← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21496

اللباب في شرح الكتاب

عبد الغني الميداني

Полный текст (904 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فقال: إنما أحلتك لتقبضه لي، وقال المحتال: بل أحلتني بدين لي عليك، فالقول قول المحيل. ويكره السفاتج، وهو: قرضٌ استفاد به المقرض أمن خطر الطريق. كتاب الصلح . - الصلح ــ (فقال: إنما أحلتك) أي وكلتك بالدين الذي عليه (لتقبضه لي، وقال المحتال: بل أحلتني بدين) كان (لي عليك، فالقول قول المحيل) لأن المحتال يدعي عليه الدين وهو ينكر، ولفظ الحوالة مستعمل في الوكالة فيكون القول قوله بيمينه، هداية. (ويكره السفاتج، وهو قرض (١) استفاد به المقرض أمن خطر الطريق) . وصورته كما في الدرر: أن يدفع إلى تاجر مبلغا قرضا ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ليستفيد به سقوط الطريق، اهـ. قال في الهداية: وهذا نوع نفع استفيد به؛ وقد نهى رسول الله ﷺ عن قرض جر نفعاً. اهـ. كتاب الصلح وجه المناسبة لما قبله هو أن في كل من الوكالة والكفالة والحوالة مساعدة لقضاء الحاجة، وكذا الصلح، فتناسبا. (الصلح) لغة: اسم المصالحة، بمعنى المسالمة بعد المخالفة، وشرعا: عقد يرفع النزاع

стр. 387

على ثلاثة أضربٍ: صلحٌ مع إقرارٍ، وصلحٌ مع سكوتٍ وهو أن لا يقر المدعى عليه ولا ينكره، وصلحٌ مع إنكار، وكل ذلك جائزٌ. فإن وقع الصلح عن إقرارٍ اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمالٍ، وإن وقع عن مالٍ بمنافع فيعتبر بالإجارات. والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى ــ ويقطع الخصومة. وركنه: الإيجاب والقبول، وشرطه: العقل، وكذا البلوغ والحرية إلا مع الإذن والنفع، وكون المصالح عليه معلوما إن كان يحتاج إلى قبضه، وكون المصالح عنه حقا يجوز الاعتياض عنه: مالا كان أو غيره، معلوما كان أو مجهولا. وهو (على ثلاثة أضرب) أي أنواع؛ لأنه إما (صلح مع إقرار) من المدعى عليه (و) إما (صلح مع سكوت) منه (وهو أن لا يقر المدعى عليه) بالمدعى به (ولا ينكره، و) إما (صلح مع إنكار) له (وكل ذلك) المذكور (جائز) بحيث يثبت الملك للمدعى في بدل الصلح، وينقطع حق الاسترداد للمدعى عليه؛ لأنه سبب لرفع التنازع المحظور، قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا﴾ فكان مشروعا. (فإن وقع الصلح عن إقرار) من المدعى عليه (اعتبر فيه) : أي الصلح (ما يعتبر في البياعات إن وقع) الصلح (عن مال بمال) لوجود معنى البيع - وهو مبادلة المال بالمال - في حق المتعاقدين بتراضيهما؛ فتجري فيه الشفعة إذا كان عقارا، ويرد بالعيب، ويثبت فيه خيار الشرط، ويفسده جهالة البدل؛ لأنهما هي المفضية إلى المنازعة، دون جهالة المصالح عنه؛ لأنه يسقط، ويشترط القدرة على تسليم البدل. هداية (وإن وقع) الصلح (عن مال بمنافع) كخدمة عبد وسكنى دار، وكذا لو وقع عن منفعة بمال أو بمنفعة من جنس آخر (فيعتبر) فيه ما يعتبر (بالإجارات) لوجود معنى الإجارة - وهو تمليك المنافع بمال - والاعتبار في العقود لمعانيها؛ فيشترط التوقيت فيها، ويبطل بموت أحدهما في المدة؛ لأنه إجارة. هداية. (و) أما (الصلح) الواقع (عن السكوت والإنكار) فهو (في حق المدعى

стр. 388

عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة، وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة، وإذا صالح عن دار لم تجب فيها شفعةٌ، وإذا صالح على دارٍ وجبت فيها الشفعة، وإذا كان الصلح عن إقرارٍ فاستحق بعض المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض، وإن وقع الصلح عن سكوتٍ أو إنكارٍ فاستحق المتنازع فيه رجع المدعى بالخصومة ورد العوض، وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه، وإن ادعى حقاً في دارٍ لم يبينه فصولح من ذلك على شيء ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئاً من العوض، لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي. ــ عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة) ؛ لأنه في زعمه أنه مالك لما في يده (وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة) ؛ لأنه في زعمه يأخذ عوضا من حقه؛ فيعامل كل على معتقده ويجوز أن يختلف العقد بالنسبة كما في الإقالة وقد مر (وإذا صالح) المدعى عليه (عن دار) بإنكار أو سكوت (لم تجب فيها شفعة) لأنه يزعم أنه لم يملكها بالصلح، وقول المدعى لا ينفذ عليه (وإذا صالح) عما ادعى عليه به (على دار) له (وجبت فيها الشفعة) لأنه الآخذ يزعم أنه ملكها بعوض فتلزمه الشفعة بإقراره وإن كان المدعى عليه يكذبه. (وإذا كان الصلح عن إقرار فاستحق بعض) المدعى به (المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك) المستحق (من العوض) المصالح به؛ لما مر أن الصلح مع الإقرار كالبيع، وحكم الاستحقاق في البيع كذلك (وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه) كله (رجع المدعى بالخصومة) على المستحق (ورد العوض) المصالح به؛ لأن المدعى عليه ما بذل تعوض للمدعى إلا ليدفع خصومته عن نفسه. فإذا ظهر الاستحقاق تبين أنه لا خصومة له، فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده (وإن استحق بعض ذلك) المتنازع فيه (رد حصته ورجع بالخصومة فيه) على المستحق؛ اعتباراً للبعض بالكل (وإن ادعى) المدعي (حقاً في دار لم يبينه) بنسبة إلى جزء شائع، أو إلى جهة مخصوصة، أو مكان معين منها (فصولح من ذلك) أي عن ذلك الحق (على شيء. ثم استحق بعض الدار) المدعى فيها الحق (لم يرد شيئا من العوض) المصالح به؛ (لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي)

стр. 389

والصلح جائز في معنى الأموال والمنافع وجناية العمد والخطأ ولا يجوز من دعوى حدٍ. وإذا ادعى رجلٌ على امرأةٍ نكاحاً وهي تجحد فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز وكان معنى الخلع، وإن ادعت امرأةٌ نكاحاً على رجلٍ فصالحها على مالٍ بذله لها لم يجز، وإن ادعى على رجلٍ أنه عبده فصالحه على مالٍ أعطاه جاز، وكان في حق المدعى في معنى العتق على مالٍ ــ بخلاف ما إذا استحق كله؛ لأنه يعرى العوض عما يقابله. (والصلح جائز من دعوى الأموال) ، لأنه في معنى البيع كما مر (والمنافع) لأنها تملك بالإجارة فكذا بالصلح (وجناية العمد والخطأ) في النفس وما دونها أما الأول فلأنه حق ثابت في المحل؛ فجاز أخذ العوض عنه، وأما الثاني فلأن موجبه المال، فيصير بمنزلة البيع، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية، لأنه مقدر شرعا، فلا يجوز إبطاله، فترد الزيادة، بخلاف الأول حيث تجوز الزيادة على قدر الدية، لأن القصاص ليس بمال، وإنما يقوم بالعقد (ولا يجوز) الصلح (من دعوى حد) ؛ لأنه حق الله تعالى، ولا يجوز الاعتياض عن حق غيره. (وإذا ادعى رجل على امرأة نكاحاً وهي تجحد) دعواه (فصالحته على مال بذلته) له (حتى يترك الدعوى جاز) الصلح (وكان) ذلك (في معنى الخلع) في جانبه، لزعمه أن النكاح قائم، ولدفع الخصومة في جانبها (وإن ادعت امرأة نكاحاً على رجل) وهو يجحد (فصالحها على مال بذله) لها (لم يجز) الصلح، لأنه بذل لها المال لتترك الدعوى، فإن جعل فرقة فالزوج لا يعطى العوض في الفرقة وإن لم يجعل فرقة فالحال على ما كان قبل الدعوى؛ وعلى كل لا شيء يقابله العوض فلم يصح، وفي بعض النسخ "جاز" ووجهه أن يجعل زيادة في مهرها، كذا في الهداية، قال في التصحيح نقلا عن الاختيار: الأول أصح (وإن ادعى على رجل أنه عبده فصالحه) المدعى عليه (على مال أعطاه) إياه (جاز، وكان) ذلك الصلح (في حق المدعى في معنى العتق على مال) ، لزعمه أنه ملكه، وكذا في حق المدعى

стр. 390

وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحقٌ بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه، كمن له على رجلٍ ألف درهمٍ جيادٌ فصالحه على خمسمائة زيوفٍ جاز وصار كأنه أبرأه عن بعض حقه وأخذ باقيه، ولو صالحه على ألفٍ مؤجلٍ جاز وصار كأنه أجل نفس الحق، ولو صالحه على دنانير إلى شهرٍ لم يجز، ولو كان له ألفٌ مؤجلة فصالحه على خمسمائةٍ حالةٍ لم يجز، ولو كان له ألفٌ سودٌ فصالحه على خمسمائةٍ بيضٍ لم يجز. ــ عليه إن كان الصلح عن إقرار، ويثبت الولاء، وإلا كان لدفع الخصومة لزعمه الحرية، ولا يثبت الولاء إلا أن يقيم المدعى البينة فتقبل ويثبت الولاء. (وكل شيء وقع عليه) أي عنه (الصلح وهو مستحق بعقد المداينة) الني يدعيها المدعى، وكان بدل الصلح من جنس ما يدعيه (لم يحمل) فيه الصلح (على المعاوضة) لإفضائه إلى الربا الموجب لفساد الصلح (وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه) تحرياً لتصحيحه بقدر الإمكان، وذلك (كمن له على رجل ألف درهم جياد فصالحه على خمسمائة زيوف جاز) الصلح (و) صار كأنه أبرأه عن بعض حقه واستوفى بعضه، وتجوز في قبض الزيوف عن الجياد (و) كذلك (لو صالحه على ألف مؤجلة جاز) أيضاً (وصار كأنه أجل نفس الحق) ، لأنه لا يمكن جعله معاوضة، لأن بيع الدراهم بمثلها نسيئة لا يجوز، فحملناه لى التأخير (ولو صالحه على دنانير) مؤخرة (إلى شهر لم يجز) ، لأن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة فلا يمكن حمله على التأخير، ولا وجه له سوى المعاوضة، وبيع الدراهم بالدنانير نسيئة لا يجوز وإنما خص المداينة مع أن الحكم في الغصب كذلك حملا لأمر المسلم على الصلاح (ولو كان له ألف مؤجلة فصالحه) عنها (على خمسمائة حالة لم يجز) ، لأن المعجل خير من المؤجل، وهو غير مستحق بالعقد؛ فيكون التعجيل بإزاء ما حط عنه وذلك اعتياض عن الأجل، فلم يجز (و) كذا (لو كان له ألف سود فصالحه) عنها (على خمسمائة بيض لم يجز) أيضاً، لما مر أنه معاوضة، بخلاف العكس، لأنه إسقاط قدر أو صف

стр. 391

ومن وكل رجلا بالصلح عنه فصالحه لم يلزم الوكيل ما صالح عليه إلا أن يضمنه والمال لازمٌ للموكل. فإن صالح عنه على شيء بغير أمره فهو على أربعة أوجهٍ: إن صالح بمال وضمنه تم الصلح، وكذلك لو قال "صالحتك على ألفي هذه" تم الصلح ولزمه تسليمها، وكذلك لو قال "صالحتك على ألفٍ" وسلمها، وإن قال "صالحتك على ألفٍ" ولم يسلمها فالعقد موقوفٌ: فإن أجازه المدعى عليه جاز ولزمه الألف، وإن لم يجزه بطل. ــ (ومن وكل رجلا بالصلح عنه) عن دم العمد أو عن دين على بعضه ليكون إسقاطاً (فصالحه) أي صالح الوكيل المدعى كذلك (لم يلزم الوكيل ما صالح عليه) . لأن الصلح إذا كان إسقاطاً كان الوكيل فيه سفيراً ومعبراً، والسفير لا ضمان عليه، كما مر (إلا أن يضمنه) ؛ لأنه حينئذ مواخذٌ بعقد الضمان لا بعقد الصلح (والمال) المصالح عليه (لازم للموكل) ؛ لأن العقد يضاف إليه. قيدنا الصلح بدم العمد أو دينٍ ببعضه لأنه إذا كان عن مال بمال فهو بمنزلة البيع؛ فترجع الحقوق إلى الوكيل، فيكون المطالب بالمال هو الوكيل دون الموكل. هداية. (فإن صالح عنه) أي عن المدعى عليه، فضوليٌ (على شيء بغير أمره فهو) يقع (على أربعة أوجه) يتم في ثلاثة منها، ويتوقف على إجازة الأصيل في واحد، وقد بين ذلك بقوله: (إن صالح بمال وضمنه تم الصلح) ، لأن الحاصل للمدعى عليه ليس إلا البراءة، ويكون الفضولي متبرعاً على المدعى عليه، كما لو تبرع بقضاء الدين (وكذلك إن قال: صالحتك) عنه (على ألفي هذه، تم الصلح ولزمه تسليمها) ؛ لأنه لما أضافه إلى مال نفسه فقد التزم تسليمه، فصح الصلح (وكذلك لو قال: صالحتك) عنه (على ألف) من غير نسبة (وسلمها) إليه؛ لأن المقصود - وهو سلامة البدل - قد حصل؛ فصح الصلح (وإن قال: صالحتك) عنه (على ألفٍ) من غير نسبة ولا تسليم (ولم يسلمه؛ فالعقد موقوف) على الإجازة؛ لأنه عقد فضولي (فإن أجازه) الأصيل وهو (المدعى عليه جاز ولزمه الألف) المصالح بها (وإن لم يجزه بطل) لأن الصلح حاصل له، إلا أن الفضولي يصير أصيلا بواسطة إضافة

стр. 392

وإذا كان الدين بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على ثوبٍ فشريكه بالخيار: إن شاء اتبع الذي عليه الدين بنصفه، وإن شاء أخذ نصف الثوب، إلا أن يضمن له شريكه ربع الدين، ولو استوفى نصف نصيبه من الدين كان لشريكه أن يشركه فيما قبض، ثم يرجعان على الغريم بالباقي، ولو اشترى أحدهما بنصيبه من الدين سلعةً كان لشريكه أن يضمنه ربع الدين، ــ الضمان إلى نفسه، فإذا لم يضفه بقي عاقداً عن الأصيل؛ فيتوقف على إجازته. (وإذا كان الدين بين شريكين) بسبب متحد كثمن مبيع صفقة واحدة، وثمن المال المشترك، والموروث بينهما، وقيمة المستهلك المشترك. هداية (فصالح أحدهما من نصيبه على ثوب فشريكه) الساكت (بالخيار: إن شاء اتبع الذي عليه الدين بنصفه) الباقي عنده؛ لأن نصيبه باقٍ في ذمته؛ لأن القابض قبض نصيبه، لكن له حق المشاركة (وإن شاء أخذ نصف الثوب) المصالح به، لأن الصلح وقع على نصف الدين وهو مشاع، لأن قسمة الدين حالة كونه في الذمة لا يصح، وحق الشريك متعلق بكل جزء من الدين، فيتوقف على إجازته، وأخذه النصف دليل على إجازته العقد (إلا أن يضمن له) أي للشريك الساكت (شريكه) المصالح (ربع الدين) ؛ لأن حقه في ذلك (ولو استوفى) أحد الشريكين (نصف نصيبه من الذين كان لشريكه) الساكت (أن يشركه فيما قبض) ؛ لأنه لما قبضه ملكه مشاعا كأصله، فلصاحبه أن يشاركه فيه، ولكنه قبل المشاركة باق على ملك القابض، لأن العين غير الدين حقيقة، وقد قبضه بدلا عن حقه فيملكه حتى ينفذ تصرفه فيه، ويضمن لشريكه حصته (ثم يرجعان) جميعاً (على الغريم بالباقي) ؛ لأنهما لما اشتركا في المقبوض بقي الباقي على الشركة (ولو اشترى أحدهما بنصيبه من الدين) المشترك (سلعة كان لشريكه أن يضمنه ربع الدين) ، لأنه صار قابضاً حقه بالمقاصة كاملا؛ لأن مبنى البيع على المماكسة، بخلاف الصلح، لأن مبناه على الإغماض والحطيطة، فلو ألزمناه دفع الدين يتضرر به، فيخير القابض كما مر

стр. 393

وإذا كان السلم بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على رأس المال لم يجز عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: يجوز الصلح. وإذا كانت التركة بين ورثةٍ فأخرجوا أحدهم منها بمالٍ أعطوه إياه والتركة عقارٌ أو عروضٌ جاز، قليلاً كان ما أعطوه أو كثيراً، وإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهباً. أو كانت ذهباً فأعطوه فضةً، فهو كذلك، ــ (وإذا كان السلم بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على) ما دفع من (رأس المال) فإن أجازه الآخر جاز اتفاقا، وكان المقبوض من رأس المال مشتركا بينهما، وما بقي من السلم كذلك، وإن لم يجزه (لم يجز) الصلح (عند أبي حنيفة ومحمد) ؛ لأنه لو جاز في نصيب أحدهما خاصة يكون قسمة الدين قبل القبض، ولو جاز في نصيبهما لابد من إجازة الآخر؛ لأن فيه فسخ العقد على شريكه بغير إذنه، وهو لا يملك ذلك (وقال أبو يوسف: يجوز الصلح) اعتباراً بسائر الديون، قال في التصحيح: وهكذا ذكر الحاكم قول محمد مع أبي حنيفة، وهكذا في الهداية، وفي الإسبيجاني: وقالا يجوز الصلح، وقول أبي حنيفة هو أصح الأقاويل عند المحبوبي، وهو المختار للفتوى على ما هو رسم المفتى عند القاضي وصاحب المحيط، وهو المعول عليه عند النسفي. (وإذا كانت التركة بين ورثة فأخرجوا أحدهم منها بمالٍ أعطوه إياه والتركة عقاراً وعروض جاز) ذلك (قليلا كان ما أعطوه أو كثيرا) ؛ لأنه أمكن تصحيحه بيعاً، وفيه أثر عثمان ﵁؛ فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار. هداية. (وإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهباً، أو) بالعكس، بأن كانت (ذهباً فأعطوه فضة فهو كذلك) جائز، سواء كان ما أعطوه قليلا أو كثيراً؛ لأن بيع الجنس بخلاف الجنس، فلا يعتبر التساوي، ولكن يعتبر تقابض البدلين في المجلس،

стр. 394

وإن كانت التركة ذهباً وفضةً وغير ذلك فصالحوه على فضةٍ أو ذهبٍ فلابد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية الميراث، وإن كان في التركة دينٌ على الناس فأدخلوه في الصلح على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين لهم فالصلح باطلٌ، فإن شرطوا أن يبرئ الغرماء منه ولا يرجع عليهم بنصيب المصالح فالصلح جائزٌ. كتاب الهبة . ــ لأنه صرف (وإن كانت التركة ذهباً وفضة وغير ذلك) من عروض أو عقار (فصالحوه على فضة أو ذهب فلابد) من (أن يكون ما أعطوه) من الذهب والفضة (أكثر من نصيبه) من التركة (من ذلك الجنس) للدفوع إليه (حتى يكون نصيبه بمثله) من المدفوع إليه (والزيادة بحقه) أي بمقابلة حقه (من بقية الميراث) احترازاً عن الربا، ولابد من التقابض فيما يقابل نصيبه، لأنه صرف في هذا القدر (وإذا كان في التركة دين على الناس فأدخلوه) : أي الدين (في الصلح على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين) كله كبقية التركة (لهم فالصلح باطل) في الدين والعين معاً؛ لأن فيه تمليك لدين من غير من عليه الدين، وهو باطل، وإذا بطل في حصة الدين بطل في الكل؛ لأن الصفقة واحدة، وقد ذكر لصحته حيلة فقال: (فإن شرطوا) يعني المصالحين (أن يبرئ) المخرج (الغرماء منه) أي من حصته من الدين (ولا يرجع) بالبناء للمجهول (عليهم) أي على الغرماء (بنصيب المصالح فالصلح جائز) ، لأنه إسقاط، أو هو تمليك الدين ممن عليه الدين، وهو جائز. هداية. ثم قال: وهذه حيلة الجواز، والأخرى أن يعجلوا قضاء نصيبه متبرعين، وفي الوجهين ضرر ببقية الورثة؛ فالأوجه أن يقرضوا المصالح مقدار نصيبه، ويصالحوا عما وراء الدين، ويحيلهم على استيفاء نصيبه من الغرماء، اهـ. كتاب الهبة وجه المناسبة لما قبله مر من أن في الصلح مساعدة لقضاء الحاجة وكذا في الهبة فتناسبا

стр. 395

- الهبة تصح بالإيجاب والقبول، وتتم بالقبض، فإذا قبض الموهوب له في المجلس بغير أمر الواهب جاز، وإن قبض بعد الافتراق لم تصح، إلا أن يأذن له الواهب في القبض. وتنعقد الهبة بقوله: وهبت، ونحلت، وأعطيت، وأطعمتك هذا الطعام ــ (الهبة) لغة: التبرع والتفضل بما ينفع الموهوب مطلقاً، وشرعا: تمليك عين بلا عوض، و (تصح بالإيجاب والقبول) ، لأنها عقد كسائر العقود، إلا أن الإيجاب من الواهب ركن، والقبول ليس بركن استحساناً، خلافا لزفر كما في الفيض، وفي الدرر: قال الإمام حميد الدين: ركن الهبة الإيجاب في حق الواهب، لأنه تبرع فيتم من جهة المتبرع، أما في حق الموهوب له فلا تتم إلا بالقبول اهـ. وفي الجوهرة: وإنما عبر هنا بتصح وفي البيع بينعقد لأن الهبة تتم بالإيجاب وحده، ولهذا لو حلف لا يهب فوهب ولم يقبل الموهوب له حنث، أما البيع فلا يتم إلا بهما جميعاً. اهـ. ثم لا ينفذ ملك الموهوب له (وتتم) الهبة له إلا (بالقبض) الكامل الممكن في الموهوب، فالقبض الكامل في المنقول ما يناسبه، وكذا العقار كقبض المفتاح أو التخلية، وفيما يحتمل السمة بالقسمة، وفيما لا يحتملها بتبعية الكل، وتمامه في الدرر (فإن قبض الموهوب له) الهبة (في المجلس بغير أمر الواهب) ولم ينهه (جاز) استحساناً، لأن الإيجاب إذنٌ له بالقبض دلالة (وإن قبض بعد الافتراق لم تصح) الهبة؛ لأن القض في الهبة منزل منزلة القبول، والقبول مختص بالمجلس، فكذا ما هو بمنزلته بالأولى (إلا أن يأذن له الواهب في القبض) لأنه بمنزلة عقد مستأنف. قيدنا بعدم نهيه لأنه لو نهاه عن القبض لم يصح قبضه، سواء كان في المجلس أو بعده، لأن الصريح أقوى من الدلالة. (وتنعقد الهبة بقوله: وهبت، ونحلت، وأعطيت) ، لأن الأول صريح في ذلك، والثاني والثالث مستعملان فيه (و) كذا (أطعمتك هذا الطعام) ، لأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد تمليك العين، بخلاف ما إذا قال

стр. 396

وجعلت هذا الثوب لك، وأعمرتك هذا الشيء، وحملتك على هذه الدابة، إذا نوى بالحملان الهبة. ولا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزةً مقسومةً. وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزةٌ. ومن وهب شقصاً مشاعاً فالهبة فاسدةٌ، فإن قسمه وسلمه جاز. ولو وهب دقيقاً في حنطةٍ أو دهناً في سمسمٍ فالهبة فاسدةٌ، فإن طحن وسلم ــ "أطعمتك هذه الأرض" حيث تكون عارية، لأن عينها لا تطعم (وجعلت هذا الثوب لك) لأن اللام للتمليك (وأعمرتك هذا الشيء) وكذا "جعلت هذا الشيء لك عمري" وسيأتي بيانه (وحملتك على هذه الدابة، إذا نوى بالحملان) عليها (الهبة) ؛ لأنه ليس بصريح فيها، إذ هو الإركاب حقيقة، فيكون عارية، لكنه يحتمل الهبة فيحمل عليه عند نيته. (ولا تجوز الهبة فيما يقسم) أي يمكن قسمه ويبقى منتفعاً به بعد القسمة من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة ولو من الشريك (إلا محوزة) : أي مجموعة مفرغة عن ملك الواهب وحقوقه، واحترز به عما إذا وهب التمر على النخل دونه، والزرع في الأرض دونها (مقسومة) ؛ لأن القبض الكامل ممكن فيه بالقسمة؛ فلا يكتفي بالقاصر. (وهبة المشاع فيما لا يقسم) : أي لا يبقى به بعد القسمة أصلا كعبد ودابة، أو لا يبقى منتفعاً به من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة كالحمام الصغير والرحى (جائزة) ؛ لأن القبض القاصر هو الممكن فيكتفي به. (ومن وهب شقصا) أي جزءا (مشاعا) فيما يحتمل القسمة (فالهبة فاسدة) ؛ لما مر (فإن قسمه) أي قسم الشقص الموهوب (وسلمه) إلى الموهوب له (جاز) ذلك؛ لأن تمامه بالقبض، وعنده لا شيوع. (ولو وهب دقيقاً في حنطة أو دناً في سمسم) أو سمنا في لبن (فالهبة فاسدة) أب باطلة؛ ولذا قال: (فإن طحن) الحنطة (وسلم) الدقيق، أو أخرج الدهن

стр. 397

لم يجز. وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها بالهبة، وإن لم يجدد فيها قبضاً، وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبةً ملكها الابن بالعقد، فإن وهب له أجنبيٌ هبةً تمت بقبض الأب، وإذا وهب ــ من السمسم، أو السمن من اللبن، وسلم للموهوب له (لم يجز) ذلك؛ لأن الموهوب معدوم، والمعدوم ليس محلا للملك، فوقع العقد باطلا، فلا ينعقد إلا بالتحديد، بخلاف ما تقدم؛ لأن المشاع محل للتمليك، وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، والزرع والنخل في الأرض، والتمر في النخل - بمنزلة المشاع؛ لأن امتناع الجواز للاتصال، وذلك يمنع القبض كالشائع. هداية. (وإذا كانت العين) الموهوبة (في يد الموهوب له ملكها بالهبة) : أي بقبولها (وإن لم يجدد فيها قبضا) جديداً؛ لأن العين في قبضته، والقبض هو الشرط، بخلاف ما إذا باعه منه؛ لأن القبض في البيع مضمون؛ فلا ينوب عنه قبض الأمانة، أما قبض الهبة غير مضمون فينوب عنه، هداية. قال في الينابيع: يريد به إذا كانت العين في يده وديعة أو عارية أو مغصوبة أو مقبوضة بالعقد الفاسد، أما لو كانت في يده رهناً فيحتاج إلى تجديد القبض، قال الإسبيجاني: بأن يرجع إلى الموضع الذي فيه العين ويمضي وقت يتمكن فيه من قبضها، كذا في التصحيح (وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبة) معلومة (ملكها الابن) الموهوب له (بالعقد) لأنه في قبض الأب؛ فينوب عن قبض الهبة، ولا فرق بين ما إذا كان في يده أو يد مودعه، لأن يده كيده، بخلاف ما إذا كان مرهوناً أو مغصوبا أو مبيعا فاسداً، لأنه في يد غيره أو في ملك غيره، والصدقة في هذا مثل الهبة، وكذا إذا وهبت له أمه وهو في عيالها والأب ميت ولا وصي له، وكذلك كل من يعوله، هداية (فإن وهب له) أي الصغير (أجنبي هبة تمت بقبض الأب) ؛ لأنه يملك عليه الدائر بين النفع والضرر، فملكه النافع أولى (وإذا وهب) بالبناء للمجهول

стр. 398

لليتيم هبةٌ فقبضها له وليه جاز، فإن كان في حجر أمه فقبضها له جائزةٌ، وكذلك إن كان في حجر أجنبيٍ يربيه فقبضه له جائزٌ. وإن قبض الصبي الهبة بنفسه له جاز. وإن وهب اثنان من واحدٍ داراً جاز، وإن وهب واحدٌ من اثنين داراً لم يصح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصح. ــ (لليتيم هبة فقبضها وليه) وهو أحد أربعة: الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه (له) أي للصغير (جاز) القبض وتمت الهبة، وإن لم يكن اليتيم في حجرهم، وعند عدم هؤلاء تتم بقبض من هو في حجره، كما ذكره بقوله: (فإن كان) اليتيم (في حجر أمه) أو أخيه أو عمه (فقبضها) أي الأم ونحوها (له جائز) ، لأن لهؤلاء الولاية فيما يرجع إلى حفظه وحفظ ماله، وهذا من باب الحفظ، لأنه لا يبقى إلا بالمال (وكذلك إن كان) اليتيم (في حجر أجنبي يربيه) ولو ملتقطاً (فقبضه له جائز) ، لأن له عليه يداً معتبرة، ألا يرى أنه لا يتمكن أجنبي آخر أن ينزعه من يده؛ فيملك ما يتمحض نفعاً كم حقه. (وإن قبض الصبي الهبة بنفسه جاز) إذا كان مميزاً، لأنه في النافع المحض كالبالغ، قال في الهداية: ويملكه مع حضرة الأب، بخلاف الأم ونحوها حيث لا يملكونه إلا بعد موت الأب أو غيبته غيبة منقطعة في الصحيح؛ لأن تصرف. هؤلاء للضرورة، ومع حضرة الأب لا ضرورة. اهـ. (وإن وهب اثنان من واحد داراً) أو نحوها مما يقسم (جاز) ؛ لأنهما سلماه جملة وهو قبضها جملة؛ فلا شيوع (وإن وهب واحد من اثنين لم يصح عند أبي حنيفة) ؛ لأنهما هبة النصف من كل واحد منهما، فيلزم الشيوع (وقال أبو يوسف ومحمد: يصح) لأنهما هبة الجملة منهما، إذ التمليك واحد فلا يتحقق الشيوع، قال في التصحيح: وقد اتفقوا على ترجيح دليل الإمام، واختار قوله أبو الفضل الموصلي وبرهان الأئمة والمحبوبي وأبو البركات النسفي. اهـ. قيدنا بالهبة لأن الإجارة الرهن والصدقة للاثنين تصح اتفاقا

стр. 399

وإذا وهب هبةً لأجنبيٍ فله الرجوع فيها، إلا أن يعوضه عنها، أو تزيد زيادةً متصلةٌ، أو يموت أحد المتعاقدين، أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن وهب هبة لذي رحمٍ محرمٍ منه فلا رجوع فيها، ــ (وإذا وهب هبة لأجنبي) وقبضها الموهوب له (فله) أي للواهب (الرجوع فيها) لأن المقصود بها التعويض للعادة، فيثبت ولاية الفسخ عند فواته، إذ العقد يقبله. هداية، ثم قال: وقوله "فله الرجوع" لبيان الحكم، أما الكراهة فلازمة؛ لقوله ﵊: "العائد في هبته كالعائد في قيئه". اهـ. (ثم ذكر المصنف للرجوع موانع فقال: (إلا أن يعوضه) الموهوب له (عنها) ويقبضه الواهب، لحصول المقصود، لكن بشرط أن يذكر لفظا يعلم الواهب أنه عوض عن كل هبته كما يأتي قريبا (أو تزيد) العين الموهوبة بنفسها (زيادة متصلة) موجبة لزيادة القيمة كالبناء والغرس والسمن ونحو ذلك، لأنه لا وجه للرجوع فيها دون الزيادة لعدم الإمكان، ولا معها لعدم دخولها تحت العقد. قيد بالزيادة لأن النقصان لا يمنع، وبالمتصلة لأن المنفصلة كالولد والأرش لا تمنع فيرجع بالأصل دون الزيادة، وقيدنا الزيادة بنفسها لأنها لو كانت بالقيمة لا تمنع، لأنها للرغبة إذ العين بحالها، وبالموجبة لزيادة القيمة، لأنه لو كانت غير موجبة لزيادة القيمة لا تمنع، لأنها قد توجب نقصا (أو يموت أحد المتعاقدين) ، لأن بموت الموهوب له ينتقل الملك إلى الورثة، فصار كما إذا انتقل في حال حياته، وإذا مات الواهب فوارثه أجنبي عن العقد، إذ هو ما أوجبه. هداية (أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له) ، لأنه حصل بتسليط الواهب، فلا يكون له نقضه، لأن نقض الإنسان ما تم من جهته مردود، ولأن تبدل الملك كتبدل العين، وقد تبدل الملك بتجدد السبب، وفي المحيط: لو رده المشتري بعيب إلى الموهوب له ليس للواهب الرجوع، ولو وهبه لآخر ثم رجع فللأول الرجوع، لو وهب دارا فقبضها الموهوب له ثم باع نصفها فللواهب الرجوع في الباقي لخلوه من مانع الرجوع، كذا في الفيض (وإن وهب هبة لذي رحم محرم منه) نسباً (فلا رجوع فيها) ،

стр. 400

وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر. وإذا قال الموهوب له للواهب: خذ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقبضه الواهب سقط الرجوع، وإن عوضه أجنبيٌ عن الموهوب له متبرعاً فقبض الواهب العوض سقط الرجوع. وإذا استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض، وإن استحق نصف العوض لم يرجع في الهبة. ــ لأن المقصود فيها صلة الرحم، وقد حصل. قيدنا بالمحرم نسباً لأنه لو كان محرما من الرضاع كأخيه رضاعا أو المصاهرة كربيبته وأم امرأته كان له الرجوع (وكذلك) حكم (ما وهب أحد الزوجين للآخر) ؛ لأن المقصود فيها الصلة كما في القرابة، وإنما ينظر إلى هذا وقت العقد، حتى لو تزوجها بعدما وهب لها فله الرجوع، ولو أبانها بعد ما وهب لها فلا رجوع، هداية. (وإذا قال الموهوب له للواهب: خذ هذا) الشيء، سواء كان قليلا أو كثيراً من جنس الموهوب أولا؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة (عوضاً عن هبتك، أو بدلا عنها، أو في مقابلتها أو نحو ذلك مما هو صريح في أنه عوض عن جميع هبته (فقبضه الواهب سقط الرجوع) ؛ لحصول المقصود، ولو لم يذكر أنه عوض كان هبة مبتدأة، ولكل منهما الرجوع بهبته، ولهذا يشترط فيها شرائط الهبة من القبض والإفراز وعدم الشيوع (وإن عوضه أجنبي عن الموهوب له متبرعا) ؛ وكذا بأمر الموهوب له بالأولى (فقبض الواهب العوض سقط الرجوع) ؛ لأن العوض لإسقاط الحق فيصح من الأجنبي، كبدل الخلع والصلح. (وإذا استحق نصف الهبة) المعوض عنها (رجع) المعوض (بنصف العوض) لأنه لم يسلم له ما يقابل نصفه (وإن استحق نصف العوض لم يرجع) الواهب (في الهبة) بشيء منها؛ لأن الباقي يصلح عوضا للكل في الابتداء، وبالاستحقاق

стр. 401

إلا أن يرد ما بقي من العوض ثم يرجع. ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم. وإذا تلفت العين الموهوبة فاستحقها مستحقٌ فضمن الموهوب له لم يرجع على الواهب بشيء. وإذا وهب بشرط العوض اعتبر التقابض في العوضين، وإذا تقابضا صح العقد وصار في حكم البيع: يرد بالعيب، وخيار الرؤية، وتجب فيه الشفعة. ــ ظهر أنه لا عوض إلا هو (إلا) أنه يتخير، لأنه ما أسقط حقه في الرجوع إلا ليسلم له كل العوض، ولم يسلم له، فكان له (أن يرد ما بقي من العوض ثم يرجع) في هبته لبقائها بغير عوض. (ولا يصح الرجوع) في الهبة (إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم) للاختلاف فيه، فيضمن بمنعه بعد القضاء، لا قبله. (وإذا تلفت العين الموهوبة) في يد الموهوب له (فاستحقها مستحق فضمن) المستحق (الموهوب له لم يرجع) الموهوب له (على الواهب بشيء) ، لأنه عقد تبرع، فلا يستحق فيه السلامة. (وإذا وهب بشرط العوض) المعين (اعتبر) فيه شروط الهبة، وهي (التقابض في العوضين) والتمييز وعدم الشيوع، لأنه هبة ابتداء باعتبار التسمية (فإذا تقابضا) العوضين (صح العقد، وكان في حكم البيع) انتهاء لوجود المعاوضة، فهو (يرد بالعيب وخيار الرؤية وتجب فيه الشفعة) وهذا إذا قال: وهبتك على أن تعوضني كذا أما لو قال: وهبتك بكذا - بالباء - كان بيعاً ابتداء وانتهاء كما في الدر والدرر. قيدنا العوض بالمعين لأنه لو كان مجهولا يبطل اشتراطه، فيكون هبة ابتداء وانتهاء

стр. 402

والعمرى جائزةٌ للمعتمر في حال حياته، ولورثته من بعده. والرقبى باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: جائزةٌ. ومن وهب جاريةً إلا حملها صحت الهبة، وبطل الاستثناء. والصدقة كالهبة: لا تصح إلا بالقبض، ولا تجوز في مشاعٍ يحتمل القسمة، وإذا تصدق على فقيرين بشيءٍ جاز، ولا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض. ــ (والعمرى) وهي: أن يجعل داره له عمره، وإذا مات ترد عليه، وهي (جائزة للمعمر) له (حال حياته، ولورثته من بعده) ، لصحة التمليك، وبطلان الشرط، لأن الهبة لا تبطل بالشرط الفاسد. (والرقبى) وهي أن يقول له: أرقبتك هذه الدار، أو هذه الدار لك رقبى، ومعناه إن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي عادت إلي، وهي (باطلة عند أبي حنيفة) ومحمد لأنه تعليق التمليك بالخطر، فإذا سلمها إليه على هذا تكون عارية، له أخذها متى شاء (وقال أبو يوسف) : هي (جائزة) ، لأن قوله "داري لك" تمليك، وقوله "رقبى" شرط فاسد فيبطل كالعمرى، قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما. (ومن وهب جارية إلا حملها) أو على أن يردها عليه، أو يعتقها، أو يستولدها (صحت الهبة) ، لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة (وبطل الاستثناء) في الحمل، لأنه إنما يعمل في المحل الذي يعمل فيه العقد؛ وهبة الحمل لا تجوز، فلا يجوز استثناؤه، وكذا يبطل الشرط، لمخالفته مقتضى العقد، وهو ثبوت الملك مطلقاً. (والصدقة) على الفقير (كالهبة) لجامع التبرع؛ ولذا (لا تصح إلا بالقبض) لأنها تبرع كالهبة (ولا تجوز في مشاع يحتمل القسمة) لما مر (و) لكن (إذا تصدق على فقيرين بشيء) يحتمل القسمة (جاز) ، لأن المقصود في الصدقة هو الله تعالى وهو واحد، والفقير نائب عنه في القبض كالساعي في الزكاة (ولا يصح الرجوع في الصدقة) ولو على غنى استحسانا. هداية (بعد القبض) ؛ لأن المقصود هو الثواب وقد حصل

стр. 403

ومن نذر أن يتصدق بماله لزمه أن يتصدق بجنس ما تجب فيه الزكاة، ومن نذر أن يتصدق بملكه لزمه أن يتصدق بالجميع، ويقال له: أمسك منه مقدار ما تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكسب مالاً، فإذا اكتسبت مالاً تصدق بمثل ما أمسكت. كتاب الوقف . ــ (ومن نذر أن يتصدق بماله تصدق) أي: لزمه أن يتصدق (بجنس ما تجب فيه الزكاة) استحساناً؛ والقياس أن يلزمه التصدق بجميع ماله، لأن المال اسم لما يتمول وهو شامل لما تجب فيه الزكاة وغيره، وجه الاستحسان أن إيجاب العبد يعتبر بإيجاب الله تعالى فينصرف إيجابه إلى ما أوجب الشارع فيه الصدقة من المال، ولأن الظاهر التزام الصدقة من فاضل ماله، وهو مال الزكاة. هداية (ومن نذر أن يتصدق بملكه لزمه أن يتصدق بالجميع) ، لأنه أعم من لفظ المال، لأن المال مقيد بإيجاب الشارع ولا تخصيص في لفظ الملك، فبقي على العموم، والصحيح أنهما سواء لأن الملتزم باللفظين الفاضل عن الحاجة على ما مر، هداية. (و) إذا لم يكن له مال سوى ما دخل تحت الإيجاب (يقال له: أمسك منه) أي من المال الذي وجب التصدق به (ما) : أي شيئا (تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالا) غيره (فإذا اكتسبت مالا تصدق بمثل ما أمسكت) ؛ لأن حاجته مقدمة لئلا يقع في الضرر، ولم تقدر لاختلاف أحوال الناس وقيل: المحترف يمسك قوته ليوم، وصاحب الغلة لشهر، وصاحب الضياع لسنة، على حسب التفاوت في مدة وصولهم إلى المال، وعلى هذا صاحب التجارة يمسك بقدر ما يرجع إليه ماله. هداية. كتاب الوقف مناسبته للهبة من حيث إن كلا منهما تبرع بالملك، وقدمت الهبة لأنها تبرع بالعين والمنفعة جميعاً

стр. 404

- لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته فيقول: إذا مت فقد وقفت داري على كذا. وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول. وقال محمدٌ: لا يزول الملك حتى يجعل للوقف ولياً ويسلمه إليه. ــ وهو لغة: الحبس، وشرعاً: حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة عند الإمام، وعندهما هو: حبسها على حكم ملك الله تعالى. هداية. (لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة) : أي لا يلزم، فيصح الرجوع عنه، ويجوز بيعه، كما في التصحيح عن الجواهر (إلا) بأحد أمرين: (أن يحكم به الحاكم) المولى، لأنه مجتهد فيه، وصورة الحكم: أن يسلم الواقف وقفه إلى المتولى ثم يريد أن يرجع بعلة عدم اللزوم فيختصمان إلى القاضي فيقضي باللزوم كما في الفيض. قيدنا بالمولى لأن المحكم بتحكيم الخصمين لا يرفع الخلاف على الصحيح، (أو يعلقه بموته) فيقول: إذا مت فقد وقفت داري مثلا على كذا، فالصحيح أنه كوصيه يلزم من الثلث بالموت لا قبله، كما في الدر (وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول) في المشاع وغيره، سلم إلى المتولي أو لا، ذكر جهة لا تنقطع أولا، كما في التصحيح عن الجواهر (وقال محمد: لا يزول الملك حتى) يستوفي أربعة شرائط، وهي: أن (يجعل للوقف وليا) أي متولياً (ويسلمه إليه) ، وأن يكون مفرزاً، وأن لا يشترط لنفسه شيئاً من منافع الوقف، وأن يكون مؤبداً، بأن يجعل آخره للفقراء كما في التصحيح عن التحفة والاختيار، ثم قال: قلت: الثالث ليس فيه رواية ظاهرة عنه، وسيأتي، اهـ. ثم نقل أن الفتوى على قولهما في جواز الوقف عن الفتاوى الصغرى والحقائق والتتمة والعيون ومختارات النوازل والخلاصة ومنية المفتي وغيرها. ثم قال: ثم إن مشايخ بلخ اختاروا قول أبي يوسف، ومشايخ بخارى اختاروا قول محمد، وقد صح كلا القولين وأفتى به طائفة ممن يعول على تصحيحهم وإفتائهم

стр. 405

وإذا الوقف - على اختلافهم - خرج عن ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه. ووقف المشاع جائزٌ عند أبي يوسف. وقال محمدٌ: لا يجوز. ــ (فإذا استحق) بالبناء المجهول - أي ثبت، وفي بعض النسخ "صح" (الوقف على اختلافهم المار في صحته (خرج) الوقف (من ملك الواقف) وصار خبيساً على حكم ملك الله تعالى (ولم يدخل في ملك الموقوف عليه) ؛ لأنه لو ملكه لما انتقل عنه بشرط الواقف كسائر أملاكه، مع أنه ينتقل بالإجماع، وقال في الهداية: وقوله "خرج من ملك الواقف" يجب أن يكون قولهما على الوجه الذي سبق تقريره، اهـ. (ووقف المشاع) القابل للقسمة (جائز عند أبي يوسف) ؛ لأن القسمة من تمام القبض، والقبض عنده ليس بشرط؛ فكذا تتمته (وقال محمد: يجوز) لأن أصل القبض عنده شرط فكذا ما يتم به. قيدنا بالقابل للقسمة لأن ما لا يحتمل القسمة يجوز مع الشيوع عند محمد أيضاً؛ لأنه يعتبره بالهبة، قال في التصحيح: وأكثر المشايخ أخذوا بقول محمد، وفي الفتح عن المنية: الفتوى على قول أبي يوسف، وفيه عن المبسوط: وكان القاضي أبو عاصم يقول: قول أبي يوسف من حيث المعنى أقوى، إلا أن قول محمد أقرب إلى موافقة الآثار، اهـ. ولما كثر المصحح من الطرفين، وكان قول أبي يوسف فيه ترغيب للناس في الوقف وهو جهة بر - أطبق المتأخرون من أهل المذهب على أن القاضي الحنفي والمقلد يخير بين أن يحكم بصحته وبطلانه، وإذا كان الأكثر على ترجيح قول محمد، وبأيها حكم صح حكمه ونفذ، فلا يسوغ له ولا لقاض غيره أن يحكم بخلافه كما صرح به غير واحد، وقال في البحر: وصح وقف المشاع إذا قضى بصحته؛ لأنه قضاء في مجتهد فيه، ثم قال: أطلق القاضي فشمل الحنفي وغيره؛ فإن للحنفي المقلد أن يحكم بصحة وقف المشاع وبطلانه؛ لاختلاف الترجيح، وإذا كان في المسألة قولان مصححان فإنه يجوز القضاء والإفتاء بأحدهما كما صرحوا به، اهـ ونحوه في

стр. 406

ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمدٍ حتى يجعل آخره لجهةٍ لا تنقطع أبداً. وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهةً تنقطع جاز، وصار بعدها للفقراء، وإن لم يسمهم. ويصح وقف العقار، ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول. وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعةً ببقرها أو أكرتها وهم عبيده جاز. ــ النهر والمنح والدر وغيرها، لكن صرح بعضهم بأنه ينبغي للقاضي - حيث كان مخبراً - أن يميل إلى قول أبي يوسف وبحكم بالصحة؛ أخذاً من قولهم: يختار في الوقف ما هو الأنفع والأصلح للوقف، ومن أحب مزيد الاطلاع فعليه برسالتنا "لذة الأسماع، في حكم وقف المشاع" (ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يجعل آخره لجهة لا تنقطع أبداً) بأن يجعل آخره للفقراء؛ لأن شرط جوازه عندهما أن يكون مؤبداً؛ فإذا عين جهة تنقطع صار مؤقتاً معنى؛ فلا يجوز (وقال أبو يوسف: إذ سمى فيه جهة تنقطع جاز، وصار) وقفاً مؤبداً، وإن لم يذكر التأبيد؛ لأن لفظ الوقف والصدقة منبئ عنه، فيصرف إلى الجهة التي سماها مدة دوامها، ويصرف (بعدها للفقراء وإن لم يسمهم) ولذا قال في الهداية: وقيل: إن التأييد شرط بالإجماع، إلا أن عند أبي يوسف لا يشترط ذكر التأبيد؛ لأن لفظة الصدقة والوقف منبئة عنه، ثم قال: ولهذا قال في الكتاب في بيان قوله "وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم"، وهذا هو الصحيح، وعند محمد ذكر التأبيد شرط، اهـ. (ويصح وقف العقار) اتفاقا، لأنه متأبد (ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول) ؛ لأنه لا يبقى؛ فكان توقيتاً معنى، وقد ذكرنا أن شرط صحته التأبيد، قال في الهداية: وهذا على الإرسال - أي الإطلاق - قول أبي حنيفة (وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها) جمع أكار - بالتشديد - الفلاح: أي عمالها (وهم) أي الأكرة (عبيده جاز) وكذا سائر آلات الحراسة؛ لأنه تبع للأرض في تحصيل ما هو المقصود، وقد يثبت من الحكم تبعاً ما لا يثبت مقصوداً كالشرب

стр. 407

وقال محمدٌ: يجوز حبس الكراع والسلاح، ــ في البيع والبناء في الوقف، ومحمد معه فيه؛ لأنه لما جاز إفراد بعض المنقول عنده بالوقف فلأن يجوز الوقف تبعاً أولى، هداية. (وقال محمد: يجوز حبس الكراع) أي الخيل كما في الغاية عن ديوان الأدب (والسلاح) قال في الهداية: وأبو يوسف معه فيه على ما قالوا، وهذا استحسان، ووجهه الآثار المشهورة (١) فيه. قال في الجواهر: تخصيص أبي يوسف في الضيعة ببقرها ومحمد في الكراع باعتبار أن الرواية جاءت عن أبي يوسف في الضيعة وعن محمد في الكراع نصا

стр. 408

وإذا صح الوقف لم يجز بيعه، ولا تمليكه، إلا أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف فيطلب الشريك القسمة فتصح مقاسمته. والواجب: أن يبدأ من ريع الوقف بعمارته، شرط الواقف ذلك أو لم يشرط. وإن وقف دارا على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى، ــ لا أن ذكر أبي يوسف لأجل خلاف محمد وذكر محمد لأجل خلاف أبي يوسف اهـ. (وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه) ؛ لخروجه عن ملكه (إلا أن يكون) الوقف (مشاعاً) لجوازه (عند أبي يوسف) كما مر (فيطلب الشريك) فيه (القسمة فتصح مقاسمته) ؛ لأنها تمييز وإفراز، غاية الأمر أن الغالب في غير المكيل والموزون معنى المبادلة، إلا أنا في الوقف جعلنا الغالب معنى الإفراز نظرا للوقف؛ فلم يكن بيعاً ولا تمليكا، ثم إن وقف نصيبه من عقار مشترك فهو الذي يقاسم شريكه؛ لأن الولاية إلى الواقف، وبعد الموت إلى وصيه، وإن وقف نصف عقار خالص له فالذي يقاسمه القاضي، أو يبيع نصيبه الباقي من رجل ثم يقاسم المشتري، ثم يشرى ذلك منه؛ لأن الواحد لا يجوز أن يكون مقاسما ومقاسما، ولو كان في القسمة فضل دراهم إن أعطى الواقف لا يجوز، لامتناع بيع الوقف، وإن أعطى جاز، ويكون بقدر الدراهم شراء، هداية. (والواجب أن يبدأ من ريع الوقف) : أي غلته (بعمارته) بقدر ما يبقى على الصفة التي وقف عليها، وإن خرب بنى على ذلك، سواء (شرط الواقف ذلك أو لم يشرط) ، لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبداً، ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة فيثبت شرط العمارة اقتضاء. (وإذا وقف داراً على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى) من ماله؛ لأن

стр. 409

فإن امتنع من ذلك أو كان فقيراً أجرها الحاكم وعمرها بأجرتها، فإذا عمرت ردها إلى من له السكنى. وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقي الوقف. وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية ــ الغرم بالغنم (فإن امتنع) من له السكنى (من ذلك، أو) عجز بأن (كان فقيراً أجرها الحاكم) من الموقوف عليه أو غيره (وعمرها بأجرتها) كعمارة الواقف، ولم يزد في الأصح إلا برضا من له السكنى، زيلعي. ولا يجبر الآتي على العمارة، ولا تصح إجارة من له السكنى، بل المتولي أو القاضي كما في الدر (فإذا عمرت) وانقضت مدة إجارتها (ردها إلى من له السكنى) ؛ لأن في ذلك رعاية الحقين حق الواقف بدوام صدقته، وصاحب السكنى بدوام سكناه؛ لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا، وبالإجارة تتأخر، وتأخير الحق أولى من فواته. (وما انهدم من بناء الوقف وآلته) وهي الأداة التي يعمل بها كآلة الحراثة في ضيعة الوقف (صرفه الحاكم) أي أعاده (في عمارة الوقف إن احتاج) الوقف (إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها) حتى لا يتعذر عليه ذلك أو أن الحاجة فيبطل المقصود، وإن تعذر إعادة عينه بيع وصرف ثمنه إلى المرمة، صرفاً للبدل إلى مصرف البدل. (ولا يجوز أن يقسمه) أي المنهدمك وكذا بدله (بين مستحقي الوقف) ؛ لأنه جزء من العين، ولا حق لهم فيها، إنما حقهم في المنفعة؛ فلا يصرف لهم غير حقهم. (وإذا جعل الواقف غلة الوقف) أو بعضها (لنفسه أو جعل الولاية) على

стр. 410

إليه جاز عند أبي يوسف. وإذا بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن للناس بالصلاة فيه، فإذا صلى فيه واحدٌ زال ملكه عنه عند أبي حنيفة ومحمدٍ، ــ الوقف (إليه) أي نفسه (جاز عند أبي يوسف) أما الأول فهو جائز عند أبي يوسف، ولا يجوز على قياس قول محمد، وهو قول هلال الرازي، قال الإمام قاضيخان نقلا عن الفقيه أبي جعفر: وليس في هذا عن محمد رواية ظاهرة، ثم قال: ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وقالوا: يجوز الوقف والشرط جميعاً، وذكر الصدر الشهيد أن الفتوى عليه ترغيباً للناس في الوقف، ومثله في الفتاوى الصغرى نقلا عن شيخ الإسلام، واعتمده النسفي وأبو الفضل الموصلي. وأما الثاني فقال في الهداية: هو قول هلال أيضاً، وهو ظاهر المذهب، واستدل له دون مقابله، وكذا لو لم يشترط الولاية لأحد فالولاية له عند أبي يوسف، ثم لوصيه إن كان، وإلا فللحاكم كما في فتاوى قارئ الهداية، تصحيح ملخصاً. (وإذا بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه) الواقف: أي يميزه (عن ملكه بطريقه) ، لأنه لا يخلص لله تعالى إلا به (ويأذن للناس بالصلاة فيه) ، لأنه من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، وتسليم كل شيء بحبسه، وذلك في المسجد بالصلاة فيه، لتعذر القبض فيه، فقام تحقق المقصود مقامه (فإذا صلى فيه واحد زال ملكه عند أبي حنيفة ومحمد) في رواية، وفي الأخرى - وهي الأشهر - يشترط الصلاة بالجماعة، لأن المسجد يبنى لذلك، وقال الإمام قاضيخان: وعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية الحسن عنه يشترط أداء الصلاة بالجماعة اثنان فصاعدا كما قال محمد، وفي رواية عنه إذا صلى واحد فإذنه يصير مسجداً! إلا أن بعضهم قال: إذا صلى فيه واحد بأذان وإقامة، وفي ظاهر الرواية لم يذكر هذه الزيادة، والصحيح رواية الحسن عنه، لأن قبض كل شيء وتسليمه يكون بحسب ما يليق به، وذلك في المسجد بأداء الصلاة بالجماعة، أما الواحد فإنه يصلي في كل مكان، قال في التصحيح: واستفدنا منه أن ما عن محمد هو رواية عن أبي حنيفة،

стр. 411

وقال أبو يوسف: يزول ملكه عنه بقوله "جعلته مسجداً" ومن بنى سقايةً للمسلمين أو خاناً يسكنه بنو السبيل أو رباطاً أو جعل أرضه مقبرةً لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به حاكمٌ. وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول. وقال محمدٌ: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك. ــ هو الصحيح، اهـ. (وقال أبو يوسف: يزول ملكه عنه) أي المسجد (بقوله: جعلته مسجداً) لأن التسليم عنده ليس بشرط، لأنه إسقاط لملكه فيصير خالصاً لله تعالى بسقوط حقه. (ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل) أي المسافرون (أو رباطا) يسكنه الفقراء (أو جعل أرضه مقبرة) لدفن الموتى (لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به حاكم) ؛ لأنه لم ينقطع عن حقد العمد، ألا يرى أن له أن ينتفع به فيسكن وينزل في الرباط ويشرب من السقاية ويدفن في المقبرة، فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء، بخلاف المسجد، لأنه لم يبق له حق الانتفاع به، فخلص لله تعالى من غير حكم الحاكم، هداية (وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول) كما هو أصله، إذ التسليم عنده ليس بشرط (وقال محمد: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك) لأن التسليم عنده شرط، والشرط تسليم نوعه، وذلك بما ذكرناه، ويكتفى بالواحد، لتعذر فعل الجنس كله، وعلى هذا البئر والحوض، ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه، لأنه نائب عن الموقوف عليه، وفعل النائب كفعل المنوب عنه، وأما في المسجد فقد قيل: لا يكون تسليما، لأنه لا تدبير للمتولي فيه، وقيل: يكون تسليما، لأنه يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه، فإذا سلم صح تسليمه إليه، والمقبرة في هذا بمنزلة المسجد على ما قيل، لأنه لا متولي له عرفا، وقد قيل: هي بمنزلة السقاية والخان، فيصح التسليم إلى المتولي، لأنه لو نصب المتولي صح وإن كان بخلاف العادة؛ هداية

стр. 412

كتاب الغصب . - ومن غصب شيئاً مما له مثلٌ فهلك في يده فعليه ضمان مثله، وإن كان مما لا مثل له فعليه قيمته يوم الغصب، وعلى الغاصب رد العين المغصوبة؛ فإن ادعى هلاكها حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها، ثم ــ كتاب الغصب مناسبته للوقف من حيث إن في كل منهما رفع يد المالك وحبس الملك، إلا أن الأول شرعي فقدم، والثاني غير شرعي فأخر. وهو لغة: أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب، وشرعا: أخذ مال متقوم محترم بغير إذا المالك على وجه يزيل يده، حتى كان استخدام العبد وحمل الدابة غصباً، دون الجلوس على البساط، هداية. (ومن عصب شيئاً مما له مثل فهلك في يده فعليه ضمان مثله) ؛ لما فيه من مراعاة الصورة بالجنس والمعنى بالمالية؛ فكان أدفع للضرر، وإن انقطع المثل بأن لا يوجد في السوق الذي يباع فيه فعليه قيمته: يوم الخصومة عند الإمام، ويوم الغصب عند أبي يوسف، ويوم الانقطاع عند محمد، والأصح قول الإمام، لأن النقل لا يثبت بمجرد الانقطاع، ولذا لو صبر إلى أن يوجد جنسه له ذلك، وإنما ينتقل بقضاء القاضي فتعتبر قيمته حينئذ (وإن كان) المغصوب (مما لا مثل له فعليه قيمته) يوم الغصب اتفاقا لأنه لما تعذر مراعاة الصورة بتفاوت الآحاد وجب مراعاة المعنى فقط - وهو المالية - دفعاً للضرر بقدر الإمكان، والمثلى المخلوط بخلاف جنسه كبر مخلوط بشعير قيمي لأنه لا مثل له (و) الواجب (على الغاصب رد العين المغصوبة) في مكان غصبها ما دامت قائمة، سواء كانت مثلية أو قيمية (فإن ادعى) الغاصب (هلاكها) أي العين المغصوبة لم يصدق بمجرد قوله، بل (حبسه الحاكم حتى يعلم) صدقه ويغلب على ظنه (أنها لو كانت باقية) عنده لكان (أظهرها) مبالغة في الاحتيال إلى إيصال الحق إلى المستحق (ثم) بعد

стр. 413

قضى عليه ببدلها. والغصب فيما ينقل ويحول، وإذا غصب عقاراً فهلك في يده لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمنه، ومن نقص منه بفعله كهدمه وسكناه ضمنه في قولهم جميعاً. وإذا هلك المغصوب في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله فعليه ضمانه، ــ ذلك (قضى عليه ببدلها) من مثل أو قيمة؛ لتعذر رد العين. (والغصب) إنما يتحقق (فيما ينقل ويحول) ؛ لأن الغصب إنما يتحقق فيه دون غيره؛ لأن إزالة اليد بالنقل (وإذا غصب عقاراً فهلك في يده) بآفة سماوية كغلبة سيلٍ (لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ؛ لعدم تحقق الغصب بإزالة اليد؛ لأن العقار في محله بلا نقل، والتبعيد للمالك عنه فعل فيه لا في العقار؛ فكان كما إذا بعد المالك عن المواشي (وقال محمد: يضمنه) ؛ لتحقق إثبات اليد، ومن ضرورته زوال يد المالك؛ لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة، قال في التصحيح: والصحيح قولهما، واعتمده النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة والموصلي، اهـ. لكن في القهستاني: والصحيح الأول في غير الوقف، والثاني في الوقف كما في العمادي وغيره، وفي الدر: وبه يفتى في الوقف، ذكره العيني، اهـ قيدنا كون الهلاك بآفة سماوية لأنه لو كان بفعله يضمن اتفاقا، كما يشير لذلك قوله (وما نقص منه) أي العقار (بفعله) أي الغاصب (كهدمه) لبنائه (وسكناه) الموهنة لبنائه (ضمنه في قولهم جميعاً) ؛ لأنه إتلاف، والعقار يضمن به، كما إذا نقل ترابه؛ لأنه فعلٌ في العين، ويدخل فيما قاله إذا انهدمت الدار بسكناه وعمله، هداية. (وإذا هلك المغصوب) النقلي (في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله فعليه ضمانه) ؛ لدخوله في ضمانه بالغصب السابق، وعند العجز عن رده تجب قيمته، ثم إن كان بفعل غيره رجع عليه بما ضمن، لأنه قرر عليه ضمانا كان يمكنه أن يتخلص منه

стр. 414

وإن نص في يده فعليه ضمان النقصان. ومن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار: إن شاء ضمنه وسلمها إليه، وإن شاء ضمنه نقصانها، ومن خرق ثوب غيره خرقاً يسيراً ضمن نقصانه، وإن خرقه خرقاً كثيراً يبطل عامة منفعته فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته، ــ برد العين. جوهرة (وإن نقص في يده فعليه ضمان النقصان) ؛ لدخوله في ضمانه بجميع أجزائه، فما تعذر رد عينه منها يجب رد قيمته. قيد بالنقصان لأنه لو تراجع السعر لا يضمن، لأنه عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء، وإذا وجب ضمان النقصان قومت العين صحيحة يوم غصبها ثم تقوم ناقصة فيغرم ما بينهما، قال في الهداية: ومراده غير الربوى، أما في الربويات لا يمكنه تضمين النقصان مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا، اهـ. (ومن ذبح شاة غيره) أو بقرته ونحوها من كل دابة مأكولة اللحم (فمالكها بالخيار: إن شاء ضمنه قيمتها وسلمها إليه) ؛ لأن ذلك إتلاف من وجه باعتبار فوت بعض الأغراض من الحمل والدر والنسل (وإن شاء ضمنه نقصانها) لبقاء بعضها - وهو اللحم - ولو كانت الدابة غير مأكولة اللحم فذبحها الغاصب أو قطع طرفها ضمن جميع قيمتها، لوجود الاستهلاك من كل وجه، بخلاف قطع طرف المملوك حيث يأخذه مع الأرش، لأن الآدمي يبقى منتفعاً به بعد القطع (ومن خرق ثوب غيره خرقاً يسيراً ضمن نقصانه) والثوب لمالكه، لقيام العين من كل وجه، وإنما دخله عيب قيضمنه (وإن خرق) الثوب (خرقاً كثيراً) بحيث (يبطل عامة منفعته فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته (لأنه استهلاك من هذا الوجه، وله أخذه وتضمينه النقصان، لأنه تعيب من وجه، لبقاء اتلعين وبعض المنافع. قال في الهداية: ثم إشارة الكتاب إلى أن الفاحش ما يبطل به عامة المنافع، والصحيح أن الفاحش ما يفوت بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض

стр. 415

وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها، وملكها الغاصب، وضمنها، ولم يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، وهذا كمن غصب شاةً فذبحها وشواها أو طبخها، أو غصب حنطةً فطحنها، أو حديداً فاتخذه سيفاً، أو صفراً فعمله آنيةً، ــ العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل فيه النقصان، لأن محمدا جعل في الأصل قطع الثوب نقصانا فاحشا والفائت بعض المنافع، اهـ. (وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب) احترز به عما إذا تغيرت بنفسها كأن صار العنب زبيباً بنفسه أو الرطب تمراً فإن المالك فيه بالخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه وضمنه (حتى زال اسمها وأعظم منافعها) أي: أكثر مقاصدها، احترز عن الدراهم إذا سبكها بلا ضرب، فإنه وإن زال اسمها لكن بقي أعظم منافعها، ولذا لا ينقطع حق المالك عنها كما في المحيط (زال ملك المغصوب منه عنها) : أي العين المغصوبة (وملكها الغاصب وضمنها) : أي ضمن بدلها لمالكها (و) لكن (لم يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها) استحساناً، لأن في إباحة الانتفاع قبل أداء البدل فتح باب الغصب، فيحرم الانتفاع قبل إرضاء المالك بأداء البدل أو إبرائه، حسماً لمادة الفساد (وهذا) : أي زوال اسمها وأعظم منافعها مثاله (كمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها أو) غصب (حنطة فطحنها، أو) غصب (حديداً فاتخذه سيفاً، أو) عصب (صفراً) بالضم - ما يعمل منه الأواني (فعمله آنية) لحدوث صنعة متقومة صيرت حق المالك هالكا من وجه بحيث تبدل الاسم وفات معظم المقاصد، وحق الغاصب في الصنعة قائم من كل وجه، فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه، ولا نجعله سبباً للملك من حيث إنه محظور، بل من حيث إنه إحداث صنعة، بخلاف الشاة لأن اسمها باق بعد الذبح والسلخ. هداية

стр. 416

وإن غصب فضةً أو ذهباً فضربها دنانير أو دراهم أو آنيةً لم يزل ملك مالكها عنها ولزم الغاصب قيمتها. ومن غصب أرضاً فغرس فيها أو بنى، قيل له: اقلع الغرس والبناء وردها فارغةً، ــ (وإن غصب فضة) نقرة (أو ذهباً) تبراً (فضربها دراهم أو دنانير، أو) عملها (آنية لم يزل ملك مالكها عنها عند أبي حنيفة) قال في الهداية: فيأخذهما ولا شيء للغاصب؛ وقالا: يملكها الغاصب وعليه مثلهما، وأخر دليل الإمام وضمنه جواب دليلهما، واختاره المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة، كذا في التصحيح (ومن غصب ساجة) بالجيم - شجر عظيم جداً، ولا ينبت إلا ببلاد الهند (فبنى عليها) بناء قيمته أكثر من قيمتها (زال ملك مالكها عنها، ولزم الغاصب قيمتها) لصيرورتها شيئاً آخر، وفي القلع ضرر ظاهر لصاحب البناء من غير فائدة تعود للمالك، وضرر المالك ينجبر بالضمان. قال في الهداية: ثم قال الكرخي والفقيه أبو جعفر: إنما لا ينقض إذا بنى حول الساجة، أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض. وجواب الكتاب يرد ذلك وهو الأصح، اهـ. (ومن غصب أرضاً فغرس فيها أو بنى قيل له) أي الغاصب: (اقلع الغرس والبناء وردها) إلى صاحبها (فارغة) كما كانت؛ لأن الأرض لا تغصب حقيقة فيبقى فيها حق المالك كما كان، والغاصب جعلها مشغولة فيؤمر بتفريغها. درر. وقيد ذلك في المنح بما إذا كانت قيمة الأرض أكثر، ثم قال: وإن كانت قيمة البناء أكثر فللغاصب أن يضمن له قيمة الأرض ويأخذها، ذكره في النهاية، وفي القهستاني عند قول الماتن "أمر بالقلع والرد" ما نصه: أي رد الأرض فارغة إلى المالك ولو كانت القيمة أكثر من قيمة الأرض، وقال الكرخي: إنه لا يؤمر حينئذ ويضمن القيمة، وهذا أوفق لمسائل الباب كما في النهاية، وبه أفتى بعض

стр. 417

فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعاً فيكون له. ومن غصب ثوباً فصبغه أحمر أو سويقاً فلته بسمنٍ فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه أبيض ومثل السويق وسلمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما وضمن ما زاد الصبغ والسمن فيهما. ومن غصب عيناً فغيبها فضمنه المالك قيمتها ملكها الغاصب. ــ المتأخرين كصدر الإسلام، وإنه حسن، ولكن نحن نفتي بجواب الكتاب اتباعا لأشياخنا كما في العمادي، اهـ (فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك) منها (فللمالك أن يضمن له) أي للغاصب (قيمة البناء والغرس مقلوعاً فيكون) ذلك مع الأرض (له) أي للمالك؛ لأن في ذلك نظراً لهما ودفع الضرر عنهما. قال في الهداية: وقوله "قيمته مقلوعاً" معناه قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه؛ لأن حقه فيه إذا لا قرار له؛ فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء، وتقوم وبها شجر وبناء لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه؛ فيضمن فضل ما بينهما، اهـ. (ومن غصب ثوباً فصبغه أحمر) أو غيره مما تزيد به قيمة الثوب، فلا عبرة للألوان، بل لحقيقة الزيادة والنقصان (أو) غصب (سويقاً) : أي دقيقاً (فلته) أي خلطه (بسمن، فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه) أي ضمن الغاصب (قيمة ثوب أبيض) ؛ لأن الثوب قيميٌ (ومثل السويق) لأنه مثلي (وسلمهما) أي الثوب والسويق (للغاصب، وإن شاء أخذهما) المالك (وضمن) للغاصب (ما زاد الصبغ والسمن فيهما) ؛ لأن في ذلك رعاية للجانبين، والخيرة لصاحب الثوب؛ لكونه صاحب الأصل، بخلاف الساجة يبنى فيها؛ لأن النقض له بعد النقض (١) فيتلاشى، هداية. (ومن غصب عيناً فغيبها) بالمعجمة: أي أخفاها (فضمنه المالك قيمتها ملكها الغاصب) ؛ لأن المالك ملك البدل بكماله، والمبدل قابل للنقل فيملكه

стр. 418

والقول في القيمة قول الغاصب مع يمينه، إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك، فإن ظهرت العين وقيمتها أكثر مما ضمن وقد ضمنها بقول المالك أو ببينةٍ أقامها أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا خيار للمالك، وإن كان ضمنها بقول الغاصب مع يمينه فالمالك بالخيار: إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين ورد العوض. وولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانةٌ في يد الغاصب، فإن هلك فلا ضمان ــ الغاصب؛ لئلا يجتمع البدلان في ملك شخص واحد. (والقول في القيمة) إذا اختلفا فيها (قول الغاصب) ؛ لإنكاره الزيادة، والقول قول المنكر (مع يمينه) كما مر (إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك) لإثباته بالحجة (فإن ظهرت العين) بعد ذلك (وقيمتها أكثر مما) كان (ضمن وقد) كان (ضمنها بقول المالك أو ببينة أقامها) المالك (أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا خيار للمالك) وهي للغاصب؛ لأنه تم له الملك بسببٍ اتصل به رضا المالك حيث ادعى هذا المقدار (وإن كان ضمنها بقول الغاصب مع يمينه فالمالك بالخيار: إن شاء أمضى الضمان) ولا خيار للغاصب ولو قيمته أقل؛ للزومه بإقراره (وإن شاء أخذ العين ورد العوض) ؛ لأنه لم يتم رضاه بهذا المقدار حيث يدعى الزيادة، وأخذه دونها لعدم الحجة، ولو ظهرت العين وقيمتها مثل ما ضمنه أو دونه في هذا الفصل الأخير فكذا الجواب في ظاهر الرواية، وهو الأصح، خلافا لما قال الكرخي؛ لأنه لم يتم رضاه حيث لم يعط ما يدعيه، والخيار لفوت الرضا. هداية. (وولد) العين (المغصوبة ونماؤها) المتصل كالسمن والحسن والمنفصل كالدر (وثمرة البستان المغصوب) قبل بدو الثمرة (أمانة في يد الغاصب) ؛ لأن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك كما مر، ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب (فإن هلك) : أي الولد وما عطف عليه (فلا ضمان

стр. 419

عليه، إلا أن يتعدى فيها؛ أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه، وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب، فإن كان في قيمة الولد وفاءٌ به جبر النقصان بالولد، وسقط ضمانه عن الغاصب، ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان. وإذا استهلك المسلم خمر الذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما، ــ عليه) أي الغاصب (إلا أن يتعدى فيها) أي الزيادة - بأن أتلفها، أو أكلها، أو باعها - (أو) أن (يطلبها) : أي الزيادة (مالكها فيمنعها إياه) ؛ لأنه بالمنع والتعدي صار غاصباً. (ما نقصت الجارية) أي انتقصت؛ لأن نقص يجئ لازما ومتعديا، وهو هنا لازم كما في ابن ملك (بالولادة) فهو (في ضمان الغاصب) ؛ لأنه حصل في ضمانه (فإن كان في قيمة الولد وفاء به) : أي بالنقصان (جبر النقصان بالولد، وسقط ضمانه عن الغاصب) ؛ لأن سبب الزيادة والنقصان واحد، وهو الولادة، وإن لم يكن فيه وفاء سقط بحسابه، ولو ماتت وبالولد وفاء كفى، هو الصحيح. اختيار. (ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه) من ركوب الدابة، وسكنى الدار، وخدمة العبد؛ لأنها حصلت على ملك الغاصب؛ لحدوثها في يده، والإنسان لا يضمن ما حدث في ملكه، سواء استوفاها أو عطلها، وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع فيجب فيها أجر المثل على اختيار المتأخرين وعليه الفتوى، وهي: أن يكون وقفاً، أو ليتيم، أو معداً للاستغلال بأن بناه أو اشتراه لذلك؛ إلا إذا سكن المعد للاستغلال بتأويل ملك كسكنى أحد الشريكين أو عقدٍ كسكنى المرتهن (إلا أن ينقص) المغصوب (باستعماله) : أي الغاصب (فيغرم النقصان) لاستهلاكه بعض أجزاء العين. (وإذا استهلك المسلم خمر الذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما) ؛ لأنهما مال في حقه؛ إذا الخمر عند أهل الذمة كالخل عندنا، والخنزير عندهم كالشاة عندنا،

стр. 420

وإن استهلكهما المسلم على المسلم لم يضمن. كتاب الوديعة . - الوديعة أمانةٌ في يد المودع، إذا هلكت لم يضمنها، وللمودع أن يحفظها بنفسه وبمن في عياله، فإن حفظها بغيرهم أو أودعها ضمن ــ ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون، ولهذا أقروا على بيعهما، إلا أنه يجب قيمة الخمر وإن كان من ذوات الأمثال؛ لأن المسلم ممنوع من تملكه (وإن استهلكهما) : أي الخمر والخنزير، وهما (لمسلم) بأن أسلم وهما في يده (لم يضمن) المستهلك، سواء كان مسلماً أو ذمياً؛ لأنهما ليسا بمال في حقه، وهو مأمور بإتلافهما، وممنوع عن تملكهما، وتجب في كسر المعازف قيمتها لغير لهو، كما في المختار. كتاب الوديعة مناسبتها للغصب أنها تنقلب إليه عند المخالفة أو التعدي. وهي لغةً: الترك، وشرعا: تسليط الغير على حفظ ماله، وهي اسم أيضاً لما يحفظه المودع، كما عبر بذلك المصنف بقوله: (الوديعة) فعلية بمعنى مفعولة - بتاء النقل إلى الاسمية كما في نهاية ابن الأثير - (أمانة في يد المودع) بالفتح (إذا هلكت) من غير تعد (لم يضمنها) ؛ لأن بالناس حاجة إلى الاستيداع، فلو ضمناه يمتنع الناس عن قبول الودائع؛ فتتعطل مصالحهم، هداية (وللمودع أن يحفظها) : أي الوديعة (بنفسه وبمن في عياله) ؛ لأن الظاهر أنه يلتزم حفظ مال غيره على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه، ولأنه لا يجد بدا من الدفع إلى عياله؛ لأنه لا يمكنه ملازمة بيته، ولا استصحاب الوديعة في خروجه، الذي في عياله هو الذي يسكن معه، وتجري عليه نفقته: من امرأته، وولده، وأجيره، وعبده، وفي الفتاوى: هو ومن يساكنه، سواء كان في نفقته أو لا، جوهرة (فإن حفها بغيرهم) : أي غير من في عياله (أو أودعها) غيرهم (ضمن) ؛ لأن المالك رضي بيده لا بيد غيره، والأيدي تختلف في الأمانة، ولأن الشيء

стр. 421

إلا أن يقع في داره حريقٌ فيسلمها إلى جاره، أو يكون في سفينةٍ يخاف الغرق فيلقيها إلى سفينةٍ أخرى، وإن خلطها المودع بماله حتى لا تتميز ضمنها، فإن طلبها صاحبها فحبسها عنه وهو يقدر على تسليمها ضمنها، وإن اختلطت بماله من غير فعله ــ لا يتضمن مثله كالوكيل لا يوكل غيره (إلا أن يقع في داره حريق فيسلمها إلى جاره، أو يكون) المودع (في سفينة) وهاجت الريح، وصار بحيث (يخاف الغرق، فيلقيها إلى سفينة أخرى) ؛ لأنه تعين طريقا للحفظ في هذه الحالة فيرتضيها المالك، ولا يصدق على ذلك إلا ببينة، لأنه يدعي ضرورة مسقطة للضمان بعد تحقق السبب، فصار كما لو ادعى الإذن في الإيداع، هداية. قال في المنتقى: هذا إذا لم يكن الحريق عاماً مشهوراً عند الناس، حتى لو كان مشهوراً لا يحتاج إلى البينة، اهـ (وإن خلطها المودع بماله حتى) صارت بحيث (لا تتميز ضمنها) ولا سبيل للمودع عليها عند أبي حنيفة؛ لاستهلاكها من كل وجه؛ لتعذر الوصول إلى عين حقه، وقالا: إذا خلطها بجنسها شركه إن شاء؛ لأنه وإن لم يمكنه الوصول إلى عين حقه صورة يمكنه معنى بالقسمة، فكان استهلاكا من وجه دون وجه، فيميل إلى أيهما شاء. هداية. قال في التصحيح: واختار قول الإمام المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة (فإن طلبها صاحبها) بنفسه أو وكيله (فحبسها عنه وهو يقدر على تسليمها) ثم هلكت (ضمنها) لتعديه بالمنع فيصير غاصباً. قيد بكونه قادراً على تسليمها لأنه لو حبسها عجزاً أو خوفا على نفسه أو ماله لم يضمن، وفي القهستاني عن المحيط: لو طلبها فقال "لم أقدر أن أحضرها تلك الساعة" فتركها فهلكت لم يضمن، لأنه بالترك صار مودعا ابتداء، ولو طلبها فقال "اطلبها غدا" فلما كان الغد قال "هلكت" لم يضمن ولو قال في السر "من أخبرك بعلامة كذا فادفعها إليه" ثم جاء رجل بتلك العلامة ولم يدفعها إليه حتى هلكت لم يضمن، اهـ (وإن اختلطت) الوديعة (بماله من غير فعله)

стр. 422

فهو شريكٌ لصاحبها، وإن أنفق المودع بعضها ثم رد مثله فخلطه بالباقي ضمن الجميع، وإذا تعدى المودع في الوديعة - بأن كانت دابةً فركبها أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره - ثم أزال التعدي وردها إلى يده زال الضمان، فإن طلبها صاحبها فحجدها إياه فهلكت ضمنها، فإن عاد إلى الاعتراف لم يبرأ من الضمان. وللمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حملٌ ومؤنةٌ، ــ كأن انشق الظرفان وانصب أحدهما على الآخر (فهو) : أي المودع (شريك لصاحبها) اتفاقا؛ لاختلاطها من غير جناية (وإن أنفق المودع بعضها) أي الوديعة (ثم رد مثله) أي مثل ما أنفقه (فخلطه) : أي المردود (بالباقي) ثم هلكت (ضمن الجميع) أي جميع الوديعة، من الذي كان بقي منها والذي رده إليها عوضاً عما أنفقه؛ لخلطه الوديعة بماله فيكون استهلاكا على الوجه الذي تقدم (وإذا تعدى المودع في الوديعة - بأن كانت دابة فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو عبدا فاستخدمه، أو أودعها عند غيره) ممن ليس في عياله (ثم أزال التعدي وردها إلى يده زال الضمان) لزوال سببه - وهو التعدي - وبقاء الأمر بالحفظ، فكانت يده كيد المالك حكما؛ لأنه عاملٌ له بالحفظ، فبإزالة التعدي ارتدت إلى يد صاحبها حكما (فإن طلبها صاحبها فجحدها إياه) فهلكت (ضمنها) ؛ لأنه لما طالبه بالرد فقد عزله عن الحفظ، فيبقى بعده بالإمساك غاصباً، فيضمن (فإن عاد) بعد جحوده (إلى الاعتراف) بها (لم يبرأ من الضمان) ؛ لارتفاع العقد، لأن المطالبة بالرد رفع من جهة المالك، والجحود فسخ من جهة المودع، فتم رفع العقد منهما، وإذا ارتفع لا يعود إلا بالتجديد، فلم يوجد الرد إلى نائبه، بخلاف المخالفة، ثم العود إلى الوفاق لبقاء الأمر؛ فكان الرد إلى نائبه كما ي الهداية. (وللمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حمل) أي ثقل (ومؤنة) أي أجرة عند أبي حنيفة، لإطلاق الأمر، وقالا: ليس له ذلك إذا كان له حمل ومؤنة،

стр. 423

وإن أودع رجلان عند رجل وديعةً ثم حضر أحدهما فطلب نصيبه منها لم يدفع إليه شيئاً حتى يحضر الآخر، عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يدفع إليه نصيبه. وإن أودع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يقسم لم يجز أن يدفعه أحدهما إلى الآخر ولكنهما يقتسمانه فيحفظ كل واحدٍ منهما نصفه، وإن كان مما لا يقسم جاز أن يحفظه أحدهما بإذن الآخر. ــ لأن المالك تلزمه مؤنة الرد في ذلك، فالظاهر أنه لا يرضى به فيتقيد، وظاهر الهداية ترجيح قولهما بتأخير دليلهما. (وإن أودع رجلان عند رجل) وديعة من ذوات الأمثال (ثم حضر أحدهما) دون صاحبه (فطلب نصيبه منها لم يدفع إليه) : أي إلى الحاضر (شيئا) منها (حتى يحضر) صاحبه (الآخر عند أبي حنيفة) ، لأنه يطالبه بمفرزٍ، وحقه في مشاع ولا يفرز إلا بالقسمة، وليس للمودع ولايتها (وقالا: يدفع إليه نصيبه) ؛ لأنه يطالبه بدفع نصيبه الذي سلمه إليه، قال في التصحيح: واعتمد قول الإمام المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة اهـ. قيدنا بذوات الأمثال لأنها لو كانت من القيميات لا يدفع إليه اتفاقا، على الصحيح، كما في الهداية والفيض. (وإن أودع رجل عند رجلين شيئاً مما يقسم) مثليا كان أو قيميا (لم يجز أن يدفعه أحدهما إلى الآخر) ، لأن المالك لم يرض بحفظ أحدهما لكله (ولكنهما يقتسمانه فيحفظ كل واحد منهما نصفه) ، لأنه لما أودعهما مع علمه أنهما لا يقدران على ترك أعمالهما واجتماعهما أبداً في مكان واحد للحفظ كان راضياً بقسمتها وحفظ كل واحد للنصف دلالةً، والثابت دلالةً كالثابت بالنص (وإن كان مما لا يقسم جاز أن يحفظه أحدهما بإذن الآخر) ، لأن المالك يرضى بيد كل منهما على كله، لعلمه أنهما لا يجتمعان عليه أبداً

стр. 424

وإذا قال صاحب الوديعة للمودع "لا تسلمها إلى زوجتك" فسلمها إليها لم يضمن. وإن قال له "احفظها في هذا البيت" فحفظها في بيتٍ آخر من الدار لم يضمن، وإن حفظها في دارٍ أخرى ضمن. كتاب العارية . - العارية جائزةٌ ــ (وإذا قال صاحب الوديعة للمودع لا تسلمها إلى زوجتك فسلمها) المودع (إليها) أي إلى زوجته وهلكت (لم يضمن) ؛ لأنه لا يجد بداً من ذلك، فإنه إذا خرج كان البيت وما فيه مسلما إليها، فلا يمكنه إقامة العمل مع مراعاة هذا الشرط وإن كان مفيداً، لكن في شرح الإسبيجاني: وهذا إذا كان لا يجد بدا من ذلك، لأن الشرط - وإن كان مفيداً - لكن العمل به غير ممكن، أما إذا كان يجد بداً منه يلزمه مراعاة شرطه بقدر الإمكان، لتمكنه من حفظها على الوجه المأمور به. فإذا خالف ضمن، اهـ ملخصاً (وإن قال له: احفظها في هذا البيت) لبيت معين من الدار (فحفظها في بيت آخر من) تلك (الدار) وهلكت (لم يضمن) ، لأن الشرط غير مفيد، فإن البيتين في دار واحدةٍ لا يتفاوتان في الحرز (وإن حفظها في) بيت من (دار أخرى ضمن) ، لأن الدارين يتفاوتان في الحرز، فكان مفيداً، فيصح التقييد، ولو كان التفاوت بين البيتين ظاهراً - بأن كانت الدار التي فيها البيتان عظيمة، وللبيت الذي نهاه عن الحفظ فيه عورة ظاهرة - صح الشرط. هداية. كتاب العارية مناسبتها للوديعة ظاهرة، من حيث اشتراكهما في الأمانة. (العارية) بالتشديد، وتخفف (جائزة) ، لأنها نوع إحسان، وقد استعار النبي ﷺ دروعا من صفوان. (١) هداية.

стр. 425

وهي: تمليك المنافع بغير عوضٍ، وتصح بقوله: أعرتك، وأطعمتك هذه الأرض ــ (وهي) لغة: إعارة الشيء كما في القاموس، وشرعا: تمليك المنافع بغير عوض، أفاد (١) بالتمليك لزوم الإيجاب والقبول ولو فعلا (وتصح بقوله: أعرتك،) لأنه صريح فيها (وأطعمتك هذه الأرض) أي غلتها، لأن الأرض لا تطعم،
следующие страницы →