← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21496

اللباب في شرح الكتاب

عبد الغني الميداني

Полный текст (904 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

من المبيع وادعى المشتري أكثر منه وأقام أحدهما البينة قضى له بها وإن أقام كل واحدٍ منهما البينة كانت البينة المثبتة للزيادة أولى، وإن لم تكن لكل واحدٍ منهما بينةٌ قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع، وقيل للبائع: إما أن تسلم ما ادعاه المشتري من المبيع وإلا فسخنا البيع، فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحدٍ منهما على دعوى الآخر: يبتدئ بيمين المشتري، ــ من المبيع وادعى المشتري أكثر منه) أي: بأكثر من القدر الذي اعترف به البائع (وأقام أحدهما) أي: البائع والمشتري (البينة) على دعواه (قضى له بها) ، لأن في الجانب الآخر مجرد الدعوى، والبينة أقوى منها (وإن أقام كل واحد منهما البينة) على دعواه (كانت البينة المثبتة للزيادة أولى) ، لأنها أكثر بياناً وإثباتاً، فبينة البائع أولى لو الاختلاف في الثمن، وبينة المشتري لو في قدر المبيع، ولو اختلفا في الثمن والمبيع جميعاً فبينة البائع أولى في الثمن، وبينة المشتري في المبيع، نظراً إلى زيادة الإثبات (فإن لم يكن لكل واحد منهما بينة) تثبت مدعاه (قيل للمشتري: إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع) بينكما (وقيل للبائع: إما أن تسلم ما) أي القدر الذي ادعاه المشتري من البيع وإلا فسخنا البيع) ؛ لأن المقصود قطع المنازعة، وهذا جهة فيه؛ لأنه ربما لا يرضيان بالفسخ، فإذا علما به يتراضيان (فإن لم يتراضيا) والمبيع قائم (استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر) ؛ لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه (يبتدئ) الحاكم (بيمين المشتري) قال في الهداية: وهذا قول محمد وأبي يوسف آخراً، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو

стр. 737

فإذا حلفا فسخ القاضي البيع بينهما، وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر. وإن اختلفا في الأجل أو في شرط الخيار أو في استيفاء بعض الثمن فلا تحالف بينهما، والقول قول من ينكر الخيار والأجل مع يمينه. ــ الصحيح، اهـ. وقال الإسبيجاني: يبدأ بيمين المشتري، وفي رواية بيمين البائع، وهكذا ذكر أبو الحسن في جامعه، والصحيح الرواية الأولى، وعليه مشى الأئمة المصححون، تصحيح (فإذا حلفا فسخ القاضي البيع بينهما) ؛ لأنه إذا تحالفا بقي العقد بلا بدل معين فيفسد، قال في الهداية: وهذا يدل على أنه لا ينفسخ بنفس التحالف؛ لأنه لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما، فيبقى بيع مجهول فيفسخه القاضي قطعاً للمنازعة، أو يقال: إذا لم يثبت البدل يبقى بيعاً بلا بدل وهو فاسد، ولابد من الفسخ في فاسد البيع، اهـ (وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر) ، لأنه جعل باذلا فلم تبق دعواه معارضة لدعوى الاخر؛ فلزمه القول بثبوته، هداية. (وإن اختلفا في الأجل، أو في شرط الخيار، أو في استيفاء بعض الثمن - فلا تحالف بينهما) ؛ لأن هذا اختلاف في غير المعقود عليه والمعقود به، فأشبه الاختلاف في الحط والإبراء، وهذا لأن بانعدامه لا يختل ما به قوام العقد، بخلاف الاختلاف في وصف الثمن وجنسه حيث يكون بمنزلة الاختلاف في القدر في جريان التحالف، لأن ذلك يرجع إلى نفس الثمن، فإن الثمن دين، وهو يعرف بالوصف، ولا كذلك الأجل؛ لأنه ليس بوصف، ألا ترى أن الثمن موجود بعد مضيه، هداية (والقول قول من ينكر الخيار والأجل) والاستيفاء (مع يمينه) ؛ لأن القول قول المنكر

стр. 738

وإن هلك المبيع ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وجعل القول قول المشتري. وقال محمدٌ: يتحالفان، ويفسخ البيع على قيمة الهالك. وإن هلك أحد العبدين ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك، وقال أبو يوسف: يتحالفان ويفسخ البيع في الحي وقيمة الهالك. ــ (وإن هلك المبيع) أي بعد القبض قبل نقد الثمن، وكذا إذا خرج من ملكه أو صار بحال لا يقدر على رده بالعيب (ثم اختلفا) في ثمنه (لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ؛ لأن التحالف فيما إذا كانت السلعة قائمة عرف بالنص، والتحالف فيه يفضي إلى الفسخ، ولا كذلك بعد هلاكها، لارتفاع العقد؛ فلم يكن بمعناه (وجعل القول قول المشتري) بيمينه؛ لأنه منكرٌ لزيادة الثمن (وقال محمد: يتحالفان ويفسخ البيع على قيمة الهالك) ؛ لأنه اختلاف في ثمن عقد قائم بينهما، فأشبه حال بقاء السلعة، قال جمال الإسلام: والصحيح قولهما، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما كما هو الرسم، تصحيح. (وإن) هلك بعض المبيع، كأن (هلك أحد العبدين) أو الثوبين، أو نحو ذلك (ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة) ؛ لما مر من أن التحالف ثبت على خلاف القياس حال قيام السلعة، وهي اسم لجميع أجزائها، فلا يبقى بفوات بعضها (إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك) أصلا، لأنه حينئذ يكون الثمن كله بمقابله القائم ويخرج الهالك عن العقد؛ فيتحالفان. (وقال أبو يوسف: يتحالفان ويفسخ البيع في الحي وقيمة الهالك)

стр. 739

وهو قول محمدٍ. وإذا اختلف الزوجان في المهر فادعى الزوج أنه تزوجها بألف وقالت "تزوجتني بألفين" فأيهما أقام البينة قبلت بينته، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة، وإن لم تكن لهما بينةٌ تحالفا عند أبي حنيفة ولم يفسخ النكاح، ولكن يحكم مهر المثل، فإن كان مثل ــ لأن امتناع التحالف للهلاك، فيتقدر بقدره (وهو قول محمد) . قال الإسبيجاني: هكذا ذكر هنا، وذكر في الجامع الصغير: أن القول قول المشتري في حصة الهالك، ويتحالفان على الباقي عند أبي يوسف، وعند محمد يتحالفان عليهما؛ ويرد القائم وقيمة الهالك، والصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح. (وإن اختلف الزوجان في) قدر (المهر) أو في جنسه (فادعى الزوج أنه تزوجها بألف، وقالت) المرأة (تزوجتني بألفين) أو مائة مثقال (فأيهما أقام البينة قبلت بينته) ، لأنه نور دعواه بالحجة (وإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة) لأنها تثبت الزيادة. قال في الهداية: معناه إذا كان مهر مثلها أقل مما ادعته، اهـ. أما إذا كان مهر مثلها مثل ما ادعته أو أكثر كانت بينة الزوج أولى؛ لأنها تثبت الحط، وبينتها لا تثبت شيئاً، لأن ما ادعته ثابت لها بشهادة المثل، كما في الكفاية (وإن لم تكن لهما بينة تحالفا عند أبي حنيفة، ولم يفسخ النكاح) ؛ لأن أثر التحالف في انعدام التسمية، وهو لا يخل بصحة النكاح؛ لأن المهر تابع فيه، بخلاف البيع؛ لأن عدم التسمية يفسده على ما مر فيفسخ (ولكن) حيث انعدمت التسمية (يحكم مهر المثل، فإن كان) مهر مثلها (مثل

стр. 740

ما اعترف به الزوج أو أقل قضى بما قال الزوج، وإن كان مثل ما ادعته المرأة أو أكثر قضى بما ادعته المرأة، وإن كان مهر المثل أكثر مما اعترف به الزوج وأقل مما ادعته المرأة قضى لها بمهر المثل. وإذا اختلفا في الإجارة قبل استيفاء المعقود عليه تحالفا وترادا، وإن اختلفا بعد الاستيفاء لم يتحالفا وكان القول قول المستأجر. ــ ما اعترف به الزوج أو أقل، قضى بما قال الزوج) ؛ لأن الظاهر شاهد له. (وإن كان مثل ما ادعته المرأة أو أكثر قضى بما ادعته المرأة) ؛ لأن الظاهر شاهد لها (وإن كان مهر المثل) بينهما بأن كان (أكثر مما اعترف به الزوج وأقل مما ادعته المرأة قضي لها بمهر المثل) ؛ لأنهما لما تحالفا لم تثبت الزيادة على مهر المثل ولا الحط عنه. (وإذا اختلفا في الإجارة) في البدل أو المبدل (قبل استيفاء المعقود عليه تحالفا وترادا) ، لأنه عقد معاوضة قابل للفسخ، فكان بمنزلة البيع، وبدأ بيمين المستأجر لو اختلفا في البدل، والمؤجر لو في المدة، وأن بر هنا فالبينة للمؤجر في البدل وللمستأجر في المدة كما في الدر (وإن اختلفا بعد الاستيفاء) لجميع المعقود عليه (لم يتحالفا، وكان القول قول المستأجر) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ظاهر، لأن هلاك المعقود عليه يمنع التحالف عندهما، وكذا على أصل محمد، لأن الهلاك إنما يمنع التحالف عنده في البيع، لما أنه له قيمة تقوم مقامه فيتحالفان عليها، ولو جرى التحالف ههنا وفسخ العقد فلا قيمة؛ لأن المنافع لا تتقوم

стр. 741

وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المعقود عليه تحالفا وفسخ العقد فيما بقي وكان القول في الماضي قول المستأجر. وإذا اختلف المولى والمكاتب في مال الكتابة لم يتحالفا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يتحالفان وتفسخ الكتابة. وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت فما يصلح للرجال فهو للرجل، وما يصلح للنساء فهو للمرأة، وما يصلح لهما فهو للرجل. ــ بنفسها، بل بالعقد، وتبين حينئذ أنه لا عقد، وإذا امتنع التحالف فالقول للمستأجر مع يمينه؛ لأنه هو المستحق عليه، اهـ. (يتبع ... ) (وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المعقود عليه تحالفا وفسخ العقد فيما بقي) اتفاقا؛ لأن العقد ينعقد ساعة فساعة؛ فيصير في كل جزء من المنفعة كأنه ابتدأ العقد عليها، بخلاف البيع؛ لأن العقد فيه دفعة واحدة، فإذا تعذر في البعض تعذر في الكل، هداية (وكان القول في الماضي قول المستأجر) ؛ لأنه منكر. (وإذا اختلف المولى والمكاتب في) قدر (مال الكتابة لم يتحالفا عند أبي حنيفة) لأن التحالف ورد في البيع على خلاف القياس، والكتابة ليست في معنى البيع؛ لأنه ليس بلازم في جانب المكاتب (وقالا: يتحالفان وتفسخ الكتابة) ؛ لأنه عقد معاوضة يقبل الفسخ، فأشبه البيع معنى، قال في التصحيح: وقوله هو المعول عليه عند النسفي، وهو أصح الأقاويل والاختيارات عند المحبوبي. (وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت) - وهو ما يكون فيه، ولو ذهبا أو فضة - (فما يصلح للرجال) فقط كالعمامة والقلنسوة (فهو للرجل، وما يصلح للنساء) فقط كالخمار والملحفة (فهو للمرأة) بشهادة الظاهر، إلا إذا كان كل منهما يفعل أو يبيع ما يصلح للآخر، فإنه بمنزلة الصالح لهما؛ لتعارض الظاهرين، (وما يصلح لهما) كالآنية والنقود (فهو للرجل) ؛ لأن المرأة وما في يدها في يد

стр. 742

وإذا مات أحدهما واختلف ورثته مع الآخر، فما يصلح للرجال والنساء فهو للباقي منهما، وقال أبو يوسف: يدفع إلى المرأة ما يجهز به مثلها والباقي للزوج. وإذا باع الرجل الجارية فجاءت بولدٍ فادعاه البائع، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ من يوم البيع فهو ابن البائع وأمه أم ولدٍ له. ــ الزوج، والقول في الدعاوى لصاحب اليد، بخلاف ما يختص بها، لأنه يعارضه ظاهر أقوى منه، ولا فرق بينهما إذا كان الاختلاف في حال قيام النكاح أو بعدما وقعت الفرقة، هداية. (فإن مات أحدهما واختلف ورثته) أي ورثة أحد الزوجين الميت (مع) الزوج (الآخر) الحي (فما يصلح للرجال والنساء فهو للباقي) أي الحي (منهما) سواء كان الرجل أو المرأة، لأن اليد للحي دون الميت، وهذا قول أبي حنيفة، (وقال أبو يوسف: يدفع إلى المرأة) سواء كانت حية أو ميتة (ما) أي مقدار (يجهز به مثلها، والباقي) بعده يكون (للزوج) مع يمينه؛ لأن الظاهر أن المرأة تأتي بالجهاز، وهذا أقوى، فيبطل به ظاهر الزوج، ثم في الباقي لا معارض لظاهره فيعتبر، والطلاق والموت سواء؛ لقيام الورثة مقام مورثهم، وقال محمد: ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما يكون لهما فهو للرجل أو لورثته، والطلاق والموت سواء، قال الإسبيجاني: والقول الصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده النسفي والمحبوبي وغيرهما، تصحيح. (وإذا باع الرجل جارية فجاءت بولد فادعاه البائع، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من يوم البيع فهو ابن البائع، وأمه أم ولد له) استحساناً؛ لأن اتصال العلوق في ملكه شهادة ظاهرة على كونه منه، ومبنى النسب على الخفاء فيعفى فيه التناقض، وإذا صحت الدعوى فاستندت إلى وقت العلوق تبين أنه باع أم

стр. 743

فيفسخ البيع فيه ويرد الثمن، وإن ادعاه المشتري مع دعوى البائع أو بعده فدعوى البائع أولى، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهرٍ لم تقبل دعوى البائع فيه، إلا أن يصدقه المشتري. وإن مات الولد فادعاه البائع وقد جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ لم يثبت الاستيلاد في الأم، وإن ماتت ــ ولده (فيفسخ البيع فيه) ، لأن بيع أم الولد لا يجوز (ويرد) البائع (الثمن) الذي قبضه، لأنه قبضه بغير حق (وإن ادعى المشتري) الولد أيضاً، سواء كانت دعواه (مع دعوى البائع أو بعده فدعوى البائع أولى) ، لأنها تستند إلى وقت العلوق، فكانت أسبق، قال القهستاني: وفيه إشعار بأنه لو ادعاه المشتري قبل دعوى البائع ثبت نسبه منه وحمل على النكاح، اهـ. (وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر) ولدون الحولين (لم تقبل دعوى البائع فيه) ؛ لاحتمال حدوثه بعد البيع (إلا أن يصدقه المشتري) فيثبت النسب ويبطل البيع، والولد حرٌ، والأم أو ولد له، كما في المسألة الأولى؛ لتصادقهما واحتمال العلوق في الملك، هداية. وفي القهستاني: وفيه إشارة إلى أنه لو ادعياه اعتبر دعوى المشتري؛ لقيام الملك المحتمل للعلوق كما في الاختيار، اهـ. وإن جاءت به لأكثر من سنتين لم تصح دعوى البائع إلا إذا صدقه المشتري، فيثبت النسب، ويحمل على الاستيلاد بالنكاح، ولا يبطل البيع، وتمامه في الهداية. (وإن مات الولد فادعاه البائع وقد) كانت (جاءت به لأقل من ستة أشهر) من وقت البيع (لم يثبت الاستيلاد في الأم) ، لأنها تابعة للولد، ولم يثبت نسبه بعد الموت، لعدم حاجته إلى ذلك، فلا يتبعه استيلاد الأم (وإن ماتت

стр. 744

الأم فادعى البائع الابن، وقد جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ يثبت النسب منه في الولد، وأخذه البائع، ويرد الثمن كله في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يرد حصة الولد، ولا يرد حصة الأم. ومن ادعى نسب أحد التوأمين ثبت نسبهما منه؛ والله أعلم. ــ الأم) وبقي الولد (فادعاه البائع، وقد) كانت (جاءت به لأقل من ستة أشهر) مذ بيعت (يثبت النسب منه في الولد، وأخذه البائع) ؛ لأن الولد هو الأصل في النسب، فلا يضره فوات التبع (ويرد الثمن كله في قول أبي حنيفة) ؛ لأنه تبين أنه باع أم ولده، وماليتها غير متقومة عنده في العقد والغصب؛ فلا يضمنها المشتري (وقال أبو يوسف ومحمد: يرد حصة الولد، ولا يرد حصة الأم) بأن يقسم الثمن على الأم وقيمة الولد، فما أصاب الولد رده البائع، وما أصاب الأم سقط عنه، لأن الثمن كان مقابلا بهما، وماليتها متقومة عندهما، فيضمنها المشتري. قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى الأئمة كالنسفي والمحبوبي والموصلي وصدر الشريعة. (ومن ادعى نسب أحد التوأمين) وهما ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر (ثبت نسبهما منه) ؛ لأنهما من ماء واحد، فمن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر؛ إذ لا يتصور علوق الثاني حادثا؛ لأنه لأجل أقل من ستة أشهر، هداية

стр. 745

كتاب الشهادات . - الشهادة: فرضٌ يلزم الشهود أداؤها، ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي. والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار، والستر أفضل، ــ كتاب الشهادات لا تخفى مناسبة الشهادة للدعوى وتأخيرها عنها. (الشهادة) لغة: خبر قاطع، وشرعا: أخبار صدق لإثبات حق، كما في الفتح. وشرطها: العقل الكامل، والضبط والولاية وركنها: لفظ "أشهد" وحكمها: وجوب الحكم على القاضي بموجبها إذا استوفت شرائطها. وأداؤها (فرض) على من علمها، بحيث (يلزم الشهود أداؤها، ولا يسعهم كتمانها) ، لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ وهذا (إذا طالبهم المدعي) بها لأنها حقه، فتتوقف على طلبه كسائر الحقوق، إلا إذا لم يعلم بها ذو الحق وخاف فوته لزمه أن يشهد بلا طلب كما في الفتح، ويجب الأداء بلا طلب لو الشهادة في حقوق الله تعالى، وهي كثيرة عد منها في الأشباه أربعة عشر، قال: ومتى أخر شاهد الحسبة شهادته بلا عذر فسق فترد شهادته، اهـ. وهذا كله في غير الحدود (و) أما (الشهادة في الحدود) فإنه (يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار) ، لأنه بين حسبتين: إقامة الحد، والتوقي عن الهتك (و) لكن (الستر أفضل) لقوله ﷺ للذي شهد عنده: (لو سترته بثوبك لكان خيراً لك)

стр. 746

إلا أنه يجب أن يشهد بالمال في السرقة فيقول "أخذ" ولا يقول "سرق". والشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا، يعتبر فيها أربعة من الرجال، ولا تقبل فيها شهادة النساء، ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص، تقبل فيها شهادة رجلين، ولا تقبل فيها شهادة النساء. ــ وقال ﵊: (من ستر على مسلم ستر الله تعالى عليه في الدنيا والآخرة) ، وفيما نقل من تلقين الدرء عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ دلالة ظاهرة على أفضلية الستر، هداية (إلا أنه يجب) عليه (أن يشهد بالمال في السرقة، فيقول: أخذ) المال، إحياء لحق المسروق منه (ولا يقول: سرق) صوناً ليد السارق عن القطع، فيكون جمعاً بين الستر والإظهار. (والشهادة على) أربع (مراتب) : الأولى: (منها الشهادة في الزنا، يعتبر فيها أربعة من الرجال) ، لقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ (ولا تقبل فيها شهادة النساء) ؛ لحديث الزهري: مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص، هداية. (و) الثانية: (منها الشهادة ببقية الحدود والقصاص، تقبل فيها شهادة رجلين) لقوله تعالى: ﴿فاستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (ولا تقبل فيها) أيضا (شهادة النساء) ، كما مر]

стр. 747

وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجلٍ وامرأتين، سواءٌ كان الحق مالا أو غير مالٍ مثل النكاح والطلاق والوكالة والوصية. وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضعٍ لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأةٍ واحدةٍ. ــ (و) الثالثة منها: (ما سوى ذلك) المذكور (من) بقية (الحقوق، تقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحق) المشهود به (مالا أو غير مال) وذلك (مثل النكاح والطلاق والوكالة والوصية) ؛ لأن الأصل فيها القبول؛ لوجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة - وهو المشاهدة والضبط والأداء - إذ بالأول يحصل العلم للشاهد، وبالثاني يبقى، وبالثالث يحصل العلم للقاضي؛ ولهذا يقبل إخبارها في الأخبار، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها، فلم يبق بعد ذلك إلا الشهادة؛ فلهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات، وعدم قبول الأربع على خلاف القياس كيلا يكثر خروجهن، هداية. (و) الرابعة: الشهادة على مالا يطلع عليه الرجال، كما عبر بقوله: (وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب) التي (بالنساء) إذا كانت (في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة) ؛ لقوله ﷺ (شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه) والجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس فيتناول الأقل، ولأنه إنما سقطت الذكورة ليخف النظر؛ لأن نظر الجنس أخف، فكذا يسقط اعتبار العدد، إلا أن المثنى والثلاث أحوط؛ لما فيه من معنى الإلزام كما في الهداية، ثم قال: وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة في حق الإرث؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال، إلا في حق الصلاة؛ لأنه من أمور الدين، وعنده تقبل في حق الإرث أيضا؛ لأنه صوت عند الولادة، ولا يحضرها الرجال عادة، فصار كشهادتهن على نفس الولادة، اهـ. ورجحه في الفتح

стр. 748

ولابد في ذلك كله من العدالة ولفظ الشهادة، فإن لم يذكر الشاهد لفظ الشهادة وقال أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته. وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة المسلم، إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود، وإن طعن الخصم فيهم ــ (ولابد في ذلك كله من العدالة) ، لقوله تعالى: ﴿فأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾ ولقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ولأن العدالة هي المعينة للصدق، لأن من يتعاطى غير الكذب قد يتعاطاه، وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان وجيهاً في الناس ذا مروءة تقبل شهادته؛ لأنه لا يستأجر لوجاهته، ويمتنع عن الكذب بمروءته، والأول أصح إلا أن القاضي لو قضى بشهادة الفاسق يصح، والمسألة معروفة، هداية (ولفظ الشهادة) لأن النصوص نطقت باشتراطها؛ إذ الأمر بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة تأكيد فإن قوله "أشهد" من ألفاظ اليمين، فكان الامتناع عن الكذب بهذا اللفظ أشد (فإن لم يذكر الشاهد لفظ الشهادة، وقال) عوضاً عنها (أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته) ؛ لما قلنا، قال في الهداية: وقوله "في ذلك كله" إشارة إلى جميع ما تقدم، حتى تشترط العدالة ولفظ الشهادة في شهادة النساء في الولادة وغيرها، هو الصحيح؛ لأنه شهادة، لما فيه من معنى الإلزام، حتى اختص بمجلس القضاء، ويشترط فيه الحرية والإسلام، اهـ. (وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة) الشاهد (المسلم) ولا يسأل عنه، إلا إذا طعن فيه الخصم، لقوله ﵊: "المسلمون عدولٌ بعضهم على بعض، إلا محدوداً في قذف" ولأن الظاهر الانزجار عما هو محرم في دينه، وبالظاهر كفاية، إذ لا وصول إلى القطع، هداية (إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل) فيها (عن الشهود) وإن لم يطعن الخصم؛ لأنه يحتال لإسقاطها فيشترط الاستقصاء فيها، لأن الشبهة فيها دارثة (وإن طعن الخصم فيهم) أي الشهود

стр. 749

سأل عنهم، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لابد أن يسأل عنهم في السر والعلانية وما يتحمله الشاهد على ضربين: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه، مثل البيع والإقرار والغصب والقتل، وحكم الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه ــ (سأل) القاضي (عنهم) ، لأنه تقابل الظاهران، فيسأل طلباً للترجيح، وهذا حيبث لم يعلم القاضي حالهم، أما إذا علمهم بجرح أو عدالة فلا يسأل عنهم، وتمامه في الملتقى (وقال أبو يوسف ومحمد: لابد) للقاضي من (أن يسأل عنهم في السر والعلانية) في سائر الحقوق، طعن الخصم فيهم أو لا، لأن الحكم إنما يجب بشهادة العدل، فوجب البحث عن العدالة، قال في الهداية: وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان، ومثله في الجواهر وشرح الإسبيجاني وشرح الزاهدي والينابيع، وقال الصدر الشهيد في الكبرى: والفتوى اليوم على قولهما، ومثله في شرح المنظومة للسديدي والحقائق وقاضيخان ومختار النوازل والاختيار والبرهاني وصدر الشريعة، وتمامه في التصحيح، وفي الهداية: ثم قيل: لابد أن يقول المعدل "هو عدل جائز الشهادة" لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفي بقوله "هو عدل"، لأن الحرية ثابتة بأصل الدار، وهذا أصح. (وما يتحمله الشاهد على ضربين) : (أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه) وذلك (مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم) ونحو ذلك مما يسمع أو يرى (فإذا سمع ذلك الشاهد) وهو مما يعرف بالسماع، مثل البيع والإقرار (أو رآه) فعله، وهو مما يعرف بالرؤية، كالغصب والقتل

стр. 750

وسعه أن يشهد به، وإن لم يشهد عليه، ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني. ومنه ما لا يثبت حكمه بنفسه، مثل الشهادة على الشهادة، فإن سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده، وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع السامع أن يشهد. ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة. ــ (وسعه أن يشهد به، وإن لم يشهد عليه) أي يتحمل تلك الشهادة، لأنه علم ما هو الموجب بنفسه وهو الركن في الأداء (ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني) ؛ لأنه كذب، قال في الهداية: ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد، ولو فسر القاضي لا يقبله؛ لأن النغمة تشبه النغمة، إلا إذا كان دخل البيت وعلم أنه ليس فيه أحد سواه ثم جلس على الباب وليس للبيت مسلك غيره فسمع إقرار الداخل ولا يراه، لأنه حصل العلم في هذه الصورة، اهـ. (و) الثاني (منه ما لا يثبت حكمه بنفسه) وذلك (مثل الشهادة على الشهادة) لأنها غير موجبة بنفسها، وإنما تصير موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، والنقل لابد له من تحمل؛ ليصير الفرع كالوكيل (فإذا سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن يشهد على شهادته) لعدم الإنابة (إلا أن يشهده) على شهادته ويأمره بأدائها ليكون نائباً عنه (وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته) ويأمره بأدائها (لم يسع السامع) له (أن يشهد) ، لأنه لم يحمله، وإنما حمل غيره. (ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة) ، لأن الخط يشبه الخط، فلم يحصل العلم، وهذا قول الإمام، وعليه مشى الأئمة الملتزمون للتصحيح، اهـ، وفي الدر: وجوز له لو في حوزه، وبه نأخذ. بحر عن الملتقى اه

стр. 751

ولا تقبل شهادة الأعمى، ولا المملوك، ولا المحدود في قذف وإن تاب، ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده، ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده. ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر. ــ (ولا تقبل شهادة الأعمى) ؛ لأن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة، والنغمة تشبه النغمة، ولو عمي بعد الأداء يمتنع القضاء عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن قيام الأهلية شرط وقت القضاء، لصيرورتها حجة عنده، وصار كما إذا خرس أو جن أو فسق، بخلاف ما إذا مات أو غاب؛ لأن الأهلية بالموت انتهت وبالغيبة ما بطلت كما في الهداية (ولا المملوك) لمالكه وغيره؛ لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي نفسه، فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره (ولا المحدود في قذف وإن تاب) ؛ لأن رد شهادته من تمام حده بالنص، والاستثناء منصرف لما يليه، وهو: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ . قال في الهداية: ولو حد الكافر في قذف ثم أسلم تقبل شهادته، لأن للكافر شهادة، فكان ردها من تمام الحد، وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى، بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق، لأنه لا شهادة للعبد أصلا، فتمام حده برد شهادته بعد العتق، اهـ. (ولا شهادة الوالد) وإن علا (لولده وولد ولده) وإن سفل (ولا شهادة الولد) وإن سفل (لأبويه وأجداده) وأن علوا؛ لأن المنافع بين الآباء والأولاد متصلة ولذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم، فتكون شهادة لنفسه من وجه، ولتمكن التهمة. (ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر) ؛ لأن الانتفاع متصل عادة،

стр. 752

ولا شهادة المولى لعبده ولا لمكاتبه، ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما. وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه. ولا تقبل شهادة مخنث، ولا نائحة، ولا مغنيةٍ، ولا مدمن الشرب على اللهو، ولا من يلعب بالطيور ــ وهو المقصود، فيصير شاهداً لنفسه من وجه، ولوجود التهمة (ولا شهادة المولى لعبده) لأنه شهادة لنفسه من كل وجه إذا لم يكن على العبد دين، أو من وجه إذا كان عليه دين، لأن الحال موقوف مراعي، هداية (ولا لمكاتبه) لما قلنا (ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما) ، لأنها شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما، ولو شهد بما ليس من شركتهما تقبل لانتفاء التهمة. (وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه) ، لانعدام التهمة، فإن الأملاك ومنافعها متباينة، ولا بسوطة لبعضهم في مال بعض. (ولا تقبل شهادة مخنث) بالفتح - من يفعل الردئ ويؤتى كالنساء، لأنه فاسق، فأما الذي في كلامه لين وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة كما في الهداية، (ولا) شهادة (نائحة) في مصيبة غيرها بأجر، درر وفتح (ولا مغنية) ولو لنفسها لحرمة رفع صوتها، خصوصاً مع الغناء (ولا مدمن الشرب) لغير الخمر من الأشربة (على اللهو) لحرمة ذلك. قيد بالإدمان ليكون ذلك ظاهراً منه، لأنه لا يخرج عن العدالة إلا إذا كان يظهر منه ذلك، وقيد باللهو لأنه لو شرب للتداوي لا تسقط عدالته لشبهة الاختلاف كما في صدر الشريعة، وقيدنا بغير الخمر لأن شرب الخمر يسقط العدالة ولو قطرة ولو بغير لهو (ولا) شهادة (من يلعب بالطيور) ، لأنه يورث غفلة،

стр. 753

ولا من يغني للناس، ولا من يأتي باباً من الكبائر التي يتعلق بها الحد، ولا من يدخل الحمام بغير إزار؛ أو يأكل الربا، ولا المقامر بالنرد والشطرنج، ولا من يفعل الأفعال المستخفة كالبول على الطريق، والأكل على الطريق. ــ ولأنه قد يقف على عورات النساء بصعود سطحه ليطير طيره، وفي بعض النسخ "ولا من يلعب بالطنبور" وهو المغني، هداية. (ولا من يغني للناس) ؛ لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة، هداية. وأما من يغني لنفسه لدفع وحشة فلا بأس به عند العامة، عناية، وصححه العيني وغيره (ولا من يأتي باباً من الكبائر التي يتعلق بها الحد) كالزنا والسرقة ونحوهما؛ لأنه يفسق (ولا من يدخل الحمام بغير إزار) ؛ لأن كشف العورة حرام إذا رآه غيره (و) لا (من يأكل الربا) قال في الهداية: وشرط في الأصل أن يكون مشهوراً به؛ لأن الإنسان قلما ينجو من مباشرة العقود الفاسدة، وكل ذلك رباً. (و) لا (المقامر بالنرد) ويقال: النردشير، ويعرف الآن بالزهر (والشطرنج) ؛ لأن كل ذلك من الكبائر. قال في صدر الشريعة: قيد المقامرة بالنرد وقع اتفاقاً، وفي الذخيرة: من يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال، اهـ. وفي القهستاني: لاعب النرد بلا قمار لم تقبل شهادته بلا خلاف، بخلاف لاعب الشطرنج؛ فإنه يقبل إلا إذا وجد واحد من ثلاثة: أي المقامرة، وفوت الصلاة، وبإكثار الحلف عليه بالكذب، اهـ؛ وزاد في الإشباه: أن يلعب به على الطريق؛ أو يذكر عليه فسقا. (ولا) تقبل أيضاً شهادة (من يفعل الأفعال المستخفة) مما يخل بالمروءة (كالبول على الطريق، والأكل على الطريق) ؛ لأنه تارك للمروءة، وإذا كان

стр. 754

ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف، وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعضٍ وإن اختلفت مللهم، ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي. ــ لا يستحي عن مثل ذلك لا يمتنع عن الكذب فيتهم، هداية. قال في الفتح: ومنه كشف عورته ليستنجي من جانب البركة والناس حضور؛ وقد كثر في زماننا، اهـ. (ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف) ؛ لظهور فسقه، بخلاف من يخفيه، لأنه فاسق مستور، عيني. قال في المنح: وإنما قيدنا بالسلف تبعاً لكلامهم. وإلا فالأولى أن يقال سب مسلم لسقوط العدالة بسب المسلم وإن لم يكن من السلف، كما في السراج والنهاية، اهـ. (وتقبل شهادة أهل الأهواء) : أي أصحاب بدع لا تكفر كجبر وقدر ورفض وخروج وتشبيه وتعطيل، وكل فرقة من هذه الفرق الستة اثنتا عشرة فرقة (إلا الخطابية) فرقة من الروافض يرون الشهادة لشيعتهم ولكل من حلف أنه محق. فردهم لا لبدعتهم بل لتهمة الكذب، ولم يبق لمذهبهم ذكر، بحر (وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض) إذا كانوا عدولا في دينهم، جوهرة؛ لأنهم من أهل الولاية على أنفسهم وأولادهم الصغار، فيكونون من أهل الشهادة على جنسهم (وإن اختلفت مللهم) كاليهود والنصارى، قال في الهداية: لأن ملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر، فلا يحملهم الغيظ على التقول، اهـ. (ولا تقبل شهادة الحربي) المستأمن (على الذمي) ؛ لأنه لا ولاية له عليه، لأن الذمي من أهل ديارنا، وهو أعلى حالا منه، وتقبل شهادة الذمي عليه كشهادة المسلم عليه وعلى الذمي؛ وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا أهل دار واحدة، وتمامه في الهداية

стр. 755

وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يحتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصيةٍ. وتقبل شهادة الأقلف، والخصي، وولد الزنا، وشهادة الخنثى جائزةٌ. وإذا وافقت الشهادة الدعوى قبلت، وإن خالفتها لم تقبل، ــ (وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات) يعني الصغائر، جوهرة (والرجل ممن يجتنب الكبائر) ويتباعد عنها (قبلت شهادته) قال في الجوهرة: هذا هو العدالة المعتبرة؛ إذ لابد من توقي الكبائر كلها، وبعد توقيها يعتبر الغالب: فمن كثرت معاصيه أثر ذلك في شهادته. ومن ندرت منه المعصية قبلت شهادته؛ لأن في اعتبار اجتنابه الكل سد باب الشهادة، وهو مفتوح إحياء للحقوق. اهـ. وفي الهداية والمجتبى ومختارات النوازل: هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة (وإن ألم بمعصية) ؛ لأن كل واحد من سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يخلو من ارتكاب خطيئة، فلو وقفت الشهادة على من لا ذنب له أصلا لتعذر وجوده أصلا، فاعتبر الأغلب، وحاصله: أن من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة سقطت عدالته، كما في الجوهرة. (وتقبل شهادة الأقلف) ؛ لأنه لا يخل بالعدالة؛ إلا إذا تركه استخفافاً بالدين؛ لأنه لم يبق بهذا الصنيع عدلا، هداية (والخصي) ؛ لأنه قطع عضو منه ظلماً، فصار كما إذا قطعت يده (وولد الزنا) إذا كان عدلا؛ لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد، (وشهادة الخنثى جائزة) ؛ لأنه رجل أو امرأة، وشهادة الجنسين مقبولة، إلا أنه كأنثى. (وإذا وافقت الشهادة الدعوى) لفظاً ومعنى، أو معنى فقط (قبلت) لذلك الشهادة (وإن خالفتها) : أي خالفت الشهادة الدعوى لفظاً ومعنى (لم تقبل) تلك الشهادة؛ لأن تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبول الشهادة، وقد وجدت فيما يوافقها

стр. 756

ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة، فإن شهد أحدهما بألفٍ والآخر بألفين لم تقبل الشهادة، وإن شهد أحدهما بألفٍ والآخر بألف وخمسمائةٍ والمدعي يدعي ألفاً وخمسمائةٍ قبلت شهادتهما بألفٍ. وإذا شهد أحدهما بألفٍ وقال: قضاه منها ــ وانعدمت فيما يخالفها، هداية (ويعتبر) : أي يشترط (اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى) جميعاً، بطريق الوضع لا التضمن (عند أبي حنيفة) وعندهما يكتفي بالموافقة المعنوية (فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين) والمدعي يدعي الألفين (لم تقبل الشهادة) عنده، لاختلافهما لفظاً، وذلك يدل على اختلاف المعنى، لأنه يستفاد باللفظ وذلك لأن الألف لا يعبر به عن الألفين، بل هما جملتان متباينتان، فصار كما إذا اختلف جنس المال، وعندهما تقبل على الألف لأنهما اتفقا على الأصل، وتفرد أحدهما بالزيادة، فيثبت ما اجتمعا عليه فصار كالألف والألف والخمسمائة، وعلى هذا المائة والمائتان والطلقة والطلقتان، قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى الأئمة المصححون، تصحيح. قيدنا بدعوى الألفين، لأنه إذا ادعى المدعي الألف لا تقبل الشهادة بالإجماع (وإن شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة والمدعي يدعي ألفاً وخمسمائة قبلت شهادتهما بألف) اتفاقاً، لاتفاق الشاهدين عليها لفظاً ومعنى، لأن الألف والخمسمائة جملتان عطفت إحداهما على الأخرى، والعطف يقرر الأول، ونظيره الطلقة والطلقة والنصف، والمائة والمائة والخمسون، بخلاف الخمسة والخمسة عشر، لأنه ليس بينهما حرف العطف فهو نظير الألف والألفين، هداية. (وإذا شهد أحدهما بألف وقال) في شهادته: لكنه قد (قضاه منها

стр. 757

خمسمائة" قبلت شهادته بألفٍ، ولم يسمع قوله إنه قضاه إلا أن يشهد معه آخر، وينبغي للشاهد إذا علم ذلك أن لا يشهد بألفٍ حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائةٍ. وإذا شهد شاهدان أن زيداً قتل يوم النحر بمكة وشهد آخران أنه قتل يوم النحر بالكوفة واجتمعوا عند الحاكم لم يقبل الشهادتين، فإن سبقت إحداهما فقضي بها ثم حضرت الأخرى لم تقبل، ولا يسمع القاضي الشهادة على جرحٍ ــ خمسمائة قبلت شهادته بألف) لاتفاقهما عليه (ولم يسمع قوله إنه قضاه) ؛ لأنها شهادة فرد (إلا أن يشهد معه آخر) ليتم نصاب الشهادة (وينبغي للشاهد إذا علم ذلك) أي علم قضاء المديون وخشي إنكار المدعي لما قبضه (أن لا يشهد) له (بألف حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائة) كيلا يصير معيناً على الظلم. (وإذا شهد شاهدان أن زيدا قتل يوم النحر) من هذا العام مثلا (بمكة، وشهد) شاهدان (آخران أنه قتل يوم النحر) من هذا العام (بالكوفة واجتمعوا) : أي الشهود كلهم (عند الحاكم لم يقبل) الحاكم (الشهادتين) للتيقن بكذب إحداهما، وليست إحداهما بأولى من الأخرى. (فإن سبقت إحداهما وقضى بها ثم حضرت الأخرى لم تقبل) الثانية؛ لأن الأولى قد ترجحت باتصال القضاء بها؛ فلا تنتقض بالثانية. (ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح) الشهود، بأن ادعى المدعى عليه أن

стр. 758

ولا يحكم بذلك. ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيءٍ لم يعاينه، إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به. ــ شهود المدعي فسقة أو مستأجرون وأقام بينة على ذلك، فإن القاضي لا يلتفت إليها (ولا يحكم بذلك) ولكن يسأل عنهم سراً وعلانية، فإن ثبتت عدالتهم قبلت شهادتهم، وإلا لا. (ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه) ؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك بالعلم، ولم يحصل (إلا النسب، والموت، والنكاح، والدخول، وولاية القاضي؛ فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به) استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها الخواص من الناس، ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون والأعوام، فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام، قال في الهداية: وإنما يجوز للشاهد أن يشهد بالاشتهار، وذلك بالتواتر أو إخبار من يثق به، كما قال في الكتاب. ويشترط أن يخبره رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان، ليحصل له نوع من العلم، وقيل في الموت: يكتفي بإخبار واحد أو واحدة، لأنه قل ما يشاهد حاله غير الواحد. ثم قال: وينبغي أن يطلق أداء الشهادة، أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته، كما أن معاينة اليد في الأملاك تطلق فيه الشهادة ثم إذا فسر لا تقبل كذا هذا، ثم قصر الاستثناء في الكتاب على هذه الأشياء ينفي اعتبار التسامع في الولاء والوقف، وعن أبي يوسف آخرا أنه يجوز في الولاء، لأنه بمنزلة النسب،

стр. 759

والشهادة على الشهادة جائزةٌ في كل حقٍ لا يسقط بالشبهة، ولا تقبل في الحدود والقصاص. وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين، ولا تقبل شهادة واحدٍ على شهادة واحدٍ. وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي أني أشهد أن ــ وعن محمد يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مر الأعصار، إلا أنا نقول: الولاء يبتنى على زوال الملك، ولابد فيه من المعاينة، فكذا فيما يبتنى عليه، وأما الوقف فالصحيح أنه تقبل الشهادة بالتسامع في أصله دون شرائطه؛ لأن أصله هو الذي يشتهر، اهـ. (والشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة) قال في الهداية: وهذا استحسان؛ لشدة الحاجة إليها؛ إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض، فلو لم تجز الشهادة على شهادته أدى إلى تواء الحقوق، ولهذا جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت، إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية، أو من حيث إن فيها زيادة احتمال، وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود (و) لذا (لا تقبل في الحدود والقصاص) لأنها تسقط بالشبهة. (وتجوز شهادة شاهدين) أو رجل وامرأتين (على شهادة شاهدين) ؛ لأن نقل الشهادة من جملة الحقوق، وقد شهدا بحق، ثم بحق آخر، فتقبل؛ لأن شهادة الشهادتين على حقفين جائزة (ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد) ؛ لأن شهادة الفرد لا تثبت الحق. (وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل) مخاطبا (لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي) لأن الفرع كالنائب عنه، فلابد من التحميل والتوكيل كما مر (أني أشهد أن

стр. 760

فلان ابن فلان أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه، وإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز، ويقول شاهد الفرع عند الأداء: أشهد أن فلان ابن فلانٍ أشهدني على شهادته أنه يشهد أن فلاناً أقر عنده بكذا وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك. ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيامٍ فصاعداً ــ فلان ابن فلان) الفلاني (أقر عندي بكذا وأشهدني) به (على نفسه) ؛ لأنه لابد أن يشهد شاهد الأصل عند الفرع كما يشهد عند القاضي لينقله إلى مجلس القضاء (وإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز) ، لأن من سمع إقرار غيره حل له الشهادة وإن لم يقل له اشهد (ويقول شاهد الفرع) عند الأداء لما تحمله: (أشهد أن فلاناً أشهدني على شهادته أنه يشهد أن فلاناً أقر عنده بكذا، وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك) ، لأنه لابد من شهادته، وذكر شهادة الأصل، وذكر التحميل، ولها لفظ أطول من هذا وأقصر منه، وخير الأمور أوسطها، هداية. قال في الدر: والأقصر أن يقول الأصل: اشهد على شهادتي بكذا، ويقول الفرع: أشهد على شهادته بكذا، وعليه فتوى السرخسي وغيره، ابن كمال، وهو الأصح كما في القهستاني عن الزاهدي، اهـ. (ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن) يتعذر حضور شهود الأصل، وذلك بأن (يموت شهود الأصل) عند الأداء (أو يغيبوا مسيرة) سفر (ثلاثة أيام فصاعدا) قال في الدر: واكتفى الثاني بغيبته بحيث يتعذر أن يبيت بأهله، واستحسنه غير واحد، وفي القهستاني والسراجية: وعليه الفتوى، وأقره المصنف، اه

стр. 761

أو يمرضوا مرضاً لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم، وإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز، وإن سكتوا عن تعديلهم جاز، وينظر القاضي في حالهم، وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة شهود الفرع. وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهره في السوق. ــ (أو يمرضوا مرضاً) قوياً، بحيث (لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم) ؛ لأن جوازها للحاجة، وإنما تمس عند عجز الأصل، وبهذه الأشياء يتحقق العجز. (فإن عدل شهود الأصل) بالنصب على المفعولية (شهود الفرع) بالرفع فاعل "عدل" (جاز) ؛ لأنهم من أهل التزكية، وكذا إذا شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر صح، لما قلناه، هداية. (وإن سكتوا عن تعديلهم جاز) أيضا (وينظر القاضي في حالهم) أي حال الأصول، كما إذا حضروا بأنفسهم وشهدوا، قال في التصحيح: وهذا عند أبي يوسف، وعليه مشى الأئمة المصححون، وقال محمد: لا تقبل، اهـ. (وإن أنكر شهود الأصل الشهادة) بأن قالوا: مالنا شهادة على هذه الحادثة، وماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع يشهدون على شهادتهم كما في الكافي، وكذا لو أنكروا التحميل، بأن قالوا: لم نشهدهم على شهادتنا، وماتوا أو غابوا كما في الزيلعي (لم تقبل شهادة شهود الفرع) ، لأن التحميل شرط، وقد فات للتعارض بين الخبرين. (وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهره في السوق) بأن يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا، أو إلى قومه إن كان غيره سوقي، بعد العصر أجمع ما كانوا، ويقول المرسل

стр. 762

ولا أعزره، وقال أبو يوسف ومحمد: نوجعه ضرباً ونحبسه. كتاب الرجوع عن الشهادة . - إذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت، وإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ ــ معه: إن وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس، كما نقل عن القاضي شريح (ولا أعزره) بالضرب؛ لأن المقصود الانزجار، وهو يحصل بالتشهير، بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب، فيكتفي به (وقال أبو يوسف ومحمد: نوجعه ضرباً ونحبسه) حتى يحدث توبة. قال في التصحيح: وعلى قول أبي حنيفة مشى النسفي والبرهاني وصدر الشريعة، اهـ. ثم شهد شاهد الزور هو المقر على نفسه بذلك؛ إذ لا طريق إلى إثباته بالبينة، لأنه نفي للشهادة، والبينات للإثبات، وقيل: هو أن يشهد بقتل رجل ثم يجئ المشهود بقتله حيا حتى يثبت كذبه بيقين، أما إذا قال: "أخطأت في الشهادة " أو "غلطت" لا يعزر، جوهرة. كتاب الرجوع عن الشهادة هو بمنزلة الباب من كتاب الشهادات؛ لأنه مندرج تحت أحكام الشهادات. (إذا رجع الشهود عن شهادتهم) بأن قالوا: رجعنا عما شهدنا به، ونحوه، بخلاف الإنكار؛ فإنه لا يكون رجوعاً، وكان ذلك (قبل الحكم بها) أي بالشهادة (سقطت) شهادتهم؛ لأن الحق إنما يثبت بالقضاء، والقاضي لا يقضي بكلام متناقض، ولا ضمان عليهما؛ لأنهما ما أتلفا شيئاً: لا على المدعي، ولا على المشهود عليه، هداية. (وإن) كان (حكم بشهادتهم ثم رجعوا، لم يفسخ

стр. 763

الحكم، ووجب عليهم ضمان ما أتلفوه بشهادتهم، ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم. وإذا شهد شاهدان بمالٍ فحكم الحاكم به ثم رجعا ضمنا المال المشهود عليه، وإن رجع أحدهما ضمن النصف، وإن شهد بالمال ثلاثةٌ فرجع أحدهم فلا ضمان عليه، ــ الحكم) ؛ لأن آخر كلامهم يناقض أوله، فلا ينقض الحكم بالمتناقض، ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به (ووجب عليهم) أي الشهود (ضمان ما أتلفوه بشهادتهم) ؛ لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان، لأن رجوعهم يتضمن دعوى بطلان القضاء، ودعوى إتلاف المال على المشهود عليه بشهادتهم؛ فلا يصدقون في حق القضاء، ويصدقون بسبب الضمان. (ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم) ولو غير الأول؛ لأنه فسخ للشهادة، فيختص بما تختص به الشهادة من المجلس، وهو مجلس القاضي كما في الهداية. (وإذا شهد شاهدان بمال فحكم الحاكم به ثم رجعا) عن الشهادة عند الحاكم (ضمنا المال) المشهود به (للمشهود عليه) ؛ لأن السبب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر، وقد تسببا للاتلاف تعديا مع تعذر تضمين المباشر - وهو القاضي - لأنه كالملجأ إلى القضاء (وإن رجع أحدهما ضمن النصف) والأصل: أن المعتبر في هذا بقاء من بقي، لا رجوع من رجع، وقد بقي من يتقي بشهادته نصف الحق. (وإن شهد بالمال ثلاثة) من الرجال (فرجع أحدهم فلا ضمان عليه)

стр. 764

فإن رجع آخر ضمن الراجعان نصف المال. وإن شهد رجلٌ وامرأتان فرجعت امرأةٌ ضمنت ربع الحق وإن رجعتا ضمنتا نصف الحق، وإن شهد رجلٌ وعشر نسوةٍ ثم رجع ثمان منهن فلا ضمانٌ عليهن، وإن رجعت أخرى كان على النسوة ربع الحق، فإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق، وعلى النسوة خمسة أسداس الحق عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: على الرجل النصف وعلى النسوة النصف. ــ لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق (فإن رجع آخر ضمن الراجعان نصف المال) لأنه ببقاء أحدهم يبقى نصف الحق. (وإن شهد رجل وامرأتان، فرجعت امرأة ضمنت ربع الحق) لبقاء ثلاثة الأرباع ببقاء من بقي (وإن رجعتا) أي المرأتان (ضمنتا نصف الحق) ؛ لأن بشهادة الرجل الباقي يبقى نصف الحق. (وإن شهد رجل وعشر نسوة ثم رجع ثمان منهن، فلا ضمان عليهن) ، لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق (فإن رجعت) امرأة (أخرى كان على النسوة) الراجعين (١) من حق العربية أن يقول "الراجعات" (ربع الحق) لأنه بقي النصف بشهادة الرجل، والربع بشهادة الباقية (فإن رجع الرجل والنساء) جميعاً (فعلى الرجل سدس الحق، وعلى النسوة خمسة أسداس الحق عند أبي حنيفة) ، لأن كل امرأتين قامتا مقام رجل واحد، فصار كما إذا شهد بذلك ستة رجال ثم رجعوا جميعاً، وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصف، وعلى النسوة النصف)

стр. 765

وإن شهد شاهدان على امرأةٍ بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما، وكذلك إن شهدا على رجلٍ بتزوج امرأةٍ بمقدار مهر مثلها وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمناً الزيادة. وإن شهدا ببيعٍ بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا، وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان وإن شهدا على رجلٍ أنه طلق امرأته قبل الدخول ثم رجعا ضمنا نصف المهر ــ لأنهن - وإن كثرن - يقمن مقام رجل واحد؛ ولهذا لا تقبل شهادتهن إلا بانضمام رجل، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما] . (وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح) على مهر (بمقدار مهر مثلها) أو أقل أو أكثر (ثم رجعا فلا ضمان عليهما) ؛ لأن منافع البضع غير متقومة عند الإتلاف؛ لأن التضمين يستدعي المماثلة، ولا مماثلة بين البضع والمال، وإنما تتقوم على الزوج عند التملك ضرورة الملك إظهارا لخطر المحل (وكذلك إن شهدا على رجل بتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها) ، لأنه إتلاف بعوض، لأن البضع متقوم حالة الدخول في الملك كما سبق، والإتلاف بعوض كالإتلاف (فإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمنا الزيادة) لإتلافها الزيادة من غير عوض. (وإن شهدا) على بائع (ببيع) شيء (بمثل القيمة أو أكثر، ثم رجعا لم يضمنا) ؛ لأنه ليس بإتلاف معنى نظرا إلى العوض (وإن كان) ما شهدا به (بأقل من القيمة ضمنا النقصان) لإتلافهما هذا الجزء بلا عوض. (وإن شهدا على رجل أنه طلق امرأته) وكان ذلك (قبل الدخول) بها (ثم رجعا ضمنا نصف المهر) ؛ لأنهما قررا عليه مالا كان على شرف السقوط

стр. 766

فإن كان بعد الدخول لم يضمنا. وإن شهدا أنه أعتق عبده ثم رجعا ضمنا قيمته. وإن شهدا بقصاصٍ ثم رجعا بعد القتل ضمنا الدية، ولا يقتص منهما وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا. وإن رجع شهود الأصل وقالوا "لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا" فلا ضمان عليهم، وإن قالوا "أشهدناهم وغلطنا" ضمنوا، ــ بمجئ الفرقة من قبلها (وإن كان) ذلك (بعد الدخول) بها (لم يضمنا) شيئا؛ لأن المهر تأكد بالدخول، والبضع عند الخروج عن الملك لا قيمة له كما مر، فلا يلزم بمقابلته شيء. (وإن شهدا) على رجل (أنه أعتق عبده ثم رجعا ضمنا قيمته) ، لإتلافهما مالية العبد من غير عوض، والولاء للمعتق، لأن العتق لا يتحول إليهما بهذا الضمان، فلا يتحول الولاء، هداية. (وإن شهدا بقصاص ثم رجعا بعد القتل ضمنا الدية) في مالهما في ثلاث سنين؛ لأنهما معترفان، والعاقلة لا تعقل الاعتراف (ولا يقتص منهما) ، لأنهما لم يباشرا القتل ولم يحصل منهما إكراه عليه. (وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا) ما أتلفوه بشهادتهم، لأن الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم، فكان التلف مضافا إليهم (وإن رجع شهود الأصل) بعد القضاء (وقالوا: لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا، فلا ضمان عليهم) لأنهم أنكروا السبب، ولا يبطل القضاء، لتعارض الخبرين. أما إذا كان قبل القضاء فإنها تبطل شهادة الفرع، لإنكار شهود الأصل التحميل، ولابد منه (وإن قالوا: أشهدناهم و) لكن (غلطنا ضمنوا) قال في الهداية: وهذا عند محمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا ضمان عليهم، لأن القضاء وقع بشهادة

стр. 767

وإن قال شهود الفرع "كذب شهود الأصل" أو "غلطوا في شهادتهم" لم يلتفت إلى ذلك. وإذا شهد أربعةٌ بالزنا وشاهدان بالإحصان فرجع شهود الإحصان لم يضمنوا، وإذا رجع المزكون عن التزكية ضمنوا. ــ الفروع؛ لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة، وهي شهادتهم، وله أن الفروع نقلوا شهادة الأصول، فصار كأنهم حضروا، اهـ. قال في الفتح: وقد أخر المصنف دليل محمد، وعادته أن يكون المرجح عنده ما أخره، اهـ. وفي الهداية: ولو رجع الأصول والفروع جميعا يجب الضمان عندهما على الفروع لا غير؛ لأن القضاء وقع بشهادتهم، وعند محمد المشهود عليه بالخيار: إن شاء ضمن الأصول، وإن شاء ضمن الفروع، وتمامه فيها (وإن قال شهود الفرع) بعد القضاء بشهادتهم: (كذب شهود الأصل، أو غلطوا في شهادتهم، لم يلتفت إلى ذلك) ، لأن ما أمضى من القضاء لا ينقض بقولهم، ولا يجب الضمان عليهم، لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم، وإنما شهدوا بالرجوع على غيرهم. (وإذا شهد أربعة بالزنا وشاهدان بالإحصان، فرجع شهود الإحصان) عن شهادتهم (لم يضمنوا) ؛ لأن الحكم يضاف إلى السبب - وهو منا الزنا - بخلاف الإحصان، فإنه شرط كالبلوغ، والعقل والإسلام، وهذه المعاني لا يستحق عليهما العقاب، وإنما يستحق العقاب بالزنا، وتمامه في الجوهرة. (وإذا رجع المزكون عن التزكية ضمنوا) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمنون؛ لأنهم أثنوا على الشهود، فصاروا كشهود الإحصان؛ وله أن التزكية إعمال للشهادة، إذ القاضي لا يعمل بها إلا بالتزكية فصار في معنى علة العلة، بخلاف شهود الإحصان، لأنه شرط محض. قال جمال الإسلام في شرحه: والصحيح قول الإمام، واعتمده البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، تصحيح

стр. 768

وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود اليمين خاصة. كتاب أدب القاضي . - لا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولي شرائط الشهادة ــ (وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان) آخران (بوجود الشرط، ثم رجعوا) جميعاً (فالضمان على شهود اليمين خاصة) ؛ لأنه هو السبب، والتلف يضاف إلى مثبتي السبب دون الشرط المحض، ألا يرى أن القاضي يقضي بشهادة اليمين دون شروط الشرط، ولو رجع شهود الشرط وحدهم اختلف المشايخ فيه، اهـ هداية. وفي العيني لا ضمان عليهم على الصحيح. كتاب أدب القاضي مناسبته للشهادات، وتعقيبه لهاظاهرة من حيث إن القضاء يتوقف على الشهادة غالبا، قال في الجوهرة: الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. واعلم أن القضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين، تجب العناية به، لأن بالناس إليه حاجة عظيمة، اهـ. (ولا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولى) بفتح اللام - اسم مفعول، وعدل عن الضمير إلى الظاهر ليكون فيه دلالة على تولية غيره له بدون طلبه، وهو الأولى للقاضي كما في الكفاية (شرائط الشهادة) لأن حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة، لأن كل واحد منهما من باب الولاية، فكل من كان أهلا للشهادة يكون أهلا للقضاء، وما يشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء، والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح، إلا أنه ينبغي أن يقلد كما في حكم الشهادة، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقبل شهادته، ولو قبل جاز عندنا، ولو كان عدلا ففسق

стр. 769

ويكون من أهل الاجتهاد، ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق أنه يؤدي فرضه، ويكره الدخول فيه لمن يخاتف العجز عنه، ولا يأمن على نفسه الحيف فيه. ــ بأخذ الرشوة أو غيرها لا ينعزل ويستحق العزل، وهذا هو ظاهر المذهب، وعليه مشايخنا، وقال بعض المشايخ: إذا قلد الفاسق ابتداء يصح، ولو قلد وهو عدل ينعزل بالفسق؛ لأن المقلد اعتمد عدالته فلم يكن راضيا بتقليده دونها، هداية. (ويكون) بالنصب - عطفاً على "يجتمع" (من أهل الاجتهاد) قال في الهداية: والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية، فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، لأنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره، ومقصود القضاء يحصل به وهو إيصال الحق إلى مستحقه، ولكن ينبغي للمقلد أن يختار من هو الأقدر والأولى، لقوله ﷺ : (من قلد إنساناً عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين) وفي حد الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه. وحاصله: أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه، ليعرف معاني الآثار، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث، لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: أن يكون مع ذلك صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس، لأن من الأحكام ما يبتنى عليها، اهـ. (ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه) أي يعلم من نفسه (أنه يؤدي فرضه) وهو الحكم على قاعدة الشرع، قال في الجوهرة: وقد دخل فيه قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أحوط وأسلم للدين والدنيا؛ لما فيه من الخطر العظيم والأمر المخوف. (ويكره الدخول فيه لمن خاف العجز عنه) أي عن القيام به على الوجه المشروع (ولا يأمن على نفسه الحيف فيه) أي الظلم، قال في الهداية: وكره

стр. 770

ولا ينبغي أن يطلب الولاية ولا يسألها. ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي قبله، وينظر في حال المحبوسين، فمن اعترف ــ بعضهم الدخول فيه مختارا؛ لقوله ﷺ : (من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين) ، والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعاً في إقامة العدل، والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه فلا يوفق له، أو لا يعينه غيره، ولابد من الإعانة، إلا إذا كان هو الأهل للقضاء دون غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد، صيانة لحقوق العباد، وإخلاء للعالم عن الفساد، اهـ. (ولا ينبغي) للإنسان (أن يطلب الولاية) بقلبه (ولا يسألها) بلسانه، لقوله ﷺ : (من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل عليه ملكٌ يسدده) . ثم يجوز التقليد من السلطان العادل والجائر ولو كان كافراً كما في الدر عن مسكين وغيره، إلا إذا كان لا يمكنه من القضاء بالحق؛ لأن المقصود لا يحصل بالتقليد] . (ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي) كان (قبله) وهي الخرائط التي فيها السجلات وغيرها، لأنها وضعت فيها لتكون حجة عند الحاجة، فتجعل في يد من له ولاية القضاء، فيبعث أمينين ليقبضاها بحضرة المعزول أو أمينه، ويسألانه شيئاً فشيئاً، ويجعلان كل نوع منها في خريطة كيلا تشتبه على المولى، وهذا السؤال لكشف الحال، لا للالزام، هداية. (وينظر في حال المحبوسين) لأنه جعل ناظراً للمسلمين (فمن اعترف

стр. 771

بحقٍ إلزمه إياه، ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينةٍ، وإن لم تقم بينةٌ لم يعجل بتخليته حتى ينادي عليه ويستظهر في أمره. وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف، فيعمل على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده. ولا يقبل قول المعزول إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها. ويجلس الحاكم جلوساً ظاهراً في المسجد. ــ بحق ألزمه إياه) عملا بإقرار (ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينة) لأنه بالعزل التحق بالرعايا، وشهادة الفرد ليست بحجة، ولاسيما إذا كان على فعل نفسه، هداية. (فإن لم تقم) عليه (بينة لم يعجل بتخليته) بل يتمهل (حتى ينادى عليه) بالمجامع والأسواق بقدر ما يرى (ويستظهر في أمره) ؛ لأن فعل المعزول حق ظاهر، فلا يعجل بتخليته، كيلا يؤدي إلى إبطال حق الغير. (وينظر في الودائع) التي وضعها المعزول في أيدي الأمناء (وارتفاع الوقوف) أي غلاتها (فيعمل على) حسب (ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده) لأن كل واحد منهما حجة (ولا يقبل) عليه (قول المعزول) لما مر (إلا أن يعترف الذي هو في يده أن) القاضي (المعزول سلمها) أي الودائع أو الغلات (إليه فيقبل قوله) أي المعزول (فيها) لأنه ثبت بإقرار ذي اليد أن اليد كانت للمعزول فيصح إقراره كأنه في يده في الحال. (ويجلس) القاضي (للحكم جلوساً ظاهراً في المسجد) ويختار مسجدا

стр. 772

ولا يقبل هديةً إلا من ذي رحمٍ محرمٍ، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته. ولا يحضر دعوةً إلا أن تكون عامةً، ويشهد الجنازة، ويعود المريض. ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه، وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال، ــ في وسط البلد تيسيراً على الناس، والمسجد الجامع أولى، لأنه أشهر. (ولا يقبل هدية) من أحد (إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل) تقلد (القضاء بمهاداته) قال في الهداية: لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جريٌ على العادة، وفيما وراء ذلك يكون آكلا بقضائه حتى لو كانت للقريب خصومة لا يقبل هديته، وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة؛ لأنه لأجل القضاء فيتحاماه، اهـ. (ولا يحضر دعوة إلا أن تكون) الدعوة (عامة) لأن الخاصة مظنة التهمة، بخلاف العامة (ويشهد الجنازة، ويعود المريض) لأن ذلك من حقوق المسلمين. (ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه) لما فيه من التهمة، وفي التقييد بأحد الخصمين إشارة إلى أنه لا بأس بإضافتهما معاً (وإذا حضرا) أي الخصمان (سوى) القاضي (بينهما في الجلوس) بين يديه (والإقبال) عليهما، والإشارة إليهما، يفعل ذلك مع الشريف والدنئ، والأب والابن، والخليفة والرعية

стр. 773

ولا يسار أحدهما، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجةً. فإذا ثبت الحق عنده، وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل بحبسه، وأمره بدفع ما عليه، فإن امتنع حبسه في كل دين لزمه بدلا عن مالٍ حصل في يده، كثمن المبيع وبدل القرض، أو التزمه بعقدٍ، كالمهر والكفالة، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال: إني فقير، إلا أن يثبت غريمه أن له مالاً، ويحبسه شهرين أو ثلاثةً ــ (ولا يسار أحدهما، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجة) ولا يضحك في وجهه؛ احترازاً عن التهمة، ولا يمازحهم ولا واحداً منهم؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء. (فإذا) تمت الدعوى، و (ثبت الحق عنده) على أحدهما (وطلب صاحب الحق حبس غريمه لم يعجل) القاضي (بحبسه، و) لكن (أمره بدفع ما) ثبت (عليه) ؛ لأن الحبس جزاء المماطلة، فلابد من ظهورها، وهذا إذا ثبت الحق بإقراره، لأنه لم يعرف كونه مماطلا، بخلاف ما إذا ثبت بالبينة، فإنه يحبسه كما ثبت لظهور المطل بإنكاره كما في الهداية، قال في البحر: وهو المذهب عندنا، اهـ (فإن امتنع) عن دفعه (حبسه) - وإن تعلل بفقره - إلى ظهور عسره، وذلك (في كل دين لزمه بدلا عن مال حصل في يده كثمن مبيع) وبدل مستأجر، لأنه إذا حصل المال في يده ثبت غناه به (أو التزمه بعقد، كالمهر والكفالة) ، لأن إقدامه على التزامه باختياره دليل يساره، لأنه لا يلتزم إلا ما يقدر على أدائه (ولا يحبسه فيما سوى ذلك) كبدل خلع، ومغصوب، ومتلف، ونحو ذلك (إذا قال إني فقير) ، إذ الأصل العسرة (إلا أن يثبت غريمه أن له مالا، فيحبسه) حينئذ، لظهور المطل (شهرين أو ثلاثة)

стр. 774

ثم يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ خلى سبيله، ولا يحول بينه وبين غرمائه. ويحبس الرجل في نفقة زوجته، ولا يحبس والدٌ في ــ أو أكثر أو أقل، بحسب ما يرى، بحيث يغلب على ظنه أنه لو كان له مال لأظهره. قال في الهداية: والصحيح أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي، لاختلاف أحول الأشخاص فيه، ومثله في شرح الزاهدي والإسبيجاني وفتاوى قاضيخان كما في التصحيح. (ثم يسأل عنه) جيرانه وأقاربه ومن له خبرة به (فإن لم يظهر له مال خلى سبيله) لأنه استحق النظرة إلى الميسرة، فيكون حبسه بعد ذلك ظلما، وفي قوله "ثم يسأل عنه" إشارة إلى أنه لا تقبل بينة الإفلاس قبل الحبس. قال جمال الإسلام: وهذا قول الإمام، وهو المختار، وقال قاضيخان: إذا أقام البينة على الإفلاس قبل الحبس فيه روايتان، قال ابن الفضل: والصحيح أنه يقبل، وينبغي أن يكون ذلك مفوضاً إلى رأى القاضي، إن علم أنه وقح لا يقبل بينته قبل الحبس، وإن علم أنه لين قبل بينته، كذا في التصحيح، وفي النهر عن الخانية: ولو فقره ظاهراً سأل عنه عاجلا، وقبل بينته على إفلاسه وخلى سبيله، اهـ. (ولا يحول بينه وبين غرمائه) بعد خروجه من الحبس، فإذا دخل داره لا يتبعونه، بل ينتظرونه حتى يخرج، فإن كان الدين لرجل على امرأة لا يلازمها، ولكن يبعث امرأة أمينة تلازمها. (ويحبس الرجل في نفقة زوجته) لظلمه بامتناعه (ولا يحبس والد في

стр. 775

دين ولده إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه. ويجوز قضاء المرأة في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص. ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شهد به عنده، فإن شهدوا على خصم حكم بالشهادة، وكتب بحكمه، وإن شهدوا بغير حضرة خصمٍ لم يحكم، وكتب بالشهادة ليحكم ــ دين ولده) لأنه نوع عقوبة، فلا يستحقه الولد على والده (إلا إذا امتنع) والده (من الإنفاق عليه) دفعاً لهلاكه، واحترازاً عن سقوطها، فإنها تسقط بمضي الزمان. (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص) اعتباراً بشهادتها. (وقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق) التي لا تسقط بالشبهة (إذا شهد) بالبناء بالمجهول (به) أي الكتاب (عنده) أي القاضي المكتوب إليه أنه كتاب فلان القاضي وختمه (فإن) كان الشهداء (شهدوا) عند القاضي الكاتب (على خصم) حاضر (حكم بالشهادة) على قواعد مذهبه (وكتب بحكمه) إلى القاضي الآخر لينفذه، ويكون هذا في صورة الاستحقاق، فإن المدعى عليه إذا حكم عليه وأراد الرجوع على بائعه وهو في بلدة أخرى وطلب من القاضي أن يكتب بحكمه إلى قاضي تلك البلدة يكتبه له، ويسمى هذا الكتاب سجلا لتضمنه الحكم (وإن) كانوا (شهدوا بغير حضرة خصم لم يحكم) بتلك الشهادة، لما مر من أن القضاء على الغائب لا يصح (و) لكن (كتب بالشهادة ليحكم
следующие страницы →