ثم هو مخييرٌ في القيمة، إن شاء ابتاع بها هدياً فذبح إن بلغت هدياً، وإن شاء اشترى بها طعاماً فتصدق به على كل مسكينٍ نصف صاع من برٍ أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ، وإن شاء صام عن كل نصف صاعٍ من برٍ يوماً، وعن كل صاعٍ من شعيرٍ يوماً،
ــ
الهداية: قالوا: والواحد يكفي، والاثنان أولى؛ لأنه أحوط وأبعد من الغلط كما في حقوق العباد، وقيل: يعتبر المثنى ههنا بالنص (١) . اهـ.
(ثم هو) : أي المحكوم عليه بالقيمة (مخير في تلك) القيمة (إن شاع ابتاع) أي اشترى (بها هدياً فذبح بمكة (إن بلغت) القيمة (هدياً) يجزئ في الأضحية، من إبل أو بقر أو غنم؛ لأنه المعهود في إطلاقه (وإن شاء اشترى بها طعاماً فتصدق به) أين شاء، على كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيقه، أو صاعاً من تمر أو شعير، ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع؛ لأن الطعام المذكور ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع، هداية، وتكفي الإباحة كدفع القيمة. در (وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر يوماً) وعن كل صاع من تمر أو شعير يوماً؛ لأن تقدير الصيام بالمقتول غير ممكن؛ إذ لا قيمة للصيام؛ فقدرناه بالطعام، والتقدير على هذا الوجه
стр. 212
فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاعٍ فهو مخيرٌ: إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً. وقال محمدٌ. يجب في الصيد النظير فيما له نظيرٌ؛ ففي الظبي شاةٌ، وفي الضبع شاةٌ، وفي الأرنب عناقٌ، وفي النعامة بدنةٌ، وفي اليربوع جفرةٌ، ومن جرح صيداً، أو نتف شعره، أو قطع عضواً منه ضمن ما نقصه، وإن
ــ
معهود في الشرع كما في باب الفدية. هداية.
(فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع) من بر أو أقل من صاع من تمر أو شعير (فهو مخير: إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً) ؛ لأن صوم أقل من يوم غير مشروع، وكذلك إن كان الواجب دون طعام مسكين يطعم الواجب أو يصوم يوماً كاملا لما قلنا. هداية. (وقال محمد: يجب في الصيد النظير) سواء كانت قيمته أقل أو أكثر، وهذا (فيما له نظير) وأما ما ليس له نظير كالعصفور والحمامة ففيه القيمة إجماعاً. جوهرة (ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة) أيضاً (وفي الأرنب عناق) بالفتح - وهي الأنثى من ولد المعز لم يبلغ الحول (وفي النعامة بدنة، وفي اليربوع (١) جفرة)
وفي التصحيح: قال الإسبيجاني: الصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو القول الصحيح المعول عليه عند النسفي، وهو أصح الأقاويل عند المحبوبي. اهـ. (وعن جرح صيداً أو نتف شعره أو قطع عضواً منه) ولم يخرج به من حيز الامتناع (ضمن ما نقص منه) اعتقاداً للبعض بالكل كما في حقوق العباد (وإن
стр. 213
نتف ريش طائرٍ، أو قطع قوائم صيدٍ، فخرج من حيز الامتناع فعليه قيمته كاملةً، ومن كسر بيض صيدٍ فعليه قيمته، فإن خرج من البيض فرخٌ ميتٌ فعليه قيمته حياً وليس في قتل الغراب والحدأة والذئب والحية، والقرب والفأرة جزاءٌ (١) .
ــ
نتف ريش طائر أو قطع قوائم صيد فخرج) بذلك (من حيز الامتناع فعليه قيمة كاملة) ؛ لأنه فوت عليه الأمن بتفويت آلة الامتناع؛ فيغرم جزاءه (ومن كسر بيض صيد) غير مذر (٢) أو شواه (فعليه قيمته) ؛ لأنه أصل الصيد وله عرضية أن يصير صيداً، فنزل منزلة الصيد احتياطاً (فإن خرج من البيض) الذي كسر (فرخ ميت) ولم يعلم أن موته كان قبل كسره (فعليه قيمته حياً) ؛ لأنه معد ليخرج منه الفرخ الحي، والكسر قبل أوانه سبب لموته؛ فيحال عليه احتياطاً، وعلى هذا إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنيناً ميتاً وماتت عليه قيمتها. هداية.
وليس على المحرم (في قتل الغراب) الأبقع الذي يأكل الجيف، بخلاف غراب الزرع الذي يأكل الحب والعقعق الذي يجمع بينهما لأنهما لا يبتدئان بالأذى (والحدأة) الطائر المعروف؛ وجمعها حدأة، كعنبة وعنب. صحاح (والذئب والحية والعقرب والفأرة) والكلب العقور (جزاء) قال في الهداية: وعن أبي حنيفة: أن الكلب العقور وغير العقور والمستأنس والمتوحش منهما سواء، لأن المعتبر في ذلك الجنس، وكذا الفأرة الأهلية والوحشية. اهـ.
стр. 214
وليس في قتل البعوض والبراغيث والقراد شيءٌ.
ومن قتل قملةً تصدق بما شاء، ومن قتل جرادةً تصدق بما شاء، وتمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ.
ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ونحوها فعليه الجزاء، ولا يتجاوز بقيمتها شاةً.
وإن صال السبع على محرمٍ فقتله فلا شيء عليه،
ــ
(وليس في قتل البعوض والبراغيث والقراد) والفراش والذباب والوزغ والزنبور والخنافس والسلحفاة والقنفذ والصرصر وجميع هوام الأرض (شيء) من الجزاء، لأنها ليست بصيود ولا متولدة من البدن.
(ومن قتل قملة) أو اثنتين أو ثلاثاً من ثوبه أو بدأته أو ألقاها (تصدق بما شاء) ككف طعام، لأنها متولدة من التفث الذي على البدن، وقيدنا بكونها من بدنه أو ثوبه لأنه لو وجدها على الأرض فقتلها لم يكن عليه شيء (ومن قتل جرادة تصدق بما شاء) لأن الجراد من صيد البر، قال في البحر: ولم أر من فرق بين القليل والكثير، وينبغي أن يكون كالقمل. اهـ (وتمرة خير من جرادة (كذا روى عن سيدنا عمر ﵁ .
(ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد) البري (كالسباع) من البهائم (ونحوها من سباع الطير (فعليه الجزاء، ولا يتجاوز بقيمتها شاة) ؛ لأن قتله إنما كان حراما موجبا للجزاء باعتبار إراقة الدم، لا باعتبار إفساد اللحم؛ لأنه غير مأكول، وبإراقة الدم لا يجب إلا دم واحد، أما في مأكول اللحم ففيه فساد اللحم أيضاً؛ فتجب قيمته بالغة ما بلغت. قاضيخان في شرح الجامع.
(وإن صال السبع على محرم) ولا يمكنه دفعه إلا بقتله (فقتله فلا شيء عليه) ، لأنه ممنوع عن التعرض، لا عن دفع الأذى، ولهذا كان مأذونا في دفع متوهم
стр. 215
وإن اضطر المحرم إلى أكل لحم الصيد فقتله فعليه الجزاء، ولا بأس أن يذبح المحرم الشاة والبقرة والبعير والدجاج والبط الكسكري وإن قتل حماماً مسرولا أو ظبياً مستأنساً فعليه الجزاء.
وإن ذبح المحرم صيداً فذبيحته ميتةٌ لا يحل أكلها، ولا بأس أن يأكل المحرم لحم صيدٍ اصطاده حلالٌ أو ذبحه إذا لم يدله المحرم عليه ولا أمره بصيده،
ــ
الأذى كما في الفواسق، فلأن يكون مأذوناً في دفع المتحقق أولى، ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء. هداية.
(وإن اضطر المحرم إلى أكل لحم الصيد فقتله فعليه الجزاء) ؛ لأن الأذى مقيد بالكفارة بالنص. هداية (ولا بأس أن يذبح المحرم الشاة والبقر والبعير والدجاج والبط) بفتح الباء (الكسكري) بفتح الكافين - نسبة إلى كسكر، قال في المغرب؛ ناحية من نواحي بغداد، وإليها ينسب البط الكسكري، وهو مما يستأنس به في المنازل وطيرانه كالدجاج. اهـ، لأن هذه الأشياء ليست بصيود لعدم التوحش (وإن قتل حماماً مسرولاً) بفتح الواو - في رجليه ريش كأنه سراويل ألوف مستأنس بطئ النهوض للطيران (أو ظبياً مستأنساً فعليه الجزاء) ؛ لأنها صيود في الأصل متوحشة بأصل الخلقة؛ فلا يبطل بالاستئناس العارض، كالبعير إذا ند (١) فإنه لا يأخذ حكم الصيد في الحرمة على المحرم.
(وإن ذبح المحرم صيداً) مطلقاً أو الحلال صيد الحرم (فذبيحته ميتة لا يحل أكلها) لأحد من محرم أو حلال (ولا بأس أن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال) من حل (أو ذبحه، إذا لم يدله المحرم عليه، ولا أمره بصيده) سواء
стр. 216
وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال فعليه الجزاء، وإن قطع حشيش الحرم أو شجرة الذي ليس بمملوكٍ ولا هو مما ينبته الناس فعليه قيمته، وكل شيءٍ فعله القارن مما ذكرنا أن فيه على المفرد دماً فعليه دمان: دمٌ لحجته، ودمٌ لعمرته، إلا أن يتجاوز الميقات من غير إحرامٍ ثم يحرم بالعمرة والحج فيلزمه دمٌ واحدٌ، وإذا اشترك
ــ
اصطاده لنفسه أو للمحرم، حيث لم يكن له فيه صنع.
(وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال جزاء) بقدر قيمته، يتصدق به على الفقراء، ولا يجزئه هنا الصوم؛ لأنها غرامة، وليست بكفارة، فأشبه ضمان الأموال. هداية.
(وإن قطع حشيش الحرم) محرم أو حلال (أو شجرة) الرطب (الذي ليس بمملوك) قيد فيهما، وكذا قوله (ولا هو مما ينبته الناس) كالشيح ونحوه فعليه قيمته) كما تقدم قبله؛ وقيدنا بالرطب لأنه لا شيء يقطع اليابس منهما.
(وكل شيء فعله القارن) بين الحج والعمرة (مما ذكرنا أن فيه على المفرد) بسبب جنايته على إحرامه (دماً فعليه) أي القارن (دمان) لجنايته على الحج والعمرة فيجب عليه (دم لحجته ودم لعمرته) وكذا الصدقة (إلا أن يتجاوز الميقات من غير إحرام ثم يحرم) داخل الميقات (بالعمرة والحج) معاً (فيلزم دم واحد) لكونه عند المجاوزة غير قارن، والواجب عليه إحرام واحد، وبتأخير واجب واحد لا يجب إلا جزاء واحد. هداية. وقيدنا الإحرام بداخل الميقات لأنه إذا عاد إليه قبل الطواف وجدد الإحرام سقط عنه الدم.
(وإذا اشترك المحرمان في قتل صيد) في حرم أو حل (فعلى كل واحد منهما الجزاء كاملا) ؛ لأن كل واحد منهما جنى على إحرام كامل (وإذا اشترك
стр. 217
المحرمان في قتل صيدٍ فعلى كل واحدٍ منهما الجزاء كاملاً، وإذا اشترك الحلالان في قتل صيد الحرم فعليهما جزاءٌ واحد.
وإذا باع المحرم صيداً أو ابتاعه فالبيع باطلٌ.
باب الإحصار .
- إذا أحصر المحرم بعدوٍ أو أصابه مرضٌ منعه من المضي جاز له التحلل وقيل له: أبعث شاةً تذبح في الحرم وواعد من يحملها يوماً بعينه يذبحها فيه ثم تحلل،
ــ
الحلالان في قتل صيد الحرم فعليهما جزاء واحد) ؛ لأن الضمان هنا لحرمة الحرم؛ فجرى مجرى ضمان الأموال؛ فيتحد باتحاد المحل كرجلين قتلا رجلاً خطأ يجب عليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة. هداية. وإذا اشترك محرم وحلال فعلى المحرم الجزاء الكامل وعلى الحلال النصف. جوهرة.
(وإذا باع المحرم صيداً أو ابتاعه) : أي اشتراه (فالبيع باطل) ؛ لأنه لا يملك بالإصطياد، فكذا بالبيع، فلو صاده حلالاً وباعه محرماً فالبيع فاسد، وبعكسه جائز. جوهرة.
باب الإحصار
هو لغة: المنع، وشرعاً: منع المحرم عن أداء الركنين.
(إذا أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض منعه من المضي) أو هلكت نفقته (حل له التحلل) لئلا يمتد إحرامه فيشق عليه (وقيل له: أبعث شاة) أو قيمتها (تذبح في الحرم) فإن لم يجد بقي محرماً حتى يجد أو يتحلل بطواف (وواعد من يحملها يوماً بعينه) ليعلم حتى يتحلل (يذبحها فيه) أي في ذلك اليوم (ثم) إذا جاء ذلك اليوم (تحلل) : أي حل له ما كان محظوراً، وفيه إيماء إلى أنه لا حلق عليه، ولكنه حسن؛ لأن التحلل حصل بالذبح، وهذا إذا كان الإحصار في الحل، أما إذا كان في الحرم فالحلق واجب. جوهرة
стр. 218
وإن كان قارنا بعث بدمين، ولا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة أن يذبح متى شاء، والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجةٌ وعمرةٌ، وعلى المحصر بالعمرة القضاء، وعلى القارن حجةٌ وعمرتان، وإذا بعث المحصر هدياً وواعدهم أن يذبحوه في يومٍ بعينه ثم زال الإحصار،
ــ
(وإن كان قارناً بعث بدمين) لاحتياجه إلى التحلل عن إحرامين، ولا يحتاج إلى التعيين فإن بعث بهدي واحد ليتحلل عن أحدهما لم يتحلل عن واحد منهما، لأن التحلل منهما شرع في حالة واحدة، وفي ذلك تغيير المشروع (ولا يجوز ذبح دم الإحصار) مطلقاً (إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة) ؛ لإطلاق النص، ولأنه لتعجيل التحلل (وقالا: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر) اعتباراً بدم المتعة والقران، قال في التصحيح: ورجح دليل الإمام في الشروح، وهو المختار عند أبي الفضل الموصلي وبرهان الشريعة وصدر الشريعة والنسفي. اهـ. (ويجوز للمحصر بالعمرة أن يذبح متى شاء) اتفاقا؛ لأنها غير مختصة بوقت، فكذا التحلل منها (وللمحصر بالحج ولو نقلا (إذا تحلل) ولم يحج من عامه (فعليه حجة) قضاء عما فاته (وعمرة) ، لأنه في معنى فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، فإن لم يأت بها قضاها، وقيدنا بكونه لم يحج من عامه لأنه لو حج منه لا عمرة عليه، لأنه ليس في معنى فائت الحج، جوهرة (وعلى المحصر بالعمرة القضاء) لما شرع فيه (وعلى) المحصر (القارن حجة وعمرتان) أما الحج وإحداهما فلما بينا، والثانية لأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها هداية (وإذا بعث المحصر هدياً وواعدهم أن يذبحوه في يوم بعينه ثم زال الإحصار،
стр. 219
فإن قدر على إدراك الهدي والحج لم يجز له التحلل ولزمه المضي، وإن قدر على إدراك الهدي دون الحج تحلل، وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحساناً، ومن أحصر بمكة وهو ممنوعٌ من الوقوف والطواف كان محصراً وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر.
باب الفوات .
- ومن أحرم بالحج ففاته الوقوف
ــ
فإن قدر على إدراك الهدي والحج) معاً (لم يجز له التحلل ولزمه المضي) ، لزوال الحجر قبل حصول المقصود بالخلف، وإذا أدرك هديه صنع به ما شاء، لأنه ملكه وقد عينه لمقصود استغنى عنه. هداية، وإلا (فإن قدر على إدراك الهدي دون الحج تحلل) لعجزه عن الأصل (وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحسانا) . لئلا يضيع عليه ماله مجانا، إلا أن الأفضل التوجه (ومن أحصر بمكة وهو ممنوع من) الركنين (الطواف والوقوف كان محصراً) ، لأنه تعذر عليه الإتمام، فصار كما إذا أحصر في الحل (وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر) ، لأنه إن قدر على الطواف تحلل به، وإن قدر على الوقوف فقد تم حجه فليس بمحصر.
باب الفوات
أعقبه الإحصار لأن كلا منهما من العوارض، والإحصار منه بمنزلة المفرد من المركب، وذلك لأن الإحصار إحرام بلا أداء، والفوات إحرام وأداء. نهر.
(ومن أحرم بالحج) فرضا أو نقلا، صحيحا أو فاسدا (ففاته الوقوف
стр. 220
بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج وعليه أن يطوف ويسعى ويتحلل ويقضي الحج من قابل، ولا دم عليه، والعمرة لا تفوت، وهي جائزة في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره فعلها فيها: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
والعمرة سنةٌ، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير.
ــ
بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج) ، لما تقدم أن وقت الوقوف يمتد إليه وأن الحج عرفة (و) يجب (عليه) إذا أراد التحلل (أن) يتحلل بأفعال العمرة بأن (يطوف ويسعى) من غير إحرام جديد لها (ويتحلل) بالحلق أو التقصير، قال الإسبيجاني: ثم عند أبي حنيفة ومحمد أصل إحرامه بالحج باق ويتحلل بعمل عمرة، وعند أبي يوسف يصير إحرامه إحرام عمرة، والصحيح قولهما: تصحيح (ويقضي الحج من قابل ولا دم عليه) ؛ لأن التحلل وقع بأفعال العمرة؛ فكانت حق فائت الحج بمنزلة الدم في حق المحصر، فلا يجمع بينهما. (والعمرة لا تفوت) ؛ لأنها غير موقتة بوقت (وهي جائزة في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره) كراهة تحريم (فعلها فيها) ؛ أي إنشاؤها بالإحرام، أما إذا أداها إحرام سابق كما إذا كان قارنا ففاته الحج وأدى العمرة في هذه الأيام لا يكره. جوهرة وإنما كرهت في هذه الأيام لأنها أيام الحج، فكانت متعينة له، وهي: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق) الثلاث.
(والعمرة سنة) مؤكدة في الصحيح، وقيل: واجبة. نهر. (وهي الإحرام والطواف والسعي) والحلق أو التقصير. فالإحرام شرط، وأكثر الطواف ركن، وغيرهما واجب، وإنما لم يذكر الحلق لأنه مخرج منها
стр. 221
باب الهدي .
- الهدي أدناه شاةٌ. وهو ثلاثة أنواعٍ: الإبل والبقر، والغنم، يجزئ في ذلك الثني فصاعداً، إلا من الضأن فإن الجذع منه يجزئ، ولا يجوز في الهدي مقطوع الأذن أو أكثرها ولا مقطوع الذنب ولا اليد ولا الرجل، ولا الذاهبة العين ولا العجفاء ولا العرجاء التي لا تمشي إلى المنسك.
ــ
باب الهدي
لما دار ذكرى الهدي فيما تقدم من المسائل احتيج إلى بيانه، وما يتعلق به، ابن كمال. ويقال فيه: هدي - بالتشديد على فعيل - الواحدة هدية، كمطية ومطى ومطايا. مغرب.
(الهدي) لغة وشرعا: ما يهدى إلى الحرم من النعم للتقرب: وأدناه شاة؛ وهو) : أي الهدي (من ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم) ؛ لأن العادة جارية بإهداء هذه الأنواع (يجزئ في ذلك) ما يجزئ في الأضحية، وهو (الثني فصاعدا) وهو من الإبل ما تم له خمس سنين؛ ومن البقر سنتان، ومن الغنم سنة (إلا من الضأن فإن الجذع منه يجزئ) والجذع - بفتحتين - ما دون الثني (ولا يجزئ في الهدي مقطوع الأذن أو أكثرها ولا مقطوع الذنب ولا اليد ولا الرجل ولا الذاهبة العين ولا العجفاء) كثيرة الهزال (ولا العرجاء التي لا تمشي إلى المنسك) بفتح السين وكسرها - الموضع الذي تذبح به النسائك، صحاح، لأنها عيوب بينة، وهذا إذا كانت العيوب موجودة بها قبل الذبح، أما إذا أصابها ذلك حالة الذبح بالاضطراب وانفلات السكين جاز، لأن مثل هذا لا يمكن
стр. 222
والشاة جائزةٌ في كل شيء إلا في موضعين: من طاف طواف الزيارة جنباً، ومن جامع بعد الوقوف بعرفة فإنه لا يجوز إلا بدنةٌ. والبدنة والبقرة تجزئ كل واحدةٍ منهما عن سبعةٍ إذا كان كل واحدٍ من الشركاء يريد القربة، فإن أراد أحدهم بنصيبه اللحم لم يجزئ عن الباقين، ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا (١) .
ــ
الاحتراز عنه.
(والشاة جائزة) في الحج (في كل شيء) جناه في إحرامه (إلا في موضعين) وهو (من طاف طواف الزيارة جنباً) أو حائضا أو نفساء (ومن جامع بعد الوقوف بعرفة) وقبل الحلق كما مر (فإنه لا يجوز) في هذين الموضعين (إلا بدنة) كما تقدم (والبدنة والبقرة تجزئ كل واحدة منهما عن سبعة) وما دونهما بالأولى (إذا كان كل واحد من الشركاء يريد القربة) ولو اختلف وجه القربة: بأن أراد أحدهم المتعة، والآخر القران، والآخر التطوع؛ لأن المقصود بها واحد، وهو الله تعالى (فإن أراد أحدهم بنصيبه اللحم) أو كان ذمياً (لم يجزئ عن الباقين) لأنها لم تخلص لله تعالى (ويجوز الأكل) لصاحب الهدي، بل يندب من هدي التطوع والمتعة والقران) إذا بلغ الهدي محله؛ لأنه دم نسك فيجوز الأكل منه بمنزلة الأضحية، وما جاز الأكل منه لصاحبه جاز للغني، وقيدنا ببلوغ المحل لأنه إذا لم يبلغ الحرم لا يحل الانتفاع منه لغير الفقير كما يأتي في آخر الباب (ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا) كدماء الكفارات والنذور وهدي
стр. 223
ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا في يوم النحر ويجوز ذبح بقية الهدايا أي وقتٍ شاء، ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم، ويجوز أن يتصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم، ولا يجب التعريف بالهدايا،
ــ
الإحصار والتطوع إذا لم يبلغ محله.
(ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا في يوم النحر) وفي الأصل: يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر وذبحه يوم النحر أفضل، وهذا هو الصحيح؛ لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا، وذلك يتحقق ببلوغها إلى الحرم؛ فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غير يوم النحر، وفي أيام النحر أفضل؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم فيه أظهر. هداية (ويجوز ذبح بقية الهدايا أي وقت شاء) لأنها دماء كفارات؛ فلا تختص بيوم النحر؛ لأنها لما وجبت لجبر النقصان كان التعجيل بها أولى؛ لارتفاع النقصان من غير تأخير، بخلاف دم المتعة والقران لأنه دم نسك. هداية (ولا يجوز ذبح الهدايا) مطلقا (إلا في الحرم) ؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان، ومكانه الحرم) ويجوز أن يتصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم) لأن الصدقة قربة معقولة، والصدقة على كل فقير قربة، وعلى مساكين الحرم أفضل، إلا أن يكون غيرهم أحوج. جوهرة (ولا يجب التعريف بالهدايا) وهو إحضارها عرفة؛ فإن عرف بهدي المتعة والقران والتطوع فحسن لأنه يتوقت بيوم النحر فعسى ألا يجد من يمسكه فيحتاج إلى أن يعرف به (ولأنه دم نسك، ومبناه على التشهير، بخلاف دماء الكفارات) ؛
стр. 224
والأفضل في البدن النحر، وفي البقر والغنم الذبح، والأولى أن يتولى الإنسان ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك ويتصدق بجلالها وخطامها، ولا يعطي أجرة الجزار منها، ومن ساق بدنةً فاضطر إلى ركوبها ركبها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها، وإن كان لها لبنٌ لم يحلبها وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن، ومن ساق هدياً فعطب، فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره،
ــ
فإنه يجوز ذبحها قبل يوم النحر، وسببها الجناية فالستر بها أليق.
(والأفضل في البدن النحر) قياما، وإن شاء أضجعها (وفي البقر والغنم الذبح) مضجعه، ولا تذبح قياما؛ لأن الذبح في حال الإضجاع أبين، فيكون الذبح أيسر (والأولى أن يتولى الإنسان ذبحها بنفسه إن كان يحسن ذلك) لأنه قربة، والتولي في القربات أولى، لما فيه من زيادة الخشوع، إلا أنه يقف عند الذبح إذا لم يذبح بنفسه (ويتصدق بجلالها) جمع جل، وهو ككساء يقي الحيوان الحر والبرد. جوهرة. (وخطامها) يعني زمامها (ولا يعطي أجرة الجزار منها) ؛ لقوله ﷺ لعلي ﵁: "تصدق بجلالها وخطامها ولا تعط الجزار منها" (ومن ساق بدنة فاضطر إلى ركوبها) أو حمل متاعه عليها (ركبها) وحملها (وإن استغنى عن ذلك لم يركبها) لأنه خالصاً لله جعلها، فلا ينبغي أن يصرف لنفسه شيئاً من عينها أو منافعها إلى أن تبلغ محلها، وإذا ركبها أو حملها فانتقصت فعليه ضمان ما انتقص منها (وإن كان لها لبن لم يحلبها) ، لأن اللبن متولد منها، وقد مر أنه لا يصرف لنفسه شيئاً من عينها قبل محلها (وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن) عنها، وهذا إذا قرب محلها، وإلا حلبها وتصدق بلبنها كيلا يضر ذلك بها، وإن صرفه لنفسه تصدق بمثله أو قيمته: لأنه مضمون عليه (ومن ساق هدياً فعطب) أي هلك (فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره) ؛ لأن القربة تعلقت به، وقد فات؛
стр. 225
وإن كان عن واجبٍ فعليه أن يقيم غيره مقامه، وإن أصابه عيبٌ كبيرٌ أقام غيره مقامه، وصنع بالمعيب ما شاء وإذا عطبت البدنة في الطريق، فإن كان تطوعاً نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحتها ولا يأكل منها هو ولا غيره من الأغنياء، وإن كانت واجبةً أقام غيرها مقامها وصنع بها ما شاء؛ ويقلد هدي التطوع والمتعة والقران،
ــ
ولم يكن سوقه متعلقاً بذمته (وإن كان عن واجب فعليه أن يقيم غيره مقامه) ، لأن الواجب باق بذمته حيث لم يقع موقعه، فصار كهلاك الدراهم المعدة للزكاة قبل أدائها (وإن أصابه عيب كبير) بحيث أخرجه إلى الرداءة (أقام غيره مقامه) إبقاء الواجب في ذمته (وصنع بالمعيب ما شاء) لأنه التحق بسائر أملاكه (وإذا عطبت البدنة في الطريق) أي قاربت العطب، بدليل قوله " نحرها" لأن النحر بعد حقيقة العطب لا يتصور (فإن كانت) البدنة (تطوعا نحرها وصنع نعلها) : أي قلادتها. هداية. (بدمها وضرب بها) : أي بقلادتها المصبوغة بدمها (صفحتها) : أي أحد جنبيها (ولم يأكل منها هو) : أي صاحبها (ولا غيره من الأغنياء) وفائدة ذلك أن يعلم الناس أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، وهذا لأن الإذن بتناوله معلق بشرط بلوغه محله فينبغي أن لا يحل قبل ذلك أصلاً، إلا أن التصدق على الفقراء أفضل من أن يترك جزرا للسباع، وفيه نوع تقرب، والتقرب هو المقصود. هداية (وإن كانت) البدنة (واجبة أقام غيرها مقامها) لأنها لم تبق صالحة لما عينه (وصنع بها) : أي التي عطبت (ما شاء) ، لأنها ملكه كسائر أملاكه (ويقلد) ندبا (هدى التطوع) والنذر (والمتعة والقران) لأنه دم نسك فيليق به الإظهار والشهرة، تعظيماً لشعائر الإسلام، والمراد من الهدي الإبل والبقر، وأما الغنم فلا يقلد. وكل ما يقلد يخرج به إلى عرفات، وما لا فلا
стр. 226
ولا يقلد دم الإحصار ولا دم الجنايات.
ــ
جوهرة. (ولا يقلد دم الإحصار) لأنه لرفع لا حرام (ولا دم الجنايات) ، لأنه دم جير، فالأولى إخفاؤها وعدم إظهارها
стр. 227
كتاب البيوع .
- البيع ينعقد بالإيجاب والقبول إذا كانا بلفظ الماضي،
ــ
كتاب البيوع
عقب البيع للعبادات وأخر النكاح لأن الاحتياج إلى البيع أعم، لأنه يعم الصغير والكبير، وبه قيام المعيشة التي هي قوام الأجسام، وبعض المصنفين قدم النكاح لأنه عبادة، ثم البيع مصدر، وقد يراد به المفعول فيجمع باعتباره كما يجمع المبيع، وقد يراد به المعنى - وهو الأصل - فجمعه باعتبار أنواعه، فتح.
(البيع) لغة: مبادلة شيء بشيء، ملا أولا، بدليل ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ (١) وهو من الأضداد، ويستعمل متعديا لمفعولين؛ يقال: بعتك الشيء وقد تدخل " من" على المفعول الأول على وجه التأكيد، فيقال: بعت من زيد الدار. وربما دخلت اللام، فيقال: بعت لك الشيء؛ فهي زائدة وابتاع الدار بمعنى اشتراها؛ وباع عليه القاضي: أي من غير رضاه. بحر عن ابن القطاع. وشرعا: مبادلة مال بمال بالتراضي (٢)
و (ينعقد بالإيجاب) وهو: ما يذكر أولا من كلام أحد العاقدين (والقبول) وهو: ما يذكر ثانياً (إذا كان بلفظ الماضي) كبعت واشتريت؛ لأن البيع إنشاء تصرف، والإنشاء يعرف بالشرع، وهو قد استعمل الموضوع للإخبار في الإنشاء؛ فينعقد به، ولا ينعقد بلفظين أحدهما مستقبل، بخلاف النكاح كما سيأتي، وقوله رضيت أو أعطيتك بكذا أو أخذته بكذا في معنى قوله بعت واشتريت؛ لأنه
стр. 228
وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رده،
وأيهما قام من المجلس قبل القبول بطل الإيجاب.
وإذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع ولا خيار لواحدٍ منهما،
ــ
يؤدي معناه والمعنى هو المعتبر في هذه العقود، ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس والخسيس وهو الصحيح؛ لتحقق المراضاة. هداية (وإذا أوجب أحد المتعاقدين) بائعاً كان أو مشتريا (البيع فالآخر بالخيار: إن شاء قبل) كل المبيع بكل الثمن (في المجلس) ؛ لأن خيار القبول مقيد به (وإن شاء رده) لأنه لو لم يثبت له الخيار يلزمه حكم العقد من غير رضاه، وللموجب الرجوع ما لم يقبل الآخر؛ لخلوه عن إبطال حق الغير. وإنما يمتد إلى آخر المجلس؛ لأنه جامع للمتفرقات؛ فاعتبر ساعاته ساعة واحدة دفعاً للعسر وتحقيقاً لليسر، والكتاب كالخطاب، وكذا الإرسال حتى أعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة، وقيدنا القبول لكل المبيع بكل الثمن لأنه ليس له أن يقبل المبيع أو بعضه ببعض الثمن؛ لعدم رضاء الآخر بأقل مما أوجب أو بتفرق الصفقة، إلا إذا بين ثمن كل واحد؛ لأنه صفقات معنى (وأيهما قام من المجلس) وإن لم يذهب عنه. نهر، وابن كمال (قبل القبول) من الآخر (بطل الإيجاب) ؛ لأن القيام دليل الإعراض والرجوع، وتقدم أن له ذلك، وكذلك كل ما يدل على الإعراض من الاشتغال بعمل آخر. فتح:
(وإذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع) وإن لم يقبض (ولا خيار لواحد منهما؛ لأن في الفسخ إبطال حق الآخر؛ فلا يجوز، والحديث محمول على خيار القبول
стр. 229
إلا من عيبٍ أو عدم رؤيةٍ.
والأعواض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع، والأثمار المطلقة لا تصبح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة،
ــ
وفي الحديث إشارة إليه؛ فإنهما متبايعان حقيقة حالة المباشرة لا بعده، وإن احتمله باعتبار ما كان فجعله على حالة مباشرته أولى عملا بالحقيقة؛ والتفريق محمول على تفرق الأقوال (إلا من عيب) أو شرط (أو عدم رؤية) كما يأتي.
(والأعواض المشار إليها) من مبيع أو ثمن (لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع) لنفي الجهالة بالإشارة ما لم يكن ربوبيا قوبل بجنسه (والأثمان المطلقة) : أي غير المشار إليها، بدليل المقابلة (لا يصح) البيع بها (إلا أن تكون معروفة القدر والصفة) ؛ لأن التسليم واجب بالعقد، هذه الجهالة مفضية
стр. 230
ويجوز البيع بثمنٍ حالٍ ومؤجلٍ إذا كان الأجل معلوماً، ومن أطلق الثمن في البيع، كان على غالب نقد البلد، فإن كانت النقود مختلفة فالبيع فاسدٌ، إلا أن يبين أحدها.
ــ
إلى المنازعة، فيمتنع التسليم والتسلم، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز، وهذا هو الأصل. هداية. وهذا حيث اختلف نقد البلد مالية واستوى رواجا، بدليل ما بعده.
(ويجوز البيع بثمن حال) وهو الأصل (ومؤجل، إذا كان الأجل معلوما) لئلا يفضي إلى المنازعة، وهذا إذا بيع بخلاف جنسه ولم يجمعهما قدر؛ لما فيه من ربا النساء كما سيجئ، وابتداء الأجل من وقت التسليم، ولو فيه خيار فمذ سقوطه عنده. خانية: ويبطل الأجل بموت المديون لا الدائن.
(ومن أطلق الثمن في البيع) عن التقييد بالوصف: بأن ذكر القدر دون الصفة (كان) الثمن المقدر محمولا (على غالب نقد البلد) ؛ لأنه المتعارف وفيه التحري للجواز فيصرف إليه. هداية (فإن كانت النقود مختلفة) في النقد والمالية (فالبيع فاسد) للجهالة (إلا أن يبين أحدها) في المجلس؛ لارتفاع الجهالة قبل تقرر الفساد وهذا إذا استوت رواجاً، أما إذا اختلفت في الرواج ولو مع الاختلاف في المالية وذلك كالذهب الغازي والعدلي في زماننا فيصح وينصرف إلى الأروج، وكذا يصح لو استوت ماليه ورواجا، ويخير المشتري بين أن يؤدي أيها شاء، قال في البحر: فلو طلب البائع أحدها للمشتري دفع غيره؛ لأن امتناع البائع من قبول ما دفعه ولا فضل تعنت. اهـ قال شيخنا: يعلم من قولهم "يصح لو استوت ماليه ورواجا" حكم ما تعورف في زماننا من الشراء بالفروش؛ فإنها في حكم المستوية في الماليه، فإن القروش في الأصل قطعه مضروبة من الفضة تقوم بأربعين قطعه من القطع المصرية المسماة في مصر نصفا، ثم أن أنواع العملة المضروبة تقوم القرش، فمنها ما يساوي عشرة، ومنها أقل، ومنها أكثر، وإذا اشترى بمائة قرش فالعادة أنه يدفع ما أراد من القروش أو مما يساويها من بقية أنواع العملة، ولا يفهم أحد أن الشراء وقع بنفس القطعة المسماة قرشا، وقدمنا أن المشتري يخير فيما تساوى ماليه ورواجا
стр. 231
ويجوز بيع الطعام والحبوب مكاملةً ومجازفةً، وبإناءٍ بعينه لا يعرف مقداره وبوزنٍ حجرٍ بعينه لا يعرف مقداره، ومن باع صبرة طعامٍ كل فقيرٍ بدرهمٍ جاز البيع في فقيرٍ واحدٍ عند أبي حنيفة إلا أن يسمى جملة قفزانها، ومن باع قطيع غنمٍ كل شاةٍ بدرهمٍ فالبيع فاسدٌ في جميعها،
ــ
في دفع أيها شاء. ثم قال: في ما إذا اشترى بالقروش المذكورة ثم رخص بعض أنواعها أو كلها واختلفت في الرخص كما وقع ذلك في زماننا مراراً وأكثر السؤال عنه، والذي تحرر أنه يؤمر المشتري بدفع المتوسط رخصا، لحتى لا يلزم الضرر بهما، وهذا إذا رخص الجميع، أما لو بقي منها نوع على حاله فينبغي أن يلزم المشتري بالدفع منه، لأن اختياره دفع غيره يكون تعنتا وقصدا لا ضرار البائع مع إمكان غيره، وتمام ذلك في الرسالة.
(ويجوز بيع الطعام) وهي الحنطة ودقيقها خاصة في العرف الماضي. فتح (و) جميع (الحبوب) كالشعير والذرة ونحوهما (مكاملة) بكيال معروف (ومجازفة) وهي كما في المغرب: البيع والشراء بلا كيل ولا وزن (وإناء بعينه لا يعرف مقداره، وبوزن حجر بعينه لا يعرف مقداره) والظاهر أنه من المجازفة وعطفه عليها لأنه صورة كيل ووزن وليس به حقيقة، وهذا إذا كان بخلاف جنسه ولم يكن رأس مال لشرطية معرفته كما سيجئ (ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز البيع في قفيز واحد عند أبي حنيفة) لتعذر الصرف إلى كلها لجهالة المبيع والثمن، فيصرف إلى الأقل وهو معلوم (إلا أن) تزول الجهالة بأن (يسمى جملة قفزاتها) أو بالكبل في المجلس: ثم إذا جاز في قفيز المشتري الخيار؛ لتفرق الصفقة عليه، وقالا: يجوز في الوجهين، وبه يفتي، شرنبلاليه عن الربهان، وفي النهر عن عيون المذاهب: وبه يفتي تيسيراً، وفي البحر: وظاهر الهداية ترجيح قولهما؛ لتأخير دليلهما كما هو عادته. اهـ. قال شيخنا: لكن رجح في الفتح قوله وقوى دليله على دليلهما، ونقل ترجيحه العلامة قاسم عن الكافي والمحبوبي والنسفي وصدر الشريعة. ولعله من حيث قوة الدليل؛ فلا ينافي ترجيح قولهما من حيث التيسير، ثم رأيته في شرح المتقي أفاد ذلك. اهـ. والفتوى على قوله.
(ومن باع قطيع غنم كل شاة بدرهم فالبيع فاسد في جميعها) وإن علم عددها
стр. 232
وكذلك من باع ثوباً مذارعة كل ذراع بدرهمٍ ولم يسم جملة الذرعان، ومن ابتاع صبرةً على أنها مائة قفيزٍ بمائة درهمٍ فوجدها أقل كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع، وإن وجدها أكثر فالزيادة للبائع، ومن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرعٍ بعشرة دراهم أو أرضاً على أنها مائة ذراع بمائة درهمٍ
ــ
بعد العقد ولو في المجلس على الأصح، سراج عن الحلواني؛ للجهلة وقت العقد؛ وكذا في الواحدة؛ لأن بيع شاة من قطيع لا يصح؛ للتفاوت بين الشياه؛ بخلاف بيع قفيز من صبرة فإنه يصح؛ لعدم التفاوت (وكذلك من باع ثوباً) يضره التبعيض (مذارعة كل ذراع بدرهم ولم يسم جملة الذرعان) وكذلك كل معدود متفاوت كإبل وعبيد ونحوهما (ومن ابتاع) : أي اشترى (صبرة طعام على أنها مائة قفيز بمائة درهم) مثلا (فوجدها أقل) مما سمى له (كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع) لتفرق الصفقة عليه، وكذا كل مكيل وموزون ليس في تبعيضه ضرر (وإن وجدها أكثر من ذلك فالزيادة للبائع) ؛ لأن البيع وقع على مقدار معين (ومن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم) مثلا (أو أرضاً على أنها مائة ذراع بمائة درهم فوجدها أقل) مما سمى له فالمشتري (بالخيار: إن شاء أخذها بجملة الثمن) المسمى (وإن شاء تركها) ، لأن الذرع وصف في الثوب؛ بخلاف الأول فإنه مقدار يقابله الثمن، والوصف لا يقابله شيء من الثمن، إلا أنه يخير لفوات الوصف المذكور (وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه) البائع (فهو) : أي الزائد (للمشتري ولا خيار للبائع) ، لما ذكرنا أنه صفة؛ فكان بمنزلة ما إذا باعه معيبا فإذا هو سليم؛ وهذا حيث لم يكن الذرع مقصودا كما أفاده بقوله: (وإن قال بعتكها) : أي الأرض المتقدم ذكرها (على أنها مائة ذراع بمائة درهم) مثلا
стр. 233
فوجدها أقل فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء تركها، وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري، ولا خيار للبائع، وإن قال بعتكها على أنها مائة ذراع بمائة درهمٍ كل ذراعٍ بدرهمٍ فوجدها ناقصةً فهو بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن وإن شاء تركها، وإن وجدها زائدةً فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الجميع كل ذراعٍ بدرهمٍ، وإن شاء فسخ البيع، ومن باع داراً دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه، ومن باع أرضاً دخل ما فيها وإن لم يسمه، ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية، ومن باع نخلاً أو شجراً فيه ثمرٌ فثمرته للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع،
ــ
(كل ذراع بدرهم فوجدها ناقصة فهو بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن) ؛ لأن الوصف وإن كان تابعا لكنه صار أصلا بانفراده بذكر الثمن؛ فينزل كل ذراع منزلة ثوب؛ وهذا لأنه لو أخذه بكل الثمن لم يكن آخذا كل ذراع بدرهم هداية (وإن شاء تركها) لتفرق الصفقة (وإن وجدها زائدة كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم، وإن شاء فسخ البيع) لدفع ضرر التزام الزائد.
(ومن باع دارا دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه) : أي البناء في عقد البيع لأن اسم الدار يتناول العرصة والبناء في العرف، وهو متصل به اتصال قرار؛ فيدخل تبعا له؛ والأصل في جنس هذا أن كل ما كان اسم المبيع متناولا له عرفا أو كان متصلا به اتصال قرار - وهو ما وضع لا ليفصل - دخل من غير ذكر (ومن باع أرضا) ذات نخل وشجر (دخل ما فيها) من النخل والشجر في البيع أيضاً (وإن لم يسمه) لأنه متصل به اتصال قرار؛ فأشبه البناء، قال قاضيخان: هذا في المثمرة، واختلفوا في غير المثمرة، والصحيح أنها تدخل صغيراً كان أو كبيراً. تصحيح (ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية) ، لأنه متصل بها للفصل؛ وله غاية ينتهي إليها، بخلاف الأول (ومن باع نخلا أو شجراً فيه ثمرة) سواء كان بحال له قيمة أو لا في الصحيح: هداية (فثمرته للبائع) ، لأن الاتصال وإن كان خلقه فهو للقطع لا للبقاء فأشبه الزرع (إلا أن يشترطها) أي الثمرة (المبتاع) : أي المشتري. لأنه حينئذ يكون من المبيع، وعبر هنا بالشرط وثمة بالتسمية إشارة لعدم الفرق بينهما، وأن هذا الشرط غير مفسد
стр. 234
ويقال للبائع: اقطعها وسلم المبيع، ومن باع ثمرةً لم يبد صلاحها أو قد بدا جاز البيع، ووجب على المشتري قطعها في الحال، فإن شرط تركها على النخل فسد البيع، ولا يجوز أن يبيع ثمرةً ويستثني منها أرطالاً معلومةً،
ــ
(ويقال للبائع: اقطعها) : أي الثمرة وإن لم يظهر صلاحها (وسلم المبيع) وكذا إذا كان في الأرض زرع، لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع، لكان عليه تفريغه وتسليمه، كما إذا كان فيه متاع (ومن باع ثمرة) بارزة (لم يبد صلاحها أو قد بدا جاز البيع) ؛ لأنه مال متقوم: إما لكونه منتفعا به في الحال؛ أو في الثاني، وقد قيل: لا يجوز قبل أن يبدو صلاحها، والأول أصح، هداية، وقيدنا الثمرة بكونها بارزة لأن بيعها قبل الظهور لا يصح اتفاقا، ولو برز بعضها دون بعض لا يصح في ظاهر المذهب؛ وصححه السرخسي، وأفتى الحلواني بالجواز لو الخارج أكثر، ويجعل المعدوم تبعا للموجود استحسانا لتعامل الناس للضرورة. زيلعي، وظاهر الفتح الميل إلى هذا؛ وقواه شيخنا (ووجب على المشتري قطعها في الحال) بطلب البائع، تفريغا لملكه، وهذا إذا اشتراها مطلقا، أو بشرط القطع (فإن) كان (شرط تركها على النخل) حتى تتنامى (فسد البيع) . لأنه شرط لا يقتضيه العقد. وهو شغل مال الغير. ولو اشتراها مطلقا وتركها بإذن البائع طلب له الفضل. وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاته. لحصوله بجهة محظورة. هداية (ولا يجوز أن يبيع ثمرة ويستثني منها أرطالا معلومة) ، لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول، بخلاف ما إذا استثنى نخلا معينا، لأن الباقي معلوم بالمشاهدة. هداية، ومشى عليه المختار وبرهان الشريعة وصدر الشريعة، وقال في الاختيار: وهو الصحيح، وقيل: يجوز، وخالفه النسفي تبعا للهداية حيث قال - بعد ذكر ما في الكتاب - قالوا هذه رواية الحسن. وهو قول الطحاوي، أما على ظاهر الرواية فينبغي أن يجوز، لأن الأصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من القعد وبيع قفيز من صبرة جائز، فكذا استثناؤه. اه
стр. 235
ويجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشرها، ومن باع داراً دخل في المبيع مفاتيح أغلافها، وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، وأجرة وزانٍ الثمن على المشتري.
ومن باع سلعةً بثمنٍ قيل للمشتري: ادفع الثمن أولاً،
ــ
تصحيح، قال في الفتح: وعدم الجواز أقيس بمذهب الإمام. اهـ (ويجوز بيع الحنطة) بانفرادها حالة كونها (في سنبلها والباقلاء في قشرها) وكذا الأرز والسمسم ونحوهما، وعلى البائع إخراجه، وللمشتري الخيار. فتح، وهذا إذا باع بخلاف جنسه. وإلا لا، لاحتمال الربا، وإنما بطل بيع ما في تمر وقطن وضرع وما على حنطة من نوى وحب ولبن وتبن لأنه معدوم عرفا.
(ومن باع داراً دخل في البيع مفاتيح أغلاقها) ، لأنه يدخل فيه الأغلاق لأنها مركبة فيها للبقاء والمفتاح يدخل في بيع الغلق، لأنه بمنزلة بعضه، إذ لا ينتفع به بدونه. هداية. (وأجرة الكيال) والوزان والعداد والزراع للمبيع (وناقد الثمن على البائع) أما الكيل والوزن والعدد والذرع فلا بد منه للتسليم، وهو على البائع وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد لأن النقد يكون بعد التسليم وفي رواية ابن سماعه عنه على المشتري، لأنه يحتاج إلى تسليم الجيد المقدر، وهو الجودة تعرف بالنقد كما يعرق القدر بالوزن فيكون عليه. هداية، وفي التصحيح: قال في المحيط: وأجرة الناقد ووزن الثمن على المشتري، وهو الصحيح، وقال قاضيخان: والصحيح أنه يكون على المشتري) لما بينا أنه هو المحتاج إلى تسليم الثمن، وبالوزن يتحقق التسليم. هداية. (ومن باع سلعة) حاضرة غير مشغولة (بثمن) حال (قيل للمشتري: ادفع الثمن أولا) ، لأن حق المشتري تعين في المبيع، فيتقدم دفع الثمن، ليتعين حق البائع بالقبض، لأن الثمن لا يتعين بالتعين قبل القبض، قيدنا السلعة بالحاضرة وغير مشغولة لأنه إذا كانت
стр. 236
فإذا دفع قيل للبائع: سلم المبيع، ومن باع سلعةً بسلعةٍ أو ثمنٍ قيل لهما: سلما معاً.
باب خيار الشرط .
- خيار الشرط جائزٌ في البيع للبائع والمشتري (١) ، ولهما الخيار ثلاثة أيامٍ فما دونها،
ولا يجوز أكثر من ذلك عند أبي حنيفة ﵀،
ــ
غائبة أو مشغولة لا يؤمر بدفع الثمن حتى يحضر السلعة أو يفرغها كما في الفيض، وقيد الثمن بالحال لأنه إذا كان مؤجلا لا يملك البائع منع السلعة لقبضه، لأن ابتداء الأجل من قبض السلعة كما مر (فإذا دفع) المشتري (الثمن قيل للبائع: سلم المبيع) لأنه ملك الثمن بالقبض، فلزمه تسليم المبيع. وإن سلم البائع المبيع قبل قبض الثمن ليس له أن يسترده (ومن باع سلعة بسلعة أو ثمنا بثمن قيل لهما: سلما معاً) ، لاستوائهما في التعيين، ثم التسليم يكون بالتخلية على وجه يتمكن من القبض بلا مانع ولا حائل لأن، التخلية قبض حكما لو مع القدرة عليه بلا كلفة، وتمامه في حاشية شيخنا.
باب خيار الشرط
قدمه على باقي الخيارات لأنه يمنع ابتداء الحكم، وعقبه بخيار الرؤية لأنه يمنع تمامه، وأخر خيار العيب لأنه يمنع اللزوم؛ وتمام الكلام عليه مبين في الدور.
(خيار الشرط جائز) في صلب العقد أو بعده ولو بأيام بحر أما قبله فلا يثبت، تتارخانية (في البيع) أي المبيع كله أو بعضه (للبائع) وحده (والمشتري) وحده (ولهما) معاً، ولغيرهما (والخيار) مدته (ثلاثة أيام فما دونها) وفسد عنه إطلاق أو تأييد، وفي جامع الفتاوى: ولو قال بعت إن رضى فلان جاز إن بين وقت الرضا. اهـ. وبه ظهر جواب حادثة الفتوى، وهي: باع إن رضي شفيعها من غير بيان وقت (ولا يجوز) الخيار (أكثر من ذلك عند أبي حنيفة) لأنه ثبت على خلاف القياس
стр. 237
وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يجوز إذا سمى مدةً معلومةً.
وخيار البائع يمنع خروج المبيع من ملكه، فإن قبضه المشتري فهلك في يده ضمنه بالقيمة، وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع من ملك البائع، إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وعندهما يملكه، فإن هلك في يده هلك بالثمن وكذلك إذا دخله عيبٌ،
ــ
بالنص؛ فيبقى الباقي على الأصل (وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز إذا سمى مدة معلومة) ؛ لأنه شرع للحاجة للتروي ليندفع به الثمن وقد تمس الحاجة إلى الأكثر؛ فصار كالتأجيل في الثمن. قال في التحفة: والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه المحبوبي وصدر الشريعة والنسفي وأبو الفضل الموصلي، ورجحوا دليله، وأجابوا عما يتمسك به لهما. تصح.
(وخيار البائع) ولو مع خيار المشتري (يمنع خروج المبيع من ملكه) اتفاقا (فإن قبضه المشتري فهلك في يده) في مدة الخيار (ضمنه بالقيمة) لو قيميا، وبالمثل لو مثليا؛ لأن البيع ينفسخ بالهلاك لأنه كان موقوفا، ولا نفاذ بدون المحل؛ فبقي مقبوضاً في يده على سوم الشراء، وفيه القيمة في القيمى والمثل في المثلى. فتح. ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع، ولا شيء على المشتري اعتباراً بالمطلق. هداية (وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع من ملك البائع) بالإجماع. جوهرة. إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكه) ؛ لأنه لما خرج من ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك، ولا عهد لنا به في الشرع، ولأبي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه فلة قلنا بأنه يدخل في المبيع في ملكه لاجتمع البدلان في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة، ولا أصل له في الشرع؛ لأن المعاوضة تقتضي المساواة. هداية. قال في التحفة: والصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده برهان الشريعة وصدر الشريعة والنسفي والموصلي. تصحيح (فإن هلك في يده هلك بالثمن) المسمى، لأنه عجز عن رده فلزمه ثمنه (وكذلك إن دخله عيب) لازم؛ سواء كان بفعل المشتري أو أجنبي أو آفة سماوية أو فعل المبيع،
стр. 238
ومن شرط له الخيار فله أن يفسخ في مدة الخيار، وله أن يجيزه، فإن أجازه بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز، إلا أن يكون الآخر حاضراً، وإذا مات من له الخيار بطل خياره، ولم ينتقل إلى ورثته، ومن باع عبداً على أنه خبازٌ أو كاتبٌ فكان بخلاف ذلك
ــ
وأما العيب الغير اللازم كمرض: فإن زال في المدة فهو على خياره، وإلا لزمه العقد، لتعذر الرد. ابن كمال. ولا يخرج شيء من مبيع وثمن عن ملك مالكه إذا كان الخيار لهما اتفاقا، وأيهما فسخ في المدة انفسخ البيع، وأيهما أجاز بطل خياره فقط (ومن شرط له الخيار) من بائع أو مشتر أو أجنبي (فله أن يفسخ في مدة الخيار، وله أن يجيزه) ، لأن هذا فائدة الخيار (فإن أجازه بغير حضرة صاحبه جاز) إجماعاً، لأنه إسقاط لحقه، فلا يتوقف على حضور الآخر، كالطلاق والعتاق، إلا إذا كان الخيار لهما وفسخ أحدهما فليس للآخر الإجازة، لأن المفسوخ لا تلحقه الأجازة (وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضراً) والشرط العلم، وكنى بالحضرة عنه لأنها سببه، حتى لو كان حاضراً ولم يعلم لم يجز، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز وإن لم يكن الآخر حاضراً، قال في التصحيح: ومشى على قولهما النسفي وبرهان الشريعة وصدر الشريعة. اهـ. ولو شرط المشتري أو البائع الخيار لأجنبي صح وثبت للأصيل مع التائب، فإن أجاز أحدهما أو فسخ صح، وإن أجاز أحدهما وعكس الآخر اعتبر الأسبق، لثبوت حكمه قبل المتأخر فلم يعارضه، ولو صدرا معا أو لم يعلم السابق فالفسخ أحق. زيلعي.
(وإذا مات مات من له الخيار بطل خياره) وتم البيع من جهته (ولم ينتقل إلى ورثته) ، لأنه ليس له إلا مشيئة وإرادة، فلا يتصور انتقاله، والإرث فيما يقبل الانتقال، بخلاف خيار العيب، لأن المورث استحق المبيع سليما، فكذا الوارث. فأما نفس الخيار فلا يورث. هداية.
(ومن باع عبداً على أنه خباز أو كاتب فكان بخلاف ذلك) بأن لم يوجد
стр. 239
فالمشتري بالخيار. إن شاء أخذهى بجميع الثمن، وإن شاء ترك،
باب خيار الرؤية .
- ومن اشترى شيئاً لم يره فالبيع جائزٌ، وله الخيار إذا رآه: إن شاء أخذه، وإن شاء رده،
ــ
معه أدنى ما يطلق عليه اسم الكاتب والخباز، فتح (فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذه بجميع الثمن) ، لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن لكونها تابعة في العقد (وإن شاء ترك) ، لفوات الوصف المرغوب فيه المستحق في العقد بالشرط، وفواته يوجب التخيير، لأنه ما رضى به بدونه، وهذا بخلاف شرائه شاة على أنها حامل، أو تحلب كذا رطلا، أو يخبز كذا صاعاً، أو يكتب كذا قدراً، فإنه يفسد البيع، لأنه شرط زيادة مجهولة لعدم العلم بها، فتح. أي: والسابق وصف مرغوب فيه كوصف السلامة، ولذا لو شرط أنها حلوب أو لبون جاز.
باب خيار الرؤية
قدمنا وجه تقديمه على خيار العيب، وهو من إضافة المسبب إلى السبب. (ومن اشترى شيئاً لم يره فالبيع جائز) لكن بشرط الإشارة إليه، أو إلى مكانه، فلو لم يشر لذلك لم يجز بالإجماع، كما في المبسوط، وما في حاشية أخي زاده من أن الأصح لجواز مبنى على ما فهم من إطلاق الكتاب، قال في الفتح: والظاهر أن المراد بالإطلاق ما ذكره شمس الأئمة السرخسي وغيره كصاحب الأسرار والذخيرة من أن الإشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز، حتى لو لم يشر إليه ولا إلى مكانه لا يجوز بالإجماع (١) اهـ. (وله الخيار إذا رآه) وكذا قبل الرؤية في الأصح، بحر، لعدم لزوم البيع (إن شاء أخذه، وإن شاء رده) وإن قال رضيت قبلها، لأن الرضى بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق، وهو غير مؤقت، بل يبقى إلى أن يوجد ما يبطله، ويشترط لفسخه علم البائع
стр. 240
ومن باع مالم يره فلا خيار له، ومن نظر إلى وجه الصبرة أو إلى ظاهر الثوب مطوياً أو إلى وجه الجارية أو إلى وجه الدابة وكفلها، فلا خيار
ــ
(ومن باع مالم يره فلا خيار له) لأنه معلق بالشراء بالنص فلا يثبت لغيره (وإن نظر) قبل الشراء (إلى وجه الصبرة أو إلى ظاهر الثوب مطويا) وكان مما يستدل بظاهره على باطنه، بخلاف ما إذا كان في طيه ما يكون مقصودا كموضع العلم (أو إلى وجه الجارية) لأنه المقصود في الآدمي (أو إلى وجه الدابة وكفلها) لأنهما المقصود في الدواب (فلا خيار له) والأصل في هذا أن رؤية جميع المبيع غير مشروط لتعذره؛ فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود، ولو دخل في المبيع أشياء: فإن كان لا تتفاوت آحاده كالمكيل والموزون - وعلامته: أن يعرض بالنموذج - يكتفى برؤية واحد منها إلا إذا كان الباقي أردأ مما رأى؛ فحينئذ يكون له الخيار. أي خيار العيب، لا خيار الرؤية، وإن كان تتفاوت آحاده كالثياب والدواب فلا بد من رؤية كل واحد. هداية. قال شيخنا: وبقي شيء لم آر من نبه عليه. وهو ما لو كان المبيع أثوابا متعددة وهي من نمط واحد لا يختلف عادة بحيث يباع كل واحد منها بثمن متحد، ويظهر لي أنه يكفي رؤية ثوب منها، إلا إذا ظهر الباقي أردأ وذلك لأنها تباع بالنموذج في عادة التجار؛ فإذا كانت ألوانا مختلفة ينظرون من كل لون إلى ثوب. اهـ. وهذا إذات كان في وعاء واحد، وأما إذا كان
стр. 241
له. وإن رأى صحن الدار فلا خيار له وإن لم يشاهد بيوتها،
وبيع الأعمى وشراؤه جائزٌ، وله الخيار إذا اشترى، ويسقط خياره بأن يجس المبيع إذا كان يعرف بالجس، أو يشمه إذا كان يعرف بالشم، أو يذوقه إذا كان يعرف بالذوق، ولا يسقط خياره في العقار حتى يوصف له،
ــ
في وعاءين أو أكثر ورأى أحدها فمشايخ العراق على أنها كرؤية الكل ومشايخ بلخ على أنه لا بد من رؤية الكل، والصحيح أنه يبطل برؤية البعض كما في الفيض والفتح والبحر وغيرها (وإن رأى صحن الدار) : أي ساحتها (فلا خيار له وإن لم يشاهد بيوتها) . أي داخلها عند أبي حنيفة؛ لأن رؤية ساحتها وظاهر بيوتها يوقع العلم بالداخل؛ لعدم تفاوت البيوت بالمنفعة، وعند زفر لابد من رؤية داخل البيوت، قال أبو نصر الأقطع؛ وهو الصحيح، وفي الجوهرة: وعليه الفتوى: وفي الهداية، والأصح أن جواب الكتاب على وفق عادتهم في الأبنية فإن دورهم لم تكن متفاوتة يومئذ فأما اليوم فلابد من الدخول في داخل الدار للتفاوت والنظر إلى الظاهر لا يوقع العلم بالداخل اهـ ومثله في الفتح وغيره، ونظر وكيله بالقبض والشراء كنظره، بخلاف رسوله. (وبيع الأعمى وشراؤه) ولو لغيره (جائز) لأنه مكلف محتاج (وله الخيار إذا اشترى) ، لأنه اشترى ما لم يره (ويسقط خياره) بما يفيد العلم بالمقصود، وذلك (بأن يجس المبيع إذا كان يعرف بالجس، أو يشمه إذا كان يعرف بالشم، أو يذوقه إذا كان يعرف بالذوق) لأن هذه الأشياء تفيد العلم بالمقصود، فكانت في حقه بمنزلة الرؤية (ولا يسقط خياره في العقار) ونحوه مما لا يدرك بالحواس المذكورة (حتى يوصف له) لأن الوصف يقام مقام الرؤية كما في السلم، قال في التحفة: هذا هو الأصح من الروايات، وقال أبو نصر الأقطع: هذا هو الصحيح من المذهب، تصحيح، وعن أبي يوسف: إذا وقف في مكان لو كان بصيراً لرآه فقال " قد رضيت"
стр. 242
ومن باع ملك غيره بغير أمره فالمالك بالخيار: إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ، وله الإجازة إذا كان المعقود عليه باقياً والمتعاقدان بحالهما، ومن رأى أحد ثوبين فاشتراهما ثم رأى الآخر جاز له أن يردهما،
ــ
يسقط خياره؛ وقال الحسن؛ يوكل وكيلا بقبضه وهو يراه، وهذا أشبه بقول أبي حنيفة، لأن رؤية الوكيل كرؤية الموكل على ما مر آنفا. هداية.
(ومن باع ملك غيره) بغير أمره (فالمالك بالخيار: إن شاء أجاز البيع؛ وإن شاء فسخ؛ و) لكن إنما (له الإجازة إذا كان المعقود عليه باقياً) وكذا المالك والمتعاقدان بحالهما) فإذا حصلت الإجازة مع قيام الأربعة جاز البيع؛ وتكون الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة؛ ويكون البائع كالوكيل، والثمن للمجيز إن كان قائما، وإن ملك في يد البائع ملك أمانة؛ ولكل من المشتري والفضولي أن يفسخ العقد قبل أن يجيز المالك، وإن مات المالك قبل الإجازة تفسخ البيع؛ ولا يجوز بإجازة ورثته. جوهرة.
(ومن رأى أحد ثوبين فاشتراهما ثم رأى الآخر جاز له أن يردهما) معا، لأن رؤية أحدهما لا تكون رؤية الآخر للتفاوت في الثياب، فيبقى الخيار له فيما لم يره، فله رده بحكم الخيار، ولا يتمكن من رده وحده، فيردهما إن شاء كيلا يكون تفريغاً للصفقة على البائع قبل التمام، وهذا لأن الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل القبض وبعده كخيار الشرط، بدليل أن له أن يفسخه بغير قضاء ولا رضاء. فتح
стр. 243
ومن مات وله خيار الرؤية بطل خياره، ومن رأى شيئا ثم اشتراه بعد مدةٍ، فإن كان على الصفة التي رآه فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فله الخيار.
باب حيار العيب .
- إذا اطلع المشتري على عيبٍ في المبيع فهو بالخيار: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده، وليس له
ــ
(ومن مات وله خيار الرؤية بطل خياره) ولم ينتقل إلى ورثته كخيار الشرط كما مر.
(ومن رأى شيئا ثم اشتراه بعد مدة) وهو يعلم أنه مرئيه (فإن كان) باقيا (على الصفقة التي رآه فلا خيار له) ، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة، وبفواته يثبت لخ الخيار، وكذا إذا لم يعلم أنه مرئيه لعدم الرضى به (وإن وجده متميزا فله الخيار) لأنه بالتغير صار كأنه لم يره، وإن اختلفا في التغير فالقول للبائع لأن التغير حادث؛ وسبب اللزوم ظاهر، بخلاف ما إذا اختلفا في الرؤية، لأنها أمر حادث، والمشتري ينكره، فالقول له. هداية.
باب خيار العيب
من إضافة الشيء إلى سببه.
والعيب لغة: ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة مما يعد به ناقصاً فتح. وشرعا: ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجارة، كما يذكره المصنف (إذا اطلع المشتري على عيب في المبيع) كان عند البائع ولم يره المشتري عند البيع ولا عند القبض، لأن ذلك رضى به، هداية (فهو بالخيار: إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء رده) ، لأن مطلق العقد يقتضي وصف السلامة (١) فعند فواته يتخير، كيلا يتضرر بلزوم ما لا يرضى به.
(وليس له
стр. 244
أن يمسكه ويأخذ النقصان، وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيبٌ، والإباق والبول في الفراش والسرقة عيبٌ في الصغير ما لم يبلغ، فإذا بلغ فليس ذلك بعيبٍ، حتى يعاوده بعد البلوغ.
ــ
أن يمسكه ويأخذ النقصان) لما مر أن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، والبائع لم يرض بزواله بأقل من المسمى فيتضرر، ودفع الضرر عن المشتري ممكن بالرد (وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب) ، لأن التضرر بنقصان المالية، وذلك بانتقاص القيمة، والمرجع في معرفته أهله، سواء كان فاحشاً أو يسيراً، بعد أن يكون مما يعده أهل تلك الصناعة عيباً فيه. جوهرة (والإباق) إلى غير سيده الأول (والبول في الفراش والسرقة) من المولى وغيره (عيب في الصغير) المميز الذي ينكر عليه مثل ذلك (ما لم يبلغ) عند المشتري، فإن وجد شيء منها بعد ما بلغ عنده لم يرده، لأنه عيب حدث عنده، لأن هذه الأشياء تختلف صغراً وكبراً (فإذا بلغ فليس ذلك بعيب حتى يعاوده بعد البلوغ) قال في الهداية: ومعناه إذا ظهرت عند البائع في صغره ثم حدثت عند المشتري في صغره يرده، لأنه عين ذلك، وإن حدثت بعد بلوغه لم يرده، لأنه غيره، وهذا لأن سبب هذه الأشياء يختلف بالصغر والكبر، فالبول في الفراش في الصغر لضعف المثانة، وبعد الكبر لداء في البطن؛ وإلا باق في الصغر لحب اللعب والسرقة لقلة المبالاة وهما بعد الكبر لخبث في الباطن. اهـ. قال في الفتح: فإذا اختلف سببها بعد البلوغ وقبله كان الموجود منها بعده غير الموجود منها قبله، وإذا كان غيره فلا يرد به، لأنه عيب حادث عنده، بخلاف ما إذا ظهرت عند البائع والمشتري في الصغر أو ظهرت عندهما بعد البلوغ، فإن له أن يرده بها، وإذا عرف الحكم وجب أن يقرر اللفظ المذكور في المختصر، وهو قوله "فإذا بلغ فليس ذلك" الذي كان قبله عند البائع "بعيب" إذا وجد بعده عند المشتري "حتى يعاوده بعد البلوغ" عند المشتري بعد ما وجد عند البائع، واكتفى بلفظ
стр. 245
والبخر والدفر عيبٌ في الجارية، وليس بعيبٍ في الغلام، إلا أن يكون من داءٍ، والزنا وولد الزنا عيبٌ في الجارية دون الغلام. وإذا حدث عند المشتري عيبٌ ثم اطلع على عيبٍ كان عند البائع فله أن يرجع بنقصان العيب، ولا يرد المبيع إلا أن يرضى البائع أن يأخذه بعيبه، وإن قطع المشتري الثوب فوجد به عيباً رجع بالعيب، وإن خاطه أو صبغه أولت السويق بسمنٍ ثم اطلع على عيبٍ رجع بنقصانه، وليس للبائع أن يأخذه،
ــ
المعاودة لأن المعاودة لا تكون حقيقة إلا إذا اتحد الأمر. اهـ. (والبخر) نتن الفم (والدفر) بالدال المهملة - نتن الإبط وكذا الأنف، در عن البزازية، (عيب في الجارية) مطلقاً، لأن منها قد يكون الاستفراش، وهما يخلان به (وليس بعيب في الغلام) ، لأن المقصود هو الاستخدام، ولا يخلان به (إلا أن يكون من داء) أو يفحش بحيث يمنع القرب من المولى (والزنا وولد الزنا عيب في الجارية) ، لأنه يخل بالمقصود وهو الاستفراش وطلب الولد (دون الغلام) لأنه لا يخل بالمقصود وهو الاستخدام، إلا أن يكون له عادة له، لأنه يخل بالخدمة:
(وإذا حدث عند المشتري عيب) في مشتريه (ثم اطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بنقصان العيب ولا يرد المبيع) لأن في الرد إضراراً بالبائع؛ لأنه خرج من ملكه سالما وصار معيباً؛ فامتنع. ولكن لابد من دفع الضرر عنه؛ فتعين الرجوع بالنقصان (إلا أن يرضى البائع أن يأخذه بعينه) لأنه أسقط حقه (وإن قطع المشتري الثوب فوجد به عيباً رجع بالعيب) لامتناع الرد بالقطع، إلا أن يقبله البائع كذلك كما مر (وإن خاطه أو صبغه) بأي صبغ كان (أولت السويق بسمن ثم اطلع على عيب رجع بنقصانه) لامتناع الرد بالزيادة (وليس للبائع أن يأخذه) ؛ لأنه لا وجه للفسخ بدونها؛ لأنها لا تنفك عنه، ولا معها لحصول الربا
стр. 246
ومن اشترى عبداً فأعتقه أو مات ثم اطلع على عيبٍ رجع بنقصانه فإن قتل المشتري العبد أو كان طعاماً فأكله لم يرجع عليه بشيءٍ في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يرجع.
ــ
لأنها زيادة بلا مقابل، ثم الأصل: أن كل موضع للبائع أخذه معيباً لا يرجع بإخراجه عن ملكه، وإلا رجع. اختيار (ومن اشترى عبداً فأعتقه) مجاناً (أو مات) عنده (ثم اطلع على عيب رجع بنقصانه) أما الموت فلأن الملك ينتهي به، والامتناع منه حكمي لا بفعله، وأما الإعتاق فالقياس فيه أن لا يرجع؛ لأن العتق انتهاء الملك فكان كالموت، وهذا لأن الشيء يتقرر بانتهائه فيجعل كأن الملك باق والرد معتذر. هداية. وقيدنا العتق بكونه مجاناً لأنه لو أعتقه على مال لم يرجع بشيء (فإن قتل المشتري العبد) المشتري (أو كان طعاماً فأكله) أو ثوباً فلبسه حتى تخرق ثم اطلع على عيب (لم يرجع عليه بشيء في قول أبي حنيفة) لتعذر الرد بفعل المضمون منه في المبيع، فأشبه البيع والقتل (وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع) استحساباً، وعليه الفتوى. بحر. ومثله في النهاية، وفي الجوهرة: والخلاف إنما هو في الأكل لا غير، أما القتل فلا خلاف أنه لا يرجع إلا في رواية عن أبي يوسف. اهـ. فإن أكل بعض الطعام ثم علم بالعيب فكذا الجواب عنده، وعندهما يرجع بنقصان العيب في الكل، وعنهما أنه يرد ما بقي ويرجع بنقصان ما أكل، ونقل الروايتين عنهما المصنف في التقريب، ومثله في الهداية، وذكر في شرح الطحاوي أن الأولى قول أبي يوسف، والثانية قول محمد، كما في الفتح. والفتوى على قول محمد كما في البحر عن الاختيار والخلاصة، ومثله في النهاية وغاية البيان والمجتبى والخانية وجامع الفصولين. وإن باع بعض الطعام ففي الذخيرة أن عندهما لا يرد ما بقي ولا يرجع بشيء وعن محمد يرد ما بقي ولا يرجع بنقصان ما باع، كذا في الأصل. اه
стр. 247
ومن باع عبداً فباعه المشتري ثم رد عليه بعيبٍ، فإن قبله بقضاء القاضي فله أن يرده على بائعه، وإن قبله بغير قضاء القاضي فليس له أن يرده.
ومن اشترى عبداً وشرط البراءة من كل عيبٍ فليس له أن يرده بعيبٍ وإن لم يسم العيوب ولم يعدها.
ــ
قال في التصحيح: وكان الفقيه أبو جعفر وأبو الليث يفتيان في هذه المسائل بقول محمد رفقاً بالناس، واختاره الصدر الشهيد اهـ. وفي جامع الفصولين عن الخانية: وعن محمد لا يرجع بنقصان ما باع ويرد الباقي بحصته من الثمن، وعليه الفتوى. اهـ. ومثله الولوالجية والمجتبى والمواهب. والحاصل أن المفتى به أنه لو باع البعض أو أكله يرد الباقي ويرجع بنقصان ما أكل، لا ما باع. فإن قيل: إن المصرح به في المتون أنه لو وجد ببعض المكيل أو الموزون عيباً له رده كله أو أخذه، ومفهومه أنه ليس له رد المعيب وحده. أجيب بأن ذاك حيث كان كله باقيا في ملكه، بقرينة قولهم: " له رده كله" أو هو مبني على قول غير محمد.
(ومن باع عبداً) أو غيره (فباعه المشتري ثم رد عليه بعيب فإن قبله بقضاء القاضي) ببينة أو إباء أو إقرار. هداية (فله) أي البائع الثاني (أن يرده على بائعه) الأول؛ لأنه فسخ من الأصل، فجعل البيع كأن لم يكن (وإن قبله بغير قضاء القاضي فليس له أن يرده) لأنه بيع جديد في حق ثالث، وإن كان فسخاً في حقهما، والأول ثالثهما. هداية.
(ومن اشترى عبداً) مثلا (وشرط البراءة من كل عيب فليس له أن يرده بعيب) مطلقاً، موجود وقت العقد أو حادث قبل القبض (وإن لم يسم العيوب ولم يعدها) ، لأن البراءة عن الحقوق المجهولة صحيحة لعدم إفضائها إلى المنازعة
стр. 248
باب البيع الفاسد .
- إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً فالبيع فاسدٌ، كالبيع بالميتة أو بالدم أو بالخمر أو بالخنزير، وكذلك إذا كان غير مملوكٍ كالحر؛ وبيع أم الولد والمدبر والمكاتب فاسدٌ.
ــ
باب البيع الفاسد
المراد بالفاسد الممنوع، مجازاً عرفيا؛ فيعم الباطل والمكروه، وقد يذكر فيه بعض الصيح تبعا. در.
ثم هذا الباب يشتمل على ثلاثة أنواع: باطل، وفاسد، ومكروه؛ فالباطل؛ مالا يكون مشروعا بأصله ووصفه، والفاسد: ما يكون مشروعا بأصله دون وصفه والمكروه: مشروع بأصله ووصفه، لكن جاوره شيء آخر منهي عنه. وقد يطلق المصنف الفاسد على الباطل؛ لأنه أعم؛ إذ كل باطل فاسد، ولا عكس، ومنه قوله: (إذا كان أحد العوضين) : أي المبيع أو الثمن (أو كلاهما محرما) الانتفاع به (فالبيع فاسد) : أي باطل، وذلك (كالبيع بالميتة أو بالدم أو بالخمر أو بالخنزير) قال في الهداية: هذه فصول جمعها أي في حكم واحد - وهو الفساد - وفيها تفصيل نبينه إن شاء الله فنقول: البيع بالميتة والدم باطل؛ لانعدام ركن البيع وهو مبادلة المال بالمال؛ فإن هذه الأشياء لا تعد مالا عند أحد، والبيع بالخمر والخنزير فاسد: لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال عند البعض. اهـ (وكذلك إذا كان) أحد العوضين أو كلاهما (غير مملوك) لأحد (كالحر) فالبيع باطل (وبيع أم الولد والمدبر) المطلق (والمكاتب فاسد) : أي باطل؛ لأن استحقاق الحرية بالعتق ثابت لكل منهم بجهة لازمة على المولى. فتح. قال في الهداية: ولو رضي المكاتب بالبيع ففيه
стр. 249
ولا يجوز بيع السمك في الماء، ولا بيع الطير في الهواء؛ ولا يجوز بيع الحمل ولا النتاج، ولا بيع اللبن في الضرع والصوف على ظهر الغنم، وذراعٍ من ثوبٍ، وجذعٍ في سقفٍ، وضربة الغائص، وبيع المزابنة وهو بيع الثمر
ــ
روايتان، والأظهر الجواز. اهـ. أي إذا بيع برضاه لتضمن رضاه فسخ الكتابة قبل العقد، بخلاف إجازته بعد العقد. جوهرة.
(ولا يجوز) : أي لا يصح (بيع السمك في الماء) قبل صيده؛ لأنه بيع ما ليس عنده، أو بعده صيده ثم ألقي فيه ولا يؤخذ منه إلا بحيلة؛ للعجز عن التسليم، وإن أخذ بدونها صح وله الخيار: لتفاوتها في الماء وخارجه (ولا بيع الطير في الهواء) قبل صيده أو بعده ولا يرجع بعد إرساله؛ لما تقدم (١) ، وإن كان يطير ويرجع صح وقيل: لا. (ولا يجوز بيع الحمل) : أي الجنين في بطن المرأة (ولا النتاج) أي نتاج الجمل، وهو حبل الحبلة وجزم في البحر ببطلانه؛ لعدم تحقق وجوده (٢) ، (ولا بيع اللبن في الضرع) وهو الذات الظلف والخف كالثدي للمرأة؛ للغرر؛ فعساه انتفاخ. ولأنه ينازع في كيفية الحلب، وربما يزداد فيختلط المبيع بغيره (و) لا (الصوف على ظهر الغنم) ؛ لأن موضع القطع منه غير متعين فيقع التنازع في موضع القطع، ولو سلم البائع اللبن أو الصوف بعد العقد لا يجوز ولا ينقلب صحيحاً (٣) . جوهرة. (و) لا بيع ذراع من ثوب) يضره التبعيض (وجذع) معين (في سقف) لأنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر؛ فلو قطع الذراع من الثوب أو قلع الجذع من السقف وسلم قبل فسخ المشتري عاد صحيحا، ولو لم يضره القطع كذراع من ثوب كرباس أو دراهم معينة من نقرة فضة جاز لانتفاء المانع؛ لأنه لا ضرر في تبعيضه، وقيدنا الجذع بالمعين لأن غير المعين لا ينقلب صحيحاً وإن قلعه وسلمه للجهالة (و) لا (ضربة القانص) وهو ما يخرج من الصيد بضرب الشبك؛ لأنه مجهول (و) لا (بيع المزابنة وهو بيع الثمر) بالمثلثة - لأن ما على رءوس النخل لا يسمى تمراً بل رطبا ولا يسمى تمراً
стр. 250
على رءوس النخل بخرصه تمراً، ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر والملامسة، ولا يجوز بيع ثوبٍ من ثوبين.
ومن باع عبداً على أن يعتقه المشتري، أو يدبره أو يكاتبه، أو باع أمةً على أن يستولدها فالبيع فاسدٌ،
ــ
إلا المجذوذ بعد الجفاف (على النخل بخرصه) : أي مقداره حزراً وتخميناً (تمراً) لنهيه ﷺ عن المزابنة والمحاقلة؛ فالمزابنة ما ذكرناه، والمحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً؛ ولأنه باع مكيلا بمكيل من جنسه؛ فلا يجوز بطريق الخرص، كما إذا كانا موضوعين على الأرض، وكذا العنب بالزبيب على هذا. هداية (ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر) من المشتري على السلعة المساومة (والملامسة) لها منه أيضاً، والمنابذة لها من البائع: أي طرحها للمشتري، وهذه بيوع كانت في الجاهلية، وهو أن يتراوض الرجلان على سلعة: أي يتساومان، فإذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع أو وضع عليه المشتري حصاة لزم البيع، فالأول بيع الملامسة، والثاني المنابذة، والثالث إلقاء الحجر. وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الملامسة والمنابذة، ولأن فيه تعليقاً بالخطر. هداية. أي لأنه بمنزلة ما إذا قال: أي ثوب لمسته أو ألقيته عليه حجراً أو نبذته لك فقد بعته، فأشبه القمار (ولا يجوز بيع ثوب من ثوبين) لجهالة المبيع، ولو قال على أنه بالخيار في أن يأخذ أيهما شاء، جاز البيع استحساناً. هداية.
(ومن باع عبداً على أن يعتقه المشتري أو يدبره أو يكاتبه) أو لا يخرجه من ملكه (أو باع أمة على أن يستولدها فالبيع فاسد) لأن هذا بيع وشرط، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط، ثم جملة المذهب فيه أن يقال: كل شرط يقتضيه العقد كشرط الملك للمشتري لا يفسد العقد؛ لثبوته بدون الشرط، وكل شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق يفسده، كشرط أن لا يبيع المشتري العبد المبيع لأن فيه زيادة عارية عن العوض؛ فيؤدي إلى الربا، أو لأنه يقع بسببه المنازعة