← Акыда

Акыда · id 21499

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ابن تيمية

Полный текст (196 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من الملائكة مسومين﴾ . كذاب ثقيف ومبيرها وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة، كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام. وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الاسلام: المختار ابن أبي عبيد الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» وكان الكذاب: المختار ابن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف فقيل لابن عمر وابن عباس إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق قال تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم﴾ . وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحي إليه، فقال: قال الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ . تفنيد مزاعم ابن عربي وهذه الأرواح الشيطانية، هي الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعا

стр. 107

من الخلوات بطعام معين، وشيء معين، وهذه مما تتفتح لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء. احواله الشيطانية وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عددا، ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق، تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كاتت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس أو لعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحوذلك. ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية، كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية والفصوص. مدحه الكفار وأشباه ذلك يمدح الكفار، مصل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، وينتقص الأنبياء، كنوح وإبراهيم وموسى وهارون، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين، كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهما. ويمدح المذمومين عند المسلمين، كالحلاج ونحوه، كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية. عقيدته في القديم والمحدث فإن الجنيد - قدس الله روحه - كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق.

стр. 108

وصاحب الفصوص أنكر هذا وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له: يا جنيد ! هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما؟ فخطأ الجنيد في قوله: إفراد الحدوث عن القدم، لأن قوله هو: إن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قاله في فصوصه: ومن أسمائه الحسنى: (العلي) على من؟ وما ثم إلا هو. وعن ماذا؟ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات، هي العلية لذاتها، وليست إلا هو ... إلى أن قال: هو عين ما بطن، وهو عين ماظهر، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من الأسماء المحدثات. فيقال لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثا غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره، وليس هو ثالثا، فالعبد يعرف أنه عبد، ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق ﷻ يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم، وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن غير غير موضع، والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنا وظاهرا. زعمهم أن القرآن شرك لأنه خالف الفصوص وأما هؤلاء الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني

стр. 109

منهم، وهو أحذقهم في اتحادهم - لما قرىء عليه الفصوص فقيل له القرآن يخالف فصوصكم فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له: فإذا كان الوجود واحدا، فلم كانت الزوجة حلالا والأخت حراما؟ فقال: الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم. نقد فكرة وحدة الوجود وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر، فإن الوجود إذا كان واحدا، فمن المحجوب ومن الحاجب؟ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده: من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب. فقال له مريده: فمن هو الذي يكذب؟ قالوا لآخر: هذه مظاهر. فقال لهم: المظاهر غير المظاهر، أم هي؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة، وإن كانت إياها فلا فرق. وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر، وبينا حقيقة قول كل واحد منهم، وإن صاحب الفصوص يقول: المعدوم شيء، ووجود الحق فاض عليهما، فيفرق بين الوجود والثبوت. والمعتزلة الذين قالوا: المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه، فإن أولئك قالوا: إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودا ليس هو وجود الرب، وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليه، فليس عنده وجود

стр. 110

مخلوق مباين لوجود الخالق، وصاحبه الدرالقونوي يفرق بين المطلق والمعين، لأنه كان أقرب إلى الفلسفة، فلم يقر بأن المعدوم شيء، لكن جعل الحق هو الوجود المطلق، وصنف مفتاح غيب الجمع والوجود. القول في تعطيلهم الخالق القول في تعميم الألوهية وهذا القول أدخل في تعطيل الخالق وعدمه، فإن المطلق بشرط الأطلاق، وهو الكلي العقلي، لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط، وهو الكلي الطبيعي. وإن قيل: إنه موجود في الخارج، فلا يوجد إلى معينا، وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج، فيلزم أن يكون وجود الرب، إما منتفيا في الخارج، وإما أن يكون جزءا من وجود المخلوقات، وإما أن يكون عين وجود المخلوقات. وله يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفسه؟ أم العدم يخلق الوجود؟ أو يكون بعض الشيء خالقا لجميعه؟ وهؤلاء يفرون من لفظ الحلول لأنه يقتضي حالا ومحلا، ومن لفظ الاتحاد، لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحد ويقولون: النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمموا لما كفروا. وكذلك يقولون في عباد الأصنام: إنما أخطأوا لما عبدوا بعض الظاهر دون بعض، فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا

стр. 111

عندهم، والعارف المحقق عندهم لا يضره عبادة الأصنام. القول في طلبهم ترك العقل والشرع وهذا ما فيه من الكفر العظيم، ففيه ما يلزمهم دائما من التناقض لأنه يقال لهم: فمن المخطىء؟ لكنهم يقولون: إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التبي يوصف بها المخلوق، ويقولون: إن المخلوقات يوصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق ويقولون ما قاله صاحب الفصوص: فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفا أو عقلا أو شرعا، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة. وهم مع كفرهم هذا لا يندفع عنهم التناقض، فإنه معلوم بالحس والعقل أن هذا ليس هو ذاك، وهؤلاء يقولون ماكان يقوله التلمساني إنه ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل. ويقولون من أراد التحقيق - يعني تحقيقهم - فيترك العقل والشرع. وقد قلت لمن خاطبته منهم: ومعلوم أن كشف الأنبياء أعظم وأتم من كشف غيرهم، وخبرهم أصدق من خبر غيرهم، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته لا بما يعرف الناس بعقولهم أنه

стр. 112

ممتنع، فيخبرون بمجازات العقول لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول ما يناقض صريح العقول، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان، سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا، فكيف بمن ادعى كشفا يناقض صريح الشرع والعقل؟ !. وهؤلاء قد لا يتعمدون الكذب، لكم يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج، وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين، وتكون من تلبيسات الشياطين. تقديمهم الأولياء على الأنبياء وقولهم بعدم انقطاع النبوة وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء، ويذكرون أن النبوة لم تنقطع. القول في المعصية كما يذكر عن ابن سبعين وغيره، ويجعلون المراتب ثلاثة: يقولون: العبد يشهد أولا طاعة ومعصية، ثم طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، والشهود الأول هو الشهود الصحيح، وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأما الشهود الثاني، فيريدون به شهود القدر، كما أن بعض هؤلاء يقول: أنا كافر برب يعصى، وهذا يزعم أن المعصية: مخالفة الإرادة التي هي المشيئة، والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة، ويقول شاعرهم:

стр. 113

أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، فإن المعصية التي يستحق صاحبها الذم والعقاب، مخالفة أمر الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وسنذكر الفرق بين الإرادة الكونية والدينية، والأمر الكوني والديني وكانت هذه المسألة قد اشتبهت على طائفة من الصوفية، فبينها الجنيد ﵀ لهم، فمن اتبع الجنيد فيها كان على السداد، ومن خالفه ضل، لأنهم تكلموا بأن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته وفي شهود هذا التوحيد، وهذا يسمونه الجمع الأول فبين لهم الجنيد أنه لا بد من شهود الفرق الثاني، وهو أنه مع شهود كون الأشياء كلها مشتركة في مشيئة الله وقدرته وخلقه، يجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه، وبين ما ينهى عنه ويكره ويسخطه، ويفرق بين أوليائه وأعدائه، كما قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون﴾ .

стр. 114

وقال تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ وقال تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ . وقال تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون﴾ . ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا رب غيره، وهو مع ذلك أمر بالطاعة ونهى عن المعصية وهو لايحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، وإن كانت واقعة بمشيئته، فهو لا يحبها، ولا يرضاها، بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم. وأما المرتبة الثالثة: أن لا يشهد طاعة ولا معصية، فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أن هذا غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الالحاد في أسماء الله وآياته، وغاية العداوة لله، فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء، وقد قال تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ ولا يتبرأ من

стр. 115

الشرك والأوثان فيخرج عن ملة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، قال الله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ ، وقال الخليل ﵇ لقومه المشركين: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ . القول في قصيدة نظم السلوك وتوهم ابن الفارض الالوهية وقال تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ ، وهؤلاء قد صنف بعضهم كتبا وقصائد على مذهبه، مثل قصيدة ابن الفارض المسماة: بنظم السلوك، يقول فيها: لها صلواتي في المقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة

стр. 116

إلى أن قال: ما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي صلت إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادى أجابت من دعاني ولبت إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد ويقول: إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين بطلان ما كان يظنه، وقال الله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ ، فجميع ما في السماوات والأرض يسبح لله، ليس هو الله، ثم قال تعالى: ﴿له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت

стр. 117

وهو على كل شيء قدير * هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ . وفي صحيح مسلم «عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والانجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء. وأنت الباطن فليس دونك شيء. اقض عني الدين، وأغنني من الفقر» . ثم قال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ فذكر أن السماوات والأرض، وفي موضع آخر: ﴿وما بينهما﴾ مخلوق مسبح له، وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء. معية الله بعلمه لا بذاته وهي عامة وخاصة وأما قوله: ﴿وهو معكم﴾ فلفظ ﴿مع﴾ لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر، كقوله

стр. 118

تعالى: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ، وقوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار﴾ ، وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ ، ولفظ ﴿مع﴾ جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة في هذه الآية وفي آية المجادلة: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ ، فافتتح الكلام بالعلم، وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه. وأما المعية الخاصة، ففي قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ ، وقوله تعالى لموسى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ ، وقال تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ يعني النبي ﷺ وأبا بكر ﵁، فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين.

стр. 119

فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان، تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ أي هو إله من في السماوات وإله من في الأرض كما قال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ ، كما فسره أئمة العلم، كـ الإمام أحمد وغيره: أنه المعبود في السماوات والأرض. القول في الصفات، ليس كمثله شيء القول في الصفات، ليس كمثله شيء وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء، ولا كقوله، في شيء من صفات الكمال، كما قال الله تعالى: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾ . وقال ابن عباس: الصمد: العليم الذي كمل في علمه، والعظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده.

стр. 120

وقال ابن مسعود وغيره: هو الذي لا جوف له. والأحد: الذي لا نظير له. فاسمه (الصمد) يتضمن اتصافه بصفات الكمال، ونفي النقائص عنه، واسمه (الأحد) يتضمن اتصافه أنه لا مثل له. وقد بسطنا الكلام على تفسير ذلك في هذه السورة وفي كونها تعدل ثلث القرآن. الله تعالى خالق كل شيء ومليكه الله تعالى خالق كل شيء ومليكه وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق الأمرية الدينية الايمانية بالحقائق الخلقية القدرية الكونية، فإن الله له الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ ، فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون، فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه، وهو سبحانه أمر

стр. 121

بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله، أمر بالتوحيد والاخلاص. الشرك أعظم الذنوب أوامر الله ونواهيه الشرك أعظم الذنوب أوامر الله ونواهيه ونهى عن الاشراك بالله، فأعظم الحسنات التوحيد، وأعظم السيئات الشرك. قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ . وفي الصحيحين «عن ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» ، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له

стр. 122

العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ . وأمر سبحانه بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وأخبر أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وهو يكره ما نهى عنه، كما قال في سورة (سبحان) : ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ . وقد نهى عن الشرك وعقوق الوالدين، وأمر بإيتاء ذي القربى الحقوق، ونهى عن التبذير، وعن التقتير، وأن يجعل يده مغلولة إلى عنقه، وأن يبسطها كل البسط، ونهى عن قتل النفس بغير الحق، وعن الزنا، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. إلى أن قال: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ . دعاء النبي لله واستغفاره دعاء النبي لله واستغفاره وهو سبحانه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائما قال الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ .

стр. 123

وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» . وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» . وفي السنن عن ابن عمر قال: «كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، مائة مرة» . أو قال: «أكثر من مائة مرة» . وقد أمر الله سبحانه عباده أن يختموا الأعمال الصالحات

стр. 124

بالاستغفار، «فكان النبي ﷺ إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثا ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» . كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه وقد قال تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالأسحار. وكذلك ختم سورة (المزمل) وهي سورة قيام الليل بقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ . وكذلك قال في (الحج) : ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين * ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ . بل أنزل في آخر الأمر لما غزا النبي ﷺ غزوة تبوك وهي آخر غزواته: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد

стр. 125

ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾ وهي من آخر ما نزل من القرآن. وقد قيل: إن آخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ فأمره الله تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنه ﷺ «كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي - يتأول القرآن» . وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه «كان يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم

стр. 126

به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسرت وما أعلنت، لا إله إلا أنت» . وفي الصحيحين أن أبا بكر ﵁ قال: «يا رسول الله علمني دعاء أدعوا به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» . وفي السنن عن أبي بكر ﵁ قال: «يا رسول الله! علمني دعاء أدعوا به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن

стр. 127

أقترف على نفسي سوءا، أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا إخذت مضجعك» . عدم الاصرار على الذنب من محبة الله للعبد عدم الاصرار على الذنب من محبة الله للعبد فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائما قال الله ﵎: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما﴾ . فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبته عباده الصالحين ومغفرته لهم. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . وهذا

стр. 128

لا ينافي قوله: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ ، فإن الرسول ﷺ نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب. وقول من قال: إذا أحب الله عبدا لم تضره الذنوب، معناه أنه إذا أحب عبدا ألهمه التوبة والأستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها، فهو ضال مخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وإنما عباده الممدوحون هم المذكورون في قوله: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ . جعل القدر حجة لأهل الذنوب من الشرك ومن ظن أن القدر حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ . قال الله تعالى ردا عليهم: ﴿كذلك

стр. 129

كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ . ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل، كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات، وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب، فعليه أن لا يذم أحدا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه، بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل معه خيرا وبين من يفعل معه شرا، وهذا ممتنع طبعا وعقلا وشرعا. وقد قال تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ ، وقال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ وقال تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ ، وقال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ ، وقال

стр. 130

تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى. حديث: " احتج آدم وموسى" ... تخريج الحديث وشرحه حديث: احتج آدم وموسى ... تخريج الحديث وشرحه وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «احتج آدم وموسى، قال موسى: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده؟ فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ ؟ قال: بأربعين سنة؟ قال: فلم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى» أي غلبه بالحجة. وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت له لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة. وقد يقولون القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، أو الذين لا يرون

стр. 131

أن لهم فعلا، ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى، وكل هذا باطل. الأمر بالصبر عند المصائب ولكن وجه الحديث أن موسى ﵇ لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وقد تاب منه أيضا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ . والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ ، فأمره بالصبر على المصائب، والاستغفار من المعائب. وقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ . قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة يعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.

стр. 132

فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل المرض والفقر والذل، صبروا لحكم الله، وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم، كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي فافتقر أولاده لذلك، فعليهم أن يصبروا لما أصابهم، وإذا لاموا الأب لحظوظهم، ذكر لهم القدر. الرضى بحكم الله أعلى مرتبة من الصبر والصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضى بحكم الله، والرضى قد قيل: إنه واجب، وقيل: هو مستحب، وهو الصحيح، وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها، جعلها سببا لتكفير خطاياه، ورفع درجته، وإنابته إلى الله وتضرعه إليه، وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين. أهل البغي عند الطاعة قدريون وعند المعصية جبريون وأما أهل البغي والضلال فتجدهم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم، ويضيفون الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. وأهل الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنة، شهدوا أنعام الله عليهم بها، وأنه هو الذي أنعم عليهم وجعلهم مسلمين، وجعلهم يقيمون الصلاة، وألهمهم التقوى، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى،

стр. 133

وإذا فعلوا سيئة استغفروا الله وتابوا إليه منها. سيد الاستغفار ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأن عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة» . حديث: " يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي .. " حديث: يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي.. وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ «فيما يروي عن ربه ﵎ أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطؤون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي، فاستغفروا أغفر لكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار ألا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي كلكم ضال إلا من هيدته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا

стр. 134

عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» . فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من خير وأنه إذا وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه. الفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية وكثير من الناس يتكلم بلسان الحقيقة، ولا يفرق بين الحقيقة الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته، وبين الحقيقة الدينية الأمرية المتعلقة برضاه ومحبته، ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقا لما أمر الله به على ألسن

стр. 135

رسله، ولا يفرق بين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة، كما أن لفظ الشريعة يتكلم به كثير من الناس، ولا يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر، وبين الشرع الذي هو حكم الحاكم، فالحاكم تارة يصيب وتارة يخطىء. هذا إذا كان عالما عادلا. أفضل القضاة وإلا ففي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى بغيره فهو في النار» . وأفضل القضاء العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد ﷺ . فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإ، ما أقطع به قطعة من النار» .

стр. 136

فقد أخبر سيد الخلق أنه إذا قضى بشيء مما سمعه وكان في الباطن يخلاف ذلك، لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضي به له، وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار. وهذا متفق عليه بين العلماء في الأملاك المطلقة. إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبينة والاقرار، وكان الباطن بخلاف الظاهر، لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضي به له بالاتفاق. وإن حكم في العقود والفسوخ بمثل ذلك، فأكثر العلماء يقول: إن الأمر كذلك، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وفرق أبو حنيفة ﵁ بين النوعين. مدلول لفظ الشرع والشريعة فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن

стр. 137

لأحد من أولياء الله طريقا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنا وظاهرا فلم بتابعه باطنا وظاهرا فهو كافر. الاحتجاج بقصة موسى مع الخضر ودفعه من وجهين ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر، كان غالطا من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل، وأما محمد ﷺ فرسالته عامة لجميع الثقلين: الجن، والأنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر، كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيا أو وليا؟! ولهذا قال الخضر لموسى: (أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله، لا أعلمه) وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا. الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح

стр. 138

ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفا من الظالم أن يأخذها، إحسان إليهم، وذلك جائز، وقتل الصائل جائز وإن كان صغيرا، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاء قتله. قال ابن عباس ﵄ لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان، قال له: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم، رواه البخاري. وأما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر على الجوع، فهذا من صالح الأعمال، فلم يكن في ذلك شيء مخالفا شرع الله. وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم، فقد يكون ظالما، وقد يكون عادلا، وقد يكون صوابا، وقد يكون خطأ، وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه، كأبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك، كان جائزا، أي ليس اتباع أحدهم واجبا على جميع الأمة، كاتباع الرسول ﷺ ،

стр. 139

ولا يحرم تقليد أحدهم، كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم. وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس منها من أحاديث مفتراه، أو تأول النصوص بخلاف مراد الله، ونحو ذلك، فهذا من نوع التبديل فيجب الفرق بين الشرع المنزل، والشرع المؤول، والشرع المبدل، كما يفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية الأمرية، وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة وبين ما يكتفي فيها بذوق صاحبها ووجده. الإرادة الكونية وقد ذكر الله في كتابه: الفرق بين الإرادة والأمر والقضاء والإذن والتحريم والبعث والإرسال والكلام والجعل، وبين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه، وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا يثيب أصحابه، ولا يجعلهم من أوليائه المتقين، وبين الديني الذي أمر به وشرعه وأثاب فاعليه وأكرمهم، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين وجنده الغالبين، وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين أولياء الله وأعدائه، فمن استعمله الرب فيما يحبه ويرضاه، ومات على ذلك، كان من أوليائه، ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه، ومات على ذلك كان من أعدائه.

стр. 140

فالإرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وإرادته الكونية، والارادة الدينية هي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعا ودينا. وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ . وقال نوح ﵇ لقومه: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ ، وقال تعالى: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ ، وقال تعالى في الثانية: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ . وقال في آية الطهارة: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ . ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح قال: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما *

стр. 141

يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ . الأمر وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي ﷺ وما نهاهن عنه: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ ، والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، فمن أطاع أمره كان مطهرا قد أذهب عنه الرجس، بخلاف من عصاه. وأما الأمر، فقال في الأمر الكوني: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ ، وقال تعالى: ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ ، وقال تعالى: ﴿أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ . وأما الأمر الديني فال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ . وقال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾

стр. 142

الاذن القضاء وأما الإذن، فقال في الكوني لما ذكر السحر: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ أي بمشيئته وقدرته، وإلا فالسحر لم يبحه الله . وقال في الإذن الديني: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه﴾ ، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ ، وقال تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وأما القضاء فقال في الكوني: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ ، وقال سبحانه: ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ . وقال في الديني: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ أي أمر، وليس المراد به: قدر ذلك، فإنه قد عبد غيره، كما أخبر في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ .

стр. 143

وقال الخليل ﵇ لقومه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ ، وقال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء﴾ وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين﴾ . وهذه كلمة تقتضي براءته من دينهم، ولا تقتضي رضاه بذلك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون﴾ . ومن ظن من الملاحدة أن هذا رضى منه بدين الكفار، فهو من أكذب الناس وأكفرهم، كمن ظن أن قوله: ﴿وقضى ربك﴾ بمعنى قدر، وأن الله سبحانه ما قضى بشيء إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب.

стр. 144

البعث الارسال الجعل وأما لفظ البعث، فقال تعالى في البعث الكوني: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا﴾ . وقال في البعث الديني: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ . وأما لفظ الإرسال فقال في الإرسال الكوني: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا﴾ وقال تعالى: ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ . وقال في الديني: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾ وقال تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ . وأما لفظ الجعل فقال في الكوني ﴿وجعلناهم أئمة يدعون

стр. 145

إلى النار﴾ . وقال في الديني: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ وقال تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ . التحريم الكلمات وأما لفظ التحريم، فقال في الكوني: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ وقال تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ . وقال في الديني: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ وقال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ الآية. وأما لفظ الكلمات، فقال في الكلمات الكونية: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ . وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه «كان يقول: أعوذ بكلمات الله التامة كلها من شر ما خلق، ومن غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» .
следующие страницы →