← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21496

اللباب في شرح الكتاب

عبد الغني الميداني

Полный текст (904 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فإن قال "كل حلالٍ علي حرام" فهو على الطعام والشراب، إلا أن ينوي غير ذلك. ومن نذر نذراً مطلقاً فعليه الوفاء به، وإن علق نذره بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس الذنر. وروى أن أبا حنيفة رجع عن ذلك وقال: إذا قال "إن فعلت كذا فعلي حجةٌ، أو صوم سنةٍ، أو صدقة ما أملكه"، أجزأه من ذلك كفارة يمينٍ، وهو قول محمدٍ. ــ الخمر أو مال فلان علي حرام، ما لم يرد الإخبار، خانية (فإن قال كل حلال) أو حلال الله، أو حلال المسلمين (علي حرام؛ فهو على الطعام والشراب، إلا أن ينوي غير ذلك) قال في الهداية وشرح الزاهدي: وهذا كله جواب ظاهر الرواية، ومشايخنا قالوا: يقع به الطلاق من غير نية؛ لغلبة الاستعمال، وعليه الفتوى، اهـ. وفي الينابيع: ولو له أربع نسوة يقع على كل واحدة منهن طلقة، فإن لم يكن له امرأة كانت يميناً وعليه كفارة يمين، اهـ. (ومن نذر نذراً مطلقاً) أي غير معلق بشرط، وهو عبادة مقصودة، وكا من جنسه واجبٌ (فعليه الوفاء به) أي: بما نذره، لقوله ﷺ : (من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى) ، هداية (وإن علق نذره بشرط) فوجد الشرط المعلق عليه (فعليه الوفاء بنفس النذر) الذي سماه لإطلاق الحديث، ولأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده (وروى أن أبا حنيفة رجع عن ذلك، وقال) : (إذا قال) الناذر: (إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم سنة أو صدقة ما أملكه) أو نحو ذلك (أجزأه من ذلك كفارة يمين، وهو قول محمد) ويخرج عن العهدة

стр. 702

ومن حلف لا يدخل بيتاً فدخل الكعبة، أو المسجد، أو البيعة، أو الكنيسة لم يحنث. ومن حلف لا يتكلم فقرأ في الصلاة لم يحنث. ومن حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه فنزعه في الحال لم يحنث، وكذا إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل في الحال ــ بالوفاء بما سمى أيضاً، قال في الهداية: وهذا إذا كان شرطاً لا يريد كونه؛ لأن فيه معنى اليمين، وهو بظاهره نذر، فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاء، بخلاف ما إذا كان شرطا يريد كونه، كقوله: إن شفى الله مريضي؛ لانعدام معنى اليمين به، وهذا التفصيل هو الصحيح، اهـ. وفي شرح الزاهدي: وهذا التفصيل أصح. (ومن حلف لا يدخل بيتا فدخل الكعبة أو المسجد أو البيعة أو الكنيسة لم يحنث) ؛ لأن البيت ما أعد للبيتوتة، وهذه البقاع ما بنيت لها، وكذا الدهليز والظلة التي على الباب إذا لم يصلحا للبيتوتة، بحر. (ومن حلف لا يتكلم فقرأ في الصلاة لم يحنث) اتفاقا، وإن قرأ في غير الصلاة حنث، وعلى هذا التسبيح والتهليل والتكبير؛ لأنه في الصلاة ليس بكلام عرفا ولا شرعا، وقيل: في عرفنا لا يحنث مطلقاً؛ لأنه لا يسمى متكلما، بل قارئاً ومسبحاً كما في الهداية، ورجح هذا القول في الفتح للعرف، وعليه الدرر والملتقي، وقواه في الشرنبلالية قائل: ولا عليك من أكثرية التصحيح له مع محالفة العرف. (ومن حلف لا يبلس ثوباً معيناً وهو لابسه فنزعه في الحال) من غير تراخ (لم يحنث) ؛ لوجود البر بحسب الوسع؛ لأن ما ليس في وسعه مستثنى عرفا؛ إذ اليمين تعقد للبر لا للحنث (وكذلك إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل في الحال) لم يحنث، أو لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فأخذ في

стр. 703

وإن لبث ساعةً حنث، وإن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لم يحنث بالقعود، حتى يخرج ثم يدخل. ومن حلف لا يدخل داراً فدخل دارا خراباً لم يحنث. ومن حلف لا يدخل هذه الدار فدخلها بعد ما انهدمت وصارت صحراءً حنث، ولو حلف لا يدخل هذا البيت فدخله بعد ما انهدم لم يحنث. ــ النقلة من ساعته (وإن لبث) على حاله (ساعة حنث) ، لأن هذه الأفعال لها دوام بحدوث أمثالها، ولذا يضرب لها المدة، فيقال: ركبت الدابة يوما، ولبست الثوب يوما، وسكنت الدار شهرا، ولو نوى الابتداء الخالص يصدق به؛ لأنه محتمل كلامه كما في الهداية، ولو خرج من الدار وبقي متاعه وأهله فيها حنث، لأنه يعد ساكنا ببقاء أهله ومتاعه، واعتبر محمد نقل ما تقوم به السكنى، وهو أرفق، وعليه الفتوى كما في الدر عن العيني. (ومن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لم يحنث بالقعود) بل (حتى يخرج ثم يدخل) ، لأن الدخول لا دوام له، لأنه انفصال من الخارج إلى الداخل. (ومن حلف لا يدخل داراً) بالتنكير (فدخل دارا خراباً لم يحنث) في يمينه، لأنه لما لم يعينها كان المعتبر في يمينه داراً معتاداً دخولها؛ لأن الأيمان مبنية على العادة والعرف، ولذا لو حلف لا يلبس قميصاً فارتدى به لم يحنث، لأن المقصود اللبس المعتاد (ومن حلف لا يدخل هذه الدار) بالتعريف (فدخل بعد ما انهدمت وصارت صحراء حنث) لأنها لما عينها تعلق ذلك ببقاء اسمها، والاسم فيها باق، ولذا يقال: دار غامرة (ولو حلف لا يدخل هذا البيت فدخله بعد ما انهدم) وصار صحراء (لم يحنث) ، لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يبات فيه، قيدنا بصيرورته

стр. 704

ومن حلف لا يكلم زوجة فلانٍ فطلقها فلانٌ ثم كلمها حنث، ولو حلف لا يكلم عبد فلانٍ، أو لا يدخل دار فلانٍ، فباع عبده وداره ثم كلم العبد ودخل الدار لم يحنث؛ وإن حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه حنث، وكذلك إن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخاً حنث، أو لا يأكل لحم هذا الحمل فصار كبشاً فأكله حنث، وإن حلف لا يأكل من هذه ــ صحراء؛ لأنه لو سقط السقف وبقي الحيطان يحنث لأنه يبات فيه كما في الهداية. (ومن حلف لا يكلم زوجة فلان) المعينة (فطلقها فلان) بائناً (ثم كلمها) الحالف (حنث) ، لأن الحر يصد بالهجران، فكانت الإضافة للتعريف المحض، بخلاف غير المعينة حيث لا يحنث، لعقد اليمين على فعل واقع في محل مضاف إلى فلان ولم يوجد. قيدنا بالبائن لأن الرجعي لا يرفع الزوجية (وإن حلف لا يكلم عبد فلان أو لا يدخل دار فلان فباع) فلان (عبده وداره ثم كلم) الحالف (العهد ودخل الدار لم يحنث) لأن العبد والدار لا يقصدان بالهجران لذواتهما، بل للنسبة إلى ملاكهما، واليمين ينعقد على مقصود الحالف إذا احتمله اللفظ، فصار كأنه قال: ما دام لفلان (وإن حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه حنث) ؛ لأن هذه الإضافة لا تحتمل إلا التعريف؛ لأن الإنسان لا يعادى لمعنى في الطيلسان؛ فصار كما إذا أشار إليه (وكذلك إن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخاً، أو حلف لا يأكل لحم هذا الحمل) بمهملات - ولد الضأن في السنة الأولى (فصار) الحمل (كبشا فأكله حنث) ، لأن المنع كان لعينهما لا لاتصافهما بهذا الوصف، لأنه ليس بداع لليمين (وإن حلف لا يأكل من هذه

стр. 705

النخلة فهو على ثمرها، وإن حلف لا يأكل من هذا البسر فصار رطباً فأكله لم يحنث، وإن حلف لا يأكل بسراً فأكل رطباً لم يحنث. ومن حلف لا يأكل رطباً فأكل بسراً مذنباً حنث عند أبي حنيفة. ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل السمك لم يحنث. ــ النخلة فهو على ثمرها) ، لأنه أضاف اليمين إلى ما لا يؤكل فينصرف إلى ما يخرج منه لأنه سبب له فيصلح مجازاً عنه، لكن الشرط أن لا يتغير بصنعة جديدة، حتى لا يحنث بالنبيذ والخل والدبس المطبوخ، هداية (وإن حلف لا يأكل من هذا البسر) بضم الموحدة وسكون المهملة - ثمر النخل قبل أن يصير رطباً (فصار رطباً) أو من هذا الرطب فصار تمراً (فأكله لم يحنث) ، لأن هذه الأوصاف داعية إلى اليمين فيتقيد اليمين بها (و) كذا (إن حلف لا يأكل بسراً) بالتنكير (فأكل رطباً لم يحنث) ، لأنه ليس ببسر (ومن حلف لا يأكل رطباً) أو بسراً، أو لا يأكل رطباً ولا بسراً (فأكل بسراً مذنباً) أو رطباً مذنباً (حنث عند أبي حنيفة) ، لأن البسر المذنب ما يكون في ذنبه قليل الرطب، والرطب المذنب على عكسه، فيكون آكله آكل البسر والرطب، وكل واحد مقصود في الأكل. قال جمال الإسلام: وهو قول محمد، وقال أبو يوسف: لا يحنث، والصحيح قولهما، واعتمده الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح. (ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل السمك لم يحنث) لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناوله في العرف والعادة، ولا يرد تسميته لحماً في القرآن، لأن الأيمان مبنية على العرف والعادة، لا على ألفاظ القرآن، ولذا لو حلف لا يخرب بيتا فخرب بيت العنكبوت

стр. 706

ومن حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناءٍ لم يحنث حتى يكرع منها كرعاً في قول أبي حنيفة، ومن حلف لا يشرب من ماء دجلة فشرب منها بإناءٍ حنث. ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها لم يحنث، ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه ــ لا يحنث، وإن سمى في القرآن بيتاً، كما في الجوهرة، قال الإسبيجاني: والقياس أن يحنث وهو رواية عن أبي يوسف: والصحيح ظاهر الرواية، وهو المعتمد عند الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح. (ومن حلف لا يشرب من) شيء يمكن فيه الكرع نحو (دجلة فشرب منها بإناء لم يحنث) ، لعدم وجود حقيقة المحلوف عليه، فلا يحنث (حتى يكرع منها كرعا) وذلك (في قول أبي حنيفة) ، لأن الحيقة مستعملة، ولهذا يحنث بالكرع إجماعاً، فمنعت المصير إلى المجاز، وإن كان متعارفا، قال العلامة بهاء الدين في شرحه: وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث، والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة، تصحيح. قيدنا بما يمكن فيه الكرع لأن ما لا يمكن فيه ذلك كالبئر يحنث مطلقا، بل لو تكلف الكرع لا يحنث في الأصح لهجر الحقيقة وتعين المجاز (ومن حلف لا يشرب من ماء دجلة فشرب منها بإناء حنث) لأن يمينه انعقد على الماء المنسوب إليه، وبعد الاغتراف بقي منسوبا إليه. (ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها لم يحنث) عند أبي حنيفة، لأن له حقيقة مستعملة فإنها تغلى وتقلى وتؤكل قضما، والحقيقة راجحة على المجاز المتعارف على ما هو الأصل عنده، قال العلامة بهاء الدين في شرحه: وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث، والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما، ولو قضمها حنث عندهما في الصحيح، قاله قاضيخان، تصحيح (ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه) ونحوه مما يتخذ منه كعصيدة وحلوى

стр. 707

حنث، ولو استفه كما هو لم يحنث، ولو حلف لا يكلم فلاناً فكلمه وهو بحيث يسمع إلا أنه نائمٌ حنث، وإن حلف لا يكلمه إلا بإذنه فأذن له ولم يعلم بالإذن حتى كلمه حنث. وإذا استحلف الوالي رجلاً ليعلمه بكل داعرٍ دخل البلد، فهذا على حال ولايته خاصةً. ومن حلف لا يركب دابة فلانٍ فركب دابة عبده ــ (حنث) ؛ لأن عينه غير مأكول؛ لعدم جريان العادة باستعماله كذلك؛ فينصرف إلى ما يتخذ منه (ولو استفه كما هو لم يحنث) قال قاضيخان وصاحب الهداية والزاهدي: هو الصحيح؛ لتعين المجاز مراداً، تصحيح. (وإن حلف لا يكلم فلاناً فكلمه وهو بحيث يسمع) كلامه (إلا أنه نائم حنث) ؛ لأنه قد كلمه ووصل إلى سمعه، لكنه لم يفهم لنومه، فصار كما إذا ناداه من بعيد وهو بحيث يسمع لكنه لم يفهم لتغافله، وفي بعض روايات المبسوط شرط أن يوقظه، وعليه مشايخنا، لأنه إذا لم ينتبه كان كما إذا ناداه من بعيد وهو بحيث لا يسمع صوته، هداية، ومثله في المجتبى (وإن حلف لا يكلمه إلا بإذنه فأذن له) المحلوف عليه بكلامه (و) لكن (لم يعلم) الحالف (بالإذن حتى كلمه حنث) ، لأن الإذن مشتق من الأذان الذي هو الإعلام أو من الوقوع في الأذن، وكل ذلك لا يتحقق إلا بالسماع، وقال أبو يوسف: لا يحنث، لأن الأذن هو الإطلاق، وإنه يتم بالإذن كالرضا، قلنا: الرضا من أعمال القلب، ولا كذلك على ما مر، هداية. (وإذا استحلف الوالي رجلا ليعلمه بكل داعر) أي مفسد (دخل البلد فهذا) الحلف مقصور (على حال ولايته خاصة) ، لأن مقصود الوالي دفع شر داعر بزجره، وهذا إنما يكون حال ولايته، فإذا مات أو عزل زالت اليمين، ولم تعد بعوده، كما في الجوهرة. (ومن حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده) لمأذون له سواء

стр. 708

لم يحنث. ومن حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها، أو دخل دهليزها حنث، وإن وقف في طاق الباب بحيث إذا أغلق الباب كان خارجاً لم يحنث. ومن حلف لا يأكل الشواء، فهو على اللحم دون الباذنجان والجزر. ومن حلف لا يأكل الطبيخ فهو على ما يطبخ من اللحم. ــ كان مديونا أو لا (لم يحنث) عند أبي حنيفة، إلا أنه إذا كان عليه دين مستغرق لا يحنث وإن نوى؛ لأنه لا ملك للمولى فيه عنده، وإن كان الدين غير مستغرق أو لم يكن عليه دين لا يحنث ما لم ينوه؛ لأن الملك فيه للمولى، لكنه يضاف إلى العبد عرفا وشرعا، وقال أبو يوسف في الوجوه كلها: يحنث إذا نواه، لاختلال الإضافة، وقال محمد: يحنث وإن لم ينو، لاعتبار حقيقة الملك، إذ الدين لا يمنع وقوعه للسيد عندهما كما في الهداية، قال في التصحيح: وعلى قول أبي حنيفة مشى الأئمة المصححون. اهـ. (ومن حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها أو دخل دهليزها حنث) ، لأن السطح من الدار، ألا ترى أن المعتكف لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد، وقيل: في عرفنا لا يحنث، هداية، ووفق الكمال بحمل الحنث على سطح له ساتر وعدمه على مقابله، وفي البحر: والظاهر عدم الحنث في الكل، لأنه لا يسمى داخلا عرفا، (وإن وقف في طاق الباب) وكان (بحيث إذا أغلق الباب كان خارجا) عنه (لم يحنث) ، لأن الباب لإحراز الدار وما فيها، فلم يكن الخارج من الدار. (ومن حلف لا يأكل الشواء فهو) أي حلفه (على اللحم) المشوي (دون) غيره مما يشوى، مثل (الباذنجان والجزر) ونحوه، لأنه المراد عند الإطلاق، إلا أن ينوي مطلق ما يشوى، لمكان الحقيقة (ومن حلف لا يأكل الطبيخ فهو على ما يطبخ من اللحم) استحسانا اعتبارا للعرف، وهذا لأن التعميم متعذر فيصرف إلى

стр. 709

ومن حلف لا يأكل الرءوس، فيمينه على ما يكبس في التنابير، ويباع في المصر. ومن حلف لا يأكل الخبز فيمينه على ما يعتاد أهل البلد أكله خبزاً، فإن أكل خبز القطائف أو خبز الأرز بالعراق لم يحنث. ومن حلف لا يبيع أو لا يشتري أو لا يؤاجر فوكل بذلك لم يحنث. ــ خاص هو متعارف وهو اللحم المطبوخ بالماء، إلا إذا نوى غير ذلك؛ لأن فيه تشديداً على نفسه كما في الهداية (ومن حلف لا يأكل الرءوس فيمينه) مقصورة (على ما يكبس) أي يدخل (في التنانير ويباع في) ذلك (المصر) أي مصر الحالف؛ لأنه لا يمكن حمله على العموم؛ إذ الإنسان لا يقصد بيمينه رءوس الجراد والعصافير ونحو ذلك؛ فكان المراد منه المتعارف، قال في الهداية: وفي الجامع الصغير: لو حلف لا يأكل رأسا فهو على رأس البقر والغنم عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: على الغنم خاصة، وهذا اختلاف عصر وزمان، كان العرف في زمنه فيهما، وفي زمنهما في الغنم خاصة، وفي زماننا بقي على حساب العادة كما هو المذكور في المختصر، اهـ (ومن حلف لا يأكل الخبز فيمينه) مقصورة (على ما يعتاد أهل) ذلك (البلد) أي بلد الحالف (أكله خبزاً) ، لما مر من أن العرف هو المعتبر (فإن أكل خبز القطائف أو خبز الأرز بالعراق لم يحنث) ، لأن القطائف لا يسمى خبزاً مطلقا؛ إلا إذا نواه؛ لأنه يحتمله، وخبز الأرز غير معتاد عند أهل العراق، حتى لو كان في بلدة طعامهم ذلك يحنث. (ومن حلف لا يبيع ولا يشتري أو لا يؤاجر فوكل) الحالف غيره (بذلك) الفعل (لم يحنث) ؛ لأن حقوق هذه العقود ترجع إلى العاقد، فلم يوجد

стр. 710

ومن حلف لا يتزوج، أو لا يطلق، أو لا يعتق، فوكل بذلك حنث. ومن حلف لا يجلس على الأرض فجلس على بساطٍ أو حصيرٍ، لم يحنث. ومن حلف لا يجلس على سريرٍ، فجلس على سريرٍ فوقه بساطٌ حنث، وإن جعل فوقه سريراً آخر فجلس عليه لم يحنث. ــ ما هو الشرط، وهو العقد من الآمر الثابت له حكم العقد، إلا أن ينوي ذلك؛ لأن فيه تشديداً على نفسه، أو يكون الحالف ذا سلطان لا يتولى العقد بنفسه؛ لأنه يمنع نفسه عما يعتاده، حتى لو كان الوكيل هو الحالف يحنث كما في الهداية. (ومن حلف لا يتزوج أو لا يطلق أو لا يعتق فوكل) غيره (بذلك) الفعل (حنث) ؛ لأن الوكيل في هذه العقود سفير ومعبر، ولهذا لا يضيفه إلى نفسه، بل إلى الآمر، وحقوق العقد ترجع إلى الآمر لا إليه، هداية. (ومن حلف لا يجلس على الأرض فجلس على بساط أو حصير لم يحنث) لأنه لا يسمى جالساً على الأرض، بخلاف ما إذا حال بينه وبينها لباسه لأنه تبع له، فلم يعتبر حائلا (ومن حلف لا يجلس على سرير) معين (فجلس على سرير) أي على السرير المحلوف عليه وكان (فوقه بساط) أو حصير (حنث) لأنه يعد عرفاً جالساً عليه (وإن جعل فوقه سريراً آخر فجلس عليه لم يحنث) ؛ لأنه لم يجلس على السرير المحلوف عليه، وإنما جلس على غيره، إذ لجلوس حينئذ ينسب إلى الثاني، ولذا قيدنا بالمعين، إذ لو كان يمينه على غير معين يحنث، لوجود الجلوس على سرير

стр. 711

وإن حلف لا ينام على فراشٍ فنام عليه وفوقه قرامٌ حنث وإن جعل فوقه فراشاً آخر لم يحنث. ومن حلف بيمينٍ، وقال "إن شاء الله" متصلاً بيمينه، فلا حنث عليه، وإن حلف ليأتينه إن استطاع فهذا على استطاعة الصحة دون القدرة. وإن حلف لا يكلم فلاناً حيناً أو زماناً، أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر، ــ (وإن حلف لا ينام على فراش) معين كما تقدم (فنام عليه وفوقه قرام) أي ستر (حنث) لأنه تبع للفراش؛ فيعد نائماً عليه (وإن جعل فوقه فراشاً آخر لم يحنث) ، لأن مثل الشيء لا يكون تبعاً له فقطعت النسبة عن الأول. (ومن حلف بيمين وقال: إن شاء الله) أو إلا أن يشاء الله (متصلا بيمينه) سواء كان مقدماً أو مؤخراً (فلا حنث عليه) ولابد من الاتصال؛ لأنه بعد الفراغ رجوع، في اليمين (وإن حلف ليأتينه) غداً مثلا (إن استطاع فهذا) الحلف (على استطاعة الصحة) وهي سلامة الآلات والأسباب مع عدم المانع؛ لأنه المتعارف، والأيمان مبنية على العرف (دون القدرة) الحقيقية المقارنة للفعل، لأنه غير متعارف، قال في الهداية: وهذا لأن حقيقة الاستطاعة فيما يقارن الفعل، ويطلق الاسم على سلامة الآلات وصحة الأسباب في المتعارف، فعند الإطلاق ينصرف إليه، ويصح نية الأول ديانة؛ لأنه حقيقة كلامه، ثم قيل: يصح قضاءه، لما بينا، وقيل: لا يصح، لأنه خلاف الظاهر، اهـ، قال في الفتح: وهو الأوجه. (وإن حلف لا يكلم فلاناً حينا أو زماناً) منكراً (أو لحين أو الزمان) معرفاً (فهو على ستة أشهر) من حين حلفه؛ لأنه الوسط فينصرف عند الإطلاق

стр. 712

وكذلك الدهر عند أبي يوسف ومحمدٍ. ولو حلف لا يكلمه أياماً فهو على ثلاثة أيامٍ، ولو حلف لا يكلمه الأيام فهو على عشرة أيامٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: على أيام الإسبوع، ولو حلف لا يكلمه الشهور فهو على عشرة أشهرٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: على اثني عشر شهراً، ــ إليه، وإن نوى غيره من أحد معانيه فهو على ما نواه؛ لأنه حقيقة كلامه (وكذلك الدهر عند أبي يوسف ومحمد) قال الإسبيجاني في شرحه: وقال أبو حنيفة: لا أدري ما الدهر، فإن كانت له نية فهو على ما نوى، ومن أصحابنا من قال: الدهر بالألف واللام هو الأبد عندهم، وإنما الخلاف في المنكر، ومثله في الهداية وشرح الزاهدي بزيادة: وهو الصحيح، ثم قال الإسبيجاني: الصحيح قول أبي حنيفة؛ لأنه لم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير معلوم، فلم يجز إثباته، بل يرجع إلى نية الحالف، اهـ. واختاره الأئمة المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة، تصحيح. (ولو حلف لا يكلمه أياماً فهو على ثلاثة أيام) ؛ لأنه جمع ذكر منكراً فتناول أقل الجمع، وهو الثلاث (ولو حلف لا يكلمه الأيام فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة) لأنه جمع ذكر معرفاً فينصرف إلى أقصى ما يذكر بلفظ الجمع، وذلك عشرة. هداية (وقال أبو يوسف ومحمد: على أيام الإسبوع) ؛ لأن اللام للمعهود، وهو الأسبوع لأنه يدور عليها (ولو حلف لا يكلمه الشهور فهو على عشرة أشهر عند أبي حنيفة، وقالا: على اثني عشر شهرا) ؛ لما ذكرنا أن الجمع المعرف عنده ينصرف إلى أقصى ما ذكر بلفظ الجمع وهو العشرة، وعندهما ينصرف إلى المعهود وهو أشهر العام الاثنا عشر، لأنه يدور عليها، قال جمال الإسلام: الصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده الأئمة المذكورون قبله، تصحيح

стр. 713

وإذا حلف لا يفعل كذا تركه أبداً، وإن حلف ليفعلن كذا ففعله مرةً واحدةً بر في يمينه. ومن حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه، فأذن لها مرةً فخرجت ثم خرجت مرةً أخرى بغير إذنه حنث، ولابد من إذن في كل خروجٍ، وإن قال "إلا أن آذن لك" فأذن لها مرةً ثم خرجت بعدها بغير إذنه لم يحنث. وإذا حلف لا يتغدى فالغداء الأكل ــ (وإذا حلف لا يفعل كذا تركه أبدا) ؛ لأن يمينه وقعت على النفي، والنفي لا يختص بزمان دون زمان، فحمل على التأبيد (وإن حلف ليفعلن كذا ففعله مرة واحدة بر في يمينه) ؛ لأن المقصود إيجاد الفعل، وقد أوجده، ولا يحنث إلا بوقوع اليأس منه، وذلك بموته أو بفوت محل الفعل. (ومن حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه) أو بأمره أو بعلمه (فأذن لها) أو أمرها (مرة فخرجت) ورجعت (ثم خرجت مرة أخرى بغير إذنه) أو أمره أو علمه (حنث) في حلفه (ولابد) لعدم الحنث (من إذن) أو أمر أو علم (في كل خروج) لأن المستثنى خروج مخصوص بالإذن، وما وراءه داخل في الحظر العام، ولو نوى الإذن مرة يصدق ديانة لا قضاء؛ لأنه محتمل كلامه، لكنه خلاف الظاهر، هداية. ولو قال "كلما خرجت فقد أذنت لك" سقط إذنه كما في الجوهرة. (وإن قال إلا أن) أو حتى (آذن لك) أو آمرك (فأذن لها) أو أمرها (مرة واحدة ثم خرجت بعدها بغير إذنه) أو أمره (لم يحنث) في حلفه؛ لأن ذلك للتوقيت، فإذا أذن مرة فقد انتهى الوقت وانتهى الحلف بانتهائه (وإذا حلف لا يتغدى فالغداء) هو (الأكل) الذي يقصد به الشبع

стр. 714

من طلوع الفجر إلى الظهر، والعشاء من صلاة الظهر إلى نصف الليل، والسحور من نصف الليل إلى طلوع الفجر. وإن حلف ليقضين دينه إلى قريبٍ فهو ما دون الشهر، وإن قال "إلى بعيد" فهو أكثر من الشهر. ومن حلف لا يسكن هذه الدار فخرج منها بنفسه وترك فيها أهله ومتاعه حنث. ــ عادة؛ ويعتبر عادة كل بلد في حقهم، حتى لو شبع بشرب اللبن يحنث البدوي لا الحضري، زيلعي (من طلوع الفجر إلى الظهر) وفي البحر عن الخلاصة "طلوع الشمس" قال: وينبغي اعتماده للعرف، زاد في النهر: وأهل مصر يسمونه فطوراً إلى ارتفاع الضحى الأكبر، فيدخل وقت الغداء، فيعمل بعرفهم، قلت: وكذا أهل دمشق الشام. در (والعشاء من صلاة الظهر إلى نصف الليل) وفي البحر عن الإسبيجاني: وفي عرفنا وقت العشاء بعد صلاة العصر، قلت: وهو عرف مصر والشام، در (والسحور من نصف الليل إلى طلوع الفجر) لأنه مأخوذ من السحر، ويطلق على ما يقرب منه، وهو نصف الليل. (وإن حلف ليقضين دينه إلى قريب فهو ما دون الشهر) ؛ لأن ما دونه يعد قريباً عرفاً (وإن قال إلى بعيد فهو أكثر من الشهر) وكذا الشهر؛ لأن الشهر وما زاد عليه يعد بعيدا، ولهذا يقال عند بعد العهد: ما لقيتك منذ شهر، كما في الهداية. (ومن حلف لا يسكن هذه الدار) أو البيت، أو المحلة (فخرج منها بنفسه وترك فيها أهله ومتاعه حنث) ؛ لأنه يعد ساكنا ببقاء أهله ومتاعه فيها

стр. 715

ومن حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهباً انعقدت يمينه وحنث عقيبها. ومن حلف ليقضين فلاناً دينه اليوم فقضاه ثم وجد فلانٌ بعضه زيوفاً أو نبهرجةً، أو مستحقة - لم يحنث، وإن وجدها رصاصاً أو ستوقة حنث. ــ عرفا، فإن السوقي عامة النهار في السوق، ويقول: أسكن سكة كذا، ثم قال أبو حنيفة: لابد من نقل كل المتاع، حتى لو بقي وتد حنث، لأن السكنى ثبتت بالكل فتبقى ما بقي شيء منه، وقال أبو يوسف: يعتبر نقل الأكثر، لأن نقل الكل قد يتعذر، وقال محمد: يعتبر نقل ما تقوم به السكنى؛ لأن ما وراء ذلك ليس من السكنى، قالوا: هذا أحسن وأرفق بالناس، كذا في الهداية. وفي الدر عن العيني: وعليه الفتوى. (ومن حلف ليصعدن السماء، أو ليقلبن هذا الحجر ذهباً، انعقد يمينه) ؛ لإمكان البر حقيقة بإقدار الله تعالى، فينعقد يمينه (وحنث عقيبها) للعجز عادة، بخلاف ما إذا حلف: ليشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه حيث لا يحنث لأن شرب مائه ولا ماء فيه لا يتصور، والأصل في ذلك: أن إمكان البر في المستقبل شرط انعقاد اليمين؛ إذ لابد من تصور الأصل لتنعقد في حق الحلف، وهو الكفارة. (ومن حلف ليقيضن فلاناً دينه اليوم) مثلا (فقضاه) إياه (ثم وجد فلان بعضه) أو كله (زيوفاً) وهي ما يقبله التجار ويرده بيت المال (أو نبهرجة) وهي ما يرده كل منهما (أو مستحقاً) للغير (لم يحنث) الحالف،

стр. 716

ومن حلف لا يقبض دينه درهماً دون درهمٍ فقبض بعضه، لم يحنث حتى يقبض جميعه متفرقاً، وإن قبض دينه في وزنتين لم يتشاغل بينهما إلا بعمل الوزن لم يحنث، وليس ذلك بتفريقٍ. ــ لوجود الشرط، لأن الزيوف والنبهرجة من الدراهم، غير أنها معيبة، والعيب لا يعدم الجنس، ولذا لو تجوز بها صار مستوفيا، وقبض المستحقة صحيح فلا يرتفع برده البر المتحقق كما في الهداية. (وإن وجدها رصاصاً أو ستوقةً) بالفتح - أراد من النبهرجة. وعن الكرخي: الستوقة عندهم ما كان الصفر أو النحاس هو الغالب الأكثر فيه، مغرب. وقيل: ما كان داخله نحاس وخارجه فضة (حنث) في يمينه؛ لأنهما ليسا من جنس الدراهم، حتى لا يجوز التجوز بهما في الصرف والسلم، هداية. (ومن حلف لا يقبض دينه درهما دون درهم) أي متفرقاً (فقبض بعضه لم يحنث) بمجرد قبض البعض، بل (حتى يقبض جميعه متفرقاً) ، لأن الشرط قبض الكل، لكنه بوصف التفرق، لأنه أضاف القبض إلى دين معروف مضاف إليه فينصرف إلى كله، فلا يحنث إلا به، هداية. (وإن قبض دينه في وزنتين) أو أكثر، و (لم يتشاغل بينهما إلا بعمل الوزن لم يحنث، وليس ذلك بتفريق) ؛ لأنه قد يتعذر قبض الكل دفعة واحدة عادة، فيصير هذا القدر مستثنى عنه، هداية

стр. 717

ومن حلف ليأتين البصرة فلم يأتها حتى مات، حنث في آخر جزء من أجزاء حياته. كتاب الدعوى . - المدعي: من لا يجبر على الخصومة إذا تركها. والمدعى عليه: من يجبر على الخصومة. ــ (ومن حلف ليأتين البصرة) مثلا (فلم يأتها حتى مات حنث في آخر جزء من أجزاء حياته) ؛ لأن يمينه انعقدت مطلقة غير مؤقتة، فتبقى ما دام البر موجودا، فإذا مات وقع اليأس، فيضاف الحنث إلى آخر جزء من أجزاء حياته، قال في الينابيع: حتى إذا حلف بطلاق امرأته فلا ميراث لها إذا لم يكن دخل بها، ولا عدة عليها، وإن كان دخل بها فلها الميراث وعليها العدة أبعد الأجلين بمنزلة الفار، ولو ماتت هي لم تطلق؛ لأن شرط البر يتعذر بموتها، جوهرة. كتاب الدعوى كفتوى، وألفها للتأنيث فلا تنون، وجمعها دعاوى كفتاوى، كما في الدرر، وجزم في المصباح بكسرها على الأصل، وبفتحها فيهما محافظة على ألف التأنيث. وهي لغة: قول يقصد به الإنسان إيجاب حق على غيره. وشرعا: إخبار بحق له على غيره عند الحاكم. ولما كانت مسائل الدعوى متوقفة على معرفة المدعى والمدعى عليه، ومعرفة الفرق بينهما من أهم ما تبتنى عليه - بدأ المصنف بتعريفهما، فقال: (المدعى: من لا يجبر على الخصومة إذا تركها) ؛ لأنه طالب (والمدعى عليه: من يجبر على الخصومة) ؛ لأنه مطلوب

стр. 718

ولا تقبل الدعوى حتى يذكر شيئاً معلوماً في جنسه وقدره، فإن كان عيناً في يد المدعى عليه كلف إحضارها ليشير إليها بالدعوى، وإن لم تكن حاضرةً ذكر قيمتها. ــ قال في الهداية: وقد اختلفت عبارات المشايخ في الفرق بين المدعى والمدعى عليه فمنها ما قال في الكتاب، وهو حد تام صحيح، وقيل: المدعي من لا يستحق إلا بحجة كالخارج، والمدعى عليه من يكون مستحقا بقوله من غير حجة كذي اليد، وقيل: المدعي من يلتمس غير الظاهر، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر، وقال محمد في الأصل: المدعى عليه هو المنكر، وهذا صحيح، لكن الشأن في معرفته، والترجيح بالفقه عند الحذاق من أصحابنا؛ لأن الاعتبار للمعاني دون الصور؛ فإن المودع إذا قال "رددت الوديعة" فالقول له مع اليمين وإن كان مدعيا للرد صورة، لأنه ينكر الضمان، اهـ. (ولا تقبل الدعوى) من المدعي ويلزم بها حضور المدعى عليه والمدعى به والجواب (حتى يذكر) المدعي (شيئاً معلوماً في جنسه) كبر أو شعير أو ذهب أو فضة (وقدره) ككذا قفيز أو مثقالا أو درهما؛ لأن فائدة الدعوى الإلزام بواسطة إقامة الحجة، والإلزام في المجهول لا يتحقق. (فإن كان) المدعى به (عيناً في يد المدعى عليه كلف) المدعى عليه (إحضارها ليشير إليها) المدعي (بالدعوى) والشهود بالشهادة، والمدعى عليه بالاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط، وذلك بالإشارة في المنقولات، لأن النقل ممكن، والإشارة أبلغ في التعريف (وإن لم تكن) العين (حاضرة) بأن كانت هالكة، أو في نقلها مؤنة (ذكر قيمتها) ليصير المدعى به معلوما؛ لأن القيمة تعرفها معنى، هداية

стр. 719

وإن ادعى عقاراً حدده، وذكر أنه في يد المدعى عليه، وأنه يطالبه به وإن كان حقاً في الذمة ذكر أنه يطالبه به، فإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عنها، فإن اعترف قضى عليه بها. ــ (وإن ادعى عقاراً حدده) ؛ لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل، فصار إلى التحديد؛ فإن العقار يعرف به، ويذكر الحدود الأربعة، وأسماء أصحابها وأنسابهم، ولابد من ذكر الجد في التصحيح، إلا أن يكون صاحب الحد مشهورا، فيكتفي بذكره، لحصول المقصود. وإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفي بها عندنا، خلافا لزفر، بخلاف ما إذا غلط في الرابع؛ لأنه يختلف به المدعي، ولا كذلك بتركها، وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة، هداية. (وذكر أنه في يد المدعى عليه) ، لأنه إنما ينتصب خصما إذا كان في يده، ولا يكفي تصديق المدعى عليه أنه في يده، بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبينة أو علم القاضي، هو الصحيح نفياً لتهمة المواضعة، إذ العقار عساه في يد غيرهما، بخلاف المنقول، لأن اليد فيه مشاهدة، هداية (وأنه يطالبه به) لأن المطالبة حقه، فلابد من طلبه، ولأنه يحتمل أن يكون مرهونا في يده أو محبوساً بالثمن في يده، هداية. وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال، وعن هذا قالوا في المنقول: يجب أن يقول "في يد بغير حق"، هداية. (وإن كان) المدعى به (حقا) أي ديناً (في الذمة ذكر أنه يطالبه به) لأن صاحب الذمة قد حضر، فلم يبق إلا المطالبة. (فإذا صحت الدعوى) من المدعي (سأل القاضي المدعى عليه عنها) لينكشف له وجه الحكم (فإن اعترف) بدعواه (قضى عليه بها) ؛ لأنه غير متهم

стр. 720

وإن أنكر سأل المدعي البينة، فإن أحضرها قضى بها، وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلف عليها. فإن قال "لي بينةٌ حاضرةٌ" وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة. ولا ترد اليمين على المدعي، ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق، ــ في حق نفسه (وإن أنكر سأل المدعي البينة) ؛ لإثبات ما ادعاه (فإن أحضرها قضى بها) لظهور صدقها (وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلف) القاضي (عليها) ولابد من طلبه؛ لأن اليمين حقه، وأجمعوا على التحليف بلا طلب في دعوى الدين على الميت، كما في الدر وغيره. (فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة) يعني في المصر (وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة) وقال أبو يوسف: يستحلف، لأن اليمين حقه، فإذا طالبه به يجيبه. ولأبي حنيفة أن ثبوت الحق في اليمين مرتبٌ على العجز عن إقامة البينة، فلا يكون حقه دونه، كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس، ومحمد مع أبي يوسف فيما ذكر الخصاف، ومع أبي حنيفة فيما ذكر الطحاوي كما في الهداية، وفي التصحيح: قال جمال الإسلام: الصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما، اهـ. قيد بحضورها لأنها لو كانت عائبة حلف اتفاقا، وقدر الغيبة في المجتبى بمسيرة السفر. (ولا ترد اليمين على المدعي) لحديث: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، وحديث الشاهد واليمين ضعيف، بل رده ابن معين، بل أنكره الراوي كما في الدر عن العيني. (ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق) ؛ لأنها لا تفيد أكثر

стр. 721

وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضي عليه بالنكول، ولزمه ما ادعى عليه. وينبغي للقاضي أن يقول له: "إني أعرض اليمين عليك ثلاثاً، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بما ادعاه" فإذا كرر العرض ثلاث مرات قضى عليه بالنكول، ــ مما تفيده اليد، فلو أقام الخارج البينة كانت بينته أولى؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ لأنها تظهر الملك له، بخلاف ذي اليد فإن ظاهر الملك ثابت له باليد؛ فلم تثبت له شيئا زائداً. قيد بالملك المطلق احترازا عن المقيد بدعوى النتاج، وعن المقيد بما إذا ادعيا تلقى الملك من واحد وأحدهما قابض، أو ادعيا الشراء من اثنين، وأرخا وتأريخ ذي اليد أسبق؛ فإنه - في هذه الصور - تقبل بينة ذي اليد بالإجماع، وتمامه في العناية. (وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضى عليه بالنكول ولزمه ما ادعى عليه) ؛ لأن النكول دل على كونه باذلا عنده أو مقرا عندهما؛ إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب ودفعاً للضرر عن نفسه، فيرجح هذا الجانب (و) لكن (ينبغي للقاضي أن) ينذر المدعى عليه؛ بأن (يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثاً، فإن حلفت) فيها (وإلا قضيت عليك بما ادعاه) خصمك، وهذا الإنذار لإعلامه بالحكم، إذ هو موضع الخفاء (فإذا كرر) القاضي (العرض) عليه (ثلاث مرات) وهو على نكوله (قضى عليه بالنكول) قال في الهداية: وهذا التكرار ذكره الخصاف لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبلاء العذر؛ فأما المذهب فإنه لو قضى بالنكول بعد العرض مرة جاز لما قدمنا؛ هو الصحيح، والأول أولى؛ ثم النكول قد يكون

стр. 722

وإن كانت الدعوى نكاحاً لم يستحلف المنكر عند أبي حنيفة. ولا يستحلف في النكاح، والرجعة، والفيء في الإيلاء، والرق، والاستيلاد، والنسب، والولاء، والحدود. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يستحلف في ذلك كله، إلا في الحدود والقصاص. ــ حقيقياً، كقوله "لا أحلف" وقد يكون حكمياً بأن يسكت، وحكمه حكم الأول إذا علم أنه لا آفة به من طرش أو خرس، وهو الصحيح، اهـ. (وإن كانت الدعوى نكاحاً) منه أو منها، وأنكره الآخر (لم يستحلف المنكر) منهما (عند أبي حنيفة) ، لأن النكول عنده بذلٌ والبذل لا يجري في هذه الأشياء المذكورة بقوله: (ولا يستحلف في) إنكار (النكاح، والرجعة) بعد العدة (والفيء في الإيلاء) بعد المدة (والرق، والاستيلاد) إذا أنكره السيد، ولا يتأتى عكسه؛ لثبوته بإقراره (والولاء والنسب) عتاقة أو موالاة (والحدود، وقالا: يستحلف) المنكر (في ذلك كله، إلا في الحدود) ؛ لأن النكول عندهما إقرار، والإقرار يجري في هذه الأشياء، لكنه إقرار فيه شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات، والفتوى على قولهما كما نقله في التصحيح عن قاضيخان والفتاوى الكبرى والتتمة والخلاصة ومختارات النوازل والزوزني في شرح المفظومة وفخر الإسلام عن البزدوي والنسفي في الكنز والزيلعي في شرحه، ثم قال: واختار المتأخرون من مشايخنا أن القاضي ينظر في حال المدعى عليه: فإن رآه متعنتاً يحلفه آخذاً بقولهما، وإن رآه مظلوما لا يحلفه آخذاً بقول الإمام، وهو نظير ما اختاره شمس الأئمة في التوكيل بالخصومة من غير رضاء الخصم، اه

стр. 723

وإذا ادعى اثنان عيناً في يد آخر كل واحدٍ منهما يزعم أنها له وأقاما البينة، قضى بها بينهما، وإن ادعى كل واحدٍ منهما نكاح امرأةٍ وأقاما البينة لم يقض بواحدةٍ من البينتين، ويرجع إلى تصديق المرأة لأحدهما. ــ (وإذا ادعى اثنان عيناً في يد آخر) و (كل واحد منهما يزعم أنها له، وأقاما البينة قضى بها) : أي بالعين المدعى بها (بينهما) نصفين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق وقبول المحل الاشتراك. (وإن ادعى كل واحد منهما نكاح امرأة) حية (وأقاما البينة) على ذلك (لم يقض بواحدة من البينتين) ؛ لعدم أولوية إحداهما، وتعذر الحكم بهما لعدم قبول المحل اشتراكهما (ورجع إلى تصديق المرأة لأحدهما) ، لأن النكاح مما يحكم به بتصادقهما، قال في الهداية: وهذا إذا لم توقت البينتان، فأما إذا وقتتا فصاحب الوقت الأول أولى، وإن أقرت لأحدهما قبل إقامة البينة فهي امرأته لتصادقهما، فإن أقام الآخر البينة قضى بها؛ لأن البينة أقوى من الإقرار؛ ولو تفرد أحدهما بالدعوى والمرأة تجحد فأقام البينة وقضى بها القاضي ثم ادعى الآخر وأقام البينة على مثل ذلك لا يحكم بها؛ لأن القضاء بالأول صح فلا ينقض بما هو مثله بل دونه، إلا أن يوقت شهود الثاني سابقاً، لأنه ظهر الخطأ في الأول بيقين، وكذا إذا كانت المرأة في يد الزوج ونكاحه ظاهر لا تقبل بينة الخارج إلا على وجه السبق، اهـ. قيدنا بحياة المرأة لأنها إذا كانت ميتة قضى به بينهما، لأن المقصود الميراث وهو يقبل الاشتراك، وعلى كل واحد نصف المهر، ويرثان ميراث زوج واحد، وتمامه في الخلاصة

стр. 724

وإن ادعى اثنان كل واحدٍ منهما أنه اشترى منه هذا العبد وأقاما البينة فكل واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصف العبد بنصف الثمن، وإن شاء ترك، فإن قضى القاضي بينهما به فقال أحدهما "لا أختار" لم يكن للآخر أن يأخذ جميعه، وإن ذكر كل واحدٍ منهما تاريخاً فهو للأول منهما، وإن لم يذكرا ومع أحدهما قبضٌ فهو أولى به. ــ (وإن ادعى اثنان) على ثالث ذي يد (كل واحد منهما أنه اشترى منه (أي من ذي اليد (هذا العبد) مثلا (وأقاما البينة) على ذلك قبلتا، وثبت لهما الخيار؛ لأنه لم يسلم لكل منهما سوى النصف (فكل واحد منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصف العبد بنصف الثمن، وإن شاء ترك) لتفريق الصفقة عليه (فإن قضى به القاضي بينهما وقال أحدهما) بعد القضاء له (لا أختار) ذلك وتركه (لم يكن للآخر أن يأخذ جميعه) لأنه بالقضاء انفسخ عقد كل واحد في نصفه، فلا يعود إلا بعقد جديد، قيدنا بما بعد القضاء لأنه لو كان قبل القضاء كان للآخر أن يأخذ جميعه، لأنه يدعي الكل، والحجة قامت به، ولم ينفسخ سببه، وزال المانع وهو مزاحمة الآخر كما في الهداية (وإن ذكر كل واحد منهما تاريخاً) وكان تاريخ أحدهما أسبق (فهو للأول منهما) ، لأنه أثبت الشراء في زمان لا ينازعه فيه أحد، فاندفع الآخر به، ولو وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى فهو لصاحب الوقت، لثبوت ملكه في ذلك الوقت، فاحتمل الآخر أن يكون قبله أو بعده، فلا يقضي له بالشك، هداية (وإن لم يذكرا تاريخاً) أو ذكرا تاريخاً واحداً، أو أرخ أحدهما دون الآخر (و) كان (مع أحدهما قبض فهو أولى به) ، لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه، ولأنه قد استويا في الإثبات فلا تزول اليد الثابتة بالشك

стр. 725

وإن ادعى أحدهما شراءً والآخر هبةً وقبضاً وأقاما البينة ولا تاريخ معهما فالشراء أولى. وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأةٌ أنه تزوجها عليه فهما سواءٌ. وإن ادعى أحدهما رهناً وقبضاً والآخر هبةً وقبضاً فالرهن أولى، وإن أقام الخارجان البينة على الملك والتاريخ فصاحب التاريخ الأبعد أولى، وإن ادعيا الشراء من واحدٍ ــ (وإن ادعى) اثنان على ثالث ذي يد (أحدهما شراء) منه (والآخر هبة وقبضاً وأقاما البينة) على ذلك (ولا تاريخ معهما فالشراء أولى) لأنه أقوى؛ لكونه معاوضة من الجانبين، ولأنه يثبت بنفسه، بخلاف الهبة؛ فإنه يتوقف على القبض. (وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأة أنه تزوجها عليه فهما سواء) لاستوائهما في القوة؛ لأن كلا منهما معاوضة من الجانبين، ويثبت الملك بنفسه. (وإن ادعى أحدهما رهناً وقبضاً والآخر هبة وقبضاً فالرهن أولى) . قال في الهداية: وهذا استحسان، وفي القياس الهبة أولى؛ لأنها تثبت الملك، والرهن لا يثبته، وجه الاستحسان أو المقبوض بحكم الرهن المضمون؛ وبحكم الهبة غير مضمون، وعقد الضمان أولى، اهـ. (وإن أقام) المدعيان (الخارجان البينة على الملك والتاريخ) المختلف (فصاحب التاريخ الأبعد) أي الأسبق تاريخاً (أولى) ؛ لأنه أثبت أنه أول المالكين؛ فلا يتلقى الملك إلا من جهته ولم يتلق الآخر منه. (وإن ادعيا الشراء من واحد) أي غير ذي يد لئلا يتكرر مع ما سبق

стр. 726

وأقاما البينة على التاريخين فالأول أولى، وإن أقام كل واحدٍ منهما بينةً على الشراء من آخر وذكرا تاريخاً فهما سواء، وإن أقام الخارج البينة على ملكٍ مؤرخٍ وأقام صاحب اليد البينة على ملكٍ أقدم تاريخاً كان أولى، وإن أقام الخارج وصاحب اليد كل واحدٍ منهما بينةً بالنتاج فصاحب اليد أولى. ــ (وأقاما البينة على التاريخين) المختلفين (فالأول أولى) لما بينا أنه أثبته في وقتٍ لا منازع له فيه. (وإن أقام كل واحد منهما بينة على الشراء من آخر) بأن قال أحدهما: اشتريت من زيد، والآخر من عمرو (وذكرا تاريخاً) متفقاً أو مختلفاً (فهما سواء) لأنهما يثبتان الملك لبائعهما، فيصيران كأنهما أقاما البينة على الملك من غير تاريخ، فيخير كل منهما بين أخذ النصف بنصف الثمن وبين الترك. (وإن أقام الخارج البينة على ملك مؤرخ، و) أقام (صاحب اليد البينة على ملك أقدم تاريخاً كان) ذو اليد (أولى) ؛ لأن البينة مع التاريخ متضمنة معنى الدفع، قال في الهداية وشرح الزاهدي: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو رواية عن محمد، وعنه: لا تقبل بينة ذي اليد، وعلى قولهما اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما كما هو الرسم، تصحيح. (وإن أقام الخارج وصاحب اليد كل واحد منهما بينة بالنتاج) من غير تاريخ أو أرخا تاريخاً واحداً، بدليل ما يأتي (فصاحب اليد أولى) ، لأن البينة قامت على ما لا تدل عليه اليد فاستويا، وترجحت بينة ذي اليد؛ فيقضي له، ولو تلقى كل واحد منهما الملك من رجل وأقام البينة على النتاج عنده فهو بمنزلة إقامتها على النتاج في يد نفسه؛

стр. 727

وكذلك النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرةً واحدةً، وكل سببٍ في الملك لا يتكرر فهو كذلك، وإن أقام الخارج البينة على الملك وصاحب اليد بينةً على الشراء منه كان أولى، وإن أقام كل واحدٍ منهما البينة على الشراء من الآخر ولا تاريخ معهما تهاترت البينتان. ــ لما ذكرنا، ولو أقام أحدهما البينة على الملك المطلق والآخر على النتاج فصاحب النتاج أولى أيهما كان؛ لأن البينة قامت على أولية الملك؛ فلا يثبت للآخر إلا بالتلقي من جهته، وكذا إذا كانت الدعوى بين خارجين فبينة النتاج عنده أولى، لما ذكرناه، ولو قضى بالنتاج لصاحب اليد ثم أقام ثالث البينة على النتاج يقضى له، إلا أن يعيدها دو اليد، لأن الثالث لم يصر مقضيا عليه بتلك القضية، وكذا المقضي عليه بالملك إذا أقام البينة على النتاج تقبل بينته وينقض القضاء؛ لأنه بمنزلة النص، هداية. (وكذلك) أي مثل النتاج (النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرة واحدة) كالكرباس (و) كذا (كل سبب في الملك لا يتكرر) كغزل القطن، وحلب لبن، وجز صوف، ونحو ذلك، لأنه في معنى النتاج، فإن كان يتكرر كالبناء والغرس قضى به للخارج بمنزلة الملك المطلق، وإن أشكل يرجع به إلى أهل الخبرة، فإن أشكل عليهم قضى به للخارج، وتمامه في الهداية (وإن أقام الخارج البينة على الملك) المطلق (وصاحب اليد بينة على الشراء منه كان) صاحب اليد (أولى) ؛ لأنه أثبت تلقي الملك منه؛ فصار كما إذا أقر بالملك له ثم ادعى الشراء منه (وإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من الآخر ولا تاريخ معهما تهاترت البينتان) ويترك المدعى به في يد ذي اليد. قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يقضي بالبينتين، ويكون للخارج، اهـ. قال في التصحيح: وعلى قولهما اعتمد المصححون، وقد رجحوا دليلهما قولا واحداً، اه

стр. 728

وإن قام أحد المدعيين شاهدين والآخر أربعةً فهما سواء. ومن ادعى قصاصاً على غيره فجحد استحلف، فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس لزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يقرأ أو يحلف، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه الأرش فيهما. وإذا قال المدعي "لي بينةٌ حاضرةٌ" قيل لخصمه "أعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيامٍ". ــ (وإن أقام أحد المدعيين شاهدين، و) أقام (الآخر أربعة) أو أكثر (فهما سواء) لأن كل شهادة علةٌ تامة، وكذا لو كانت إحداهما أعدل من الأخرى، لأن العبرة لأصل العدالة، إذ لا حد للأعدلية كما في الدر. (ومن ادعى قصاصاً على غيره فجحده) المدعى عليه (استحلف) إجماعاً، لأنه منكر (فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس لزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يقرأ أو يحلف) وهذا عند أبي حنيفة؛ لأن النكول عنده بذلٌ معنى، والأطراف ملحقة بالأموال، فيجري فيها البذل، ولهذا تستباح بالإباحة كقلع السن عند وجعه وقطع الطرف عند وقوع الآكلة، بخلاف النفس، فإن أمرها أعظم، ولا تستباح بحال، ولهذا لو قال له "اقتلني" فقتله تجب الدية (وقالا: يلزمه الأرش فيهما) ؛ لأن النكول عندهما إقرار فيه شبهة، فلا يثبت به القصاص، ويثبت به الأرش، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المصححون. (وإذا قال المدعي: لي بينة حاضرة) في المصر (قيل لخصمه: أعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيام) ؛ لئلا يغيب نفسه فيضيع حقه، والكفالة بالنفس جائزة عندنا وأخذ الكفيل لمجرد الدعوى استحسان عندنا لأن فيه نظرا للمدعي، وليس فيه كثير

стр. 729

فإن فعل وإلا أمر بملازمته، إلا أن يكون غريباً على الطريق فيلازمه مقدار مجلس القاضي. وإن قال المدعى عليه "هذا الشيء أودعنيه فلانٌ الغائب، أو رهنه عندي، أو غصبته منه" وأقام بينةً على ذلك فلا خصومة بينه وبين المدعي، ــ ضرر بالمدعى عليه، والتقدير بثلاثة أيام مرويٌ عن أبي حنيفة، وهو الصحيح، ولا فرق في الظاهر بين الخامل والوجيه والحقير من المال والخطير كما في الهداية (فإن فعل) أي أعطى كفيلا بنفسه فيها (وإلا أمر بملازمته) لئلا يذهب حقه (إلا أن يكون) المدعى عليه (غريباً) مسافراً (على الطريق فيلازمه مقدار مجلس القاضي) فقط، وكذا لا يكفل إلا إلى آخر المجلس؛ فالاستثناء منصرف إليهما؛ لأن في أخذ الكفيل والملازمة زيادة على ذلك إضراراً به يمنعه عن السفر، ولا ضرر في هذا المقدار ظاهراً، هداية. (وإذا قال المدعى عليه) في جواب مدعي الملك (هذا الشيء) المدعى به، منقولا كان أو عقاراً (أودعنيه فلان الغائب) أو أعارنيه، أو أجرنيه (أو رهنه عندي، أو غصبته منه) أي من الغائب (وأقام بينة على ذلك) وقال الشهود: نعرفه باسمه ونسبه أو بوجهه، وشرط محمد معرفته بوجهه أيضاً، قال في البزازية: وتعويل الأئمة على قول محمد، اهـ (فلا خصومة بينه وبين المدعي) ؛ لأنه أثبت ببينته أن يده ليست بيد خصومة، وقال أبو يوسف: إن كان الرجل صالحاً فالجواب كما قلنا، وإن كان معروفاً بالحيل لا تندفع عنه الخصومة، قال في الدر: وبه يؤخذ، واختاره في المختار، وهذه مخمسة كتاب الدعوى، لأن فيها أقوال خمسة علماء كما بسط في الدر، أو لأن

стр. 730

وإن قال "ابتعته من الغائب" فهو خصمٌ. وإن قال المدعي "سرق مني" وأقام البينة، وقال صاحب اليد "أودعنيه فلانٌ" وأقام البينة لم تندفع الخصومة، وإن قال المدعي "ابتعته من فلانٍ" وقال صاحب اليد "أودعنيه فلانٌ ذلك" سقطت الخصومة بغير بينة. ــ صورها خمس، اهـ. قيدنا بدعوى الملك لأنه لو كان دعواه عليه الغصب أو السرقة لا تندفع الخصومة؛ لأنه يصير خصما بدعوى الفعل عليه، لا بيده، بخلاف دعوى الملك، وتمامه في الهداية. (وإن قال ابتعته من الغائب فهو خصم) ، لأنه لما زعم أن يده يد ملك اعترف بكونه خصما. (وإن قال المدعى سرق) بالبناء للمجهول (منى) هذا الشيء (وأقام البينة) على دعواه (وقال صاحب اليد أودعنيه فلان وأقام البينة) على دعواه (لم تندفع الخصومة) قال في الهداية: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو استحسان، وقال محمد: تندفع؛ لأنه لم يدع الفعل عليه فصار كما إذا قال: غصب مني - على ما لم يسم فاعله - ولهما أن ذكر الفعل يستدعي الفاعل لا محالة، والظاهر أنه هو الذي في يده، إلا أنه لم يعينه درءاً للحد عنه شفقة عليه وإقامة لحسبة الستر، فصار كما إذا قال "سرقت" بخلاف الغصب؛ لأنه لا حد فيه فلا يحترز عن كشفه، اهـ. قال الإسبيجاني: والصحيح الاستحسان، وعليه اعتمد الأئمة المصححون، تصحيح. (وإذا قال المدعي ابتعته من فلان) الغائب (وقال صاحب اليد أودعنيه فلان سقطت الخصومة) عن المدعى عليه (بغير بينة) لتصادقهما على أن الملك لغير

стр. 731

واليمين بالله تعالى دون غيره، ويؤكد بذكر أوصافه، ولا يستحلف بالطلاق، ولا بالعتاق، ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار، ــ ذي اليد؛ فلم تكن يده يد خصومة، إلا أن يقيم المدعي البينة أن فلاناً وكله بقبضه، لإثباته كونه أحق بإمساكه. (واليمين) إنما هي (بالله تعالى دون غيره) لقوله ﷺ : (من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليذر) (ويؤكد) أي يغلظ اليمين (بذكر أوصافه) تعالى المرهبة، كقوله قل: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، وله أن يزيد على هذا أو ينقص، إلا أنه يجتنب العطف كيلا يتكرر اليمين، لأن المستحق عليه يمين واحدة، والاختيار فيه إلى القاضي، وقيل: لا يغلظ على المعروف بالصلاح، ويغلظ على غيره، وقيل: يغلظ في الخطير من المال دون الحقير، كما في الهداية. (ولا يستحلف بالطلاق، ولا بالعتاق) في ظاهر الرواية، قال قاضيخان: وبعضهم جوز ذلك في زماننا، والصحيح ظاهر الرواية، تصحيح. فلو حلف به فنكل لا يقضي عليه بالنكول؛ لنكوله عما هو منهي عنه شرعا. (ولا يستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار) فيغلظ على كل بمعتقده، فلو اكتفى بالله كفى كالمسلم، اختيار. قال في الهداية: هكذا ذكر محمد في الأصل، ويروى عن أبي حنيفة أنه لا يستحلف غير اليهودي والنصراني إلا بالله، وهو اختيار

стр. 732

ولا يحلفون في بيوت عباداتهم. ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمانٍ ولا بمكانٍ. ومن ادعى أنه ابتاع من هذا عبده بألفٍ فجحد يستحلف بالله ما بينكما بيعٌ قائم فيه، ولا يستحلف بالله ما بعت، ويستحلف في الغصب بالله ما يستحق عليك ــ بعض مشايخنا؛ لأن في ذكر النار مع اسم الله تعالى تعظيمها، وما ينبغي أن تعظم. بخلاف الكتابين؛ لأن كتب الله تعالى معظمة، والوثني لا يحلف إلا بالله تعالى؛ لأن الكفرة بأسرهم يعتقدون الله، قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ . اهـ. (ولا يحلفون في بيوت عباداتهم) ، لكراهة دخولها، ولما فيه من إيهام تعظيمها. (ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان) كيوم الجمعة بعد العصر (ولا بمكان) كبين الركن والمقام بمكة، وعند منبر النبي ﷺ في المدينة؛ لأن المقصود تعظيم المقسم به، وهو حاصل بدون ذلك، وفي إيجاب ذلك تكليف القاضي حضورها، وهو مدفوع، هداية. (ومن ادعى أنه ابتاع) أي اشترى (من هذا) الحاضر (عبده بألف فجحده) المدعى عليه (استحلف بالله) تعالى (ما بينكما بيع قائم فيه) : أي في هذا العبد (ولا يستحلف بالله ما بعت) هذا العبد، لاحتمال أنه باع ثم فسخ أو أقال (ويستحلف) كذلك (من الغصب) بأن يقول له (بالله ما يستحق عليك

стр. 733

رده، ولا يحلف بالله ما غصبت، وفي النكاح بالله ما بينكما نكاحٌ قائمٌ في الحال، وفي دعوى الطلاق بالله ما هي بائنٌ منك الساعة بما ذكرت، ولا يستحلف بالله ما طلقتها. وإذا كانت دارٌ في يد رجلٍ ادعاها اثنان أحدهما جميعها والآخر نصفها وأقاما البينة فلصاحب الجميع ثلاثة أرباعها ولصاحب النصف ربعها عند أبي حنيفة، ــ رده، ولا يحلف بالله ما غصبت) ؛ لاحتمال هبته أو أداء ضمانه (و) كذلك في النكاح، بأن يقول له: (بالله ما بينكما نكاح قائم في الحال) ؛ لاحتمال الطلاق البائن (وفي دعوى الطلاق بالله ما هي بائن منك الساعة بما ذكرت) أي بالوجه الذي ذكرته المدعية (ولا يستحلف بالله ما طلقتها) ، لاحتمال تجدد النكاح بعد الإبانة، فيحلف على الحاصل، وهو صورة إنكار المنكر؛ لأنه لو حلف على السبب يتضرر المدعى عليه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يحلف في الجميع على السبب إلا إذا عرض بما ذكر فيحلف على الحاصل، قال في الهداية: والحاصل هو الأصل عندهما، إذا كان سبباً يرتفع، وإن كان لا يرتفع فالتحليف على السبب بالإجماع، كالعبد المسلم إذا ادعى العتق على مولاه، وتمامه فيها. (وإذا كانت دار في يد رجل ادعاها) عليه (اثنان) فادعى (أحدهما جميعها) وادعى (الآخر نصفها وأقاما البينة) على ذلك (فلصاحب) دعوى (الجميع ثلاثة أرباعها، ولصاحب) دعوى (النصف ربعها عند أبي حنيفة)

стр. 734

وقال أبو يوسف ومحمد: هي بينهما أثلاثاً، ولو كانت في أيديهما سلمت لصاحب الجميع: نصفها على وجه القضاء، ونصفها لا على وجه القضاء. وإذا تنازعا في دابةٍ وأقام كل واحدٍ منهما بينةً أنها نتجت عنده وذكرا تاريخاً وسن الدابة يوافق التاريخين فهو أولى، وإن أشكل ذلك كانت بينهما. ــ اعتباراً لطريق المنازعة، فإن صاحب النصف لا ينازع الآخر في النصف، فسلم له، واستوت منازعتهما في النصف الآخر؛ فيتنصف بينهما (وقالا: هي بينهما أثلاثا) اعتباراً لطريق العول؛ لأن في المسألة كلا ونصفاً، فالمسألة من اثنين، وتعول إلى ثلاثة؛ فتقسم بينهما أثلاثاً، قال في التصحيح: واختار قوله البرهاني والنسفي وغيرهما (ولو كانت) الدار (في أيديهما) أي المدعيين والمسألة بحالها (سلمت) الدار كلها (لصاحب) دعوى (الجميع) ولكن يسلم له (نصفها على وجه القضاء، ونصفها) الآخر (لا على وجه القضاء) ، لأنه خارج في النصف، فيقضي ببينته، والنصف الذي في يده لا يدعيه صاحبه، لأن مدعاه النصف، وهو في يده سالم له، ولو لم تنصرف إليه دعواه كان ظالما في إمساكه، ولا قضاء بدون الدعوى، فيترك في يده، هداية. (وإذا تنازعا في دابة) في يدهما، أو في يد أحدهما، أو غيرهما (وأقام كل واحد منهما بينة أنها نتجت) بالبناء للمجهول (عنده وذكرا تاريخاً) مختلفاً (وسن الدابة يوافق أحد التاريخين فهو) أي صاحب التاريخ الموافق لسنها (أولى) ، لأن الظاهر يشهد بصدق بينته فترجح (وإن أشكل ذلك) أي سنها (كانت بينهما) إن كانت في أيديهما، أو في يد غيرهما، وإن في يد أحدهما قضى

стр. 735

وإذا تنازعا دابةً أحدهما راكبها والآخر متعلقٌ بلجامها فالراكب أولى، وكذلك إذا تنازعا بعيراً وعليه حملٌ لأحدهما فصاحب الحمل أولى، وكذلك إذا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر متعلقٌ بكمه فاللابس أولى. وإذا اختلف المتبايعان في البيع فادعى أحدهما ثمناً وادعى البائع أكثر منه أو اعترف البائع بقدرٍ. ــ له بها، لأنه سقط التوقيت وصارا كأنهما لم يذكرا تاريخا، وإن خالف سن الدابة الوقتين بطلت البينتان، كذا ذكره الحاكم الشهيد، لأنه ظهر كذب الفريقين، فيترك في يد من كانت في يده، هداية. قيد بذكر التاريخ لأنه لو لم يؤرخا قضى بها لذي اليد، ولهما إن في أيديهما أو في يد ثالث. (وإذا تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها، فالراكب أولى) ؛ لأن تصرفه أظهر، فإنه يختص بالملك، وكذا إذا كان أحدهما راكبا في السرج، والآخر رديفه؛ فالراكب في السرج أولى، لما ذكرنا، بخلاف ما إذا كانا راكبين حيث يكون بينهما، لاستوائهما في التصرف، هداية. (وكذلك) الحكم (إذا تنازعا بعيراً وعليه حمل لأحدهما) والآخر قائد له (فصاحب الحمل أولى) من القائد؛ لأنه هو المتصرف. (وإذا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر متعلق بكمه فاللابس أولى) ، لأنه أظهرهما تصرفا. (وإذا اختلف المتبايعان في البيع) أي في ثمن المبيع (فادعى أحدهما) أي المشتري (ثمنا وادعى البائع أكثر منه، أو) في قدره، بأن (اعترف البائع بقدر

стр. 736

من المبيع وادعى المشتري أكثر منه وأقام أحدهما البينة قضى له بها وإن أقام كل واحدٍ منهما البينة كانت البينة المثبتة للزيادة أولى، وإن لم تكن لكل واحدٍ منهما بينةٌ قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع، وقيل للبائع: إما أن تسلم ما ادعاه المشتري من المبيع وإلا فسخنا البيع، فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحدٍ منهما على دعوى الآخر: يبتدئ بيمين المشتري، ــ من المبيع وادعى المشتري أكثر منه) أي: بأكثر من القدر الذي اعترف به البائع (وأقام أحدهما) أي: البائع والمشتري (البينة) على دعواه (قضى له بها) ، لأن في الجانب الآخر مجرد الدعوى، والبينة أقوى منها (وإن أقام كل واحد منهما البينة) على دعواه (كانت البينة المثبتة للزيادة أولى) ، لأنها أكثر بياناً وإثباتاً، فبينة البائع أولى لو الاختلاف في الثمن، وبينة المشتري لو في قدر المبيع، ولو اختلفا في الثمن والمبيع جميعاً فبينة البائع أولى في الثمن، وبينة المشتري في المبيع، نظراً إلى زيادة الإثبات (فإن لم يكن لكل واحد منهما بينة) تثبت مدعاه (قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع) بينكما (وقيل للبائع: إما أن تسلم ما) أي القدر الذي ادعاه المشتري من البيع وإلا فسخنا البيع) ؛ لأن المقصود قطع المنازعة، وهذا جهة فيه؛ لأنه ربما لا يرضيان بالفسخ، فإذا علما به يتراضيان (فإن لم يتراضيا) والمبيع قائم (استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر) ؛ لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه (يبتدئ) الحاكم (بيمين المشتري) قال في الهداية: وهذا قول محمد وأبي يوسف آخراً، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو

стр. 737

فإذا حلفا فسخ القاضي البيع بينهما، وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر. وإن اختلفا في الأجل أو في شرط الخيار أو في استيفاء بعض الثمن فلا تحالف بينهما، والقول قول من ينكر الخيار والأجل مع يمينه. ــ الصحيح، اهـ. وقال الإسبيجاني: يبدأ بيمين المشتري، وفي رواية بيمين البائع، وهكذا ذكر أبو الحسن في جامعه، والصحيح الرواية الأولى، وعليه مشى الأئمة المصححون، تصحيح (فإذا حلفا فسخ القاضي البيع بينهما) ؛ لأنه إذا تحالفا بقي العقد بلا بدل معين فيفسد، قال في الهداية: وهذا يدل على أنه لا ينفسخ بنفس التحالف؛ لأنه لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما، فيبقى بيع مجهول فيفسخه القاضي قطعاً للمنازعة، أو يقال: إذا لم يثبت البدل يبقى بيعاً بلا بدل وهو فاسد، ولابد من الفسخ في فاسد البيع، اهـ (وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر) ، لأنه جعل باذلا فلم تبق دعواه معارضة لدعوى الاخر؛ فلزمه القول بثبوته، هداية. (وإن اختلفا في الأجل، أو في شرط الخيار، أو في استيفاء بعض الثمن - فلا تحالف بينهما) ؛ لأن هذا اختلاف في غير المعقود عليه والمعقود به، فأشبه الاختلاف في الحط والإبراء، وهذا لأن بانعدامه لا يختل ما به قوام العقد، بخلاف الاختلاف في وصف الثمن وجنسه حيث يكون بمنزلة الاختلاف في القدر في جريان التحالف، لأن ذلك يرجع إلى نفس الثمن، فإن الثمن دين، وهو يعرف بالوصف، ولا كذلك الأجل؛ لأنه ليس بوصف، ألا ترى أن الثمن موجود بعد مضيه، هداية (والقول قول من ينكر الخيار والأجل) والاستيفاء (مع يمينه) ؛ لأن القول قول المنكر

стр. 738

وإن هلك المبيع ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وجعل القول قول المشتري. وقال محمدٌ: يتحالفان، ويفسخ البيع على قيمة الهالك. وإن هلك أحد العبدين ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك، وقال أبو يوسف: يتحالفان ويفسخ البيع في الحي وقيمة الهالك. ــ (وإن هلك المبيع) أي بعد القبض قبل نقد الثمن، وكذا إذا خرج من ملكه أو صار بحال لا يقدر على رده بالعيب (ثم اختلفا) في ثمنه (لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ؛ لأن التحالف فيما إذا كانت السلعة قائمة عرف بالنص، والتحالف فيه يفضي إلى الفسخ، ولا كذلك بعد هلاكها، لارتفاع العقد؛ فلم يكن بمعناه (وجعل القول قول المشتري) بيمينه؛ لأنه منكرٌ لزيادة الثمن (وقال محمد: يتحالفان ويفسخ البيع على قيمة الهالك) ؛ لأنه اختلاف في ثمن عقد قائم بينهما، فأشبه حال بقاء السلعة، قال جمال الإسلام: والصحيح قولهما، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما كما هو الرسم، تصحيح. (وإن) هلك بعض المبيع، كأن (هلك أحد العبدين) أو الثوبين، أو نحو ذلك (ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة) ؛ لما مر من أن التحالف ثبت على خلاف القياس حال قيام السلعة، وهي اسم لجميع أجزائها، فلا يبقى بفوات بعضها (إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك) أصلا، لأنه حينئذ يكون الثمن كله بمقابله القائم ويخرج الهالك عن العقد؛ فيتحالفان. (وقال أبو يوسف: يتحالفان ويفسخ البيع في الحي وقيمة الهالك)

стр. 739

وهو قول محمدٍ. وإذا اختلف الزوجان في المهر فادعى الزوج أنه تزوجها بألف وقالت "تزوجتني بألفين" فأيهما أقام البينة قبلت بينته، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة، وإن لم تكن لهما بينةٌ تحالفا عند أبي حنيفة ولم يفسخ النكاح، ولكن يحكم مهر المثل، فإن كان مثل ــ لأن امتناع التحالف للهلاك، فيتقدر بقدره (وهو قول محمد) . قال الإسبيجاني: هكذا ذكر هنا، وذكر في الجامع الصغير: أن القول قول المشتري في حصة الهالك، ويتحالفان على الباقي عند أبي يوسف، وعند محمد يتحالفان عليهما؛ ويرد القائم وقيمة الهالك، والصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح. (وإن اختلف الزوجان في) قدر (المهر) أو في جنسه (فادعى الزوج أنه تزوجها بألف، وقالت) المرأة (تزوجتني بألفين) أو مائة مثقال (فأيهما أقام البينة قبلت بينته) ، لأنه نور دعواه بالحجة (وإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة) لأنها تثبت الزيادة. قال في الهداية: معناه إذا كان مهر مثلها أقل مما ادعته، اهـ. أما إذا كان مهر مثلها مثل ما ادعته أو أكثر كانت بينة الزوج أولى؛ لأنها تثبت الحط، وبينتها لا تثبت شيئاً، لأن ما ادعته ثابت لها بشهادة المثل، كما في الكفاية (وإن لم تكن لهما بينة تحالفا عند أبي حنيفة، ولم يفسخ النكاح) ؛ لأن أثر التحالف في انعدام التسمية، وهو لا يخل بصحة النكاح؛ لأن المهر تابع فيه، بخلاف البيع؛ لأن عدم التسمية يفسده على ما مر فيفسخ (ولكن) حيث انعدمت التسمية (يحكم مهر المثل، فإن كان) مهر مثلها (مثل

стр. 740

ما اعترف به الزوج أو أقل قضى بما قال الزوج، وإن كان مثل ما ادعته المرأة أو أكثر قضى بما ادعته المرأة، وإن كان مهر المثل أكثر مما اعترف به الزوج وأقل مما ادعته المرأة قضى لها بمهر المثل. وإذا اختلفا في الإجارة قبل استيفاء المعقود عليه تحالفا وترادا، وإن اختلفا بعد الاستيفاء لم يتحالفا وكان القول قول المستأجر. ــ ما اعترف به الزوج أو أقل، قضى بما قال الزوج) ؛ لأن الظاهر شاهد له. (وإن كان مثل ما ادعته المرأة أو أكثر قضى بما ادعته المرأة) ؛ لأن الظاهر شاهد لها (وإن كان مهر المثل) بينهما بأن كان (أكثر مما اعترف به الزوج وأقل مما ادعته المرأة قضي لها بمهر المثل) ؛ لأنهما لما تحالفا لم تثبت الزيادة على مهر المثل ولا الحط عنه. (وإذا اختلفا في الإجارة) في البدل أو المبدل (قبل استيفاء المعقود عليه تحالفا وترادا) ، لأنه عقد معاوضة قابل للفسخ، فكان بمنزلة البيع، وبدأ بيمين المستأجر لو اختلفا في البدل، والمؤجر لو في المدة، وأن بر هنا فالبينة للمؤجر في البدل وللمستأجر في المدة كما في الدر (وإن اختلفا بعد الاستيفاء) لجميع المعقود عليه (لم يتحالفا، وكان القول قول المستأجر) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ظاهر، لأن هلاك المعقود عليه يمنع التحالف عندهما، وكذا على أصل محمد، لأن الهلاك إنما يمنع التحالف عنده في البيع، لما أنه له قيمة تقوم مقامه فيتحالفان عليها، ولو جرى التحالف ههنا وفسخ العقد فلا قيمة؛ لأن المنافع لا تتقوم
следующие страницы →