وفي سبعين مسنةٌ وتبيعٌ، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعةٍ، وفي مائة تبيعان ومسنةٌ، وعلى هذا يتغير الفرض في كل عشرةٍ من تبيعٍ إلى مسنةٍ، والجواميس والبقر سواءٌ.
باب صدقة الغنم .
- ليس في أقل من أربعين شاةً صدقةٌ، فإذا كانت أربعين سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاةٌ إلى مائةٍ وعشرين، فإذا زادت واحدةً ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدةً ففيها ثلاث شياهٍ، فإذا بلغت أربعمائةٍ ففيها أربع شياهٍ، ثم في كل مائةٍ شاةٌ،
ــ
الفقه: قولهما هو المختار، (وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة تبيعان ومسنة، وعلى هذا) المنوال (يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة) بهذا المثال.
(والجواميس والبقر سواء) لاتحاد الجنسية؛ إذ هو نوع منه، وإنما لم يحنث بأكل الجاموس إذا حلف لا يأكل لحم البقر لعدم العرف.
باب صدقة الغنم
(ليس في أقل من أربعين شاة صدقة) لعدم بلوغ النصاب (فإذا كانت أربعين سائمة) كما تقدم (وحلل عليها الحول ففيها شاة) ثنى ذكر أو أنثى (إلى مائة وعشرين فإذا زادت) المائة والعشرون (واحدة ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه) إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين (فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة)
стр. 142
والضأن والمعز سواءٌ.
باب زكاة الخيل .
- إذا كانت الخيل سائمةً ذكوراً وإناثاً فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى عن كل فرسٍ ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهمٍ خمسة دراهم، وليس في ذكورها منفردةً زكاةٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا زكاة في الخيل،
ــ
(والضأن والمعز سواء) في النصاب، والوجوب، وأداء الواجب، ولا يؤخذ إلى الثنى وهو ما تمت له سنة كما تقدم.
باب زكاة الخيل
إنما أخرها للاختلاف في وجوب الزكاة فيها، قال أبو حنيفة: (إذا كانت الخيل سائمة) كما تقدم، وكانت (ذكوراً وإناثاً) أو إناثاً فقط (فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم) بمنزلة عروض التجارة (وليس في ذكورها منفردة زكاة) اتفاقاً، ولم يقيد بنصاب إشارة إلى أن الأصح أنها لا نصاب لها؛ لعدم النقل (وقالا: لا زكاة في الخيل) قال في التصحيح: قال الطحاوي: هذا أحب القولين إلينا، ورجحه القاضي أبو زيد في الأسرار، وقال في الينابيع: وعليه الفتوى، وقال في الجواهر: والفتوى على قولهما، وقال في الكافي: هو المختار للفتوى، وتبعه شارح الكنز والزازي في فتاواه تبعا لصاحب الخلاصة، وقال قاضيخان: قالوا الفتوى على قولهما، وقال الإمام أبو منصور في التحفة: الصحيح قول أبي حنيفة، ورجحه الإمام السرخسي في المبسوط، والقدوري في التجريد، وأجاب عما عساه يورد على دليله، وصاحب البدائع، وصاحب الهداية وهذا أقوى حجة على ما يشهد به التجريد للقدوري والمبسوط للسرخسي وشرح شيخنا للهداية، والله أعلم. اه
стр. 143
ولا في شيء من البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة، وليس في الفصلان والحملان والعجاجيل صدقةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ إلا أن يكون معها كبارٌ، وقال أبو يوسف. فيها واحدةٌ منها، ومن وجب عليه سنٌ فلم توجد عنده أخذ المصدق أعلى منها ورد الفضل، أو أخذ دونها وأخذ الفضل.
ويجوز دفع القيمة في الزكاة.
ــ
(ولا شيء في البغال والحمير) إجماعاً (إلا أن تكون للتجارة) لأنها تصير من العروض.
(وليس في الفصلان) بضم الفاء - جمع فصيل، وهو: ولد الناقة إذا فصل من أمه ولم يبلغ الحول (والحملان) بضم الحاء - جمع حمل، بفتحتين، وهر: ولد الضأن في السنة الأولى (والعجاجيل) جمع عجول - بوزن سنور - ولد البقر (صدقة عند أبي حنيفة ومحمد، إلا أن يكون معها كبار) ولو واحداً، ويجب ذلك الواحد كما في الدر (وقال أبو يوسف) : يجب (فيها واحد منها) ورجح الأول.
(ومن وجب عليه سن فلم توجد) عنده (أخذ المصدق) : أي العامل (أعلى منها ورد الفضل، أو أخذ دونها وأخذ الفضل) إلا أن في الوجه الأول له أن لا يأخذ ويطلب بعين الواجب أو بقيمته؛ لأنه شراء، وفي الوجه الثاني يجبر؛ لأنه لا بيع فيه، بل هو إعطاء بالقيمة.
(ويجوز دفع القيمة في الزكاة) وكذا في العشر والخراج والفطرة والنذر والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام، وقالا: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء إجماعا، ويقوم في البلد الذي المال فيه، ولو في مفازة ففي أقرب الأمصار إليه. فتح
стр. 144
وليس في العوامل والعلوفة صدقةٌ، ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته ويأخذ الوسط منه، ومن كان له نصابٌ فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إلى ماله وزكاه به، والسائمة هي: التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها. والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب دون العفو. وقال محمدٌ: فيهما،
ــ
(وليس في العوامل) أي المعدات لو أسيمت لأنها من الحوائج الأصلية (والعلوفة) : أي التي يعلفها صاحبها نصف حول فأكثر ولو للدر والنسل (صدقة) ؛ لأن الوجوب بالنمو، وهو بالإسامة أو الإعداد للتجارة، ولم يوجد.
(ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته) : أي رديئه (و) إنما (يأخذ الوسط منه) نظراً للجانبين، لأن في أخذ الخيار إضراراً بأصحاب الأموال؛ وفي رذالته إضراراً بالفقراء. (ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه) سواء كان من نمائه أو لا كهبة وإرث (ضمه إليه) : أي إلى النصاب (وزكاه به) : أي معه، وإن لم يكن من جنسه لا يضم إتفاقاً.
(والسائمة) التي يجب فيها الزكاة (وهي التي تكتفي بالرعي) بكسر الراء - الكلأ (في أكثر حولها) ؛ لأن أصحاب السوائم قد لا يجدون بداً من أن يعلفوا سوائمهم في بعض الأوقات، فجعل الأقل تبعاً للأكثر (فإن علفها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها) لزيادة المؤنة فينعدم النماء فيها معنى.
(والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف) تجب (في النصاب دون العفو) وهو ما بين الفريضتين (وقال محمد) وزفر: (فيهما) وفائدته فيما إذا هلك العفو وفي النصاب، فيبقى كل الواجب عند الشيخين، ويسقط بقدر الهالك عند التلميذين
стр. 145
وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت، فإن قدم الزكاة على الحول، وهو مالكٌ للنصاب جاز.
باب زكاة الفضة .
- ليس فيما دون مائتي درهمٍ صدقةٌ، فإذا كانت مائتي درهمٍ وحال عليها الحول ففيها خمسةٌ دراهم، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً فيكون فيها درهمٌ، ثم في كل أربعين درهما درهمٌ،
ــ
(وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة) ولو بعد منع الساعي في الأصح. نهاية (سقطت) عنه الزكاة، لتعلقها بالعين دون الذمة، وإذا هلك بعضه سقط حظه، قيد بالهلاك لأن الاستهلاك لا يسقطها، لأنها بعد الوجوب بمنزلة الأمانة، فإذا استهلكها ضمنها كالوديعة (وإن قدم الزكاة على الحول، وهو مالك للنصاب جاز) وجاز أيضاً لأكثر من سنة، لوجود مسبب، وهو ملك النصاب.
باب زكاة الفضة
قدمها على الذهب لأنها أكثر تداولاً فيما بين الناس.
(ليس فيما دون مائتي درهم صدقة) ، لعدم بلوغ النصاب (فإن كانت مائتي درهم شرعي زنة كل درهم أربعة عشر قيراطا، والقيراط: خمس شعيرات، فيكون الدرهم الشرعي سبعين شعيرة (وحال عليها الحول ففيها) ربع العشر (خمسة دراهم، ولا شيء في الزيادة) على المائتين (حتى تبلغ) الزيادة (أربعين درهما فيكون فيها درهم؛ ثم في كل أربعين درهما درهم) ولا شيء فيما بينهما؛ وهذا
стр. 146
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه، وإذا كان الغالب على الورق الفضة فهي في حكم الفضة، وإن كان الغالب عليها الغش فهي في حكم العروض، ويعتبر أن تبلغ قيمتها نصاباً.
باب زكاة الذهب .
- ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقةٌ، فإذا
ــ
عند أبي حنيفة (وقالا: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه) قال في التصحيح: قال في التحفة وزاد الفقهاء: الصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه النسفي وبرهان الشريعة. اهـ.
(وإذا كان الغالب على الورق) وهي الدراهم المضروبة، وكذا الرقة، بالتخفيف صحاح (الفضة فهي في حكم الفضة) الخالصة، لأن الدراهم لا يخلو عن قليل غش، لأنها لا تنطبع إلا به، وتخلو عن الكثير، فجعلنا الغلبة فاصلة - وهو أن يزيد على النصف - اعتباراً للحقيقة. هداية. ومثله في الإيضاح عن الجامع الكبير وإذا كان الغالب عليها الغش فهي في حكم العروض، ويعتبر أن تبلغ قيمتها نصاباً) ولابد فيها من نية التجارة كسائر العروض، إلا إذا كان يخلص منها فضة تبلغ نصاباً، لأنه لا تعتبر في عين الفضة القيمة ولا نية التجارة. هداية. واختلف في المساوى والمختار لزومها احتياطاً. خانية.
باب زكاة الذهب
(ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة) لانعدام النصاب (فإذا
стр. 147
كانت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها نصف مثقالٍ، ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان، وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقةٌ عند أبي حنيفة، وفي تبر الذهب والفضة وحليهما والآنية منهما الزكاة.
باب زكاة العروض .
- الزكاة واجبةٌ في عروض التجارة كائنةً ما كانت إذا بلغت قيمتها نصاباً من الذهب أو الورق، يقومها بما هو أنفع للفقراء
ــ
كانت عشرين مثقالاً) شرعياً زنة كل مثقال عشرون قيراطاً فيكون المثقال الشرعي مائة شعيرة فهو درهم وثلاثة أسباع درهم (وحال عليها الحول ففيها) ربع العشر، وهو (نصف مثقال، ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان، وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة) خلافاً لهما، كما تقدم.
(وفي تبر الذهب والفضة) وهو غير المضروب منهما. مغرب (وحليهما) سواء كان مباح الاستعمال أو لا (والآنية منهما الزكاة) لأنهما خلقا أثماناً، فتجب وكاتهما كيف كانا.
باب زكاة العروض
وهو ما سوى النقدين، وأخرها عنهما لأنها تقوم بهما.
(الزكاة واجبة في عروض التجارة، كائنة ما كانت) : أي كائنة أي شيء، يعني سواء كانت من جنس ما تجب فيه الزكاة كالسوائم، أو غيرها كالثياب (إذا بلغت قيمتها نصاباً من الورق أو الذهب، يقومها) صاحبها (بما هو أنفع للفقراء
стр. 148
والمساكين منهما وإذا كان النصاب كاملاً في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة، وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة، وكذلك يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة حتى يتم النصاب عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة ويضم بالأجزاء.
ــ
والمساكين منهما) : أي النصابين؛ احتياطاً لحق الفقراء، حتى لو وجبت الزكاة إن قومت بأحدهما دون الآخر قومت بما تجب فيه دون الآخر (وإذا كان النصاب) كاملا (في طرفي الحول) : في الابتداء للانعقاد وتحقق الغناء، وفي الانتهاء للوجوب (فنقصانه) حالة البقاء (فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة) قيد بالنقصان لأنه لو هلك كله بطل الحول.
(وتضم قيمة العروض) التي للتجارة (إلى الذهب والفضة) للمجانسة من حيث الثمينة، لأن القيمة من جنس الدراهم والدنانير (وكذلك يضم الذهب إلى الفضة) لجامع الثمينة (بالقيمة؛ حتى يتم النصاب عند أبي حنيفة) ، لأن الضم لما كان واجباً كان اعتبار القيمة أولى كما في عروض التجارة (وقالا: لا يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة و) إنما (يضم) أحدهما للآخر (بالأجزاء) ؛ لأن المعتبر فيهما القدر، دون القيمة؛ حتى لا تجب الزكاة في مصوغ وزنه أقل من مائتين وقيمته فوقها، قال في التصحيح؛ ورحج قول الإمام الإسبيجاني الزوزني، وعليه مشى النسفي وبرهان الشريعة وصدر الشريعة، وقال في التحفة؛ قوله أنفع للفقراء وأحوط في باب العبادات. اه
стр. 149
باب زكاة الزروع والثمار .
- قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر، سواءٌ سقى سيحاً أو سقته السماء إلا الحطب والقصب والحشيش. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرةٌ باقيةٌ إذا بلغ خمسة أوسقٍ، والوسق. ستون صاعاً
ــ
باب زكاة الزروع والثمار
المراد بالزكاة هنا العشر؛ وتسميته زكاة باعتبار مصرفه.
(قال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر، سواء سقي سيحاً) وهو الماء الجاري كنهر وعين (أو سقته السماء) : أي المطر (إلا الحطب والقصب) الفارسي (والحشيش) وكل ما لا يقصد به استغلال الأرض ويكون في أطرافها، أما إذا اتخذ أرضه مقصبة أو مشجرة أو منبتا للحشيش وساق إليه الماء ومنع الناس عنه يجب فيه العشر. جوهرة. وأطلق الوجوب فيما أخرجته الأرض لعدم اشتراط الحول؛ لأنه فيه معنى المؤنة، ولذا كان للإمام أخذه جبراً، ويؤخذ من البركة، ويجب مع الدين، وفي أرض الصغير والمجنون والمكاتب والمأذون والوقف (وقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية) ؛ أي تبقى حولا من غير تكلف ولا معالجة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب ونحو ذلك (١) (إذا بلغ) نصابا (خمسة أوسق) جمع وسق (والوسق) مقدار مخصوص، وهو (ستون صاعاً
стр. 150
بصاع النبي ﷺ ، وليس في الخضروات عندهما عشرٌ، وما سقى بغربٍ أو داليةٍ أو سانيةٍ ففيه نصف العشر في القولين، وقال أبو يوسف فيما لا يوسق كالزعفران والقطن. يجب فيه العشر إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من
ــ
بصاع النبي ﷺ وهو: ما يسع ألفاً وأربعين درهماً من ماش أو عدس كما يأتي تحقيقه في صدقة الفطر.
(وليس في الخضروات) بفتح الخاء لا غير - الفواكه كالتفاح والكمثرى وغيرهما، أو البقول كالكراث والكرفس ونحوهما (١) ، مغرب. (عندهما عشر) ؛ لعدم الثمرة الباقية؛ فالخلاف بين الإمام وصاحبيه في موضعين: في اشتراط النصاب والثمرة الباقية عندهما، وعدم اشتراطهما عنده، قال في التحفة: الصحيح ما قاله الإمام، ورجح الكل دليله، واعتمده النسفي وصدر الشريعة. اهـ. تصحيح (وما سقى بغرب) : أي دلو (أو دالية) : أي دولاب (أو سانية) : أي بعير يسنى عليه، أي يستقي من البئر. مصباح (ففيه نصف العشر في القولين) : أي على اختلاف القولين المارين بين الإمام وصاحبيه في اشتراط النصاب والثمرة الباقية وعدمها قال في الدر: وكتب الشافعية "أو سقاه بماء اشتراه" وقواعدنا لا تأباه، ولو سقى سيحا وبآلة اعتبر الغالب، ولو استويا فنصفه، وقيل: ثلاثة أرباعه. اهـ. ثم لما كان اشتراط النصاب قول الإمامين وقداره فيما يوسق بخمسة أوسق، واختلفا في تقدير مالا يوسق - بينه بقوله: (وقال أبو يوسف فيما لا يوسق كالزعفران والقطن) : إنما (يجب في العشر إذا بلغت قيمته خمسة أوسق من
стр. 151
أدنى ما يدخل تحت الوسق. وقال محمدٌ: يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أمثالٍ من أعلى ما يقدر به نوعه، فاعتبر في القطن خمسة أحمالٍ، وفي الزعفران خمسة أمناء، وفي العسل العشر إذا أخذ من أرضٍ العشر قل أو كثر، وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغ عشرة أزقاقٍ. وقال محمدٌ: خمسة أفراق، والفرق: ستةٌ وثلاثون رطلاً بالعراقي، وليس في الخارج من أرض الخراج عشرٌ.
ــ
أدنى ما) أي شيء (يدخل تحت الوسق) كالذرة في زماننا؛ لأنه لا يمكن التقدير الشرعي فيه؛ فاعتبرت القيمة كما في عروض التجارة. هداية.
(وقال محمد: يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أمثال من أعلى ما يقدر به نوعه، فاعتبر في القطن خمسة أحمال) كل حمل ثلاثمائة من (وفي الزعفران خمسة أمناء) لأنه أعلى ما يقدر به، التقدير بالوسق فيما يوسق إنما كان لأنه أعلى ما يقدر به.
(وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر: قل) العسل المأخوذ (أو كثر) عند أبي حنيفة (وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغ) نصاباً (عشرة أزقاق) جمع زق - بالكسر - ظرف يسع خمسين منا (وقال محمد: خمسة أفراق) جمع فرق، بفتحتين (والفرق ستة وثلاثون رطلا) (قوله رطلاً بالكسر، وهو مائة وثلاثون درهماً) وهكذا نقله في المغرب عن نوادر هشام عن محمد، قال: ولم أجده فيما عندي من أصول اللغة. اهـ. قال في التصحيح: ورجح قول الإمام ودليله المصنفون، واعتمده النسفي وبرهان الشريعة. اهـ. (وليس في الخارج من أرض الخراج) عسل أو غيره (عشر) ؛ لئلاً يجتمع العشر والخراج.
فرع - العشر على المؤجر كالخراج الموظف، وقالا: على المستأجر، قال
стр. 152
باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز .
- قال الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية. فهذه ثمانية أصنافٍ قد سقطت منها المؤلفة قلوبهم؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم، والفقير. من له أدنى شيء، والمسكين:
ــ
في الحاوي وبقولهما نأخذ. اهـ. أقول: لكن الفتوى على قول الإمام. وبه أفتى الخير الرملي والشيخ إسماعيل الحائك وحامد أفندي العمادي، وعليه العمل؛ لأنه ظاهر الرواية.
باب من يجوز دفع الزكاة إليه ومن لا يجوز
لما أنهى الكلام في أحكام الزكاة عقبها ببيان مصرفها مستهلاً بالآية الجامعة لأصناف المستحقين فقال:
قال الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها؛ والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ .
(فهذه) الأصناف المحتوية عليها الآية (ثمانية أصناف، وقد سقط منها) صنف وهم (المؤلفة قلوبهم) وهم ثلاثة أصناف: صنف كان يؤلفهم النبي ﷺ ليسلموا ويسلم قومهم بإسلامهم، وصنف أسلموا ولكن على ضعف فيريد تقريرهم عليه، وصنف يعطيهم لدفع شرهم. والمسلمون الآن ولله الحمد في غنية عن ذلك (لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم) وعلى هذا انعقد الإجماع. هداية.
(والعقير من له أدنى شيء) : أي دون النصاب (والمسكين) أدنى حالاً من
стр. 153
من لا شيء له، والعامل: يدفع إليه الإمام بقدر عمله إن عمل، وفي الرقاب: يعان المكاتبون في فك رقابهم، والغارم، من لزمه دينٌ، وفي سبيل الله. منقطع الغزاة، وابن السبيل. من كان له مالٌ في وطنه، وهو في مكانٍ لا شيء له فيه، فهذه جهات الزكاة.
ــ
الفقير، وهو: (من لا شيء له) وهذا مروى عن أبي حنيفة، وقد قيل على العكس، ولكل وجه، هداية (والعامل يدفع إليه الإمام بقدر عمله) : أي ما يسعه وأعوانه بالوسط، لأن استحقاقه بطريق الكفاية، ولهذا يأخذ وإن كان غنياً، إلا أن فيه شبهة الصدقة، فلا يأخذها العامل الهاشمي، تنزيهاً لقرابة النبي ﷺ ، والغنى لا يوازيه في استحقاق الكرامة، فلم تعتبر الشبهة في حقه. هداية. وهذا (إن عمل) وبقي المال، حتى لو أدى أرباب الأموال إلى الإمام أو هلك المال في يده لم يستحق شيئاً وسقطت عن أرباب الأموال (وفي الرقاب: يعان المكاتبون) ولو لغنى، لا لهاشمي (في فك رقابهم) ولو عجز المكاتب وفي يده الزكاة تطيب لمولاه الغني، كما لو دفعت إلى فقير ثم استغنى والزكاة في يده يطيب له أكلها (والعارم: من لزمه دين) ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه (وفي سبيل الله: منقطع الغزاة) قال الإسبيجاني: هذا قول أبي يوسف، وهو الصحيح، وعند محمد منقطع الحاج (١) ، وقيل: طلبة العلم، وفسره في البدائع بجميع القرب. وثمرة الخلاف في الوصية والأوقاف. اهـ. تصحيح (وابن السبيل: من كان له مال في وطنه وهو في مكان لا شيء له فيه) وإنما يأخذ ما يكفيه إلى وطنه لا غير، حتى لو كان معه ما يوصله إلى بلده من زاد وحمولة لم يجز له (فهذه جهات) مصرف (الزكاة) .
стр. 154
وللمالك أن يدفع لكل واحدٍ منهم، وله أن يقتصر على صنفٍ واحدٍ، ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي، ولا يبني بها مسجدٌ، ولا يكفن بها ميتٌ، ولا يشتري بها رقبةٌ تتعتق، ولا تدفع إلى غني، ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل ولا إلى امرأته، ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: تدفع إليه،
ــ
(وللمالك أن يدفع لكل واحد منهم، وله أن يقتصر على صنف واحد) منهم ولو واحدا، لأن (أل) الجنسية تبطل الجمعية.
(ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي) : لأمر الشارع بردها في فقراء المسلمين (١) (ولا يبني بها مسجد ولا يكفن بها ميت) لعدم التمليك (ولا يشتري بها رقبة تعتق) لأنه إسقاط، وليس بتمليك (ولا تدفع إلى غني) يملك قدر النصاب من أي مال كان فارغاً عن حاجته (ولا يدفع المزكي زكائه إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل) ؛ لأن منافع الأملاك بينهم متصلة: فلا يتحقق التمليك على الكمال، (ولا إلى امرأته) للاشتراك في المنافع عادة (ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقالا: تدفع إليه) لقوله ﷺ : (لك أجران: أجر الصدقة
стр. 155
ولا يدفع إلى مكاتبه ولا مملوكه ولا مملوك غنيٍ ولا ولد غني إذا كان صغيراً، ولا تدفع إلى بني هاشمٍ، وهم. آل عليٍ وآل عباسٍ وآل جعفرٍ وآل عقيلٍ وآل حارث بن عبد المطلب ومواليهم، وقال أبو حنيفة ومحمدٌ. إذا دفع الزكاة إلى رجلٍ يظنه فقيراً ثم بان أنه غنيٌ أو هاشميٌ أو كافرٌ أو دفع في ظلمةٍ إلى فقير ثم بان أنه أبوه أو ابنه فلا
ــ
وأجر الصلة) قاله لامرأة ابن مسعود - وقد سألته عن التصدق عليه - قلنا: هو محمول على النافلة. هداية، قال في التصحيح: ورجح صاحب الهداية وغيره قول الإمام، واعتمده النسفي وبرهان الشريعة. اهـ.
(ولا يدفع) زكى زكاته (إلى مكاتبه، ولا) إلى (مملوكه) القد أن التمليك؛ إذ كسب المملوك لسيده، وله حق في كسب مكاتبه، فلم يتم التمليك (ولا) إلى (مملوك غني) ؛ لأن الملك واقع لمولاه (ولا إلى ولد غني إذا كان صغيراً) لأنه يعد غنياً بمال أبيه؛ بخلاف ما إذا كان كبيراً فقيراً؛ لأنه لا يعد غنياً بيسار أبيه، وإن كانت نفقته عليه. هداية (ولا تدفع إلى بني هاشم) لأن الله تعالى حرم عليهم أوساخ الناس وعوضهم بخمس خمس الغنيمة ولما كان المراد من بني هاشم الذين لهم الحكم المذكور ليس كلهم بين المراد منهم بعددهم فقال: (وهم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل حارث بن عبد المطلب) فخرج أبو لهب بذلك حتى يجوز الدفع إلى من أسلم من بنيه؛ لأن حرمة الصدقة على بني هاشم كرامة من الله تعالى لهم ولذريتهم حيث نصروه ﷺ في جاهليتهم وإسلامهم وأبو لهب كان حريصاً على أذى النبي ﷺ فلم يستحقها بنوه (و) لا تدفع أيضاً إلى (مواليهم) . أي عتقائهم؛ فأرقاؤهم بالأولى، لحديث: "مولى القوم منهم"، (وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا دفع الزكاة إلى رجل يظنه فقيراً فبان أنه غني أو هاشمي أو كافر، أو دفع في ظلمة إلى فقير ثم بان أنه أبوه أو ابنه) أو امرأته (فلا
стр. 156
إعادة عليه. وقال أبو يوسف: عليه الإعادة، ولو دفع إلى شخص ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لم يجز في قولهم جميعاً، ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مالٍ كان، ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحاً مكتسباً، ويكره نقل الزكاة من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، وإنما تفرق صدقة كل قومٍ فيهم، إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته أو إلى قومٍ هم أحوج من أهل بلده.
ــ
إعادة عليه) ؛ لأن الوقوف على هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع، فيبني الأمر فيها على ما يقع عنده (وقال أبو يوسف: عليه الإعادة) ؛ لظهور خطئه بيقين مع إمكان الوقوف على ذلك، قال في التحفة: والأول جواب ظاهر الرواية، ومشى عليه المحبوبي والنسفي وغيرهما. اهـ تصحيح.
(ولو دفع إلى شخص) يظنه مصرفاً (ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لم يجز في قولهم جميعاً) لانعدام التمليك (ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مال كان) ؛ لأن الغنى الشرعي مقدر به. والشرط أن يكون فاضلا عن الحاجة الأصلية (ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحاً مكتسباً) ؛ لأنه فقير، والفقراء هم المصارف، ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب. (ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلجد آخر، وإنما تفرق صدقة كل قوم فيهم) لحديث معاذ (١) ولما فيه من رعاية حق الجوار.
(إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته) لمل فيه من الصلة، بل في الظهيرية: لا تقبل صدقة الرجل وقرابته محاويج حتى يبدأ بهم فيسد حاجتهم (أو) ينقلها (إلى قوم هم أحوج من أهل بلده) ، لما فيه
стр. 157
باب صدقة الفطر .
- صدقة الفطر واجبةٌ على الحر المسلم إذا كان مالكاً لمقدار النصاب فاضلاً عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه وعبيده للخدمة،
ــ
من زيادة دفع الحاجة، ولو نقلها إلى غيرهم أجزأه وإن كان مكروهاً؛ لأن المصرف مطلق الفقير الفقير بالنص، هداية.
باب صدقة الفطر
من إضافة الشيء إلى سببه، ومناسبتها للزكاة ظاهرة.
(صدقة الفطر واجبة على الحر المسلم) ولو صغيراً أو مجنوناً (إذا كان مالكاً لمقدار النصاب) من أي مال كان (١) (فاضلاً عن مسكنه وثيابه وأثاثه) هو متاع البيت (وفرسه وسلاحه وعبيده للخدمة) ، لأنها مستحقة بالحاجة الأصلية
стр. 158
يخرج ذلك عن نفسه وعن أولاده الصغار وعن مماليكه، ولا يؤدي عن زوجته ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا عياله، ولا يخرج عن مكاتبه، ولا عن مماليكه للتجارة، والعبد بين شريكين لا فطرة على واحدٍ منهما، ويؤدي المولى المسلم الفطرة عن عبده الكافر.
ــ
كالمعدوم، ولا يشترط فيه النمو، ويتعلق بهذا النصاب؛ حرمان الصدقة، ووجوب الأضحية والفطرة. هداية (يخرج ذلك) : أي الذي وجبت عليه الصدقة (عن نفسه وعن أولاده الصغار) والمجانين الفقراء (وعن مماليكه) للخدمة، لتحقق السبب، وهو؛ رأس يمونه ويلي عليه؛ قيدنا الصغار والمجانين بالفقراء لأن الأغنياء تجب في مالهم. قال في الهداية: هذا إذا كانوا لا مال لهم، فإن كان لهم مال يؤدى من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد؛ ورجح صاحب الهداية قولهما، وأجاب عما يتمسك به لمحمد، ومشى على قولهما المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة. اهـ. تصحيح، واحترز بعبيد الخدمة عن عبيد التجارة كما يأتي (ولا يؤدي) ؛ أي لا يجب عليه أن يؤدي (عن زوجته ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا في عياله) ، لانعدام الولاية، ولو أدى عنهم بغير أمرهم أجزأهم استحساناً، لثبوت الإذن عادة. هداية (ولا يخرج عن مكاتبه) ؛ لعدم الولاية، ولا المكاتب عن نفسه؛ لفقره، وفي المدبر وأم الولد ولاية المولى ثابتة فيخرج عنهما (ولا عن مماليكه للتجارة) ؛ لوجوب الزكاة فيها، ولا تجتمع الزكاة والفطرة (والعبد بين الشريكين لا فطرة على واحد منهما) لقصور الولاية والمؤنة في كل منهما. وكذا العبيد بين الاثنين عند أبي حنيفة؛ وقالا: على كل واحد ما يخصه من الرءوس دون الأشقاص هداية. (ويؤدي المولى المسلم الفطرة عن عبده الكافر لأن السبب قد تحقق، والمولى من أهل الوجوب
стр. 159
والفطرة. نصف صاعٍ من برٍ، أو صاعٌ من تمرٍ أو زبيبٍ أو شعيرٍ. والصاع عند أبي حنيفة ومحمدٌ ثمانية أرطالٍ بالعراقي. وقال أبو يوسف: خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ.
ــ
(والفطرة نصف صاع من بر) أو دقيقه أو سويقه أو زبيب. هداية (أو صاع من تمر أو زبيب أو شعير) وقال أبو يوسف ومحمد؛ الزبيب بمنزلة الشعير وهو رواية عن أبي حنيفة، والأول رواية الجامع الصغير هداية. ومثله في التصحيح عن الإسبيجاني (الصاع عند أبي حنيفة ومحمد ثمانية أرطال بالعراقي) وتقدم أن الرطل ثمانية وعشرون درهما (قال أبو يوسف) : الصاع (خمسة أرطال ثلث رطل) قال الإسبيجاني: الصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، ومشى عليه المحبوبي والنسفي والشريعة لكن في الزيلعي والفتح: اختلف في الصاع؛ فقال الطرفان: ثمانية أرطال بالعراقي، وقال الثاني: خمسة أرطال وثلث، وقيل: لا خلاف؛ لأن الثاني قدره برطل المدينة لأنه ثلاثون أستاراً، والعراقي عشرون، وإذا قابلت ثمانية بالعراقي بخمسة وثلث بالمدني وجدتهما سواء، وهذا هو الأشبه؛ لأن محمداً لم يذكر خلاف أبي يوسف، ولو كان لذكره؛ لأنه أعرف بمذهبه. اهـ. وتمامه في الفتح، قال شيخنا: ثم علم أن الدرهم الشرعي أربعة عشر قيراطاً. والمتعارف الآن ستة عشر، فإذا كان الصاع ألفاً وأربعين درهماً شرعياً يكون بالدرهم المتعارف تسعمائة وعشرة، وقد صرح العلائي في شرحه على الملتقي في باب زكاة الخارج بأن الرطل الشامي ستمائة درهم، وأن المد الشامي صاعان، وعليه فالصاع بالرطل الشامي رطل ونصف، والمد ثلاثة أرطال، ويكون نصف الصاع من البر ربع مد شامي: فالمد الشامي يجزئ عن أربع. وهكذا رأيته محررا بخط شيخ مشايخنا إبراهيم السائحاني، وشيخ مشايخنا منلا علي التركماني، وكفى بهما قدوة، لكني حررت نصف الصاع في عام ست وعشرين بعد المائتين فوجدته ثمنيه ونحو ثلثي ثمنيه؛ فهو تقريبا ربع مد ممسوح من غير تكويم، ولا يخالف ذلك ما مر؛ لأن المد في زماننا أكبر من المد السابق، وهذا على تقدير
стр. 160
ووجوب الفطرة يتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر، فمن مات قبل ذلك لم تجب فطرته، ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته، ويستحب للناس أن يخرجوا الفطرة يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى، فإن قدموها قبل يوم الفطر جاز، وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط، وكان عليهم إخراجها.
ــ
الصاع بالماش أو العدس، أما على تقديره بالحنطة أو الشعير - وهو الأحوط - فيزيد نصف الصاع على ذلك؛ فالأحوط إخراج ربع مد شامي على التمام من الحنطة الجيدة اهـ. أقول. والآن - وهي سنة إحدى وستين بعد المائتين - قد زاد المد الشامي عما كان في أيام شيخنا؛ لأنه بعد ذهاب الدولة المصرية من البلاد الشامية التي أبطلت المد الشامي واستعملت الربع المصري جعلوا كل ربعين مداً، وقد ذكر الطحاوي أن بعض مشايخه قدر نصف الصاع بثلث الربع، عليه فالمد الشامي الآن يكفي عن ستة. والله أعلم.
(ووجوب الفطرة يتعلق بطلوع الفجر) الثاني (من يوم الفطر، فمن مات) أو افتقر (قبل ذلك) : أي طلوع الفجر (لم تجب فطرته، و) كذا (من أسلم أو ولد) أو اغتنى (بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته) لعدم وجود السبب في كل منهما؛ (ويستحب للناس أن يخرجوا الفطرة يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى) ليتفرغ بال المسكين للصلاة (فإن قدموها) : أي الفطرة (قبل يوم الفطر جاز) ولو قبل دخول رمضان، كما في عامة المتون والشروح، وصححه غير واحد، ورجحه في النهر، ونقل عن الولوالجي أنه ظاهر الرواية (وإن أخرجوها عن يوم الفطر لم تسقط) عنهم (وكان) واجباً عليهم إخراجها) لأنها قربه مالية معقولة المعنى، فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالآداء كالزكاة
стр. 161
كتاب الصوم (١) .
- الصوم ضربان: واجبٌ ونفلٌ؛ فالواجب ضربان: منه ما يتعلق بزمانٍ بعينه كصوم رمضان والنذر المعين؛ فيجوز صومه بنيةٍ من الليل، فإن لم ينو حتى أصبح أجزأته النية ما بينه وبين الزوال.
ــ
كتاب الصوم
عقب الزكاة بالصوم اقتداء بالحديث، كما مر.
(الصوم) لغة: الإمساك مطلقاً، وشرعاً: الإمساك عن المفطرات حقيقة أو حكماً في وقت مخصوص بنية من أهلها.
وهو (ضربان؛ واجب ونفل) قد يطلق الواجب ويراد به ما يقابل النفل كما هنا، وقد يطلق ويراد به ما يقابل الفرض والنفل معاً، فيكون واسطة بينهما كما يأتي في قوله؛ (صوم رمضان فريضة) و (صوم المنذور واجب) (فالواجب ضربان: منه ما يتعلق بزمان بعينه) وذلك كصوم رمضان والنذر المعين) زمانه (فيجوز صومه بنية من الليل) وهو الأفضل؛ فلا تصح قبل الغروب ولا عنده (فإن لم ينو حتى أصبح أجزأته النية ما بينه) : أي الفجر (وبين الزوال) وفي
стр. 162
والضرب الثاني: ما يثبت في الذمة، كقضاء رمضان والنذر المطلق والكفارات؛ فلا يجوز إلا بنية من الليل، والنفل كله يجوز بنية قبل الزوال.
وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا، ومن رأى هلال رمضان وحده صام، وإن لم يقبل الإمام شهادته، وإذا كان بالسماء علةٌ قبل
ــ
الجامع الصغير: قبل نصف النهار، وهو الأصح، لأنه لابد من وجود النية في أكثر النهار؛ ونصفه من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى، فيشترط النية قبلها، لتحقق في الأكثر؛ ولا فرق بين المسافر والمقيم، خلافاً لزفر. هداية.
(والضرب الثاني: ما يثبت في الذمة) من غير تقييد بزمان، وذلك (كقضاء رمضان) وما أفسده من نفل (والنذر المطلق و) صوم الكفارات، فلا يجوز) صوم ذلك (إلا بنية) معينة (من الليل) ، لعدم تعين الوقت، والشرط؛ أن يعلم بقلبه أي صوم يصومه، ثم رمضان يتأدى بمطلق النية، وبنية النفل وواجب آخر (والنفل كله) مستحبه ومكروهه (يجوز بنية قبل الزوال) أي قبل نصف النهار؛ كما مر.
(وينبغي للناس) : أي يجب. جوهرة (أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان) وكذا هلال شعبان لأجل إكمال العدة (فإن رأو صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا) ؛ لأن الأصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه إلا بدليل، ولم يوجد (ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم يقبل الإمام شهادته) لأنه متعبد بما علمه؛ وإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة لشبهة الرد (وإن كان بالسماء علة) من غيم أو غبار ونحوه (قبل
стр. 163
الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلاً كان أو امرأةً حراً كان أو عبداً، فإن لم يكن بالسماء علةٌ لم تقبل شهادته حتى يراه جمعٌ كثيرٌ يقع العلم بخبرهم.
ووقت الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب
ــ
الإمام شهادة الواحد العدل) وهو الذي غلبت حسناته سيئاته؛ والمستور في الصحيح كما في التجنيس والبزازية، قال الكمال: وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني (في رؤية الهلال رجلا كان أو امرأة حراً كان أو عبداً) ، لأنه أمر ديني فأشبه رواية الأخبار، ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة، وتشترط العدالة، لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول، وتأويل قول الطحاوي "عدلا أو غير عدل" أن يكون مستوراً، وفي إطلاق دواب الكتاب يدخل المحدود في القذف بعد ما تاب، وهو ظاهر الرواية، لأنه خبر ديني، وعن أبي حنيفة أنه لا تقبل، لأنه شهادة من وده اهـ. هداية (فإن لم يكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه) ويشهد به (جمع كثير يقع العلم) الشرعي، وهو غلبة الظن (بخبرهم) ، لأن المطلع متحد في ذلك المحل (والموانع منتفية، والأبصار سليمة، والهمم في طلب الهلال مستقيمة، فالتفرد بالرؤية، من بين الجم الغفير - مع ذلك - ظاهر في غلط الرأي، قال في التصحيح:) لم يقدر الجمع الكثير في ظاهر الرواية، واختلف فيه، قال بعضهم: ذاك مفوض إلى رأى الإمام والقاضي، وفي زاد الفقهاء للإسبيجاني: الصحيح أن يكونوا من نواح شتى. اهـ. وذكر الشرنبلالي وغيره تبعاً للمواهب أن الأصح رواية تفويضه إلى رأي الإمام، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه تقبل فيد شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وإن لم يكن في السماء علة، قال في البحر؛ ولم أر من رجح هذه الرواية، وينبغي العمل عليها في زماننا، لأن الناس تكاسلوا عن ترائي الأهلة، فكان التفرد غير ظاهر في غلط. اهـ.
(ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني) الذي يقال له الصادق (إلى غروب
стр. 164
الشمس.
والصوم هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية، فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً لم يفطر، وإن نام فاحتلم أو نظر إلى امرأةٍ فأنزل أو ادهن أو احتجم أو اكتحل أو قبل لم يفطر (١) . فإن أنزل بقبلةٍ أو لمس فعليه القضاء،
ــ
الشمس) ؛ لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ إلى أن قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (٢) والخيطان: بياض النهار وسواد الليل.
(والصوم) شرعاً (هو الإمساك) حقيقة أو حكماً (عن) المفطران (الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية) من أهلها، كما مر (فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً لم يفطر) ، لأنه ممسك حكماً، لأن الشارع أضاف الفعل إلى الله تعالى حيث قال للذي أكل وشرب: "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك" فيكون الفعل معدوماً من العبد، فلا ينعدم الإمساك (وإن نام فاحتلم أو نظر إلى امرأة) أو تفكر بها وإن أدامها (فأنزل، أو ادهن أحتجم أو اكتحل) وإن وجد طعمه في حلقه (أو قبل) ولم ينزل (لم يفطر) ، لعدم المنافي صورة ومعنى (فإن أنزل بقبلة أو لمس فعليه القضاء) لوجود المنافي معنى - وهو الإنزال بالمباشرة - دون
стр. 165
ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه. ويكره إن لم يأمن، وإن ذرعه القيء لم يفطر، وإن استقاء عامداً ملء فيه فعليه القضاء (١) ،
ــ
الكفارة لقصور الجناية، ووجوب الكفارة بكمال الجناية، لأنها تندرئ بالشبهة كالحدود (ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه) الجماع والإنزال (ويكره إن لم يأمن) ، لأن عينه ليس بفطر، وربما يصير فطرا بعاقبته، فإن أمن اعتبر عينه وأبيح له، وإن لم يأمن تعتبر عاقبته وكره. هداية (وإن ذرعه) أي سبقه وغلبه (القيء) بلا صنعه ولو ملء فيه (لم يفطر) وكذا لو عاد بنفسه وكان دون ملء الفم، اتفاقاً، وكذا ملء الفم عند محمد وصححه في الخانية، خلافاً لأبي يوسف. وإن أعاده وكان ملء الفم فسد، اتفاقاً، وكذا دونه عند محمد خلافاً لأبي يوسف. والصحيح في هذا قول أبي يوسف خانية (وإن استقاء عامداً) : أي تعمد خروج القيء، وكان (ملء فيه فعليه القضاء) دون الكفارة، قال في التصحيح: قيد بملء الفم لأنه إذا كان أقل لا يفطر عند أبي يوسف، واعتمده المحبوبي، وقال في الاختيار وهو الصحيح، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وإن كان في ظاهر الرواية
стр. 166
ومن ابتلع الحصاة أو الحديد أفطر.
ومن جامع عامداً في أحد السبيلين أو أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء والكفارة مثل كفارة الظهار، ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وليس في إفساد الصوم في غير رمضان كفارةٌ، ومن احتقن أو استعط أو قطر في أذنيه
ــ
لم يفصل؛ لأن ما دون ملء الفم تبع للريق كما لو تجشء. اهـ. وكذا لو عاد إلى جوفه؛ لأن ما دون ملء الفم ليس بخارج حكماً، وإن أعاده عن أبي يوسف فيه روايتان: في رواية لا يفسد لأنه لا يوصف بالخروج فلا يوصف بالدخول، وفي رواية يفسد فعله في الإخراج والإعادة قد كثر فصار ملحقاً بملء الفم. خانية (ومن ابتلع الحصاة أو الحديد) أو نحوهما، لا يأكله الإنسان أو يستقذره (أفطر) ؛ لوجود صورة المفطر، ولا كفارة عليه؛ لعدم المعنى.
(ومن جامع) آدمياً حياً (عامداً في أحد السبيلين) أنزل أو لا (أو أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء والكفارة) ؛ لكمال الجناية بقضاء شهوة الفرج أو البطن (مثل كفارة الظهار) وستأتي في بابه (ومن جامع فيما دون الفرج) كتفخيذ وتبطين وقبلة ولمس، أو جامع ميتة أو بهيمة (فأنزل فعليه القضاء) ؛ لوجود معنى الجماع (ولا كفارة عليه) ؛ لانعدام صورته (وليس في إفساد صوم في غير رمضان كفارة) ؛ لأنها وردت في هنك حرمة رمضان فلا يلحق به غيره.
(ومن احتقن) وهو صب الدواء في الدبر (أو استعط) وهو صب الدواء في الأنف (أو أقطر في أذنيه) دهناً؛ بخلاف الماء فلا يفطر على ما اختاره في الهداية والتبيين وصححه في المحيط، وقال في الولواجية: إنه المختار، لكن فصل في الخانية
стр. 167
أو داوى جائفةً أو آمةً بداوء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر (١) وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف يفطر.
ــ
بأنه إن دخل لا يفسد وإن أدخله يفسد في الصحيح؛ لأنه وصل إلى الجوف بفعله اهـ. ومثله في البزازية، واستظهره في الفتح والبرهان، والحاصل الاتفاق على الفطر بصب الدهن، وعلى عدمه بدخول الماء، واختلاف التصحيح في إدخاله. معراج (أو داوى جائفة) جراحة في البطن بلغت الجوف (أو آمة) جراحة في الرأس بلغت أم الدماغ (بداوء فوصل) الداوء (إلى جوفه) في الجائفة (أو دماغه) في الآمة (أفطر) عند أبي حنيفة، وقالا: لا يفطر؛ لعدم التيقن بالوصول، هداية وقال في التصحيح: لا خلاف في هذه المسألة على هذه العبارة، أما لو داوى بداوء رطب ولم يتيقن بالوصول فقال أبو حنيفة: يفطر، وقالا: لا يفطر. اهـ. (وإن أقطر في إحليله) ماء أو دهنا (لم يفطر عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يفطر) قال في الاختيار: هذا بناء على أن بينه وبين الجوف منفذا، والأصح أنه ليس بينهما منفذ، قال في التحفة: وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما، وهو
стр. 168
ومن ذاق شيئاً بفمه لم يفطر، ويكره له ذلك، ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بدٌ، ومضغ العلك لا يفطر الصائم ويكره، ومن كان مريضاً في رمضان فخاف إن صام زاد مرضه أفطر وقضى، وإن كان مسافراً لا يستضر بالصوم فصومه أفضل، وإن أفطر وقضى جاز،
ــ
الصحيح، لكن اعتمد الأول المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي، وهو الأولى: لأن المصنف في التقريب حقق أنه ظاهر الرواية في مقابلة قول أبي يوسف وحده. اهـ. تصحيح.
(ومن ذاق شيئا بفمه لم يفطر) ، لعدم وصول المفطر إلى جوفه (ويكره له ذلك) ، لما فيه من تعريض الصوم على الفساد (ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام) لما مر، وهذا (إن كان لها منه بد) : أي محيد، بأن تجد من يمضغ لصبيها كمفطرة لحيض أو نفاس أو صغر، أما إذا لم تجد بداً منه فلها المضغ، لصيانة الولد (ومضغ العلك) الذي لا يصل منه شيء إلى الجوف مع الريق (لا يفطر الصائم) لعدم وصول شيء منه إلى الجوف (ويكره) ذلك، لأنه يتهم بالإفطار.
(ومن كان مريضاً في رمضان فخاف) الخوف المعتبر شرعاً، وهو ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة أو إخبار مسلم عدل أو مستور حاذق بأنه (إن صام ازداد مرضه) أو أبطأ برؤه (أفطر وقضى) ، لأن زيادته وامتداده قد يفضي إلى الهلاك فيحترز عنه (وإن كان مسافراً) وهو (لا يستضر بالصوم فصومه أفضل) لقوله تعالى: ﴿وإن تصوموا خير لكم﴾ (وإن أفطر وقضى جاز) ؛ لأن السفر لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه عذراً، بخلاف المرض، لأنه قد يخفف بالصوم فشرط كونه مفضياً إلى الحرج
стр. 169
وإن مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء، وإن صح المريض أو أقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة، وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه، فإن أخره حتى دخل رمضانٌ آخر صام رمضان الثاني وقضى الأول بعده ولا فدية عليه.
والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما. والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يومٍ مسكيناً كما يطعم في الكفارات،
ــ
(وإن مات المريض أو المسافر وهما على حالهما) من المرض والسفر (لم يلزمهما القضاء) لعدم إدراكهما عدة من أيام أخر (وإن صح المريض وأقام المسافر، ثم ماتا؛ لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة) لوجود الإدراك بهذا المقدار، وفائدته وجوب الوصية بالإطعام.
(وقضاء رمضان) مخير فيه (إن شاء فرقه وإن شاء تابعه) لإطلاق النص، لكن المستحب المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب (وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني) ، لأنه وقته حتى لو نواه عن القضاء لا يقع إلا عن الأداء، كما تقدم (وقضى الأول بعده) لأنه وقت القضاء (ولا فدية عليه) لأن وجوب القضاء على التراخي حتى كان له أن يتطوع. هداية.
(والحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما) نسباً أو رضاعاً، أو على أنفسهما (أفطرتا وقضتا) دفعاً للحرج (ولا فدية عليهما) ، لأنه إفطار بسبب العجز فيكتفى بالقضاء اعتباراً بالمريض والمسافر. هداية.
(والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام) لقربه إلى الفناء أو لفناء قوته (يفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً كما يطعم) المكفر (في الكفارات) وكذا
стр. 170
ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل يومٍ مسكيناً نصف صاعٍ من برٍ أو صاعا من تمرٍ أو صاعاً من شعير. ومن دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع ثم أفسده قضاه (١) .
ــ
العجوز الفانية. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ معناه "لا يطيقونه" ولو قدر بعد على الصوم يبطل حكم الفداء، لأن شرط الخليفة استمرار العجز. هداية.
(ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه) وجواباً إن خرجت من ثلث ماله، وإلا فيقدر الثلث (لكل يوم مسكيناً نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) ، لأنه عجز عن الآداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني، ثم لابد من الإيصاء عندنا (٢) ، حتى إن مات ولم يوص بالإطعام عنه لا يلزم على ورثته ذلك ولو تبرعوا عنه من غير وصية جاز؛ وعلى هذا الزكاة. هداية.
(ومن دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع ثم أفسده قضاهما) وجوباً،
стр. 171
وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في رمضان أمسكاً بقية يومهما وصاما ما بعده ولم يقضيا ما مضى، ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء وقضى ما بعده،
ــ
لأن المؤدى قربة وعمل فنجب صيانته بالمضي عن الإبطال؛ وإذا وجب المضى وجب القضاء بتركه؛ ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر في إحدى الروايتين، لما بيناه، ويباح بعذر، والضيافة عذر، لقوله ﷺ : (أفطر يوماً مكانه) (١) . هداية.
وفي رواية عن أبي يوسف: يجوز بلا عذر وهي رواية المنتقى، قال الكمال: واعتقادي أن رواية المنتقى أوجه.
(وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في) نهار (رمضان أمسكا بقية يومهما) قضاء لحق الوقت بالتشبه بالصائمين (وصاما) ما (بعده) لتحقق السببية والأهلية (ولم يقضيا) يومهما الذي تأهلا فيه، ولا (ما مضى) قبله من الشهر، لعدم الخطاب بعد الأهلية له (ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء) أو في ليلته، لوجود الصوم، وهو الإمساك المقرون بالنية، إذ الظاهر وجودها منه (وقضى ما بعده) لانعدام النية، وإن أغمي عليه أول
стр. 172
وإذا أفاق المجنون في بعض رمضان قضى ما مضى منه، وإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت، وإذا قدم المسافر، أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا عن الطعام والشراب بقية يومهما، ومن تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم تبين أن الفجر كان قد طلع أو أن الشمس لم تغرب
ــ
ليلة قضاه كله غير يوم تلك الليلة، لما قلناه. ومن أغمي عليه رمضان كله قضاه لأنه نوع مرض بضعف القوى ولا يزيل الحجي؛ فيصير عذرا في التأخير لا في الإسقاط. هداية (وإذا أفاق المجنون في بعض رمضان قضى ما مضى منه) ؛ لأن السبب - وهو الشهر - قد وجد، وأهلية نفس الوجوب بالذمة وهي متحققة بلامانع؛ فإذا تحقق الوجوب بلا مانع تعين القضاء. در. وإن استوعب لجميع ما يمكنه فيه إنشاء الصوم - على ما مر - لا يقضي؛ للحرج، بخلاف الإغماء - كما مر - لأنه لا يستوعب عادة، وامتداده نادر، ولا حرج في ترتيب الحكم على ما هو من النوادر.
(وإذا حاضت المرأة) أو نفست (أفطرت وقضت) وليس عليها أن تتشبه حال العذر؛ لأن صومها حرام، والتشبه بالحرام حرام (وإذا قدم المسافر) أو برئ المريض أو أفاق المجنون (أو طهرت الحائض) أو النفساء (في بعض النهار أمسكا) وجوباً، هو الصحيح. جوهرة. (عن) المفطرات من (الطعام والشراب) وغيرهما (بقية يومهما) قضاء لحق الوقت، كما مر (ومن تسحر وهو يظن أن) الليل باق وأن (الفجر لم يطلع أو أفطر وهو يرى) بضم الياء - أي يظن (أن الشمس قد غربت ثم تبين أن الفجر كان) حين ما تسحر (قد طلع أو أن الشمس) حين ما أفطر (لم تغرب) أمسك بقية يومه قضاء لحق الوقت بالقدر
стр. 173
قضى ذلك اليوم ولا كفارة عليه، ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر.
وإذا كان بالسماء علةٌ لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، وإن لم يكن بالسماء علةٌ لم تقبل إلا شهادة جمعٍ كثير يقع العلم بخبرهم.
ــ
الممكن ودفعا للتهمة، و (قضى ذلك اليوم) ، لأنه حق مضمون بالمثل (ولا كفارة عليه) ، لقصور الجناية بعدم القصد.
(ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصوم احتياطاً؛ لاحتمال الغلط، فإن أفطر فعليه القضاء، ولا كفارة عليه للشبهة.
(وإذا كان بالسماء علة لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين) ؛ لأنه تعلق به نفع العبد - وهو الفطر - فأشبه سائر حقوقه، والأضحى كالفطر في هذا في ظاهر الرواية، وهو الأصح، خلافاً لما يروى عن أبي حنيفة أنه كهلال رمضان، لأنه تعلق به نفع العباد، وهو التوسع بلحوم الأضاحي. هداية.
(وإذا لم يكن بالسماء علة لم تقبل) في هلال الفطر (إلا شهادة جمع كثير يقع العلم بخبرهم) كما تقدم
стр. 174
باب الاعتكاف .
- الاعتكاف مستحبٌ، وهو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف،
ــ
باب الاعتكاف
وجه المناسبة والتعقيب اشتراط الصوم فيه، وطلبه في العشر الأخير.
قال رحمه الله تعالى: (الاعتكاف مستحب) قال في الهداية: والصحيح أنه سنة مؤكدة؛ لأن النبي ﷺ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان، والمواظبة دليل السنية (١) . اهـ. قال الزيلعي: والحق أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب، وهو المنذور، وسنة، وهو في العشر الأخير من رمضان، ومستحب، وهو في غيره. اهـ.
(وهو اللبث) بفتح اللام - مصدر لبث - كفهم - أي المكث (في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف) أما اللبث فركنه؛ لأن وجوده به، وأما الصوم فشرط لصحة الواجب، واختلفت الروايات في النفل: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه شرط لصحته، وفي ظاهر الرواية ليس بشرط. ذخيرة. والنية شرط في سائر
стр. 175
ويحرم على المعتكف: الوطء، واللمس، والقبلة، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة، ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلع ولا يتكلم إلا بخيرٍ،
ــ
العبادات، والمراد بالمسجد مسجد الجماعة، وهو: ما له إمام ومؤذن، أديت فيه. الخمس أولاً، كما في العناية والفيض والنهر وخزانة الأكمل والخلاصة والزازية، وفي الهداية عن أبي حنيفة: أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس، لأنه عبادة انتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه؛ وصححه الكمال وعن الإمامين يصح في كل مسجد. وصححه السروجي، وهو اختيار الطحاوي، وقال الخير الرملي: وهو أيسر، خصوصاً في زماننا، فينبغي أن يعول عليه. اهـ. والمرأة تعتكف في مسجد بيتها، وهو الذي عينته لصلاتها؛ لنحقق انتظارها فيه.
(ويحرم على المعتكف: الوطء) لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد (١) ﴾ . (و) كذا (اللمس، والقبلة) لأنهما من دواعيه (ولا يخرج) المعتكف (من المسجد إلا لحاجة الإنسان) الطبيعية كالبول والغائط وإزالة نجاسة، أو الضرورية كانهدام المسجد وتفرق أهله وإخراج ظالم كرهاً وخوف على نفسه أو متاعه؛ فيدخل مسجداً غيره من ساعته (أو) الشرعية مثل صلاة (الجمعة) والعيد، ولا يمكث بعد فراغه مما خرج إليه، لأن ما ثبت ضرورة يتقدر بقدرها. (ولا بأس بأن يبيع) المعتكف (ويبتاع في المسجد) ما لابد منه كطعام ونحوه، لضرورة الاعتكاف؛ لأنه لو خرج إليها فسد اعتكافه، لكن (من غير أن يحضر السلعة) ، لأن المسجد محرز عن حقوق العباد، وفي إحضار السلعة شغل للمسجد، فيكره، كما يكره لغير المعتكف مطلقاً (ولا يتكلم) المعتكف (إلا بخير) وكذا غيره، إلا أن المعتكف به أحرى.
стр. 176
ويكره له الصمت، فإن جامع المعتكف، ليلاً أو نهاراً بطل اعتكافه، ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيامٍ لزمه اعتكافها بلياليها، وكانت متتابعةً وإن لم يشترط التتابع.
كتاب الحج .
ــ
(ويكره له الصمت) إن اعتقده قربة: لأنه ليس قربة في شريعتنا؛ أما حفظ اللسان عما لا يعني الإنسان فإنه من حسن الإيمان.
(فإن جامع المعتكف ليلاً أو نهاراً) عامداً أو ناسياً أنزل أو لا (بطل اعتكافه) ؛ لأن حالة المعتكف مذكرة فلا يعذر بالنسيان، ولو جامع فيما دون الفرج، أو قبل، أو لمس فأنزل - بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرماً؛ لأنه ليس في معنى الجماع، ولهذا لا يفسد به الصوم. هداية.
(ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام) يومين فأكثر (لزمه اعتكافها بلياليها) لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي (وكانت متتابعة وإن لم يشترط التتابع) ؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع؛ لأن الأوقات كلها قابلة له، بخلاف الصوم، لأن مبناه على التفرق؛ لأن الليالي غير قابلة للصوم؛ فيجب على التفريق حتى ينص على التتابع، وإن نوى الأيام خاصة صح؛ لأنه نوى الحقيقة. هداية.
كتاب الحج
ختم به العبادات الخالصة اقتداء بحديث: "بني الإسلام على خمس"
(الحج) بفتح الحاء وكسرها - لغة: القصد مطلقاً، كما في الجوهرة وغيرها تبعاً لإطلاق كثير من كتب اللغة، ونقل في الفتح عن ابن السكيت تقييده بالمعظم، وكذا
стр. 177
- الحج واجبٌ على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة، فاضلاً عن مسكنه وما لا بد منه، وعن نفقة عياله إلى حين عوده، وكان الطريق آمناً، ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرمٌ
ــ
قيده به السيد الشريف في تعريفاته. وشرعاً: زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص بفعل مخصوص. وهو (واجب) (١) : أي فرض في العمر مرة (على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد) ذهاباً وإياباً (والراحلة) من زاملة أو شق محمل (فاضلاً) : أي زائداً ذلك (عن مسكنه وما لا بد) له (منه) كالثياب وأثاث المنزل والخادم ونحو ذلك؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية (و) زائداً أيضاً (عن نفقة عياله) ممن تلزمه نفقته (إلى حين عوده) لتقدم حق العبد لحاجته (وكان الطريق آمناً) بغلبة السلامة؛ لأن الاستطاعة لا تثبت دونه، ثم قيل: هو شرط الوجوب حتى لا يجب عليه الإيصاء، وهو مروى عن أبي حنيفة، وقيل شرط الأداء دون الوجوب. هداية. (ويعتبر في المرأة) ولو عجوزاً (أن يكون لها محرم) بالغ
стр. 178
يحج بها أو زوجٌ، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيامٍ ولياليها، وإذا بلغ الصبي بعدما أحرم أو أعتق العبد فمضيا على ذلك لم يجزهما عن حجة الإسلام.
والمواقيت التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرماً: لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل العراق ذات عرقٍ، ولأهل الشأم الجحفة، ولأهل نجدٍ قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم،
ــ
عاقل غير فاسق، برحم أو صهرته (يحج بها، أو زوج؛ ولا يجوز لها) : أي يكره تحريماً على المرأة (أن تحج بغيرهما) : أي المحرم والزوج (إذا كان بينها وبين مكة) مدة سفر، ويجوز حجها، وهي (مسيرة ثلاثة أيام ولياليها) فصاعداً، وقد اختلفوا في أن المحرم شرط الوجوب أو شرط الأداء على حسب اختلافهم في أمن الطريق (وإذا بلغ الصبي بعدما أحرم أو أعتق العبد فمضيا على) إحرامهما (ذلك لم يجزهما عن حجة الإسلام) لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض، ولو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف ونوى حجة الإسلام جاز، والعبد لو فعل ذلك لم يجز؛ لأن إحرام الصبي غير لازم؛ لعدم الأهلية، أما إحرام العبد فلازم؛ فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره. هداية.
(والمواقيت) : أي المواضع (التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان) مريداً مكة (إلا محرماً) يأخذ النسكين خمسة: (لأهل المدينة ذو الحليفة) بضم ففتح - موضع على ستة أميال من المدينة، وعشر مراحل من مكة، وتعرف الآن بآبار علي (ولأهل العراق ذات عرق) بكسر فسكون - على مرحلتين من مكة (ولأهل الشام الجحفة) على ثلاث مراحل من مكة بقرب رلغ (ولأهل نجد قرن المنازل) - بسكون الراء - مغرب، على مرحلتين من مكة (ولأهل اليمن يلملم) جبل على
стр. 179
فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز، ومن كان منزله بعد المواقيت فميقاته الحل، ومن كان بمكة فميقاته في الحج الحرم وفي العمرة الحل.
وإذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ - والغسل أفضل - ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزاراً ورداءً ومس طيباً إن كان له
ــ
مرحلتين أيضاً. وكذا لمن مر بها من غير أهلها: كأهل الشام الآن، فإنهم يمرون بميقات أهل المدينة فهي ميقاتهم، لكنهم يمرون بالميقات الآخر، فيخيرون بالإحرام منهما، لأن الواجب على من مر بميقاتين لا يتجاوز آخرهما إلا محرماً، ومن الأول أفضل، وإن لم يمر بميقات تحرى وأحرم إذا حاذى أحدها، وإن لم يكن بحيث يحاذي أحدها فعلى مرحلتين (فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز) وهو أفضل إن أمن مواقعة المحظورات (ومن كان منزله بعد المواقيت) أي داخلها وخارج الحرم (فوقته) للحج والعمرة (الحل) ويجوز لهم دخول مكة لحاجة من غير إحرام (ومن كان بمكة فميقاته في الحج الحرم وفي العمرة الحل) ليتحقق وقوع السفر؛ لأن أداء الحج في عرفة وهي في الحل، فيكون الإحرام من الحرم وأداء العمرة في الحرم، فيكون الإحرام من الحل، إلا أن التنعيم أفضل، لورود الأثر به. هداية.
(وإذا أراد) الرجل (الإحرام) بحج أو عمرة (اغتسل وتوضأ، والغسل أفضل) : لأنه أتم نظافة، وهو للنظافة لا للطهارة، ولذا تؤمر به الحائض والنفساء (ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين طاهرين أبيضين ككفن الميت (إزاراً) من السرة إلى تحت الركبتين (ورداء) على ظهره لأنه ممنوع عن لبس المخيط، ولابد من ستر العورة ودفع الحر والبرد، وذلك فيما عيناه، والجديد أفضل، لأنه أقرب إلى الطهارة. هداية (ومس طيباً) استحباباً (إن كان) : أي وجد
стр. 180
طيبٌ وصلى ركعتين وقال: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ثم يلبي عقيب صلاته، فإن كان مفرداً في الحج نوى بتلبيته الحج، والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. ولا ينبغي أن يخل بشيءٍ من هذه الكلمات، فإن زاد فيها جاز، فإذا لبى فقد أحرم، فليتق ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق
ــ
(له طيب) وقص أظافره وشاربه، وأزال عانته، وحلق رأسه إن اعتاده، وإلا سرحه (وصلى ركعتين) في غير وقت مكروه (وقال: اللهم) إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني) ، لأن أداءه في أزمنة متفرقة، وأماكن متباينة، فلا يعرى عن المشقة، فيسأل الله تعالى التيسير، بخلاف الصلاة، لأن مدتها يسيرة، وأداؤها عادة ميسر (ثم يلبي عقيب الصلاة) ، لما روى أن النبي ﷺ (لبى في دبر صلاته) وإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز، ولكن الأول أفضل. هداية (فإن كان مفرداً) الإحرام (بالحج نوى بتلبيته الحج) ؛ لأنه عبادة، والأعمال بالنيات (والتلبية أن يقول؛ لبيك، اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد) بكسر الهمزة، وتفتح (والنعمة لك والملك، لا شريك لك) وهي المنقولة عن رسول الله ﷺ ، (ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات) ؛ لأنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص عنه (فإن زاد فيها) : أي عليها بعد الإتيان بها (جاز) بلا كراهة، أما في خلالها فيكره، كما في الدر وغيره.
(وإذا لبى) ناوياً (فقد أحرم) ولا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية، ما لم يأت بالتلبية (فليتق ما نهى الله تعالى عنه من الرفث) وهو الجماع، أو الكلام الفاحش؛ أو ذكر الجماع بحضرة النساء (والفسوق) : أي المعاصي، وهي في حال