إلا أن يقع في داره حريقٌ فيسلمها إلى جاره، أو يكون في سفينةٍ يخاف الغرق فيلقيها إلى سفينةٍ أخرى، وإن خلطها المودع بماله حتى لا تتميز ضمنها، فإن طلبها صاحبها فحبسها عنه وهو يقدر على تسليمها ضمنها، وإن اختلطت بماله من غير فعله
ــ
لا يتضمن مثله كالوكيل لا يوكل غيره (إلا أن يقع في داره حريق فيسلمها إلى جاره، أو يكون) المودع (في سفينة) وهاجت الريح، وصار بحيث (يخاف الغرق، فيلقيها إلى سفينة أخرى) ؛ لأنه تعين طريقا للحفظ في هذه الحالة فيرتضيها المالك، ولا يصدق على ذلك إلا ببينة، لأنه يدعي ضرورة مسقطة للضمان بعد تحقق السبب، فصار كما لو ادعى الإذن في الإيداع، هداية. قال في المنتقى: هذا إذا لم يكن الحريق عاماً مشهوراً عند الناس، حتى لو كان مشهوراً لا يحتاج إلى البينة، اهـ (وإن خلطها المودع بماله حتى) صارت بحيث (لا تتميز ضمنها) ولا سبيل للمودع عليها عند أبي حنيفة؛ لاستهلاكها من كل وجه؛ لتعذر الوصول إلى عين حقه، وقالا: إذا خلطها بجنسها شركه إن شاء؛ لأنه وإن لم يمكنه الوصول إلى عين حقه صورة يمكنه معنى بالقسمة، فكان استهلاكا من وجه دون وجه، فيميل إلى أيهما شاء. هداية. قال في التصحيح: واختار قول الإمام المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة (فإن طلبها صاحبها) بنفسه أو وكيله (فحبسها عنه وهو يقدر على تسليمها) ثم هلكت (ضمنها) لتعديه بالمنع فيصير غاصباً. قيد بكونه قادراً على تسليمها لأنه لو حبسها عجزاً أو خوفا على نفسه أو ماله لم يضمن، وفي القهستاني عن المحيط: لو طلبها فقال "لم أقدر أن أحضرها تلك الساعة" فتركها فهلكت لم يضمن، لأنه بالترك صار مودعا ابتداء، ولو طلبها فقال "اطلبها غدا" فلما كان الغد قال "هلكت" لم يضمن ولو قال في السر "من أخبرك بعلامة كذا فادفعها إليه" ثم جاء رجل بتلك العلامة ولم يدفعها إليه حتى هلكت لم يضمن، اهـ (وإن اختلطت) الوديعة (بماله من غير فعله)
стр. 422
فهو شريكٌ لصاحبها، وإن أنفق المودع بعضها ثم رد مثله فخلطه بالباقي ضمن الجميع، وإذا تعدى المودع في الوديعة - بأن كانت دابةً فركبها أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره - ثم أزال التعدي وردها إلى يده زال الضمان، فإن طلبها صاحبها فحجدها إياه فهلكت ضمنها، فإن عاد إلى الاعتراف لم يبرأ من الضمان.
وللمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حملٌ ومؤنةٌ،
ــ
كأن انشق الظرفان وانصب أحدهما على الآخر (فهو) : أي المودع (شريك لصاحبها) اتفاقا؛ لاختلاطها من غير جناية (وإن أنفق المودع بعضها) أي الوديعة (ثم رد مثله) أي مثل ما أنفقه (فخلطه) : أي المردود (بالباقي) ثم هلكت (ضمن الجميع) أي جميع الوديعة، من الذي كان بقي منها والذي رده إليها عوضاً عما أنفقه؛ لخلطه الوديعة بماله فيكون استهلاكا على الوجه الذي تقدم (وإذا تعدى المودع في الوديعة - بأن كانت دابة فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو عبدا فاستخدمه، أو أودعها عند غيره) ممن ليس في عياله (ثم أزال التعدي وردها إلى يده زال الضمان) لزوال سببه - وهو التعدي - وبقاء الأمر بالحفظ، فكانت يده كيد المالك حكما؛ لأنه عاملٌ له بالحفظ، فبإزالة التعدي ارتدت إلى يد صاحبها حكما (فإن طلبها صاحبها فجحدها إياه) فهلكت (ضمنها) ؛ لأنه لما طالبه بالرد فقد عزله عن الحفظ، فيبقى بعده بالإمساك غاصباً، فيضمن (فإن عاد) بعد جحوده (إلى الاعتراف) بها (لم يبرأ من الضمان) ؛ لارتفاع العقد، لأن المطالبة بالرد رفع من جهة المالك، والجحود فسخ من جهة المودع، فتم رفع العقد منهما، وإذا ارتفع لا يعود إلا بالتجديد، فلم يوجد الرد إلى نائبه، بخلاف المخالفة، ثم العود إلى الوفاق لبقاء الأمر؛ فكان الرد إلى نائبه كما ي الهداية.
(وللمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حمل) أي ثقل (ومؤنة) أي أجرة عند أبي حنيفة، لإطلاق الأمر، وقالا: ليس له ذلك إذا كان له حمل ومؤنة،
стр. 423
وإن أودع رجلان عند رجل وديعةً ثم حضر أحدهما فطلب نصيبه منها لم يدفع إليه شيئاً حتى يحضر الآخر، عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يدفع إليه نصيبه.
وإن أودع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يقسم لم يجز أن يدفعه أحدهما إلى الآخر ولكنهما يقتسمانه فيحفظ كل واحدٍ منهما نصفه، وإن كان مما لا يقسم جاز أن يحفظه أحدهما بإذن الآخر.
ــ
لأن المالك تلزمه مؤنة الرد في ذلك، فالظاهر أنه لا يرضى به فيتقيد، وظاهر الهداية ترجيح قولهما بتأخير دليلهما.
(وإن أودع رجلان عند رجل) وديعة من ذوات الأمثال (ثم حضر أحدهما) دون صاحبه (فطلب نصيبه منها لم يدفع إليه) : أي إلى الحاضر (شيئا) منها (حتى يحضر) صاحبه (الآخر عند أبي حنيفة) ، لأنه يطالبه بمفرزٍ، وحقه في مشاع ولا يفرز إلا بالقسمة، وليس للمودع ولايتها (وقالا: يدفع إليه نصيبه) ؛ لأنه يطالبه بدفع نصيبه الذي سلمه إليه، قال في التصحيح: واعتمد قول الإمام المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة اهـ. قيدنا بذوات الأمثال لأنها لو كانت من القيميات لا يدفع إليه اتفاقا، على الصحيح، كما في الهداية والفيض.
(وإن أودع رجل عند رجلين شيئاً مما يقسم) مثليا كان أو قيميا (لم يجز أن يدفعه أحدهما إلى الآخر) ، لأن المالك لم يرض بحفظ أحدهما لكله (ولكنهما يقتسمانه فيحفظ كل واحد منهما نصفه) ، لأنه لما أودعهما مع علمه أنهما لا يقدران على ترك أعمالهما واجتماعهما أبداً في مكان واحد للحفظ كان راضياً بقسمتها وحفظ كل واحد للنصف دلالةً، والثابت دلالةً كالثابت بالنص (وإن كان مما لا يقسم جاز أن يحفظه أحدهما بإذن الآخر) ، لأن المالك يرضى بيد كل منهما على كله، لعلمه أنهما لا يجتمعان عليه أبداً
стр. 424
وإذا قال صاحب الوديعة للمودع "لا تسلمها إلى زوجتك" فسلمها إليها لم يضمن. وإن قال له "احفظها في هذا البيت" فحفظها في بيتٍ آخر من الدار لم يضمن، وإن حفظها في دارٍ أخرى ضمن.
كتاب العارية .
- العارية جائزةٌ
ــ
(وإذا قال صاحب الوديعة للمودع لا تسلمها إلى زوجتك فسلمها) المودع (إليها) أي إلى زوجته وهلكت (لم يضمن) ؛ لأنه لا يجد بداً من ذلك، فإنه إذا خرج كان البيت وما فيه مسلما إليها، فلا يمكنه إقامة العمل مع مراعاة هذا الشرط وإن كان مفيداً، لكن في شرح الإسبيجاني: وهذا إذا كان لا يجد بدا من ذلك، لأن الشرط - وإن كان مفيداً - لكن العمل به غير ممكن، أما إذا كان يجد بداً منه يلزمه مراعاة شرطه بقدر الإمكان، لتمكنه من حفظها على الوجه المأمور به. فإذا خالف ضمن، اهـ ملخصاً (وإن قال له: احفظها في هذا البيت) لبيت معين من الدار (فحفظها في بيت آخر من) تلك (الدار) وهلكت (لم يضمن) ، لأن الشرط غير مفيد، فإن البيتين في دار واحدةٍ لا يتفاوتان في الحرز (وإن حفظها في) بيت من (دار أخرى ضمن) ، لأن الدارين يتفاوتان في الحرز، فكان مفيداً، فيصح التقييد، ولو كان التفاوت بين البيتين ظاهراً - بأن كانت الدار التي فيها البيتان عظيمة، وللبيت الذي نهاه عن الحفظ فيه عورة ظاهرة - صح الشرط. هداية.
كتاب العارية
مناسبتها للوديعة ظاهرة، من حيث اشتراكهما في الأمانة.
(العارية) بالتشديد، وتخفف (جائزة) ، لأنها نوع إحسان، وقد استعار النبي ﷺ دروعا من صفوان. (١) هداية.
стр. 425
وهي: تمليك المنافع بغير عوضٍ، وتصح بقوله: أعرتك، وأطعمتك هذه الأرض
ــ
(وهي) لغة: إعارة الشيء كما في القاموس، وشرعا: تمليك المنافع بغير عوض، أفاد (١) بالتمليك لزوم الإيجاب والقبول ولو فعلا (وتصح بقوله: أعرتك،) لأنه صريح فيها (وأطعمتك هذه الأرض) أي غلتها، لأن الأرض لا تطعم،
стр. 426
ومنحتك هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يرد به الهبة، وأخدمتك هذا العبد، وداري لك سكنى، وداري لك عمرى سكنى، وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء.
والعارية أمانةٌ: إن هلكت من غير تعد لم يضمن شيئاً.
وليس للمستعير أن يؤاجر ملا استعاره ولا أن يرهنه، وله أن يعيره إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل،
ــ
فينصرف إلى ما يؤخذ منها، على سبيل المجاز، من إطلاق اسم المحل على الحال.
(ومنحتك) : أي أعطيتك (هذا الثوب) أو هذا العبد (وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يرد به) أي بقوله أعطيتك وحملتك (الهبة) لأن اللفظ صالح لتمليك العين والمنفعة، والمنفعة أدنى؛ فيحمل عليها عند عدم النية (وأخدمتك هذا العبد) ، لأنه إذن له في الاستخدام (وداري لك سكنى) ، لأن معناه سكناها لك (وداري لك عمرى سكنى) ، لأن اللام وإن كان للتمليك لكن لما أردفه بالتمييز بلفظ السكنى المحكم في إرادة المنفعة الصرف عنه إفادة الملك.
(وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء) لأنها عقد تبرع.
(والعارية) : أي حكمها أنها (أمانة) في يد المستعير: (إن هلكت من غير تعد لم يضمن) ولو بشرط الضمان، قهستاني.
(وليس للمستعير أن يؤاجر ما استعاره، ولا أن يرهنه) ، لأن الشيء لا يتضمن ما فوقه (وله أن يعيره إن كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل) لأنه ملك المنافع ومن ملك شيئاً جاز له أن يملكه على حسب ما ملك، ولذا شرط أن لا يختلف باختلاف المستعمل، فلو كان يختلف باختلاف المستعمل لا يجوز له ذلك، لأنه رضي باستعماله لا باستعمال غيره، قال في الهداية: وهذا إذا كانت الإعارة مطلقة، وهي على أربعة أوجه: أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع، وللمستعير فيه
стр. 427
وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون قرض.
وإذا استعار أرضاً ليبني فيها أو يغرس نخلاً جاز، وللمعير أن يرجع فيها ويكلفه قلع البناء والغرس، فإن لم يكن وقت العارية فلا ضمان عليه، وإن كان وقت العارية فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقص البناء والغرس بالقلع،
ــ
أن ينتفع به في أي نوع شاء، وفي أي وقت شاء، عملا بالإطلاق، والثاني أن تكون مقيدة فيهما، وليس له أن يجاوز ما سماه، عملا بالتقييد، إلا إذا كان خلافا إلى مثل ذلك أو خير منه، والثالث: أن تكون مقيدة في حق الوقت مطلقة في حق الانتفاع، والرابع عكسه، وليس له أن يتعدى ما سماه. اهـ.
(وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون) والمعدود المتقارب عند الإطلاق (قرض) ، لأن الإعارة تمليك المنافع، ولا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها، فاقتضى تمليك العين ضرورة، وذلك بالهبة أو القرض، والقرض أدناهما فيثبت، ولأن من قضية الإعارة الانتفاع ورد العين فأقيم رد المثل مقامه، هداية. وإنما قلت "عند الإطلاق" لأنه لو عين الجهة - بأن استعار دراهم ليعاير بها ميزاناً أو يزين بها دكاناً - لم يكن قرضاً، ولا يكون له إلا المنفعة المسماة، كما في الهداية.
(وإذا استعار أرضاً ليبني فيها أو يغرس نخلا جاز) لأنها نوع منفعة كالسكنى تملك بالإجارة فكذا بالإعارة (وللمعير أن يرجع فيها متى شاء) ، لما مر أنها عقد غير لازم (ويكلفه قلع البناء والغرس) لشغله أرضه فيكلفه تفريغها، وهذا حيث لم يكن في القلع مضرة بالأرض، وإلا فيتركان بالقيمة مقلوعين، لئلا تتلف أرضه (فإن لم يكن وقت العارية فلا ضمان عليه) أي على المعير فيما نقص البناء والغرس بالقلع، لأن المستعير مغتر غير مغرور، حيث اعتمد إطلاق العقد، من غير أن يسبق منه الوعد، هداية (وإن كان وقت العارية) بوقت (فرجع قبل الوقت ضمن المعير) للمستعير (ما نقص البناء والغرس) ، لأنه مغرور من جهته حيث وقت له، والظاهر هو الوفاء بالعهد، فيرجع دفعاً للضرر، هداية. ثم قال: وذكر
стр. 428
وأجرة رد العارية على المستعير، وأجرة رد العين المستأجرة على المؤجر، وأجرة رد العين المغصوبة على الغاصب.
وإذا استعار دابةً فردها إلى إصطبل مالكها لم يضمن، وإن استعار عيناً فردها إلى دار مالكها ولم يسلمها إليه ضمن، وإن رد الوديعة إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن.
ــ
الحاكم الشهيد أنه يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه وبنائه، ويكونان له إلا أن يشاء المستعير أن يرفعهما ولا يضمنه قيمتهما فيكون له ذلك لأنه ملكه، قالوا: إذا كان بالقلع ضرر بالأرض فالخيار إلى رب الأرض، لأنه صاحب أصل، والمستعير صاحب تبع، والترجيح بالأصل، اهـ. قيد بالبناء والغرس لأنه لو استعارها ليزرعها لم تؤخذ منه حتى يحصد الزرع، سواء وقت أم لا، لأن له نهاية معلومة فيترك بأجر المثل مراعاة للحقين، كما في الهداية وغيرها.
(وأجرة رد العارية على المستعير) ، لأن الرد واجب عليه، لأنه قبضها لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد فتكون عليه (وأجرة رد العين المستأجرة على المؤجر) لأن الواجب على المستأجر التمكين والتخلية دون الرد (وأجرة رد العين المغصوبة على الغاصب) ، لأن الرد واجب عليه دفعاً للضرر عن المالك، فتكون مؤنته عليه (وإذا استعار دابة فردها إلى إصطبل مالكها) فهلكت (لم يضمن) وهذا استحسان، لأنه أتى بالتسليم المعتاد المتعارف، لأنه لو ردها إلى المالك لردها إلى المربط كما في الهداية (وإن استعار عينا) نفيسة (فردها إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن) قال في الجوهرة: وفي نسخة "لم يضمن" وكذا هو في شرحه، غير أنه بعد ذلك أشار إلى أنه في آلات المنزل، اهـ. أي: بخلاف الأعيان النفيسة فلا ترد إلا إلى المعير، وتمامه في الهداية (وإن رد الوديعة) أو العين المغصوبة (إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن) لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله، وذلك بالرد
стр. 429
كتاب اللقيط .
- اللقيط: حر مسلمٌ، ونفقته من بيت المال.
فإن التقطه رجلٌ لم يكن لغيره أن يأخذه من يده، فإن ادعى مدعٍ أنه ابنه فالقول قوله، وإن ادعاه اثنان ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به.
ــ
إلى المالك دون غيره، والوديعة لا يرضى المالك بالرد إلى الدار، ولا إلى يد من في العيال، لأنه لو ارتضاه لما أودعها، هداية.
كتاب اللقيط
مناسبته للوديعة من حيث لزوم الحفظ في كل منهما.
(اللقيط) لغة: ما يلقط، أي يرفع من الأرض، فقيل بمعنى مفعول، ثم غلب على الصبي المنبوذ، باعتبار مآله لأنه يلقط، وشرعا: مولود طرحه أهله خوفا من العيلة وفراراً من التهمة، وهو (حر مسلم) تبعا للدار (ونفقته من بيت المال) ، لأنه مسلم عاجز عن التكسب ولا مال له ولا قرابة، ولأن ميراثه لبيت المال، والخراج بالضمان، والملتقط متبرع في الإنفاق عليه لعدم الولاية، إلا أن يأمره القاضي به؛ ليكون دينا عليه، لعموم ولايته.
(فإن التقطه) ملتقط (رجل) أو امرأة (لم يكن لغيره أن يأخذه من يده) لثبوت حق الحفظ له بسبق يده (فإن ادعى مدع) مسلم أو ذمي (أنه ابنه فالقول قوله) استحسانا؛ لأنه إقرار له بما ينفعه؛ لأنه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه، وهذا إذا لم يدع الملتقط نسبه، وإلا فهو أولى من الخارج ولو ذميا مع مسلم (وإن ادعاه اثنان ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به) ؛ لأن الظاهر شاهد له لموافقة العلامة كلامه، وإن لم يصف أحدهما علامة فهو ابنهما؛ لاستوائهما في السبب، وإن سبقت دعوى أحدهما فهو ابنه، لأنه ثبت حقه في زمان لا ينازع فيه، إلا إذا أقام الآخر البينة، لأن البينة أقوى، هداية
стр. 430
وإن وجد في مصرٍ من أمصار المسلمين أو في قريةٍ من قراهم فادعى ذميٌ أنه ابنه ثبت نسبه منه وكان مسلماً، وإن وجد في قريةٍ من قرى أهل الذمة أو في بيعةٍ أو كنيسةٍ كان ذمياً.
ومن ادعى أن اللقيط عبده لم يقبل منه، فإن ادعى عبدٌ أنه ابنه ثبت نسبه منه، وكان حراً.
وإن وجد مع اللقيط مالٌ مشدودٌ عليه فهو له.
ــ
(وإذا وجد) اللقيط (في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم) : أي قرى المسلمين (فادعى ذمي أنه ابنه ثبت نسبه منه وكان مسلماً) تبعاً للدار، وهذا استحسان، لأن دعواه تضمن النسب وإبطال الإسلام الثابت بالدار، والأول نافع للصغير، والثاني ضار، فصحت دعواه فيما ينفعه دون ما يضره (وإن وجد) اللقيط (في قرية من قرى أهل الذمة أو في بيعة) بالكسر - معبد اليهود (أو كنيسة) معبد النصارى (كان ذمياً) وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذميا رواية واحدة، قال في الدر: والمسألة رباعية، لأنه إما أن يجده مسلم في مكاننا فمسلم، أو كافر في مكانهم فكافر، أو كافر في مكاننا أو عكسه فظاهر الرواية اعتبار المكان لسبقه، اهـ اختيار.
(ومن ادعى أن اللقيط عبده لم يقبل منه) إلا بالبينة؛ لأنه حر ظاهراً (فإن ادعى عبد أنه ابنه ثبت نسبه منه) ، لأنه ينفعه (وكان حرا) لأن المملوك قد تلد له الحرة، فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك، والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد، والمسلم من الذمي؛ ترجيحاً لما هو الأنظر في حقه. هداية.
(وإن وجد مع اللقيط مال مشدود عليه فهو له) اعتباراً للظاهر، وكذا إذا كان مشدوداً على دابة هو عليها لما ذكرنا، ثم يصرفه الواجد له بأمر القاضي، لأنه مال ضائع وللقاضي ولاية صرف مثله إليه، وقيل: يصرفه بغير أمر القاضي، لأنه اللقيط ظاهراً، وله ولاية الإنفاق وشراء مالا بد منه كالطعام والكسوة لأنه من الإنفاق، هداية
стр. 431
ولا يجوز تزويج الملتقط ولا تصرفه في مال اللقيط، ويجوز أن يقبض له الهبة ويسلمه في صناعةٍ ويؤاجره.
كتاب اللقطة .
- اللقطة: أمانةٌ، إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها،
ــ
(ولا يجوز تزويج الملتقط) ؛ لانعدام سبب الولاية (ولا تصرفه في مال اللقيط) لأجل تنميته؛ لأن ولايته ضعيفة بمنزلة ولاية الأم (ويجوز أن يقبض له الهبة) لأنه نفع محض، ولهذا يملكه الصغير بنفسه إذا كان عاقلا، وتملكه الأم ووصيها، هداية (ويسلمه في صناعة) ؛ لأنه من باب تأديبه وحفظ حاله (ويؤاجره) قال في الهداية: وفي الجامع الصغير: لا يجوز أن يؤاجره، ذكره في الكراهية، وهو الأصح اهـ، وفي التصحيح: قال المحبوبي: لا يملك إيجاره في الأصح، ومشى عليه النسفي وصدر الشريعة.
كتاب اللقطة
مناسبتها للقيط ظاهرة؛ لوجود معنى اللقطة فيهما، إلا أن اللقيط اختص بالآدمي، واللقطة بالمال.
(اللقطة) بفتح القاف وتسكن - اسم للمال الملتقط، وهي (أمانة) في يد الملتقط (إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها) ويكفيه أن يقول: من سمعتموه ينشد ضالةً فدلوه علي، قال في الهداية: لأن الأخذ لى هذا الوجه مأذون فيه شرعا، بل هو الأفضل عند عامة العلماء، وهو الواجب إذا خاف الضياع على ما قالوا، وإذا كان كذلك لا تكون مضمونة عليه، وكذلك إذا تصادقا أنه أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما حجة في حقهما، وصار كالبينة، ولو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالإجماع، وإن لم يشهد وقال "أخذتها للمالك" وكذبه المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد؛ وقال أبو يوسف: لا يضمن والقول قوله، اهـ. باختصار، وفي التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده البرهاني والنسفي وصدر الشريعة، اه
стр. 432
فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أياماً، وإن كانت عشرةً فصاعداً عرفها حولاً، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها، فإن جاء صاحبها فهو بالخيار: إن شاء أمضى الصدقة، وإن شاء ضمن الملتقط،
ــ
(فإن كانت) اللقطة (أقل من عشرة دراهم عرفها) : أي نادى عليها حيث وجدها، وفي المجامع (أياما) على حسب رأى الملتقط، بحيث يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعدها (وإن كانت عشرة فصاعداً عرفها حولا) قال في الهداية: وهذه رواية عن أبي حنيفة، وقدر محمد في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، ثم قال: وقيل: الصحيح أن شيئا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأى الملتقط، يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، اهـ. ومثله في شرح الأقطع قائلا: وهذا اختيار شمس الأئمة، وفي الينابيع: وعليه الفتوى، ومثله في الجواهر ومختارات النوازل والمضمرات كما في التصحيح. وإن كانت اللقطة شيئاً لا يبقى عرفه إلى أن يخاف عليه الفساد، وإن كانت شيئاً يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنورة وقشور الرمان جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه مبقي على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح، كذا في الهداية، وفي الجوهرة: قال بعض المشايخ: التقاط السنابل في أيام الحصاد إن كان قليلا يغلب على الظن أنه لا يشق على صاحبه لا بأس بأخذه من غير تعريف، وإلا فلا. اهـ.
(فإن جاء صاحبها) ردها إليه (وإلا تصدق بها) على الفقراء (فإن جاء صاحبها) بعد التصدق بها (فهو بالخيار: إن شاء أمضى الصدقة) وله ثوابها، وتصير إجازته اللاحقة بمنزلة الإذن السابق (وإن شاء ضمن الملتقط) ؛ لأنه سلم ماله إلى غيره بغير إذنه، وإن شاء ضمن المسكين إن هلك في يده؛ لأنه قبض ماله بغير إذنه، وإن كان قائماً أخذه؛ لأنه وجد عين ماله كما في الهداية، وأيهما ضمن لا يرجع به على الآخر
стр. 433
ويجوز الالتقاط في الشاة والبقرة والبعير.
فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرعٌ، وإن أنفق بأمره كان ذلك ديناً على مالكها.
وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه، فإن كان للبهيمة منفعةٌ آجرها وأنفق عليها من أجرتها، وإن لم يكن لها منفعةٌ وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمره بحفظ ثمنها، وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن له في
ــ
(ويجوز الالتقاط في الشاة) اتفاقا (والبقرة والبعير) خلافا للأئمة الثلاثة، ثم قيل: الخلاف في الأولوية، فعندهم الترك أولى، لأنها تدفع السباع عن نفسها فلا يخشى عليها، وفيه احتمال عدم رضا المالك، فكره الأخذ، ولنا أنه إذا لم يخش عليها من السباع لم يؤمن عليها من يد خائنة، فندب أخذها صيانة لها، وما لها من القوة ربما يكون سبباً للضياع كما هو سبب الصيانة عن السباع، فتعارضا، فالتحقت بالشاة، كذا في الفيض، فإن قيل: قد جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ لما سئل عن ضالة الإبل قال: "مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، دعها حتى يجدها ربها".
قيل: في الحديث إشارة إلى أنه يجوز التقاطها إذا خيف عليها.
(فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرع) لقصور ولايته (وإن أنفق بأمره كان ذلك دينا على صاحبها) لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظراً له.
(وإذا رفع) الملتقط (ذلك) أي الذي التقطه (إلى الحاكم) ليأمره بالإنفاق عليه (نظر فيه) أي في المرفوع إليه (فإن كان للبهيمة منفعة آجرها وأنفق عليها من أجرتها) لأن فيه إبقاء العين على ملكه من غير إلزام الدين عليه، وكذلك يفعل بالعبد الآبق (وإن لم يكن لها منفعة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمره بحفظ ثمنها) إبقاء له معنى عند تعذر إبقائه صورة (وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن له في
стр. 434
ذلك وجعل النفقة ديناً على مالكها.
فإذا حضر مالكها فللملتقط أن يمنعه منها حتى يأخذ النفقة.
ولقطة الحل والحرم سواءً،
ــ
ذلك وجعل النفقة دينا على مالكها) ، لأنه نصب ناظراً من الجانبين، وفي قوله "جعل النفقة ديناً على صاحبها" إشارة إلى أنه يرجع على المالك إذا شرط القاضي الرجوع على المالك، وهو الأصح كما في الهداية.
(وإذا حضر) المالك وطلب اللقطة، وكان الملتقط قد أنفق عليها (فللملتقط أن يمنعه منها حتى يأخذ النفقة) التي أنفقها عليها، لأنها حييت بنفقته، فصار كأنه استفاد الملك من جهته، فأشبه المبيع. ثم لا يسقط دين النفقة بهلاك اللقطة في يد الملتقط قبل الحبس، وتسقط إذا هلكت بعده، لأنها تصير بالحبس بمنزلة الرهن كما في الهداية.
(ولقطة الحل والحرم سواء) ، لأنها لقطة، وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه فيملكه كما في سائرها، وتأويل ما روى (١) أنه لا يحل
стр. 435
وإذا حضر الرجل فادعى أن اللقطة له لم تدفع إليه حتى يقيم البينة، فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء.
ولا يتصدق باللقطة على غني، وإن كان الملتقط غنياً لم يجز له أن ينتفع بها، وإن كان فقيراً فلا بأس أن ينتفع بها، ويجوز أن يتصدق بها إذا كان غنياً على أبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء؛ والله أعلم.
ــ
الالتقاط إلا للتعريف، والتخصيص بالحرم لبيان أنه لا يسقط التعريف فيه لمكان أنه للغرباء ظاهراً، هداية.
(وإذا حضر رجل فادعى أن اللقطة له لم تدفع إليه) بمجرد دعواه، (حتى يقيم البينة) اعتباراً بسائر الدعاوى (فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه) ، لأن الظاهر أنها له (ولا يجبر على ذلك في القضاء) ، لأن غير المالك قد يعرف وصفها.
(ولا يتصدق) الملتقط (باللقطة على غني) ، لأن المأمور به هو التصدق، والصدقة لا تكون على غني (وإن كان الملتقط غنيا لم يجز له أن ينتفع بها) لأنه ليس بمحل للصدقة (وإن كان فقيراً فلا بأس أن ينتفع بها) في خاجة نفسه، لأنه محل لها، ولأن صرفها إلى فقير آخر كان للثواب، وهو مثله، وفيه نظر للجانبين (ويجوز) للملتقط (أن يتصدق بها إذا كان غنيا على أبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء) ، لأنهم محل للصدقة، وفيه نظر للجانبين
стр. 436
كتاب الخنثى .
- إذا كان للمولود فرجٌ وذكرٌ فهو خنثى، فإن كان يبول من الذكر فهو غلامٌ، وإن كان يبول من الفرج فهو أنثى، وإن كان يبول منهما والبول يسبق من أحدهما نسب إلى الأسبق، فإن كانا في السبق سواءً فلا عبرة بالكثرة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ينسب إلى أكثرهما.
وإذا بلغ الخنثى وخرجت له لحيةٌ أو وصل إلى النساء فهو رجلٌ، وإن ظهر له ثديٌ
ــ
كتاب الخنثى
مناسبته للقطة أنه يتوقف بعض أحكامه حتى يتضح حاله، واللقطة يتوقف عن التصرف بها حتى يغلب على الظن ترك طلبها.
(إذا كان للمولود فرج وذكر) أو كان عاريا عنهما، بأن كان له ثقبة لا تشبههما (فهو خنثى: فإن كان يبول من الذكر فهو غلام، وإن كان يبول من الفرج فهو أنثى) ، لأن البول من أي عضو كان فهو دلالة على أنه هو العضو الأصلي الصحيح، والآخر بمنزلة العيب. هداية (وإن كان يبول منهما والبول يسبق من أحدهما نسب) الحكم (إلى الأسبق) ، لأن السبق يدل على أنه المجرى الأصلي وغيره عارض (وإن كانا في السبق سواء فلا عبرة بالكثرة عند أبي حنيفة) ، لأنه قد يكون لاتساع أحدهما وضيق الآخر (وقال أبو يوسف ومحمد: ينسب) الحكم (إلى أكثرهما) بولاً، لأنها علامة قوة العضو، ولأن للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام، قال في التصحيح: ورجح دليل الإمام في الهداية والشروح، واعتمده المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة.
(وإذا بلغ الخنثى وخرجت له لحية أو وصل إلى النساء) أو احتلم كما يحتلم الرجال أو كان له ثدي مستو. هداية (فهو رجل) ، لأنها علامات الرجال (وإن ظهر له ثدي
стр. 437
كثدي المرأة أو نزل له لبنٌ في ثديه أو حاض أو حبل أو أمكن الوصول إليه من الفرج فهو امرأةٌ، فإن لم تظهر إحدى هذه العلامات فهو خنثى مشكلٌ، وإذا وقف خلف الإمام قام بين صف الرجال والنساء وتبتاع له أمةٌ تختنه إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ ابتاع له الإمام من بيت المال، فإذا ختنته باعها ورد ثمنها إلى بيت المال، وإذا مات أبوه وخلف ابناً وخنثى فالمال بينهما عند أبي حنيفة على ثلاثة أسهمٍ: للابن سهمان، وللخنثى سهمٌ، وهو أنثى عنده في الميراث إلا أن يثبت غير ذلك فيتبع.
ــ
كثدي المرأة، أو نزل له لبن في ثديه، أو حاض، أو حبل، أو أمكن الوصول إليه من الفرج، فهو امرأة) ، لأنها علامات النساء (فإن لم تظهر له إحدى هذه العلامات) أو تعارضت فيه (فهو خنثى مشكل) له أحكام مخصوصة؛ قال في الهداية: والأصل فيه أن يؤخذ فيه بالأحوط والأوثق في أمور الدين، وأن لا يحكم بثبوت حكم وقع الشك في ثبوته، اهـ. وهذا إجمال ما قال المصنف بقوله: (وإذا وقف) الخنثى (خلف الإمام) لصلاة الجماعة (قام بين صف الرجال و) صف (النساء، و) إذا بلغ حد الشهوة (تباع له أمة تختنه) لإباحة نظر مملوكته إلى عورته، رجلا كان أو امرأة (إذا كان له مال؛ فإن لم يكن له مال ابتاع) أي اشترى (له الإمام) أمة (من) مال (بيت المال) ؛ لأنه أعد لنوائب المسلمين (فإذا ختنته باعها) الإمام (ورد ثمنها إلى بيت المال، وإذا مات أبوه وخلف ابنا وخنثى فالمال بينهما عند أبي حنيفة على ثلاثة أسهم: للابن سهمان، وللخنثى سهم، وهو) في هذا المثال المذكور (أنثى عنده في الميراث) ، لأن ذلك ثابت بيقين، والزيادة مشكوك فيها؛ فلا يحكم بالشك (إلا أن يتبين غير ذلك فيتبع) والأصل عنده أن له أسوأ الحالين من الذكورة والأنوثة، ويتصور في ذلك أربع صور؛ الأولى: أن يكون إرثه في حال الأنوثة أقل، فينزل أنثى كما في مسألة
стр. 438
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: للخنثى نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى،
ــ
المتن (١) . والثانية: أن يكون في حال الذكورة أقل كزوج وأم وخنثى شقيق أو لأب فينزل (٢) ذكراً. والثالثة: أن يكون محرماً في حال الأنوثة كشقيقتين وخنثى لأب فيحرم (٣) . والرابعة: أن يكون محروماً في حال الذكورة كزوج وشقيقة وخنثى لأب فيحرم أيضا (٤) . (وقالا: للخنثى نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى) : أي يجمع بين نصيبه على تقدير أنوثته وذكوريته ويعطى نصف المجموع
стр. 439
وهو قول الشعبي، واختلفا في قياس قوله، قال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة أسهمٍ: للابن أربعةٌ، وللخنثى ثلاثةٌ، وقال محمدٌ: المال بينهما على اثني عشر سهماً: للابن سبعةٌ، وللخنثى خمسةٌ.
كتاب المفقود .
- إذا غاب الرجل، ولم يعرف له موضعٌ، ولا يعلم أحيٌ هو أم ميتٌ، نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه
ــ
(وهو قول الإمام) عامر (الشعبي، واختلفا) : أي الإمامان (في قياس) : أي في تخريج (قوله: قال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة أسهم) ؛ لأن الخنثى بتقدير ذكوريته له سهم، وبتقدير أنوثته نصف، ومجموعهما سهم ونصف، ونصف مجموعهما ثلاثة أرباع، وللابن سهم كامل؛ فتصح من سبعة (للابن أربعة، وللخنثى ثلاثة، وقال محمد: المال بينهما على اثني عشر سهماً) ؛ لأن الخنثى يستحق النصف إن كان ذكراً، والثلث إن كان أنثى، والنصف والثلث خمسة من ستة، فله نصف ذلك وهو اثنان ونصف من ستة، ووقع الكسر بالنصف فضربت الستة في اثنين صار اثني عشر؛ فكان (للابن سبعة) قائمة من ضرب ثلاثة ونصف في الاثنين (وللخنثى خمسة) قائمة من ضرب اثنين ونصف في الاثنين، قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: وقول محمد مضطرب، والأظهر أنه مع أبي حنيفة، والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه برهان الشريعة والنسفي وصدر الشريعة. اهـ.
كتاب المفقود.
مناسبته للخنثى ظاهرة، من حيث وقف الأحكام إلى البيان.
وهو لغة: المعدوم، وشرعاً: غائب انقطع خبره، ولا يعلم حياته ولا موته، كما أشار إلى ذلك بقوله: (إذا غاب الرجل، ولم يعرف له موضع) ليستطلع عليه (ولا يعلم أحي هو أم ميت؛ نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه) : أي على
стр. 440
ويستوفي حقوقه، وينفق على زوجته وأولاده من ماله، ولا يفرق بينه وبين امرأته، فإذا تم له مائةٌ وعشرون سنةً من يوم ولد حكمنا بموته
ــ
ماله بالحفظ من عقاره وضياعه وجمع ثماره ويبيع ما يخاف فساده (ويستوفي حقوقه) كقبض غلاته والدين الذي أقر به غريمٌ من غرمائه؛ لأن القاضي نصب ناظراً لكل عاجز عن النظر لنفسه، والمفقود بهذه الصفة، وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له. هداية (وينفق على زوجته وأولاده) وإن سفلوا، ووالديه وإن علوا قال في الهداية: والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته؛ لأن القضاء حينئذ يكون إعانة، وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته؛ لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء، والقضاء على الغائب ممتنع؛ فمن الأول الأولاد الصغار والإناث من الكبار والزمنى من الذكور والكبار، ومن الثاني الأخ والأخت والخال والخالة. اهـ (من ماله) إن كان ماله دراهم أو دنانير أو تبراً، وكان في يد القاضي أو يد مودعٍ أو مديون مقرين بهما وبالنكاح أو القرابة إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي، فإن كانا ظاهرين عند القاضي لا حاجة إلى الإقرار، وإن دفع المودع بنفسه أو المديون بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون، كذا في الهداية.
(ولا يفرق بينه) : أي بين المفقود (وبين امرأته) ؛ لأن الغيبة لا توجب الفرقة (فإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته) ؛ لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر منها، قال في التصحيح: قال الإمام الإسبيجاني: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وذكر محمد في الأصل موت الأقران، وهو ظاهر المذهب، وهكذا في الهداية، قال في الذخيرة: ويشترط جميع الأقران، فما بقي واحد من أقرانه لا يحكم بموته، ثم إن بعض مشايخنا قالوا: يعتبر موت أقرانه من جميع البلدان، وقال بعضهم: أقرانه ن أهل بلده؛ قال شيخ الإسلام جواهر زاده: وهذا القول أصح، قال الشيخ محمد بن حامد: قدره بتسعين سنة، وعليه الفتوى، وهكذا مشى الإمام برهان الأئمة المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة. اه
стр. 441
واعتدت امرأته، وقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت، ومن مات منهم قبل ذلك لم يرث منه، ولا يرث المفقود من أحدٍ مات في حال فقده.
كتاب الإباق .
- إذا أبق مملوكٌ فرده رجلٌ على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً فله عليه الجعل أربعون درهماً، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، وإن كانت قيمته أقل من أربعين درهماً قضى له بقيمته إلا درهماً،
ــ
(و) إذا حكم بموت المفقود (اعتدت امرأته) عدة الوفاة (وقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت) : أي وقت الحكم بموته (ومن مات منهم) أي من ورثته (قبل ذلك) الوقت (لم يرث منه) : أي من المفقود؛ لعدم تحقق موته (ولا يرث المفقود من أحد مات في حال فقده) ؛ لعدم تحقق حياته، ومن شرط الإرث تحقق موت الموروث وحياة الوارث.
كتاب الإباق
مناسبته للمفقود أن كلا منهما ترك الأهل والوطن، وصار في عرضية التلف والمحن.
قال ي الجوهرة: هو التمرد والانطلاق، وهو سوء الأخلاق، ورداءة الأعراق، ورده إلى مولاه إحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟. اهـ.
(إذا أبق مملوك فرده رجل على مولاه من) مدة السفر (مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً) : أي فأكثر (فله عليه الجعل) تماما، وهو (أربعون درهما، وإن رده لأقل من ذلك) المقدار (فبحسابه) اعتباراً للأقل بالأكثر؛ فيجب في رده من يومين ثلثاها، ومن يوم ثلثها، ومن رده من أقل منه أو وجده في المصر يرضخ له، وعن أبي حنيفة لا شيء له في المصر، كذا في الفيض عن الأصل (وإن كانت قيمته) : أي الآبق المردود من مدة سفر (أقل من أربعين درهما قضى له) : أي للذي رده (بقيمته إلا درهما) ليسلم للمالك شيء تحقيقا للفائدة، قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، واعتمده المحبوبي
стр. 442
وإن أبق من الذي رده فلا شيء عليه، وينبغي أن يشهد إذا أخذه أنه يأخذه ليرده، فإن كان العبد الآبق رهناً فالجعل على المرتهن.
كتاب إحياء الموات .
- الموات: ما لا ينتفع به من الأرض لانقطاع الماء عنه
ــ
والنسفي وصدر الشريعة. اهـ (وإن أبق من) يد (الذي رده فلا شيء عليه) قال في الهداية: لكن هذا إذا أشهد، وقد ذكرناه في اللقطة، ثم قال: وفي بعض النسخ "لا شيء له" وهو صحيح أيضا؛ لأنه في معنى البائع من المالك، ولهذا كان له أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل، بمنزلة البائع بحبس المبيع لاستيفاتء الثمن، اهـ.
(وينبغي) للراد للآبق (أن يشهد إذا أخذه أنه يأخذه ليرده) على مالكه قال في الهداية: والإشهاد حتم على قول أبي حنيفة ومحمد، حتى لو رده من لم يشهد وقت الأخذ لا جعل له عندهما؛ لأن ترك الإشهاد أمارة على أنه أخذه لنفسه. اهـ.
(فإن كان العبد الآبق رهناً فالجعل على المرتهن) ؛ لأن اليد له، وهذا إذا كانت قيمته مثل الدين أو أقل؛ فإن كانت أكثر فحصة الدين عليه والباقي على الراهن؛ لأن حقه بالقدر المضمون كما في الفيض.
كتاب إحياء الموات
مناسبته للآبق من حيث الإحياء في كل منهما؛ لما مر أن رد الآبق إحياء له.
والإحياء لغة: جعل الشيء حياً، أي ذا قوة حساسة أو نامية. وشرعاً: إصلاح الأرض الموات بالبناء أو الغرس أو الكراب أو غير ذلك كما في القهستاني.
و (المارت) كسحاب وغراب - ما لا روح فيه، أو أرض لا مالك لها. قاموس.
وفي المغرب: هو الأرض الخراب، خلافه العامر. اهـ، وشرعا: (ما لا ينتفع به من الأرض لانقطاع الماء عنه) بارتفاعه عنه، أو ارتدام مجراه، أو غير ذلك
стр. 443
أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، فما كان منها عادياً لا مالك له، أو كان مملوكاً في الإسلام لا يعرف له مالكٌ بعينه وهو بعيد من القربة بحيث إذا وقف إنسانٌ في أقصى العامر فصاح لم يسمع الصوت فيه؛ فهو مواتٌ: من أحياه بإذن الإمام ملكه، وإن أحياه بغير إذنه لم يملكه عند أبي حنيفة.
ــ
(أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة) كغلبة الرمال أو الأحجار أو صيرورتها سبخة، سميت به تشبيها بالحيوان إذا مات ولم يبق منتفعاً به (فما كان منها) : أي الأرض (عادياً) : أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام، كما أشار إليه بقوله (لا مالك له) : أي في الإسلام، فكأنها خربت من عهد عادٍ؛ بدليل المقابلة بقوله (أو كان مملوكا في الإسلام) ولكن لطول تركه وعدم الانتفاع به (لا يعرف له مالك بعينه، وهو بعيد من القرية بحيث إذا وقف إنسان) جهوري الصوت (في أقصى العامر) من دور القرية كما في القهستاني عن التجنيس (فصاح) بأعلى صوته (لم يسمع الصوت فيه) : أي في المكان الغير المنتفع به (فهو موات) عند أبي يوسف؛ وعند محمد: إن ملكت في الإسلام لا تكون مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها تكون لجماعة المسلمين، واعتبر في غير المملوكة عدم الارتفاق سواء قربت أو بعدت، وهي ظاهر الرواية، وبها يفتي كما في القهستاني عن الكبرى والبرجندي عن المنصورية عن قاضيخان، كذا في الدرر، وقال الزيلعي: وجعل القدوري المملوك في الإسلام إذا لم يعرف مالكه من الموات؛ لأن حكمه كالموات حيث يتصرف فيه الإمام كما يتصرف في الموات؛ لا أنه موات حقيقة. اهـ. وظاهره عدم الخلاف في الحقيقة تأمل.
ثم (من أحياه) أي الموات (بإذن الإمام ملكه) اتفاقا (وإن أحياه بغير إذنه لم يملكه عند أبي حنيفة) ؛ لأنه مغنوم للمسلمين؛ لوصوله إلى يدهم بإيجاف الخيل
стр. 444
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يملكه.
ويملك الذمي بالإحياء كما يملك المسلم.
ومن حجر أرضاً ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره،
ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر
ــ
والركاب؛ فليس لأحد أن يختص به دون الإمام، كما في سائر الغنائم (وقالا: يملكه) ولو بدون إذن الإمام؛ لأنه مباح سبقت إليه يده فيملكه كما في الحطب والصيد، قال في التصحيح: واختار قول الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما. اهـ.
وفي الجوهرة: ثم إذا لم يملكها عند أبي حنيفة بالإحياء وملكه إياها الإمام تصير ملكا له، والأولى للإمام أن يجعلها له ولا يستردها منه، وهذا إذا ترك الاستئذان جهلا، أما إذا تركه تهاوناً بالإمام كان له أن يستردها زجراً له، اهـ. وفي الهداية: ويجب فيه العشر؛ لأن ابتداء توظيف الخراج على المسلم لا يجوز، إلا إذا سقاه بماء الخراج، لأنه حينئذ يكون إبقاء الخراج على المسلم على اعتبار الماء، فلو أحياها ثم تركها فزرعها غيره فقد قيل: الثاني أحق بها؛ لأن الأول ملك استغلالها لا رقبتها، فإذا تركها كان الثاني أحق بها، والأصح أن الأول ينزعها من الثاني؛ لأنه ملكها بالإحياء كما نطق به الحديث، اهـ.
(ويملك الذمي) الموات (بالإحياء كما يملك المسلم) ، لأن الإحياء سبب الملك فيستويان فيه كسائر الأسباب، إلا أنه لا يملكه بدون إذن الإام اتفاقا كما في القهستاني، قيد بالذمي لأن المستأمن لا يملكه مطلقاً اتفاقا كما في النظم.
(ومن حجر أرضاً) : أي علمها بوضع الأحجار حولها، أو منع غيره منها بوضع علامة من حجر أو غيره (ولم يعمرها) : أي لم يحيها (ثلاث سنين أخذها الإمام) من المحجر (ودفعها إلى غيره) ، لأن التحجير ليس بالإحياء، ولأن الإمام إنما دفعها له لتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العشر أو الخراج، فإذا لم يحصل يدفعها إلى غيره تحصيلا للمقصود.
(ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر) لأنه تبع له، لأنه من مرافقه كما صرح
стр. 445
ويترك مرعىً لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم.
ومن حفر بئراً في بريةٍ فله حريمها، فإن كانت البئر للعطن فحريمها أربعون ذراعاً، وإن كانت للناضح فستون ذراعاً، وإن كانت عيناً فحريمها ثلاثائة ذراعٍ،
ــ
به بقوله: (ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحا لحصائدهم) ، لتحقق حاجتهم إليها فلا يكون مواتاً لتعلق حقهم بها، بمنزلة الطريق والنهر، وعلى هذا قالوا: لا يجوز أن يقطع الإمام ما لا غنى للمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقي الناس منها لما ذكرناه، هداية. وإذا أحاط الإحياء بجوانب ما أحياه الأربعة على التعاقب فطريقه في الرابعة كما في الدرر وغيرها.
(ومن حفر بئرا في برية) بإذن الإمام عنده، ومطلقاً عندهما على ما مر، لأن حفر البئر إحياء (فله حريمها) من جوانبها الأربع، لأن تمام الانتفاع لا يكون إلا به (فإن كانت البئر للعطن) : أي مناخ الإبل، وهي التي يناخ حولها الإبل ويستقي لها باليد (فحريمها أربعون ذراعاً) ثم قيل: الأربعون من كل الجوانب، والصحيح أنه من كل جانب؛ لأن في الأراضي رخوة يتحول الماء إلى ما حفر دونها، هداية (وإن كانت) البئر (للناضح) وهي التي يستخرج ماؤها بسير الإبل ونحوها (فستون ذراعاً) وهذا عندهما، وعند أبي حنيفة أربعون أيضاً، ورجح دليله واعتمده واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما، كذا في التصحيح.
وفيه عن مختارات النوازل: من حفر بئراً في برية موات فله حريمها على قدر الحاجة من كل الجوانب، وهو الصحيح. اهـ. (وإن كانت) المستخرجة بالحفر (عيناً) جارية (فحريمها ثلاثمائة ذراع) من كل جانب، قال في الينابيع: وذكر الطحاوي خمسمائة ذراع، وهذا التقدير ليس بلازم، بل هو موكول إلى رأي الناس واجتهادهم، اهـ. وفي الهداية: والأصح أنه خمسمائة ذراع من كل جانب، اهـ.
ثم قال: وقيل: إن التقدير في العين والبئر بما ذكرنا في أراضيهم لصلابتها، وفي أرضينا رخاوة فيزداد كيلا يتحول الماء إلى الثاني فيتعطل الأول، اهـ. ثم
стр. 446
ومن أراد أن يحفر في حريمها منع منه.
وما ترك الفرات أو الدجلة وعدل عنه، فإن كان يجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه؛ وإن كان لا يجوز أن يعود إليه فهو كالموات، إذا لم يكن حريماً لعامرٍ يملكه من أحياه بإذن الإمام عند الإمام.
ومن كان له نهرٌ في أرض غيره فليس له حريمه عند أبي حنيفة إلا أن
ــ
المراد بالذراع ذراع العامة، وهي ست قبضات، ويعبر عنها بالمكسرة؛ لأن ذراع الملك كان سبع قبضات فكسر منه قبضة (فمن أراد أن يحفر في حريمها) أي حريم المذكورات (منع منه) كيلا يؤدي إلى تفويت حقه أو الإخلال به، لأنه بالحفر ملك الحريم ضرورة تمكنه من الانتفاع به، فليس لغيره أن يتصرف في ملكه، فإن احتفر آخر بئراً في حريم الأول فللأول كبسه (١) أو تضمينه، وتمامه في الهداية.
(وما ترك الفرات أو الدجلة وعدل) ماؤه (عنه) : أي عن المتروك (و) لكن (يجوز عوده) : أي الماء (إليه) : أي إلى ذلك المكان الذي تركه (لم يجز إحياؤه) ولو بإذن الإمام، لحاجة العامة إلى مونه نهراً (وإن كان لا يجوز) : أي غير محتمل (أن يعود إليه فهو كالموات) : أي لأنه ليس في ملك أحد، وهذا (إذا لم يكن حريماً لـ) محل (عامر) فإن كان حريماً لعامر كان تبعاً له، لأنه من مرافقه، وإذا لم يكن حريماً لعامر فإنه (يملكه من أحياه) إن كان (بإذن الإمام عند الإمام) وإلا فلا، خلافا لهما كما تقدم.
(ومن كان له نهر) يجري (في أرض غيره فليس له) أي لصاحب النهر (حريمه) بمجرد دعواه أنه له (عند أبي حنيفة) ، لأن الظاهر لا يشهد له، بل لصاحب الأرض، لأنه من جنس أرضه، والقول لمن يشهد له الظاهر (إلا أن
стр. 447
يقيم بينةً على ذلك. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: له مسناةٌ (١) يمشي عليها ويلقي عليها طينه.
كتاب المأذون .
- إذا أذن المولى لعبده في التجارة إذناً عاماً جاز تصرفه في سائر التجارات: يشتري، ويبيع، ويرهن، ويسترهن.
وإن أذن له في نوعٍ منها دون
ــ
يقيم البينة على ذلك) ، لأنها لإثبات خلاف الظاهر (وقالا: له مسناة يمشي عليها، ويلقي عليها طينه) ، لأن النهر لابد له من ذلك، فكان الظاهر أنه له، قال في التصحيح: واختار قول الإمام المحبوبي والنسفي، قال: وهذا إذا لم تكن مشغولة بغرس لأحدهما أو طين، فإن كان فهي لصاحب الشغل بالاتفاق. اهـ.
وفي الهداية: ولو كان عليه غرس لا يدري من غرسه فهو من مواضع الخلاف أيضاً وثمرة الخلاف أن ولاية الغرس لصاحب الأرض عنده، وعندهما لصاحب النهر، اهـ.
كتاب المأذون
مناسبته لإحياء الموات أن في الإذن للعبد والصغير إحياء له معنى.
وهو لغة: الإعلام، وشرعاً: فك الحجر وإسقاط الحق، كما في الهداية.
(إذا أذن المولى لعبده في التجارة إذناً عاما) كأن يقول له: أذنت لك في التجارة، من غير تقييد بنوع مخصوص (جاز تصرفه في سائر التجارات) اتفاقا لأن اسم التجارة عام يتناول الجنس، وإذا جاز تصرفه (يشتري) ما أراد (ويبيع) ؛ لأنهما أصل التجارة (ويرهن، ويسترهن) ويؤجر ويستأجر؛ لأنها من صنيع التجار.
(و) كذا (إذا أذن له) المولى (في نوع منها) : أي من أنواع التجارة (دون
стр. 448
غيره فهو مأذونٌ في جميعها.
وإن أذن له في شيءٍ بعينه فليس بمأذونٍ.
وإقرار المأذون بالديون والغصوب جائزٌ، وليس له أن يتزوج، ولا أن يزوج مماليكه، ولا يكاتب، ولا يعتق على مالٍ، ولا يهب بعوضٍ ولا بغير عوضٍ، إلا أن يهدي اليسير من الطعام أو يضيف من يطعمه.
ــ
غيره) : أي غير ذلك النوع، كأن يقول له: أذنت لك في التجارة في البر فقط (فهو مأذون في جميعها) ؛ لما تقدم أنه إسقاط الحق وفك الحجر؛ فتظهر مالكية العبد؛ فلا يتخصص بنوع دون نوع.
(وإن أذن له في شيء بعينه) كشراء ثوب للكسوة وطعام للأكل (فليس بمأذون) ؛ لأنه استخدام، فلو صار به مأذوناً يفسد عليه باب الاستخدام.
(وإقرار المأذون بالديون والغصوب جائز) وكذا بالودائع؛ لأن الإقرار من توابع التجارة؛ إذ لو لم يصح لاجتنب الناس مبايعته ومعاملته، ولا فرق بين ما إذا كان عليه دين أو لم يكن، إذا كان الإقرار في صحته، فإن كان في مرضه يقدم دين الصحة كما في الحر، هداية (وليس له) : أي للمأذون (أن يتزوج) ؛ لأنه ليس بتجارة (ولا أن يزوج مماليكه) قال في التصحيح: هذا على إطلاقه قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: له أن يزوج أمته، واختار قوله المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، ورجح دليلهما، اهـ (ولا يكاتب) عبداً (ولا يعتق على مال) وعلى غير مال بالأولى (ولا يهب بعوض ولا بغير عوض) ؛ لأن كل ذلك تبرع ابتداء وانتهاء أو ابتداء، فلا يدخل تحت الإذن بالتجارة، هداية (إلا أن يهدي اليسير من الطعام أو يضيف من يطعمه) أي يضيفه، وكذا من لم يطعمه كما في القهستاني عن الذخيرة لأن ذلك من ضروريات التجارة استجلاباً لقلوب معامليه وأهل حرفته
стр. 449
وديونه متعلقةٌ برقبته: يباع للغرماء، إلا أن يفديه المولي، ويقسم ثمنه بينهم بالحصص، فإن فضل من ديونه شيءٌ طولب به بعد الحرية.
وإن حجر عليه لم يصر محجوراً عليه حتى يظهر الحجر بين أهل سوقه. فإن مات المولى أو جن أو لحق بدار الحرب مرتداً صار المأذون محجوراً عليه، وإن أبق العبد صار
ــ
(وديونه) : أي المأذون (متعلقة برقبته: يباع) فيها (للغرماء) أي لأجلهم أي يبيع القاضي المأذون في ذلك الدين بطلب الغرماء، وهذا إذا كان السيد حاضراً فإن غاب لا يبيعه: لأن الخصم في رقبته هو السيد، وبيعه ليس بحتم، فإن لهم استسعاءه كما في الذخيرة (إلا أن يفديه المولى) بدفع ما عليه من الدين؛ لأنه لا يبقى في رقبته شيء (ويقسم ثمنه) إذا بيع (بينهم) : أي الغرماء (بالحصص) لتعلق حقهم بالرقبة، فصار كتعلقها بالتركة (فإن فضل من ديونه شيء طولب به بعد الحرية) لتقرر الدين في ذمته وعدم وفاء الرقبة به، ولا يباع ثانيا دفعا للضرر عن المشتري.
(وإن حجر عليه) المولى (لم يصر محجوراً عليه) بمجرد حجره، بل (حتى) يعلم المأذون به، و (يظهر حجره بين) أكثر (أهل سوقه) حتى لو حجر عليه في السوق وليس فيه إلا رجل أو رجلان لا ينحجر، إذ المعتبر اشتهار الحجر وشيوعه، فقام ذلك مقام الظهور عند الكل. هذا إذا كان الإذن شائعا، أما إذا كان لم يعلم به إلا العبد ثم حجر عليه بمعرفته ينحجر، لانتفاء الضرر، كذا في الدرر، وهذا في الحجر القصدي، أما إذا ثبت الحجر ضمنا فلا يشترط العلم كما صرح بذلك بقوله: (فإن مات المولى أو جن أو لحق بدار الحرب مرتداً) وحكم بلحاقه (صار المأذون محجوراً عليه) ولو لم يعلم المأذون ولا أهل سوقه، لأن الإذن غير لازم، وما لا يكون لازما من التصرف يعطى لدوامه حكم الابتداء فلابد من قيام أهلية الإذن في حالة البقاء، وهي تنعدم بالموت والجنون، وكذا باللحوق لأنه موت حكما حتى قسم ماله بين ورثته. هداية (وإذا أبق العبد) المأذون (صار
стр. 450
محجوراً عليه.
وإذا حجر عليه فإقراره جائزٌ فيما في يده من المال عند أبي حنيفة، وإن لزمته ديونٌ تحيط بماله ورقبته لم يملك المولى ما في يده، فإن أعتق عبيده لم يعتقوا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يملك ما في يده، وإذا باع من المولى شيئاً بمثل قيمته جاز، فإن باعه بنقصانٍ
ــ
محجوراً عليه) دلالة، لأن المولى لا يرضى بإسقاط حقه حال تمرده.
(وإذا حجر) بالبناء للمجهول (عليه) : أي المأذون (فإقراره) بعده (جائز فيما في يده من المال) أي أمانة لغيره، أو غصب منه، أو دين له عليه (عند أبي حنيفة) لأن يده باقية حقيقة، وشرط بطلانها بالحجر حكما فراغها عن حاجته، وإقراره دليل تحققها، وقالا: لا يجوز إقراره بعده، لأن المصحح لإقراره إن كان الإذن فقد زال بالحجر، وإن كان اليد فالحجر أبطلها، لأن يد المحجور غير معتبرة وصنيع الهداية صريح في ترجيح الأول.
(وإذا لزمته) : أي المأذون (ديون تحيط بماله ورقبته لم يملك المولى ما في يده) من أكسابه، لتعلق حق الغرماء فيها، وحق الغرماء مقدمٌ على حق المولى ولذا كان لهم بيعه، فصار كالتركة المستغرقة بالدين (فإن أعتق) المولى (عبيده) أي عبيد المأذون (لم يعتقوا عند أبي حنيفة) لصدوره من غير مالك (وقالا: يملك) المولى (ما في يده) من أكسابه، فينفذ إعتاقه لعبيده ويغرم القيمة، لوجود سبب الملك في كسبه وهو ملك رقبته، ولهذا يملك إعتاقه، قال في الينابيع: يريد به لم يعتقوا في حق الغرماء، فلهم أن يبيعوهم ويستوفوا ديونهم، أما في المولى فهم أحرار بالإجماع، اهـ. قال في التصحيح: واختار قول الإمام المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة (وإذا باع) المأذون المديون (من المولى شيئا بمثل قيمته) أو أكثر (جاز) البيع، لعدم التهمة (فإن باعه بنقصان) ولو يسيرا
стр. 451
لم يجز، فإن باعه المولى شيئاً بمثل القيمة جاز البيع، فإن سلمه إليه قبل قبض الثمن بطل الثمن، وإن أمسكه في يده حتى يستوفي الثمن جاز، وإن أعتق المولى المأذون وعليه ديونٌ فعتقه جائزٌ، والمولى ضامنٌ لقيمته للغرماء، وما بقي من الديون يطالب به المعتق، وإذا ولدت المأذونة من مولاها فذلك حجرٌ عليها.
وإن أذن ولي الصبي
ــ
(لم يجز) لبيع، لتمكن التهمة (وإن باعه المولى شيئا بمثل القيمة) أو أقل (جاز البيع) لعدم التهمة وظهور النفع (فإن سلمه) : أي سلم المولى المبيع (إليه) : أي المأذون (قبل قبض الثمن) منه والثمن دينٌ (بطل الثمن) لأنه بالتسليم بطلت يد المولى في العين ولا يجب للمولى على عبده دين. قيدنا بكن الثمن دينا لأنه لو كان عرضاً لا يبطل وكان المولى أحق به من الغرماء؛ لتعلق حقه بالعين (وإن أمسكه) : أي أمسك المولى المبيع (في يده حتى يستوفي الثمن جاز) ؛ لأن البائع له حق الحبس في المبيع، وجاز أن يكون للمولى حق في الدين إذا كان يتعلق بالعين، هداية.
(وإن أعتق المولى) العبد (المأذون و) كان (عليه) : أي المأذون (دين) ولو محيطا برقبته (فعتقه جائز) ؛ لأن ملكه فيه باقٍ (والمولى ضامن لقيمته للغرماء) ؛ لأنه أتلف ما تعلق به حقهم بيعا واستيفاء من ثمنه (وما بقي من الديون يطالب به) المأذون (المعتق) ؛ لأن الدين في ذمته؛ وما لزم المولى إلا بقدر ما أتلف ضمانا، فبقي الباقي عليه كما كان، فإن كان الدين أقل من قيمته ضمن الدين لا غير، لأن حقهم بقدره (وإذا ولدت) الأمة (المأذونة من مولاها فذلك حجر عليها) بدلالة الظاهر؛ لأن الظاهر أنه يحصنها بعد الولادة ولا يرضى ببروزها ومخالطتها الرجال، بخلاف ابتداء الإذن؛ لأن الدلالة لا معتبر بها عند وجود التصريح بخلافها.
(وإذا أذن ولي الصبي) وهو: الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه، ثم القاضي
стр. 452
للصبي في التجارة فهو في الشراء والبيع كالعبد المأذون، إذا كان يعقل البيع والشراء.
كتاب المزارعة .
- قال أبو حنيفة ﵀: المزارعة بالثلث والربع باطلةٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جائزةٌ،
ــ
كما سيأتي (للصبي في التجارة فهو في) الدائر بين النفع والضر، مثل (الشراء والبيع كالعبد المأذون، إذا كان يعقل البيع والشراء) ؛ لأن الصبي العاقل يشبه البالغ من حيث أنه مميز، ويشبه الطفل الذي لا عقل له من حيث إنه لم يتوجه عليه الخطاب، وفي عقله قصور، وللغير عليه ولاية، فألحق بالبالغ في النافع المحض، وبالطفل في الضار المحض، وفي الدائر بينهما بالطفل عند عدم الإذن وبالبالغ عند الإذن؛ لرجحان جهة النفع على الضرر بدلالة الإذن، ولكن قبل الإذن يكون منعقداً موقوفاً على إجازة الولي؛ لأن فيه منفعة؛ لصيرورته مهتدياً إلى وجوه التجارات كذا في الدرر.
كتاب المزارعة.
مناسبته للمأذون أن كلا من العبد المأذون والمزارع عامل في ملك الغير.
والمزارعة - وتسمى المخابرة، والمحاقلة - لغة: مفاعلة من الزرع، وفي الشريعة: عقد على الزرع ببعض الخارج كما في الهداية.
(قال) الإمام (أبو حنيفة: المزارعة بالثلث والربع) والأقل والأكثر (باطلة) :
لما روى أنه ﵊ (نهى عن المخابرة)
ولأنها استئجار ببعض الخارج، فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة كما في الهداية.
وتقييد المصنف بالثلث والربع باعتبار العادة في ذلك (وقال أبو يوسف ومحمد) هي (جائزة) لما روى أنه ﷺ (عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج
стр. 453
وهي عندهما على أربعة أوجهٍ: إذا كانت الأرض والبذر لواحدٍ والعمل والبقر لواحدٍ جازت المزارعة، وإن كانت الأرض لواحدٍ والعمل والبقر والبذر لآخر جازت، وإن كانت الأرض والبقر والبذر لواحدٍ والعمل لآخر جازت وإن كانت الأرض والبقر لواحدٍ والبذر والعمل لآخر فهي باطلةٌ
ــ
من تمر أو زرع) ولأنه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبار بالمضاربة، والفتوى على قولهما كما في قاضيخان والخلاصة ومختارات النوازل والحقائق والصغرى والتتمة والكبرى والهداية والمحبوبي، ومشى عليه النسفي كما في التصحيح، وفي الهداية والفتوى على قولهما، لحاجة الناس إليها، ولظهور تعامل الأمة بها، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع. اهـ.
ولما كان العمل والفتوى على قولهما فوع عليه المصنف فقال: (وهي عندهما على أربعة أوجه) تصح في ثلاثة منها وتبطل في واحد، لأنه (إذا كانت الأرض والبذر لواحد، والعمل والبقر من آخر، جازت المزارعة) وصار صاحب الأرض والبذر مستأجراً للعامل، والبقر تبعا له، لأن البقر آلة العمل (و) كذا (إذا كانت الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد جازت) أيضاً، وصار العامل مستأجراً للأرض ببعض الخارج (و) كذا (إذا كانت الأرض والبقر والبذر لواحد والعمل لواحد جازت) أيضاً، وصار رب الأرض مستأجراً للعامل ببعض الخارج، وقد نظم شيخنا هذه الثلاث الجائزة في بيت فقال:
أرض وبذر، كذا أرض، كذا عمل * من واحد، ذي ثلاث كلها قبلت
(وإذا كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر فهي باطلة) ، لأنه لو قدر إجارة للأرض فاشتراط البقر على صاحبها مفسد للإجارة، إذ لا يمكن جعل البقر تبعا للأرض، لاختلاف المنفعة، لأن الأرض للإنبات والبقر للشق، ولو قدر إجارة للعامل فاشتراط البذر عليه مفسد، لأنه ليس تبعاً له.
وبقي ثلاثة أوجه لم يذكرها المصنف، وهي باطلة أيضا؛ أحدها: أن يكون
стр. 454
ولا تصح المزارعة إلا على مدةٍ معلومةٍ،
ومن شرائطها: أن يكون الخارج مشاعاً بينهما، فإن شرطا لأحدهما قفزاناً مسماةً فهي باطلةٌ، وكذلك إن شرطا ما على الماذيانات والسواقي،
ــ
البقر والبذر لأحدهما والآخران للآخر، لأنها استئجار الأرض وشرط العمل، والثاني: أن يكون لأحدهما البقر والباقي للآخر، لأنه استئجار للبقر ببعض الخارج، والثالث أن يكون لأحدهما البذر والباقي للآخر، لأنه شراء للبذر ببعض الخارج، وقد نظم شيخنا هذه الثلاث مع مسألة المتن فقال:
والبذر مع بقر، أولا، كذا بقر * لا غير، أو مع أرض، أربع بطلت.
(ولا تصح المزارعة) عند من يجيزها (إلا) بشروط صرح المصنف ببعضها وهي: أن تكون (على مدة معلومة) متعارفة، لأنها عقد على منافع الأرض، أو منافع العامل، والمنفعة لا يعرف مقدارها إلا ببيان المدة، قيدنا المدة بالمتعارفة لأنها لو لم تكن متعارفة - بأن كانت لا يتمكن فيها من المزارعة، أو مدة لا يعيش إلى مثلها - فسدت كما في الذخيرة، قال في الدرر: وقيل: في بلادنا تصح بلا بيان مدة، ويقع على أول زرع واحد، وعليه الفتوى، مجتبى وبزازية. اهـ قال في البزازية: وأخذ به الفقيه، لكن في الخانية: والفتوى على جواب الكتاب، قال في الشرنبلالية: فقد تعارض ما عليه الفتوى.
(ومن شرائطها: أن يكون الخارج) بالمزارعة (مشاعا بينهما) تحقيقا للشركة، ثم فرع على هذا الشرط فقال: (فإن شرطا لأحدهما قفزانا) بالضم: جمع قفيز (مسماة) أي معينة، أو شرط صاحب البذر أن يرفع بقدر بذره (فهي) أي المزارعة (باطلة) لأنه يؤدي إلى انقطاع الشركة، لجواز ألا يخرج إلا ذلك القدر (وكذلك إن شرطا ما على الماذيانات) بفتح الميم وسكون الذال - جمع ماذيان، وهو أصغر من النهر وأعظم من الجدول، فارسي معرب؛ وقيل: ما يجتمع فيه ماء السي ثم يسقى منه الأرض. مغرب (والسواقي) جمع ساقية، وهي النهر الصغير، لإفضائه إلى قطع الشركة؛ لاحتمال أن لا يخرج إلا من ذلك الموضع؛ وكذا إذا شرط لأحدهما التبن وللآخر الحب؛ لأنه عسى نصيبه آفة فلا ينعقد الحب ولا يخرج
стр. 455
وإذا صحت المزارعة فالخارج بينهما على الشرط، فإن لم تخرج الأرض شيئاً فلا شيء للعامل.
وإذا فسدت المزارعة فالخارج لصاحب البذر، فإن كان البذر من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثله، لا يزاد على مقدار ما شرط له من الخارج، وإن كان البذر من قبل العامل فلصاحب الأرض أجر مثلها.
ــ
إلا التبن، وكذا إذا شرط التبن نصفين والحب لأحدهما، لأنه يؤدي إلى قطع الشركة فيما هو المقصود، ولو شرط الحب نصفين ولم يتعرضا للتبن صحت، لاشتراطهما الشركة فيما هو المقصود، ثم التبن يكون لصاحب البذر، لأنه نماء بذره، وقال مشايخ بلخ: التبن بينهما أيضا، اعتباراً للعرف فيما لم ينص عليه المتعاقدان، ولأنه تبع للحب، والتبع يقوم بشرط الأصل، وإن شرط التبن لغير رب البذر فسدت، لإفضائه إلى قطع الشركة بأن لا يخرج إلا التبن.
ومن شروط صحتها: أن تكون الأرض صالحة للزراعة، والتخلية بين الأرض والعامل. وتمامه في الهداية.
(وإذا صحت المزارعة) على ما تقدم (فالخارج) بها مشترك (بينهما على الشرط) السابق منهما لصحة التزامهما (فإن لم تخرج الأرض شيئاً فلا شيء للعامل) لأنه مستأجر ببعض الخارج، ولم يوجد.
(وإذا فسدت المزارعة فالخارج لصاحب البذر) ، لأنه نماء ملكه (فإن كان البذر من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثله) ، لأن رب الأرض استوفى منفعته بعقد فاسد، ولكن (لا يزاد على مقدار ما شرط له من الخارج) ، لرضائه بسقوط الزيادة، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: له أجر مثله بالغا ما بلغ، لأنه استوفى منافعه بعقد فاسد، فيجب عليه قيمتها، إذ لا مثل لها. هداية. قال في التصحيح: ومشى على قولهما المحبوبي والنسفي. اهـ (وإن كان البذر من قبل العامل فلصاحب الأرض أجر مثلها) ؛ لاستيفاء العامل منفعة أرضه بعقد فاسد
стр. 456
وإذا عقدت المزارعة فامتنع صاخب البذر من العمل لم يجبر عليه، وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل.
وإذا مات أحد المتعاقدين بطلت المزارعة، وإذا انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض إلى أن يستحصد، والنفقة على الزرع عليهما على مقدار حقوقهما، وأجرة الحصاد والرفاع والدياس والتذرية
ــ
(وإذا عقدت المزارعة) بشروطها المتقدمة (فامتنع صاحب البذر من العمل) قبل إلقاء بذره (لم يجبر عليه) ؛ لأنه لا يمكنه المضي إلا بضرر يلزمه - وهو استهلاك البذر - فصار كما إذا استأجر أجيراً ليهدم داره ثم بدا له لم يجبر على ذلك.
قيدنا بكونه قبل إلقاء البذر لأنه لو أبى بعد إلقائه يجبر لانتفاء العلة كما في الكفاية.
(وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل) لأنه لا يلحقه بالوفاء بالعقد ضرر، والعقد لازم بمنزلة الإجارة إلا إذا كان عذر تفسخ به الإجارة فتفسخ به المزارعة، هداية. وفيها: وإن امتنع رب الأرلاض والبذر من قبله وقد كرب المزارع الأرض فلا شيء له في عمل الكراب، قيل: هذا في الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى يلزمه استرضاء العامل. اهـ.
(وإذا مات أحد المتعاقدين بطلت المزارعة) اعتباراً بالإجارة (وإذا انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك) بعد (كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض إلى أن يستحصد) الزرع؛ رعاية للجانبين بقدر الإمكان كما في الإجارة (والنفقة على الزرع) بعد انقضاء مدة المزارعة (عليهما) : أي المتعاقدين (على مقدار حقوقهما) ؛ لانتهاء العقد بانقضاء المدة، وهذا عمل في المال المشترك. قيدنا بانقضاء المدة لأنه قبل انقضائها على العامل خاصة (وأجرة الحصاد) : أي قطع الزرع وجمعه (والرفاع) أي نقله إلى البيدر (والدياس) أي تنعيمه (والتذرية)
стр. 457
عليهما بالحصص، فإن شرطاه في المزارعة على العامل فسدت.
كتاب المساقاة .
- قال أبو حنيفة: المساقاة بجزء من الثمرة باطلةٌ. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: جائزةٌ إذا ذكرا مدةً معلومةً.
ــ
أي تمييز حبه من تبنه، وكذا أجرة الحفظ ونحوه (عليهما بالحصص) سواء انقضت المدة أو لا؛ لأن العقد تناهى بتناهي الزرع لحصول المقصود، وصار مالاً مشتركا بينهما؛ فتجب المؤنة عليهما (فإن شرطاه) أي العمل المذكور الذي يكون بعد انتهاء الزرع من الحصاد ونحوه (على العامل) وحده (فسدت) المزارعة، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحدهما، قال في التصحيح: وهذا ظاهر الرواية، وأفتى به الحسام الشهيد في الكبرى، وقال: وعن الحسن عن أبي حنيفة أنه جائز، وهكذا عن أبي يوسف، قال في الهداية: وعن أبي يوسف أنه يجوز إذا شرط ذلك على العامل؛ للتعامل اعتباراً بالاستصناع، وهو اختيار مشايخ بلخ، قال شمس الأئمة السرخسي: هذا هو الأصح في ديارنا، قال الخاصي: ومثله عن الفضل، وفي الينابيع وهو اختيار مشايخ خراسان، قال الفقيه: وبه نأخذ، وقال الإسبيجاني: وهو اختيار مشايخ العراق اتباعا للتعامل، وقال في مختارات النوازل: وهو اختيار مشايخ بلخ وبخارى للعرف بينهم، اهـ.
كتاب المساقاة
المناسبة بينهما ظاهرة، وتسمى المعاملة.
وهي لغةً: مفاعلة من السقي، وشرعاً دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره.
وهي كالمزارعة حكما وخلافا وشروطا، كما أشار إلى ذلك المصنف بقوله: (قال أبو حنيفة: المساقاة بجزء من الثمرة باطلة، وقالا: جائزة) والفتوى على قولهما كما تقدم في المزارعة (إذا ذكرا) في العقد (مدة معلومة) متعارفة، قال في الهداية: وشرط المدة قياس فيه؛ لأنه إجارة معنى كما في المزارعة، وفي الاستحسان إذا لم يبين المدة يجوز ويقع على أول ثمرة تخرج، لأن الثمرة لإدراكها وقت معلوم
стр. 458
وسميا جزءاً من الثمرة مشاعاً. وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان، فإن دفع نخلاً فيه ثمرةٌ مساقاةً والثمرة تزيد بالعمل جاز، وإن كانت قد انتهت لم يجز، وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله، وتبطل المساقاة بالموت، وتفسخ بالأعذار كما تفسخ الإجارة.
ــ
وقل ما يتفاوت. اهـ. قيدنا بالمتعارفة لما مر في المزارعة (وسميا جزءاً) معلوماً (من الثمرة مشاعاً) تحقيقا للشركة، إذ شرط جزء معين يقطع الشركة (وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب) بكسر الراء، كقصاع: جمع رطبة بالفتح كقصعة - القضيب ما دام رطبا كما في الصحاح، وهي المسماة في بلادنا بالقصة، والمراد هنا جميع البقول كما في الدر (وأصول الباذنجان) ، لأن الجواز للحاجة وهي تعم الجميع (فإن دفع) المالك (نخلا فيه ثمرة مساقاةً، و) كانت (الثمرة) بحيث (نزيد بالعمل) أو زرعا وهو بقل (جاز) لاحتياجه للعمل (وإن كانت) الثمرة (قد انتهت) والزرع قد استحصد (لم يجز) لأن العامل إنما يستحق بالعمل، ولا أثر للعمل بعد التناهي والإدراك (وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله) ، لأنها في معنى الإجارة الفاسدة (وتبطل المساقاة بالموت) لأحد المتعاقدين، لأنها في معنى الإجارة، ثم إن مات صاحب الأرض فللعامل القيام عليه وإن أبى ورثة صاحب الأرض، وإن مات العامل فلورثه القيام عليه وإن أبى صاحب الأرض، وإن ماتا فالخيار لورثة العامل، لقيامهم مقامه، وتمامه في الدرر (وتفسخ) المساقاة والمزارعة (بالأعذار) المارة في الإجارة (كما تفسخ الإجارة) قال في الهداية: ومن جملتها أن يكون العامل سارقا يخاف عليه سرقة السعف والثمر قبل الإدراك، لأنه يلزم صاحب الأرض ضرر لم يلتزمه، فيفسخ فيه، ومنها مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل، لأن في إلزامه استئجار الأجراء زيادة ضرر عليه ولم يلتزمه، فيجعل عذراً، وفيها: ومن دفع أرضاً بيضاء إلى رجل سنين معلومةً يغرس فيها شجراً على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك؛ لاشتراطه الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة لا بعمله، وجميع الثمر والغرس لرب الأرض، وللغارس قيمة غرسه وأجرة مثله فيما عمل. اه
стр. 459
الجزء الثالث
كتاب النكاح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- النكاح ينعقد بالإيجاب والقبول، بلفظين يعبر بهما عن الماضي، أو يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل، مثل أن يقول زوجني فيقول زوجتك.
ولا ينقعد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين بالغين عاقلين مسلمين أو رجلٍ وامرأتين، عدولاً كانوا أو غير عدولٍ، أو محدودين في قذفٍ،
ــ
كتاب النكاح
(مناسبة النكاح للمسافاة أن المطلوب في كل منهما الثمرة) .
(النكاح) لغة: الضم والجمع كما اختاره صاحب المحيط وتبعه صاحب الكافي وسائر المحققين كما في الدرر، وشرعا: عقد يفيده ملك المتعة قصداً.
وهو (ينعقد بالإيجاب) من أحد المتعاقدين (والقبول) من الآخر (بلفظين يعبر بهما عن الماضي) مثل أن يقول: زوجتك، فيقول الآخر: تزوجت؛ لأن الصيغة وإن كانت للأخبار وضعاً فقد جعلت للإنشاء شرعا، دفعاً للحاجة (أو) بلفظين (يعبر بأحدهما عن الماضي و) يعبر (بالآخر عن المستقبل) وذلك (مثل أن يقول) الزوج للمخاطب: (زوجني) ابنتك، مثلا (فيقول: زوجتك) ، لأن هذا توكيل بالنكاح، والواحد يتولى طرفي النكاح على ما نبينه، هداية.
(ولا ينعقد نكاح المسلمين) بصيغة المثنى (إلا بحضور شاهدين حرين بالغين عاقلين مسلمين) سامعين معاً قولهما فاهمين كلامهما على المذهب كما في البحر (أو رجل وامرأتين، عدولا كانوا) أي الشهود (أو غير عدول أو محدودين في قذف) أو أعمين أو ابني الزوجين أو ابني أحدهما، لأن كل منهم أهل للولاية ليكون أهلاً للشهادة
стр. 460
فإن تزوج مسلمٌ ذمية بشهادة ذميين جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: لا يجوز.
ولا يحل للرجل أن يتزوج بأمه، ولا بجداته من قبل الرجال والنساء، ولا ببنته، ولا ببنت ولده وإن سفلت، ولا بأخته، ولا ببنات أخته، ولا ببنات أخيه، ولا بعمته، ولا بخالته، ولا بأم امرأته دخل بابنتها أو لم يدخل، ولا ببنت امرأته التي دخل بها سواءٌ كانت في حجره أو في حجر غيره،
ــ
تحملا، وإنما الفائت ثمرة الأداء؛ فلا يبالي بفواته.
(فإن تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ولن لا يثبت عند جحوده (وقال محمد: لا يجوز) أصلا، قال الإسبيجاني: الصحيح قولهما، ومشى عليه المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، كذا في التصحيح.
(ولا يحل للرجل أن يتزوج بأمه، ولا بجداته) مطلقاً (من قبل الرجال والنساء) وإن علون (ولا ببنته، ولا ببنت ولده) مطلقاً (وإن سفلت، ولا بأخته) مطلقاً (ولا ببنات أخته) مطلقاً وإن سفلن (ولا ببنات أخيه) مطلقاً (ولا بعمته ولا بخالته) مطلقاً وإن سفلن (ولا بأم امرأته) وجدتها مطلقاً وإن علت (دخل ببنتها أو لم يدخل) لما تقرر أن وطء الأمهات يحرم البنات، ونكاح البنات يحرم الأمهات (ولا ببنت امرأته التي دخل بها) وإن سفلت (سواء كانت في حجره) أي عائلته (أو في حجر غيره) ، لأن ذكر الحجر خرج محرج العادة (الدليل على حرمة بنت الزوجة المدخول بها قوله تعالى في ذكر المحرمات: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ .
والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة، والحجور: جمع حجر، والمراد به هنا البيت. وظاهر هذه الآية الكريمة أنه سبحانه قد قيد تحريم الربيبة على زوج أمها بقيدين: أحدهما أن تكون الربيبة في حجر زوج الأم: أي في بيته وتربيته، وثانيهما أن يكون الرجل قد دخل بالأم، ويؤخذ من مفهوم هذين القيدين أن الربيبة لو كانت تعيش في غير بيت زوج أمها لم يحرم عليه تزوجها، وأن الرجل إذا لم يكن قد دخل بالمرأة لم تحرم عليه بنتها. ولكن هذا الظاهر غير مراد بشقيه جميعاً عند جمهرة علماء هذه الأمة، قالوا: إن قيد دخول الرجل بالمرأة معتبر، وهو شرط في التحريم، فلو لم يدخل بها لم تحرم عليه بنتها، وأما كون البنت في حجر زوج أمها فليس معتبراً، ولا هو شرط في التحريم، بل متى دخل الرجل بالمرأة حرمت عليه بنتها سواء أكانت تعيش معه في عائلته وتربيته أم كانت تعيش خارج عائلته، وذكر الحجور في الآية الكريمة خرج مخرج العادة؛ لأن العادة جارية بأن تكون البنات مع أمهاتهن في بيت أزواج الأمهات. وأظهر ما يدل على صحة هذا النظر أنه سبحانه حين أراد أن يبين متى تحل بنت الزوجة قال بعد ما تلونا: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ ولم يذكر مفهوم القيد الأول، فدل على أنه لم يخرج مخرج الشرط؛ إذ لو خرج مخرج الشرط وكان التحريم مقيداً به لقال: فإن لم يكن في حجوركم أو لم تكونوا قد دخلتم بأمهاتهن فلا جناح عليكم، وقد ذهب علي بن أبي طالب ﵁ إلى أن الكون في حجر زوج الأم شرط في تحريم بنت الزوجة، وكان ابن مسعود يذهب هذا المذهب ثم رجع عنه إلى مذهب جمهور الصحابة. وما ذهب إليه علي ﵁ مردود بما ذكرناه) لا مخرج