← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21496

اللباب في شرح الكتاب

عبد الغني الميداني

Полный текст (904 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بحقٍ إلزمه إياه، ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينةٍ، وإن لم تقم بينةٌ لم يعجل بتخليته حتى ينادي عليه ويستظهر في أمره. وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف، فيعمل على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده. ولا يقبل قول المعزول إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها. ويجلس الحاكم جلوساً ظاهراً في المسجد. ــ بحق ألزمه إياه) عملا بإقرار (ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينة) لأنه بالعزل التحق بالرعايا، وشهادة الفرد ليست بحجة، ولاسيما إذا كان على فعل نفسه، هداية. (فإن لم تقم) عليه (بينة لم يعجل بتخليته) بل يتمهل (حتى ينادى عليه) بالمجامع والأسواق بقدر ما يرى (ويستظهر في أمره) ؛ لأن فعل المعزول حق ظاهر، فلا يعجل بتخليته، كيلا يؤدي إلى إبطال حق الغير. (وينظر في الودائع) التي وضعها المعزول في أيدي الأمناء (وارتفاع الوقوف) أي غلاتها (فيعمل على) حسب (ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده) لأن كل واحد منهما حجة (ولا يقبل) عليه (قول المعزول) لما مر (إلا أن يعترف الذي هو في يده أن) القاضي (المعزول سلمها) أي الودائع أو الغلات (إليه فيقبل قوله) أي المعزول (فيها) لأنه ثبت بإقرار ذي اليد أن اليد كانت للمعزول فيصح إقراره كأنه في يده في الحال. (ويجلس) القاضي (للحكم جلوساً ظاهراً في المسجد) ويختار مسجدا

стр. 772

ولا يقبل هديةً إلا من ذي رحمٍ محرمٍ، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته. ولا يحضر دعوةً إلا أن تكون عامةً، ويشهد الجنازة، ويعود المريض. ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه، وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال، ــ في وسط البلد تيسيراً على الناس، والمسجد الجامع أولى، لأنه أشهر. (ولا يقبل هدية) من أحد (إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل) تقلد (القضاء بمهاداته) قال في الهداية: لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جريٌ على العادة، وفيما وراء ذلك يكون آكلا بقضائه حتى لو كانت للقريب خصومة لا يقبل هديته، وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة؛ لأنه لأجل القضاء فيتحاماه، اهـ. (ولا يحضر دعوة إلا أن تكون) الدعوة (عامة) لأن الخاصة مظنة التهمة، بخلاف العامة (ويشهد الجنازة، ويعود المريض) لأن ذلك من حقوق المسلمين. (ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه) لما فيه من التهمة، وفي التقييد بأحد الخصمين إشارة إلى أنه لا بأس بإضافتهما معاً (وإذا حضرا) أي الخصمان (سوى) القاضي (بينهما في الجلوس) بين يديه (والإقبال) عليهما، والإشارة إليهما، يفعل ذلك مع الشريف والدنئ، والأب والابن، والخليفة والرعية

стр. 773

ولا يسار أحدهما، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجةً. فإذا ثبت الحق عنده، وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل بحبسه، وأمره بدفع ما عليه، فإن امتنع حبسه في كل دين لزمه بدلا عن مالٍ حصل في يده، كثمن المبيع وبدل القرض، أو التزمه بعقدٍ، كالمهر والكفالة، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال: إني فقير، إلا أن يثبت غريمه أن له مالاً، ويحبسه شهرين أو ثلاثةً ــ (ولا يسار أحدهما، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجة) ولا يضحك في وجهه؛ احترازاً عن التهمة، ولا يمازحهم ولا واحداً منهم؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء. (فإذا) تمت الدعوى، و (ثبت الحق عنده) على أحدهما (وطلب صاحب الحق حبس غريمه لم يعجل) القاضي (بحبسه، و) لكن (أمره بدفع ما) ثبت (عليه) ؛ لأن الحبس جزاء المماطلة، فلابد من ظهورها، وهذا إذا ثبت الحق بإقراره، لأنه لم يعرف كونه مماطلا، بخلاف ما إذا ثبت بالبينة، فإنه يحبسه كما ثبت لظهور المطل بإنكاره كما في الهداية، قال في البحر: وهو المذهب عندنا، اهـ (فإن امتنع) عن دفعه (حبسه) - وإن تعلل بفقره - إلى ظهور عسره، وذلك (في كل دين لزمه بدلا عن مال حصل في يده كثمن مبيع) وبدل مستأجر، لأنه إذا حصل المال في يده ثبت غناه به (أو التزمه بعقد، كالمهر والكفالة) ، لأن إقدامه على التزامه باختياره دليل يساره، لأنه لا يلتزم إلا ما يقدر على أدائه (ولا يحبسه فيما سوى ذلك) كبدل خلع، ومغصوب، ومتلف، ونحو ذلك (إذا قال إني فقير) ، إذ الأصل العسرة (إلا أن يثبت غريمه أن له مالا، فيحبسه) حينئذ، لظهور المطل (شهرين أو ثلاثة)

стр. 774

ثم يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ خلى سبيله، ولا يحول بينه وبين غرمائه. ويحبس الرجل في نفقة زوجته، ولا يحبس والدٌ في ــ أو أكثر أو أقل، بحسب ما يرى، بحيث يغلب على ظنه أنه لو كان له مال لأظهره. قال في الهداية: والصحيح أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي، لاختلاف أحول الأشخاص فيه، ومثله في شرح الزاهدي والإسبيجاني وفتاوى قاضيخان كما في التصحيح. (ثم يسأل عنه) جيرانه وأقاربه ومن له خبرة به (فإن لم يظهر له مال خلى سبيله) لأنه استحق النظرة إلى الميسرة، فيكون حبسه بعد ذلك ظلما، وفي قوله "ثم يسأل عنه" إشارة إلى أنه لا تقبل بينة الإفلاس قبل الحبس. قال جمال الإسلام: وهذا قول الإمام، وهو المختار، وقال قاضيخان: إذا أقام البينة على الإفلاس قبل الحبس فيه روايتان، قال ابن الفضل: والصحيح أنه يقبل، وينبغي أن يكون ذلك مفوضاً إلى رأى القاضي، إن علم أنه وقح لا يقبل بينته قبل الحبس، وإن علم أنه لين قبل بينته، كذا في التصحيح، وفي النهر عن الخانية: ولو فقره ظاهراً سأل عنه عاجلا، وقبل بينته على إفلاسه وخلى سبيله، اهـ. (ولا يحول بينه وبين غرمائه) بعد خروجه من الحبس، فإذا دخل داره لا يتبعونه، بل ينتظرونه حتى يخرج، فإن كان الدين لرجل على امرأة لا يلازمها، ولكن يبعث امرأة أمينة تلازمها. (ويحبس الرجل في نفقة زوجته) لظلمه بامتناعه (ولا يحبس والد في

стр. 775

دين ولده إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه. ويجوز قضاء المرأة في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص. ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شهد به عنده، فإن شهدوا على خصم حكم بالشهادة، وكتب بحكمه، وإن شهدوا بغير حضرة خصمٍ لم يحكم، وكتب بالشهادة ليحكم ــ دين ولده) لأنه نوع عقوبة، فلا يستحقه الولد على والده (إلا إذا امتنع) والده (من الإنفاق عليه) دفعاً لهلاكه، واحترازاً عن سقوطها، فإنها تسقط بمضي الزمان. (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص) اعتباراً بشهادتها. (وقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق) التي لا تسقط بالشبهة (إذا شهد) بالبناء بالمجهول (به) أي الكتاب (عنده) أي القاضي المكتوب إليه أنه كتاب فلان القاضي وختمه (فإن) كان الشهداء (شهدوا) عند القاضي الكاتب (على خصم) حاضر (حكم بالشهادة) على قواعد مذهبه (وكتب بحكمه) إلى القاضي الآخر لينفذه، ويكون هذا في صورة الاستحقاق، فإن المدعى عليه إذا حكم عليه وأراد الرجوع على بائعه وهو في بلدة أخرى وطلب من القاضي أن يكتب بحكمه إلى قاضي تلك البلدة يكتبه له، ويسمى هذا الكتاب سجلا لتضمنه الحكم (وإن) كانوا (شهدوا بغير حضرة خصم لم يحكم) بتلك الشهادة، لما مر من أن القضاء على الغائب لا يصح (و) لكن (كتب بالشهادة ليحكم

стр. 776

بها المكتوب إليه. ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، ويجب أن يقرأ الكتاب عليهم ليعرفوا ما فيه، ثم يختمه بحضرتهم ويسلمه إليهم، ــ بها المكتوب إليه) على قواعد مذهبه، ويسمى هذا الكتاب الحكمي، لأن المقصود به حكم المكتوب إليه، وهو في الحقيقة نقل الشهادة. (ولا يقبل) القاضي المكتوب إليه (الكتاب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين) ؛ لاحتمال التزوير، وهذا عد إنكار الخصم أنه كتاب القاضي؛ وأما إذا أقر فلا حاجة إلى إقامة بينة. (ويجب) على القاضي الكاتب (أن يقرأ الكتاب عليهم) : أي على الشهود (ليعرفوا ما فيه) أو يعلمهم به، لأنه لا شهادة بدون العلم (ثم يختمه بحضرتهم ويسلمه إليهم) نفيا للشك والتردد من كل وجه. قال في الهداية وشرح الزاهدي أما الختم بحضرتهم، وكذا حفظ في ما في الكتاب؛ فشرطٌ عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف آخراً: ليس شيء من ذلك بشرط، والشرط أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه، وعنه أن الختم ليس بشرط أيضاً، فسهل في ذلك لما ابتلى بالقضاء، وليس الخبر كالمعاينة، وهذا مختار شمس الأئمة السرخسي. قال شيخنا في شرح الهداية: ولاشك عندي في صحته فإن الغرض إذا كان عدلة الشهود - وهم حملة الكتاب - فلا يضره كونه غير مختوم مع شهادتهم أنه كتابه، نعم إذا كان الكتاب مع المدعي ينبغي أن يشترط الختم، لاحتمال التغيير، إلا أن يشهدوا بما فيه حفظا، فالوجه إن كان الكتاب مع الشهود أن لا يشترط معرفتهم بما

стр. 777

فإذا وصل إلى القاضي لم يقبله إلا بحضرة الخصم، فإذا سلمه الشهود إليه نظر إلى ختمه، فإن شهدوا أنه كتاب فلانٍ القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه، فضه القاضي، قرأه على الخصم، وألزمه ما فيه. ــ فيه، ولا الختم، بل تكفي شهادتهم أنه كتابه مع عدالتهم، وإن كان مع المدعي اشترط حفظهم لما فيه فقط، كذا في التصحيح. (فإذا وصل) الكتاب (إلى القاضي لم يقبله إلا بحضرة الخصم) ؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، فلابد من حضوره (فإذا سلمه الشهود إليه) أي إلى القاضي بحضرة الخصم (نظر) القاضي (إلى ختمه) أولا ليتعرفه (فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه، وقرأه علينا، وختمه بختمه؛ فضه القاضي، وقرأه على الخصم، وألزمه ما فيه) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إذا شهدوا أنه كتابه وخاتمه قبله على ما مر، ولم يشترط في الكتاب ظهور العدالة للفتح، والصحيح أنه يفض الكتاب بعد ثبوت العدالة، كذا ذكره الخصاف، لأنه ربما يحتاج إلى زيادة الشهود، وإنما يمكنهم من أداء الشهادة بعد قفيام الختم، وإنما يقبله المكتوب إليه إذا كان الكاتب على القضاء، حتى لو عزل، أو مات، أو لم يبق أهلا للقضاء قبل وصول الكتاب - لا يقبله، لأنه التحق بواحد من الرعايا، وكذا لو مات المكتوب إليه، إلا إذا كتب " لى فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين"، لأن غيره صار تبعاً له، وهو معرف، بخلاف ما إذا كتب ابتداء "إلى كل من يصل إليه" على ما عليه مشايخنا، لأنه غير معرف، ولو كان مات الخصم ينفذ الكتاب على وارثه لقيامه مقامه، اه

стр. 778

ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص، وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض ذلك إليه، وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكمٍ أمضاه ــ (ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص) ؛ لأن فيه شبهة البدلية عن الشهادة، فصار كالشهادة، ولأن مبناها على الإسقاط، وفي قبوله سعي في إثباتها. (وليس للقاضي أن يستخلف) نائباً عنه (على القضاء) ، لأنه قلد القضاء دون التقليد، فصار كتوكيل الوكيل، ولو قضى الثاني بمحضر من الأول أو قضى الثاني فأجاز الأول، جاز كما في الوكالة، لأنه حضره رأي الأول، وهو الشرط (إلا أن يفوض ذلك إليه) صريحاً، كول من شئت، أو دلالة، كجعلتك قاضي القضاة، والدلالة هنا أقوى من الصريح، لأنه في الصريح المذكور يملك الاستخلاف، لا العزل، وفي الدلالة يملكهما، فإن قاضي القضاة هو الذي يتصرف فيهم مطلقاً، تقليداً وعزلا. (وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكم) مولى ولو بعد عزله أو موته إذا كان بعد دعوى صحيحة (أمضاه) أي: ألزم الحكم والعمل بمقتضاه، سواء وافق رأيه أو خالفه إذا كان مجتهداً فيه؛ لأن القضاء متى لاقى محلا مجتهداً فيه ينفذ ولا يرده غيره؛ لأن الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأول لتساويهما في الظن، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به، فلا ينقض بما هو دونه. ولو قضى في المجتهد فيه مخالفاً لرأيه، ناسيا لمذهبه، نفذ عند أبي حنيفة، وإن كان عامداً فعنه روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين؛ لأنه قضى بما هو خطأ عنده، وعليه الفتوى كما في الهداية، والوقاية، والمجمع، والملتقي، قيدنا بالمولى لأن حكم المحكم لا يرفع الخلاف كما يأتي، وبكونه بعد دعوى

стр. 779

إلا أن يخالف الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو يكون قولاً لا دليل عليه. ولا يقضي القاضي على غائبٍ إلا أن يحضر من يقوم مقامه. وإذا حكم رجلان رجلاً ليحكم بينهما ورضيا بحكمه جاز إذا كان بصفة الحاكم. ــ صحيحة - بأن تكون من خصم على خصم حاضر - لأنه إذا لم يكن كذلك يكون إفتاء فيحكم بمذهبه لا غير، كما في البحر، قال في الدر: وبه عرف أن تنافيذ زمامنا لا تعتبر لترك ما ذكر (إلا أن يخالف) حكم الأول (الكتاب) فيما لم يختلف في تأويله السلف كمتروك التسمية عمداً (أو السنة) المشهورة كالتحليل بلا وطء؛ لمخالفته حديث العسيلة المشهور (هو قوله ﷺ : "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك") (أو الإجماع) كحل المتعة؛ لإجماع الصحابة على فساده (أو يكون قولا لا دليل عليه) كسقوط الدين بمضي السنين من غير مطالبة. (ولا يقضي القاضي على غائب) ولا له (إلا أن يحضر من يقوم مقامه) كوكيله ووصيه ومتولي الوقف، أو نائبه: شرعا كوصي القاضي، أو حكما بأن يكون ما يدعي على الغائب سبباً لما يدعى به على الحاضر، كأن يدعي دارا في يد رجل ويبرهن عليه أنه اشترى الدار من فلان الغائب فحكم الحاكم به على ذي اليد الحاضر كان حكما على الغائب أيضا، حتى لو حضر وأنكر لم يعتبر، لأن الشراء من المالك سبب الملكية، وله صور كثيرة، ذكر منها جملة في شرح الزاهدي. (وإذا حكم رجلان) متداعيان (رجلا ليحكم بينهما ورضيا بحكمه) فحكم بينهما (جاز) لأن لهما ولاية على أنفسهما، فصح تحكيمهما، وينفذ حكمه عليهما (إذا كان) المحكم (بصفة الحاكم) ؛ لأنه بمنزلة القاضي بينهما؛ فيشترط فيه

стр. 780

ولا يجوز تحكيم الكافر، والعبد، والذمي، والمحدود في القذف، والفاسق، والصبي. ولكل واحدٍ من المحكمين أن يرجع ما لم يحكم عليهما، فإذا حكم لزمهما، وإذا رفع حكمه إلى القاضي فوافق مذهبه أمضاه، وإن خالفه أبطله. ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص، ــ ما يشترط في القاضي، وقد فرع على مفهوم ذلك بقوله: (ولا يجوز تحكيم الكافر) الحربي (والعبد) مطلقاً (والذمي) إلا أن يحكمه ذميان؛ لأنه من أهل الشهادة عليهم فهو من أهل الحكم عليهم (والمحدود في القذف) وإن تاب (والفاسق، والصبي) ؛ لانعدام أهلية القضاء منهم اعتباراً بأهلية الشهادة، قال في الهداية: والفاسق إذا حكم يجب أن يجوز عندنا كما مر في المولى. (ولكل واحدٍ من المحكمين) له (أن يرجع) عن تحكيمه، لأنه مقلد من جهتهما، فلا يحكم إلا برضاهما جميعاً، وذلك (ما لم يحكم عليهما، فإذا حكم) عليهما وهما على تحكيمهما (لزمهما) الحكم، لصدوره عن ولاية عليهما. (وإذا رفع حكمه) أي حكم المحكم (إلى القاضي فوافق مذهبه أمضاه) ؛ لأنه لا فائدة في نقضه، ثم إبرامه على هذا الوجه (وإن خالفه) أي خالف رأيه (أبطله) ، لأن حكمه لا يلزمه لعدم التحكيم منه؛ هداية، أي: لأن حكم المحكم لا يتعدى المحكمين. (ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص) ؛ لأنه لا ولاية لهما على دمهما، ولهذا لا يملكان الإباحة، قالوا: وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم

стр. 781

وإن حكما في دمٍ خطأٍ فقضى الحاكم على العاقلة بالدية لم ينفذ حكمه، ويجوز أن يسمع البينة، ويقضي بالنكول. وحكم الحاكم لأبويه وولده وزوجته باطلٌ. ــ في سائر المجتهدات، وهو صحيح، إلا أنه لا يفتى به، ويقال: يحتاج إلى حكم المولى دفعاً لتجاسر العوام، هداية. (وإن حكما) رجلا (في دم خطأ فقضى) المحكم (بالدية على العاقلة لم ينفذ حكمه) ، لأنه لا ولاية له عليهم، لأنه لا تحكيم من جهتهم، وقد سبق أن ولايته قاصرة على المحكم عليهم. (ويجوز) للمحكم (أن يسمع البينة، ويقضي بالنكول) والإقرار، لأنه حكم موافق للشرع. (وحكم الحاكم) مطلقا (لأبويه) وإن عليا (من حق العربية عليه أن يقول (وإن علوا) كما تقول عند الإسناد لألف الاثنين (دنوا) وسموا، ودعوا، وغزوا) . (وولده) وإن سفل (وزوجته باطل) ، لأنه لا تقبل شهادته لهؤلاء لمكان التهمة، فلا يصح القضاء لهم، بخلاف ما إذا حكم عليهم، لأنه تقبل شهادته عليهم، لانتفاء التهمة، فكذا القضاء، هداية

стр. 782

كتاب القسمة . - ينبغي للإمام أن ينصب قاسماً يرزقه من بيت المال ليقسم بين الناس بغير أجرةٍ. ــ كتاب القسمة لا تخفى مناسبتها للقضاء، لأنها بالقضاء أكثر من الرضا. وهي لغةً: اسم للاقتسام. وشرعاً: جمع نصيب شائع في مكان مخصوص. وسببها: طلب الشركاء أو بعضهم للانتفاع بملكه على وجه الخصوص. وشرطها: عدم فوت المنفعة بالقسمة. ثم هي لا تعرى عن معنى المبادلة، لأن ما يجتمع لأحدهما بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه، فهو يأخذ عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه، فكان مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه. والإفراز هو الظاهر في المكيلات والموزونات لعدم التفاوت، حتى كان لأحدهما أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه، والمبادلة هي الظاهر في غيره للتفاوت، حتى لا يكون لأحدهما أخذ نصيبه عند غيبة صاحبه، إلا أنه إذا كانت من جنس واحد، أجبره القاضي على القسمة عند طلب أحدهم، لأن فيه معنى الإفراز لتقارب المقاصد، والمبادلة مما يجري فيه الجبر كما في قضاء الدين، وإن كانت أجناساً مختلفة لا يجبر القاضي على قسمتها، لتعذر المعادلة باعتبار فحش التفاوت في المقاصد، ولو تراضوا عليها جاز، لأن الحق لهم، وتمامه في الهداية. (ينبغي للإمام أن ينصب قاسماً يرزقه من بيت المال ليقسم بين الناس بغير أجرة) ، لأن القسمة من جنس عمل القضاء، من حيث إنه يتم به قطع

стр. 783

فإن لم يفعل نصب قاسماً يقسم بالأجرة، ويجب أن يكون عدلاً، مأموناً، عالماً بالقسمة، ولا يجبر القاضي الناس على قاسمٍ واحدٍ، ولا يترك القسام يشتركون. وأجر القسمة على عدد الرءوس عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: على قدر ــ المنازعة، فأشبه رزق القاضي (فإن لم يفعل نصب قاسما يقسم بالأجرة) من مال المتقاسمين؛ لأن النفع لهم، وهي ليست بقضاء حقيقة، فجاز له أخذ الأجرة عليها، وإن لم يجز على القضاء كما في الدر عن أخي زاده، قال في الهداية: والأفضل أن يرزقه من بيت المال، لأنه أرفق بالناس وأبعد عن التهمة، اهـ. (ويجب أن يكون) المنصوب للقسمة (عدلا) ، لأنها من جنس عمل القضاء (مأموناً) ليعتمد على قوله (عالماً بالقسمة) ليقدر عليها، لأن من لا يعلمها لا يقدر عليها. (ولا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد) قال في الهداية: معناه لا يجبرهم على أن يستأجروه، لأنه لا جبر على العقود، ولأنه لو تعين لتحكيم بالزيادة على أجر مثله، ولو اصطلحوا فاقتسموا جاز، إلا إذا كان فيهم صغير فيحتاج إلى أمر القاضي، لأنه لا ولاية لهم عليه، اهـ. (ولا يترك) القاضي (القسام يشتركون) كيلا يتواضعوا على مغالاة الأجر، فيحصل الإضرار بالناس. (وأجرة القسمة على عدد الرءوس عند أبي حنيفة) لأن الأجر مقابل بالتمييز، وإنه لا يتفاوت، وربما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل، وقد ينعكس الحال، فتعذر اعتباره، فيتعلق الحكم بأصل التمييز (وقالا: على قدر

стр. 784

الأنصباء. وإذا حضر الشركاء وفي أيديهم دارٌ أو ضيعةٌ ادعوا أنهم ورثوها عن فلانٍ لم يقسمها عند أبي حنيفة حتى يقيموا البينة على موته وعدد ورثته، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسمها باعترافهم، ويذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم ــ الأنصباء) ، لأنه مؤونة الملك فيتقدر بقدره، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى في المغنى والمحبوبي وغيرهما. (وإذا حضر الشركاء عند القاضي وفي أيديهم دار أو ضيعة) أي أرض (ادعوا أنهم ورثوها عن) مورثهم (فلان لم يقسمها عند أبي حنيفة) ، لأن القسمة قضاء على الميت، إذ التركة مبقاة على ملكه قبل القسمة، بدليل ثبوت حقه في الزوائد، كأولاد ملكه وأرباحه، حتى تقضى ديونه منها وتنفذ وصاياه، وبالقسمة ينقطع حق الميت عن التركة، حتى لا يثبت حقه فيما يحدث بعده من الزوائد، فكانت قضاء على الميت، فلا يجابون إليها بمجرد الدعوى، بل (حتى يقيموا البينة على موته وعدد ورثته) ويصير البعض مدعياً والبعض الآخر خصما عن المورث، ولا يمتنع ذلك إقراره، كما في الوارث أو الوصي المقر بالدين فإنه تقبل البينة عليه مع إقراره (وقالا: يقسمها باعترافهم) لأن اليد دليل الملك، ولا منازع لهم، فيقسمها كما في المنقول والعقار المشترى (و) لكن (يذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم) ليقتصر عليهم، ولا يكون قضاء على شريك آخر لهم. قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: الصحيح قول الإمام، واعتمده المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم، كذا في التصحيح. (وإذا كان المشترك ما سوى العقار وادعوا أنه ميراث) أو مشترى أو ملك مطلق، وطلبوا قسمته (قسمة في قولهم جميعا) ؛ لأن في قسمة المنقول نظراً للحاجة إلى الحفظ (وإن ادعوا في العقار أنهم اشتروه) وطلبوا قسمته (قسمه بينهم) أيضاً؛ لأن المبيع يخرج من ملك البائع وإن لم يقسم، فلم تكن القسمة قضاء على الغير (وإن) ادعوا الملك المطلق، و (لم يذكروا كيف انتقل) إليهم (قسمه بينهم) أيضاً؛ لأنه ليس في القسمة قضاء على الغير؛ فإنهم ما أقروا بالملك لغيرهم، قال في التصحيح: هذه رواية كتاب القسمة، وفي رواية الجامع: لا يقسمها حتى يقيما البينة أنها لهما، قال في الهداية: ثم قيل هو قول أبي حنيفة خاصة، وقيل: هو قول الكل، وهو الأصح، وكذا نقل الزاهدي. (وإذا كان كل واحد من الشركاء ينتفع بنصيبه) بعد القسمة (قسم بطلب أحدهم) ؛ لأن في القسمة تكميل المنفعة؛ فكانت حقاً لازماً فيما يقبلها بعد طلب أحدهم (وإن كان أحدهم ينتفع) بالقسمة، لكثرة نصيبه (والآخر يستضر لقلة نصيبه، فإن طلب صاحب الكثير قسم) له؛ لأنه ينتفع بنصيبه،

стр. 785

وإذا كان المشترك ما سوى العقار وادعوا أنه ميراثٌ قسمه في قولهم جميعاً، وإن ادعوا في العقار أنهم اشتروه قسمه بينهم، وإن ادعوا الملك ولم يذكروا كيف انتقل قسمه بينهم. وإذا كان كل واحدٍ من الشركاء ينتفع بنصيبه قسم بطلب أحدهم، وإن كان أحدهم ينتفع والآخر يستضر لقلة نصيبه، فإن طلب صاحب الكثير قسم، ــ فاعتبر طلبه؛ لأن الحق لا يبطل بتضرر الغير. (وإن طلب صاحب القليل لم يقسم) له؛ لأنه يستضر فكان متعنتاً في طلبه، فلم يعتبر طلبه، قال في التصحيح: وذكر الخصاف على قلب هذا، وذكر الحاكم في مختصره أن أيهما طلب القسمة يقسم القاضي، قال في الهداية وشرح الزاهدي: إن الأصح ما ذكر في الكتاب، وعليه مشى الإمام البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، وغيرهم، اهـ (وإن كان كل واحد منهما يستضر) لقلته (لم يقسمها) القاضي (إلا بتراضيهما) ، لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذا تفويتها، ويجوز بتراضيهما، لأن الحق لهما، وهما أعرف بشأنهما. (ويقسم العروض) جمع عرض - كفلس - خلاف العقار (إذا كانت من صنف واحد) لاتحاد المقاصد فيحصل التعديل في القسمة والتكميل في المنفعة، (ولا يقسم الجنسان بعضهما في بعض) ، لأنه لا اختلاط بين الجنسين، فلا تقع القسمة تمييزا، بل تقع معاوضة، وسبيلها التراضي دون جبر القاضي. (وقال أبو حنيفة: لا يقسم الرقيق ولا الجوهر لتفاوته) ، لأن التفاوت في الآدمي فاحش، لتفاوت المعاني الباطنة، فكان كالجنس المختلف، بخلاف الحيوانات، لأن التفاوت

стр. 786

وإن طلب صاحب القليل لم يقسم، وإن كان كل واحدٍ يستضر لم يقسمها إلا بتراضيهما. ويقسم العروض إذا كانت من صنفٍ واحدٍ، ولا يقسم الجنسان بعضهما في بعض، وقال أبو حنيفة: لا يقسم الرقيق ولا الجوهر لتفاوته ــ فيها يقل عند اتحاد الجنس، وتفاوت الجواهر أفحش من تفاوت الرقيق (وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم الرقيق) لاتحاد الجنس كما في الإبل والغنم، قال في الهداية: وأما الجواهر فقد قيل: إذا اختلف الجنس لا يقسم كما في اللآلئ واليواقيت، وقيل: لا يقسم الكبار منها لكثرة التفاوت، ويقسم الصغار لقلة التفاوت، وقيل: يجري الجوب على إطلاقه، لأن جهالة الجواهر أفحش من جهالة الرقيق، ألا ترى أنه لو تزوج على لؤلؤة، أو ياقوته، أو خالع عليهما لا تصح التسمية ويصح ذلك على عبد، فأولى أن لا يجبر على القسمة، اهـ. قال الإمام بهاء الدين في شرحه: الصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده المحبوبي

стр. 787

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسم الرقيق. ولا يقسم حمامٌ ولا بئر ولا رحىً إلا أن يترضى الشركاء. وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارثٌ غائبٌ قسمها ــ والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم، كذا في التصحيح. (ولا يقسم حمام، ولا بئر، ولا رحى) ولا كل ما في قسمه ضرر لهم، كالحائط بين الدارين والكتب، لأنه يشتمل على الضرر في الطرفين، لأنه لا يبقى كل نصيب منتفعاً به انتفاعا مقصوداً، فلا يقسمه القاضي، بخلاف التراضي كما مر، ولذا قال: (إلا أن يتراضى الشركاء) ، لالتزامهم الضرر، وهذا إذا كانوا ممن يصح التزامهم، وإلا فلا. (وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة، والدار) أو العروض بالأولى (في أيديهما، ومعهما وارث غائب) أو صغير (قسمها

стр. 788

القاضي بطلب الحاضرين، وينصب للغائب وكيلاً يقبض نصيبه، وإن كانوا مشترين لم يقسم مع غيبة أحدهم، وإن كان العقار في يد الوارث الغائب لم يقسم، وإن حضر وارثٌ واحدٌ لم يقسم. ــ القاضي بطلب الحاضرين، وينصب للغائب وكيلا) وللصغير وصيا (يقبض نصيبه) ، لأن في ذلك نظراً للغائب والصغير، ولابد من إقامة البينة على أصل الميراث في هذه الصورة عند أبي حنيفة أيضاً، لأن في هذه القسمة قضاء على الغائب والصغير بقولهم، خلافا لهما. (وإن كانوا مشترين لم يقسم مع غيبة أحدهم) والفرق أن ملك الوارث ملك خلافة، حتى يرد بالعيب ويرد عليه بالعيب فيما اشتروه المورث ويصير مغرورا بشراء المورث، فانتصب أحدهما خصما عن الميت فيما في يده والآخر عن نفسه، فصارت القسمة قضاء بحضرة المتخاصمين، أما الملك الثابت بالشراء فملك مبتدأ، ولهذا لا يرد بالعيب على بائع بائعه، فلا يصلح الحاضر خصما عن الغائب، فوضح الفرق، هداية. (وإن كان العقار) أو شيء منه (في يد الوارث الغائب) أو مودعه (لم يقسم) قال في الهداية: وكذا إذا كان في يد الصغير، لأن القسمة قضاء على الغائب والصغير باستحقاق يدهما من غير خصم حاضر عنهما، وأمين الخصم ليس بخصم عنه فيما يستحق عليه، والقضاء من غير خصم لا يجوز، ولا فرق في هذا الفصل بين إقامة البينة وعدمها، هو الصحيح كما أطلق في الكتاب، اهـ. (وإن حضر وارث واحد لم يقسم) وإن أقام البينة؛ لأنه لابد من حضور الخصمين، لأن الواحد لا يصلح مخاصماً ومخاصماً، وكذا مقاسما ومقاسما، بخلاف

стр. 789

وإذا كانت دورٌ مشتركةٌ في مصرٍ واحدٍ قسمت كل دارٍ على حدتها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ــ ما إذا كان الحاضر اثنين على ما بينا، ولو كان الحاضر كبيراً وصغيراً نصب القاضي عن الصغير وصيا، وقسم إذا أقيمت البينة، وكذا إذا حضر وارث كبير وموصى له بالثلث فيها وطلبا القسمة وأقاما البينة على الميراث والوصية؛ لاجتماع الخصمين الكبير عن الميت والموصى له عن نفسه، وكذا الوصي عن الصبي كأنه حضر بنفسه بعد البلوغ لقيامه مقامه، هداية. فقوله فيما تقدم: "وكذا إذا كان في يد صغير" أي غائب، كما يدل له ما في البزازية: ونصه: وإن حضر الوارث ومعه صغير نصب وصيا وقسم بينهما كما مر، فإن كان الصغير غائبا وطلب من الحاكم نصب الوصي لا ينصب، إلى أن قال: والفرق بين الصغير الغائب والحاضر أن الدعوى لا تصح إلا على خصم حاضر، وجعل الغير خصما عن الغائب خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند العجز، والصغير عاجز عن الجواب، لا عن الحضور، فلم نجعل عنه غيره خصما في حق الحضور، وجعل خصما في الجواب، فإذا كان الصبي حاضرا وجد الدعوى على حاضر فينصب وصيا عنه في الجواب، وإن كان غائبا لم يوجد الدعوى على حاضر، فى ينصب وصيا عنه في الجواب؛ لعدم صحة الدعوى، اهـ. (وإذا كانت دور مشتركة في مصر واحد قسمت كل دار على حدتها في قول أبي حنيفة) ؛ لأن الدور أجناس مختلفة؛ لاختلاف المقاصد باختلاف المحال والجيران والقرب من المسجد والماء والسوق، فلا يمكن التعديل (وقالا) :

стр. 790

إن الأصلح لهم قسمة بعضها في بعضٍ قسمها. وإن كانت دارٌ وضيعةٌ، أو دارٌ وحانوت، قسم كل واحدٍ على حدته. ــ الرأي فيه إلى القاضي (إن كان الأصلح لهم سمة بعضها في بعض قسمها) كذلك، وإلا قسمها كل دار على حدتها، لأن القاضي مأمور بفعل الأصلح مع المحافظة على الحقوق. قال الإسبيجاني: الصحيح قول الإمام، وعليه مشى البرهاني والنسفي وغيرهما، تصحيح. قال في الهداية: وتقييد الكتاب بكونهما في مصر واحد، إشارة إلى أن الدارين إذا كانتا في مصرين لا يجمعان في القسمة عندهما، وهو رواية هلال عنهما، وعن محمد: أنه يقسم إحداهما في الأخرى، اهـ. (وإن كانت دار وضيعة) أي: أرض (أو دار وحانوت - قسم كل واحد على حدته مطلقاً) لاختلاف الجنس. قال في الدرر: ههنا أمور ثلاثة: الدور، والبيوت، والمنازل، فالدور - متلازقة كانت أو متفرقة - لا تقسم قسمة واحدة إلا بالتراضي، والبيوت تقسم مطلقا لتقاربها في معنى السكنى، والمنازل إن كانت مجتمعة في دار واحدة متلاصقة بعضها ببعض قسمت قسمة واحدة، وإلا فلا، لأن المنزل فوق البيت ودون الدار، فألحقت المنازل بالبيوت إذا كانت متلاصقة، وبالدور إذا كانت متباينة، وقالا في الفصول كلها: ينظر القاضي إلى أعدل الوجوه، ويمضي على ذلك، وأما الدور والضيعة والدور والحانوت، فيقسم كل منها وحدها، لاختلاف الجنس، اه

стр. 791

وينبغي للقاسم: أن يصور ما يقسمه، ويعدله، ويذرعه، ويقوم البناء، ويفرز كل نصبٍ عن الباقي بطريقه وشربه حتى لا يكون لنصيبٍ بعضهم بنصيب الآخر تعلقٌ، ثم يلقب نصيباً بالأول، والذي يليه بالثاني والثالث، وعلى هذا، ثم يخرج القرعة فمن خرج اسمه أولاً فله السهم الأول، ومن خرج ثانياً فله السهم الثاني. ــ ولما فرغ من بيان القسمة، وبيان ما يقسم ومالا يقسم، شرع في بيان كيفية القسمة، فقال:. (وينبغي للقاسم أن يصور ما يقسمه) لى قرطاس؛ ليمكنه حفظه ورفعه للقاضي (ويعدله) يعني يسويه على سهام القسمة، ويروي "ويعزله" أي يقطعه بالقسمة عن غيره، هداية (ويذرعه) ليعرف قدره (ويقوم البناء) لأنه ربما يحتاجه آخراً (ويفرز كل نصيب عن الباقي بطريقه وشربه، حتى لا يكون لنصيب بعضهم بنصيب الآخر تعلق) ليتحقق معنى التمييز والإفراز تمام التحقق (ثم يلقب) الأنصباء (نصيبا بالأول، والذي يليه بالثاني، والثالث) بالثالث، (و) الرابع وما بعده (على هذا) المنوال، ويكتب أسماء المتقاسمين على قطع قرطاس. أو نحوه، وتوضع في كيس أو نحوه، ويجعلها قرعة (ثم يخرج القرعة) أي قطعة من تلك القطع المكتوبة فيها أسماء المتقاسمين (فمن خرج اسمه أولا فله السهم الأول) أي الملقب بالأول (ومن خرج) اسمه (ثانياً فله السهم الثاني) وهلم جرا، وهذا حيث اتحدت السهام

стр. 792

ولا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير إلا بتراضيهم. ــ فلو اختلفت السهام - بأن كانت بين ثلاثة مثلا، لأحدهم عشرة أسهم، ولآخر خمسة أسهم، ولآخر سهم - جعلها ستة عشر سهماً، وكتب أسماء الثلاثة، فإن خرج أولا اسم صاحب العشرة، أعطاه الأول وتسعة متصلة به، ليكون سهامه على الاتصال، وهكذا حتى يتم. قال في الهداية: وقوله في الكتاب "ويفرز كل نصيب بطريقة وشربه"بيان الأفضل، وإن لم يفعل أو لم يمكن جاز، على ما نذكره بتفصيله إن شاء الله تعالى، والقرعة: لتطييب القلوب وإزالة تهمة الميل، حتى لو عين لكل منهم من غير اقتراع جاز، لأنه في معنى القضاء فملك الإلزام، اهـ. (ولا يدخل) القسام (في القسمة الدراهم والدنانير) لأن القسمة تجري في المشترك، والمشترك بينهما العقار لا الدراهم والدنانير، فلو كان بينهما دار وأرادوا قسمتها وفي أحد الجانبين فضل بناء، فأراد أحدهما أن يكون عوض البناه دراهم وأراد الآخر أن يكون عوضه من الأرض فإنه يجعل عوضه من الأرض، ولا يكلف الذي وقع البناء في نصيبه أن يرد بإزائه دراهم (إلا بتراضيهم) ، لما في القسمة من معنى المبادلة، فيجوز دخول الدراهم فيها بالتراضي دون جبر القاضي، إلا إذا تعذر فحينئذ للقاضي ذلك. قال في الينابيع: قول القدوري "ولا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير" يريد به إذا أمكنت القسمة بدونها، أما إذا لم تمكن عدل أضعف الأنصباء بالدراهم والدنانير، اهـ. قال في التصحيح: وفي بعض النسخ "ينبغي للقاضي أن لا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير، فإن فعل جاز، وتركه أولى" اه

стр. 793

وإن قسم بينهم ولأحدهم مسيلٌ في ملك لآخر، أو ريقٌ لم يشترط في القسمة: فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عنه فليس له أن يستطرق ويسيل في نصيب الآخر، وإن لم يمكن فسخت القسمة. وإن كان سفلٌ لا علو له، وعلوٌ لا سفل له، وسفلٌ له علوٌ، قوم كل واحدٍ على حدته، وقسم بالقيمة، ولا معتبر بغير ذلك، ــ (فإن قسم بينهم ولأحدهم مسيل) ماء (في ملك الآخر، أو طريق) أو نحوه، والحال أنه (لم يشترط) ذلك (في القسمة، فإن أمكن صرف) ذلك (الطريق والمسيل عنه، فليس له أن يستطرق ويسيل في نصيب) الشريك (الآخر) ؛ لأنه أمكن تحقيق القسمة من غير ضرر (وإن لم يمكن) ذلك (فسخت القسمة) لأنها مختلة؛ لبقاء الاختلاط، فتستأنف. (وإذا كان) الذي يراد قسمته بعضه (سفل لا علو له) أي: ليس فوقه علو، أو فوقه علو للغير (و) بعضه (علو لا سفل له) بأن كان السفل للغير، (و) بعضه (سفل لا علو؛ قوم كل واحد على حدته، وقسم بالقيمة، ولا معتبر بغير ذلك) وهذا عند محمد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقسم بالذرع، ثم اختلفا في كيفية القسمة بالذرع، قال أبو حنيفة: ذراع من السفل بذراعين من العلو، وقال أبو يوسف: ذراع بذراع، ثم قيل: كل منهما على عادة أهل عصره، أو بلده، وقيل: اختلاف معنى، قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة

стр. 794

وإذا اختلف المتقاسمون فشهد القاسمان، قبلت شهادتهما. فإن ادعي أحدهما الغلط، وزعم أن مما أصابه شيئاً في يد صاحبه، وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء، لم يصدق على ذلك إلا ببينةٍ. ــ قلت: هذا الصحيح بالنسبة إلى قول أبي يوسف، والمشايخ اختاروا قول محمد، بل قال في التحفة والبدائع: والعمل في هذه المسألة على قول محمد، وقال في الينابيع والهداية وشرح الزاهدي والمحيط: وعليه الفتوى اليوم، كذا في التصحيح. (وإذا اختلف المتقاسمون) في القسمة (فشهد القاسمان، قبلت شهادتهما) قال في الهداية: الذي ذكره قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا تقبل، وهو قول أبي يوسف أولا، وبه قال الشافعي، وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما، وقاسم القاضي وغيره سواء، وقال جمال الإسلام: الصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى البرهاني والنسفي، وغيرهما، تصحيح. (فإن ادعى أحدهما) أي المتقاسمين (الغلط) في القسمة (وزعم أن مما أصابه شيئا في يد صاحبه، وقد) كان (أشهد على نفسه بالاستيفاء، لم يصدق على ذلك) الذي يدعيه (إلا ببينة) ، لأنه يدعى فسخ القسمة بعد وقوعها، فلا يصدق إلا بحجة، فإن لم تقم له بينة استحلف الشركاء، فمن نكل منهم جمع بين نصيب الناكل والمدعي، فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما، لأن النكول حجة في حقه خاصة، فيعاملان على زعمهما؛ وينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا؛ لتناقضه، وإليه أشار من بعد، هداية، ومثله في كافي النسفي، وظاهر كلامهما أنه لم يوجد فيه رواية، لكن قال صدر الشريعة بعد نقله البحث المذكور: وفي المبسوط وفتاوى

стр. 795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قاضيخان ما يؤيد هذا. ثم قال: وجه رواية المتن أنه اعتمد على فعل القاسم في إقراره باستيفاء حقه، ثم لما تأمل حق التأمل ظهر الخطأ في فعله، فلا يؤاخذ بذلك الإقرار عند ظهور الحق، اهـ. وقول الهداية "وإليه أشار من بعد" أي: أشار القدوري إلى ما بحثه من أنه ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا في الفرع الآتي بعد هذا حيث قال: "وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم تسلمه لي، ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة" فإن مفهومه أنه لو شهد على نفسه بالاستيفاء قبل الدعوى لا يتحالفان، وما ذاك إلا لعدم صحة الدعوى؛ لأن التحالف مبنىٌ على صحة الدعوى، ولذا قال في الحواشي السعدية - بعد نقل ما ذكره صدر الشريعة المار - ما نصه: وفيه بحث، فإن مثل هذا الإقرار إن كان مانعاً من صحة الدعوى لا تسمع البينة، لابتناء سماعها على صحة الدعوى، وإن لم يكن مانعاً ينبغي أن يتحالفا، اهـ. قال شيخنا رحمه الله تعالى: وقد يجاب بأن قولهم هنا "قد أقر بالاستيفاء" صريح، وقولهم بعد: "قبل إقراره" مفهوم، والمصرح به أن الصريح مقدم على المفهوم، فيتأمل. اهـ. وأمره بالتأمل مشعر بنظره فيه، وهو كذلك كما لا يخفى على نبيه. وإذا أمعنت النظر في كلامهم، وتحققت في دقيق مرامهم - علمت أن ليس في هذا الفرع منافاة لما بعده، والتقييد فيه بكونه قبل الإقرار قيد لوجوب التحالف وحده، لا لصحة الدعوى، فإنها تصح سواء كانت قبل الإقرار أو بعده. والمعنى: إنه إن سبق منه إقرار بالاستيفاء لا يتحالفان وإن صحت الدعوى،

стр. 796

وإن قال "استوفيت حقي" ثم قال "أخذت بعضه" فالقول قول خصمه مع يمينه. وإن قال "أصابني إلى موضع كذا فلم تسلمه إلي "ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه تحالفا، وفسخت القسمة؛ ــ وذلك لأن صحة الدعوى شرط لوجوب التحالف، وليس التحالف بشرط لصحة الدعوى كما هو مصرح به في باب التحالف. ومن أراد استيفاء المرام في هذا المقام، فعليه برسالتنا فقد أشبعنا فيها الكلام. (وإذا قال: استوفيت حقي، ثم قال: أخذت بعضه، فالقول قول خصمه مع يمينه) ؛ لأنه يدعي عليه الغصب، وهو منكر. (وإن قال: أصابني) في القسمة (إلى موضع كذا، فلم تسلمه إلي، ولم يشهد) قبل ذلك (على نفسه بالاستيفاء وكذبه شريكه) في دعواه (تحالفا وفسخت القسمة) ، لاختلافهما في نفس القسمة، فإنهما قد اختلفا في قدر ما حصل بالقسمة، فأشبه الاختلاف في قدر المبيع، فوجب التحالف، كذا في شرح الإسبيجاني، قيد بكونه لم يشهد على نفسه بالاستيفاء لأنه لو سبق منه ذلك لا يتحالفان، وإن صحت الدعوى، بل ببينته أو يمين خصمه. فإن قلت: إذا كانت الدعوى صحيحة، سواء كانت قبل الإشهاد أو بعده، فما وجه وجوب التحالف إذا كانت الدعوى قبل الإشهاد، وعدمه إذا كانت بعده؟. قلت: لأن وجوب التحالف في القسمة إنما يكون إذا ادعى الغلط على وجه لا يكون مدعيا الغصب، كما في الذخيرة وغيرها، وإذا كانت الدعوى بعد الإشهاد بالاستيفاء يكون مدعيا الغصب ضمناً، كأنه يقول: الذي أصابني إلى موضع كذا

стр. 797

وإن استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ورجع بحصة ذلك من نصيب شريكه، وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة. ــ وأنت غاصب لبعضه، ولذا ساغت منه الدعوى بعد الإشهاد؛ لأن دعوى الغصب لا تناقض الإقرار بالاستيفاء. (وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه، لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة، ورجع بحصة ذلك) المستحق (من نصيب شريكه) لأنه أمكن جبر حقه بالمثل، فلا يصار إلى الفسخ (وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة) ؛ لأنه تبين أن لهما شريكا ثالثاً، ولو كان كذلك لم تصح القسمة. قال في الهداية وشرح الزاهدي: ذكر المصنف الاختلاف في استحقاق بعضٍ بعينه، وهكذا ذكر في الأسرار، والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع من نصيب أحدهما. فأما في استحقاق بعض معين لا تفسخ القسمة بالإجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة أوجه، ولم يذكر قول محمد، وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف، وأبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصح، وهكذا ذكره الإسبيجاني، قال: والصحيح قولهما، وعليه مشى الإمام المحبوبي، والنسفي، وغيرهما، كذا في التصحيح. تتمة - المهايأة جائزة استحساناً، ولا تبطل بموتهما، ولا بموت أحدهما، ولو طلب أحدهما القسمة بطلت، ويجوز في دار واحدة: بأن يسكن كل منهما طائفة أو أحدهما العلو والآخر السفل، وله إجارته وأخذ غلته، ويجوز في عبد واحد: يخدم هذا يوما، وهذا يوما، وكذا في البيت الصغير، وفي العبدين يخدم كل واحد واحداً، فإن شرطا طعام العبد على من يخدمه جاز، وفي الكسوة لا يجوز، ولا

стр. 798

كتاب الإكراه . - الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به، سلطاناً كان أو لصاً. ــ يجوز في غلة عبد ولا عبدين، ولا في ثمرة الشجرة، ولا في لبن الغنم وأولادها، ولا في ركوب دابة ولا دابتين ولا استغلالهما، ويجوز في عبد ودار على السكنى والخدمة، وكذلك كل مختلفي المنفعة، كذا في المختار. كتاب الإكراه مناسبته للقسمة أن للقاضي إجبار الممتنع فيهما. وهو لغة: حمل الإنسان على أمرٍ يكرهه، وشرعا: حمل الغير على فعل بما يعدم رضاه دون اختياره، لكنه قد يفسده، وقد لا يفسده. قال في التنقيح: وهو إما ملجئ: بأن يكون بفوت النفس أو العضو، وهذا معدم للرضا مفسد للاختيار، وإما غير ملجئ: بأن يكون بحبس أو قيد أو ضرب، وهذا معدم للرضا غير مفسد للاختيار. والحاصل كما في الدرر: أن عدم الرضا معتبر في جميع صور الإكراه، وأصل الاختيار ثابت في جميع صوره، ولكن في بعض الصور يفسد الاختيار، وفي بعضها لا يفسده. وشرطه: قدرة المكره على إيقاع ما هدد به، وخوف المكره، وامتناعه عنه قبله كما أشار إليه بقوله (الإكراه يثبت حكمه) أي الآتي (إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطاناً كان أو لصا) أو نحوه، إذا تحقق منه القدرة، لأنه إذا كان بهذه الصفة لم يقدر المكره على الامتناع، وهذا عندهما، وعند أبي حنيفة لا يتحقق

стр. 799

وإذا أكره الرجل على بيع ماله، أو على شراء سلعةٍ، أو على أن يقر لرجلٍ بألفٍ، أو يؤاجر داره - وأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد، أو بالحبس المديد - فباع أو اشترى، فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه. وإن كان قبض الثمن طوعاً فقد أجاز البيع. ــ إلا من السلطان؛ لأن القدرة [بهذه الصفة] لا تكون بلا منعة، والمنعة للسلطان؛ قالوا: هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان؛ لأن في زمانه لم يكن لغير السلطان من القوة ما يتحقق به الإكراه، فأجاب بناء على ما شاهد، وفي زمانهما ظهر الفساد وصار الأمر إلى كل متغلب، فيتحقق الإكراه من الكل، والفتوى على قولهما، درر عن الخلاصة. (وإذا أكره الرجل على بيع ماله، أو) أكره (على شراء سلعة، أو على أن يقر لرجل بألف) من الدراهم مثلا (أو يؤاجر داره، وأكره على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحبس المديد، فباع أو اشترى) خشية من ذلك (فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه) ورجع بالمبيع؛ لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي، والإكراه يعدم الرضا فيفسدها، بخلاف ما إذا أكره بضرب سوطٍ، أو حبس يوم، أو قيد يوم؛ لأنه لا يبالي به بالنظر إلى العادة، فلا يتحقق به الإكراه، إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يستضر به لفوات الرضا، هداية. (وإن كان قبض الثمن طوعاً فقد أجاز البيع) ، لأنه دلالة الإجازة كما في

стр. 800

وإن كان قبضه مكرهاً فليس بإجازة، وعليه رده إن كان قائماً في يده، وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته. وللمكره أن يضمن المكره إن شاء. ــ البيع الموقوف، وكما إذا سلم طائعاً بأن كان الإكراه على البيع، لا على الدفع؛ لأنه دليل الإجازة (الضمير في "لأنه" يعود إلى التسليم مع الطواعية) ، هداية. (وإن كان قبضه مكرها فليس بإجازة) لعدم الرضا (وعليه رده إن كان قائماً في يده) لفساد العقد (وإن) كان قد (هلك المبيع في يد المشتري، وهو) أي المشتري (غير مكره) والبائع مكره (ضمن) المشتري (قيمته) للبائع؛ لتلف مال الغير في يده من غير عقد صحيح، فتلزمه القيمة. قيد بكونه المشتري غير مكره لأنه إذا كان مكرهاً أيضاً يكون الضمان على المكره دونه. (وللمكره) بالبناء المجهول (أن يضمن المكره) بالبناء للمعلوم (وإن شاء) لأنه آلة للاكراه فيما يرجع للاتلاف، فكأنه دفعه بنفسه إلى المشتري، فيكون مخيرا في تضمين أيهما شاء، كالغاصب وغاصب الغاصب، فلو ضمن المكره رجع على المشتري بالقيمة، وإن ضمن المشتري نفذ كل شراء كان بعد شرائه لو تناسخته العقود؛ لأنه تملكه بالضمان، فظهر أنه باع ملكه، ولا ينفذ ما كان قبله؛ لأن الاسناد إلى وقت قبضه، بخلاف ما إذا أجاز المالك المكره عقدا منها حيث يجوز ما قبله وما بعده؛ لأنه أسقط حقه وهو المانع، فعاد الكل إلى الجواز، هداية

стр. 801

ومن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر - وأكره على ذلك بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ - لم يحل له، إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه، ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثمٌ. وإن أكره على الكفر بالله ، أو سب النبي ﵊: بقيدٍ، أو حبسٍ، أو ضربٍ، لم يكن ذلك إكراهاً ــ (ومن أكره على أن يأكل الميتة) أو الدم، أو لحم الخنزير (أو يشرب الخمر، وأكره على ذلك) بغير ملجئ: بأن كان (بحبس أو قيد أو ضرب) لا يخاف منه على تلف على النفس أو عضو من الأعضاء (لم يحل له) الإقدام؛ إذ لا ضرورة في إكراه غير ملجئ، إلا أنه لا يحد بالشرب للشبهة، ولا يحل له الإقدام (إلا أن يكره) بملجئ: أي (بما يخاف منه على) تلف (نفسه أو على) تلف (عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه) بل يجب عليه؛ ولذا قال (ولا يسعه) أي لا يجوز له (أن يصبر على ما توعد به) حتى يواقعوا به الفعل (فإن صبر حتى أوقعوا به) فعلا (ولم يأكل فهو آثم) ؛ لأنه لما أبيح له ذلك كان بالامتناع معاوناً لغيره على إهلاك نفسه، فيأثم كما في حالة المخمصة. (وإن أكره على الكفر بالله) (أو سب النبي ﷺ بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراهاً) لأن الإكراه بهذه

стр. 802

حتى يكره بأمرٍ يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به، ويورى، فإذا أظهر ذلك وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فلا إثم عليه، وإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجوراً. وإن أكره على إتلاف مال مسلمٍ بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره. ــ الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر كما مر، ففي الكفر أولى، بل (حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر) على لسانه (ما أمروه به، ويورى) وهي أن يظهر خلاف ما يضمر (فإذا أظهر ذلك) على لسانه (وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه) ؛ لأنه بإظهار ذلك لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة، فيسعه الميل إلى إظهار ما طلبوه (وإن صبر) على ذلك (حتى قتلوه ولم يظهر الكفر كان مأجوراً) لأن الامتناع لإعزاز الدين عزيمة. (وإن أكره على إتلاف مال) امرئ (مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وسعه أن يفعل ذلك) ، لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حالة المخمصة، وقد تحققت الضرورة (ولصاحب المال أن يضمن المكره) بالكسر، لأن المكره بالفتح كالآلة

стр. 803

وإن أكره بقتلٍ على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثماً، والقصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمداً. وإن أكرهه على طلاق امرأته، أو عتق عبده ففعل، وقع ما أكره عليه، ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد، ــ (وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما) ؛ لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بهذه الضرورة، هداية (و) لكن (القصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمدا) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: يجب على المكره، وقال أبو يوسف: لا يجب عليهما. قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة كما هو الرسم، تصحيح. (وإن أكرهه على طلاق امرأته) أو نكاح امرأة (أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه) لأنها تصح مع الإكراه كما تصح مع الهزل، كما مر في الطلاق (ويرجع) المكره (على الذي أكرهه بقيمة العبد) في الإعتاق؛ لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فيضاف إليه (في نسخة "فلا يضاف إليه" ومن الممكن تصحيح كلتا النسختين، فتأمل) . فله أن يضمنه موسراً كان أو معسراً لكونه ضمان إتلاف كما مر، ولا يرجع الحامل على العبد بالضمان، لأنه مؤاخذ بإتلافه، درر

стр. 804

وبنصف مهر المرأة إن كان الطلاق قبل الدخول. وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يلزمه الحد. ــ (وبنصف مهر المرأة) في الطلاق (إن كان) الطلاق (قبل الدخول) وكان مهر مسمى في العقد؛ لأن ما عليه كان على شرف السقوط بوقوع الفرقة من جهتها، وقد تأكد ذلك بالطلاق، فكان تقريراً للمال من هذا الوجه، فيضاف تقريره إلى الحامل والتقرير كالإيجاب، درر. قيد بما إذا كان قبل الدخول لأنه لو كان دخل بها تقرر المهر بالدخول لا بالطلاق. وقيدنا بكون المهر مسمى في العقد لأنه لو لم يكن مسمى فيه إنما يرجع بما لزمه من المتعة، ولا يرجع في النكاح بشيء لأن المهر إن كان مهر المثل أو أقل كان العوض مثل ما أخرجه عن ملكه أو أكثر، وإن كان أكثر من مهر المثل فالزيادة باطلة، ويجب مقدار مهر المثل، ويصير كأنهما سميا ذلك المقدار، حتى إنه يتنصف بالطلاق قبل الدخول، جوهرة. وفيها عن الخجندي: الإكراه لا يعمل في الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والتدبير، والعفو عن دم العمد، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفئ فيه، والإسلام، اهـ. (وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان) لأن الإكراه عنده لا يتحقق من غيره (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلزمه الحد) ؛ لأن الإكراه يتحقق من غيره، وعليه الفتوى، قال قاضيخان: الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان في قول الإمام، وفي قول صاحبيه يتحقق من كل متغلب يقدر على تحقيق ما هدد به، وعليه الفتوى، وفي الحقائق: والفتوى على قولهما، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما، تصحيح

стр. 805

وإذا أكرهه على الردة لم تبن امرأته منه. كتاب السير . - الجهاد فرضٌ على الكفاية، إذا قام به ــ (وإذا أكره) الرجل (على الردة لم تبن امرأته منه) ؛ لأن الردة تتعلق بالاعتقاد، ألا ترى أنه لو كان قلبه مطمئناً بالإيمان لا يكفر، وفي اعتقاده الكفر شك، فلا تثبت البينونة بالشك، فإن قالت المرأة "قد بنت منك" وقال هو "قد أظهرت ذلك وقلبي مطمئن بالإيمان" فالقول قوله استحساناً؛ لأن اللفظ غير موضوع للفرقة، وهي بتبدل الاعتقاد، ومع الإكراه لا يدل على التهدل؛ فكان القول قوله، هداية. كتاب السير مناسبته للاكراه لا تخفى؛ فإن كلا منهما للزجر والرد إلى الوفاء، إلا أن الأول في المسلمين والكفار عام، بخلاف الثاني، فكان أولى بالاهتمام، والأول زاجر عن العصيان، والثاني عن الكفر والطغيان، فترقى من الأدنى إلى الأعلى كما في غاية البيان. والسير - بكسر السين وفتح الياء - جمع سيرة، وهي: الطريقة في الأمور، وفي الشرع يختص بسير النبي ﷺ في مغازيه، هداية. وترجم له الكثير بالجهاد، وهو لغة: مصدر جاهد في سبيل الله، وشرعا: الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله، كما في الشمنى. (الجهاد فرض على الكفاية) ، لأنه لم يفرض لعينه، إذ هو إفساد في نفسه، (وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الفساد عن العباد، وكل ما هو كذلك فهو فرض كفاية إذا حصل المقصود بالبعض، وإلا ففرض عين، كما صرح بذلك حيث قال: (إذا قام به

стр. 806

فريقٌ من الناس سقط عن الباقين، وإن لم يقم به أحدٌ أثم جميع الناس بتركه. وقتال الكفار واجبٌ وإن لم يبدءونا، ولا يجب الجهاد على صبي، ولا على عبدٍ، ولا امرأة، ولا أعمى، ولا مقعدٍ، ولا أقطع. وإن هجم العدو على بلدٍ وجب على جميع المسلمين الدفع: تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى. وإذا دخل المسلمون دار حربٍ فحاصروا مدينةً أو حصناً دعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوهم كفوا عن قتالهم، ــ فريق من الناس سقط) الإثم (عن الباقين) ؛ لحصول المقصود بذلك كصلاة الجنازة ودفنها ورد السلام، فإن كل واحد منها إذا حصل من بعض الجماعة يسقط الفرض عن الباقين، وهذا إذا كان بذلك الفريق كفاية، أما إذا لم يكن بهم كفاية فرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تحصل الكفاية (وإن لم يقم به أحدا أثم جميع الناس بتركه) لتركهم فرضا عليهم. (وقتال الكفار واجب وإن لم يبدءونا) للنصوص العامة (ولا يجب الجهاد على صبي) لعدم التكليف (ولا عبد، ولا امرأة) لتقدم حق المولى والزوج (ولا أعمى، ولا مقعد، ولا أقطع) ؛ لأنهم عاجزون، والتكليف بالقدرة. (فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع المسلمين الدفع) حتى (تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى) لأنه صار فرض عين كالصلاة والصوم، وفرض العين مقدم على حق الزوج والمولى. (وإذا دخل المسلمون دار الحرب فحاصروا مدينة أو حصناً دعوهم) أولا (إلى الإسلام، فإن أجابوهم) إلى ذلك (كفوا عن قتالهم) لحصول المقصود، وقد

стр. 807

وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية، فإن بذلوها فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. ولا يجوز أن بقاتل من لم تبلغه دعوة الإسلام، إلا بعد أن يدعوهم، ويستحب أن يدعو من بلغته الدعوة، ولا يجب ذلك، وإن أبوا استعانوا بالله تعالى عليهم وحاربوهم ــ قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) الحديث. (وإن امتنعوا) عن الإسلام (دعوهم إلى أداء الجزية) إذا كانوا ممن تقبل منهم الجزية، بخلاف من لا تقبل منهم كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب، فإنه لا فائدة في دعائهم إلى قبول الجزية، لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، قال الله تعالى ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ ، هداية (فإن بذلوها) أي قبلوا بذلها كانوا ذمة للمسلمين (فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم) لأنهم إنما بذلوها لذلك. (ولا يجوز) للإمام (أن يقاتل) أحداً من (من لم تبلغه دعوة الإسلام إلا بعد أن يدعوهم) إليه، لأنهم بالعدوة إليه يعلمون أنا نقاتلهم على الدين، لا على سلب الأموال وسبي الذراري، فلعلهم يجيبون، فنكفى مؤنة القتال، ولو قاتلهم قبل الدعوة أثم للنهي، ولا غرامة لعدم العاصم وهو الدين أو الإحراز بالدار فصار كقتل الصبيان والنسوان، هداية (ويستحب أن يدعو من بلغته الدعوة) أيضاً، مبالغة في الإنذار (و) لكن (لا يجب ذلك) عليه، لأن الدعوة قد بلغتهم وقد صح أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون - أي غافلون - ونعمهم يستقي على الماء، جوهرة (وإن أبوا) أي امتنعوا عن الإسلام وبذل الجزية (استعانوا بالله تعالى عليهم وحاربوهم)

стр. 808

ونصبوا عليهم المجانيق، وحرقوهم، وأرسلوا عليهم الماء، وقطعوا أشجارهم وأفسدوا زروعهم، ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ أو تاجرٌ. ــ لأنه تعالى هو الناصر لأوليائه والمدمر لأعدائه (ونصبوا عليهم المجانيق) جمع منجنيق، قال في الصحاح: وهي التي يرمي بها الحجارة، معربة، وأصلها بالفارسية سنجي نيك: أي ما أجودني! وهي مؤنثة، وجمعها منجنيقات ومجانيق، وتصغيره مجينيق (قال الجواليقي في المعرب: "اختلف أهل العربية في المنجنيق، فقال قوم: الميم زائدة وقال آخرون: بل هي أصلية. وأخبرنا ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: سألت أعرابياً عن حروب كانت بينهم، فقال كانت بيننا حروب عون، تفقأ فيها العيون، مرة نجنق، وأخرى ترشق. فقوله "تجنق" دال على أن الميم زائدة، ولو كانت أصلية لقال "تمجنق" وكان المازني يقول: الميم من نفس الكلمة والنون زائدة، لقولهم "مجانيق" فسقوط النون في الجمع كسقوط الياء في "عيضموز" إذا قلت "عضاميز". ويقال: "منجنيق" و "مجنيق" بفتح الميم وكسرها وقيل: الميم والنون في أوله أصليتان، وقيل: الميم أصلية والنون زائدة، وهو أعجمي معرب وحكى الفراء "منجنوق" بالواو، وحكى غيره "منجليق" وقد جنق المنجنيق، ويقال "جنق" [بالتضعيف] ، وقال جرير: يلقى الزلازل أقوام دلفت لهم * بالمنجنيق وصبا بالملاطيس اهـ) ، اهـ. وقد نصبها النبي ﷺ على الطائف (وحرقوهم) لأنه ﵊ أحرق البويرة، وهي موضع بقرب المدينة (وأرسلوا عليهم الماء، وقطعوا شجرهم، وأفسدوا زورعهم) لأن في ذلك كسر شوكتهم وتفريق جمعهم. (ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر) ؛ لأنه قل

стр. 809

وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم ويقصدون بالرمي الكفار. ولا بأس بإخراج النساء والمصاحف مع المسلمين إذا كان عسكراً عظيماً يؤمن عليه، ويكره إخراج ذلك في سريةٍ لا يؤمن عليها. ــ ما يخلو حصن من مسلم؛ فلو امتنع باعتباره لانسد بابه. (وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم) ؛ لأنه يؤدي إلى أن يتخذوا ذلك ذريعة إلى إبطال قتالهم أصلا (و) لكن (يقصدون بالرمي الكفار) لأن المسلم لا يجوز اعتماد قتله؛ فإذا تعذر التمييز فعلا وأمكن قصداً التزم؛ لأن الطاعة بحسب الطاقة، وما أصابوه منهم لا دية عليهم ولا كفارة؛ لأن الجهاد فرض، والغرامات لا تقترن بالفروض كما في الهداية. (ولا بأس بإخراج النساء والمصاحف) وكتب الفقه والحديث، وكل ما يجب تعظيمه، ويحرم الاستخفاف به (مع المسلمين إذا كان عسكراً عظيما يؤمن عليه) ؛ لأن الغالب هو السلامة، والغالب كالمتحقق (ويكره إخراج ذلك في سرية لا يؤمن عليها) ؛ لأن فيه تعريضهن على الضياع والفضيحة، وتعريض المصاحف على الاستخفاف؛ لأنهم يستخفون بها مغايظة للمسلمين، وهو التأويل الصحيح لقول النبي ﷺ : (لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو) ولو دخل مسلم إليهم بأمان لا بأس بأن يحمل معه المصحف إذا كانوا قوماً يوفون بالعهد، لأن الظاهر عدم التعرض، والعجائز يخرجن في العسكر العظيم لإقامة عمل يليق بهن، كالطبخ، والسقي، والمداواة. وأما الشواب فمقامهن في البيوت أدفع للفتنة، ولا يباشرن القتال، لأنه يستدل به على ضعف المسلمين،

стр. 810

ولا تقاتل المرأة إلا بإذن زوجها، ولا العبد إلا بإذن سيده، إلا أن يهجم العدو. وينبغي للمسلمين أن لا يغدروا، ولا يغلوا، ولا يمثلوا، ولا يقتلوا امرأةً أو شيخاً فانياً ولا صبياً ولا أعمى ولا مقعداً، إلا أن يكون هؤلاء ممن له رأىٌ في الحرب. ــ إلا عند الضرورة، ولا يستحب إخراجهن للمباضعة والخدمة، فإن كانوا لابد مخرجين فبالإماء دون الحرائر، هداية. (ولا تقاتل المرأة إلا بإذن زوجها، ولا العبد إلا بإذن سيده) ، لما تقدم أن حق الزوج والمولى مقدم (إلا أن يهجم العدو) ، لصيرورته فرض عين كما سبق. (وينبغي للمسلمين أن لا يقدروا) أي يخونوا بنقض العهد (ولا يغلوا) أي: يسرقوا من الغنيمة (ولا يمثلوا) بالأعداء: بأن يشقوا أجوافهم ويرضخوا رءوسهم، ونحو ذلك، والمثلة المروية في قصة العرنيبن منسوخة بالنهي المتأخر، هو المنقول، هداية. قال في الجوهرة: وإنما تكره المثلة بعد الظفر بهم، أما قبله فلا بأس بها، اهـ (ولا يقتلوا امرأة، ولا شيخاً فانياً) وهو الذي فنيت قواه (ولا صبيا، ولا أعمى، ولا مقعداً) ؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال، والمبيح للقتل عندنا المحاربة، فلو قاتل أحد منهم يقتل دفعاً لشره (إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب) فيقتل، لأن من له رأي يستعان برأيه أكثر مما يستعان
следующие страницы →