Полный текст (934 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وفي آخر هذه القصيدة يقول:
شر البلاد مكانُ لا صديق بهِ ... وشرُّ ما يكسبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
وشَرُّ ما قنصتْهُ راحتي قَنَصُ ... شُهْبُ البُزَاة سواءُ فيه والرَّخَمُ
البيت الثاني مأخوذ من أبيات لصاحب العلوي الداعي بطبرستان:
أنا من جناب سواك في مَرْعَّى نَدِ ... وأقيمُ عندكَ في جنابٍ مُجْدِبِ
إن كنتَ ذا بصر فميّزْ فضلَ ما ... بين الفَراء وبين صيدِ الأرنبِ
فجعل موضع الفراء الباز الأشهب، وموضع الأرنب الرخم، الأول من قول محمد بن عيينة المهلبي من قصيدة أولها: دمية قفْرةُ وربعُ جديبُ
لا تثق بالكذوب واعلمْ يقينا ... أن شر الرجال عندي الكذوبُ
стр. 72
لي وفاء مَحْضُ وكف جواد ... وجلالُ باد ورأىُ صَليبُ
أخبثُ الأرض ما خلتْ من صديق ... وأضرُّ الأفعال فعلُ مَعيبُ
وحكى أبو الفرج الببغاء قال: كان أبو الطيب يأنس بي، ويشكو من سيف الدولة، ويأمنني على غيبته له، وكانت الحال بيني وبينه عامرة دون باقي الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه، ويجفو عليه إذا كلمه، والمتنبي يجيبه في أكثر الأوقات، ويتغاضى في بعضها، قال أبو الفرج الببغاء: وأذكر ليلة وقد استدعى سيف بدرة فشقها بسكين الدواة، فمد أبو عبد الله ابن خالويه طيلسانه
стр. 73
فحثا فيه سيف الدولة صالحاً، ومددتُ ذيل دُرَّاعتي فحثا لي جانباً، والمتنبي حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلها على الغلمان، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته في رقبته، فاستحى ومضت به ليلة عظيمة، وانصرف فخاطب أبو عبد الله بن خالويه سيف الدولة في ذلك، فقال: يتعاظم تلك العظمة، وينزل إلى مثل هذه المنزلة لولا حماقتهُ.
وحكى أن أبا الطيب المتنبي دخل مجلس ابن العميد، وكان يستعرض سيوفاً، فلما نظرا أبا الطيب نهض
стр. 74
من مجلسه، وأجلسه في دسته، ثم قال له: اختر سيفاً من هذه السيوف، فاختار منها واحداً ثقيل الحلي، واختار ابن العميد غيره. فقال كل واحد منهما: سيفي الذي اخترته أجود، ثم اصطلحا على تجربتهما. فقال ابن العميد: فماذا نجربهما؟ قال أبو الطيب في الدنانير يؤتي بها، فينضد بعضها على بعض، ثم يضرب به، فإن قدها فهو قاطع؛ فأستدعى ابن العميد عشرين ديناراً فنضدت، ثم ضربها أبو الطيب فقدها، وتفرقت في المجلس، فقام من مجلسه المفخم يلتقط الدنانير
стр. 75
المتبددة فقال ابن العميد: ليلزم الشيخ مجلسه، فإن أحد الخدام يلتقطها ويأتي بها إليك. فقال: بل صاحب الحاجة أولى. وحكى أبو بكر الخوارزمي أن المتنبي كان قاعداً تحت قول الشاعر:
وأن أحقّ باللَّوم شاعرُ ... يلومُ على البخل الرجالَ ويبخلُ
وإنما أعرب عن طريقته وعادته بقوله:
بليتُ بِلىَ الأطلال إنْ لم أقفْ بها ... وقوفَ شحيح ضاع في التُّرب خاتَمهُ
قال: وحضرتُ عنده يوماً وقد أحضر مالُ بين يديه من صلات
стр. 76
سيف الدولة على حصير قد فرشه، فوزن وأعيد إلى الكيس، وتخللت قطعة كأصغر ما يكون خلال الحصير، فأكب عليها بمجامعه يعالج ليستنقذها منه، واشتغل عن جلسائه حتى توصل إلى إظهارها، وأنشد قيس بن الخطيم:
تبدَّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بَدَا حاجبُ منها وضَنَّتْ بحاجب
ثم استخرجها، فقال له بعض جلسائه: أما يكفيك ما في هذه الأكياس حتى أدميت إصبعك لأجل هذه القطعة؟ فقال: إنها تحضر المائدة.
وحكى علي بن حمزة البصري قال:
стр. 77
بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة؛ وتلك أنه ما كذب، ولا زني، ولا لاط، وبلوت منه ثلاث خلال ذميمة؛ وتلك أنه ما صام، ولا صلى، ولا قرأ القرآن، وقال ابن فورجة في كتاب: التجني على أبي العلاء المعري، عن رجل من أهل الشام، كان يتوكل لأبي الطيب في داره يعرف بأبي سعيد قال: دعاني أبو الطيب يوماً ونحن بحلب، ولم أكن أعرف منه الميل إلى اللهو مع النساء ولا الغلمان فقال لي: أرأيت الغلام ذا الأصداغ الجالس إلى حانوت كذا من السوق؟ وكان
стр. 78
غلاماً وسيما فحاشا، فيما هو سبيله، فقلت: نعم أعرفه. قال: فامض وأتني به، واتخذ دعوة وأنفق وأكثر، وكنت أستطلع رأيه في جميع ما أنفق، فمضت واتخذت له ثلاثة ألوان من الأطمعة، وعدة صفحات من الحلوى، واستدعيت الغلام، فأجاب، وأنا متعجب من جميع ما أسمع منه، إذ لم تجر له عادة في مثله، فعاد أبو الطيب من دار سيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفرغ من اتخاذ الطعام، فأكلا وأنا ثالثهما، ثم جن الليل، فقدمت شمعة، ومرفع دفاتره،
стр. 79
وكانت تلك عادته كل ليلة، فقال: أحضر لضيفك شراباً، واقعد إلى جانبه ونادمه، ففعلت ما أمرني به. كل ذلك وعينه إلى الدفتر، يدرس ولا يلتفت إلينا إلا في حين بعد حين، فما شربنا إلا قليلاً حتى قال: افرش لضيفك، وافرش لنفسك، وبت ثالثنا، ولم أكن قبل ذلك أبايته في بيته؛ ففعلت وهو يدرس، حتى مضى من الليل أكثره، ثم أوى إلى فراشه ونام. فلما أصلحنا قلت له: ما يصنع؟ فقال احبه واصرفه فقلت له: وكم أعطيه؟ فأطرق ساعة؛ ثم قال: أعطه ثلاثمائة درهم.
стр. 80
فتعجبت من ذلك، ثم جسرت نفسي، فدنوت منه، وقلت له: إنه ممن يجيب بالشيء اليسير، وأنت لم تنل منه حظاً. فغضب ثم قال: أتظنني من أولئك الفسقة؟ أعطه ثلاثمائة درهم، ولينصرف راشداً. ففعلت ما أمرني به، وصرفته.
قال ابن فورجة: كان المتنبي داهية مر النفس شجاعاً حافظاً للأدب، عارفاً بأخلاق الملوك، ولم يكن فيه ما يشينه ويسقطه إلا بخله وشرهه على المال.
وقال أبو البركات بن أبي الفرج المعروف بابن زيد التكريتي الشاعر، قال: بلغني
стр. 81
أنه قيل للمتنبي قد شاع عنك من البخل في الآفاق ما قد صار سمراً بين الرفاق، وأنت تمدح في شعرك الكرم وأهله، وتذم البخل وأهله، ألست أنت القائل:
ومن ينفقِ الساعات في جمعِ مِالهِ ... مخافةَ فقْر فالذي فعلَ الفقُر
ومعلوم أن البخل قبيح، ومنك أقبح؛ لأنك تتعاطى كبر النفس، وعلو الهمة، وطلب الملك، والبخل ينافي سائر ذلك. فقال: إن لبخلي سبباً، وذلك أني أذكر وقد وردت في صباي من الكوفة إلى بغداد، فأخذت خمسة دراهم في جانب منديلي، وخرجت أمشي في
стр. 82
أسواق بغداد، فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة، فرأيت عنده خمسة من البطيخ باكورة، فاستحسنتها ونويت أشتريها بالدراهم التي معي، فتقدمت إليه وقلت: بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ، فقال: بغير اكتراث: اذهب، فليس هذا من أكلك، فتماسكت معه وقلت: أيها الرجل دع ما يغيظ واقصد الثمن، فقال: ثمنها عشرة دراهم. فلشدة ما جبهني به ما استطعت أن أخاطبه في المساومة، فوقفت حائراً؛ ودفعت له خمسة دراهم، فلم يقبل، وإذا بشيخ من التجار
стр. 83
قد خرج من الخان، ذاهباً إلى داره، فوثب إليه صاحب البطيخ من دكانه، ودعا له، وقال له: يا مولاي، هذا بطيخ باكور، بإجازتك أحمله إلى منزلك. فقال الشيخ: ويحك بكم هذا؟ قال: بخمسة دراهم. فقال: بل درهمين. فباعه الخمسة بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له، وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل، فقلت له: يا هذا، ما رأيت أعجب من جهلك، استمت على في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنت قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمين محمولا. فقال: اسكت هذا
стр. 84
يملك مائة ألف دينار. فعلمت أن الناس لا يكرمون أحداً إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألف دينار، وأنا لا أزال على ما تراه حتى أسمع الناس يقولون: إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار.
قلت وقع في شعر أبي الطيب الوصية بالحزم، وضبط الأموال، كقوله في قصيدته التي أولها:
أودُّ مِنَ الأيام ما لا تَوَدُّهُ ... وأشكو إليها بينها وَهْيَ جُنْدُهُ
يُباعِدْنَ حِياًّ يجتمعن ووصُلهُ ... فكيف بحب يجتمعن وَصَدُّهُ
أَبي خُلُق الدنيا حبيباً تُديمُهُ ... فما طلبي منها حبيباً تردُهُ
стр. 85
إلى أن قال:
وأتعبُ خلقِ الله من زاد هُّمهُ ... وقصَّر عما تشتهي النفس جُهْدُهُ
فلا ينحللْ في المجد مالُك كلُّه ... فينحَلَّ مجد كان بالمال عَقدُه
ودبَّرهْ تدبيرَ الذي المجدُ كفّه ... إذا حارب الأعداء والمالُ زَنْدُهُ
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قَلَّ مالُهُ ... ولا مالَ في الدنيا لمن قلَّ مَجْدُهُ
فأمر كافوراً بالبخل، حيث حرمه، وسلك في ذلك مسلك كثير عزة فإنه دخل على هشامبن عبد الملك، وكان بخيلا، فمدحه، فلم يثبه، فقال كثير يخاطبه بقوله:
стр. 86
إذا المال لم يوجب عليك عطاءَهُ ... صنيعةُ تَقْوَى أو خليل توافقُه
منعتَ وبعضُ المنع حَزْمُ وقوة ... ولم يفتلذك المال إلا حقائقهْ
فقيل لكثير: ما حملك على أن تعلم أمير المؤمنين البخل، فقال: إنه منعني من رفده، وآلمني برده، فأردت أن أحبب إليه المال، فيمنع غيري كما منعني، فيتفق الناس على ذمه.
وأحسن قصائد أبي الطيب في سيف الدولة، وتراجع شعره بعد مفارقته، وسئل عن سبب ذلك فقال: قد تجوزت في قولي، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة
стр. 87
منذ فارقت آل حمدان وفيهم من يقول:
تُسائلني من أنْت وهْيَ عليمة ... وهل بفَنًي مثلي على حاله نُكْرُ
فقلتُ كما شاءتْ وشاء لها الهوَى ... قتيلَك قالتْ أيهم فهمُ كُثْرُ
فقلتُ لها لو شِئْتِ لم تَتَعَنَّتي ... ولم تسألي عني وعندَك بي خُبْرُ
فقالتْ لقد أزْرى بكَ الدّهر بَعْدَنا ... فقلتُ معاذَ بل أنْتِ والدهرُ
وما كان للأحزان لولاك مسلكُ ... إلى القلبِ لكنّ الهوى للبلى جسْرُ
وتَهلكُ بين الهزل والجد مهجةُ ... إذا ما عداها البينُ عذّبها الهجرُ
فأيقنْتُ أن لا عِزَّ بعدي لعاشق ... وأنَّ يدي مما عَلقْتُ به صِفْرُ
стр. 88
وإني لنزالِ بكل مخَوفَة ... كثيرُ إلى نُزَّلها النظر الشزرُ
وإني لَجرَّارُ لكل كتيبة ... معودة ألاَّ يُخِلَّ بها النصرُ
وأظمأ حتى يرتَوي البيضُ والقنا ... وأسغبُ حتى يشبع الذئبُ والنسرُ
ويقول:
صبورُ ولو لم تبق مني بقية ... قؤولُ ولو أن السيوفَ جوابُ
وقور وأحداثُ الزمان تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهابُ
ستذكر أيامي نُميُر بن عامرٍ ... وكعب على عِلاتها وكلابُ
أنا الجار لا زادي بطيءُ عليهمُ ... ولا دونَ بأبي في الحوادث باب
стр. 89
يعني أبا فراس. وفيهم من يقول:
وقد علمت بما لاقتْه منَا ... قبائلُ يعرب وبني نِزارِ
لقيناهُمْ بأرماحٍ طوال ... تبشرهم بأعمار قضارِ
يعني أبا زهير بن مهلهل بن نصر بن حمدان. وفيهم من يقول:
أأخا الفوارس لو رأيتَ مواقفي ... والخيلُ من تحت الفوارس تَنحطُ
لقرأتَ منها ما تخطّ يدُ الوغى ... والبيضُ تَشْكلُ والأسنةُ تنقط
يعني أبا العشائر. قال أبو الفتح بن جني: كنت قرأت ديوان المتنبي عليه، فلما وصلت إلى قوله:
стр. 90
أغالبُ فيكَ الشَّوقُ والشَّوقُ أغلَبُ ... وأعْجَبُ مِنْ ذا الهجرِ والوصْل أعجب
فلما انتهيت إلى قوله:
لَحَا الله ذي الدنيا مُناخاً لراكب ... فكلُّ بعيدِ الهمَّ فيها معذَّبُ
ألا ليتَ شعْري هل أقول قصيدةً ... ولا أشتكى فيها ولا أتعتَّبُ
وبي ما يذودُ الشعرَ عني أقلُّهُ ... ولكنَّ قلبي يا ابنة القوم قُلَّبُ
وأخلاقُ كافور إذا شئتُ مدحَهُ ... وإن لم أشأ تُملي علىّ وأكتب
إذا ترك الإنسانُ أهلاً وراءه ... ويمَّمّ كافوراً فما يتغرب
стр. 91
فقلت له: يَعزُّ علىّ أن يكون هذا الشعر في ممدوحغير سْيفِ الدَّولةِ، فقال: حذَّرنْاه، فما نفع فيه الحذر ألستُ القائلَ فيه: أخا الجود أعط الناس ما أنتَ مالِكُهْ ... ولا تُعطينَّ الناس ما أنا قائلُ
فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره، وقِلَّة تمييزه، وهذا البيت من قصيدة له يمدح سيف الدولة بها ويصف دخول رسول ملك إليه، ولو لم يكن للمتنبي سوى هذه القصيدة لاستحق بها فضيلة التقدم على كل من تقدمه وهي:
стр. 92
دروعُ لِمَلْك الروم هذي الرسائلُ ... يردُّ بها عن نفسه ويُشاغِلُ
هذا أحسن من قول أبي تمام:
غداَ خائفاً يستنجد الكُتْبَ مُذْعِناً ... إليكَ فلا رُسْل ثنَتْكَ ولا كُتْبُ
هي الزَّرَدُ الضَّافي عليه ولفظتُها ... عليكَ ثناء سابغ وفضائلُ
وأنَّي اهتديَ هذا الرسولُ بأرضه ... وما سكنتْ مُذْ سِرْتَ فيها القساطل
ومن أيّ ماء كان يَسْقى جيِادَه ... ولم تَصْفُ من مَزْجِ الدماء المناهلُ
هذا أيضا أحسن من قول البحتري:
стр. 93
يُغالبُ طعمَ الماء في ملتقاهُمُ ... حَسا الدمِ حتى يلفظ الماءَ شارِبُه
أتاك يكاد الرأسُ يجحدُ عُنْقَهُ ... وتنقذُّ تحت الذُّعْر منه المفاصلُ
يُقوّم تقويمُ السماطين مشْيَهُ ... إليك إذا ما عوَّجَتْه الأفاكل
فقاسَمكَ العينين منه ولحظَهُ ... سَميَّك والخِلَّ الذي لا يُزايلُ
بنصب العينين، واللحظ، والسمىّ، والخلّ.
وأبصر منه الرزقَ والرّزْقُ مُطمعُ ... وأبصر منه الموتَ والموتُ هائلُ
وقبَّل كُمَّا قبَّل التُّربَ قبله ... وكلُّ كَمِيّ وقف متضائل
وأسعد مشتاقٍ وأظفَرُ طالبٍ ... همامُ إلى تقبيل كَّمكَ واصل
مكان تمناه الشفاهُ ودونه ... صدورُ المذاكي والرماحُ الذوابلُ
فما بلغتْه ما أراد كرامةُ ... عليك ولكن لم يَخبْ لك سائل
стр. 94
وأكبرُ منه همة بعثتْ به ... إليك العدا واستنصرته الجحافل
فأقبل من أصحابه وهو مرسَلُ ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل
هذا يشابه قول البحتريّ:
لحظوك أولَ لحظة فاستصغروا ... مَن كان يُعْظَمُ عندهم ويُبَجَّل
قد نافس الغَيَبُ الحضورَ على الذي ... شهِدوا وقد حسد الرسولَ المرسلُ
تحيَّر في سيفٍ ربيعةُ أصلهُ ... وطابعهُ الرحمنُ والمجدُ صاقلُ
وما لونُه مما تحصّل مقلةُ ... ولا حدُّه مما تُحِسُّ الأنامِلُ
إذا عاينتك الرسْلُ هانتْ نفوسُها ... عليها وما جاءتْ به والمراسلُ
стр. 95
رَجا الرومُ من تُرجَى النوافِل كُلُّها ... لديه ولا تُرْجَى لديه الطوائلُ
فإن كان خوف الأسر والقتل سَاقهم ... فقد فَعلوا ما الأسر والقتل فاعل
فخافوك جتي ما لقتل زيادةُ ... وجاءوك حتى ما تُرادُ السلاسلُ
أرى كلَّ ذي مُلْك إليك مصيرُهُ ... كأنكَ بحر والملوكُ جداول
أخذه من ابن المعتز:
مَلك تواضعت الملوكُ لعزَّه ... قسراً وفاض على الجداول بحرُهُ
إذا مطرتْ ومنكَ سحائبُ ... فوابِلُهُم طَلُّ وطلّك وابلُ
стр. 96
هذا أيضاً كقول البحتري:
أنذرتكم عارضاً تبدو مخايلُهُ ... فالقطرة الفذّ منه وابل هَطِلُ
كريمُ متى استوُهِبتَ ما أنت راكب ... وقد لقيِحَتْ حربُ فإنك نازلُ
هذا المعنى مأخوذ من خبر روى عن حاتم الطائي قيل إنه بارز عامر بن الطفيل وفقد رمح عامر، فخافه عامر فقال: يا حاتم لأبخلنك قال: بماذا؟ قال: ادفع إلى رمحك أقاتلك به فرمى إليه برمحه، ورجع مولياً. وقال بشار ما ينظر إلى هذا المعنى:
لو كان لي سيفُ غداةَ الوغى ... طِبْتُ به نَفساً لأعدائي
стр. 97
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول البحتري: ماض على عزمه في الجواد لو وهب الشباب يوم لقاء البيض ما ندما قال ابن أحمر:
إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي وإن كنا على سَفَر
ومازال المتنبي بعد مفارقة سيف الدولة يعرض بمدحه تارة، ويصرخ أخرى؛ فمن ذلك قوله في أول قصيدته التي مدح بها كافورا: فِراق ومن فارقت غير مذمم ومن ذلك أيضاً قوله في قصيدة كافورية:
стр. 98
عشية أحفى الناسِ بي من جَفَوته ... وأهدَى طريقيَّ الذي أتجَنَّبُ
ورأيت له قصيدتين في هجاء كافور، ومدح سيف الدولة، ونقلتهما من خط أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النسابوري. قال: إنهما وجدتا في رحلة لما قتل، وعملهما بواسط إحداهما قوله:
أفيقا خُمارُ الهمّ نَغَّصَني الخمرا ... وسُكْري منَ الأيام جَّنبني السُّكْرا
تَسُرَّ خليليّ المدامةُ والذي ... بقلبيَ يأبى أن أُسَرَّ كما سُرّا
لبستُ صروفَ الدهر أخشَنَ مَلْبَس ... فعرّقَني نابً ومزّقني ظُفْرا
стр. 99
وفي كل لحظٍ لي ومَسْمَعِ نَغْمةٍ ... يُلاحظني شَزْراً ويُسمعني هُجْرا
سَدِكتُ بصرف الدهر طفلا ويافعاً ... فأفنيتهُ عَزما ولم يُفْنني صَبرا
أريدُ من الأيام مالا يريدُه ... سواي ولا يجري بخاطره فكرا
وأسأله ما أستحق قضاءه ... وما أنا ممن رام حاجته بَسْرا
ولي همةُ من رأىْ همتها النوى ... فَشُركبُني من عزمها المركب الوعْر
تروق بني الدنيا عجائبها وَلى ... فؤاد ببيض الهند لا بيضها مُغْري
أخو هممَ رحالة لا تزال بي ... نوىَ تقطع البيداء أو أقطعَ العمْرا
стр. 100
ومن كان عزمي بين جنبيه حثه ... وصير طولَ الأرض في عينه شِبْرا
صحبت ملوكَ الأرض مغتبطاً بهم ... وفارقتهم مَلآن من حَنَق صَدرا
ولما رأيت العبد للحرّ مالكا ... أبيتُ إباء الحر مسترزقاً حرا
ومصرُ لَعَمريْ أهلُ كلّ عجيبة ... ولا مثل ذا المخصيّ أعجوبةً نَكرا
يُعَدّ إذا عُدّ العجائبُ أوّلا ... كما يُبتدا في العدّ بالإصبع الصغري
فيا هَرَم الدنيا ويا عبرةَ الورى ... ويأيها المخصي مَنْ أمك البَظْر
لُوَيَبْيَّةُ لم تَدْرِ أن بُنَيّها الْ ... لُوَيْبيّ دون الله يَعبدُ في مَصر
стр. 101
ويستخدم البيِضَ الكواعبَ كالدُّمى ... ورُومَ العِبِدّي والغطارفة الغُرّا
قضاء من الله العليّ أراده ... إلاَ ربما كانت إرادته شّرا
ولله آياتُ وليس كهذه ... أظنك يا كافورُ آيتهَ الكبرى
لَعمرُكَ ما دهرُ به أنت طيِّبُ ... أبَحْسبِنُي ذا الدهرُ أحسبه دهرا؟
وأكفرُ يا كافورُ حين تلوح لي ... ففراقتُ مذ فارقتك الشّرك والكفرا
عثرتُ بسيري نحوَ مصر فلالَعاً ... بها وَلَعاً بالسيَّر عنها ولا عَشْرا
وفارقتُ خيرَ الناس قاصدِ شرَهم ... وأكْرمَهم طُرّاً لاْ لأَمهم طُرّا
стр. 102
فعاقبني المخصيُّ بالغدر جازبا ... لأن رحيلي كان عن حلب غدرا
وما كنتُ إلاّ فائَل الرأي لم أُعَنْ ... بحزْمٍ ولا استصحبتُ في وجهتي حجرْا
وقد أرَى الخنزيرُ أني مدحته ... ولو علموا قد كان يُهْجي بما يُطْري
جسَرْتُ على دَهْياء مصرَ فَفُتّها ... ولم يكن الدهياءُ إلاَّ مَن استجْرا
سأجلبُها أشباهَ ما حملتْه من ... أسنتها خُزْراً مُقَطلةً غُبرا
وأُطلعُ بِيضاً كالشموس مُطلَّةً ... إذا طلعتْ بيضاً وإن غَرَبَتْ حُمرا
فإن بلغَتْ نفسي المنى فَبِعزْمها ... وإلاّ فقد أبلغتُ في حرصها عُذرْا
والأخرى قوله:
стр. 103
قطعتُ بِسيري كلَّ يَهْماء مَفْزَعٍ ... وجُبْتُ بخيلي كلَّ صَرْماء بَلْقَعِ
وثلَّمتُ سيفي في رءوس وأذرعٍ ... وحطمت رمحي في نحُور وأضلُع
وصيّرتُ رأيي بعد عزِميَ رائدي ... وخالفتُ آراءً توالتْ بمسِمَعي
ولم أنَّرِكْ أمراً أخافُ اغتياله ... ولاطَمَحت نفسي إلى غير مَطمَع
وفارقتُ مصراً والأسَيْودُ عينهُ ... حذارَ مسيري تَستهلُّ بأدمُع
ألم يَفهم الخنثى مقالي وأنني ... أُفارق من أقْلي بقلب مُشَيَّع
ولا أرعوي إلاّ إلى من يَوَدُّني ... ولا يَطَّبِيني منزلُ غيرُ مُمْرع
أبا النَّتْن كم قيدتَني بمواعد ... مَخافةَ نظم للفؤاد مُرَوَّعِ
وقدّرتَ من فرط الجهالة أننيً ... أُقيم على كِذْبٍ رصيف مُصَنَّع
стр. 104
أقم على عبد خَصِيّ منافق ... لئيم رديء الفعل للجودِ مُدَّعي
وأتركُ سيف الدولة المَلكَ الرضا ... كريمَ المُحيا وابن أروع
فتى بحره عذبُ ومَقْصِدُه غِنىً ... ومَرْتعُ مرعي جوده خيرُ مرِتع
تَظل إذا ما جئتَه الدهَر آمنا ... بخير مكان بل بأشرف موضع
قال ابن سعيد: إن سيف الدولة كان يكاتب المتنبي، ويهاديهُ فقال بمدحه، وأنفذها إليه من الكوفة، وكان سيف الدولة قد كاتبه إليها بأجمل مكاتبه، وأنفذها إليه كسوة وبرا، وعرض له بالعود.
ما لنا كلُّنا جَوٍ يا رسولُ ... أنا أهوى وقلُبك المتبولُ
стр. 105
إلى أن قال:
نحن أدري وقد سألنا بِنَجدٍ ... أقصيرُ طريقُنا أم طويلُ
وكثيرُ من السؤال اشتياقًُ ... وكثيرُ من رَدّة تعليل
لا أقمنا على مكانٍ وإن طا - ب ولا يمكن المكانَ الرحيلُ
كلما رحّبتْ بنا الروض قلنا ... حَلَبُ قصدُنا وأنتِ السبيل
فيك مرعى جِيادنا والمطايا ... وإليها وَجيفُنا والذميل
والمسَمَّوْنَ بالأمير كثيرُ ... والأميُر الذي بها المأمول
الذي زُلتُ عنه شرقاً وغرباً ... ونَداه مُقابلي ما يزول
стр. 106
ومعي حيثما سلكتُ كأني ... كلُّ وجه له بوجهي كفيل
فإذا العذلُ في الندى زار سمعا ... فَفِداه العذولُ والمعذولُ
ومَوالٍ تُحييهمُ من يديه ... نِعَمُ غيرُهم بها مقتول
فرس سابقُ ورمحُ طويل ... ودِلاصُ زَغْفُ وسيفُ صقيل
وأرسل إليه من بغداد قصيدة جواب كتاب ورد منه في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وهي:
فهمتُ الكتابَ أبَّر الكُتُب ... فسمعاًلأمرِ أميرِ العربْ
إلى أن قال:
стр. 107
وما لاقني بلدُ بعدكم ... ولا اعتضتُ من ربّ نعمايَ ربْ
ومن ركب الثورَ بعد الجوا - دِ أنكر أظلافه والغَبَبْ
وما قِستُ كلّ مُلوك البلاد ... فدع ذكر بعضٍ بمن في حلب
ولو كنتُ سّميتُهم باسمه ... لكان الحديدَ وكانوا الخشب
أفي الرأي يُشبه أم في السخا - ءَ أم في الشجاعة أم في الأدب؟ ولما عزم أبو الطيب على الرحيل من حلب، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة لم يجد بلدا أقرب إليه من دمشق؛ لأن حمص كانت من بلاد سيف الدولة،
стр. 108
فسار إلى الشام، وألقى بها عصا تَسياره، وكان بدمشق يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور ملك مصر، فالتمس من المتنبي أن يمدحه، فثقل عليه، فغضب ابن ملك، وجعل كافور الإخشيدي يكتب في طلب المتنبي من ابن ملك، فكتب إليه ابن ملك: إن أبا الطيب قال: لم أقصد العبد وإن دخلت مصر فما قصدي إلا قصدي إلا ابن سيده، ونَبَت دمشق بأبي الطيب، فسار إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسين بن طغح هدايا نفيسة،
стр. 109
وخلع عليه، وحمله على فرس بمركب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وكان كافور الإخشيدي يقول لأصحابه: أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟ وأخبر المتنبي أنه واجد عليه ثم كتب كافور يطلبه من أمير الرملة، فسار إليه.
وكافور هذا عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين قبيح القدمين ثقيل البدن لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال فقال رأيت أمة سوداء تأمر وتنهي، وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر يعرفون ببني عياش يستخدمونه في
стр. 110
مصالح السوق، وكان ابن عياش يربط في رأسه حبلا إذا أراد النوم فإذا أراد منه حاجة جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا هذا الأسود خفيف الروح، وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة، ومات سيده أبو بكر بن طغج وولده صغير، وتقيد الأسود بخدمته وأخذته البيعة لولد سيده، وتفرد الأسود بخدمته وخدمة والدته، فقرب من شاء وبعد من شاء فنظر الناس إليه من صغر هممهم، وخسة أنفسهم، فسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى
следующие страницы →