكَانَتْ وَالِدَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي دَارِ أَخِيهِ، وَكَانَ أَخُوهُ يُخْتَلَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَى قَرْيَةٍ لِحَمْزَةَ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ يَدّخُلُ إِلَى زِيَارَةِ أُمِّهِ، فَيَغُضُّ طَرْفَهُ عَنْ سِرَاجِ أَخِيهِ، فَوَقَعَ عَلَى شَيْءٍ فِي الْبَيْتِ فَقَالَتْ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ مَالَكَ؟ أَفِي عَيْنَيْكَ ظُلْمَةٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ بِسِرَاجِ أَخِي وَضَوْئِهِ إِلَى شَيْءٍ لِأَنَّهُ أَمِينُ قَرْيَةٍ، وَكَانَتِ الْقَرْيَةُ مِلْكًا لِحَمْزَةَ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَرَّعُ إِلَى هَذَا. قَالَ: وَحَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: كَانَ لِوَالِدِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ قَرْيَةٌ فَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ أَكْثَرَ طَعَامَهُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ كَانَ يَطِيبُ بِذَلِكَ قَلْبُهُ وَكَانَتْ وَالِدَةُ أَبِي إِسْحَاقَ امْرَأَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً تَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ ، وَتَشْكُرُهُ عَلَى انْبِسَاطِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا فِي طَعَامِهَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْوَارِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا الْأَسْوَارِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا لَيْلَةً مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي دَعْوَةٍ وَكَانَ وَقْتَ الْوَرْدِ،

стр. 1307

فَلَمَّا دَخَلْنَا الْبَيْتَ كَانَ الْوَرْدُ فِيهِ مَفْرُوشًا، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ: تَأْذَنُ لِي أَنْ أَصْنَعَ بِهَذَا الْوَرْدِ مَا شِئْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ مِلْءَ كَفَّيْهِ وَرْدًا فَشَمَّهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى سَقْفِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَفَاحَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجْنَا، فَقَالَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَيْتِ: مَا زِلْنَا نَشَمُّ رَائِحَةَ الطِّيبِ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ سَنَةً. قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْأَسْوَارِيَّ، يَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ وَأَنَا فِي بُسْتَانِي أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ شَجَرَةَ مِشْمِشَ لَمْ تَكُنْ تُثْمِرْ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَالَكَ تَقْطَعُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ؟ قُلْتُ: لَيْسَتْ تُثْمِرُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا تَقْطَعْهَا، فَإِنِّي ضَامِنٌ لَكَ أَنَّهَا تُثْمِرُ فَتَرَكْتُهَا فَأَثْمَرَتْ تِلْكَ السَّنَةِ ثَمَرًا كَثِيرًا، وَمَا زَالَتْ مُثْمِرَةً كُلَّ سَنَةٍ بِضَمَانِهِ؟ ﵀. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلْنَا الْبَادِيَّةَ اعْتَلَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ إِسْهَالُ الْبَطْنِ فَقَامَ سَبْعِينَ مَرَّةً فِي لَيْلَةٍ، كُلُّ مَرَّةٍ يُجَدِّدُ الطَّهَارَةَ، وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَسِيرُ الْقَافِلَةُ، فَلَمَّا غَلَبَ الْإِسْهَالُ عَلَيْهِ وَقَعَ فِي الْقَافِلَةِ أَمْرٌ، فَحَطُّوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَامَتِ الْقَافِلَةُ وَكُنْتُ أَخْدِمُهُ وَآخُذُ الْأَذَى مِنْ تَحْتِهِ عَلَى الطِّيبَةِ فَأَغْسِلُهُ، فَأَرَدْتَ أَنْ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَجِدُ رِيحَ الْأَذَى مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَا تَسْتَعِلَّ فَإِنِّي لَا أَجِدُ مِنْكَ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ، قَالَ: فَبَرَأَ، وَقَالَ: تَعَالَ فَضَمَّنِي إِلَيْهِ وَأَخَذَ رَأْسِي وَوَضَعَهُ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِهِ فَمَا شَمَمْتُ قَطُّ رَائِحَةً وَلَا طِيبًا أَطْيَبُ مِنْهُ فَمَاتَ ﵀ مِنْ ذَلِكَ فَدَفَنْتُهُ

стр. 1308

فِي الْبَادِيَةِ، فَبَلَغَنِي أَنَّ الْأَعْرَابَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبْرِهِ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ فِي حَاجَاتِهِمْ فَتُقْضَى لَهُمْ وَيَرَوْنَ الْإِجَابَةَ وَكَانَ يُسَمَّى قَبْرَ الْجَبَلِيِّ حَتَّى انْدَرَسَ. ذِكْرُ أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ، اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ سَلَّامٍ ﵀ . صَحِبَ أَبَا عَمْرٍو الزُّجَاجِيَّ، وَلَقِيَ أَبَا يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ، وَأَبَا الْحَسَنِ الصَّائِغَ الدِّينَوَرِيَّ، كَانَ بَقِيَّةَ الْمَشَايِخِ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: مَنْ آثَرَ صُحْبَةِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِمَوْتِ الْقَلْبِ. وَقَالَ: السَّاكِتُ بِعِلْمٍ أَحْمَدُ أَثَرًا مِنَ النَّاطِقِ بِجَهْلٍ. وَقَالَ: مَنْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الرَّجَاءِ تَعَطَّلْ، وَمَنْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الْخَوْفِ قَنُطْ، وَلَكِنَّ سَاعَةً وَسَاعَةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً. وَقَالَ: مَنِ اشْتَغَلَ بِأَحْوَالِ النَّاسِ ضَيَّعَ حَالَهُ، وَقَالَ: مَنْ أَعْطَى نَفْسَهُ الْأَمَانِي قَطَعْهَا بِالتَّسْوِيفِ وَالتَّوَانِي.

стр. 1309

ذِكْرُ بُنْدَارِ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵀ مِنْ أَهْلِ شِيرَازَ، سَكَنَ أَرَّجَانَ، كَبِيرُ الشَّأْنِ، قَالَ بُنْدَارٌ: صُحْبَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ تُورِثُ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْحَقِّ، وَقَالَ: لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ تَسْأَلَ رَفِيقَكَ إِلَى أَيْنَ؟ أَوْ فِي إيشْ؟ وَقَالَ: نَوَائِبُ الدَّهرِ أَدَّبَتْنِي ... وَإِنَّمَا يُوعَظُ الْأَدِيبُ قَدْ ذُقْتُ حُلْوًا وذُقْتُ مُرًّا ... كَذَاكَ عَيْشُ الْفَتَى ضُرُوبُ مَا مَرَّ بُؤْسٌ وَلَا نَعِيمٌ ... إِلَّا وَلِي فِيهِمَا نَصِيبُ. ذِكْرُ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّيَارِيِّ ﵀ مِنْ أَهْلِ مَرْوٍ، كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا كَتَبَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، سُئِلَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ فَقَالَ: حَقِيقَتُهَا أَلَّا يَخْطِرَ بِقَلْبِهِ مَا دُونُهُ، وَقَالَ: كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى تَرْكِ ذَنْبٍ

стр. 1310

كَانَ عَلَيْكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَخْطُوطًا، وَإِلَى صَرْفِ قَضَاءٍ كَانَ بِهِ الْعَبْدِ مَرْبُوطًا؟ وَقِيلَ لَهُ يَوْمًا: بِمَاذَا يُرَوِّضُ الْمُرِيدُ نَفْسَهُ؟ وَكَيْفَ يُرَوِّضُهَا؟ قَالَ: بِالصَّبْرِ عَلَى الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي وَصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ وَخِدْمَةِ الرُّفَقَاءِ، وَمُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَرْءُ حَيْثُ وَضَعَ نَفْسَهُ، ثُمَّ تَمَثَّلَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: صَبَرْتُ عَلَى اللَّذَّاتِ حَتَّى تَوَلَّتِ ... وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي هَجْرَهَا فَاسْتَمَرَّتِ وَمَا النَّفْسُ إِلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى ... فَإِنْ طَعِمَتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتِ وَكَانَتْ عَلَى الْأَيَّامِ نَفْسِي عَزِيزَةً ... فَلَمَّا رَأَتْ عَزْمِي عَلَى الذُّلِّ ذَلَّتِ وَقَالَ: مَنْ حَفِظَ قَلْبَهُ مَعَ اللَّهِ بِالصِّدْقِ أَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ الْحِكْمَةِ، وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] قَالَ: أَهَّلَهُمْ فِي الْأَزَلِ لِلتَّقْوَى وَأَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ، وَقَالَ: ظُلْمُ الْأَطْمَاعِ يَمْنَعُ أَنْوَارَ الْمُشَاهَدَاتِ. فَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قَالَ: إِظْهَارُ غَائِبٍ وَتَغْيِيبُ ظَاهِرٍ، وَقَالَ: مَا اسْتَقَامَ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَصْبِرَ عَلَى الذُّلِّ مِثْلَ مَا يَصْبِرُ عَلَى الْعِزِّ. وَقَالَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مِنْ أَيْنَ مَعَاشُكَ؟ فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ مَنْ ضَيَّقَ الْمَعَاشَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وَوَسَّعَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ. وَقَالَ: الْأَغْنِيَاءُ أَرْبَعَةٌ: غَنِيٌّ بِاللَّهِ، وَغَنِيٌّ بِغِنَى اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1311

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى. وَغَنِيٌّ لَا يَذْكُرُ غِنًى وَلَا فَقْرًا لِمَا وَرَدَ عَلَى سِرِّهِ مِنْ هَيْبَةِ الْقُدْرَةِ. وَقَالَ: لَوْ جَازَ أَنْ يُصَلَّى بِبَيْتِ شِعْرٍ لَجَازَ أَنْ يُصَلَّى بِهَذَا الْبَيْتِ: أَتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالًا ... أَنْ تَرَى مُقْلَتَاي طَلْعَةَ حُرِّ. ذِكْرُ مَحْفُوظِ بْنِ مَحْمُودٍ ﵀ نَيْسَابُورِيٌّ، صَحِبَ أَبَا عُثْمَانَ، كَانَ مِنْ أَرْوَعِ الْمَشَايِخِ وَأَلْزَمِهِمْ لِطَرِيقِ الْمَشَايِخِ. قَالَ مَحْفُوظٌ: التَّوَكُّلُ أَنْ تَأْكُلَ بِلَا طَمَعٍ وَلَا شَرَهٍ، وَقَالَ: مَنْ ظَنَّ لِمُسْلِمٍ فِتْنَةً فَهُوَ الْمَفْتُونُ، وَقَالَ: أَكْثَرُ النَّاسُ خَيْرًا أَسْلَمَهُمْ صَدْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: مَنْ أَبْصَرَ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ ابْتُلِيَ بِمَسَاوِئِ النَّاسِ، وَمَنْ أَبْصَرَ عُيُوبَ نَفْسِهِ سَلِمَ مِنْ رُؤْيَةِ مَسَاوِئِ النَّاسِ، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْصِرَ طَرِيقَ رُشْدِهِ فَلْيَتَّهِمْ نَفْسَهُ فِي الْمُوَافَقَاتِ فَضْلًا عَنِ الْمُخَالَفَاتِ، وَقَالَ: لَا تَزِنِ الْخَلْقَ بِمِيزَانِكَ، وَزِنْ نَفْسَكَ بِمِيزَانِ الْمُؤْمِنِينَ لِتَعْلَمَ فَضْلَكَ وَإِفْلَاسَكَ.

стр. 1312

ذِكْرُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَطَاءٍ ﵀ مِنْ عُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ، لَهُ لِسَانٌ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ، صَحِبَ الْجُنَيْدَ. سُئِلَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَا الْمُرُوءَةِ؟ قَالَ: أَنْ لَا تَسْتَكْثِرَ لِلَّهِ عَمَلًا، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ آدَابَ السُّنَّةِ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَا مَقَامَ أَشْرَفُ مِنْ مَقَامِ مُتَابَعَةِ الْحَبِيبِ فِي أَوَامِرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَعَزْمًا وَعَقْدًا وَنِيَّةً، وَقَالَ: الْعِلْمُ الْأَكْبَرُ: الْهَيْبَةُ وَالْحَيَاءُ فَمَنْ عَرِيَ عَنْهُمَا عَرِيَ عَنِ الْخَيْرَاتِ. وَقَالَ: مَنْ عَامَلَ اللَّهَ عَلَى رُؤْيَةِ مَا سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ بِعَجَبٍ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ، وَكُلُّ أَمْرِ اللَّهِ عَجَبٌ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ عَجَبٌ. وَقَالَ: مَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبُسَاطِ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبُسَاطِ الْقُرْبَةِ، وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الصِّدِّيقِينَ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبُسَاطِ الْمُشَاهَدَةِ، وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبُسَاطِ الْأُنْسِ وَالِانْبِسَاطِ، وَقَالَ: مِنَ الْعَبْدِ الاجْتِهَادُ وَمِنَ اللَّهِ

стр. 1313

التَّوْفِيقُ، وَمِنَ الْعَبْدِ الاسْتِعَانَةُ وَمِنَ اللَّهِ الْقُرْبَةُ، وَمِنَ الْعَبْدِ الْأَدَبُ وَمِنَ اللَّهِ الْكَرَامَةُ. وَقَالَ: لَمَّا عَصَى آدَمَ ﵇، بَكَى عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا: لِمَ لَمْ تَبْكِيَا عَلَى آدَمَ؟ فَقَالَا: مَا كُنَّا نَبْكِي عَلَى مَنْ يَعْصِيكَ فَقَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأَجْعَلَنَّ قِيمَةَ كُلِّ شَيْءٍ بِكُمَا وَلَأَجْعَلَنَّ بَنِي آدَمَ خَادِمًا لَكُمَا. وَقَالَ: شَرُّ الطَّاعَاتِ طَاعَةٌ تُورِثُ عُجْبًا، وَخَيْرُ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ أَعْقَبَ تَوْبَةً وَنَدَمًا. وَقَالَ: ادْنِ قَلْبَكَ مِنْ مُجَالَسَةِ الذَّاكِرِينَ لَعَلَّهُ يَتَنَبَّهُ عَنْ غَفْلَتِهِ، وَأَقِمْ بِشَخْصِكَ فِي خِدْمَةِ الصَّالِحِينَ لَعَلَّهُ يَتَعَوَّدُ طَاعَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْشَدَ: ذِكْرُكَ لِي مُؤْنِسٌ يُعَارِضُنِي ... يُوعِدُنِي عَنْكَ مِنْكَ بِالظَّفَرِ وَكَيْفَ أَنْسَاكَ يَا مَدَارَ هِمَمِي ... وَأَنْتَ مِنِّي بِمَوْضِعِ النَّظَرِ. ذِكْرُ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ، فَلَمَّا قَرَّبْتُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ دَخَلْتُ حِصْنًا خَرَابًا،

стр. 1314

وَكُنْتُ حَافِيًا حَاسِرًا فَبِتُّ فِيهِ فَإِذَا أَنَا بَسَبْعٍ دَخَلَ الْحِصْنَ يَصِيحُ وَيَزْأَرُ، وَكُنْتُ أَجِدُ الْبَرْدَ فَقُلْتُ لِلسَّبُعِ: لَا تُسِئْ أَدَبَكَ، فَجَاءَ إِلَيَّ خَلْفِي وَوَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى ظَهْرِي فَأَدْفَأَنِي فَكَانَ كَذَلِكَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَكُنْتُ طَلَبْتُ شَيْئًا أَجْعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِي فَمَسَسْتُ شَيْئًا وَأَخَذْتُهُ وَوَضَعْتُهُ تَحْتَ رَأْسِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ فَإِذَا هُوَ رَأْسُ إِنْسَانٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنَ الْحِصْنِ لِأَسْتَقِي مِنَ الْبِئْرِ، فَإِذَا بَشَيْءٍ دَاخِلُ فِي الْبِئْرِ أَسْوَدُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ حَبْلٌ أَسْوَدُ فَقَبَضْتُ عَلَيْهِ وَجَذَبْتُهُ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ سَوْدَاءُ تَشْرَبُ مِنَ الْبِئْرِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّامِيُّ: قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ: تَدْرِي لِمَ سُمِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ كَبْوَلَةَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا. فَقَالَ: هَهُنَا بِبَغْدَادَ تَاجِرٌ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَكْرٍ الصَّرْصَرُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُنَا عِنْدَهُ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ فَعَمَلَ لَهُمْ كَبْوَلَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا فِي الاعْتِكَافِ وَبَقِيَ أَبُو جَعْفَرٍ كَبْوَلَةُ، فَظَنَّ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَفْطِرُ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصَّرْصَرِ فَمَضَى أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى جَامِعِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَانَ النِّصْفُ مِنْ رَمَضَانَ اجْتَمَعَ أَصْحَابُنَا فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ، فَرَأَوْا أَبَا جَعْفَرٍ وَتَحَدَّثُوا، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ: كَيْفَ أَنْتُمْ فِي هَذَا رَمَضَانَ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي الْمَاءِ الْبَاقِلِّيِّ بَعْدَ مَا أَكَلْنَا الدَّسَمَ وَلَكِنَّكَ فِي الدَّسَمِ فِي دَارِ الصَّرْصَرِ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابَنَا أَنَا بَعْدُ فِي الْكَبْوَلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا لَيْلَةَ رَمَضَانَ مَعَكُمْ وَكَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَسَمَّاهُ الشِّبْلِيُّ كَبْوَلَةَ، فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍّ كَبْوَلَةَ: خَرَجْتُ سَنَةً مِنْ خبر عَلَى طَرِيقِ الْمُنْتَهِبِ

стр. 1315

فَمَضَى عَلَى أَرْبَعَةِ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ آكُلْ فِيهِ شَيْئًا حَتَّى بَلَغْتُ الرَّمْلَ، فَكَانَتْ لَيْلَةً قَمْرَاءَ فَنَظَرْتُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَإِذَا شَخْصٌ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضِ، فَاجْتَهَدْتُ أَنْ أَلْحَقَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ لَا تَتَعَنَّ وَاجْلِسْ مَكَانَكَ وَاسْتَفَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَجَلَسْتُ فِي الرَّمْلِ وَاسْتَفَفْتُ فَإِذَا هُوَ السَّوِيقُ الزَّبِيدِيُّ فَسَكَنْتُ نَفْسِي وَشَبِعْتُ وَوَقَعَ عَلَيَّ النَّوْمُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ كُلَّ مَا كَانَ حَوْلِي مِنَ الرَّمْلِ السَّوِيقَ الزَّبِيدِيَّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ اقْرَأْ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الصُّوفِيِّ السَّلَامَ. ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ الشَّبَهِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَيْسَابُورِيٌّ، صَحِبَ أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيِّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الشِّبَهِيُّ: الْعَارِفُونَ يَقْوَوْنَ بِمَعُرُوفِهِمْ وَسَائِرُ النَّاسِ يَقْوَوْنَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَنَا إِذَا مَشَيْتُ فِي السُّوقِ يَقُولُ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى خُشُوعِ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَخِفْ عَلَى نَفْسِكَ فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: " أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ

стр. 1316

ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ الْفَرَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَيْسَابُورِيٌّ، مِنْ كِبَارِ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ، صَاحَبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَرَاءُ: مَنْ لَمْ يَؤْثِرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَا يَصِلُ إِلَى قَلْبِهِ نُورُ الْمَعْرِفَةِ بِحَالٍ. وَقَالَ: الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ يَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ وَيَصْبِرَ عَلَى مَا يَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَيَكُونُ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ. وَقَالَ: كِتْمَانُ الْحَسَنَاتِ أَوْلَى مِنْ كِتْمَانِ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَرْجُو النَّجَاةَ.

стр. 1317

ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَيْبَانَ الْقِرَمِيسِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْخُ الْجَبَلِ، صَاحِبُ الْأَسْفَارِ الْكَثِيرَةِ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالتَّجْرِيدِ مِنَ الشُّيُوخِ الْكِبَارِ، صَاحِبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ، وَصَحِبَ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ أَيْضًا فِي أَسْفَارِهِ، وَلَهُ فِي أَسْفَارِهِ عَجَائِبُ لَقِيَهَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ: بَيْنَمَا أَنَا جَاي بَيْنَ الْجَزِيرَةِ وَالرَّقَّةِ وَمَعِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِيهِمْ غُلَامٌ صَغِيرُ السِّنِّ حَدَثٌ، فَأَرَدْنَا رُكُوبَ الْفُرَاتِ فَتَعَلَّقَ الْغُلَامُ بِي، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَنَا لَا أُطِيقُ رُكُوبَ الْبَحْرِ فَتَلَطَّفْتُ لَهُ وَأَدْخَلْتُهُ الْمَرْكَبَ وَأَجْلَسْتُهُ إِلَى جَنْبِي وَسَدَدْتُ عَيْنَيْهِ كِي لَا يَرَى الْمَاءَ حَتَّى عَبَرْنَا وَخَرَجْنَا إِلَى جَزِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا: دَوْسَرُ، وَالْغُلَامُ مَعِي، وَقُمْتُ أَنَا أُصَلِّي وَكَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ طَيِّبًا فَقَعَدَ الْغُلَامُ يَسْمَعُ عَلَى لُجَّةِ الْفُرَاتِ، فَانْزَعَجَ وَاضْطَرَبَ وَقَامَ فَرَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْفُرَاتِ وَشَقَّ الْفُرَاتَ شَقًّا كَأَنَّهُ سَهْمٌ وَأَنَا أُومِئُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأُسَبِّحُ فِي الصَّلَاةِ، فَرَأَيْتُهُ كَأَنَّهُ عَلَى رَفْرَفٍ قَاعِدٌ، حَتَّى عَبَرَ الْفُرَاتَ وَجَلَسَ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَحَيِّرِينَ فِي أَمْرِهِ مُتَعَجِّبِينَ مِنْ فِعْلِهِ، فَاشْتَرَيْنَا زَوْرَقًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَالْفُرَاتُ هَائِجٌ حَتَّى عَبَرْنَا

стр. 1318

وَأَتَى الْغُلَامُ إِلَيْنَا فَنَظَرْنَا إِلَى ثِيَابِهِ فَإِذَا أَسْفَلُ حِقْوَيْهِ رَطِبٌ وَالْبَاقِي جَافٌّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ: مَا أَعَزَّ اللَّهُ عَبْدًا بِعِزٍّ أَعَزَّ مِنْ أَنْ يذله عَلَى ذُلِّ نَفْسِهِ، وَمَا أَذَلَّ اللَّهُ عَبْدًا بِذُلٍّ أَذَلَّ مِنْ أَنْ يَحْجُبَهُ عَنْ ذُلِّ نَفْسِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ: الْخَلْقُ مَحَلُّ الْآفَاتِ وَأَكْثَرُهُمْ مِنْهُ آفَةً مَنْ يَأْنَسُ بِهِمْ أَوْ يَسْكُنُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ: حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ وَخَرَجْتُ إِلَى الْقَبْرِ وَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ: صَحِبْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَهُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ لِي: ادْنُ كُلْ مَعِي، فَقُلْتُ: إِنِّي صَحِبْتُكَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَمْ تَدْعُنِي إِلَى طَعَامَكَ إِلَّا الْيَوْمَ، فَمَا بَالُكَ دَعَوْتَنِي الْيَوْمَ؟ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تُقَاكَ إِلَّا الْيَوْمَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْجَلِيلُ ﷻ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، أَذْكُرُكَ وَتَنْسَانِي، وَأَدْعُوكَ إِلَيَّ وَتَذْهَبُ إِلَى غَيْرِي، وَأَدْفَعُ عَنْكَ الْبَلَايَا وَأَنْتَ مَعْكُوفٌ عَلَى الْخَطَايَا، يَا ابْنَ آدَمَ: مَاذَا تَقُولُ إِذَا جِئْتَنِي غَدًا؟

стр. 1319

ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمُوَلِّدِ ﵀ مِنْ أَهْلِ الرَّقَّةِ، لَهُ أَسْفَارٌ كَثِيرَةٌ، لَقِيَ الشُّيُوخَ وَكَتَبَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُوَلِّدِ: عَجِبْتُ لِمَنْ عَرَفَ اللَّهَ فَيُرَاعِي سِوَاهُ. وَقَالَ: الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثٍ: إِلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَقُدْرَةِ اللَّهِ. وَقَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَصْبَحَ كَانَ مُطَالَبًا مِنَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ وَمِنْ نَفْسِهِ بِالشَّهْوَةِ وَمِنَ الشَّيْطَانِ بِالْمَعْصِيَةِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَقَ بِهِ حَيْثُ أَمْرَهُ فِي ابْتِدَاءِ صَبَاحِهِ بِأَمْرِهِ وَبَعَثَ إِلَيْهِ مُنَادِيًا يُنَادِيهِ إِلَى اللَّهِ ، وَهُمُ الْمُؤَذِّنُونَ يُكَبِّرُونَ فِي أَذَانِهِمْ تَكْبِيرًا، فَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ لِيُكَبِّرَ بِقَلْبِهِ أَمْرَ سَيِّدِهِ فَيُبَادِرَ إِلَى طَاعَتِهِ وَيُخَالِفَ نَفْسَهُ وَشَيْطَانَهُ فَإِنْ بَادَرَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ بِالظَّفَرِ عَلَى نَفْسِهِ وَغَلَبَتِهِ لِشَهْوَتِهِ وَأَعَانَهُ عَلَى عَدُوِّهِ بِقَطْعِ الْوَسْوَاسِ مِنْ قَلْبِهِ فَإِنَّ مَنْ بَادَرَ إِلَى بَابِهِ دَخَلَ فِي حِزْبِهِ وَكَانَ غَالِبًا لَا مَغْلُوبًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُوَلِّدِ: مَنْ لَمْ يَمْلِكْ بَصَرَهُ إِذَا نَظَرَ لَمْ يَمْلِكْ فَرَجَهُ إِذَا قَرُبَ.

стр. 1320

ذِكْرُ أَبِي الْحَارِثِ الْأَوَلَاسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: خَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْمَوْسِمِ أُرِيدُ الشَّامَ، فَلَمَّا كُنْتُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ إِذَا أَنَا بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ عَلَى خَيْلٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ وَيَتَذَاكَرُونَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا فَرَغُوا أَخَذُوا يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسُّوا مِنَ الدُّنْيَا ذَهَبًا، وَلَا فِضَّةً، فَقُلْتُ: أَنَا مَعَكُمْ، فَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَقَالَ أَحَدُهُمْ: إِنِّي صَائِرٌ إِلَى بَلَدِ كَذَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنِّي صَائِرٌ إِلَى بَلَدِ كَذَا، وَبَقِيتُ أَنَا وَآخَرُ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الْعَلَوِيُّ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: الشَّامَ، فَقَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ اللُّكَامَ فَوَدَّعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَافْتَرَقْنَا، فَخَرَجْتُ مِنَ الْأَوَلَاسِ فَلَمَّا صِرْتُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ، إِذَا بِرَجُلٍ صَافَ قَدَمَيْهِ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ وَإِذَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِي سَلَّمَ، وَقَالَ: غَيِّبْ شَخْصَكَ عَنِّي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا تَطْعَمَ شَيْئًا ثُمَّ ائْتِنِي، فَفَعَلْتُ وَجِئْتُ بَعْدَ ثَلَاثِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي عَلَى الْبَحْرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِي أَوْجَزَ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَوْقَفَنِي عَلَى الْبَحْرِ وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: يُرِيدُ أَنْ يَمْشِي بِي عَلَى الْمَاءِ، فَلَئِنْ فَعَلَ لَأَمْشِيَنَّ، فَمَا لَبِثْتُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَنَا بَرَفٍّ مِنْ حِيتَانٍ مَدَّ الْبَصَرِ قَدْ أَقْبَلَتِ إِلَيْنَا رَافِعَةً رُءُوسَهَا، فَاتِحَةً أَفْوَاهَهَا،

стр. 1321

فَلَمَّا رَأَيْتُهَا قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَيْنَ أَبُو بِشْرٍ الصَّيَّادُ صَيَّادًا كَانَ بِالْأَوَلَاسِ فَلَمَّا خَطَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِي، كَأَنِّي طَرَحْتُ فِي وَسَطِهِمْ حَجَرًا فَتَفَرَّقُوا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّمَا خَطَرَ بِقَلْبِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: امْضِ فَلَسْتَ مَطْلُوبًا بِهَذَا الْأَمْرِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِهَذِهِ الرِّمَالِ، وَالْجِبَالِ، وَوَارِ شَخْصَكَ، وَتَعَلَّلَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيكَ أَمْرَ اللَّهِ، فَإِنِّي أَرَاكَ مُطَالَبًا بِهَذَا، ثُمَّ غَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَهُ حَتَّى مَاتَ. ذِكْرُ الْمُظَفَّرُ الْقِرْمِيسِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمَشَايِخِ، سُئِلَ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ قَالَ: فَرَاغُ الْقَلْبِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ لِيَتَفَرَّغَ إِلَى مَا يَعْنِيهِ. وَقَالَ: الْعَارِفُ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ لِمَوْلَاهُ وَجَسَدَهُ لِخَالِقِهِ. وَقَالَ: أَفْضَلُ مَا يَلْقَى بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ نَصِيحَةٌ مِنْ قَلْبِهِ، وَتَوْبَةٌ مِنْ ذَنْبِهِ. وَقَالَ: لَيْسَ مِنْ عُمْرِكَ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ لَمْ تَفْنِهَا بِمَا لَكَ فَلَا تَفْنِهَا بِمَا عَلَيْكَ.

стр. 1322

ذِكْرُ مَحْفُوظِ بْنِ مُحَمَّدٍ ﵀ بَغْدَادِيٌّ، أَحَدُ السَّالِكِينَ طَرِيقَةَ التَّصَوُّفِ، قَالَ مَحْفُوظٌ: مَنْ لَمْ يُبْصِرْ مَسَاوِئَ نَفْسِهِ ابْتُلِيَ بِمَسَاوِئِ النَّاسِ، وَمَنْ أَبْصَرَ عُيُوبَ نَفْسِهِ سَلِمَ مِنْ رُؤْيَةِ مَسَاوِئِ النَّاسِ. وَقَالَ: أَسْلَمُ النَّاسَ خَيْرًا أَسْلَمَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: لَا تَزِِنِ الْخَلْقَ بِمِيزَانِكَ، وَزِنْ نَفْسَكَ بِمِيزَانِهِمْ لِتَعْلَمْ فَضْلَهُمْ وَإِفَلَاسَكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1323

ذِكْرُ عَلِيِّ بْنِ هِنْدٍ الْفَارِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ التَّصَوُّفِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ هِنْدٍ: الْمُتَمَسِّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ هُوَ الْمُلَاحِظُ لِلْحَقِّ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ، وَالْمُتَمَسِّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، بَلْ يَجْرِي، فِي أَوْقَاتِهِ، عَلَى الْمُشَاهَدَةِ لَا عَلَى الْغَفْلَةِ، يَأْخُذُ الْأَشْيَاءَ مِنْ مَعْدَنِهَا وَيَضَعَهَا فِي مَعدَنِهَا. وَقَالَ: اجْتَهِدْ أَنْ لَا تُفَارِقَ بَابَ سَيِّدِكَ فَإِنَّهُ مَلْجَأُ الْكُلِّ، فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ تِلْكَ السَّدَّةَ لَا يَرَى بَعْدَهَا لِقَدَمَيْهِ قَرَارًا وَلَا مَقَامًا، وَقَالَ: كُنْتُ فِي كُرْبَتِي أَفِرُّ إِلَيْهِمْ ... فَهُمُ كُرْبَتِي، فَأَيْنَ الْمَفَرُّ؟ وَأَنْشَدُوا: لَوْلَا مَدَامِعُ عُشَّاقٍ وَلَوْعَتُهُمْ ... لَبَانَ فِي النَّاسِ عِزُّ الْمَاءِ وَالنَّارِ فَكُلُّ نَارٍ مِنْ أَنْفَاسِهِمْ قَدِحَتْ ... وَكُلُّ مَاءٍ فَمِنْ عَيْنٍ لَهُمْ جَارِ وَأَنْشَدُوا: وَالْهَجْرُ لَوْ سَكَنَ الْجِنَانَ تَحَوَّلَتْ ... نِعْمَ الْجِنَانُ عَلَى الْعَبِيدِ جَحِيمَا وَالْوَصْلُ لَوْ سَكَنَ الْجَحِيمَ تَحَوَّلَتْ ... حَرَّ السَّعِيرِ عَلَى الْعِبَادِ نَعِيمَا.

стр. 1324

ذِكْرُ طَبَقَةٍ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْعَارِفِينَ ﵏ نَذْكُرُهُمْ وَنَخْتِمُ الْكِتَابَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُجَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَقِيَّةُ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ، صَحِبَ أَبَا عُثْمَانَ، وَكَتَبَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مَقْبُولًا عَنْدَ الْكُلِّ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ: كُلُّ حَالٍ لَا يَكُونُ عَنْ نَتِيجَةِ الْعِلْمِ وَإِنْ جَلَّ فَإِنَّ ضَرَرَهُ عَلَى صَاحِبِهِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ. وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهُ هَانَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَقَالَ: مَنْ ضَيَّعَ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ فَرِيضَةٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُرِمَ لَذَّةَ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ وَلَوْ بَعْدَ حِينَ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ تُهَذِّبُكَ رُؤْيَتُهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُهَذَّبٍ. وَقَالَ: لَا يَصْفُو لِأَحَدٍ قَدَمٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ حَتَّى تَكُونُ أَفْعَالُهُ عِنْدَهُ كُلُّهَا رِيَاءً، وَأَحْوَالُهُ كُلُّهَا عِنْدَهُ دَعَاوًى. وَسُئِلَ عَنِ التَّصَوُّفِ، فَقَالَ: الصَّبْرُ تَحْتَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

стр. 1325

وَسُئِلَ عَنِ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ: أَدْنَاهُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: مَنْ أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: لَا تَثِقُ بِمَوَدَّةِ مَنْ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مَعْصُومًا. وَقَالَ: مُعَاوَنَةُ الْإِخْوَانِ خَيْرٌ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّصْرَابَاذِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ بِنَيْسَابُورَ، وَشَيْخُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي وَقْتِهِ، رَحَلَ، وَسَمِعَ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ، وَدَخَلَ مِصْرَ، وَكَتَبَ عَنْ أَهْلِهَا، وَلَقِيَ الرُّوذْبَارِيَّ وَأَخَذَ عَنْهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْإِشَارَةِ، وَكَانَتْ إِشَارَتُهُ فِي كَلَامِهِ مَقْرُونَةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ النَّصْرَابَاذِيُّ: مُوَافَقَةُ الْأَوَامِرِ حَسَنٌ، وَمُوَافَقَةُ الْآمِرِ أَحْسَنُ. وَقَالَ: مُرَاعَاةُ الْأَوْقَاتِ مِنْ عَلَامَاتِ التَّيَقُّظِ. وَقَالَ: قَالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ:

стр. 1326

إِنَّ لِلنَّفْسِ حُكُومَاتٍ تَغْضَبُ لِلَّهِ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا تَغْضَبُ لِلَّهِ عَلَى نَفْسِهَا. وَقَالَ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ هُوَ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَرْكُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْآيَةِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ، وَتَرْكُ مَا أَحْدَثَهُ الْآخَرُونَ، وَالْمُقَامُ عَلَى مَا سَلَفَهُ الْأَوَّلُونَ هُوَ الْأَصْلُ. ذِكْرُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيِّ الْحَافِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ كَانَ حَافِظًا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَارِفًا بِهِ، سَافَرَ الْكَثِيرَ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ وَأَمْلَى، وَكَانَ يَلْبَسُ الرُّقْعَةَ وَيَتَزَيَّا بِزِيِّ الصُّوفِيَّةِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ: كُنْتُ فِي حَدَاثَتِي قَدِ اعْتَقَدْتُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمَ، فَخَرَجْتُ يَوْمًا إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْفَرِدُ فِيهِ وَكَانَ عَلَيَّ قَمِيصٌ أَسْوَدُ وَعَلَى رَأْسِي خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ، فَجَلَسْتِ أَبُولُ، فَإِذَا بِحَيَّةٍ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ فَهِبْتُهَا، وَأَخَذَتْنِي الرَّعْدَةُ، وَرَآنِي الصِّبْيَانُ فَظَنُّوا أَنِّي امْرَأَةٌ فَرَمُونِي بِالْحِجَارَةِ، وَقَالُوا: جَالِسَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ تَبُولُ، فَبَقِيتُ مُتَحَيِّرًا فِي أَمْرِي، فَوَقَعَ فِي سِرِّي أَيْنَ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ؟ فَقُلْتُ: يَا رَبُّ تُبْتُ، فَرَجِعَتِ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَانْقَطَعَتْ عَنِّي الرَّعْدَةُ، وَدَنَا مِنِّي الصِّبْيَانُ، وَاحْتَشَمُوا مِنِّي، وَمَضَيْتُ لِسَبِيلِي.

стр. 1327

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا كَتَبَ الصُّوفِيُّ الْحَدِيثَ اسْتَنْقَذَهُ الْحَدِيثُ مِنَ الْجَهْلِ، وَإِذَا تَصَوَّفَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ اسْتَنْقَذَهُ التَّصَوُّفُ مِنَ الْبُخْلِ. ذِكْرُ أَبِي زُرْعَةَ الطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ . أَحَدُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ، سَافَرَ كَثِيرًا، وَلَقِيَ الشُّيُوخَ الْكِبَارَ، دَخَلَ الشَّامَ وَسَكَنَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ شِيرَازَ وَبِهَا مَاتَ، سَمِعَ مِنَ الْمَحَامِلِيِّ، وَغَيْرِهِ. ذِكْرُ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْعَسَّالِ ﵀ أَحَدُ أَئِمَةِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الْوَرَعِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، ﵀: طُفْتُ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَبِي أَحْمَدَ الْعَسَّالِ فِي الْإِتْقَانِ. قِيلَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو أَحْمَدَ جَلَسَ أَوْلَادُهُ لِلتَّعْزِيَةِ دَخَلَ رَجُلَانِ فِي لِبَاسِ سَوَادٍ وَأَخَذَا يُوَلْوِلَانِ وَيَقُولَانِ: وَا إِسْلَامَاهُ، فَسَألَ عَنْ حَالِهِمَا، فَقَالَا: إِنَّا وَرَدْنَا

стр. 1328

مِنْ أَغَمَاتَ بَلْدَةٍ فِي آخِرِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَنَحْنُ مُنْذُ سَنَةٍ وَنِصْفٍ فِي الطَّرِيقِ إِلَى هَذَا الْإِمَامِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ مِنْهُ، وَالْآنَ وَافَقَ وُرُودُنَا وَفَاتَهُ، أَفَلَا يَسُوغُ لَنَا أَنْ نَتَهَالَكَ فِي الْجَزَعِ؟ . قِيلَ: مَا كَانَ يَجْلِسُ لِإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ وَلَا يَمَسُّ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ إِلَّا بَعْدَ تَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ. وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ عَلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ كُلِّ الامْتِنَاعِ، فَبَقِيَ عَلَى خِلَافَتِهِ إِلَى أَنِ اسْتَخْلَفَ ابْنَهُ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عُتْبَةَ أَبَا أَحْمَدَ الْعَسَّالَ، لَمَّا تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ لَمْ يَكُنْ يُغْلِقُ بَابَ دَارِهِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَكَانَ يُوصِي أَهْلَ مَنْزِلِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بِأَنْ لَا يَحْجِبُوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْخُصُومَاتِ، فَكَانَ إِذَا حَضَرَ خَصْمَانِ يَبْرُزُ إِلَيْهِمَا وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ لَا يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ، بَلْ يَغْرَمُ عَنْهُ الْمَالَ فَيَزِنُهُ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مِائَةَ ديِنَارٍ، وَكَانَ يُحَذِّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَالَ الْيَمِينِ، وَيُذَكِّرُهُ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ مَجَالِسَ وَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَهُ حَلَّفَهُ كَارِهًا. وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِنْتِ مَمْشَاذَ الْفَارِسِيِّ خُصُومَةٌ وَمُنَاظَرَةٌ فَشَكَتْهُ إِلَى أَبِيهَا، فَجَاءَ وَالِدُهَا إِلَى دَارِهِ بِمَحَلَّةِ خُورْجَانَ، فَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ قَاضِيًا، فَلَمَّا بَلَغَا الْمَسْجِدَ الْمَعْرُوفَ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُورْذَانِيِّ بِمَحَلَّةِ سِمْيَكَانَ، اسْتَأْذَنَ صِهْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ

стр. 1329

فَخَتَمَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، قَامَ إِلَيْهِ صِهْرُهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، فَلَمْ أَكُنْ خبَيِرًا بِحَالِكَ، وَمَنْ لِي بِخَتَنٍ مِثْلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِي ثَلَاثُ بَنَاتٍ وَكَانَ جَائِزًا فِي الشَّرْعِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخَوَاتِ لَزَوَّجْتُهُنَّ إِيَّاكَ. ذِكْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ ﵁ فَضَائِلُ هَذَا الْإِمَامِ كَثِيَرَةٌ، كَانَ مُقَدَّمَ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي الْحِفْظِ وَالْبِدَايَةِ، وَنَصْرَةِ السُّنَّةِ، وَإِمَاتَةِ الْبِدْعَةِ، طَافَ الدُّنْيَا فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، عُرِفَ مَنْزِلَتِهِ فِي الْعِلْمِ فِي شَيْبَتِهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ ﵀ وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ يَسْأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ أُشْكِلَ عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ لَهُ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ حَمْزَةَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ، سَمِعْتُ عُمَرَ السِّمْسَارَ، غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ: جَرَى ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدهٍ عِنْدَ أَبِي نَعِيمٍ، فَقَالَ: كَانَ جَبَلًا مِنَ الْجِبَالِ. حُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: كَتَبْتُ صَحِيحَ مُسْلِمٍ بِقَلَمٍ وَاحِدٍ فَلَمْ أُصْلِحْهُ.

стр. 1330

ذَكَرَ الشَّيْخُ عَزِيزٌ الْمِصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاهِينَ، حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْخَطِيبَ بَافَجَانَ، يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَكُنْتُ فِي دَهْشَةٍ مِنْ أَمْرِ الْمُذْهِبِ، فَكَأَنَّهُ لِلَّهِ عَرَفَ مَا بِي، فَقَالَ ﷺ : عَلَيْكَ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنِ الْخَامِسُ؟ قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالثَّانِي: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالثَّالِثُ: مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، وَالرَّابِعُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ﵃. ذِكْرُ أَبِي مَنْصُورٍ مَعْمَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ التَّمِيمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ أَوْحَدَ عَصْرِهِ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ التَّصَوُّفِ، وَعِمَارَةِ الْوَقْتِ، وَكَثْرَةِ الاجْتِهَادِ وَالْعِبَادَةِ، لَهُ تَصَانِيفٌ فِي عُلُومِ الْقَوْمِ، خُتِمَ بِهِ طَرِيقَةُ التَّصَوُّفِ، كَمَا خُتِمَ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ الْإِتْقَانُ وَالْحِفْظُ، وَالتَّشَدُّدُ فِي السُّنَّةِ.

стр. 1331

ذِكْرُ وَالِدِي أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ﵀ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عُبَّادِ اللَّهِ الْخَاشِعِينَ الْوَرِعِينَ، لَمْ يُرَ بَعْدَهُ مِثْلُهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالْخَوْفِ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَانَ ﵀ فِي أَيَّامِ شَيْبَتِهِ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى اسْبِيذْكُوهَا لِلزِّيَارَةِ وَمَعَهُ رَفِيقُهُ مُحَمَّدٌ الرُّوَيْدَشْتِيُّ ﵀ كَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ، فَقَعَدَ وَالِدِي عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ يَتَوَضَّأُ فَسَقَطَ مِنْهُ خَرْقَةٌ فِيهَا دَنَانِيرُ فَلَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى مَضَتْ سَاعَاتٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ لَحِقَ بِرَفِيقِهِ يَمْشِي، فَإِذَا بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ يَرْعَى، فَمَالَتْ شَاةٌ عَنِ الْقَطِيعِ وَفِي فَمِهَا الْخِرْقَةُ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى وَالِدِي طَرَحْتِ الْخِرْقَةَ مِنْ فَمِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَفْيقُهُ: انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْخِرْقَةِ لَعَلَّهَا سَقَطَتْ مِنْكَ فَنَظَرَ إِلَى الْخِرْقَةِ وَالْخَيْطِ الْمَشْدُودِ عَلَيْهَا فَعَرَفَهَا فَأَخَذَهَا، حَكَى ذَلِكَ رَفِيقُهُ مُحَمَّدٌ الرُّوَيْدَشْتِيُّ، فَقَالَتْ وَالِدَتِي رَحِمَهَا اللَّهُ: ذَكَرْتُ لَهُ يَوْمًا هَذِهِ الْحِكَايَةَ فَكَرِهَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا حَفِظَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَالَ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْ وَجْهٍ حَلَالٍ، فَأَمَّا مَا بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ فَقَدْ خَالَطَهُ الشُّبُهَاتُ، أَرَدْتُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنْ

стр. 1332

أَتَوَضَّأَ فِي الْخَانِ وَكَانَ مَعِي دِينَارٌ فَوَضَعْتُهُ عَلَى رَفٍّ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْوُضُوءِ تَذَكَّرْتُ فَلَمْ أَجِدْهُ، قَالَ: وَحَزِنَ لِذَلِكَ وَقَالَ: لَسْتُ أَحْزَنَ مِنْ فَوْتِ الدِّينَارِ وَإِنَّمَا أَحْزَنُ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ خَالِصٍ، لَقَدْ صَلَّيْتُ يَوْمًا فِي مَسْجِدِ قَلَامَةَ وَكَانَ مَعِي دَنَانِيرُ صِحَاحٌ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى الْبَارِيَةِ، وَصَلَّيْتُ فَنَسِيتُهَا وَخَرَجْتُ فَصَلُّوا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ فَتَذَكَّرْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ بِحَالِهَا ظَاهِرَةً، وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَلَالًا فَحَفِظَهَا اللَّهُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: أَذْكُرُ وَأَنَا صَبِيٌّ، وَأَخِي أَبُو الْوَفَاءِ صَبِيٌّ، فَكَانَ أَبِي يُقْعِدُنِي عَنْ يَمِينِهِ وَيُقْعِدُ أَبَا الْوَفَاءِ عَنْ شِمَالِهِ، وَيَقُومُ أَبِي إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَثِبُ أَنَا وَهُوَ يَضْرِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا فَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَبِي لِقَوَّةِ حَالِهِ وَخُشُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ، كَأَنَّهُ غَائِبٌ عَنِ الدُّنْيَا.