← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2150

العزف على أنوار الذكر

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (275 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال عزفُ على أنوار الذِّكر معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة إعداد محمود توفيق محمد سعد أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف شبين الكوم ١٤٢٤هـ الطبعة الأولى: ١٤٢٤هـ الحقوق محفوظة للمؤلف المحتويات المقدمة المخل إلى المنهج الدعوة إلى التدبر مفهوم التدبر المبتغَى إليه بالتدبر مفهوم المعنى القرآني مجال التدبر والبحث عن المعنى القرآني مراحل الطريق إلى فقه المعنى القرآني توطئة ***************** الفصل الأول فقه موقع السورة على مدرجة السياق القرآني تنزلات القرآن وجه تسمية الفاتحة أم الكتاب محور المعنى في أم الكتاب البقرة رأس التفصيل وسنامه أنواع المعنى القرآني في السورة علاقة ذلك بتبيان موقع السورة على السياق الكلي علاقة هذا بغرض عبد القراهر من كتابه (أسرار البلاغة) مذهب السيوطي في بيان موقع السورة على السياق القرآني تأويل مذهبه مذهب شيخنا أبي موسى في علاقة الطواسيم ببعضها وموقع كل على السياق القرآني عناية البقاعي بموقع السورة في السياق القرآني بيانه علاقة البقرة بالفاتحة علاقة آل عمران بالبقرة والفاتحة مذهبه في تناسل مقاصد السور مذهبه في تقسم القرآن الكريم إلى مراحل علاقة مفتتح ومختتم كل مرحلة بمفتتح ومختتم المراحل الأخرى علاقة السور المفتتحة بالحمد ومواقعها في السياق القرآني مذهب السعد التفتازاني تفصيل البقاعي مذهب السعد تأويل الفصل بين السور المستفتحة بالحمد علاقة هذه السور الفاصلة بما قبلها وما بعدها ************** الفصل الثاني فقه وحدة سياق السورة ومقصودها الأعظم وجه تفصيل القرآن إلى سور دلالة التسمية بالسورة على وحدة المقصد من إعجاز القرآن عجز الخلائق عن إعادة نسق ترتيب آيات سوره فريضة العناية بالنظر في أول الكلام وآخره لمن تدبّر موقف الشاطبي من غاية الفقه وغاية البياني من تدبر القرآن الكريم أثر ذلك في تدبر وحدة مقصود السورة لكل سورة طابعها الروحي مذهب الشيخ دراز تحقيق المقصود سبيل إلى عرفان تناسب الآيات تشبيه السورة بالشجرة في تناسبها تشبيه السورة بالدائرة في بنائها تكرار القصص ووحدة مقصود السورة المقصد الكلّي هو الروح المهيمن روح التركيب عند الرافعي أثر روح التركيب في تمازج السياقين التشريعي والتكليفي في القرآن لا تفاوت بين بلاغة ضروب البيان التشريعي والتثقيفي روافد استصار المقصود الأعظم في السورة: اسم السورة منهج التسمية ووجه الدلالة فاتحة السورة خاتمةالسورة تدبر الفروق البيانية بين المعاني الكلية المصرفة في السورة تدبر المعاني الكلية الخاصة تدبر الفروق البيانية بين المعاني الجزئية المصرفة في السورة تكرار أو تصريف نمط تركيبي في سياق السورة المعجم اللغوي *********** الفصل الثالث تقسيم السورة إلى معاقد كلية اشتمال السور على معانٍ كلية مترابطة أساس تقسيم السور إلى معاقد كلية أثر هذا التقسيم تقسيم سورة البقرة إلى معاقد: المطلع والمقدمة - قلب السورة - خاتمتها تأصيل ذلك من السنّة والآثار الموقوفة والمرفوعة. مذهب الشيخ دراز في تقسيمها ما أذهب إليه في تقسيم سورة البقرة ووجه ذلك الاختيار علاقة معاقد سورة البقرة ببعضها ************ الفصل الرابع التحليل البياني لكلمات وجمل وآيات السورة بين يدي السفر في التأويل التحليل البياني هو القادر على إضاءة السورة من داخلها التحليل البياني قراءة تأويلية لبيان السورة منزلة الذاتية في التحليل البيلاني ما يقوم عليه المنهج اهمية العناية بالتصريف البياني عن المعنى القرآني في منهج التحليل البياني أهميبة العناية بتوجيه القراءات القرآنية في منهج التحليل البياني التحليل البياني بين التفكيك والتركيب مجال التحليل البياني للسورة التحليل البياني للمفردات التحليل البياني للتراكيب التحليل البياني للصورة البيانية التحليل البيان للجرس والإيقاع فاصلة القول بيان مهم هذا الكتاب نشرته في مصر، وقد تمَّ تدريسه لطلاب جامعة الأزهر كلية اللغة العربية في مادة (قاعة البحث البلاغي) ومن شاء أن يطبعه وينشره في طلاب العلم فله ذلك شريطة الحصول على إذن كتابيّ من المؤلف على عنوانه الآتي: جمهورية مصر العربية - القاهرة - حدائق الزيتون رقم بريدي ١١٣٢١ شارع سنَّان باشا رقم ١٧ - برج حمادة الشفة رقم ٤١١

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . أما بعد: فإن كلّ أمة من الأمم تتخذ لنفسها منهاجًا تقيم شؤون حياتها عليه وتجعل لها " دستورًا" تضبط به حركتها وحركة القائمين على شؤونها، وتندبُ ثُلّة من خيرتها للقيام على هذا المنهاجِ وذلك "الدستور" تعلمًا وتفقها ورعاية وتجديدًا وتقويًمًا. أمر لا تكاد تجد عاقلا ينكرُه.والأمة الإسلامية لم يرض الله أن يحمِّلها عِبْءَ تأسيس هذا المنهاج و"الدستور" والحفاظ عليه، فتكفل لها بذلك من فيض رحمانيته ورحيميته، فأنزل صفوة ملائكته "جبريل"﵇ على صفوة خلقه أجمعين: سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ بأعظم كتاب ومنهاج:القرآن الكريم، ليبنه للناس ﴿ِ.....وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: من الآية ٤٤) ﴿.....وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: من الآية ٨٩) وتكفل بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) فمُنَزِّلُه هو حافظُه من التحريف والتغيير، وحافظُه من أن يكون في الأمَّة نازلةٌ يعجزُ القرآن الكريمُ عن إحسان بيان سواء الصراط فيها، فجعله كتابا مباركًا: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام:١٥٥) ، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (الانبياء:٥٠) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَأُولُوالأَلْبَابِ﴾ (صّ:٢٩) فهو دائم الخير والعطاء، ليس كمثله مناهج الخَلْقِ ودساتيرهم المفتقرة إلى تقويم وتجديد وتغيير بحذفٍ وإضافة ... تكفّل الله بذلك، وزاد الأمة تشريفا بأن حَمَلَها إلى أن تقوم بشرف فقهه وفهمه وتدبره واستخراج مكنون أسرار عطائه ونواله ﴿ ... فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: من الآية ١٢٢)

стр. 3

وحثهم على التدبر: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (صّ:٢٩) ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء:٨٢) ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤) وهذا التدبّرُ سبيلٌ مُمْتَدٌّ مُتًراحِبٌ تتعدَّدُ مناهج تحقيقه بتعدد الغايات المنشودة من القيام به والثمار المرجوِّ اجتناؤها، فلكلِّ متدبِّرٍطَلِبته وقطُوفٌ يبتغى جناها، وتتعدَّدُ أدواتُه وآلاتُه، وعلى قدر ما يمتلك المرءُ منها ويُحْسِنُ الانتفاعَ بها يكون نواله وعطاؤه. وهذا ما كان باعثًا لي إلى أنْ أقيمَ هذا الكتابَ، وأنْ أنشرَه في طُلابِ العلم الشريف غاية ووسيلة ومقامًا. أقيمه وأنشره احتسابًا ليكونَ على ثغرٍ من الثغور التي يتكاثر أعداء الأمة على اقتحامها وإتيان الأمَّة منها، فلم يعد العدوان العسكري المسلح هو السبيل الوحيد إلى امتلاك أعدائنا لديارنا وقلوبنا، بل هم يُمَهِّدُون لذلك بضروب من الغزو، منها الغزو الثقافي والعلمي والخلقي والنفسي، فمن ملك العقول والوجدان ملك الشعوب والأوطان. وأيّ أمة لا تُعِدّ جندَها على تلك الثغور يجاهدون هذه الضروبَ من الغزوِ اللطيفِ الخبيثِ على قدرِ ما تُعِدُّ جُندَها لميادين الجهادِ المُسلِّح بالسيفِ والرُّمحِ هِيَ أمَّةٌ لا شَكَّ خاسِرةٌ النِّزالَ في ميدان القتال بالسيفِ والرّمحِ، وإن امتلكت أحدثَ وأعظم ما تُنْتِجُهُ البشريّة من أسلحةٍ وإِنْ أحْسَنَتْ استخدامها وتطويرها. نصرُ أيِّ أمَّةٍ أو هزيمتها مؤسّسٌ على نصرِها أوهزيمتها في ميادين الجهاد الثقافي والعلمي والخلقي والنفسي، فمن ملك هذه الأبعاد من أي أمة ملكها كلها من هنا كان تداعِي الأمم علينا في هذه الميادين أشد وأنكى.

стр. 4

أعداء هذه الأمة – وهم اليوم كُثْر- قد علموا أنَّ الحصن المنيع والحبل المديد المتين الذي لن تضل الأمة ما إن تمسكت به إنَّما هو الكتاب والسنة، ومن ثَم تكالبت وتظاهرت لتفتننا في أمرهما، هم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من العباد والبلاد إلا إذا أحكموا تضليل الأمة في فقه وتدبر الكتاب والسنة،ولذلك تنادت النخبة المثقفة والصفوة المستنيرة بفريضة إعادة قراءة القرآن الكريم قراءة معاصرة. و (القراءة المعاصرة) أو (إعادة قراءة القرآن) هي كلمة يراد بها غير ما جاءت به السنّة النبوة: تبشيرًا وتكليفا: «إنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهذهِ الأمّة عَلَى رَاسِ كُلِّ مِئَةِ عَامٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دينَها» (أبوداود: الملاحم) القراءة المعاصرة ترمي إلى اتخاذ منهاج يفسر النص في حركة الفعل الإنساني، فلكلّ عصر ومصر قرآنه، لأنَّ القرآنَ حَمَّالٌ ذو وجوه يَصْلُح لكلّ زمان ومكان: يصلح للمسجد والملهى والمرقص ... ... ومن ثَمَّ تنادى القوم بما أسموه ﴿تجديد الخطاب الدّيني﴾ وهو ولا شكَّ في هذا إنما يريد منه بعض الناعقين به الآن الإعراض عمَّا جاء عن سلف الأمة في فهم الكتاب والسنّة والإغراء بما جاء في لسان. كثير من أدعياء التنوير العلمانيّ المقيت. وتسارعت ثلّة ممن ينتسب إلى أهل العلم فنعقت بما نعق به العلمانيون الذين سعوا إلى أن تجري الكلمة ﴿تجديد الخطاب الديني﴾ على لسان كبيرهم حتّى تملك قدسيّة تحجز الألسنة عن أن تنقض أو تنقد. ليس " تجديد الخطاب الديني" في لسان بطانة السلطان هو التجديد الذي بشرت به الحكمة النبوية. التجديد الذي هدت إليه السنّة النبوية يرمي إلى تجديد تديُّن الأمة وفق الفهم الصحيح لما جاء به بيان الوحي تجديد انبعاث الأمة وإقبالها على ربها بما شرعه لها لا بما شرعته هي لنفسها

стр. 5

القرآن الكريم في التجديد النبويّ يَصْلح لكل زمان ومكان بإصْلاحِ كلِّ زمان ومكان، وما من نازلة في عَصْرٍ ومِصْرٍ إلا ولها ما يهدي في شأنها إلى سواء الصراط: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (الشورى:٥٣) التجديد النبوي في قراءة القرآن الكريم لاستنباط ما يقيم الأمة على محجة بيضاء ليلها كنهارها جلاء ونورًا له ضوابطه وآدابه، وله رجاله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ (النور:٣٧) ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ (الاسراء: من الآية٥٧) وهذا ما يسعى إليه هذا الكتاب (العزف على أنوار الذكر:معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة) يسعى إلى أن يشير إلى منهجٍ تدبريًٍّ يعين عَلَى اجتناء المعاني البيانية للقرآن الكريم في سياق السورة تأسيسًا على أنها وحدة التحدّي الصغرى؛ لتكون زادًا إلى حسن فقه مراد ربنا ﷻ -َ منا، فنسعى إلى التصاعد في سبيل تحقيق ما يحب ويرضى. وهذا الذي أسْطُرُه منهاجًا تدبريًّا لبيان القرآن الكريم لايَسْتَهْتِرُ بتطبيق ما يقوم فيه من أصولٍ كليّةٍ ومعالمَ إرشادِيّةٍ تحْمِلُ النَّاظِرَ فيها إلى غايةٍ شريفةٍ نبيلةٍ، ولكنَّها لاتحمُله عليها منهاجٌ يُقِيمُك على مقرُبةٍ لِتُبْصِرَ، ولا يُقِيمُك فِيه فَتُؤسَرَ، يغريك تجريبًا، ولا يَقْسِرُك تطبيقًا. في التطبيق تقديس، وفي التّجريب تقويم وتزكية كلّ تجْريبٍ يُضِيفُ إلى المنهاج ما يُحَقِّقُ له التَّخلُّصَ مما غيرُه أزكى وأندَى

стр. 6

التطبيق يسْطِيعُه ناشئٌ قد لايملك التّحصُّنَ ممَّا قدْ يَأْتَلِقُ من المنهاج الذي بين يديه؛ لأنَّه يمكث قي المنهج، فيأسره، ولا يملك أن يَجُوسَ خلاله يَسْتَكْشِفُ عَوَارَهُ، فإذا هو بتطبيقه يلقِي على ذلك المنهاجِ طَيْلَسَانَ التّقديس ... والتجريب لايقوم به إلا مُتَمكّنُ من استيصارِ أبعاد المنهاج الذي بين يديه نافذ البصيرة فيه، فلا يسيطرُ المنهاج علَيْهِ؛ لأنه لا يمكث في المنهاج بل يقيمه بين ناظريه، يتفرَّسُهُ فيقوم ويسدّد. صاحب المنهاج هو أقرب إلى التطبيق منه إلى التجريب مالم يكن فحلا، ذلك انَّ صاحبَ المنهاجِ وثيق الاعتلاق بما وضع من أصوله ومعالمه، إذ هو وليد قلبه ولسانه، فقد يغفُل، فلا يفتش عمّا فيه من خَلَلٍ، وذلك غير حميد، وإنجاز التجريب من الآخر آمَنُ عُقْبَى، وأوفرُ ثمرًا والربّانيون من أهل العلْم لا يحملون تلاميذهم على مناهجهم، بل يحملونهم إليها حمل إبانة، ويغرونهم بالمناقدة المؤسَّسة على عرفانٍ نافذٍ محيط بما هم قائمون له، ويذكرونهم بأنَّهم في سياق المناقدة والتفتيش عن الأعلى والأزكى والأذكى (الأكمل) قائمون في طاعة سيدهم النبي المكرم سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مؤذنًا فينا: «لا تكونُوا إِمّعَةً: تقُولُونَ: إِنْ أحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أَسَاءوا فَلا تَظْلِمُوا» (رواه الترمِذي: كتاب البِرّ - حديث: ٢٠٠٧)

стр. 7

وفي تسميته الإساءة في العمل: قولا وفعلا ظلمًا دلالة بينة على أنَّ من لم يجتهد في البلوغ بعمله: قولا وفعلا درجة الإحسان، فإنَّه ظالمٌ نفسَه أَوَّلا؛ إذ حرمها أن تكون مع المحسنين في الدنيا والآخرة، وصحبة أولئك هي النعيم العظيم، وإنّه أيضًا ظالمٌ أمَّتَهُ؛ إذ حرمها أن تنعم بنعمة ما هو الحسن قولا وفعلا، وقد حثّنا بيان الوحي قرآنا وسنة على أن نحسن إلى الصاحب بالجنب، فكيف بمن فوقه؟!! وتدبر قوله ﷺ َ:" وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ " فإنّها هادية إلى الإبلاغ في ترويض النفس وتهذيبها وتدريبها على أن تسكن إلى الإحسان وإن تفردت به، ولم تجد لها عليه ناصرًا ومعينا. وفي هذا هداية إلى أن العقبى لمن أحسن وإن قلَّ عددا،، فلا اغترار لمسلم بما كثر عدده وساء عمله، ولا اغترار بأن الصواب مع الأغلبية، فلم تكن الأغلبية في معايير أهل الفضل أبدًا لكن في قوم يستنصرون بالدهماء والغوغاء، ولا ينظرون إلى الأمرِ فِي نفسه، بل إلى من هو قائم له وبه، فالحق عندهم ما قام به الأغنياء والصفوة من بطانة السلطان وحزبه، والقرآن الكريم يقررغير ذلك: يقرر أن أكثر النَّاس لا يعلمون: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:١١٦) ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: من الآية١٨٧) ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: من الآية١٧) إن ما جاء في بيان الوحي قرآنًا وسنة في الدعوة إلى الإنقان والإحسان لَجِدُّ كثير لا يتسع المقام للإشارة إليه.

стр. 8

والله أسأله هداية إبانة وإعانة وأسأله أن يصحِّح نياتنا ويجعلَها خالصة له من قبل إِقْدَامِنا وفي سعينا، وعاجل أمرنا وآجله، وأن يرفع ذكرنا بالقرآن الكريم بين عباده الصالحين في الدنيا والآخرة. وصَلّى وسلّم وبارك على عبده ونبيه ورسُولِه سيدِنا محمّدٍ بنِ عبدِ الله وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وأُمَّتِه فِي كُلِّ لَمْحَةٍ وَنَفَسٍ عَدَدَ خَلقهِ وَرِضَاءَ نَفْسِه وزنّةَ عرْشِهِ وَمدادَ كَلِمَاتَه، كَما يُحِبُّ وَيَرْضى صلاة وسلاما وبركة يجمعنا بها مع عبده ونبيه سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا يوم القيامة في فردوسه الأعلى آمين أمين آمين رَ بَّ العالمين. لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وكتَبَه محمود توفيق محمد سعد أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف (شبين الكوم) القاهرة - حدائق الزيتون رجب المعظم: ١٤٢٤

стр. 9

المدخل إلى المنهج نزَّل الله القرآنَ الكريم ليكون آية على صحة نبوة عبده سيّدنا محمد بن عبد الله ﷺ وصدق دعوته وليكون تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وهذا يقتضِي أن يكون من بعد كمال الإيمان به حسنُ ترتيله وحسن تدبره والعمل بما فيه وتعليمه والدعوة إليه بلسان الحال ولسان المقال ولهذا تسمع قول الحق مقررًا أنَّه قد أنزله مباركًا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (صّ:٢٩) فهذه (اللام) في (ليَدّبّروا) و (ليتذكر) لام الغاية والحكمة، فمن لم يأخذ حظَّه من مدخولهما لن يأخذ حظه من بركته، فعلى قدر سعيك إلى اكتساب حظك من التَّدبُّر والتَّذكُّر يكون حظك من بركة هذا الكتاب العظيم، وقد وصف الله ﷻ القرآن الكريم في مواضع بالبركة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام:٩٢) ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام:١٥٥) ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (الانبياء:٥٠) والبركة من الكلمات الحبيبة التي تنشرح لها قلوب العباد، فإنَّها مرتبطة في وعيهم بالنماء والزيادة، وقد يغفلون عن معنى الثبات والدوام الذي تتضمنه الكلمة، فقرر بهذه الكلمة نَعْتينِ للكتاب: تجدد عطائه ودوام نفعه. ومن ثَمَّ حثّ على تدبره لاستخراج ما فيه من خير متجدد لا يزول ولا يحول ولا يغيض، فهو لا يَصْلُحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ وعصرٍ ومصرٍ فحسب بل هو يُصلِح كلّ ذلك ويقومه ويقيمه على سواء الصراط: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (الاسراء:٩) ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ (الاسراء:٨٢)

стр. 10

وأنت إذ تنظر في قول الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (صّ:٢٩) تر أنّه قال (ليدّبروا) في قراءة الجماعة، ولتَدَبَّرُا في قراءة أبي جعفر. قراءة "أبي جعفر" بالتاء (المثناة الفوقية) هي لكل من يصح خطابه ولا سيما من كان أمة الإجابة وعلى رأسها المخاطب بصدر الآية سيدنا محمد ﷺ . وقراءة الجماعة بالياء (المثناة التحتية) لم تعين مرجع (الواو) كمثل ما جاء التعيين في (ليَتذَكّر) إذ جعله من أولي الألباب (وَلِيَتَذَكّرَ أُولُو الألْبَاب) ، إشارة إلى أنَّ التَّذكُّرَ منزلةٌ مُتَرَتِّبَةٌ على حسن التدبر، فمن قام بشيءٍ من حق التَّدبُّر كان له من التذكر نصيب على قدر لبّه، وكثيرًا ما يقرِنُ التذكر بأولي الألباب: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (البقرة:٢٦٩) واللب هو خالص القلب الذي به يكون التعقل والتفكر والتذكر، والله قدْ حَثَّ عبادَه على تدبُّره مقررًا اتِّساقه قائلا : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء:٨٢) فقرر أنَّ ما يكون من عند غير الله فيه الاختلاف الكثير أمَّا ما كان من عنده ﷻ فلا اختلاف فيه البتة، ولكنْ فيه تصريفُ البيان عن المعاني المحقق لبيان المراد كماله

стр. 11

وفي هذا دعوة ربانية وإغراء كريم بالعكوف على تدبُّر البيان القرآنيّ والوقوف على اتساقه وتناسبه، فإنه لن يؤمن المرء بأن القرآن الكريم من عند الله إيمانا مؤسسًا على علم وعرفان إلا إذا استفرغ جهده في هذا التدبّر، فهو من جليل العبادات. مفهوم التدبر . التَّدبُّر في لسان العرب: النظر الثاقب في أدبار الأمور والوقوف على ما تنتهي إليه. وهو عند أهل العلم بكتاب الله : العمل على تحقيق وتحديق النظر في ما يبلغه المعنى القرآني المَدِيدُ من درجات الهداية إلى الصراط المستقيم. وهذا نظر لا يتناهَى، فإن المعنى القرآني له أصل يبدأ منه ولكن منتهاه لا يكاد يبلغه أحدٌ من العباد، فصاحب القرآن الكريم في سفر دائم طلبًا للمزيد من المعنى القرآني. وكلّ تَعَقُلٍ وتَفَكُّرٍ وتَفَقُّهٍ وتَفَهُّمٍ للبيان القرآني لا يحقق العلم بدرجة من درجات الهداية إلى الصراط المستقيم لا يكون من تدبر القرآن الكريم في شيْءٍ. المبتغى إليه بالتّدبر. إذا ما كان التدبر فريضة، فما المغزى الذي يُجَيِّشُ صاحبُ القرآنِ الكريمُِ وقدراته وووسائله ويجمع زادَه ليبلغه أو ليحوم حول حماه؟ أنزل القرآن الكريم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ليكون هدى ورحمة وبشرى لعباده: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر:٢٣)

стр. 12

، وهذا لا يتحقق بالوقوف عند تلاوة كلماته، وجعل تلاوته عملا ليس من ورائه شيء، ففي ذلك تعطيل للأمر بتدبره: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (صّ:٢٩) والتدبُّر لا يكون إلاّ لما هو مكنون في الكلم من المعاني، ومن ثمّ كان المبتغى بالتدبرهوالمعنى القرآني الكريم، وهذا هو مناط البركة الرئيس وإذا ما نظرنا في مدلول كلمة معنى في لسان العرب إلفينا أن مادة (عني) اليائية اللام تدلُّ على القصد والاهتمام والإظهار وتدل أيضا على المقاساة والتجشم. تقول العرب:عنيت كذا: قصدته وعنت القرية: أظهرت ماءها وعنت الأرض: أنبتت نبتا حسنا وتقول:عانيت الأمر: قاسيته وتعناه: تجشمه، وعناه الأمر: أهمه أما المعنى الاصطلاحى لكلمة (معنى) فقد لقى اختلافا بالغا بين العلوم المختلفة. ذات العلاقة باللغة، ومرد اختلافهم فى تحرير المعنى الاصطلاحى لكلمة (معنى) هو اختلافهم حول وظيفة اللغة (١)) ونحن لا نرمى إلى النظر فى معنى (المعنى اللغوى) على إطلاقه بل إلى (المعنى القرآنى) بهذا النعت التقييدي الجليل، ولذلك لن نبحر فى قاموس الاختلاف بين أهل العلم فى بيان معنى المعنى وإنما سنعمد إلى تبيان مرادنا من معنى (المعنى القرآنى)

стр. 13

وغير خفى أن الحديث عن المعنى القرآنيّ لا يقصد إلى معانى كلمات القرآن الكريم فى حقلها المعجمى ووجودها الإفراديّ ذلك " أن الألفاظ المفردة التى هى أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها فى أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينهما من فوائد " (١) ومن ثَمَّ فإنَّا إلى المعني المَنْسُولِ من أوضاع الكلمات التى تحدث بالتأليف والتركيب والبناء وهذه الأحكام وتلك المعانى هى التى كان بها الهدى، وكان بها المنهج الذى عليه تقوم الأمة المسلمة. وفى سعينا إلى تبيان معنى (المعنى القرآنى) علينا أن نتذكر أنَّ الدلالة المعجمية لكلمة (عنى) ذات بُعْدَين رئيسين: بُعْدُ القصد والاهتمام ِ، وبُعْدُ الظّهورِ الذى يرجع إلى المتكلم إنَّما هو بُعْدُ القصد والاهتمام أمَّا بُعْدُ الظهور فإنَّما يرجع إلى الكلام نفسِه من وجه وإلى المخاطَبِ به من وجهٍ آخر. البعْدُ الأول: (القصد) ليس لنا أن نزعم في تدبر البيان القرآني سعيًا إلى إدراك المعنى القرآني أنّنا نملكُ القطع بتحريره وتحقيقه من بيانه القرآنىّ، فإنَّ ما تفهمه الأمَّة من كلامه ليس هو عين مراده من كلامه الموحى إلى نبيه ﷺ ذلك أن القطع بأن ذلك المعنى من هذه الآية مثلا هو عين مراد الله منها إنما يكون بطريق توقيفى صحيح الإسناد إلى رسول الله ﷺ (٢) ولا يستطيع متلقٍ بيانَ القرآن الكريم الزعمَ يتطابق إدراكه مع مراد الله تعالى لأنَّ القول بهذا فيه جرأة على الله ﷻ ? المعنى القرآنيّ ضربان:

стр. 14

(الاول) المعنى القصْدِيّ، وهذا هو عين مراد الله ،وهو معنى توفيقى ليس لنا معه إلا الاجتهاد فى فهمه حين يبلغنا بسند صحيح عن سيد المرسلين محمد ﷺ . (والآخر) المعنى الإدراكِيّ وهو كلُّ ما يدركه أهلُ العلم والتَّدبُّر من النَّصِّ القرآنيّ وفقا لأصول الإدراك والتَّدبُّر وضوابطها وهذا الضرب (المعنى الإدراكى) هو مناط دراستنا ونستطيع أن نعرفه الآن: «كلُّ مايدركه ويستنبطه أهلُ العلم من النَّصِّ فى سياق السورة المقاليّ والمقاميّ وفقا لأصول وضوابط الفهم والاستنباط» ذلك هو المبتغَى من التَّدبّر. ووجه هذا أنَّه ما كان الاستنباط من النصّ وفق الأصول العلمية للاستنباط قائمًا به من هو أهل لذلك الاستنباط، فإنَّ ثمرة ذلك مما يريد الله من عباده أن يعرفوه،ويريد أن يبلغهم عنه؛ لأنَّه لو كان ذلك لا يريد إبلاغه إلينا لأقامَ في بيانه من القرائن ما يصرفُنا عن فقهه، فذلك حق المستمع على المتكلم،وقد جاء عن أهل العلم أن من البلاغة ألاَّ يؤتَى السَّامع من قِبَلِ المتكلم، بألاَّ يقيمَ المنائرَعلى الطريق، وألاَّ يضعَ القرائن المُعِينَة على فقه المراد الصَّارفة عمَّا لا يريد. مجال التَّدبّر والبحث عن المعنى القرآنيّ: إذا ما كان المعْنَى القرآني هو بغية المتدبر طَلِبَتِه التي يرتحل إليها، فإن لهذا التَّدبُّر المبتغِي نوالَ المعنى القرآنيّ مجالا تتوالى فيه حركة المتدبّر حلولا وارتحالا، لا يتوقف، ولا يعرف منتهًى ينتهي عِنده؛ ليعقل الراحلة ويحطَّ الرَّحْلَ.

стр. 15

ويمكننا أن نقول إنّ مجال التدبر يتنوع، فقد يكون مجالا موضوعيًّا بأن يجمع المتدبّر الآيات الدَّالة على غرض معين كغرض الجهاد أو التعاون على البرّ،او النهي عن المنكر، فيجمع تلك الآيات ويتخذ له منهاج ترتيب وتصنيف وفقًا لما قد يصطفي،ويبحث عن مناهج التصوير التي اتخذها القرآن الكريم في تصوير ذلك المعنى وفي إيصال ذلك الغرض والمقصد إلى القلب في أحسن صُورة من اللفظ كما يقول الرمَّانيّ. وقد يكون مجالا أسلوبيًّا كأن يتخذ أسلوب التشيبيه في القرآن كله أو في سورة من السّورأوموضوع من الموضوعات، فيجمع الآيات التي بنيت على التشبيه لينظر في الأغراض والمقاصدالتي استخدم التشبيه لتصويرها. وقد يكون مجالا سياقيًا كأن يجعل مجال بحثه عن المعنى القرآني هو سياق ترتيل سورة ما باعتبار أن وحدة التحدي هي السورة فِي سياقِ التِّلاوَةِ نرى أربع دوائر يحيط بعضها ببعض وفقا لاتساع كلّ دائرة، فكلُّ دائرة منها هي أقل اتساعًا تقوم في رحم الدائرة الأوسع. تلك الدوائر هي دائرة الآية، فالمَعْقِدِ، فالسّورة ِ، فالقرآنِ الكريمِ، ويُمْكِنُكَ أن تقول هي خمس دوائر بجعلك الجملة دائرة تحيط بها دائرة الآية، تحيط بها دائرة المعْقِد، تحيط بها دائرة السورة، تحيط بجميع الدوائر دائرةُ السياقِ القرآنِيِّ الكريمِ المعنى القرآني المُجْتَنَى منْ تَدَبُّرِ الجملة في سياق الآية يغلب عليه أنّه معنى قريب، وبرغمٍ من قُرْبِه هو معْنًى كريمٌ وَمُهمٌ، بل هو متعلِّقٌ بما يُعدّ أساسَ المعانِي التي تُنْسَلُ منه فهو أصل المعنى الجمهوريّ للنصّ، ويمكن لمن يكتفي بمثل ذلك الزاد أن يبصر الطريق به إلى مرضاة ربه أخذًا وتركًا في حركة حياته، وهذا من تيسير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىعلى عباده الذين ليس لهم قدَمٌ في طلب العلم بالكتاب والسنة

стр. 16

فأنت إذا ما نظرت في قول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد:١٩) وتدبرت قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ وحده من غير أن تربطه بسياقه المقاليّ والمقامي، فإنّك تصل إلى أنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤه يأمر نبيه ﷺ وأمته من بعده أن يعلم أن الله واحد. وهذا المعنى إذا ملأ القلب كفاه زادًا في سعيه في هذه الحياة، ولكنَّ من وراء هذا المعنى الجمهوري المأخوذ من هذه الجملة القرآنية وحدها دون ربطها ببقية الآية وبسياقها المُمْتَدِّ في السورة وسياقها المقامي معانيَ متصاعدةً تتوافدُ عليك كلَّما وسعت دائرة التبصّر والتّدبر. والله يحثنا على ألاَّ نرضى بالوقوف عند أوّل المَدْرََجَةِ إذا ما كان بمَُلكِنا أن نتصاعد، فنجتني الأوفر والأكبر: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... ﴾ (الزمر من الآية:٥٥) فإنَّ من وجوه المعنى – فيما أذهب إليه -: أنَّ ما أنزل إلينا من ربنا - عَزَّ اسْمُهُ - ذو عطاءٍ متكاثرٍ، فعلينا أن نتبع أحسنه عطاءً لقلوبنا، فإنَّ لكل قلبٍ مُعافََى من داء الغفلةِ من المعاني القرآنية ما يُحْسِنُ إليه غذاء وشفاء،فيحسن حاله به والمرءُ السّويّ أبصر بما يصلح قلبه ونفسه، فعليه أن يتبع.

стр. 17

وإذا ما تجاوز صاحب القرآن الكريمُِ في تدبّره دائرة الجملة إلى دائرة الآية كان مجتنى تدبّره أبسطَ وألطفَ وأحكمَ إذا ما كانت الآية ذات معنى يمكن الوقوف عنده دون أن يفتقر المرءُ افتقارًا بالغا إلى أن يقرنَ بها غيرها، وهذا هو الغالب على كثير من آيات القرآن الكريم، ولا سيّما آيات السور الكثير عدد آياتها. وبعضُ آيات القرآن الكريم تكون بالنسبة إلى أختها كالكلمة بالنسبة إلى أختها في بناء الآية؛ لتعلُّق الأخرى بها تعلقًا تركيبيا يصير بعض الآية التالية مكمِّلا بناءَ المعنى في الجملة السابقة ذلك أنَّ تفصيل السورة القرآنية إلى آيات ليس معياره لغويًّا نحويًّا تركيبيًّا، بل من وراء ذلك حكم لطيفة قد لا يتيسر لنا إدراكها. وقد جاء في خبر موقوف عن أم المؤمنيبن سيدتنا " عائشة بنت الصديق – ﵄: " أنها قالت: إن عدد آيات القرآن الكريم على عدد درج الجنة، وكلَّما قرأ صاحب القرآن آية ارتقي في الجنة درجة." ومثل هذا لا يكون من أمِّ المؤمنين أو أحدٍ من الصحابة غيرها من عند نفسه بل هو في حكم المرفوع. المهم أن المعنى القرآني المجْتَنَى من تدبر الآية أوفر عطاء وألطف نوالاً من المعنَى المجتنَى بتدبّر الجملة القرآنية في سياق الآية. ***

стр. 18

وإذا ما تجاوز صاحب القرآن الكريم في تدبره دائرة الآية إلى دائرة المعقد المتشكل من مجموع آيات ذات موضوع واحد كالمعقد الذي يجمع آيات تصنيف الناس إلى ثلاث في صدر سورة البقرة أو المعقد الذي يجمع آيات الإنفاق في سبيل الله وفي غيرسبيله، وما يتعلق بالعلاقات المالية في خواتيم سورة البقرة،أو المعقد الجامع الآيات المتحدثة في شأن الدعوة في خواتيم سورة النحل أو الآيات التي تجمع سمات عباد الرحمن في خواتيم سورة الفرقان إلى غير ذلك – إذا ما جاز إلى تلك الدائرة فإنَّ دقائق من معاني القرآن الكريم تتقاطر عليه أو تترادف وفقَ منزلِه من الفقه والفهم عن الله ربّ العالمين. وتدبُّر المعقد ذو أهمية بليغة للمتدبر أيًّا كانت طلبته من صنوف المعاني القرآنية: صاحب معاني التشريع شأنُه شأن صاحب المعاني البيانيَّة تقتضيه طلبته ألاّ يأسر تبصُّرَه في دائرة الآية، فإنَّ غير قليل من معاني التشريع تقتضي النظر في عديد من الآيات المنسوق بعضها في إثر بعض،على أنَّ بعض المعاني التشريعية يمكن استفادتها من النَّظر في آية واحدة بخلاف المعاني البيانية، فطبيعة المعنى المبتغَى هو المقتضى مجال التدبر. فإذا أراد المتدبِّرُ ضربًا آعلى من دقائق المعاني ولطائفها، فإنَّه يتخذُ دائرة السُّورة مجالا يُعْمِلُ فيه بصيرته وفراسته البيانية، فإنَّ لكلِّ سورةٍ سياقا يوحد نسب آياتها، ويحقِّق الرَّحم القائم بينها، ومراعاة ذلك السياق فيه البرّ برحم المعنى القرآني في السورة،وفي نور السياق الممتد للسورة يتبين للمتدبِّرِ كثيرٌ من اللطائف. وقد أشار إلى ذلك " أبو إسحاق الشاطبي" في الموافقات ":

стр. 19

«الكلام المنظور فيه تارة يكون واحدًا بكلّ اعتبار، بمعنى أنّه أنزل في قضية واحدة طالت أو قصرت، وعليه أكثر سور المفصل،وتارة يكون متعددًا في الاعتبار بمعنى أنّه أنزل في قضايا متعددة كسورة البقرة ... ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة أم نزلت شيئًا بعد شيءٍ ولكن هذا القسم له اعتباران: *اعتبار من جهة تعدد القضايا، فتكون كلُّ قضية مختصة بنظرها،ومن هنالك [أي من النظر في كلّ قضية على حدتها] يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه ... * واعتبار من جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة إذ هو ترتيب بالوحي لامدخل فيه لآراء الرجال ... فاعتبار جهة النظمِ مثلا في السورة لايتمُّ به فائدة إلاَّ بعد استيفاء جميعها بالنظر، فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود، كما أنَّ الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما لايفيد إلاَّ بعد كمال النَّظر في جميعها.» (١) والمعنى المُجْتَنَى من التَّدبُّر في سياق السورة هو المعنى القرآني الذي أذهب إلى أن البحث عنه محقق لكثير من المعاني الإحسانية التي نحن في مزيد الافتقار إليها تفقُّهًا وتأدبا، ولهذا قلت في تعريف المعنى القرآني: "كلُّ مايدركه ويستنبطه أهلُ العلم من النَّصِّ فى سياق السورة المقاليّ والمقاميّ وفقا لأصول وضوابط الفهم والاستنباط" قلت (فى سياق السور) لأنَّ تمام المعنى لا يدرك فى سياقه الجزئى وإنما يدرك فى سياق السورة كلِّها التى هى وحدة التحدى، وكلُّ درس آية خارج سياق سورتها هو درس خداج عاجز عن استبصار كثير من وجوه المعنى القرآنى التى تغذو الروح واللب بلطائف المعانى الاحسانية. وما نجري في سياقه الآن إنَّما هو النَّظر في معالم فقه المعنى القرآني في سياق السورة. ***

стр. 20

ويبقى من بعد هذا المجال الأرحب للتدبر: دائرة السياق القرآني كله من مفتتح تلاوته: (أم الكتاب) إلى مختتم التلاوة: (سورة الناس) والمتدبِّر في تدبُّره في حركة متصاعدة بتصاعد المعنى القرآني، وجميع هذه المعاني المتصاعدة المبثوثة في آيات القرآن الكريم من مفتتح سورة (البقرة: سنام القرآن الكريم) إلى مختتم آيات (سورة الناس) هي تفصيل لما هو مجمل من المعاني في سورة الفاتحة (أم الكتاب) وكلُّ معنى قرآني هو منسولٌ من معنى من معاني سورة الفاتحة، ولهذا قرَّر أهل التحقيق أن (سورة الفاتحة: أم الكتاب) قد جمعت كل معاني القرآن الكريم على سبيل الإحكام، وسائر السور تفصيل لتلك المعاني، وكلام أهل العلم في هذا مبسوط في مواطنه. مجمل القول أن مجالَ التَّدبُّرِ من حيث اتساعه دوائر يحيط بالصغير منها ما هو أكبر منه حتّى تحيط دائرة السياق القرآني كلِّه بالدوائر كلِّها. ولكل دائرة من دوائر مجال التدبر مؤونتها وعطاؤها،وعلى قدْرِ الزَّاد الذي يحمل المتدبِّر والوسائل التي يمتلك والمنهج الذي به يأخذ يكون العطاء والنوال. ***

стр. 21

مراحل الطريق إلى فقه المعنى القرآني الفصل الأول: فقه موقع السورة على مدرجة السياق القرآنى الفصل الثانى: فقه وحدة سياق السورة ومقصودها الأعظم: الفصل الثالث:تقسيم السورة إلى معاقد الفصل الرابع:التحليل البياني للكلمات والجمل والآيات توطئة ... جمهور أهل العلم بالقرآن الكريم على أن أقل قدر تُحُدِّيَ به الثقلان هو السورة أيًّا كان مقدارها الكميّ، فسورة" الإخلاص " وسورة "البقرة " فى التحدِّي سواء من أنّه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:٢٣) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس:٣٨) وقد جاءت فى كلتيهما (سورة) نكرة، وفى هذا التنكير دلالة على العموم أىْ أىَّ سورةٍ طويلةٍ أو قصيرةٍ، ولكنهم يذهبون أيضا إلى أنَّ ما كان كالسورة فى مقدارها الكميّ (ثلاث آيات) فأكثر يقع به التحدِّي. ويؤخذ من ذلك أنَّه إن كان جزء من آية يعدِل مقدار السورة كَمًا ومقدارًا فلا يقع به التحدِّى، بْل لا بُدَّ أن يكون المُعادل ثلاث آياتٍ، فأكثر، فآية الكرسيّ سيدة آي القرآن الكريم كأنَّها جملة بيانيَّة واحدة، وكذلك آية المداينة فى سورة البقرة على الرغم من أنها تفوق كثيرا من قصار السُّور فى مقدار جملها وكلماتها وحروفها لم يقع التحدى بها وإن كانت في نفسها معجزة، فهى جزء من سورة وعنصر من عناصر بناء معناها بينما سورة من قصار السور أقل فى عدد حروفها وكلماتها ذات مقصد تام وفيها من سمات البيان القرآنى ما فى السورالطوال قد وقع بها التحدى عند جمهور أهل العلم ويذهب برهان الدين البقاعي (ت:٨٨٥) إلى أنَّ الآية الواحدة القائمة بتمام المعنى يقع بها التحدي، ويتحقق فيها الإعجاز، فلا يفرق بين مناط الإعجاز ومناط التّحدّي.

стр. 22

ويذهب العلامة الإمام "محمود شاكر" ﵀ إلى أنَّ قليل القرآن وكثيره فى شأن الإعجاز سواء. يقول بعد أن أبان أنَّ النبى ﷺ من بعد أن نزل عليه الوحى طالب قومه بأن يؤمنوا بما دعاهم إليه ويُقِرُّوا له بصدق نبوته بدليل واحد، وهو هذا الذى يتلوه عليهم من قرآن يقرءون «كان هذا القرآن ينزل عليه منجَّمًا، وكان الذى نزل عليه يومئذ قليلا كما تعلم وكان هذا القليل من التنزيل هو برهانُه الفرد على نبوته، وإذن، فقليل ما أوحى إليه من آيات يومئذ، وهو على قلته، وقلَّةِ ما فيه من المعانى التى تنامت وتجمعت فى القرآن جملة، كما نقرؤه اليوم منطوٍ علي دليل مُسْتَبِينٍ قاهرٍ، يحكم له بأنَّه ليس من كلام البشر، وبذلك يكون دليلا على أنَّ تالِيهِ عليهم، وهو بشر مثلهم نبى من عند الله مرسَلٌ، فإذا صَحَّ هذا – وهو صحيح لا ريب فيه – ثبت ما قلناه أوَّلاً من أنَّ الآيات القليلة من القرآن، ثُمَّ الآيات الكثيرة، ثُمَّ القرآنُ كلُّه أىّ ذلك كان فى تلاوته على سامعه من العرب الدليل الذى يطالبه بأن يقطعَ بأنَّ الكلامَ مُفارِقٌ لجنس كلام البشر، وذلك من وجه واحد، وهو وجه البيان والنظم. (١) وعندي أن نفرق بين ما يقع به الإعجاز، وما وقف عنده التحدِّي: التحدي وقف عند "السورة" كما دلَّ ظاهر البيان القرآنيّ، ولكنَّ الإعجازَ واقع بالآية الواحدة التامّة المعنى، أمَّا التي لايتم معناها إلا بآية أو آيات أخرى فلا يقع الإعجاز بها وحدها.مثل (مُدْهَامَّتَانِ) (الرحمن:٦٤) ، (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى) (العلق:٩)

стр. 23

وإذا نظرنا فى كلمة (سورة) التى كان منتهى التحدِّي عندها ألفينا أنَّ دلالتها فى لسان العربية راجعٌ إلى التصاعد والمرتبة وسورالمدينة والسّؤْر. فهل تكون الدلالة اللغوية لكلمة (سورة) هي المرادة في مقام التحدي في قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:٢٣) وقوله ﷻ : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس:٣٨) يذهب البقاعي إلى أنَّ معنى (السورة) في مقام التحدِّي هو المعنى اللغوي: أي قطعة من القرآن الكريم آية فما فوقها، فالإعجاز والتحدّي معًا واقعان بالآية الواحدة، والجمهور على أنَّ المراد في مقام التحدي هو المعنى الاصطلاحي: «قطعة من القرآن معينة بمبدأ ونهاية لا يَتَغَيَّرانِ مُسَمَّاةٌ باسْمٍ مخصوص تشتمل على ثلاث آيات فأكثر فى غرض تامٍّ ترتكز عليه معانى آيات تلك السورة ناشئ عن أسباب النزول أو عن مقتضيات ما تشمل عليه من المعانى المتناسبة (١) والتسمية باسم (السورة) فيه دلالة على أنَّ بين عناصر هذا المجموع من الآيات ترابطًا بينها سواء كان الجذر الاشتقاقي للتسمية " سور المدينة أو المرتبة والتسور أو السور أو التصاعد "، ففى كلِّ هذا شىء من ذلك المعنى. وكثير من أهل العلم يلمح ما بين هذه التسمية وسورالمدينة من تشابه يقول العلامة: أبو الحسن الحَرَالّيّ (ت / ٦٣٧ هـ) "السورة تمام جملة من المسموع محيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة"

стр. 24

ومعنى ذلك أنَّه " نُزّلت الآيات والجمل التى هى من أجزاء السورة منزلة المحلات والبيوت فى البلد، ولولا هذا التنزيل لم يصح هذا التشبيه" وقد يأتى البيان القرآنيّ مطلقا كلمة (سورة) على جملة من الآيات مثلما جاء إطلاق كلمة (قرآن) على بعضه، يقول الله : ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة:٨٦) ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:٩٨) فدلَّ على أنَّ التَّحدَّي غيرُ مقصورٍ على السُّورة بمعناها الاصطلاحى بل يكون التحدى بما كان فيه من الآيات بعض خصائصها من تمام المعنى ومن الاختصاص بمعنى كليّ وغرض تام، كما تراه فى آية الكرسيّ مثلا، فإنَّ مثل هذا القدر من القرآن الكريم فيه من الإعجاز ما يقع به التحدي. وغير خفى أنَّ الذي يهمنا هنا ليس أمر التّحدذي ن بل يهمنا أمْرُ الإعجاز البيانِيّ للقرآن الكريم،وهولا شكَّ متحققٌ بآية تامذة المعنى ن فما فوقها. وإذا ما تحقق الإعجاز الذى هو البرهان القاطع على صحة النبوة بسورة أو ما دونها من الآيات ذوات الغرض الخاص والمعنى التام، فإنَّ الإعجاز مراتب بعضها فوق بعض من حيث مقتضياته الكامنة والشَّاخصة فى بيانه ونظمه، فإنَّ خصائص البيان والنظم المعجزة فى آيات معدودات من سورة ما ليست على قدرها فى السورة كلّها، وليست على قدرها فى القرآن الكريم كله إنَّ الإعجاز ليس خاصا بالسورة بمعناها الاصطلاحى، ولكنَّها ذات خصائص بيانية نظمِيَّة لا تكون فيما دون السورة بمعناها الاصطلاحى لو أنَّنا استقصينا آيات موضوع ما فى القرآن الكريم وبلغت عشرات الآيات كآيات التوحيد مثلا، فإن هذا القدر من آيات التوحيد، وإن كان معجزا يقع به البرهان القاطع على صحة النبوة، فالإعجاز فى هذا القدر من آيات التوحيد لا يكون على قدر الإعجاز فى أقصر سورة من سور القرآن الكريم لِمَا اشتملت عليه السورة من خصائص بيانية ونظمية لن تحقق فى مجموع آيات التوحيد فى القرآن الكريم كلّه. لهذا فإنى أزعم أن التَّدبّر البيانى والبحث عن المعنى القرآنى فى سياق السورة هو أكرم وأوفر أنماط البحث عنه عطاء. وهذا لايعني أنَّ تدبر المعنى القرآني الواحد في مواقع عديدة في السياق القرآنيَّ ليس عليًّا بل لكل منهاجٍ عطاءه ومقْتَضِياته وزاده ووسائله. ولكنِّي هنا بصدد النظر في مراحل تدبر المعنى القرآنيِّ في سياق بناء السورة القرآنية.

стр. 25

الفصل الأول: فقه موقع السورة على مدرجة السياق القرآنى *** للقرآن ثلاثة تنزلات: التنزيل الأول: من الله إلى اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج:٢١-٢٢) ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الزخرف:١-٤) (١)

стр. 26

وقد نزل القرآنُ الكريمُ جملة فى اللوح المحفوظ، وذلك اللَّوح هو الذى أودع الله كلَّ شىء فيه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر:٥٣) ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام:٣٨) التنزيل الثانى: من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى السماء الدنيا جملة واحدة فى ليلة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر:١) ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:١٨٥) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان:٣) وروى الحاكم بسنده فى المستدرك عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «فُصِلَ القرآنُ مِن الذِّكْرِ فوضِعَ فى بيت العِزَّةِ من السَّماء الدُّنيا، فجَعَلَ جبريلُ ينزل به على النبى ﷺ يُرتِّلة ترتيلا» (المستدرك: التفسير – أنزل القرآن جملة واحدة – حديث رقم: ٢٨٨١/١٠) وروى الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى الأسماء والصفات، والطبرانى فى (الكبير) عن ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:١)

стр. 27

قال: «أُنْزِلَ القرآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ القَدْرِ إلَى السَّماءِ الدُّنيَا وَكانَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وكانَ ينزل على رسُولِه ﷺ بعضَه فى أثَرِ بعض ... » (المستدرك الكتاب السابق – حديث:٢٨٧٨/٧) وفي تفسير "ابن جرير سورة (القَدْرِ) فيضٌ من الأحاديث الموقوفة المؤكدة ذلك المعنى. وإذا ما كان هذا موقوفا على سيدنا " ابن عباس" ﵄ فإنَّ ما هو موقوف على الصحابى فيما لا مجال فيه للرأى كالمرفوع؛لأنَّه لن يقول صحابى فى هذا من عند نفسه بل لابد أن يكون قد سمعه من النبيّ ﷺ (١) . التنزيل الثالث: من بيت العزة إلى رسول الله ﷺ فى ثلاث وعشرين سنة بدأت بليلة القدر: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ (الاسراء:١٠٦) ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء:١٩٢-١٩٥) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان:٣٢- ٣٣) فالتنزيل الثالث كان منجَّما على حسب الأحداث والوقائع وفى هذا ضرب من ضروب التربية للأمَّة ومعالجة لأحوالها. فكان للقرآن الكريم سياقٌ تنزيلِىّ تاريخى اقترنت فيه الآيات نزولا بملابسات ووقائع فى السياق الاجتماعى للأمَّة زمن البعثة.

стр. 28

وإذ ما نظرنا ألفَيْنا النُّزول الأوَّل والثانى كان نزولا جَمْعِيًّا للقرآن الكريم، وكان النزولُ الثَّالثُ نزولاً مُفرَّقا: قد تنزلُ آياتٌ من سورة، فتَتْلوها آياتٌ من سورة أخرى قبل تمام السورة الأولى: ظلت سورة البقرة تتوالى آياتها نزولا سنوات عِدَّة، وكان فى أثناء نزول آياتها تنزل آيات سور آخرى، وكان جبريل ﵇ ينزل بالآية وموضعها من سورتها على النبيّ ﷺ فيأمر النبيّ ﷺ كتاب الوحى بأن توضع آية كذا فى سورة كذا مُحَدِّدًا موضعها حتَّى إذا ما تم القرآن الكريم نزولاً كانت كلُّ آيةٍ فى كل سورة فى موضعها المحكم، وكذلك كل سورة فى موضعها من النسق الكُلِىِّ للقرآن الكريم على النحو الذى هو عليه فى اللوح المحفوظ وفى بيت العزة من السماء الدُّنْيَا (التنزيل الأوَّل والثانى) ولذا كانت العرضتان الأخيرتان للقرآن الكريم فى شهر رمضان الأخير من حياة النبيّ ﷺ مطابقتين فى ترتيب الآيات والسور لما هو عليه فى اللوح المحفوظ فى بيت العزة، وبذلك تطابقت صورة الترتيب الكليّ للقرآن الكريم فى أطورها التنزيليّة الثلاثة، فما بين أيدينا من صورته الترتيبيَّة آياته وسورة هو ما عليه القرآن الكريم فى اللوح المحفوظ وفى بيت العزة (١) ولعل هذا بعض من معنى قول الله : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود:١) لهذا كان للمعنى القرآنيّ سياقٌ كُلّيٌّ تقع كُلُّ سورةٍ من سُوَرِهِ على مَدْرَجَةٍ من مدارج هذا السياق القرآنى يبدأ هذا السياق بأم الكتاب التى تجمع معانى القرآن الكريم كلِّه فيها فكانت جديرةً بأن تكون أمَّ القرآن وبذلك جاءت السُّنة مؤكدة أنها (أم القرآن) وأنها السبع المثانى والقرآن العظيم.

стр. 29

روى البخاري ﵁ في كتاب (فضائل القرآن) من صحيحه بسنده عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ قَالَ كُنَّا فِى مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَىِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ، فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَناً، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِى؟ قَالَ: لاَ، مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ. قُلْنَا:لاَ تُحْدِثُوا شَيْئاً حَتَّى نَأْتِىَ - أَوْ نَسْأَلَ - النَّبِىَّ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟!! اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِى بِسَهْمٍ» (حديث:٥٠٠٧)

стр. 30

وروى ﵁ في كتاب التفسير من صحيحه بسنده عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى فِى الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى كُنْتُ أُصَلِّى. فَقَالَ «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثُمَّ قَالَ لِى: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِىَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ» . ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِىَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِى الْقُرْآنِ» ؟. قَالَ: « (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِىَ السَّبْعُ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِى أُوتِيتُهُ» (حديث:٤٤٧٤) ومثله فى الموطأ للأمام مالك ﵁ من حديث أبى ابن كعب ﵁ ولأبى داود ﵁ والدَّارمى ﵁ عن أبى هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى". وأمُّ كل شىءٍ أصلُه، فهى أصل القرآن الكريم والجامعة معانيه، ولعلَّه لذلك وجب أن تقرأ فى كل ركعة من الصلاة: روى مسلم ﵁ في كتاب الصلاة من صحيحه بسنده عن عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» . (حديث:٩٠١)

стр. 31

وفى رواية له بسنده عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهْىَ خِدَاجٌ - ثَلاَثاً - غَيْرُ تَمَامٍ» . فَقِيلَ لأَبِى هُرَيْرَةَ ﵁: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ. فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِى نَفْسِكَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِى. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِى عَبْدِى - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَىَّ عَبْدِى – فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ» . (حديث: ٩٠٤) فهذا دال على أنَّ قوله ﴿إِيَّاك نَعْبُدُ وَإِيَّاك نَسْتَعين﴾ هو مِحْوَرُ المعنى لأم الكتاب، وهو فى الوقت نفسه محور المعنى القرآنيّ كلّه فجميع معانى القرآن الكريم منبثقة من هذه الأية التى هى مفتاح المعنى القرآني كله. والتى كان فيها المقصود الأعظم للقرآن الكريم وهو (جمع العباد على الله جمع عبادة واستعانة) وكانت سورة " الفاتحة " بالنسبة للقرآن الكريم كلّه بمنزلة مكة من قرى الأرض ومدتها فهى أم القرى:

стр. 32

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (الأنعام:٩٢) ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى:٧) يقول الراغب الأصفهانى:" ويقال لكلِّ ماكان أصلا لوجود شئ أو ترتيبه أو إصلاحه أو مبدئه " أمّ ". قال الخليل: كل شئ ضم إليه سائر مايليه يسمى أما" وقد ثبت علميا أن (مكة) هى مركز الأرض فهى أم القرى ومحور أقطارها (١) وكذلك الفاتحة هى محور القرآن الكريمِ كله والجامعة معانيه، فكلُّ معانيه مرتبطة بسورة الفاتحة وبمحورها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ثم تأتى السور من بعدها بدأ من سورة (البقرة) لتفصل الإجمال والإحكام لمعنى القرآن الكريم الذى اشتملت عليه سورة الفاتحة، وهذا يفسِّر وجها آخر من قول الله : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:١) فكلّ معنى في كلِّ سورة ولاسيما المعاني الكليّة وثيق الاعتلاق والانتساب إلى سورة (أم القرآن) على اختلاف درجات ظهورالاعتلاق والانتساب.

стр. 33

ولِكُلِّ سورة موقع على مَدْرَجَة سياق المعنى الكُلِّىِّ للقرآن الكريم وهى مدرجة متصاعدة، فإذا المعنى القرآني فى حركة نمَاءٍ متكامِلٍ، فكلُّ سورة تتلو أخرى يكون فيها من المعانى الكلية والجزئية ماهو مؤكِّدٌ ما سبق تأسيسُه فى السابق وتأسيسُ ما هو مُكْمِلٌ ما سبقه حتى يصل المعنى القرآني إلى ذروته فى سورة (الإخلاص) و (المعوذتين) وقد نصَّت السنّة المطهرة على أنَّ منزلة البقرة من القرآن الكريم منزلة السنام: روى الترمزي ﵁ في كتاب قضائل القرآن من جامعه بسنده عن أبي هُريْرَةَ ﵁ عنِ النّبِيّ ﷺ قال: «لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وإنَّ سنام القرآنِ سُورةُ البقَرَةِ، وفِيها آيَةٌ هِيَ سَيّدةُ آيِ القرآنِ هي آيةُ الكرسيّ» (حديث رقم: ٢٨٧٨) وفي مسند أحمد (٥:٢٦) مثله ونصت السنة أيضا علَى أنَّ " يس " قلب القرآن الكريم: روى الترمزي ﵁ في الكتاب السابق من جامعه بسنده عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ لكلِّ شيءٍ قلبًا وقَلْبُ القرآنِ يس ... » (حديث: ٢٨٨٧) وموقعُ السورَةِ على مدرجة السياق الكلّيّ للقرآن الكريمِ به تتبين منزلة كل معنى كُلِّيّ أو جزئِى من معانيها من التأسيس والتأكيد، وبه يتمكن المرء من فقه معانى هذه السورة إذا ما ضَمَّ كل معنى كلىّ أو جزئيّ إلى شكله وقرينه من المعانى السابقة على مدرجة السياق القرآني. وفى تحديد موقع السورة من مدرجة سياق المعنى القرآنيّ لتحديد معانيها الكلية والجزئية من التأسيس والتأكيد بعضُ من الصُّعوبة، ولاسيَّما السُّورُ التى تكون بعيدة الموقع من سورة الفاتحة فى السياق الترتيليّ إلاَّ أنَّه ممَّا ييسِّرُ الأمْرَ أنَّ كلَّ سورة لها نوعان من المعانى: ? مَعانٍ كُلِّيَّةٌ هى معاني المعاقد والنجوم التى تتكون منها السورة.

стр. 34

ومعانٍ جزئيَّةٌ هى معانى الجمل والأيات فى كل نجم ومعقِدٍ من معاقِدِ معانى السورة ونجومها. وحين تكون السورة قريبة من سورة " الفاتحة " فأنَّه من اليسير رَدُّ المعانى الكلية والجزئية بما ترتبط به من معانى السورة السابقة عليها، بل ومن غير العسير ردّ المعانِي الكُليّة إلى ماترتبط به من سورة الفاتحة. أمَّا السُّور التى تقارب نهاية السِّياق الترتيليّ من القرآن الكريم، فإنَّ ردَّ معاقد المعاني وهي المعاني الكليّة إلى ماسبقها كافٍ فى تِبيان موقع السورة على مدرجة المعنى الكليّ للقرآن الكريم. وهذه المرحلة وإنْ كان فيها من الصّعوبة غيرُ قليلٍ إلاَّ أنَّ لها من الأثر والمنزلة فى فقه معنى السورة ومنهج بنائها هذا علاوة على أنَّ فيها بيانًا لتناسب سور القرآن الكريم، وذلك التناسب ضربٌ من إحكام القرآن الكريم لايقلُّ البتّة عن تناسب آيات السُّورة الواحدة. " وهو من أبواب البلاغة العالية التى تََرُوعُ من غير أن تكون داخلة تحت مصطلح من مصطلحات مُتُونِ علم البلاغة؛ لأنَّها علاقات معان تتفق، وتختلف، وتتقارب، وتتباعد، ولها فى تقاربها وتباعدها درجات. كلُّ ذلك بتدبيردقيق، واعتبارات، وسياقات، ومقامات منها ظاهر وخفى (١) وهذا الضرب من العلم يمكن أن نُسْلِكَه فى الغرض الأعظم الذى أقام عليه "عبد القاهر" كتابه العظيم (أسرار البلاغة) يقول الامام ﵀:

стр. 35

«وأعلم أنَّ غرضي فى هذا الكلام الذى ابتداتُه والأساسِِ الذى وضعتُه أن أتوصَّل إلى بيان أمر المعانى كيف تختلف، وتتفق، ومن أين تجتمع، وتفترق، وأفصّل أجناسَها وأنواعها، وأتتبعُ خَاصَّها ومُشاعها، وأبيّنُ أحوالَها فى كرم مَنْصيِها من العقل، وفى تمكُّنها فى نِصابِه، وقرب رحمها منه، أو بعدها - حين تُنسب - عنه، وكونها كالحليف الجارى مَجْرَى النَّسَب، أوالزَّنِيمِ المُلْصَق بالقوم، لا يقبلونه، ولا يَمْتَعِضُونَ له، ولا يَذُبُّونَ عنه» (١) فدراسة موقع السورة القرآنية على مدرجة السياق الكليّ للمعنى القرآنيّ بها يتبَيَّن أمر المعاني اختلافا واتفاقا واجتماعا وافتراقا ... الخ وقد كان لأهل العلم عناية ببيان علاقة السورة بما قبلها، وكانت جهودهم متفاوتةً، فمنهم من يكتفى ببيان علاقة ظاهر فاتحة السورة بخاتمة ما قبلها وكثيراً ما يقف عند التشابه اللغوى، ومنهم من يتجاوز ذلك في لطف قد لا يتبين لمتعجِّل: وأنت إذا ما نظرت في صنيع تلميذ "البقاعيّ":" الجلال السيوطي" رأيت شيئًا من هذا الذي لايتبين لمن تعجَّل. لننظر فيما قاله " السيوطى " فى علاقة سورة (النحل) بسورة (الحجر) فى كتابه (تناسق الدرر) :

стр. 36

«وجه وضعها بعد سورة الحجر أنَّ آخرها شديد الالتئام بأول هذه، فإنَّ قوله فى آخر تلك: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩) الذى هو مفسر بالموت ظاهر المناسبة لقوله هنا: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل:١) وانظر كيف جاء فى المقدمة بـ «يأتيك اليقين» وفى المتأخرة بلفظ الماضى؛ لأنَّ المستقبل سابق علىالماضى، كما تقرر فى المعقول والعربية. وظهر لِى أنَّ هذه السورة: (أى النحل) شديدة الاعتلاق بسورة " إبراهيم" وإنَّما تأخرت عنها لمناسبة " الحجر فى "كونها من ذوات (الر) (١) النظرة العجلَى في مقال " السيوطى " يسرِعُ إليها أنَّه لا يعدو ظاهر العلاقة ولا يتبيّن به المرء وثيق الاعتلاق بين السورتين على لاحب السياق الكلىّ للقرآن الكريم، وأنَّ دعْوَاه أنّه فُصل بين سورة "ابراهيم" ﵇ و" النحل" وهما متأخيتان بالحجر؛ لأنّ " الحجر" من ذوات (الر) كسورة "ابراهيم" ﵇ إنما هى دعوى لاتناسب، ولكنَّك إن تمهَّلت وتبصَّرت أمكنك أن تبصر في مقال السيوطي أمرًا لطيفًا: لعلّك تبصر إشارة إلى أن سورة"الحجر" ذات اعتلاق بسورة "إبراهيم" ﵇ وثيق مِنْ أنَّ كلاً مستفتح بقوله ﴿الر﴾ وهذا فيه إفادة أنَّهما شقيقتان ومن مخرج واحد وأن افتتاح سورتين بصيغة واحدة من صيغ ما يسمّى بالحروف المقطعة سيُغري القلب بالنظر فيما بين السورتين من تناسب أومأ إليه الافتتاح بهذه الصيغة.

стр. 37

واعتلاق سورة" النحل " بسورة " إبراهيم" ﵇ أيضًا جدّ وثِيق إلاَّ انَّه من وجه أخر غير وجه اعتلاق سورة " الحجر " بها، فقدمت " الحجر " من أنهما من (الر) فوجه الاعتلاق أظهره اتفاق المفتتح به في سورة " إبراهيم " ﵇ وسورة " الحجر" ويزيد عليه ما بين سورة "الحجر" وسورة "النحل " من اعتلاق لطيف يستوجب تقديم سورة "الحجر"على سورة " النحل". نحن مفتقرون إلى أن ننظر فيما بين سورة " إبراهيم " ﵇ وسورة " الحجر" من جهة وسورة "إبراهيم " ﵇ وسورة النحل" من أخرى، ولعلك إذا ما نظرت في خواتيم سورة "النحل": (ى:١٢٠- ١٢٨) وهو ذروة معناها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *﴾

стр. 38

وعلاقته بسورة "إبراهيم" ﵇ توافد عليك من لطائف المعاني ما لم يكن لك من قبل: خواتيم النحل تجهر ببيان منهاج الدعوة لإخراج النَّاس من الظلمات إلى النور الذي أنزل الكتاب إلى النبيّ ﷺ من أجله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:١) ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (إبراهيم:٥٢) فعلاقة سورة (النحل) بسورة (إبراهيم) ﵇ من جهة غير التي كانت للنحل بسورة "الحجر"، فألمح " السيوطي " إلى شيءٍ من ذلك. والذى يقتضية المقام أن يكون النظر فى علاقة السورة بما قبلها أنفذ فى معاقد المعانى الكلية فى كل سورة بحيث تستكشف العروة الوثقى فى كل معقد من معاقد كل سورة. يقول شيخنا: " لاشك أننا إذا درسنا ترتيب (الطواسيم) وعلاقات المعاني التي فى هذه السور الثلاث: (الشعراء، النمل، القصص) فإنَّنا واجدون - لا محالة - بابًا من أبواب البلاغة الغائبة.

стр. 39

حاول أن تستخلص قصة " موسى" ﵇ فى السور الثلاثة وكيف تكاملت تكاملا يمتد ترتيبا بتكليف موسى ﵇ بالرسالة وأن يأتى القوم الظالمين، بينما بدأت فى سورة " النمل" وهى السورة الثانية بقصة " موسى" ﵇ مع أهله، وأنَّه آنس بمن جانب الطور نارا، وأنَّه سيأتيهم منها بخبر، ثُمَّ كان لقاؤه بربِّه واعداده للنبوة، وإظهار المعجزات له وسماعه نداء ربه : ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (النمل:٩) وألقَى عصاه ورآها تهتز، وأخرج يده إلى آخره، وهذا الجزء سابق للجزء الذى جاء فى " الشعراء "؛ لأنَّه قبل الأمر بالذهاب إلى فرعون، ثم جاءت " القصص" وهى السورة الثالثة والأخيرة فى (الطواسيم) وتبدأ بقصة " موسى" ﵇ مع طفولته: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص:٧) وكأنَّنا مع ترتيب تنازلى يتقدم فى السورة إلى الأمام، وفى القصة إلى الخلف، وهكذا إذا حلَّلت بقية المعاني وجدت من خبرها مالا تعرف، وما يحتاج إلى تحليل وتدبر، حتى تستطيع شرح المذهب الذى يثبت عليه القصة فى السور الثلاثة. وقد ذكرت قصة "موسى"؛ لأنَّ القصة أظهر فى الذى أريده وفى المعانى والأحكام والمواعظ والعقائد وغير ذلك من المقاصد ما فى القصة، ويجري على هذه المعانى فى تنوعها، وترتيبها، وتكاملها ما يجرى على القصة، وقل مثل ذلك فى " الحواميم " (١)

стр. 40

يدُلُّك شيخنا على أنَّك اذا مانظرت فى قصة سيدنا" موسى" ﵇ فى ثلاث سور متوالية استفتحت استفتحا أطلق عليها اسم (الطواسيم) ألفيت أنَّ أحداث القصة لا تأخذ فى نهج التسلسل التاريخى الصاعد منذ الميلاد إلى الانتصار وزهق الباطل، بل تأخذ فى نهج التسلسل المعنويّ الصاعد للسور، فسورة (الشعراء) فيها مع تسلية النبى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا،وبيان سنة الله فى نصر الحق وزهق الباطل إظهار البطش والنقمة لمن خالف أمر الله ،فالجوّ الغالب عليها جو الانذار والعقاب لمن كذَّب؛ ليكون ذلك فى وجة تكذيب قريش وأعوانها واستهزائهم بالقرآن الكريم: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الشعراء:٥-٦) وقد جعل من لوازم معاقد المعانى الكلية فى السورة قوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء:٨-٩) وقد تكرَّر فيها ذلك ثمانى مرات عقب كل مقصد: عقب قصة موسى ﵇ (ى/١٠-٦٦) وعقب قصة إبراهيم ﵇ (ى/١٢٣-١٣٩) وعقب قصة صالح ﵇ (ى/١٤١-١٥٨) وعقب قصة لوط ﵇ (١٦٠-١٧٣) وعقب قصة شعيب ﵇ (١٧٦-١٨٩) ثم جاء التعقيب بقصة مكذبي قريش ومناصريهم وموقفهم من القرآن الكريم وقد تكرر اسمه (العزيز) فى هذه السورة على نحو لم يتكرر فى غيرها، فقد جاء مقرونا باسمه (الرحيم) تسع مرات (١)
следующие страницы →