← Адаб

Адаб · id 21498

الصبح المنبي عن حيثية المتنبي

يوسف البديعي

Полный текст (934 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وبيض تسافر ما إن تقيم ... لا في الرقاب ولا في القُرُبْ بطيء رضاهن لكنها ... غداة اللقاء سِراعُ الغضبْ إلى أن قال: أمالك رقيّ وَمنْ شأنُه ... هبات اللُّجَيْن وعتقُ العبيدِ دعوتُك عند انقطاع الرجا ... ء والموت مني كحبل الوريد دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجليّ ثِقْلُ الحديد وقد كان مشيهُما في النعالُ ... فقد صار مشيهُما في القيود وكنت من الناس في مَحْفل ... فها أنا في محفل من قرود تعجل فيّ وجوبَ الحدود ... وحِدّي قبل وجوب السجودِ أي إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علىّ الصلاة بعد ويجوز أن يكون صغر أمر نفسه

стр. 37

عند الوالي، لأن من كان ضبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف. ومنها: وقيل عدوتَ على العالمي ... ن بين ولادي وبين القُعودِ فمالكَ تقبلُ زورَ الكلام ... وقدرُ الشهادة قدرُ الشهود فلا تسمعنّ من الكاذبين ... ولا تعبأنّ بِمحك اليهود وكن فارقاً بين دعوى أردت ... ودعوى فعلت بشأو بعيد وفي جود كفيك ما جُدتَ لي ... بنفسي ولو كنتُ أشقى ثمودِ وكتبت إلي أبي دلف سجان الوالي الممدوح بالقصيدة السابقة وقد بره في السجن: أهونِ بطول الثَّواء والتَّلفِ ... والسجنِ والقيد يا أبا دلفِ غيرَ اختيار قبلتُ بِرَّك لي ... والجوعُ يُرضي الأسودَ بالجيِف

стр. 38

كن أيَّها السجن شئتَ فقد ... وطنتُ للموت نفسَ مُعتَرف لو كان سكناي فيكَ منقصةً ... لم يكن الدُّر ساكنَ الصَّدفِ والبيت الثاني مأخوذ من قول أبي على البصير: ولكنّ البلاد إذا اقشعرت ... وصوَّحَ نَبتُها رُعِىَ الهشيمُ ومنه أخذ المهلبي قوله: وما كنتَ إلا كلحم مَيْتٍ ... دعا إلى أكله اضطرارُ والبيت الرابع يشابه قول أبي نصر الخبزأرزي: حصلتُ منكم على ما ليس يُقنعني ... وكيف يُقنعُ سوءُ الكيل والحشَفُ وليس سُكنايَ نقصاناً لمنزلتي ... فيكم كما الدُّر لا يُزرى به الصدفُ وأحسن ما قاله مسجون قولُ علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:

стр. 39

قالتحُبستَ فقلتُ ليس بضائري ... حبسي وأيُّ مهند لا يُغمَد أوما رأيت الليثَ بألف غِيلَهُ ... كِبْراً وأوباشُ السباع تَرَدَّدُ والنار في أحجارها مخبوءةُ ... لا تُصطْلي إن لم تُثرها الأزنُدُ والغيث يَحْظُره فما يُرى ... إلا وَرَيّقةُ يُراحُ ويَرْعُدُ والبدر يدركه الظلام فتنجلي ... أيامه فكأنه متجدد والزاعِبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقافُ وجذوة تتوقد غِيَرُ الليالي بادياتُ عُوَّد ... والمال عارية يفادُ فَيَنفذ لا يُؤسنَّك من تَفَرُّج كرْبةٍ ... خطب أتاك به الزمانُ الأنكد فلكلّ حال مُعقِبُ ولربما ... أجلى لك المكروهُ عما يُحْمدُ كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبةُ والعُوّدْ صبراً فإن اليوم يُعقبه غَدُ ... ويدُ الخلافة لا تطاولها يدُ

стр. 40

والحبسُ ما لم تغشهُ لدنية ... شنعاءَ نعم المنزل المُتَردَّد لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا تستذلك بالحجاب الأعبدُ بيت يُجدّد للكريم كرامة ... وتُزار فيه ولا تزور وتُقْصد ومنها: أمن السَّويَّة يا بنَ عمّ محمدٍ ... خصمُ تُقربُه وآخرُ تُبعدُ إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تُجْحدُ شهدوا وغبْنا عنهم وتحكموا ... فينا وليس كغائب مَنْ يشهدُ لو يجمع الخُصْمانعندك مجلسُ ... يوماً لبان لك الطريقُ الأقصدُ والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد وقال عاصم بن محمد الكاتب لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف:

стр. 41

قالوا حُبستَ فقلت خطب أنكدُ ... أنحى عليّ به الزمانُ المُرْصدُ لو كنتُ حرَّا كان سربي مطلقاً ... ما كنت أحْبَس عَنوة وأقيد لو كنتُ كالسيف المهند لم يكن ... وقتَ الكريهة والشدائد يُغمدُ لو كنتُ كالليث الهصور لما رعتْ ... فيّ الذئابُ وجذوتي تتوقد من قال إن الحبس بيت كرامة ... فمكابرُ في قوله مُتجلد ما الحبسُ إلا بيتُ كل مهانة ... ومذلة ومكارة لا تَنفذَ إن زارني فيه العدوُّ فشامتُ ... يُبدي التوجع تارة وُيفنّد أو زارني فيه الصديق فموجَعُ ... يُذري الدموع بزفرة تَتردّد يكفيك أن الحبس بيتُ لا ترى ... أحداً عليه من الخلائق يُحسد تمضي الليالي لا أذوق لرقدة ... طَعما وكيف حياة من لا يَرْقد؟ في مُطْبق فيه النهار مُشاكلُ ... للّيلِ والظلمات فيه سَرْمَد قال أبو علي: قيل للمتنبي على من

стр. 42

تنبأت؟ قال على الشعراء. فقيل: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت: ومِن نكد الدنيا على الحرّ أن يَرى ... عَدُوّاً له ما من صداقته بُدُّ وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبتُ بالمتنبي لقولي: أنا تِرْبُ النَّدى ورَبُّ القوافي ... وسمام العدَا وغَيظُ الحسودِ أنا في أمَّة تداركها الل ... هُ غريبُ كصالح في ثَمودِ ما مُقامي بأرضِ نَحْلَةَ إلا ... كمقام المسيح بين اليَهودِ قال أبو العلاء المعري في رسالة الغفران: وحدثت أن المتنبي كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة أي المرتفع من الأرض، وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دونه؛ ثم قال: وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهاً ومثل غيره من الناس متدلهاً. فمن ذلك قوله: ولا قابلاً إلا لخالقه حُكْما وقوله: ما أقدر اللهَ أن يُخْزي بَريَّته ... ولا يُصَدَّقُ قولاً في الذي زعموا ثم قال: وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبي عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تديناً، وإنما يجعل ذلك تزيناً. ثم قال: وحدثت أن المتنبي كان يصلي بموضع بمعرة النعمان يقال له كنيسة الأعراب، وأنه صلى ركعتين، وذلك في وقت العصر. ويجوز أنه كان على سفر، وأن القصر له جائز. ثم قال: وحدثت عنه حديثاً معناه أنه لما حصل في بني عدي، وحاول أن يخرج فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعواه: هاهنا ناقة صعبة فإن قدرت على ركوبها أقررنا أنك مرسل، وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحيل حتى وثب على ظهرها، فنفرت ساعة، وتنكرت برهة، ثم سكن نفارها، ومشت مشى الممسحة وأنه ورد بها الحلة، وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من دلائله عندهم. وحدثت أيضاً أنه كان في ديوان اللاذقية؛ وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكين الأقلام، فجرحته جرحاً مفرطاً، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه وشدها، غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلها في يومك، وعد له أياماً وليالي، وأن ذلك الكاتب قبل منه، فبرئ الجرح فصاروا يعتقدون في آبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: هو كمحي الأموات. وحدث رجل كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من السواحل، وأراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفي الأمر على ما ذكر. ولا يمتنع أن يكون أعد له شيئاً من المطاعم مسموماً وألقاه وهو يخفي عن صاحبه ما فعل. وقال له بعض الأكابر وهو في مدينة السلام: أخبرني من أثق به أنك قلت: أنا نبي، فقال: الذي قلته: أنا أحمد النبي. قال أبو عبد الله ياقوت الرومي: ولم يزل المتنبي بعد خروجه من الاعتقال في خمول

стр. 43

وضعف حال في بلاد الشام، حتى اتصل بأبي العشائر ومدحه بعدة قصائد أولها: أتُراها لكثرة العُشَّاق ... تحسَب الدمعَ خلْقَةً في المآقي كيفَ تَرْثى التَّي تَرَى كُلَّ جفن ... راءها غيرَ جَفْنها غيرَ راقي أنتِ منا فتنتِ نفسكِ لكنّ ... ك عُوفيتِ من ضَنى واشتياقِ حُلتِ دون المزارِ فاليومَ لو زُرْ ... ت لحالِ النحولُ دون العِناقِ ومنها في المديح:: وتكاد الظُّبي لما عَوَّدوها ... تَنْتَضي نفسها إلى الأعناقْ وإذا أشفق الفوارسُ من وَقْ ... عِ القَنا أشفقوا من الإشفاقِ ومنها القصيدة التي أولها: لا تَحْسبوا رَبْعكُمْ ولا طَلَلَه ... أولَ حَيَّ فِراقُكم قَتَلةْ قد تَلفَتْ قبلَهُ النفوسُ بِكمُ ... وأكثَرتْ في هواكمُ العَذَلهْ

стр. 44

ومنها في المديح: مسْتَحييَّا من أبي العشائر أنْ ... أسْحَبَ في غير أرضه حُلَله أسحَبُهَا عندَه لدى مَلك ... ثيابُهُ مِنْ جَليسه خجلَهْ وأراد أبو العشائر سفراً فقال عند وداعه ارتجالا قصيدة أولها: الناسُ ما لم يروكَ أشباهُ ... والدهرُ لفظ وأنتَ معناهُ والجودُ عينُ وفيك ناظره ... والناسُ باعُ وفيك يُمناهُ ومنها: تُنْشِد أثْوابنا مدائِحَه ... بألسن ما لهنَّ أفواه إذا مرَرْنا عَلَى الأصَمّ بها ... أغنتهُ عن مسْمعه عَيْنَاهُ وأصل هذا المعنى لنُصْيب حيث قال: فَعادوا وأثْنوْا بالَّذي أنت أهلُهُ ... ولو سَكَتُوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ وتبعه مُعَوَّج الرَّقي في قوله: قد أتتني من أبي العبَّ - اس يومَ المِهْرجانِ

стр. 45

خلِعُ تُثْنى عليهِ الدهْ - رَ مِنْ غيرِ لِسانِ وإذا تأمَّل المتأمل عَرَف الفرقَ بينهما وبين أبي الطيب. ومنها: سُبحانَ مَنْ خَارَ للَكواكب بالبُع ... د ولو نُلْنَ كن جَدْواه لو كان ضوء الشموسِ في يده ... لصاغَهُ جودُه وأفناه يا راحلاً كل مَنْ يُودعهُ ... مُوَدَّعُ دينهَ ودنياهُ إن كان فيما تَراهُ من كرم ... فيكَ مزيدُ فزادكَ اللهُ فأكرمه أبو العشائر، وعرف منزلته، وكان أبو العشائر والى إنطاكية من قبل سيف الدولة. ولما قدم سيف الدولة إلى إنطاكية قدم المتنبي إليه، وأثنى عنده عليه، وعرفه منزلته من الشعر والأدب واشترط المتنبي علي سيف

стр. 46

الدولة أول اتصاله به أنه إذا أنشده مديحه لا ينشده إلا وهو قاعد؛ وأنه لا يكلف تقبيل الأرض بين يديه، فنسب إلى الجنون، ودخل سيف الدولة تحت هذه الشروط، وتطلع إلى ما يرد منه؛ وذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ولما أنشده قصيدته التي أولها: وفاؤكما كالربع أشجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسْعدا والدمْعُ أشفاهُ ساجمةْ وما أنا إلا عاشِقُ كُل عاشقٍ ... أعقُّ خليليْه الصفيين لائمِهْ وقد يتزيّا بالهوى غيرُ أهِله ... ويَستصْحِبُ الإنسانُ مَنْ لا يلائِمه بَليِت بِليَ الأطلالِ إنْ لم أقفُ بها ... وقوف شحيح ضاعَ في التْرب خاتمة قيل: كان أبو العلاء المعري إذا ذكر الشعراء يقول: قال أبو نواس كذا، قال البحتري كذا، قال أبو

стр. 47

تمام كذا، فإذا أراد المتنبي قال: قال الشاعر كذا، تعظيما له. فقيل له يوماً: لقد أسرفت في وصفك المتنبي، قال: أليس هو القائل: بَليِت بِليَ الأطلال إنْ لم أقفْ بها ... وٌقوفَ شحيح ضَاع في التُرْبِ خاتمهُ فقيل له: كم قدر ما يقف الشحيح على الخاتم؟ قال: أربعين يوماً فقيل له: ومِن أين علمت ذلك؟ قال: سليمان بن داود ﵉ وقف على طلب الخاتم أربعين يوماً. فقيل له: ومن أين علمت أنه بخيل؟ قال: من قوله تعالى:) وَهَب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي (وما كان عليه أن يهَب الله لعباده أضعاف مُلْكه! ومنها: كئيباً تَوَقَّاني العواذُل في الهَوَى ... كما يَتَوقَّى رَيَّض الخيلِ حازمُهْ قفيِ تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظ مُهجتي ... بثانية والمتلفُ الشيء غارمُهْ

стр. 48

وهذا من قول الخبزأرزي: إلى كم أذلّ وأستعطفُ ... وأنت تجورُ ولا تُنْصفُ أيا يوسَف الحسنِ صِلْ مُدْنفاً ... مدامِعُهُ لم تَزَلْ تَذْرِفُ أعيذكَ مِنْ ظالم غاشم ... سِوى الخلفِ في الوِعد لا يعرفُ ولي مهجةُ أنت أتلفتهاَ ... عليكَ غرامةُ ما تُتْلفُ وبيت المتنبي فيه زيادة أكسبته حسناً. ومنها: سَقَاكِ وحيَّانا بِكِ اللهُ إنما ... على العيسِ نَوْرُ والخدُور كُماْمُه وما حاجةُ الأظعانِ حولك في الدُّجى ... إلى قَمَرِ ما واجدُ لك عادمُه وقال البُحْتُريّ في هذا المعنى: أضَرَّتْ بضوءِ البدرِ والبدرُ طالعُ ... وقامتْ مقامَ البدرِ لما تَغَيَّبا وقال الخبزأرزي في هذا المعنى:

стр. 49

وما حاجة الرَّكبْ السُّراة إذا بَدَا ... لهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعة البدر وأنشد في مجلس المعتمد بن عباد اللخمي صاحب إشبيلية أعادها الله كما كانت قوله منها: إذا ظفرتْ منكِ العيونُ بنظرة ... أثابَ بها مُعْي المَطيّ ورَازمه فجعل المعتمد يردده استحساناً له، وكان في مجلسه أبو محمد عبد الجليل ابن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالاً: لئن حاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا تنبأ عُجباً بالقريض ولو دَرَى ... بأنك تَرْوي شعرَه لتألَّها ومنها في المديح: له عسكراً خيل وطير إذا رَمى ... بها عسكراً لم تَبق إلا جَمَاجِمُهْ أجلتها من كل طاغ ثيابهُ ... ومَوْطئهاُ من كل باغ ملاغِمُهْ

стр. 50

فقد ملَّ ضوءُ الصبح مما تُغيرُه ... وملَّ سوادُ الليل مما تزاحمه ومل القنا مما تَدقّ صدورَهُ ... وملَّ حديدُ الهند مما تلاطِمُهُ سَحابُ مِن العِقْبانِ يِزحف تحتها ... سحابُ إذا استسقت سقتها صوارمُه واعترض على هذا البيت. أو سعيد العميدي، حيث قال: " لم يسمع بأن السحابة تسقى ما فوقها " وجوابه ظاهر. وهذا معنى حوى طرفي الإعجاب والإغراب وقد تجاذبته أفكار الشعراء، فمما جاء منه قول النابغة: إذا ما غَزَا بالجيش حَلّق فوقهم ... عَصَائب طير تهتدي بعصائبِ جوانحَ قد أيقنّ أنّ قبيلَهُ ... إذا ما التقى الجمعان أولُ غَالبِ وقال أبو نواس:

стр. 51

يتوخى الطير غَدْوَتَه ... ثِقة باللَّحْمِ مِن جَزَرةْ وقال مسلم بن الوليد: قد عَوَّد الطير عادات وثقْن به ... فهنَّ يَتْبَعْنهُ في كل مُرْتحل وقد كرَّره أبو تمام في شعره؛ فمما جاء له منه: وقد ظُلَّلتْ عِقْبانُ أعلامِهِ ضُحى ... بعقبان طير في الدماء نواهلِ أقامتْ مع الرَّاياتِ حتى كأنها ... من الجيشِ إلا أنها لم تقاتلِ وقال إذا ذمت الأعداءُ سوءَ صباحِها ... فليس يؤدّي شكرَها الذئب والنسر وقد ذكر هذا المعنى قديماً وحديثاً وأورده بضروب من العبارات غير هؤلاء إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السَّبك أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحداً أغرب في هذا الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، فقال:

стр. 52

أشْرَبْتَ أرواحَ العِدَا وقلوبها ... خوفاً فأنُفسُها إليكَ تطيرُ لو حاكمتْك فطالبتكَ بذحْلها ... شهدتَ عليك ثعالبُ ونُسُور وكذلك فعل أبو الطيب، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريقة التي سلكها من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، فصار كأنه المبتدع لهذا المعنى دون غيره. فمما قال فيه: يَفَدىّ أتمُّ الطير عمراً سلاحَهُ ... نسوُر الملا أحداثُها والقشاعِمُ وما ضَرها خَلقْ بغير مَخالب ... وقَدْ خُلِقَتْ أسيافهُ والقوائمُ وقال في موضع آخر: وذي لَجَب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحشُ المثارُ بسالم تمر عليه الشمسُ وهي ضعيفة ... تطالعُهُ من بين ريش القشاعمِ

стр. 53

إذا ضَوْءها لاقى مِنَ الطير فُرْجةً ... تَدَوَّر فوق البَيْض مثلَ الدراهمِ وهذه من أعاجيب أبي الطيب المشهودة، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره غيرها لا ستحق بها فضيلة التقديم. وقد تصرف في هذا المعنى أبو عامر بن أبي بن شهيد الأندلسي، فقال: وتدري سِباعُ الطَّير إن كُماتَهُ ... إذا لَقْيت صِيدَ الكماةَ سِباعُ تَطيُر جِياعاً فوقه وتُردُّها ... ظُبَاه إلى الأوكار وهْي شَباعُ وكذلك أخذه أبو بكر العطار. فغربه بعد الابتذال، فقال: تظل سباعُ الطير عاكفة بهمْ ... على جُثَث قد سَلَّ أنفسها الذُعْرُ وقد عَوَّضتهم مِنْ قبور حواصلاً ... فيا من رأى ميتا يطير به قَبْرُ وآخرُ القصيدة: تُحاربُه الأعداءُ وهي عباده ... وتُدَّ خر الأموالُ وهْي غنائمهْ ويستكبرون الدهرَ والدهرُ دونهُ ... ويستعظمون الموتَ والموت خادمهْ وإن الذي سمَّى عليَّا لمنصِفُ ... وإن الذي سَمَّاه سيفاً لظالمه وما كُلّ سيف يقطع حدُّه ... وتقطع لَزْبات الزّمان مكارمُه حسن موقعه عنده وقربه وأجازه الجوائز السنية، ومالت نفسه إليه، وأحبه، فسلمه إلى الرواض، فعلموه الفروسية

стр. 54

والطراد، والمثاقفة. وصحبسيف الدولة في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة الفنا التي لم ينج منها إلا سيف الدولة بنفسه، وستة أنفار أحدهم المتنبي، وأخذت الطرق عليهم الروم، فجرد سيف الدولة سيفه، وحمل على العسكر، وخرق الصفوف، وبدد الألوف. وحكى الرقي عن سيف الدولة قال: كان المتنبي يسوق فرسه، فاعتقلت بعمامته. طاقة من الشجر المعروف بأم غيلان فكان كلما جرى الفرس انتشرت العمامة، وتخيل المتنبي أن الروم قد ظفرت به، فكان يصيح الأمان يا علج قال سيف الدولة: فهتفت به وقلت: أيما علج؟ هذه شجرة علقت بعمامتك فود أن الأرض غيبته، فقال له ابن خالويه: أيها الأمير أليس

стр. 55

أن ثبت معك حتى بقيت في ستة أنفار تكفيه هذه الفضيلة؟ وحكى أن السري الرفاء حين قصد سيف الدولة أنشده بديهاً: إني رأيتُكَ جالساً في مجلس ... قعد الملوكُ به لدَيْك وقامُوا فكأنَّك الدهرُ المخيطُ عليهمُ ... وكأنهم من حولك الأيامُ ثم أنشده بعد ذلك ما كان قاله فيه من الشعر، وبعد ثلاثة أيام أنشده المتنبي قصيدة قافية، فأمر له بفرس وجارية، وأول القصيدة: أيدري الربعُ أيَّ دم أراقا ... وأيَّ قلوب هذا الركب شاقاَ لنا ولأهْله أبداً قلوبُ ... تَلاقَى في جسوم ما تَلاَقى وما عَفتِ الرياحُ له محلاّ ... عفاهُ مَنْ حدا بهمُ وسَاقَا

стр. 56

فليتَ هوى الأحبة كان عَدْلا ... فحمَّل كلَّ قلب ما أطاقَا نظرتُ إليهمُ شَكْري ... فصارت كلها للدمع ماقا وقد أخذ التمامَ البدْرُ فيهمْ ... وأعطاني من السَّقَم المحاقا وبين الفَرْع والقدمين نُورُ ... يقود بلا أزمَّتها النَّيَاقاَ وطَرْفُ إنْ سَقى العُشَّاق كأساً ... بها نَقْصُ سَقَانيِها دِهاقَا قال فلما قال: وخَصْرُ تثبتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه منْ حَدَقٍ نِطَاقا فقال السرى هذا والله معنى ما قدر عليه المتقدمون. وما يقال من أنه حم في الحال حسداً، وتحامل إلى منزله، ومات بعد ثلاث أيام، فلا صحة له، لأن السري مات بعد المتنبي وسيف الدولة. على أن السري قد استعمل هذا المعنى بقوله: أحاطتْ عُيون العاشقين بخَصْرِه ... فهنَّ له دون النطاقِ نِطَاقُ

стр. 57

وحكى صاحب المفاوضة قال: كان سيف الدولة يميل إلى أبي العباس النامي الشاعر ميلاً شديداً إلى أن جاءه المتنبي، فمال عنه إليه، فغاظ ذلك أبا العباس، فلما كان ذات يوم خلا به وعاتبه وقال: أيها الأمير، لم تفضل على ابن عيدان السقا؟ فأمسك سيف الدولة عن جوابه، فلج وألح، وطالبه بالجواب فقال: لأنك لا تحسن أن تقول كقوله: يعودُ من كل فتح غيرَ مفتخرٍ ... وقد أغذَّ إليه غير محتفلٍ فنهض من بين يديه مُغْضَباً، واعتقد ألا يمدحه أبداً. وأبو العباس هذا هو القائل: كان قد بقي في الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما. أما أحدهما فقوله:

стр. 58

رَمَاني الدَّهُر بالأرزاءِ حتَّى ... فُؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرتِ النصالُ على النّصالِ والآخر قوله: في جحفلستر العيون غُبارهُ ... فكأنما يُبْصرنَ بالآذانِ واستنشد سيف الدولة أبا الطيب يوما قصيدته التي مدحه بها، وقد سار لبناء الحدث، وذكر إيقاعه بالدُّمُستق عليها وكشفه له، وقتله خلقاً من أصحابه وأسره صهره وابن بنته، وإقامته على الحدث إلى أن بناها، وذلك في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وأولها: على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ وتعظُمُ في عينِ الصغير صِغارُها ... وتصغر في عين العظيم العظائمُ

стр. 59

ومنها: هل الحَدَث الحمراء تعرفُ لونَها ... وتعلمُ أيُّ الساقِيَينْ الغمائم سقَتْها الغَمامُ الغُرُّ قبل نزولهِ ... فلما دَنَا منها سقتها الجماجمُ بناها فأعْلىوالقنا يقرعُ القَنَا ... وموجُ المنايا حولها متلاطمُ وكان بها مثلُ الجنون فأصبحتْ ... ومن جُثَث القتلى عليها تمائم طَريدةُ دهرٍ ساقها فَرددْتها ... على الدين بالخَطّى والدهر راغِم تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيء أخَذْتَه ... وهن لما يأخذنَ منك غوارم إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاً ... مضى قبل أن تُلْقَى عليه الجوازم وكيف ترجَّى الرومُ والروسُ هدمَها ... وذا الطعنُ لها ودعائمُ وقد حاكموها والمنايا حواكمُ ... فما مات مظلومُ ولا عاش ظالمُ أتَوْك يَجُرُّون الحديدَ كأنما ... سَرَوْا بجياد ما لهن قوائمُ

стр. 60

إذا بَرَقوا لم تُعْرف البيضُ منهمُ ... ثيابُهُمُ من مثلها والعمائمُ خَميِسُ بشرق الأرض والغرب زحفهُ ... وفي أذنُ الجوزاء منه زَمازمُ تجمَّع فيه كلُّ لِسْن وأمَّة ... فما يُفْهمُ الحُدَّاثَ إلاّ التَّراجمُ فلله وقتُ ذَوَّبَ الغشَّ نارُهُ ... فلم يَبْق إلا صَارمُ أو ضُبَارمُ تقطع ما لا يَقْطَعُ الدرْعَ والقنا ... وفرَّ من الفُرْسان من لا يُصادم وهذه الأبيات الأخيرة من أحسن ما قيل في الجيوش الكثيرة، وكذلك ورد قول أبي تمام من قصيدة يمدح بها المأمون: فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيش ساقهُ ... حُسنُ اليقين وقادهُ الإقدامُ فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيش ساقَهُ ... ولهم بمُنْخَرق الفضاء زحامُ ملأ المَلاَ عُصَباً فكاد بأن يُرَى ... لا خَلْفَ فيه ولا لَه قُدَّامُ يقال: اثعنجرت العين دمعاً، واثعنجر دمعها، وهو انصباب الدمع وتتابعه، ولجب كثير الأصوات، والسلاف: المتقدمون، والملا مقصوراً: ما اتسع من الأرض. وقال النابغة في عظم الجيش: بَحْر يظل له الفضاء مُعَضَّلا ... يَذَر الإكَام كأنهنَّ صحاريِ ومعضل: من قولهم عضلت المرأة عند الولادة: إذا عسر خروج الولد. وقال مالك المازني: بجيش لُهَام يشغلُ الأرضَ جمعُهُ ... على الطيَّر حتى ما يَجدن منازلاَ وقال البحتري: بجمع تَرَى فيه النهارَ قَبيلةً ... إذا سار فيه والظلامَ قبائلاً وقال سَلم الخاسر: وكتائب تغشى العُيون إذا جَرَى ... مَاءُ الحديدُ عليهمُ الرَّجْرَاجُ وتفرقت زُرْقُ الأسنة فيهمُ ... تسقى الحنايا ما لهنَّ مِزَاجُ نزلتْ نجومُ الليل فوق رءوسهم ... ولكل رأس كوكبُ وَهَّاجُ وقال مُسلم: في عسكر تشرَق الأرضُ الفضاءُ به ... كالليل أنجُمُه القُضْبان والأسَلُ ولما بلغ المتنبي إلى قوله: وقفتَ وما في الموت شكُ لواقف ... كأنك في جَفْن الرَّدى وهْوَ نائمُ تمرّ بكَ الأبطال كَلَمى هَزيمةً ... ووجهُك وضَّاحُ وثغرُكَ باسِمُ قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأنَي لم أركبْ جَواداً للذَّة ... ولم أتبطَّنْ كاعباً ذات خَلْخال

стр. 61

ولم أسْبأ الزَّقَّ الرَّوي ولمَ أقُلْ ... لخيلي كَرُى كَرَّةً بعد إجفالِ ينبغي له أن يقول: كأني لم أركَبْ جواداً ولم أقُلْ ... لخيليَ كُرَّى كَرة بعد إجفالِ ولَمْ أسْبأ الزقَّ الرَّويَّ للذَّة ... ولم أتَبَطَّنْ كاعباً ذَاتَ خَلْخال وكذلك كان ينبغي أن تقول: وقفتَ وما في الموت شَكُ لواقف ... ووجْهك وضَّاحُ وثَغْرك باسمُ تمر بك الأبطالَ كَلْمَي هزيمةً ... كأنك في جَفْن الرَّدى وهْوَ نائِمُ فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعلم

стр. 62

جملته، والحائك يعلم تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، والشجاعة في منازلة الأعداء بالسماحة في شراء الخمر للأضياف للتضايف بين كل من الفريقين، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤماً، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوساً، وعينه باكية قلت: " ووجهك وضاح وثغرك باسم "، لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة كلامُه. قال ابن جنتي: حدثني أبو علي الحسين بن أحمد الفسوي قال: خرجت بحلب أريد دار سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة، فحسر لثامه، فإذا المتنبي وأنشد: نثرتُ رءُوساً بالأحَيْدب منهمُ ... كما نُثرتْ فوق العَروس الدراهم ثم قال: كيف هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت: ويحك: قد قتلتني يا رجل. قال ابن جني: فحكيت هذه الحكاية لأبي الطيب بمدينة السلام، فعرفها، وضحك منها. قال ابن بابك: حضر المتنبي مجلس أب أحمد بن نصر البازيار، وزير سيف الدولة، وهناك أبو عبد الله بن خالويه النحوي، فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس البصري؛ فقال ابن خالويه: أشجع أشعر، إذا قال في هارون الرشيد:

стр. 63

وعلى عَدَّوك يابنَ عمّ محمد ... رَصَدان: ضَوْءُ الصبح والإظلامُ فإذا تَنَبَّه رُعْتَهُ وإذا غفاء ... سَلَّتْ عليه سُيُوفَكَ الأحلامُ فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن في بني برمك: لم يَظْلمِ الدهرُ إذ توالتْ ... فيهمْ مُصيباتُهُ درِاكَا كانوا يُجيرون مَنْ يُعاديِ ... مِنهُ فعاداهُمْ لِذاكَا قال عبد المحسن علي ابن كوجك: إن أباه حدثه قال: كنتُ بحضرة سيف الدولة وأبو الطيب اللغوي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو عبد الله بن خالويه النحوي، وقد جرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب اللغوي، والمتنبي ساكت، فقال له سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب، فتكلم فيها بما قوى حجة أبي الطيب اللغوي، وضعف قول ابن خالويه. فأخرج من كمه مفتاحاً حديداً

стр. 64

ليلكم به المتنبي، فقال له المتنبي: اسكت ويحك، فإنك أعجمي، وأصلك خوزي، فما لك وللعربية؟ فضرب وجه المتنبي بذلك المفتاح فأسأل دمه على وجهه وثيابه، فغضب المتنبي من ذلك، إذ لم ينتصر له سيف الدولة لا قولا ولا فعلا، فكان ذلك أحد أسباب فراقه سيف الدولة. قال ابن الدهان في المآخذ الكندية من المعاني الطائية: إنه قال أبو فراس لسيف الدولة: إن هذا المتمشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاث آلاف دينار، عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعراً يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام، وعمل فيه، وكان المتنبي غائباً، وبلغته القصة فدخل على

стр. 65

سيف الدولة، وأنشد: ألا ما لسيفِ الدولةِ عاتبا ... فَداه الورى أمضَى السيوف مَضارباَ ومالي إذا ما اشتقتُ أبصرتُ دونَه ... تنائفَ لا أشتاقُهَا وسباسِبا وقد كان يُدْني مَجْلسي من سمائه ... أحادِثُ فيها بدرَها والكواكبا حنانَيْك مسئولا ولبّيك داعياً ... وحسبيَ موهوباً وحسبُكَ واهباً أهذا جزاءُ الصدقِ إن كنتُ صادقاً ... أهذا جزاء الكذْب إنْ كنتُ كاذبا وإن كان ذنبي كلَّ ذنب فإنه ... محا الذَّنب كُلَّ المحو من جاء تائباَ فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبي من عنده متغيراً، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع يعمل القصيدة التي أولها:

стр. 66

وأحر قلباهُ مّمن قلبه شَبِمُ ... ومَنْ بجسمي وحاليِ عنده سَقَمُ وجاء وأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير في حقه كقوله: مالي أكتَّمُ حُبَّا قدْ برى جَسدَي ... وتدَّعى حبّ سيف الدّولة الأممِ إن كان يجمعنا حُبُ لغُرَّته ... فليت أنَّا بقدر الحبّ نَقتسمُ قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغْمَدَةُ ... وقد نظرتُ إليه والسيوف دَمُ فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله: يا أعدلَ الناسِ إلاّ في معاملتي ... فيكَ الخَصامُ وأنتَ الخَصْم والحَكمُ فقال أبو فراس: مسخت قول دعبل واعيته وهو:

стр. 67

ولست أرجو انتصافاً منك ما ذَرَفَتْ ... عيني دموعاً وأنتَ الخصمُ والحكمُ فقال المتنبي: أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً ... أن تحَسَب الشحمَ فيمنْ شحمُه وَرَمُ فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال: ومن أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟ فأستمر المتنبي في إنشاده ولم يرد إلى أن قال: سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ... بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ أنَا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعتْ كلماتي مَن به صمَمُ فزاد ذلك غيظاً في أبي فراس، وقال: سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في قوله:

стр. 68

أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْ ... دهراً وأظهرتُ إغرابا وإبداعاَ حتى فتحتُ بإعجاز خُصِصْتُ به ... للعُمْي والصَّمّ أبْصاراً وأسْماعاَ ولما وصل إلى قوله: والخيلُ والليلُ والبيْداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاسُ والقلمُ قال أبو فراس: وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقته من كلام غيرك وتأخذ جوائز الأمير؟ أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النَّخَعي الكُوفّي المعروف بابن العريان العثماني، وهو: أعاذلتني كم مَهمة قد قطعتُهُ ... أليفَ وُحوش ساكناً غيرَ هائبِ

стр. 69

أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسُّرَي ... وجُرْد المذاكي والقَنا والقواضَبِ حليمُ وَقورُ في البوادي وهيبتي ... لها في قلب الناس بطشُ الكتائبِ فقال المتنبي: وما انتفاعُ أخيِ الدُّنيا بناظره ... إذا استوتْ عندَه الأنوارُ والظُّلَمُ قال أبو فراس: وسرقت هذا من مَعْقل العِجْلي، وهو: إذا لم أُميَّز بين نورٍ وظُلْمة ... بعينيَّ فالعيَنان زُورُ وباطِلُ ولمحمدبن أحمد بن أبي مرة المكي مثله، وهو: إذا المرءُ لم يدركْ بعينيه ما يُرَى ... فما الفرق بين العُمْى والبُصَرَاء وغضبَ سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:

стр. 70

إن كان سَركُمُ ما قال حاسدُنا ... فما لجرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار: إذا رضيتُمْ بأن نُجْفَي وسَرَّكُمُ ... قَولُ الوُشاةِ فلا شَكْوَى ولا ضَجَر ومثله لابن الرومي وهو: إذا ما الفجائُع أكسبني ... رضاك فما الدهرُ بالفاجع فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي، عنه في الحال، وأدناه إليه، وقَبَّل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفهُ بألف أخرى، فقال المتنبي: جاءْت دنانيرُك مختومةً ... عاجلةً ألفاً على ألْفِ أشْبَهها فعلُكَ في فَيْلَق ... قلبتَهُ صفاًّ على صَفَّ

стр. 71

وفي آخر هذه القصيدة يقول: شر البلاد مكانُ لا صديق بهِ ... وشرُّ ما يكسبُ الإنسانُ ما يَصِمُ وشَرُّ ما قنصتْهُ راحتي قَنَصُ ... شُهْبُ البُزَاة سواءُ فيه والرَّخَمُ البيت الثاني مأخوذ من أبيات لصاحب العلوي الداعي بطبرستان: أنا من جناب سواك في مَرْعَّى نَدِ ... وأقيمُ عندكَ في جنابٍ مُجْدِبِ إن كنتَ ذا بصر فميّزْ فضلَ ما ... بين الفَراء وبين صيدِ الأرنبِ فجعل موضع الفراء الباز الأشهب، وموضع الأرنب الرخم، الأول من قول محمد بن عيينة المهلبي من قصيدة أولها: دمية قفْرةُ وربعُ جديبُ لا تثق بالكذوب واعلمْ يقينا ... أن شر الرجال عندي الكذوبُ

стр. 72

لي وفاء مَحْضُ وكف جواد ... وجلالُ باد ورأىُ صَليبُ أخبثُ الأرض ما خلتْ من صديق ... وأضرُّ الأفعال فعلُ مَعيبُ وحكى أبو الفرج الببغاء قال: كان أبو الطيب يأنس بي، ويشكو من سيف الدولة، ويأمنني على غيبته له، وكانت الحال بيني وبينه عامرة دون باقي الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه، ويجفو عليه إذا كلمه، والمتنبي يجيبه في أكثر الأوقات، ويتغاضى في بعضها، قال أبو الفرج الببغاء: وأذكر ليلة وقد استدعى سيف بدرة فشقها بسكين الدواة، فمد أبو عبد الله ابن خالويه طيلسانه

стр. 73

فحثا فيه سيف الدولة صالحاً، ومددتُ ذيل دُرَّاعتي فحثا لي جانباً، والمتنبي حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلها على الغلمان، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته في رقبته، فاستحى ومضت به ليلة عظيمة، وانصرف فخاطب أبو عبد الله بن خالويه سيف الدولة في ذلك، فقال: يتعاظم تلك العظمة، وينزل إلى مثل هذه المنزلة لولا حماقتهُ. وحكى أن أبا الطيب المتنبي دخل مجلس ابن العميد، وكان يستعرض سيوفاً، فلما نظرا أبا الطيب نهض

стр. 74

من مجلسه، وأجلسه في دسته، ثم قال له: اختر سيفاً من هذه السيوف، فاختار منها واحداً ثقيل الحلي، واختار ابن العميد غيره. فقال كل واحد منهما: سيفي الذي اخترته أجود، ثم اصطلحا على تجربتهما. فقال ابن العميد: فماذا نجربهما؟ قال أبو الطيب في الدنانير يؤتي بها، فينضد بعضها على بعض، ثم يضرب به، فإن قدها فهو قاطع؛ فأستدعى ابن العميد عشرين ديناراً فنضدت، ثم ضربها أبو الطيب فقدها، وتفرقت في المجلس، فقام من مجلسه المفخم يلتقط الدنانير

стр. 75

المتبددة فقال ابن العميد: ليلزم الشيخ مجلسه، فإن أحد الخدام يلتقطها ويأتي بها إليك. فقال: بل صاحب الحاجة أولى. وحكى أبو بكر الخوارزمي أن المتنبي كان قاعداً تحت قول الشاعر: وأن أحقّ باللَّوم شاعرُ ... يلومُ على البخل الرجالَ ويبخلُ وإنما أعرب عن طريقته وعادته بقوله: بليتُ بِلىَ الأطلال إنْ لم أقفْ بها ... وقوفَ شحيح ضاع في التُّرب خاتَمهُ قال: وحضرتُ عنده يوماً وقد أحضر مالُ بين يديه من صلات
следующие страницы →