← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21496

اللباب في شرح الكتاب

عبد الغني الميداني

Полный текст (904 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أن كان غزلا فسرقه فقطع فيه فرده ثم نسج فعاد فسرقه - قطع، وإذا قطع السارق والعين قائمةٌ في يده ردها، وإن كانت هالكةً لم يضمن، وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه وإن لم يقم بينةً. وإذا خرج جماعةٌ ممتنعين، أو واحدٌ يقدر على الامتناع، ــ أن) لو (كان) المسروق (غزلا فسرقه فقطع فيه فرده) لمالكه (ثم نسج) ذلك الغزل وصار كرباساً (فعاد) السارق (فسرقه) ثانياً (قطع، وإذا قطع السارق والعين) المسروقة (قائمة في يده ردها) على مالكها، لبقائها على ملكه (وإن كانت) العين (هالكة) أو مستهلكة على المشهور (لم يضمن) ، لأنه لا يجتمع القطع والضمان عندنا، سواء كان الاستهلاك قبل القطع أو بعده، مجتبى. وفيه: لو استهلكه المشتري منه أو الموهوب له فللمالك تضمينه. (وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه وإن لم يقم بينة) لوجود الشبهة باحتمال الصدق. (ولما أنهى الكلام عن السرقة الصغرى أخذ في الكلام على السرقة الكبرى فقال: (وإذا خرج جماعة ممتنعين) : أي قادرين على أن يمنعوا على أنفسهم تعرض الغير، (أو واحد يقدر على الامتناع) بنفسه، قال في غاية البيان: وإطلاق اسم الجماعة يتناول المسلم والذمي والكافر، والحر والعبد، والمراد من الامتناع: أن يكون قاطع الطريق بحيث يمكن له أن يدفع عن نفسه بقوته وشجاعته تعرض الغير، قال الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي: اعلم أن قاطع الطريق إنما يكون بعد أن تستجمع فيه شرائط، وهي: أن يكون لهم قوة وشوكة ينقطع الطريق بهم، وأن لا يكون بين قريتين ولا بين مصرين ولا مدينتين، وأن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر؛

стр. 667

فقصدوا قطع الطريق فأخذوا قبل أن يأخذوا مالاً ولا قتلوا نفساً حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبةً، وإن أخذوا مال مسلمٍ أو ذميٍ والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحدٍ منهم عشرة دراهم فصاعداً أو ما قيمته ذلك قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلهم الإمام حداً، فإن عفا الأولياء عنهم لم يلتفت إلى عفوهم، وإن قتلوا وأخذوا المال. ــ فإذا وجدت هذه الأشياء يكون قاطعاً للطريق، وإلا فلا، هكذا ذكر في ظاهر الرواية، وروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان أقل من مسيرة سفر أو كان في المصر ليلا فإنه يجري عليهم حكم قطاع الطريق، وهو: أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى والفتوى هنا على قول أبي يوسف، اهـ. ونقل مثله في التصحيح عن الينابيع وشرح الطحاوي (فقصدوا قطع الطريق، فأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ولا قتلوا نفساً حبسهم الإمام) وهو المراد بالنفي في الآية؛ إذ المراد توزيع الأجزية على الأحوال كما هو مقرر في الأصول (حتى يحدثوا توبة) لا بمجرد القول، بل بظهور سيماء الصالحين أو الموت (وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم) بالسوية (أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم) فضة فصاعداً (أو ما قيمته ذلك) من غيرها (قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف) أي قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى، وهذا إذا كان صحيح الأطراف كما مر، وهذه حالة ثانية (وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا) لا قصاصاً، ولذا لا يشترط فيه أن يكون موجباً للقصاص بأن يكون بمحدد، ولا يجوز العفو عنه كما صرح بقوله: (فإن عفا الأولياء عنهم لم يلتفت إلى عفوهم) ، لأن الحدود وجبت حقاً لله تعالى لا حق للعباد فيها، وهذه حالة ثالثة (وإن قتلوا وأخذوا المال) وهي

стр. 668

فالإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم: يصلب حياً، ويبعج بطنه بالرمح إلى أن يموت، ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيامٍ، فإن كان فيهم صبيٌ أو مجنونٌ، أو ذو رحمٍ من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين. ــ الحالة الرابعة. (فالإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) جزاء على أخذ المال (و) بعد ذلك (قتلهم وصلبهم) جزاء على القتل (وإن شاء قتلهم) فقط (وإن شاء صلبهم) فقط؛ لما في كل منهما من الإهلاك، وفي كفاية في الزجر قال الإمام الإسبيجاني: وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفو وزفر، وقال أبو يوسف: لا أعفيه من الصلب، وقال محمد: لا يقطع، ولكن يقتل ويصلب، والصحيح قول أبي حنيفة، وفي الهداية والتجنيس: أنه ظاهر الرواية، واختاره المحبوبي والموصلي وغيرهما، تصحيح، (ويصلب) من يراد صلبه (حيا) وكيفيته: أن تغرز خشبة ويوقف عليها وفوقها خشبة أخرى ويربط عليها يديه (ويبعج بطنه بالرمح) من تحت ثديه الأيسر، ويخضخض بطنه (إلى أن يموت) وروى الطحاوي أنه يقتل أولا ثم يصلب بعد القتل؛ لأن الصلب حيا مثلة؛ ولأنه يؤدي إلى التعذيب، والأول أصح لأن صلبه حيا أبلغ في الزجر والردع كما في الجوهرة (ولا يصلب) : أي لا يبقى مصلوبا (أكثر من ثلاثة أيام) وهو ظاهر الرواية، كذا قال الصدر الشهيد في شرح الجامع الضغير، وعن أبي يوسف أنه يترك على خشبته حتى ينقطع فيسقط ليحصل الاعتبار لغيره، وجه الظاهر أن الاعتبار يحصل بالثلاثة فيعدها يتغير فيتأذى الناس فيخلى بينه وبين أهله ليدفن، غاية (فإن كان فيهم) : أي القطاع (صبي أو مجنون أو ذي رحم محرم من المقطوع عليهم) الطريق (سقط الحد عن الباقين) ؛ لأن

стр. 669

وصار القتل إلى الأولياء: إن شاؤا قتلوا، وإن شاؤا عفوا، وإن باشر الفعل واحدٌ منهم أجري الحد على جماعتهم. كتاب الأشربة - الأشربة المحرمة أربعةٌ: الخمر، وهي: عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، والعصير إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه، ــ الجناية واحدة قامت بالجميع، فإذا لم يكن قعل بعضهم موجباً صار في فعل الباقين بعض العلة فلا يترتب عليه الحكم، قال في الغاية: وهذا الذي ذكره القدوري ظاهر الرواية عن أصحابنا، وهو قول زفر، اهـ (و) إذا سقط الحد (صار القتل إلى الأولياء) ؛ لظهور حق العبد، وحينئذ (إن شاؤا قتلوا) قصاصا؛ فيعتبر فيه وجبه من القصاص أو الدية (وإن شاءوا عفوا) ؛ لأنه صار خالص حقهم (وإن باشر الفعل الواحد منهم) دون الباقين (أجري الحد على جماعتهم) ؛ لأنه إنما يأخذه بقوة الباقين. ومن قطع الطريق فلم يقدر عليه حتى جاء تائبا سقط عنه الحد بالتوبة قبل القدرة، ودفع إلى أولياء المقتول: إن كان قتل اقتص منه، وإن كان أخذ المال رده إن كان قائماً وضمنه إن كان هالكاً، لأن التوبة لا تسقط حق الآدمي، كما في الجوهرة. كتاب الأشربة والأشربة: جمع شراب، وهو لغة: كل ما يشرب، وخص شرعا بالمسكر. (الأشربة المحرمة أربعة) : أحدها (الخمر، وهي عصير العنب) النئ (إذا) ترك حتى (غلى) : أي صار يفور (واشتد) : أي قوي وصار مسكراً (وقذف) : أي رمي (بالزبد) : أي الرغوة، بحيث لا يبقى شيء منها فيصفو ويرق، وهذا قول أبي حنيفة، وعندهما إذا اشتد بحيث صار مسكراً وإن لم يقذف (و) الثاني (العصير) المذكور (إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه) ويسمى الباذق والطلاء أيضاً،

стр. 670

ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد، ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحدٍ منهما أدنى طبخٍ حلالٌ، وإن اشتد، إذا شرب منه ما يغلب في ظنه أنه لا يسكره من غير لهوٍ ولا طربٍ، ــ وقيل: الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه كما في المحيط، وقيل: إذا ذهب ثلثه فهو الطلاء وإن ذهب نصفه فهو المنصف، وإن طبخ أدنى طبخ فالباذق، والكل حرام إذا غلى واشتد وقذف بالزبد على الاختلاف كما في الاختيار، وقال قاضيخان: ماء العنب إذا طبخ - وهو الباذق - يحل شربه ما دام حلواً عند الكل، وإذا غلى واشتد وقذف بالزبد يحرم قليله وكثيره، ولا يفسق شاربه، ولا يكفر مستحله، ولا يحد شاربه مالم يسكر منه، اهـ (و) الثالث (نقيع التمر و) الرابع نقيع (الزبيب) النيء (إذا اشتد) وقذف بالزبد على الاختلاف، والنقيع: اسم مفعول، قال في المغرب: يقال أنقع الزبيب في الخابية ونقعه إذا ألقاه فيها ليبتل وتخرج منه الحلاوة، وزبيب منقع بالفتح مخففاً، واسم الشراب نقيع، اهـ قال في الهداية: وهو حرام إذا اشتد وغلى؛ لأنه رقيق ملذ مطرب، إلا أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر، حتى لا يكفر مستحلها، ولا يجب الحد بشربها حتى يسكر، ونجاستها خفيفة في رواية غليظة في أخرى، بخلاف الخمر، اهـ مختصرا. (ونبيذ التمر) هو اسم جنس فيتناول اليابس والرطب والبسر، ويتحد حكم الكل كما في الزاهدي، والنبيذ: شراب يتخذ من التمر أو الزبيب أو العسل أو البر أو غيره، بأن يلقى في الماء ويترك حتى يستخرج منه، مشتق من النبذ وهو الإلقاء كما أشار إليه في الطلبة وغيره، قهستاني (و) نبيذ (الزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخ) . قال في الهداية: إذا ذهب أقل من ثلثيه فهو المطبوخ أدنى طبخ، اهـ (حلال وإن) غلى و (اشتد) وقذف بالزبد، قهستاني، قال العيني: ولم يذكر القذف اكتفاء بما سبق (إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لا يسكره) وكان شربه للتقوي ونحوه (من غير لهو ولا طرب) قال القهستاني: فالفرق بينه وبين النقيع بالطبخ

стр. 671

ولا بأس بالخليطين ونبيذ العسل والتين والحنطة والشعير والذرة حلالٌ وإن لم يطبخ. ــ وعدمه كما في النظم، قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد حرام، ومثله في الينابيع، ثم قال: والصحيح قولهما، واعتمده الأئمة المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، تصحيح؛ لكن يأتي قريبا أن الفتوى على قول محمد فتنبه. قيد بعدم اللهو والطرب، لأنه مع ذلك لا يحل بالاتفاق. (ولا بأس بالخليطين) : أي ماء الزبيب والتمر أو الرطب أو البسر المجتمعين المطبوخين أدنى طبخ كما في المعراج والعناية وغيرهما، والمفهوم من عبارة الملتقى عدم اشتراط الطبخ، ثم هذا إذا لم يكن أحد الخليطين ماء العنب، وإلا فلابد من ذهاب الثلثين كما في الكافئ. (ونبيذ العسل) ويسمى البتع. قال في المغرب: البتع - بكسر الباء وسكون التاء - شراب مسكر يتخذ من العسل باليمن (و) نبيذ (التينو) نبيذ (الحنطة) ويسمى بالمزر - بكسر الميم، كما في المغرب - (و) نبيذ (الشعير) ويسمى بالحقة - بكسر الحاء - كما في القهستاني (و) نبيذ (الذرة) بالذال العجمة - ويسمى بالسكركة - بضم السين والكاف وسكون الراء، كما في المغرب (حلال) شربه للتقوي واستمراء الطعام (وإن لم يطبخ) وإن اشتد وقذف بالزبد، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد حرام، قال في التصحيح: واعتمد قولهما البرهاني والنسفي وصدر الشريعة، اهـ وفي القهستاني: وحاصله أن شرب نبيذ الحبوب والحلاوات بشرطه حلال عند الشيخين؛ فلا يحد السكران منه، ولا يقع طلاقه وحرام عند محمد فيحد ويقع كما في الكافي، وعليه الفتوى كما في الكفاية وغيره، اهـ. ومثله في التنوير والملتقى والمواهب والنهاية والمعراج وشرح المجمع وشرح درر البحار والعيني حيث قالوا الفتوى في زماننا بقول محمد، لغلبة الفساد، وفي النوازل لأبي الليث ولو اتخذ شيئا من

стр. 672

وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب منه ثلثاه وبقي ثلثه حلالٌ وإن اشتد، ولا بأس بالانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير، وإذا تخللت الخمر حلت، سواءٌ صارت خلاً بنفسها أو بشيء طرح فيها، ــ الشعير أو الذرة أو التفاح أو العسل فاشتد وهو مطبوخ أو غير مطبوخ فإنه يجوز شربه ما دون السكر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يجوز شربه، وبه نأخذ اهـ. (وعصير العنب إذا طبخ) بالنار أو الشمس (حتى ذهب منه ثلثاه وبقي ثلثه حلال) شربه حيث وجد شرطه (وإن) غلى و (اشتد) وقذف بالزبد كما سبق، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف أيضا، خلافا لمحمد، والخلاف فيه كالخلاف في سابقه، وقد علمت أن فتوى المتأخرين على قول محمد لفساد الزمان، وفي التصحيح: ولو طبخ حتى ذهب ثلثه ثم زيد عليه وأعيد إلى النار: إن أعيد قبل أن يغلي لا بأس به لأنه تم الطبخ قبل ثبوت الحرمة، وأن أعيد بعدما غلى الصحيح لا يحل شربه، اهـ. (ولا بأس بالانتباذ) : أي اتخاذ النبيذ (في الدباء) بضم الفاء وتشديد العين والمد - القرع، الواحدة دباءة، مصباح (والحنتم) الخزف الأخضر، أو كل خزف وعن أبي عبيدة: هي جرار خمر تحمل فيها الخمر إلى المدينة، الواحدة حنتمة، مغرب (والمزفت) الوعاء المطلي بالزفت، وهو القار، وهذا مما يحدث التغير في الشراب سريعا مغرب (والنقير) خشبة تنقر وينبذ فيها مصباح، وما ورد من النهي عن ذلك منسوخ بقوله ﷺ في حديث فيه طول بعد ذكر هذه الأشياء: (فاشربوا في كل ظرف؛ فإن الظرف لا يحل شيئاً ولا يحرمه، ولا تشربوا المسكر) . وقاله بعد ما أخبر عن النهي عنه، فكان ناسخا له، هداية. (وإذا تخللت الخمر حلت) ، لزوال الوصف المفسد (سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء طرح فيها) كالملح والخل والماء الحار، لأن التخليل يزبل الوصف المفسد،

стр. 673

ولا يكره تخليلها. كتاب الصيد والذبائح - يجوز الاصطياد بالكلب المعلم، والفهد، والبازي، وسائر الجوارح المعلمة. ــ وإذا زال الوصف المفسد الموجب للحرمة حلت، كما إذا تخللت بنفسها، وإذا تخللت طهر الإناء أيضا؛ لأن جميع ما فيه من أجزاء الخمر يتخلل، إلا ما كان منه خاليا عن الخل، فقيل: يطهر تبعاً، وقيل: يغسل بالخل ليطهر؛ لأنه يتخلل من ساعته، وكذا لو صب منه الخمر فملئ خلا طهر من ساعته كما في الاختيار (ولا يكره تخليلها) ، لأنه إصلاح والإصلاح مباح. ولا يجوز أكل البنج والحشيش والأفيون، وذلك كله حرام، لأنه يفسد العقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، لكن تحريم ذلك دون تحريم الخمر، فإن أكل شيئا من ذلك لا حد عليه، وإن سكر منه، بل يعزر بما دون الحد كما في الجوهرة. كتاب الصيد والذبائح مناسبة الصيد للأشربة أن كلاً منهما يورث الغفلة واللهو، ومناسبة الصيد للذبائح جلية، أولأن الصيد والذبائح للأطعمة، ومناسبتها للأشربة غير خفية. والصيد لغة: مصدر (صاده) إذا أخذه، فهو صائد، وذاك مصيدٌ، ويسمى المصيد صيداً، فيجمع صيوداً، وهو: كل ممتنع متوحش طبعاًلا يمكن أخذه إلا بحيلة، مغرب. وزيد عليه أحكام شرعاً كما يأتي بيانها. (يجوز الأصطياد بالكلب المعلم والفهد والبازي وسائر الجوارح المعلمة) وهي: كل ذي ناب من السباع أو ذي مخلب من الطير، وعن أبي حنيفة أنه استثنى من ذلك

стр. 674

وتعليم الكلب: أن يترك الأكل ثلاث مرات. وتعليم البازي: أن يرجع إذا دعوته. فإذا أرسل كلبه المعلم، أو بازيه، أو صقره، وذكر اسم الله تعالى عليه عند إرسال، فأخذ الصيد وجرحه فمات حل أكله، وإن أكل منه الكلب لم يؤكل، وإن أكل منه البازي أكل، وإذا أدرك المرسل ــ الأسد والدب؛ لأنهما لا يعملان لغيرهما: الأسد لعلو همته، والدب لخساسته، وألحق بعضهم الحدأة لخساستها، والخنزير مستثنى؛ لأنه نجس العين، ولا يجوز الأنتفاع به، هداية. (وتعليم الكلب) ونحوه من السباع (أن يترك الأكل) مما يصيده (ثلاث مرات) قيد بالأكل؛ لأنه لو شرب الدم لا يضر؛ لأنه من غاية علمه (وتعليم البازي) ونحوه من الطير (ان يرجع إذ دعوته) ، لأن آية التعليم ترك ما هو مألوف عادة، والبازي متوحش متنفر، فكانت الإجابة آية تعليمه؛ اما الكلب فهو الوف يعتاد الانتهاب فكان آية تعليمه ترك مألوفه وهو الأكل. (فإذا أرسل) مريد الصيد (كلبه المعلم أو بازيه أو صقره) المعلم (وذكر اسم الله عليه عند إرساله) ولو حكما بأن نسيها، فالشرط عدم تركها عنداً (فأخذ) المرسل (الصيد وجرحه) في أي موضع كان (فمات) الصيد من جرحه (حل أكله) قيد بالجرح لأنه إذا لم يجرحه ومات لم يؤكل في ظاهر الرواية كما يأتي قريباً (وإن أكل منه الكلب) ونحوه من السباع بعد ثبوت تعلمه (لم يؤكل) هذا الصيد، لأنه علامة الجهل، وكذا كا يصيده بعده حتى يصير معلماً، وأما ما صاده قبله فما أكل منها لا تظهر فيه الحرمة لعدم المحلية، ومالم يأكل يحرم عنده، خلافا لهما، وتمامه في الهداية (وإن أكل منه البازي أكل) لأن الترك ليس شرطاً في علمه (وإن أدرك المرسل) أو

стр. 675

الصيد حياً وجب عليه أن يذكيه، فإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل وإن خنقه الكلب ولم يجرحه لم يؤكل، وإن شاركه كلبٌ غير معلم ــ الرامي كما يأتي (الصيد حياً وجب عليه أن يذكيه) لأنه قدر على الذكاة الاختيارية فلا تجزئ الاضطرارية لعدم الضرورة (فإن ترك التذكية حتى مات) وكان فيه حياة فوق حياة المذبوح بأن يعيش مدة كاليوم أو نصفه كما في البدائع (لم يؤكل) لأنه مقدور على ذبحه ولم يذبح، فصار كالميتة. أطلق الإدراك فشمل ما إذا لم يتمكن من ذبحه لفقد آلة أو ضيق الوقت كما هو ظاهر الرواية، قال في الهداية: إذا وقع الصيد في يده ولم يتمكن من ذبحه، وفيه من الحياة فوق ما يكون في المذبوح، لم يؤكل في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يحل، اهـ. ومثله في الينابيع، وزاد: وروي عن أصحابنا الثلاثة أنه يؤكل استحسانا، وقيل: هذا أصح، اهـ. وقيدنا بما فوق حياة المذبوح، لأنه إذا أدرك به حياة مثل حياة المذبوح لا تلزم تذكيته، لأنه ميت حكماً، ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة لا يحرم، كما إذا وقع وهو ميت، وقيل: هذا قولهما، أما عند أبي حنيفة لا يؤكل أيضاً؛ لأنه وقع حياً فلا يحل إلا بذكاة الاختيار كما في الهداية والاختيار (وإن خنقه الكلب) أو صدمه بصدره أو جبهته فقتله (ولم يجرحه لم يؤكل) في ظاهر الرواية، لأن الجرح شرط. قال الإسبيجاني: وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤكل، وهو رواية عن أبي يوسف، والصحيح ظاهر المذهب، اهـ. وفي العناية والمعراج وغيرهما: والفتوى على ظاهر الرواية اهـ. قال في الهداية: وهذا يدلك على أنه لا يحل بالكسر، وعن أبي حنيفة إذا كسر عضواً فقتله لا بأس بأكله لأنه جراحة باطنة، فهي كالجراحة الظاهرة، وجه الأول أن المعتبر جرح ينتهض سبباً لإنهار الدم، ولا يحصل ذلك بالكسر؛ فأشبه التخنيق، اهـ. (وإن شاركه) : أي شارك الكلب المعلم المرسل ممن تؤكل ذبيحته المصحوب بالتسمية (كلب غير معلم

стр. 676

أو كلب مجوسيٍ أو كلبٌ لم يذكر اسم الله تعالى عليه لم يؤكل. وإذا رمى الرجل سهماً إلى صيدٍ فسمى عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرحه السهم فمات، وإن أدركه حياً ذكاه، وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل، وإن وقع السهم فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتاً أكل، وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتاً لم يؤكل، وإذا رمى صيداً فوقع في الماء فمات لم يؤكل، ــ أو كلب مجوسي لم يذكر اسم الله عليه) عمداً (لم يؤكل) ، لأنه اجتمع المبيح والمحرم، فتغلب جهة المحرم احتياطا كما في الاختيار] . (وإذا رمى الرجل سهماً إلى صيد فسمى عند الرمى أكل ما أصاب) السهم (إذا جرحه السهم فمات) ؛ لأنه ذبح بالرمي، لكون السهم آلة له، فتشترط التسمية عنده، وجميع البدن محل لهذا النوع من الذكاة، ولابد من الجراحة، ليتحقق معنى الذكاة على ما بينا، هداية (وإن أدركه حياً ذكاه، وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل) كما تقدم آنفا (وإذا وقع السهم) بالصيد (فتحامل) : أي ذهب بالجرح، قال في الغرب: التحامل بالشيء أن يتكلفه على مشقة وإعياء، يقال: تحاملت في المشي، ومنه ضربه ضربا يقدر على التحامل معه، أي على المشي مع التكلف، ومنه ربما يتحامل الصيد ويطير، أي يتكلف الطيران، اهـ (حتى غاب) الصيد (عنه و) لكن (لم يزل) الرامي (في طلبه حتى أصابه ميتاً) وليس به إلا أثر سهمه (أكل) ؛ لأنه غير مفرط، وقد ذكاه الذكاة الضرورية؛ فيحال الموت إليها (وإن كان قعد عن طلبه ثم أصابه ميتاً لم يؤكل) ؛ لاحتمال موته بسبب آخره، والموهوم في هذا الباب كالمحقق، إلا أنه سقط اعتباره ما دام في طلبه ضرورة أنه لا يعرى الاصطياد عنه، ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه. قيدنا بأن ليس به إلا أثر سهمه، لأنه لو وجد به جراحا أخرى حرم، لاحتمال موته منها، والجواب في إرسال الكلب في هذا كالجواب في الرمي في جميع ما ذكرنا كما في الهداية (وإذا رمى صيداً فوقع في الماء فمات لم يؤكل)

стр. 677

وكذلك إن وقع على سطحٍ أو جبلٍ ثم تردى منه إلى الأرض لم يؤكل، وإن وقع على الأرض ابتداءً أكل. وما أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل، وإن جرحه أكل، ولا يؤكل ما أصابته البندقة إذا مات منها. ــ لاحتمال موته بالغرق (وكذلك إن وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض) ؛ لاحتمال موته من التردي (وإن وقع) الصيد (على الأرض ابتداء أكل) لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وفي اعتباره محرما سد باب الاصطياد، بخلاف ما تقدم، لأنه يمكن الاحتراز عنه، فصار الأصل: أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا وأمكن التحرز عما هو سبب الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطاً، وإن كان مما لا يمكن التحرز عنه جرى وجوده مجرى عدمه، لأن التكليف بحسب الوسع. هداية. (وما أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل) لأنه لا يجرح، والجرح لابد منه ليتحقق معنى الذكاة على ما قدمناه (وإن) أصاب بحده و (جرحه أكل) لتحقق معنى الذكاة. قيدنا بالجرح بالحد لأنه لو جرحه بعرضه فمات لم يؤكل، لقتله بثقله. والمعراض هو: سهم لا ريش له كما في المغرب، وفي الجوهرة: المعراض عصا. محددة الرأس، وقيل: هو السهم المنحوت من الطرفين (ولا يؤكل ما أصابته البندقة) بضم الباء. والدال طينة مدورة يرمي بها، مغرب (إذا مات منها) ، لأنها تدق وتكسر ولا تجرح، فصارت كالمعراض إذا لم يجرح، وكذلك إذا رماه بحجر، قال في الهداية: وكذلك إن جرحه إذا كان ثقيلا ولو به حدة لاحتمال أنه قتله بثقله، وإن كان خفيفا وبه حدة يحل، لتيقن الموت بالجرح، ثم قال: والأصل في هذه المسائل أن الموت إن كان مضافا إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالا، وإذا كان مضافاً إلى الثقل بيقين كان حراماً، وإن وقع الشك كان حراماً

стр. 678

وإذا رمى إلى صيدٍ فقطع عضواً منه أكل، ولا يؤكل العضو، وإن قطعه أثرثاً والأكثر مما يلي العجز أكل، وإن كان الأكثر مما يلي الرأس أكل الأكثر، ولا يؤكل الأقل، ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد والوثني. ومن رمى صيداً فأصابه ولم يثخنه ولم يخرجه من حيز الامتناع فرماه آخر فقتله فهو للثاني، ويؤكل، ــ احتياطاً، والحديد وغيره سواء، اهـ مع بعض تغيير] . (وإذا رمى إلى صيد فقطع عضواً منه أكل) ذلك الصيد؛ لوجود الجرح (ولا يؤكل العضو) المقطوع؛ لقوله ﷺ (ما أبين من الحي فهو ميت) والعضو بهذه الصفة؛ لأن المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة، وكذا حكما لأنه يتوهم سلامته بعد هذه الجراحة، جوهرة (وإن قطعه أثرثا و) كان (الأكثر مما يلي العجز) أوقده نصفين، أو قطع نصف رأسه أو أكثره (أكل) الكل؛ لأن في هذه الصور لا يمكن فيه حياة فوق حياة المذبوح، فلم يتناوله الحديث المذكور، بخلاف ما إذا كان الأكثر مما يلي الرأس لإمكان الحياة فوق حياة المذبوح؛ فيحل ما مع الرأس ويحرم العجز؛ لأنه مبان من الحي كما ذكر. (ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد ة والوثني) ، لأنهم ليسوا من أهل الذكاة كما يأتي، وذكاة الاضطرار كذكاة الاختيار. (ومن رمى صيداً فأصابه ولم يثخنه) : أي لم يوهنه (ولم يخرجه من حيز الامتناع) عن الأخذ (فرماه آخر فقتله) أو أثخنه وأخرجه عن حيز الامتناع (فهو للثاني) ؛ لأنه الآخذ، وقد قال ﵊: (الصيد لمن أخذه) ، هداية (ويؤكل) : أي ذلك الصيد، لأنه مالم يخرج عن حيز الامتناع فدكاته ضرورية،

стр. 679

وإن كان الأول أثخنه فرماه الثاني فقتله لم يؤكل، والثاني ضامنٌ لقيمته للأول غير ما نقصته جراحته. ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان وما لا يؤكل. وذبيحة المسلم والكتابي حلالٌ، ولا تؤكل ذبيحة المجوسي ــ وقد حصلت، قال في الهداية: وهذا إذا كانت الرمية الأولى بحال ينجو منه الصيد، لأنه حينئذ يكون الموت مضافا إلى الرامي الثاني، اهـ. (وإن كان) الرامي (الأول أثخنه) بحيث أخرجه عن حيز الامتناع (فرماه الثاني فقتله لم يؤكل) لاحتمال الموت بالثاني وهذا ليس بذكاة، للقدرة على ذكاة الاختيار، بخلاف الوجه الأول، هداية (و) الرامي (الثاني ضامن لقيمته للأول) ؛ لأنه بالرمي أتلف صيداً مملوكاً للغير، لأن الأول ملكه بالرمي المثخن (غير ما نقصته جراحته) ، لأنه أتلفه وهو جريح، وقيمة المتلف تعتبر يوم الإتلاف. (ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان) ، لأنه سبب للإنتفاع بلحمه، وبقية أجزائه (و) كذا (مالا يؤكل) ، لأنه سبب للإنتفاع بجلده أو شعره أو قرنه أو لاستدفاع شره. (وذبيحة المسلم والكتابي) إذا كان يعقل التسمية والذبح ويضبطه، وإن كان صبياً أو مجنونا أو امرأة كما في الهداية (حلال) ، لوجود شرطه، وهو: كون الذابح صاحب ملة التوحيد: إما اعتقاداً كالمسلم، أو دعوى كالكتابي، هداية. (ولا تؤكل ذبيحة المجوسي) لقوله ﷺ : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم) ، ولأنه لا يدعي التوحيد، فانعدمت الملة اعتقاداً ودعوى، هداية

стр. 680

والمرتد والوثني والمحرم، وإن ترك الذابح التسمية عمداً فالذبيحة ميتةٌ لا تؤكل، وإن تركها ناسياً أكلت. ــ (والمرتد) لأنه لا ملة له (والوثني) لأنه لا يعتقد الملة (والمحرم) بأحد النسكين، قال في الهداية: يعني من الصيد، وكذا لا يؤكل ما ذبح في الحرم من الصيد، والإطلاق في المحرم ينتظم الحل والحرم، والذبح في الحرم يستوي فيه الحلال والمحرم، وهذا لأن الذكاة فعل مشروع، وهذا الصنيع محرم، فلم تكن ذكاة. اهـ. (وإن ترك الذابح التسمية عمداً) مسلماً كان أو كتابيا (فذبيحته ميتة لا تؤكل) لقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ الآية (وإن تركها ناسياً أكلت) ، لأن في تحريمه حرجاً عظيماً، لأن الإنسان قلما يخلو عن النسيان، فكان في اعتباره حرج، والحرج مدفوع، ولأن الناسي غير مخاطب بما نسيه بالحديث (هو قوله ﷺ "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان") ، فلم يترك فرضا عليع عند الذبح، بخلاف العامد كما في الاختيار. قال في الهداية: ثم التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذبح، وهي على المذبوح، وفي الصيد عند الإرسال والرمي، وهي على الآلة، لأن المقدور له في الأول الذبح، وفي الثاني الرمي والإرسال دون الإصابة، فتشترط عند فعل ما يقدر عليه، حتى إذا أضجع شاة وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز، ولو رمى الصيد وسمى وأصاب غيره حل، وكذا في الإرسال، ولو أضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بأخرى أكل، ولو سمى على سهم ثم رمى بغيره صيداً لا يؤكل، اهـ. وفيها أيضاً: والشرط في التسمية هو الذكر الخالص المجرد، فلو قال عند الذبح (اللهم اغفر لي) لا يحل؛ لأنه دعاء وسؤال، ولو قال (الحمد لله) أو (سبحان الله) يريد التسمية حل؛ ولو عطس عند الذبح فقال (الحمد لله) لا يحل في أصح الروايتين؛ لأنه يريد الحمد لله على نعمة العطاس دون التسمية، وما تداولته الألسن عند الذبح - وهو (بسم الله والله أكبر) - منقول عن ابن عباس، اه

стр. 681

ولا تجزئ مقطوعة الأذن، والذنب، ولا التي ذب أكثر أذنها فإن بقي الأكثر من الأذن والذنب جاز ويجوز أن يضحى بالجماء والخصي والجرباء والثولاء والأضحية من الإبل والبقر والغنم يجزئ من ذلك كله الثنى فصاعداً، إلا الضأن فإن الجذع منه يجزئ ــ لا مخ في عظامها (ولا تجزئ مقطوعة الأذن، و) لا مقطوعة (الذنب، ولا التي ذب أكثر أذنها) أو ذنبها (فإن بقي الأكثر من الأذن والذنب جاز) ؛ لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهابا، ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفواً. (ويجوز أن يضحى بالجماء) وهي التي لا قرن لها، لأن القرن لا يتعلق به مقصود، وكذا مكسورة القرن لما قلنا، هداية (والخصي) لأن لحمه أطيب (والجرباء) السمينة، لأن الجرب يكون في جلدها، ولا نقصان في لحمها، بخلاف المهزولة، لأن الهزال يكون في لحمها (والثولاء) وهي المجنونة؛ وقيل: هذا إذا كانت تعتلف، لأنه لا يخل بالمقصود، أما إذا كانت لا تعتلف لا تجزئه، هداية. ثم قال: وهذا الذي ذكرناه إذا كانت هذه العيوب قائمة وقت الشراء، ولو اشتراها سليمة ثم تعيبت بعيب مانع: إن كان غنياً غيرها وإن كان فقيراً تجزئه، وتمامه فيها. (والأضحية) إنما تكون (من الإبل والبقر والغنم) فقط، لأنها عرفت شرعاٍ ولم تنقل التضحية بغيرها من النبي ﷺ ولا من الصحابة ﵃، هداية (يجزئ من ذلك كله الثنى) وهو ابن خمس من الإبل، وحولين من البقر والجاموس، وحول من الضأن والمعز (فصاعداً، إلا الضأن فإن الجذع) وهو ابن ستة أشهر (منه يجزئ) قالوا: وهذا إذا كانت عظيمة بحيث لو خلط بالثنايا يشتبه على الناظر من بعيد، هداية

стр. 682

والعروق التي تقطع في الذكاة أربعةٌ: الحلقوم، والمرئ، والودجان، فإذا قطعها حل الأكل، وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لابد من قطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين. ــ إن كان الذبح فوق العقدة قطع ثلاثة من العروق، فالحق ما قاله شراح الهداية تبعاً للرستغنى وإلا فالحق خلافه، إذ لم يوجد شرط الحل باتفاق أهل المذهب، ويظهر ذلك بالمشاهدة أو سؤال أهل الخبرة، فاغتنم هذا المقال، ودع عنك الجدال، اهـ (والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم) بفتح الحاء - أصله (الحلق) زيد الواو والميم كما في المقاييس مجرى النفس لا غير، قهستاني (والمرئ) وزان كريم - رأس المعدة والكرش اللازق بالحلقوم، يجري فيه الطعام والشراب، ومنه يدخل في المعدة، وهو مهموز، وجمعه مرؤ - بضمتين - مثل بريد وبردٍ، وحكى الأزهري الهمز والإبدال والإدغام مصباح. (والودجان) تثنية ودج - بفتحتين - عرقان عظيمان في جانبي قدام العنق بينهما الحلقوم والمرئ، قهستاني (فإن قطعها) : أي العروق الأربعة (حل الأكل) اتفاقاً، (وإن قطع أكثرها) يعني ثلاثة منها أي ثلاثة كانت (فكذلك) : أي حل الأكل (عند أبي حنيفة، وقالا: لابد من قطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين) قال في الجوهرة: والمشهور في كتب أصحابنا أن هذا قول أبي يوسف وحده، اهـ وكذا قال الزاهدي وصاحب الهداية، ثم قال: وعن محمد أنه يعتبر أكثر كل فرد، وهو رواية عن الإمام لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره، ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل واحد منها، اهـ، قال في زاد الفقهاء: والصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده الإمام المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح

стр. 683

ويجوز الذبح بالليطة والمروة، وبكل شيء أنهر الدم إلا السن القائم والظفر القائم. ويستحب أن يحد الذابح شفرته، ومن بلغ بالسكين النخاع، أو قطع الرأس كره له ذلك، وتؤكل ذبيحته، وإن ذبح الشاة من قفاها، فإن بقيت حيةً حتى قطع العروق جاز ويكره. ــ (ويجوز الذبح بالليطة) بكسر اللام وسكون الياء - وهي قشر القصب اللازق كما في حاشية الحموي (والمروة) بفتح الميم - كما في المنح عن أخي زاده، قال في الجوهرة: والمروة واحدة المرو، وهي حجارة بيض براقة تقدح منها النار، اهـ (وبكل شيء) له حدة تذبح به بحيث إذا ذبح به فرى الأوداج (أنهر) أي أسال (الدم) ؛ لأن ذلك حقيقة الذبح (إلا السن القائم) : أي غير المنزوع (والظفر القائم) فإنه لا يحل - وإن فرى الأوداج وأنهر الدم - بالإجماع؛ للنص، ولأنه يقتل بالثقل، لأنه يعتمد عليه. قيد بالقائم لأن المنزوع إذا عمل عمل السكين حل عندنا وإن كره قهستاني. (ويستحب أن يحد الذابح شفرته) بالفتح - السكين العظيم، وأن يكون قبل الإضجاع، وكره بعده (ومن بلغ بالسكين النخاع) بتثليث النون - هو خيط أبيض في جوف الفقار، يقال: ذبحه فنخعه، أي جاوز منتهى الذبح إلى النخاع كما في الصحاح (أو قطع الرأس) قبل أن تسكن (كره له ذلك) لما فيه من زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة، وهو منهيٌ عنه (وتؤكل ذبيحته) ؛ لأن كراهة الفعل لا توجب التحريم (وإن ذبح الشاة من قفاها فإن بقيت حية حتى قطع العروق) اللازم قطعها (جاز) وحلت، لتحقق الموت بما هو ذكاة (و) لكن (يكره)

стр. 684

وإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل. وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح، وما توحش من النعم فذكاته العقر والجرح. والمستحب في الإبل النحر، فإن ذبحها جاز ويكره. والمستحب في البقر والغنم الذبح، فإن نحرهما جاز ويكره. ومن نحر ناقةً أو ذبح بقرةً أو شاةً، فوجد في بطنها جنيناً ميتاً لم يؤكل أشعر أو لم يشعر. ــ ذلك، لما فيه من زيادة التعذيب من غير حاجة كما مر. (وإن ماتت) الشاة (قبل قطع العروق لم تؤكل) لوجود الموت بما ليس بذكاة. (وما استأنس من الصيد) وصار مقدورا عليه (فذكاته الذبح) لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار، ولا عجز إذا استأنس وصار مقدوراً عليه (وما توحش من النعم) وصار ممتنعاً لا يقدر عليه (فذكاته) ذكاة الضرورة (العقر والجرح) لتحقق العجز. (والمستحب في الإبل النحر) في اللبة، وهو موضع القلادة من الصدر، لموافقة السنة المتوارثة، ولاجتماع العروق فيها في النحر (فإن ذبحها) من الأعلى جاز، و) لكن (يكره) لمخالفته السنة (والمستحب في البقر والغنم الذبح) من أعلى العنق، لأنه المتوارث، ولاجتماع العروق فيهما في الذبح (فإن نحرهما) من أسفل العنق (جاز، و) لكن (يكره) لمخالفة السنة. (ومن نحر ناقة أو ذبح بقرة أو شاة فوجد في بطنها جنيناً ميتاً لم يؤكل) سواء كان (أشعر أو لم يشعر) يعني تم خلقه أو لم يتم، لأنه لا يشعر إلا بعد تمام

стр. 685

ولا يجوز أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير، ولا بأس بغراب الزرع، ولا يؤكل الأبقع الذي يأكل الجيف، ــ الخلق، قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول زفر والحسن بن زياد، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم خلقه أكل. اهـ. قال في التصحيح: واختار قول أبي حنيفة الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما، اهـ. (ولا يجوز أكل كل ذي ناب) يصيد به (من السباع) بيان لذي ناب، والسباع: جمع سبع، وهو: كل حيوان مختطف منتهب جارح قاتل عادٍ عادة، هداية، (ولا كل ذي مخلب) بكسر الميم - يصيد به، والمخلب: ظفر كل سبع من الماشي والطائر كما في القاموس (من الطير) بيان لذي مخلب (ولا بأس بغراب الزرع) وهو المعروف بالزاغ؛ لأنه يأكل الحب، وليس من سباع الطير، وكذا الذي يخلط بين أكل الحب والجيف كالعقعق وهو المعروف بالقاق، على الأصح، كما في العناية وغيرها، وفي الهداية: لا بأس بأكل العقعق، لأنه يخلط فأشبه الدجاجة، وعن أبي يوسف أنه يكره؛ لأن غالب أكله الجيف (ولا يؤكل) الغراب (الأبقع الذي يأكل الجيف) جمع جيفة، جثة الميت إذا أراح (تقول "أراح اللحم" إذا انتن، ويقال أيضا "أراح الماء" وربما قيل "أروح الماء واللحم" بوزن أكرم من غير قلب على الأصل) كما في الصحاح، قال القهستاني: أي لا يأكل إلا الجيفة وجثة الميت، وفيه إشعار بأنه لو أكل من الثلاثة الجيفة والجثة والحب جميعا حل ولم يكره، وقالا: يكره والأول أصح، اهـ. وفي العناية الغراب ثلاثة أنواع: نوع يلتقط الحب ولا يأكل الجيف، وليس بمكروه، ونوع لا يأكل إلا الجيف، وهو الذي سماه المصنف الأبقع، وإنه مكروه، ونوع يخلط يأكل الحب مرة والجيف أخرى، ولم يذكره في الكتاب، وهو غير مكروه عنده مكروه عند أبي يوسف، اه

стр. 686

ويكره أكل الضبع والضب والحشرات كلها. ولا يجوز أكل لحم الحمر الأهلية والبغال، ويكره لحم الفرس عند أبي حنيفة، ولا بأس بأكل الأرنب. وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر لحمه وجلده. ــ (ويكره) أي لا يحل (أكل الضبع) لأن له ناباً (والضب) دابة تشبه الجرذون لورود النهي عنه، ولأنه من الحشرات (والحشرات) وهي صغار دواب الأرض (كلها) : أي المائي والبري كالضفدع والسلحفاة والسرطان والفأر والوزغ والحيات لأنها من الخبائث، ولهذا لا يجب على المحرم بقتلها شيء. (ولا يجوز أكل لحم الحمر) بضمتين (الأهلية) ، لورود النهي عنها (والبغال) ، لأنها متولدة من الحمر فكانت مثلها. قيد بالأهلية، لأن الوحشية حلال وإن صارت أهلية، وإن نزا أحدهما على الآخر فالحكم للأم كما في النظم، قهستاني (ويكره أكل لحم الفرس عند أبي حنيفة) قال الإمام الإسبيجاني: الصحيح أنها كراهة تنزيه، وفي الهداية وشرح الزاهدي: ثم قيل: الكراهة عنده كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، والأول أصح، وقالا: لا بأس بأكله، ورجحوا دليل الإمام، واختاره المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، تصحيح (ولا بأس بأكل الأرنب) ، لأنه ليس من السباع، ولا من آكلة الجيف، فأشبه الظبي. (وإذا ذبح مالا يؤكل لحمه طهر) بفتح الهاء وضمها (لحمه وجلده) ، لأن الذكاة تؤثر في إزالة الرطوبات والدماء السيالة، وهي النجسة دون الجلد واللحم، فإذا زالت طهرت كما في الدباغ، هداية. قال في التصحيح: وهذا مختار صاحب الهداية أيضاً، وقال كثير من المشايخ: يطهر جلده لا لحمه، وهو الأصح كما في الكافي والغاية

стр. 687

إلا الآدمي والخنزير، فإن الذكاة لا تعمل فيهما. ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك، ويكره أكل الطافي منه ولا بأس بأكل الجريث والمار ما هي. ويجوز أكل الجراد، ولا ذكاة له. ــ والنهاية وغيرها، اهـ. (إلا الآدمي والخنزير، فإن الذكاة لا تعمل فيهما) : الآدمي لكرامته وحرمته، والخنزير لنجاسة عينه وإهانته كما في الدباغ. (ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك) لقوله تعالى ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ وما سوى السمك خبيث (ويكره أهل الطافي منه) على وجه الماء الذي مات حتف أنفه، وهو ما بطنه من فوق، فلو ظهره من فوق فليس بطاف فيؤكل كما يؤكل ما في بطن الطافي، وما مات بحر الماء وبرده وبربطه فيه أو إلقاء شيء فموته بآفة، در عن الوهبانية. (ولا بأس بأكل) السمك (الجريث) بكسر الجيم وتشديد الراء - ويقال له الجرى: ضرب من السمك مدور (والمار ما هي) ضرب من السمك في صورة الحية، قال في الدرر: وخصها بالذكر إشارة إلى ضعف ما نقل في المغرب عن محمد أن جميع السمك حلال غير الجريث والمار ماهي. اهـ. (ويجوز أكل الجراد، ولا ذكاة له) ؛ لقوله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد) . وسئل الإمام علي رضي اللهتعالى عنه عن الجراد يأخذه الرجل وفيه الميت فقال: كله كله، وهذا عد من فصاحته، هداية

стр. 688

كتاب الأضحية . - الأضحية واجبةٌ على كل حرٍ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ، في يوم الأضحى عن نفسه وولده الصغار، يذبح عن كل واحدٍ منهم شاةً أو يذبح بدنةً أو بقرةً عن سبعةٍ. ــ كتاب الأضحية (من ذكر الخاص بعد العام، وفيها لغات؛ ضم الهمزة في الأكثر، وهي في تقدير أفعولة، وكسرها إتباعاً لكسرة الحاء؛ والجمع أضاحي، والثالثة ضحية، والجمع ضحايا، مثل عطية وعطايا، والرابعة أضحاة بفتح الهمزة - والجمع أضحى، مثل أرطأة وأرطى، ومنه عيد الأضحى، كذا في المصباح. (الأضحية) لغة: اسم لما يذبح وقت الضحى، ثم كثر حتى صار أسماً لما يذبح في أي وقت كان من أيام الأضحى، من تسمية الشيء باسم وقته. وشرعاً: ذبح حيوان مخصوص في وقت مخصوص بنية القربة، وهي (واجبة) قال في التصحيح: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد والحسن وزفر، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وعنه أنها سنة، وذكر الطحاوي أنه على قول أبي حنيفة واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد سنة مؤكدة، وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف، وعلى قول أبي حنيفة اعتمد المصححون كالمحبوبي والنسفي وغيرهما، اهـ (على كل حر مسلم مقيم) بمصر أو قرية أو بادية كما في الجوهرة (موسر) يسار الفطرة (في يوم الأضحى) أي يوم من أيامها الثلاثة الآتية، لأنها مختصة بها (عن نفسه، و) عن كل واحد من (ولده) بضم الواو - جمع ولد (الصغار) اعتباراً بالفطرة (يذبح عن كل واحد منهم شاة أو يذبح بدنة) من الإبل (أو بقرة عن سبعة) وكذا ما دونهم بالأولى، فلو عن أكثر لم

стр. 689

وليس على الفقير والمسافر أضحيةٌ، ووقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر؛ إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام صلاة العيد، فأما أهل السواد فيذبحون بعد الفجر، ــ تجز عن أحد منهم، قال في التصحيح: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، قال في شرح الزاهدي: ويروى عنه أنه لا يجب عن ولده، وهو ظاهر الرواية، ومثله في الهداية. وقال الإسبيجاني: وهو الأظهر، وإن كان للصغير مال اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة، والأصح أنه لا يجب، وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي، وجعله صدر الشهيد ظاهر الرواية. وقال القدوري - وتبعه صاحب الهداية -: والأصح أنه يضحي من ماله، ويأكل منه ما أمكنه، ويبتاع بما بقي ما ينتفع بعينه، اهـ. (وليس على الفقير والمسافر أضحية) واجبة، دفعاً للحرج؛ أما الفقير فظاهر، وأما المسافر فلان أداءها يختص بأسباب تشق على المسافر وتفوت بمضي الوقت. (ووقت الأضحية) لأهل الأمصار والقرى (يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر، إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح) في اليوم الأول (حتى يصلي الإمام صلاة العيد) أو يخرج وقتها بالزوال، لأنه يشترط في حقهم تقديم صلاة العيد على الأضحية أو خروج وقتها، فإذا لم يوجد أحدهما لا تجوز الأضحية، لفقد الشرط (فأما أهل السواد) أي القرى (فيذبحون بعد الفجر) لوجود الوقت وعدم اشتراط الصلاة لأنه لا صلاة عليهم، وما عبر به بعضهم - من أن أول وقتها بعد صلاة العيد إن ذبح في مصر، وبعد طلوع الفجر إن ذبح في غيره - قال القهستاني: فيه تسامح، إذ التضحية عبادة لا يختص وقتها بالمصر وغيره، بل شرطها، فأول وقتها في حق المصري والقروي طلوع الفجر، إلا أنه شرط لأهل المصر تقديم الصلاة عليها، فعدم الجواز لفقد الشرط، لا لعدم الوقت كما في المبسوط، وإليه أشير في الهداية وغيرها، اهـ. ثم المعتبر

стр. 690

وهي جائزةٌ في ثلاثة أيامٍ: يوم النحر، ويومان بعده. ولا يضحى بالعمياء والعوراء والعرجاء، التي لا تمشي إلى المنسك، ولا العجفاء. ــ في ذلك مكان الأضحية، حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر تجوز كما انشق الفجر، وفي العكس لا يجوز إلا بعد الصلاة، هداية. قيدنا باليوم الأول لأنه في غير اليوم الأول لا يشترط تقديم الصلاة، وإن صليت فيه، قال في البدائع: وإن أخر الإمام صلاة العيد فلا ذبح حتى ينتصف النهار، فإن اشتغل الإمام فلم يصل أو ترك عمداً حتى زالت الشمس فقد حل الذبح بغير صلاة في الأيام كلها، لأنه لما زالت الشمس فقد فات وقت الصلاة، وإنما يخرج الإمام في اليوم الثاني والثالث على وجه القضاء، والترتيب شرط في الأداء لا في القضاء، كذا ذكره القدوري، اهـ. وذكر نحوه الزيلعي عن المحيط. (وهي جائزة في ثلاثة أيام) وهي (يوم النحر، ويومان بعده) ، لما روى عن عمر وعلي وابن عباس رضي اللهعنهم، قالوا: أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها، وقد قالوه سماعا لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير، وفي الأخبار تعارض فأخذنا بالمتيقن وهو الأقل، وأفضلها أولها كما قالوا، ولأن فيه مسارعة إلى أداء القربة وهو الأصل إلا لمعارض، ويجوز الذبح في لياليها، إلا أنه يكره، لاحتمال الغلط في ظلمة الليل، وأيام النحر ثلاثة، وأيام التشريق ثلاثة، والكل يمضي بأربعة، أولها نحر لا غير، وآخرها تشريق لا غير، والمتوسطان نحر وتشريق، هداية. (ولا يضحى بالعمياء) الذاهبة العينين (والعوراء) الذاهبة إحداهما (والعرجاء العاطلة إحدى القوائم، إذا كانت بينة العرج، وهي (التي لا تمشي إلى المنسك) بفتح العين وكسرها - الموضع الذي تذبح فيه النسائك (ولا العجفاء) أي المهزولة التي

стр. 691

ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب، ولا التي ذهب أكثر أذنها، فإن بقي الأكثر من الأذن والذنب جاز. ويجوز أن يضحى بالجماء والخصى والجرباء والثولاء. والأضحية من الإبل والبقر والغنم، يجزئ من ذلك كله الثنى فصاعداً إلا الضأن فإن الجذع منه يجزئ. ــ (والذبح) الاختياري (في الحلق) وهو في الأصل الحلقوم كما في القاموس (واللبة) بالفتح والتشديد، بوزن حبة - المنحر: أي من العقدة إلى مبدأ الصدر، وكلام التحفة والكافي وغيرهما يدل على أن الحلق يستعمل في العنق بعلاقة الجزئية، فالمعنى مبدأ الحلق: أي أصل العنق كما في القهستاني، فكلام المصنف محتمل للروايتين الآتيتين عن الجامع والمبسوط، قال في الهداية: وفي الجامع الصغير: لا بأس بالذبح في الحلق كله وسطه وأعلاه وأسفله، اهـ. وعبارة المبسوط: الذبح ما بين اللبة واللحيين كالحديث اهـ، قال في النهاية: وبينهما اختلاف من حيث الظاهر؛ لأن رواية المبسوط تقتضي الحل فيما إذا وقع الذبح قبل العقدة، لأنه بين اللبة واللحيين، ورواية الجامع تقتضي عدمه، لأنه إذا وقع قبلها لم يكن الحلق محل الذبح؛ فكانت رواية الجامع مقيدة لإطلاق رواية المبسوط، وقد صرح في الذخيرة بأن الذبح إذا وقع أعلى من الحلقوم لا يحل؛ لأن المذبح هو الحلقوم، ولكن رواية الإمام الرستغنى تخالف هذه حيث قال: هذا قول العوام وليس بمعتبر، فتحل سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو الصدر، لأن المعتبر عندنا قطع أكثر الأوداج وقد وجد، وكان شيخي يفتي بهذه الرواية، ويقول: الرستغنى إمام معتمد في القول والعمل اهـ. وأيد الإتقاني هذه الرواية في غاية البيان وشنع على من خالفها غاية التشنيع. وقال: ألا ترى قول محمد في الجامع (أو أعلاه) فإذا ذبح في الأعلى لابد أن تبقى العقدة تحت، ولم يلتفت إلى العقدة في كلام الله تعالى ولا كلام رسول الله ﷺ ، بل الذكاة بين اللبة واللحيين بالحديث، وقد حصلت لاسيما على قول الإمام من الاكتفاء بثلاثة من الأربع أيا كانت، ويجوز ترك الحلقوم أصلا. فبالأولى إذا قطع من أعلاه وبقيت العقدة أسفل، اهـ. ومثله في المنح عن البزازية، وبه جزم صاحب الدرر والملتقى والعيني وغيرهم، ولكن جزم في النقاية والمواهب والإصلاح بأنه لابد أن تكون العقدة مما يلي الرأس، وإليه مال الزيلعي، قال شيخنا: والتحرير للمقام أن يقال:

стр. 692

ويأكل من لحم الأضحية، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدخر. ويستحب أن لا ينقص الصدقة من الثلث، ويتصدق بجلدها أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت. والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح، ويكره أن يذبحها الكتابي. ــ (ويأكل) المضحي (من لحم الأضحية، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدخر) لقوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي، فكلوا وادخروا) ولا يعطى أجر الجزار منها، للنهي عنه كما في الهداية. (ويستحب) له (أن لا ينقص الصدقة من الثلث) لأن الجهات ثلاثة: الأكل، والادخار، لما روينا، والإطعام؛ لقوله تعالى: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ فانقسم عليها أثلاثاً، هداية. (ويتصدق بجلدها) لأنه جزء منها (أو يعمل منه آلة) كنطع وجراب وغربال ونحوها (تستعمل في البيت) قال في الهداية: ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع في البيت مع بقائه، استحساناً، لأن للبدل حكم المبدل، اهـ. (والأفضل أن يذبح أضحيته بيده، إن كان يحسن الذبح) ، لأنه عبادة، وفعلها بنفسه أفضل، وإن كان لا يحسن الذبح استعان بغيره وشهدها بنفسه، لقوله ﷺ لفاطمة رضي اللهعنها (قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب) كما في الهداية. (ويكره أن يذبحها الكتابي) لأنها عمل هو قربة، وهو ليس من أهلها، ولو أمره فذبح جاز، لأنه من أهل الذكاة، والقربة أقيمت بإنابته ونيته، بخلاف ما إذا أمر المجوسي، لأنه ليس من أهل الذكاة فكان إفساداً، هداية

стр. 693

وإذا غلط رجلان فذبح كل واحدٍ منهما أضحية الآخر أجزأ عنهما ولا ضمان عليهما. ــ (وإذا غلط رجلان فذبح كل واحد منهما أضحية الآخر أجزأ عنهما) استحساناً، لأنها تعينت للذبح، فصار المالك مستعيناً بكل من كان أهلا للذبح إذناً له دلالة، فيأخذ كل واحد منهما مسلوخه من صاحبه (ولا ضمان عليهما) ، لأن كل واحد منهما وكيل عن صاحبه فيما فعل دلالة، فإن كانا قد أكلا ثم علما فليحلل كل واحد منهما صاحبه، ويجزئهما؛ لأنه لو أطعمه في الابتداء يجوز، وإن كان غنياً، فكذا له أن يحللهفي الانتهاء، وإن تشاحا فلكل واحد منهما أن يضمن صاحبه قيمة لحمه ثم يتصدق بتلك القيمة؛ لأنها بدل من اللحم، فصار كما لو باع أضحيته، وهذا لأن التضحية لما وقعت من صاحبه كان اللحم له، ومن أتلف أضحية غيره كان الحكم ما ذكرناه، هداية

стр. 694

الجزء الرابع. كتاب الأيمان . - الأيمان على ثلاثة أضربٍ: يمينٌ غموسٌ، ويمينٌ منعقدةٌ، ويمينٌ لغوٌ. فاليمين الغموس هي: الحلف على أمرٍ ماضٍ، يتعمد الكذب فيه؛ فهذه اليمين يأثم بها صاحبها، ولا كفارة فيها إلا الاستغفار. ــ كتاب الأيمان (الأيمان) : جمع يمين، وهو لغة: القوة، وشرعا: عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك. وهي (على ثلاثة أضرب) : الأول (يمين غموس) بالتنكير - صفة ليمين، من الغمس وهو الإدخال في الماء، سميت به لأنها تدخل صاحبها في الإثم ثم في النار، وفي بعض النسخ "الغموس" بالتعريف على الإضافة إليه، فيكون من إضافة الجنس إلى نوعه؛ لكن قال في المغرب: إن الإضافة خطأ لغة وسماعا (و) الثاني (يمين منعقدة) سميت به لعقد الحالف على البر بالقصد والنية (و) الثالث (يمين لغو) سميت به لأنها ساقطة لا مؤاخذة فيها إلا في ثلاث: طلاق، وعتاق، ونذر، كما في الأشباه. (فاليمين الغموس) وتسمى الفاجرة (هي الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه) مثل أن يحلف على شيء قد فعله ما فعله أو بالعكس، مع علمه بذلك، وقد يقع على الحال، مثل أن يحلف ما لهذا على دين، وهو كاذب، فالتقييد بالماضي اتفاقي أو أكثري (فهذه اليمين يأثم بها صاحبها) لقوله ﷺ (من حلف كاذباً أدخله الله النار) (ولا كفارة فيها إلا الاستغفار) مع التوبة، لأنها ليست يميناً حقيقية، لأن اليمين عقد مشروع، وهذه كبيرة، فلا تكون مشروعة، وتسميتها يميناً مجاز، لوجود صورة اليمين، كما نهى ﷺ عن بيع الحر، سماه بيعاً مجازاً كما في الاختيار وغيره، وفي المحيط: الغموس يأثم صاحبها به، ولا يرفعه إلا التوبة النصوح والاستغفار؛ لأنه أعظم من أن ترفعه الكفارة، اه

стр. 695

واليمين المنعقدة: هي الحلف على الأمر المستقبل أن يفعله، أو لا يفعله، فإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة. واليمين اللغو: أن يحلف على أمرٍ ماضٍ، وهو يظن أنه كما قال، والأمر بخلافه، فهذه نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها. والقاصد في اليمين والمكره والناسي سواءٌ. ومن فعل المحلوف عليه مكرهاً أو ناسياً سواءٌ. ــ (واليمين المنعقدة هي الحلف على الأمر المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، فإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة) لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ : (واليمين اللغو: أن يحلف على أمر ماض) مثل أن يحلف على شيء أنه فعله أو لم يفعله (وهو يظن أنه كما قال، و) كان (الأمر بخلافه) وقد يقع على الحال مثل أن يحلف أنه زيد وإنما هو عمرو، فالفارق بينه وبين الغموس تعمد الكذب، قال في الاختيار: وحكى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: (لا والله، وبلى والله، اهـ. (فهذه) اليمين (نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها) وتعليق عدم المؤاخذة بالرجاء - وقد قال الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله في اللغو في أيمانكم﴾ - للاختلاف في تفسيره أو تواضعاً. (والقاصد في اليمين والمكره) عليه (والناسي) أي المخطئ، كما إذا أراد أن يقول "اسقني" فقال: والله لا أشرب (سواء) في الحكم؛ لقوله ﷺ : (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، واليمين) هداية. (ومن فعل المحلوف عليه قاصداً أو مكرهاً) على فعله (أو ناسياً) لحلفه (سواء) في الحكم أيضاً؛ لأن الفعل حقيقي لا يعدمه الإكراه والنسيان، وكذا الإغماء والجنون، فتجب الكفارة بالحنث كيف ما كان؛ لوجود الشرط حقيقة، وإن لم يتحقق الذنب؛ لأن الحكم يدار على دليله - وهو الحنث - لا على حقيقة الذنب كما في الهداية

стр. 696

واليمين بالله تعالى، أو باسم من أسمائه، كالرحمن والرحيم، أو بصفةٍ من صفاته، كعزة الله وجلاله وكبريائه، إلا قوله "وعلم الله" فإنه لا يكون يميناً، وإن حلف بصفةٍ من صفات الفعل، كغضب الله وسخطه لم يكن حالفاً. ومن حلف بغير الله لم يكن حالفاً، كالنبي، والقرآن، والكعبة. ــ (واليمين) إنما يكون (بالله تعالى) أي بهذا الاسم المعروف باسم الذات (أو باسم) آخر (من أسمائه) تعالى؛ سواء تعورف الحلف به أو لا على المذهب، وذلك (كالرحمن والرحيم) والعليم والحليم (أو بصفة من صفات ذاته) تعالى، وهي التي لا يوصف بضدها إذا تعورف الحلف بها، وذلك (كعزة الله وجلاله وكبريائه) وملكوته وجبروته وعظمته وقدرته، لأن الحلف بها متعارف، ومعنى اليمين - وهو القوة - حاصل، لأنه يعتقد تعظيم الله تعالى وصفاته، فصلح ذكره حاملا ومانعاً، هداية. (إلا قوله وعلم الله فإنه لا يكون يميناً) وإن كان من صفات ذاته تعالى؛ لأنه غير متعارف، ولأنه يذكر ويراد به المعلوم، يقال "اغفر لنا علمك فينا" أي معلومك، هداية. أي: ومعلوم الله تعالى غيره، فلا يكون يمينا، قالوا، إلا أن يريد به الصفة فإنه يكون يمينا، لزوال الاحتمال. جوهرة (وإن حلف بصفة من صفات الفعل) وهي التي يوصف بها وبضدها إذا لم يتعارف الحلف بها (كغضب الله وسخطه) ورضائه ورحمته (لم يكن حالفاً) لأن الحلف بها غير متعارف، ولأن هذه الصفات قد يراد بها أثرها. والحاصل أن الحلف بالصفة سواء كانت صفة ذات أو صفة فعل إن تعورف الحلف بها فيمين، وإلا فلا؛ لأن الأيمان مبنية على العرف (ومن حلف بغير الله) تعالى (لم يكن حالفاً) لقوله ﷺ : (من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليذر) وذلك (كالنبي والقرآن والكعبة) قال في الهداية: لأنه غير متعارف، ثم قال: معناه أن يقول: والنبي، والقرآن، أما لو قال "أنا برئ منه" يكون يمينا؛ لأن التبرئ منها

стр. 697

والحلف بحروف القسم، وحروف القسم: الواو كقوله: والله، والباء كقوله: بالله، والتاء كقوله: تالله، وقد تضمر الحروف فيكون حالفاً، كقوله "الله لا أفعل كذا" وقال أبو حنيفة: إذ قال "وحق الله" فليس بحالفٍ. وإذا قال "أقسم" أو "أقسم بالله" أو "أحلف" أو "أحلف بالله" ــ كفر، اهـ: قال الكمال: ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يميناً، وأما الحلف بكلام الله تعالى فيدور مع العرف. اهـ. (والحلف) إنما يكون (بحروف القسم، وحروف القسم) ثلاثة، وهي: (الواو كقوله والله، والباء كقوله بالله، والتاء كقوله تالله) ؛ لأن كل ذلك معهود في الأيمان مذكور في القرآن (وقد تضمر) هذه (الحروف فيكون حالفاً) وذلك (كقوله: الله لا أفعل كذا) لأن حذف حرف الجر من عادة العرب إيجازاً، ثم قيل: ينصب لانتزاع حرف الخفض، وقيل: يخفض فتكون الكسرة دالة على المحذوف، درر. (وقال أبو حنيفة: إذا قال) مريد الحلف (وحق الله فليس بحالف) وهو قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وعنه رواية أخرى أنه يكون يميناً؛ لأن الحق من صفات الله، وهو حقيقة، فصار كأنه قال والله الحق، والحلف به متعارف، ولهما أنه يراد به طاعة الله؛ إذ الطاعات حقوقه، فيكون حلفاً بغير الله، هداية. قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى الأئمة كما هو الرسم، تصحيح. (وإذا قال أقسم أو أقسم بالله أو أحلف أو أحلف بالله) أو أعزم، أو أعزم

стр. 698

أو "أشهد" أو "أشهد بالله" فهو حالفٌ، وكذلك قوله "وعهد الله، وميثاقه، وعلي نذرٌ، أو نذرٌ لله، وإن فعلت كذا فأنا يهوديٌ أو نصرانيٌ أو كافرٌ" فهو يمينٌ. وإن قال "علي غضب الله، أو سخطه، أو أنا زانٍ، أو شارب خمرٍ، أو آكل رباً" فليس بحالف. ــ بالله (أو أشهد أو أشهد بالله فهو حالف) ؛ لأن هذه الألفاظ مستعملة في الحلف، وهذه الصيغة للحال حقيقة، وتستعمل للاستقبال بقرينة؛ فجعل حالفاً في الحال، هداية. (وكذلك قوله وعهد الله، وميثاقه) ؛ لأن العهد يمين، قال تعالى ﴿وأوفوا بعهد الله﴾ والميثاق عبارة عن العهد (و) قوله (على نذر أو) على (نذر لله) لقوله ﷺ : (ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين) ، هداية. (أو إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو كافر فهو يمين) ، لأنه لما جعل الشرط علماً على الكفر فقد اعتقده واجب الامتناع، وقد أمكن القول بوجوبه لغيره بجعله يميناً كما نقول في تحريم الحلال، ولو قال ذلك لشيء قد فعله فهو الغموس، ولا يكفر اعتباراً بالمستقبل، وقيل: يكفر، لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال: هو يهودي، والصحيح أنه لا يكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين، وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما، لأنه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل، هداية. وفي شرح السرخسي: والفتوى على أنه إن اعتقد الكفر به يكفر، وإلا فلا، وصححه قاضيخان. (وإن قال) : إن فعلت كذا (فعلي غضب الله أو سخطه أو أنا زان أو شارب خمر أو آكل ربا فليس بحالف) ، لأنه غير متعارف، فلو تعورف هل يكون يميناً؟ ظاهر كلامهم: نعم، وظاهر كلام الكمال: لا، وتمامه في النهر

стр. 699

وكفارة اليمين: عتق رقبةٍ، يجزئ فيها ما يجزئ في الظهار، وإن شاء كسا عشرة مساكين كل واحدٍ ثوباً فما زاد، وأدناه ما تجزئ فيه الصلاة، وإن شاء أطعم عشرة مساكين، كالإطعام في كفارة الظهار، فإن لم يقدر على أحد الأشياء الثلاثة صام ثلاثة أيامٍ متتابعاتٍ؛ فإن قدم الكفارة على الحنث لم يجزه. ــ (وكفارة اليمين: عتق رقبة، يجزئ فيها ما يجزئ في) كفارة (الظهار) أي رقبة مطلقة، سواء كانت كافرة أو مسلمة صغيرة أو كبيرة، كما مر (وإن شاء كسا عشرة مساكين كل واحد ثوباً) يصلح للأوساط وينتفع به فوق ثلاثة أشهر (فما زاد) عليه (وأدناه) أي: أدنى ما يكفي في الكفارة (ما تجزئ فيه الصلاة) قال في الهداية وشرح الزاهدي: المذكور في الكتاب مروي عن محمد، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أن أدناه ما يستر عامة بدنه، حتى لا يجوز السراويل، وهو الصحيح؛ لأن لابسه يسمى عرياناً في العرف، لكن ما لا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الإطعام باعتبار القيمة، اهـ. (وإن شاء أطعم عشرة مساكين) كل مسكين نصف صاع من برأ ودقيقه أو صاعاً من شعير أو تمر أو أكلتين مشبعتين (كالإطعام) المار (في كفارة الظهار) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ الآية، وكلمة "أو" للتخيير؛ فكان الواجب أحد الأشياءؤ الثلاثة، هداية (فإن لم يقدر على أحد الأشياء الثلاثة) المذكورة (صام ثلاثة أيام متتابعات) ، لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ وقرأ ابن مسعود ﵁ "متتابعات" وهي كالخبر المشهور كما في الهداية، ويشترط استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم، فلو صام المعسر يومين ثم أيسر لا يجوز، ويستأنف بالمال، كما في الخانية. (وإن قدم الكفارة على الحنث لم يجزه) ذلك؛ لعدم وجوبها بعد، لأنها

стр. 700

ومن حلف على معصية، مثل أن لا يصلي، أو لا يكلم أباه، أو ليقتلن فلاناً، فينبغي أن يحنث ويكفر عن يمينه. وإذا حلف الكافر ثم حنث في حال الكفر، أو بعد إسلامه، فلا حنث عليه. ومن حرم على نفسه شيئاً مما يملكه لم يصر محرماً لعينه، وعليه إن استباحه كفارة يمينٍ، ــ إنما تجب بالحنث، ثم لا يسترد من المسكين، لوقوعه صدقة. (ومن حلف على معصية) وذلك (مثل) حلفه على (أن لا يصلي، أو لا يكلم أباه، أو ليقتلن فلانا) اليوم، مثلا (فينبغي) بل يجب عليه (أن يحنث) نفسه (ويكفر عن يمينه) ، لقوله ﷺ : (ومن حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه) ، ولأن في ذلك تفويت البر إلى جابر، وهو الكفارة، ولا جابر للمعصية في ضده، وإنما قيدنا باليوم لأن وجوب الحنث لا يتأتى إلا في اليمين المؤقتة، أما المطلقة فحنثه في آخر حياته، فيوصي بالكفارة بموت الحالف، ويكفر عن يمينه بهلاك المحلوف عليه، غاية. (وإذا حلف الكافر ثم حنث في حال الكفر أو بعد إسلامه فلا حنث عليه) ؛ لأنه ليس بأهل لليمين؛ لأنها تعقد لتعظيم الله تعالى، ومع الكفر لا يكون معظما، ولا هو أهل للكفارة؛ لأنها عبادة، هداية. (ومن حرم على نفسه شيئاً مما يملكه) وذلك أن يقول: هذا الطعام علي حرام، أو حرام علي أكله (لم يصر محرماً لعينه، وعليه إن استباحه كفارة يمين) ؛ لأن اللفظ ينبئ عن إثبات الحرمة، وقد أمكن إعماله بثبوت الحرمة لغيره بإثبات موجب اليمين؛ فيصار إليه، هداية. وكذا لو كان حراماً أو ملك غيره كقوله

стр. 701

فإن قال "كل حلالٍ علي حرام" فهو على الطعام والشراب، إلا أن ينوي غير ذلك. ومن نذر نذراً مطلقاً فعليه الوفاء به، وإن علق نذره بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس الذنر. وروى أن أبا حنيفة رجع عن ذلك وقال: إذا قال "إن فعلت كذا فعلي حجةٌ، أو صوم سنةٍ، أو صدقة ما أملكه"، أجزأه من ذلك كفارة يمينٍ، وهو قول محمدٍ. ــ الخمر أو مال فلان علي حرام، ما لم يرد الإخبار، خانية (فإن قال كل حلال) أو حلال الله، أو حلال المسلمين (علي حرام؛ فهو على الطعام والشراب، إلا أن ينوي غير ذلك) قال في الهداية وشرح الزاهدي: وهذا كله جواب ظاهر الرواية، ومشايخنا قالوا: يقع به الطلاق من غير نية؛ لغلبة الاستعمال، وعليه الفتوى، اهـ. وفي الينابيع: ولو له أربع نسوة يقع على كل واحدة منهن طلقة، فإن لم يكن له امرأة كانت يميناً وعليه كفارة يمين، اهـ. (ومن نذر نذراً مطلقاً) أي غير معلق بشرط، وهو عبادة مقصودة، وكا من جنسه واجبٌ (فعليه الوفاء به) أي: بما نذره، لقوله ﷺ : (من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى) ، هداية (وإن علق نذره بشرط) فوجد الشرط المعلق عليه (فعليه الوفاء بنفس النذر) الذي سماه لإطلاق الحديث، ولأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده (وروى أن أبا حنيفة رجع عن ذلك، وقال) : (إذا قال) الناذر: (إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم سنة أو صدقة ما أملكه) أو نحو ذلك (أجزأه من ذلك كفارة يمين، وهو قول محمد) ويخرج عن العهدة

стр. 702

ومن حلف لا يدخل بيتاً فدخل الكعبة، أو المسجد، أو البيعة، أو الكنيسة لم يحنث. ومن حلف لا يتكلم فقرأ في الصلاة لم يحنث. ومن حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه فنزعه في الحال لم يحنث، وكذا إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل في الحال ــ بالوفاء بما سمى أيضاً، قال في الهداية: وهذا إذا كان شرطاً لا يريد كونه؛ لأن فيه معنى اليمين، وهو بظاهره نذر، فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاء، بخلاف ما إذا كان شرطا يريد كونه، كقوله: إن شفى الله مريضي؛ لانعدام معنى اليمين به، وهذا التفصيل هو الصحيح، اهـ. وفي شرح الزاهدي: وهذا التفصيل أصح. (ومن حلف لا يدخل بيتا فدخل الكعبة أو المسجد أو البيعة أو الكنيسة لم يحنث) ؛ لأن البيت ما أعد للبيتوتة، وهذه البقاع ما بنيت لها، وكذا الدهليز والظلة التي على الباب إذا لم يصلحا للبيتوتة، بحر. (ومن حلف لا يتكلم فقرأ في الصلاة لم يحنث) اتفاقا، وإن قرأ في غير الصلاة حنث، وعلى هذا التسبيح والتهليل والتكبير؛ لأنه في الصلاة ليس بكلام عرفا ولا شرعا، وقيل: في عرفنا لا يحنث مطلقاً؛ لأنه لا يسمى متكلما، بل قارئاً ومسبحاً كما في الهداية، ورجح هذا القول في الفتح للعرف، وعليه الدرر والملتقي، وقواه في الشرنبلالية قائل: ولا عليك من أكثرية التصحيح له مع محالفة العرف. (ومن حلف لا يبلس ثوباً معيناً وهو لابسه فنزعه في الحال) من غير تراخ (لم يحنث) ؛ لوجود البر بحسب الوسع؛ لأن ما ليس في وسعه مستثنى عرفا؛ إذ اليمين تعقد للبر لا للحنث (وكذلك إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل في الحال) لم يحنث، أو لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فأخذ في

стр. 703

وإن لبث ساعةً حنث، وإن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لم يحنث بالقعود، حتى يخرج ثم يدخل. ومن حلف لا يدخل داراً فدخل دارا خراباً لم يحنث. ومن حلف لا يدخل هذه الدار فدخلها بعد ما انهدمت وصارت صحراءً حنث، ولو حلف لا يدخل هذا البيت فدخله بعد ما انهدم لم يحنث. ــ النقلة من ساعته (وإن لبث) على حاله (ساعة حنث) ، لأن هذه الأفعال لها دوام بحدوث أمثالها، ولذا يضرب لها المدة، فيقال: ركبت الدابة يوما، ولبست الثوب يوما، وسكنت الدار شهرا، ولو نوى الابتداء الخالص يصدق به؛ لأنه محتمل كلامه كما في الهداية، ولو خرج من الدار وبقي متاعه وأهله فيها حنث، لأنه يعد ساكنا ببقاء أهله ومتاعه، واعتبر محمد نقل ما تقوم به السكنى، وهو أرفق، وعليه الفتوى كما في الدر عن العيني. (ومن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لم يحنث بالقعود) بل (حتى يخرج ثم يدخل) ، لأن الدخول لا دوام له، لأنه انفصال من الخارج إلى الداخل. (ومن حلف لا يدخل داراً) بالتنكير (فدخل دارا خراباً لم يحنث) في يمينه، لأنه لما لم يعينها كان المعتبر في يمينه داراً معتاداً دخولها؛ لأن الأيمان مبنية على العادة والعرف، ولذا لو حلف لا يلبس قميصاً فارتدى به لم يحنث، لأن المقصود اللبس المعتاد (ومن حلف لا يدخل هذه الدار) بالتعريف (فدخل بعد ما انهدمت وصارت صحراء حنث) لأنها لما عينها تعلق ذلك ببقاء اسمها، والاسم فيها باق، ولذا يقال: دار غامرة (ولو حلف لا يدخل هذا البيت فدخله بعد ما انهدم) وصار صحراء (لم يحنث) ، لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يبات فيه، قيدنا بصيرورته

стр. 704

ومن حلف لا يكلم زوجة فلانٍ فطلقها فلانٌ ثم كلمها حنث، ولو حلف لا يكلم عبد فلانٍ، أو لا يدخل دار فلانٍ، فباع عبده وداره ثم كلم العبد ودخل الدار لم يحنث؛ وإن حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه حنث، وكذلك إن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخاً حنث، أو لا يأكل لحم هذا الحمل فصار كبشاً فأكله حنث، وإن حلف لا يأكل من هذه ــ صحراء؛ لأنه لو سقط السقف وبقي الحيطان يحنث لأنه يبات فيه كما في الهداية. (ومن حلف لا يكلم زوجة فلان) المعينة (فطلقها فلان) بائناً (ثم كلمها) الحالف (حنث) ، لأن الحر يصد بالهجران، فكانت الإضافة للتعريف المحض، بخلاف غير المعينة حيث لا يحنث، لعقد اليمين على فعل واقع في محل مضاف إلى فلان ولم يوجد. قيدنا بالبائن لأن الرجعي لا يرفع الزوجية (وإن حلف لا يكلم عبد فلان أو لا يدخل دار فلان فباع) فلان (عبده وداره ثم كلم) الحالف (العهد ودخل الدار لم يحنث) لأن العبد والدار لا يقصدان بالهجران لذواتهما، بل للنسبة إلى ملاكهما، واليمين ينعقد على مقصود الحالف إذا احتمله اللفظ، فصار كأنه قال: ما دام لفلان (وإن حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه حنث) ؛ لأن هذه الإضافة لا تحتمل إلا التعريف؛ لأن الإنسان لا يعادى لمعنى في الطيلسان؛ فصار كما إذا أشار إليه (وكذلك إن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخاً، أو حلف لا يأكل لحم هذا الحمل) بمهملات - ولد الضأن في السنة الأولى (فصار) الحمل (كبشا فأكله حنث) ، لأن المنع كان لعينهما لا لاتصافهما بهذا الوصف، لأنه ليس بداع لليمين (وإن حلف لا يأكل من هذه

стр. 705

النخلة فهو على ثمرها، وإن حلف لا يأكل من هذا البسر فصار رطباً فأكله لم يحنث، وإن حلف لا يأكل بسراً فأكل رطباً لم يحنث. ومن حلف لا يأكل رطباً فأكل بسراً مذنباً حنث عند أبي حنيفة. ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل السمك لم يحنث. ــ النخلة فهو على ثمرها) ، لأنه أضاف اليمين إلى ما لا يؤكل فينصرف إلى ما يخرج منه لأنه سبب له فيصلح مجازاً عنه، لكن الشرط أن لا يتغير بصنعة جديدة، حتى لا يحنث بالنبيذ والخل والدبس المطبوخ، هداية (وإن حلف لا يأكل من هذا البسر) بضم الموحدة وسكون المهملة - ثمر النخل قبل أن يصير رطباً (فصار رطباً) أو من هذا الرطب فصار تمراً (فأكله لم يحنث) ، لأن هذه الأوصاف داعية إلى اليمين فيتقيد اليمين بها (و) كذا (إن حلف لا يأكل بسراً) بالتنكير (فأكل رطباً لم يحنث) ، لأنه ليس ببسر (ومن حلف لا يأكل رطباً) أو بسراً، أو لا يأكل رطباً ولا بسراً (فأكل بسراً مذنباً) أو رطباً مذنباً (حنث عند أبي حنيفة) ، لأن البسر المذنب ما يكون في ذنبه قليل الرطب، والرطب المذنب على عكسه، فيكون آكله آكل البسر والرطب، وكل واحد مقصود في الأكل. قال جمال الإسلام: وهو قول محمد، وقال أبو يوسف: لا يحنث، والصحيح قولهما، واعتمده الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح. (ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل السمك لم يحنث) لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناوله في العرف والعادة، ولا يرد تسميته لحماً في القرآن، لأن الأيمان مبنية على العرف والعادة، لا على ألفاظ القرآن، ولذا لو حلف لا يخرب بيتا فخرب بيت العنكبوت
следующие страницы →