← Акыда

Акыда · id 21499

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ابن تيمية

Полный текст (196 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ . الأمر وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي ﷺ وما نهاهن عنه: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ ، والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، فمن أطاع أمره كان مطهرا قد أذهب عنه الرجس، بخلاف من عصاه. وأما الأمر، فقال في الأمر الكوني: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ ، وقال تعالى: ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ ، وقال تعالى: ﴿أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ . وأما الأمر الديني فال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ . وقال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾

стр. 142

الاذن القضاء وأما الإذن، فقال في الكوني لما ذكر السحر: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ أي بمشيئته وقدرته، وإلا فالسحر لم يبحه الله . وقال في الإذن الديني: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه﴾ ، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ ، وقال تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وأما القضاء فقال في الكوني: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ ، وقال سبحانه: ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ . وقال في الديني: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ أي أمر، وليس المراد به: قدر ذلك، فإنه قد عبد غيره، كما أخبر في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ .

стр. 143

وقال الخليل ﵇ لقومه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ ، وقال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء﴾ وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين﴾ . وهذه كلمة تقتضي براءته من دينهم، ولا تقتضي رضاه بذلك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون﴾ . ومن ظن من الملاحدة أن هذا رضى منه بدين الكفار، فهو من أكذب الناس وأكفرهم، كمن ظن أن قوله: ﴿وقضى ربك﴾ بمعنى قدر، وأن الله سبحانه ما قضى بشيء إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب.

стр. 144

البعث الارسال الجعل وأما لفظ البعث، فقال تعالى في البعث الكوني: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا﴾ . وقال في البعث الديني: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ . وأما لفظ الإرسال فقال في الإرسال الكوني: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا﴾ وقال تعالى: ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ . وقال في الديني: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾ وقال تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ . وأما لفظ الجعل فقال في الكوني ﴿وجعلناهم أئمة يدعون

стр. 145

إلى النار﴾ . وقال في الديني: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ وقال تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ . التحريم الكلمات وأما لفظ التحريم، فقال في الكوني: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ وقال تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ . وقال في الديني: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ وقال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ الآية. وأما لفظ الكلمات، فقال في الكلمات الكونية: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ . وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه «كان يقول: أعوذ بكلمات الله التامة كلها من شر ما خلق، ومن غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» .

стр. 146

وقال ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» . وكان يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارقا يطرق بخير يارحمن» . وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، هي التي كون بها الكائنات، فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته وأما كلماته الدينية، وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه، فأطاعها الأبرار، وعصاها الفجار. تعريف أولياء الله المتقين واعدائه وأولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية، وجعله الديني، وإذنه الديني، وإرادته الدينية. وأما كلماته الكونية التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، فإنه يدخل تحتها جميع الخلق، حتى إبليس وجنوده وجميع

стр. 147

الكفار وسائر من يدخل النار، فالخلق وإن اجتمعوا في شمول الخلق والمشيئة والقدرة والقدر لهم، فقد افترقوا في الأمر والنهي والمحبة والرضى والغضب. وأولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور، وتركوا المحظور، وصبروا على المقدور، فأحبهم وأحبوه، ورضي عنهم ورضوا عنه. وأعداؤه أولياء الشياطين، وإن كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم، ويغضب عليهم ويلعنهم ويعادلهم. مجامع الفرق بين الولايتين وبسط هذه الجمل له موضع آخر، وإنما كتبت هنا تنبيها على مجامع الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجمع الفرق بينهما اعتبارهم بموافقة رسول الله ﷺ ، فإنه هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء، وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة، وأعدائه أهل النار، وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد، وبين أعدائه أهل الغي والضلال والفساد، وأعدائه حزب الشيطان، وأوليائه الذين كتب في قولبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه قال تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إذ

стр. 148

يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ . وقال في أعدائه: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ وقال: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ ، وقال: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون * والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ . من كتاب الله وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين * ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين * وإنه لتذكرة للمتقين * وإنا لنعلم أن منكم مكذبين * وإنه لحسرة على الكافرين * وإنه لحق اليقين * فسبح

стр. 149

باسم ربك العظيم﴾ ، وقال تعالى: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ ، إلى قوله: ﴿إن كانوا صادقين﴾ . فنزه نبينا محمدا ﷺ عمن تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين، وبين أن الذي جاءه بالقرآن ملك كريم اصطفاه. وقال تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ ، وقال تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ وقال تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ الاية، وقال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ إلى قوله: ﴿وبشرى للمسلمين﴾ ، فسماه الروح الأمين وسماه روح القدس، وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس﴾ يعني الكواكب التي تكون في السماء خانسة، أي مختفية قبل طلوعها، فإذا ظهرت رآها الناس جارية في السماء فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي يحجبها ﴿والليل إذا عسعس﴾ أي إذا أدبر وأقبل الصبح ﴿والصبح إذا تنفس﴾ أي أقبل

стр. 150

﴿إنه لقول رسول كريم﴾ وهو جبريل ﵇ ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ أي مطاع في السماء أمين، ثم قال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ أي صاحبكم الذي من الله عليكم به، إذ بعثه إليكم رسولا من جنسكم يصحبكم إذ كنتم لا تطيقون أن تروا الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ أي رأى جبريل ﵇ ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ أي بمتهم، وفي القراءة الأخرى ﴿بضنين﴾ أي ببخيل يكتم العلم ولا يبذله الإ بجعل، كما يفعل من يكتم العلم إلا بالعوض ﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾ فنزه جبريل ﵇ عن أن يكون شيطانا، كما نزه محمدا ﷺ عن أن يكون شاعرا أو كاهنا. من المعقول الشرعي فأولياء الله المتقدون بمحمد صلىالله عليه وسلم، فيفعلون ما أمر به، وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها

стр. 151

أولياءه المتقين وخيار أولياء الله، كراماتهم لحجة في الدين، أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم ﷺ كذلك. كيف تحصل كرامات أولياء الله وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله ﷺ . فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ . كرامات النبي ﷺ مثل انشقاق القمر وتسبيح الحصا في كفه، وإتيان الشجر إليه،

стр. 152

وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس، وإخباره بما كان وما يكون، وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص، في حديث أم سليم المشهور، وروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل

стр. 153

ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفا ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتىكفى الناس الذين كانوا معه، كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة، ورده لعين أبي قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه، ولما أرسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن

стр. 154

الأشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرأت، وأطعم من شواء مائة وثلاثين رجلا كلا منهم حز له قطعة، وجعل منها قصعتين فأكلوا منهما جميعهم، ثم فضل فضله. وقضى (دين) عبد الله أبي جابر لليهودي وهو ثلاثون وسقا. قال جابر: فأمر صاحب الدين أن يأخذ التمر جميعه بالذي كان له فلم يقبل، فمشى فيها رسول الله ﷺ ، ثم قال لجابر: جد له، فوفاه الثلاثين وسقا، وفضل سبعة عشر وسقا ومثل هذا كثير، قد جمعت نحو ألف معجزة. كرامات الصحابة والتابعين وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا، مثل ما كان أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج، وهي الملائكة نزلت لقرائته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة، فسبحت

стр. 155

الصحفة أو سبح ما فيها. و «عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة، فأضاء لهما نور مثل طرف السوط، فلما افترقا، افترق الضوء معهما» رواه البخاري وغيره. وقصة الصديق في الصحيحين «لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر وامرأته، فإذا هي أكثر مماكانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ ، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا» . وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى، وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة. وعامر بن فهيرة قتل شهيدا، فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما كان قتل رفع، فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع. وقال عروة: فيرون الملائكة رفعته.

стр. 156

وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة، سمعت حسا على رأسها، فرفعته فإذا دلو معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها. «وسفينة مولى رسول الله ﷺ أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله ﷺ ، فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده» . والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء! أقسم على ربك، فيقول: يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فيهزم العدو، فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا. وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم، فشربه فلم يضره.

стр. 157

وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، ما دعا قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق. وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى سارية، فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر: يا سارية! الجبل، يا سارية الجبل الجبل، فقدم رسول الجيش فسأله، فقال يا أمير المؤمنين! لقيننا عدونا فهزمونا فإذا بصائح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. ولما عذبت الزنيرة على الاسلام في الله، فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها، قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى، قالت: كلا والله، فرد الله عليها بصرها. ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمى بصرها لما كذبت عليه، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها

стр. 158

واقتلها في أرضها فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت. والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، فيستجاب له، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضؤوا، لما عدموا الماء، والإسقاء لما بعدهم، فأجيب. ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم، فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللحد، وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن معه من المعسكر على دجلة، وهي ترمي بالخشب من مدها، ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة، فقال: اتبعني، فتبعته فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها، وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمد رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بنار فألقي فيها، فوجدوه قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما.

стр. 159

وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ ، فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق ﵄، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله، ووضعت له جاريته السم في طعامه فلم يضره، وخببت امرأة عليه زوجته، فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت، فدعا لها فرد الله عليها بصرها. وكان عمر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه، ومايلقاه سائل في طريقه ألا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها. ومر بقافلة قد حبسهم الأسد، فجاء حتى مس بثيابه الأسد، ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإني أستحيي من الله أن أخاف شيئا غيره، ومرت القافلة، ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار، ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة، فلم يقدر عليه. وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج - كان يؤذيهم - فخر ميتا. وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة. ودعا الله فأحيا له

стр. 160

فرسه، فلما وصل إلى بيته قال: يا بني خذ سرج الفرس فانه عارية، وأخذ سرجه فمات الفرس. وجاع مرة بالأهواز، فدعا الله استطعمه، فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل التمر، وبقي الثوب عند زوجته زمانا. وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضه بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع، فولى الأسد وله زئير. وكان سعيد ين المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله ﷺ في أوقات الصلوات، وكان المسجد قد خلا، فلم يبقى غيره. ورجل من النخع كان له حمار فمات في الطريق، فقال له أصحابه: هلم نتوزع متاعك على رحالنا، فقال لهم: أمهلوني هنيهة، ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين، ودعا الله تعالى فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه. ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد في صخرة، فدفنوه فيه وكفنوه، في تلك الأثواب. وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر

стр. 161

فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه، لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم. وكان مطرف بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة، فأضاء لهما طرف السوط. ولما مات الأحنف بن قيس، وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر. وكان إبراهيم التميمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا، وخرج يمتار لأهله طعاما فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاما من غير تكلف. فكان إذا قرأ بكى وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من أين يأتيه. وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج، فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء، فكانت وقت الوضوء تطلق له أعضاءه ثم تعود بعدها.

стр. 162

وهذا باب واسع. (و) قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع. وأما ما نعرفه نحن عيانا ونعرفه في هذا الزمان فكثير، ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضعيف الايمان أو المحتاج، أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك، لعلو درجته وغناه عنها، لنقص ولايته. ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة. بعض الأحوال الشيطانية وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية، مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ ، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان. قال له النبي ﷺ : «قد خبأت لك خبأ، قال: الدخ الدخ. وقد كان خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي ﷺ : إخسأ فلن تعدو قدرك» يعني إنما أنت من إخوان الكهان،

стр. 163

والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم» . وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: «بينما النبي ﷺ في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار، فقال النبي ﷺ : ماكنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم. قال رسول الله ﷺ : فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربنا؟ فيخبرونهم، ثم يستخير أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا. وتخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه

стр. 164

إلى أوليائهم، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون» . وفي رواية، قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنها غلظت حين بعث النبي ﷺ . والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه. وكذلك مسيلمة الكذاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات ويعينه على بعض الأمور.

стр. 165

وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يرى الناس رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه. فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله فسمى الله فطعنه فقتله. آية الكرسي تطرد الشياطين وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها، مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ «لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فيقول له النبي ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: كذبك وأنه سيعود فلما كان في المرة الثالثة، قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فأقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 166

قال: صدقك وهو كذوب وأخبره أنه شيطان» . ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها، مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أو يحضر سماع المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلاما لا يعلم، وربما لا يفقه. وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة، كما يتكلم الجني على لسان المصروع. والانسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس ولبسه وتكلم على لسانه، فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال. ولهذا قد يضرب المصروع (ضربا كثيرا حتى قد يقتل مثله الإنسي أو يمرضه لو كان هو المضروب) وذلك الضرب لا يؤثر في الإنسي، ويخبر إذا أفاق أنه لم يشعر بشيء، لأن الضرب كان على الجني الذي لبسه.

стр. 167

ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة، أو بيت المقدس أو غيرهما، ومنهم من يحملهم عشية عرفة، ثم يعيده من ليلته، فلا يحج حجا شرعيا، بل يذهب بثيابه، ولا يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يلبي، ولا يقف بمزدلفة، ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يرمي الجمار، بل يقف بعرفة بثيابه، ثم يرجع من ليلته، وهذا ليس بحج (مشروع باتفاق المسلمين، بل هو كمن يأتي الجمعة ويصلي بغير وضوء وإلى غير القبلة، ومن هؤلاء المحمولين، من حمل مرة إلى عرفات ورجع فرأى في النوم ملائكة يكتبون الحجاج) فقال: ألا تكتبوني؟ فقالوا: لست من الحجاج. يعني لم تحج حجا شرعيا. فروق بين كرامات الأولياء والأحوال الشيطانية وبين كرامات الأولياء، وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها، أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى، والأحوال الشيطانية، سببها ما نهى الله عنه ورسوله. وقد قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر

стр. 168

منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ فالقول على الله بغير علم، والشرك والظلم والفواحش، قد حرمها الله تعالى ورسوله. فلا تكون سببا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها شرك، كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش. أحوال شيطانية أخرى فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية. ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد. ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك المخلوق مسلما أو نصرانيا أو مشركا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله،

стр. 169

كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين. ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه، كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى. وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب، يموت لهم الميت، فيأتي الشيطان بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي الديون، ويرد الودائع، ويفعل أشياء تتعلق بالميت، ويدخل إلى زوجته ويذهب، وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار، كما تصنع كفار الهند، فيظنون أنه عاش بعد موته ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني، فأن أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمه شخصا في صورته، فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله، أي غسل الميت، غاب، وكان ذلك شيطانا، وكان قد أضل الميت، وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضا في صورته ليغوي الأحياء، كما أغوى الميت قبل ذلك. ومنهم من يرى عرشا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجروه واستعاذ بالله منه، فيزول.

стр. 170

ومنهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، وقد جرى هذا لغير واحد (وهؤلاء منهم من يرى ذلك عند قبر الذي يزوره، فيرى القبر قد انشق وخرج إليه صورة، فيعتقدها الميت، وإنما هو جني تصور بتلك الصورة. ومنهم من يرى فارسا قد خرج من قبره. أو دخل في قبره، ويكون ذلك شيطانا، وكل من قال: أنه رأى نبيا بعين رأسه فما رأى إلا خيالا) . ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر، إما الصديق ﵁ أوغيره قد قص شعره، أوحلقه، أو ألبسه طاقيته، أو ثوبه، فيصبح وعلى رأسه طاقية، وشعره محلوق، أو مقصر، إنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه، وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة، وهم درجات، والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وعلى مذهبهم، والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطىء، فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا، دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال، وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر، مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة، أويقلب فاتحة الكتاب، أو سورة الإخلاص، أو آية الكرسي، أو غيرهن، ويكتبهن

стр. 171

بنجاسة فيغورون له الماء، وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر، وقد يأتونه بمن يهواه من امرأة أو صبي، إما في الهواء، وإما مدفوعا ملجأ إليه. إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها. والإيمان بها، إيمان بالجبت والطاغوت والجبت: السحر. والطاغوت: الشياطين والأصنام وإن كان الرجل مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا، لم يمكنهم الدخول معه في ذلك، أو مسالمته. ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله، كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية، وكان أهل الشرك والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى، فيدعون الميت أو يدعون به، أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب - أقرب إلى الأحوال الشيطانية. اتخاذ القبور مساجد فإنه ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وثبت في صحيح مسلم عنه أنه «قال قبل أن يموت بخمس ليال: إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أهل الأرض لاتخذت

стр. 172

أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر، أن من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» . وفي الصحيحين عنه «أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة، وذكروا من حسنها وتصاوير فيها، فقال: إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصورا فيها تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» . وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه ﷺ قال: «أن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا القبور مساجد» .

стр. 173

وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» . وفي الموطأ عنه ﷺ أنه قال: «الله لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» . وقال ﷺ : «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» .

стр. 174

وقال ﷺ : «إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» . وقال ﷺ : «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يقولون: بليت - فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» . وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح ﵇: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا

стр. 175

سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ ، قال ابن عباس وغيره من السلف: هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، فكان هذا مبدأ عبادة الأوثان. فنهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب، فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة لصلاة المشركين، فسد هذا الباب. والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها كما يفعل أهل دعوة الكواكب، فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، ويسمون ذلك روحانية الكواكب، وهو شيطان، والشيطان وإن أعان الانسان على بعض مقاصده، فإنه يضره اضعاف ما ينفعه، وعاقبة من أطاعه إلى شر، إلا أن يتوب الله عليه.

стр. 176

حال أصنام الجاهلية وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت أو دعا به، أو ظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد، ويروون حديثا هو كذب باتفاق أهل المعرفة وهو: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك. ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الأصنام والنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات وهي من الشياطين، مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد أو يوضع عنده مصروع فيرون شيطانه قد فارقه يفعل الشيطان هذا ليضلهم، وإذا قرأت آية الكرسي هناك بصدق بطل هذا، فإن التوحيد يطرد الشيطان. ولهذا حمل بعضهم في الهواء فقال: لا إله إلا الله، فسقط، ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان. وهذا باب واسع لا يتسع له هذا الموضع. مغارات الشياطين ولما كان هذا الانقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله، صارت الشياطين كثيرا ما تأوي المغارات والجبال، مثل مغارة الدم التي بجبل قاسيون، وجبل لبنان الذي بساحل الشام، وجبل الفتح

стр. 177

بأسوان بمصر، وجبال بالروم وخراسان، وجبال بالجزيرة، وغير ذلك، وجبل اللكام، وجبل الأحيش، وجبل سولان قرب أردبيل، وجبل شهنك عند تبريز، وجبل ماشكو عند أتشوان، وجبل نهاوند، وغير ذلك من الجبال التي يظن بعض الناس أن بها رجالا من الصالحين من الإنس، ويسمونهم: رجال الغيب، وإنما هناك رجال من الجن، فالجن رجال، كما أن الإنس رجال، قال تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾ . ومن هؤلاء من يظهر بصورة شعراني، جلده يشبه جلد الماعز، فيظن من لا يعرفه أنه إنسي، وإنما هو جني. ويقال: بكل جبل من هذه الجبال الأربعون الأبدال. وهؤلاء الذين يظنون أنهم الأبدال هم جن بهذه الجبال، كما يعرف ذلك بطرق متعددة. وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه، وذكر ما نعرفه من ذلك، فإنا قد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه في هذا المختصر الذي كتب لمن سأل أن نذكر له من الكلام على أولياء الله تعالى ما يعرف به جمل ذلك. أقسام الناس في خوارق العادات والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام: قسم يكذب وجود ذلك لغير الأنبياء، وربما صدق به مجملا،

стр. 178

وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس، لكونه عنده ليس من الأولياء، ومنهم من يظن أن كل ما كان له نوع من خرق العادة كان وليا لله وكلا الأمرين خطأ. ولهذا تجد أن هؤلاء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب نصراء يعينونهم على قتال المسلمين، وأنهم من أولياء الله. وأولئك يكذبون أن يكون معهم من له خرق عادة، والصواب القول الثالث، وهو أن معهم من ينصرهم من جنسهم، لا من أولياء الله ، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ . وهؤلاء العباد والزهاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسنة، تقترن بهم الشياطين، فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، لكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضا، وإذا حصل من له تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم، ولابد أن يكون في أحدهم من الكذب جهلا أو عمدا، ومن الاثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم ليفرق الله بذلك بين أوليائه المتقين، وبين المتشبهين بهم من أولياء الشياطين. قال الله تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم﴾ والأفاك: الكذاب. والأثيم: الفاجر.

стр. 179

ما يقوي الأحوال الشيطانية من السماع والمكاء والتصدية ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية، سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين. قال الله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ . قال ابن عباس وابن عمر ﵃ وغيرهما من السلف: التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: مثل الصفير. فكان المشركون يتخذون هذا عبادة. سماع النبي للقرآن ومدح الله لهذا النوع من السماع أما النبي ﷺ وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، والاجتماعات الشرعية، ولم يجتمع النبي ﷺ وأصحابه على استماع غناء قط، لا بكف، ولا بدف، ولا تواجد، ولا سقطت بردته، بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه. وكان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون، و «مر النبي صلى الله بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له: مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك

стр. 180

فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا» ، أي لحسنته لك تحسينا، كما قال النبي ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» وقال ﷺ : «لله أشد أذنا -أي استماعا - إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» وقال ﷺ لابن مسعود: «إقرأ علي القرآن، فقال: أقرأ
следующие страницы →