«وجه وضعها بعد سورة الحجر أنَّ آخرها شديد الالتئام بأول هذه، فإنَّ قوله فى آخر تلك: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩) الذى هو مفسر بالموت ظاهر المناسبة لقوله هنا: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل:١)
وانظر كيف جاء فى المقدمة بـ «يأتيك اليقين» وفى المتأخرة بلفظ الماضى؛ لأنَّ المستقبل سابق علىالماضى، كما تقرر فى المعقول والعربية.
وظهر لِى أنَّ هذه السورة: (أى النحل) شديدة الاعتلاق بسورة " إبراهيم" وإنَّما تأخرت عنها لمناسبة " الحجر فى "كونها من ذوات (الر) (١)
النظرة العجلَى في مقال " السيوطى " يسرِعُ إليها أنَّه لا يعدو ظاهر العلاقة ولا يتبيّن به المرء وثيق الاعتلاق بين السورتين على لاحب السياق الكلىّ للقرآن الكريم، وأنَّ دعْوَاه أنّه فُصل بين سورة "ابراهيم" ﵇ و" النحل" وهما متأخيتان بالحجر؛ لأنّ " الحجر" من ذوات (الر) كسورة "ابراهيم" ﵇ إنما هى دعوى لاتناسب، ولكنَّك إن تمهَّلت وتبصَّرت أمكنك أن تبصر في مقال السيوطي أمرًا لطيفًا:
لعلّك تبصر إشارة إلى أن سورة"الحجر" ذات اعتلاق بسورة "إبراهيم" ﵇ وثيق مِنْ أنَّ كلاً مستفتح بقوله ﴿الر﴾ وهذا فيه إفادة أنَّهما شقيقتان ومن مخرج واحد وأن افتتاح سورتين بصيغة واحدة من صيغ ما يسمّى بالحروف المقطعة سيُغري القلب بالنظر فيما بين السورتين من تناسب أومأ إليه الافتتاح بهذه الصيغة.
стр. 37
واعتلاق سورة" النحل " بسورة " إبراهيم" ﵇ أيضًا جدّ وثِيق إلاَّ انَّه من وجه أخر غير وجه اعتلاق سورة " الحجر " بها، فقدمت " الحجر " من أنهما من (الر) فوجه الاعتلاق أظهره اتفاق المفتتح به في سورة " إبراهيم " ﵇ وسورة " الحجر" ويزيد عليه ما بين سورة "الحجر" وسورة "النحل " من اعتلاق لطيف يستوجب تقديم سورة "الحجر"على سورة " النحل".
نحن مفتقرون إلى أن ننظر فيما بين سورة " إبراهيم " ﵇ وسورة " الحجر" من جهة وسورة "إبراهيم " ﵇ وسورة النحل" من أخرى، ولعلك إذا ما نظرت في خواتيم سورة "النحل": (ى:١٢٠- ١٢٨) وهو ذروة معناها:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *﴾
стр. 38
وعلاقته بسورة "إبراهيم" ﵇ توافد عليك من لطائف المعاني ما لم يكن لك من قبل: خواتيم النحل تجهر ببيان منهاج الدعوة لإخراج النَّاس من الظلمات إلى النور الذي أنزل الكتاب إلى النبيّ ﷺ من أجله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:١)
﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (إبراهيم:٥٢)
فعلاقة سورة (النحل) بسورة (إبراهيم) ﵇ من جهة غير التي كانت للنحل بسورة "الحجر"، فألمح " السيوطي " إلى شيءٍ من ذلك.
والذى يقتضية المقام أن يكون النظر فى علاقة السورة بما قبلها أنفذ فى معاقد المعانى الكلية فى كل سورة بحيث تستكشف العروة الوثقى فى كل معقد من معاقد كل سورة.
يقول شيخنا: " لاشك أننا إذا درسنا ترتيب (الطواسيم) وعلاقات المعاني التي فى هذه السور الثلاث: (الشعراء، النمل، القصص) فإنَّنا واجدون - لا محالة - بابًا من أبواب البلاغة الغائبة.
стр. 39
حاول أن تستخلص قصة " موسى" ﵇ فى السور الثلاثة وكيف تكاملت تكاملا يمتد ترتيبا بتكليف موسى ﵇ بالرسالة وأن يأتى القوم الظالمين، بينما بدأت فى سورة " النمل" وهى السورة الثانية بقصة " موسى" ﵇ مع أهله، وأنَّه آنس بمن جانب الطور نارا، وأنَّه سيأتيهم منها بخبر، ثُمَّ كان لقاؤه بربِّه واعداده للنبوة، وإظهار المعجزات له وسماعه نداء ربه : ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (النمل:٩) وألقَى عصاه ورآها تهتز، وأخرج يده إلى آخره، وهذا الجزء سابق للجزء الذى جاء فى " الشعراء "؛ لأنَّه قبل الأمر بالذهاب إلى فرعون، ثم جاءت " القصص" وهى السورة الثالثة والأخيرة فى (الطواسيم) وتبدأ بقصة " موسى" ﵇ مع طفولته: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص:٧)
وكأنَّنا مع ترتيب تنازلى يتقدم فى السورة إلى الأمام، وفى القصة إلى الخلف، وهكذا إذا حلَّلت بقية المعاني وجدت من خبرها مالا تعرف، وما يحتاج إلى تحليل وتدبر، حتى تستطيع شرح المذهب الذى يثبت عليه القصة فى السور الثلاثة.
وقد ذكرت قصة "موسى"؛ لأنَّ القصة أظهر فى الذى أريده وفى المعانى والأحكام والمواعظ والعقائد وغير ذلك من المقاصد ما فى القصة، ويجري على هذه المعانى فى تنوعها، وترتيبها، وتكاملها ما يجرى على القصة، وقل مثل ذلك فى " الحواميم " (١)
стр. 40
يدُلُّك شيخنا على أنَّك اذا مانظرت فى قصة سيدنا" موسى" ﵇ فى ثلاث سور متوالية استفتحت استفتحا أطلق عليها اسم (الطواسيم) ألفيت أنَّ أحداث القصة لا تأخذ فى نهج التسلسل التاريخى الصاعد منذ الميلاد إلى الانتصار وزهق الباطل، بل تأخذ فى نهج التسلسل المعنويّ الصاعد للسور، فسورة (الشعراء) فيها مع تسلية النبى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا،وبيان سنة الله فى نصر الحق وزهق الباطل إظهار البطش والنقمة لمن خالف أمر الله ،فالجوّ الغالب عليها جو الانذار والعقاب لمن كذَّب؛ ليكون ذلك فى وجة تكذيب قريش وأعوانها واستهزائهم بالقرآن الكريم: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الشعراء:٥-٦)
وقد جعل من لوازم معاقد المعانى الكلية فى السورة قوله :
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء:٨-٩)
وقد تكرَّر فيها ذلك ثمانى مرات عقب كل مقصد:
عقب قصة موسى ﵇ (ى/١٠-٦٦) وعقب قصة إبراهيم ﵇ (ى/١٢٣-١٣٩) وعقب قصة صالح ﵇ (ى/١٤١-١٥٨) وعقب قصة لوط ﵇ (١٦٠-١٧٣) وعقب قصة شعيب ﵇ (١٧٦-١٨٩)
ثم جاء التعقيب بقصة مكذبي قريش ومناصريهم وموقفهم من القرآن الكريم وقد تكرر اسمه (العزيز) فى هذه السورة على نحو لم يتكرر فى غيرها، فقد جاء مقرونا باسمه (الرحيم) تسع مرات (١)
стр. 41
وفى اسمه (العزيز) تتاغ مع الانذار والتهديد للمعاندين وفيه تأنيس أيضا للنبيّ ﷺ مثلما فى قوله (ربك) وقوله (الرحيم) ولم يأت اسمه (العزيز) مقرونا باسمه (الرحيم) فى غير سورة (الشعراء) إلا أربع مرات:
﴿ ... يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:٥)
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (السجدة:٦)
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (يّس:٥)
﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الدخان:٤٢)
وسورة النمل فيها إظهار وصف العلم والحكمه، وقد ركَّزت السُّورة على العلم: «علم الله المطلق بالظاهر والباطن وعلمه بالغيب خاصة وآياته الكونية التى يكشفها للناس، والعلم الذى وهبه لداود- ﵇ ولسليمان ﵇ منطق الطير، وتنويهه بهذا التعليم،ومن ثَمَّ يجئ فى مقدمة السورة: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل:٦)
ويجيء في التعقيب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل:٦٥)
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (النمل:٦٦)
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل:٧٤-٧٥)
ويجئ فى الختام ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (النمل:٩٣)
стр. 42
ويجئ فى قصة سليمان ﵇: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النمل:١٥)
وفى قول سليمان ﵇: ﴿ ... يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل:١٦)
وفي قول الهدهد: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) (النمل:٢٥)
وعندما يريد سليمان ﵇ استحضارعرش الملكة لايقدر على احضاره فى حركة طرف العين عفريت من الجن إنما يقتدر على هذا ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) (النمل: من الآية٤٠)
وهكذا تبرز صفة العلم فى جوِّ السورة تظلها بشتى الظلال فى سياقها كله من المطلع إلى الختام (١)
وقد كان استفتاح السورة بقوله : ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النمل:١-٢)
ولم تُستفتح سورة بمثل هذا وما جاء فى الحجر قدّم فيه" الكتاب "على " القرآن ": ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (الحجر:١-٢)
ولم يذكر قوله : ﴿هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
стр. 43
وختمت سورة "النمل" بقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (النمل:٩١-٩٣)
وجاءت قصة " موسى" ﵇ فى هذا السياق فأصطفى القرآن الكريم منها ماتآخى وتناغى مع هذا السياق العام، فكان مبدأ القصة هنا رؤيته النار وذهابه إليها وندائه وتكليفه وايناسه بالأيات،ثُمَّ تنتهى القصّة انتهاءً سريعًا يطوى فيها ما كان بينه وبين فرعون وقومه قائلاً: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل:١٣ -١٤)
وقد جاء قوله: (مبصرة) وقوله: (استيقنتها) متناغيًا مع سياق العلم الذى كانت السورة له، مثلما جاء قوله: (جحدوا بها) كذلك.
وفى سورة " القصص" كان السياق لبيان أنَّ الغلبة للقوى الأعظم، وأنَّه لا أقوى ممن كان الله معه، ولذلك بدأ ببيان ذلك فى حياة سيدنا "موسى" ﵇ من بدايتها إلى نهايتها، وانتصاره على أقوى الطواغيت ومثلِهم الأعلى:
стр. 44
بدأ ببيان قصة " موسى " ﵇ وليدا، وانتصاره، وتسخيره لتربيته، ورعايته، وهو لا يعلم سوء عقباه على يده، وهو الذى يدَّعى أنَّه الرب الأعلى، وقصته ﵇ فتِيًّا وقصته نبياً، ففى كلِّ حلقة من هذه الحلقات من قصة حياة سيدنا " موسى" ﵇ آية على انتصار قوة الحق وزهقها باطل الطاغوت وقد ختم القصة بقوله :
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:٣٦-٤٠)
فَبِالْيَمِّ كان هلاك الطاغوت فرعون، وباليمِّ كانت نجاة موسى وليدا.
стр. 45
" لقد كانت قصة موسى ﵇ تبدأ غالبا فى السور الآخرى لا من حلقة الميلاد حيث يقف الإيمان القوى فى وجه الطغيان الباغى ثم ينتصر الإيمان وينخذل الطغيان فى النهاية، فأمَّا هنا، فليس هذا المعنى هو المقصود،إنَّما المقصود أنَّ الشَّر حين يتمحَّضُ يحمل سبب هلاكه فى ذاته، والبغي حين يتمرد لايحتاج إلى من يدفعه من الشر، بل تتدخل يد القدرة وتأخذ بيد المستضعفين المعتدَى عليهم، فتتقذهم، وتستنقذ عناصر الخير فيهم، وتربيهم، وتجعلهم أئمة، وتجعلهم الوارثين.
فهذا هو الغرض من سوق القصة فى هذه السورة، ومن ثم عرضت من الحلقة التى تؤدى هذا الغرض، وتبرزه.
والقصة فى القرآن تخضع فى طريقة عرضها للغرض المراد من هذا العرض، فهى أداه تربية للنفوس،ووسيله تقرير لمعانٍ وحقائق ومبادئ، وهى تتناسق فى هذا مع السياق الذى تعرض فيه، وتتعاون فى بناء القلوب وبناء الحقائق التى تعمر هذه القلوب" (١)
تبين لنا بهذا كيف أنَّ موقع كلِّ سورة ومقصدها الكلى هو الذى يكون معيارًا في تناسق معانيها واصطفاء ما يدرج فى سياق كل سورة مما يفرض على المتدبِّر أن يعيَ موقع كلِّ سورة من سور القرآن الكريم فى سياق المعنى الكليّ للقرآن. (٢)
وقد يكون ما هو ظاهر من السورة غيرَ بَيِّنِ الاعتلاق بما قبلها وما بعدها مِمَّا يجعل ادراك موقعها على مدرجة المعنى الكلى للقرآن الكريم إدراكًا ضعيفًا ولكنَّ التَّدبُّرَ والتَّدقيقَ يُذكى طاقات الاستبصار الرُّوحى لمعاقد المعنى فى السورة مع ما قبلها وما بعدها من السور على جادة المعنى القرآنيّ.
стр. 46
وقد كان لـ" برهان الدين البقاعيّ" عناية بهذا في تفسيره " نظم الدّرَر في تناسب الآيات والسُّور " قد لا تجد مثلها عند غيره
كان ذا عناية ببيان علائق مقاصد السور ببعضها وتصاعد معانيها منسولة من ذلك المقصود الأعظم للقرآن العظيم، كان معنيًّا ببيان ترتب مقصود السورة على مقصود التى قبلها ممَّا يعنى أنَّ التَّرابط القائم بين سور القرآن الكريم ليس ترابطًا منحصرًا في تناسب أوَّل السُّورة مع خاتمة ما قبلها، بل الأمر أكبر من ذلك.
في تبيانه مقصود سورة " البقرة " يركز على المعنى الذي هو أساس المعاني المنسولة من معنى سورة "أمّ القرآن " الذي هو إجمال معنى القرآن العظيم فهو لها كالحجر الأساس في البناء: معنى الإيمان بالغيب، يقول:
" مقصودها إقامة الدليل على أنّ الكتاب هدًى؛ ليتبع في كلّ ما قال [حال] ، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب، ومجمعه الإيمان بالاخرة، فمداره الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصَّة البقرة التي مدارها الإيمان بالغيب، فلذلك سمِّيتْ بها السّورةُ " (١)
كلَّ آيات سورة" البقرة " ناظرة إلى تقرير معنى الإيمان بالغيب في القلوب ومن ثَمَّ كانت فيها أول صفة للمتقين صراط المغضوب عليهم وصراط الضّالين صفةَ الإيمان بالغيب (هدى للمتقين الذين يُؤْمِنُونَ بِالغَيْب ... ) فهذا الإيمان بالغيب هو أساس كلّ عمل صالح مصلِح، فإنَّه لامعنى البتة لأيِّ عمل صالح أو إيمان بدين إذا لم يكن ذلك مؤسسا على تقرر معنى الإيمان بالغيب
ولا يصلح الإله المعبود أن يكون مشهودًا ملموسا بل لابد أن يكون غيبا مطلقا تشهد الأبصار والبصائر دلائل وجوده ووحدانيته وكمال جلاله وجماله وقهره ورحمته ... إلخ
ومن ثَمَّ كان مقصود السورة الأولى من سور تفصيل أم الكتاب: " سورة البقرة " الهداية إلى الإيمان بالغيب.
стр. 47
وهذا تراه جليًا في تسمية السورة بالسنام، والذروة، والفسطاط، فإنَّ الفسطاط جامعٌ لما كان منه بسبب.
وإذا ما جاء " البقاعيّ " لتبيان المقصود الأعظم من سورة (آل عمران) فإنَّه يبسط القول في هذا:
يبيّن لنا ما كان قد ظهرله أوَّل الأمر في تاويلها، فلمَّا راجع وبالغ التدبّر تبين له تحرير مقصودها على نحو آخر، وهو يبسط القول، فيبين علاقة مقصود سورة (آل عمران) بمقصود سورة (البقرة) ومقصودهما معا بمقصود سورة (الفاتحة) بل إنه ليبسط النظر أكثر، فيمدُّه إلى مقصود سورة (النساء) .
يقول:" المقاصد التي سيقت لها هذه السورةُ إثبات الوحدانية لله ، وإلإخبار بأنَّ رئاسةَ الدُّنْيَا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئًا في الدنيا، ولا في الآخرة، وأنَّ ما أعدَّ للمتقين من الجنَّةِ والرضوان هو الذي يَنْبغِي الإقبالُ عليْهِ والمسارعةُ إليهِ.
وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما ينعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة.
هذا ما كان ظهر لي أولاً.
وأحسنُ منه أن نخصَّ القصدَ الأول وهو التوحيد بالقصد فيها، فإنَّ الأمرين الأخيرين يرجعان إليه، وذلك؛ لأنَّ الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام يكون على كلّ نفسٍ، والاستقامة العدلُ ...
وهذا الوجه أوفق للترتيب
لأنَّ " الفاتحة " لماَّ كانت جامِعةً للدين إجمالاً جاء ما به التفصيلُ محاذِيًا لذلك، فابتدئ بسورة الكتاب [البقرة] المحيط بأمرالدين، ثُمّ بسورة التوحيد [آل عمران] الذي هو سرُّ حرف "الحمد"، وأوَّل حروف الفاتحة، لأن التوحيد هو الأمر الذي لايقوم بناءٌ إلاَّ عليه، ولمَّا صحَّ الطريقُ، وثبت الأساسُ جاءت التي بعدها [النساء] داعيةً إلى الاجتماع على ذلك.
стр. 48
وأيضًا فلمَّا ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنَّه هدى، وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه [آل عمران] لإثبات الدعوة الجامعة في قوله (يَأيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا ربَّكُمْ) (البقرة:٢١) فأثبت الوحدانية لله بإبطال إلهية غيره بإثبات أنّ " عيسى" ﵇ الذي كان يحيى الموتى عبدُهُ، فغيره بطريق الأوْلَى، فلمَّا ثبتَ أنَّ الكُلَّ عبيدُهُ دعت سورة" النساء" إلى إقبالهم إليه، واجتماعهم عليه.
ومما يدلّ على أنَّ القصد بها [أي آل عمران] هوالتوحيد تسميتها بـ"آل عمران" فإنَّه لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعربَ عنه ما ساقه فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه، فهو التَّاجُ الّذي هو خاصَّة الملك المحسوسة، كما أنَّ التوحيد خاصته المعقولة.
والتوحيد موجب لزهرة المتحلِّي به، فلذلك سمّيت الزهراء" (١)
هذه الوحدانية هي اللبنة الثانية في أساس الإيمان؛ لأنَّه إذا تقرَّر أنَّ الإله لابد أن يكون غيبا غير منظور أو ملموس، فإنَّه أيضًا لابدَّ أن يكون واحدًا، فكما أنه يتعاند مع معنى الألوهية أن يكون الإله مشهوداً منظورًا ملموسا يتعاند أيضًا مع معنى الألوهية أن يكون الإله غير واحد؛ لأنَّ هذا يترتَّبُ عليه فسادُ الكون والحياة فسادًا يقرره منطق العقل المُعافَى من الضلالة.
التعالق بين سورة " البقرة " وسورة " آل عمران " تعالق عظيم؛ لأنّهما قائمان على أمرٍ واحدٍ هو تقرُّرُ ما هو جوهرٌ في معنى الألوهية، وما يجب أن يكون أساسًا عظيما من أسس صفات الإله المعبود بحق:
стр. 49
أن يكون غيبا لاتدركه الأبصار، وأن يكون واحدًا ليس كمثله شيء، وهذا كأنَّه من عطف الخاص على العام. ...
والبقاعي كما سمعته لم يكتف ببيان تعالق مقصود سورة (آل عمران) بمقصود سورة (البقرة) بل إنَّه ليمد النظر إلى علاقة مقصود سورة (النساء) بما قبلها.
في مفتتح تأويله سورة " النساء " يبيّنُ لنا ما به يتقرر العلم ويتأكّدُ أنَّ مقصودها مبنيٌّ على مقصود " آل عمران" المبنيّ على مقصود سورة "البقرة" قائلا:
" مقصودها: الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه " آل عمران "، والكتاب الذي حدت عليه "البقرة "؛ لأجل الدين الذي جمعته " الفاتحة " تحذيرًا مما أراده " شاس بن قيس ِ" , وأنظاره من الفرقة " (١)
وأنت إذ تنظر في الأحكام والآداب التى قامت بها سورة "النساء" ترى أنها أحكامٌ وآدابٌ تحقق للمجتمعِ الآخذِ بها اجتماعُه على أساس الدين:" التوحيد "
هذا الأساس إذا ما أقيمت عليه علائق أي مجتمع، فإنِّك لن ترى في هذا المجتمع ما تراه في غيره من المجتمعات التى لا تُؤسِّس دينها على التوحيد الخالص.
ويأتي تأويل " البقاعي " وتبيانه المقصود الأعظم لسورة " المائدة " فلا يخرج عن ذلك المنهاج، فيقول:
" مقصودها الوفاء بماهدى إليه الكتاب، ودلَّ عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكرًا لنِعَمِه واستدفاعًا لنقمه " (٢)
ويقول في سورة "الأنعام ": «مقصودها: الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد بأنّه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره»
стр. 50
ويقول أيضًا من بعد تأويله مطلع السورة: ...
«فقد لاح أنّ مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب [البقرة] الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله [آل عمران] والاجتماع عليه [النساء] والوفاء بعهوده [المائدة] بأنه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره " (١)
هو بهذا يريك قيام مقصود " النساء " و" آل عمران " و" البقرة " في مقصود " المائدة " وقيام مقصود تلك السورة كلها في مقصود سورة " الأنعام ".
وأنت إذ تنظر في مقال البقاعي في صدر سورة " الأعراف " تراه يبين مقصودها بما يقرر بناءه على ماقررته مقاصد السور السابقة عليها بدأً من سورة " البقرة " وما قامت عليه من دعوة الكتاب المستفتح بيانها بالإشارة إلى عظيم قَدْرِهِ (ذلك الكتَابُ لارَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
وما قامت عليه سورة " آل عمران " من تقرير معنى التوحيد، وما قامت عليه سورة " النساء " من تقرير الدعاء إلى الاجتماع على الخير، وما قامت عليه سورة" المائدة " من الدعوة إلى الوفاء بالعقود، وما قامت عليه سورة " الأنعام " من التدليل على ماسبق قيام السور السابقة عليها (٢)
وهكذا تتناسل مقاصد السور تناسلا يقوم بأمرين جليلين:
الأول: تأسيس معنى لم يكن مؤسسا في التي قبلها ٠
والآخر: تأكيد ما سبق تأسيسه.
وفي كل تأكيد تأسيسٌ من وجه آخر، ولايكون التأكيد بالتكرير بل بالتصريف البياني في تصوير المعاني ذلك أن القرآن الكريم لا يقوم على منهاج التكرير العقيم المنتجه إعادة البيانِ مكوِّنًا ومكنُونًا ذلك أنَّه لايتأتى البتة تكرّر عنصرٍ مهِمّ من عناصر البيان هو ذو أثر جليل في تصوير المعنى.
стр. 51
ذلك العنصر هو السياق الذي يقوم فيه البيان المًعاد ذكر مُكَوّنه المرتَّل، فإذا ما تغير موقع البيان المعاد مكوِّنه المرتلّ تغير المكنون المتذوّق، فليس القائم بالمعنى المكنون في البيان هو ما يرتِّله اللسانُ بل هنالك أمورٌ أخرى لاتقِلُّ منزلة عنه.
منها السياق المقالى الذي يقوم فيه لك البيان، وذلك السياق معصوم من التناسخ، فهو كدفقة الموج في سياق ماء المحيط الزّاخر لاتتكرّر أبدًا.
والبقاعيّ ينظر في السياق الكلّيّ للمعنى القرآنيِّ فيبصرُ أنّه من منازل ومراحل ذات وجوه عدَّة
من تلك الوجوه النظر في بيان الله عن القرآن الكريم منزلاً ومقصدًا ,، نظر" البقاعيّ " في هذا البيان فرأى أن تفصيل (أمّ الكتاب) قد بدأ بالبقرة المستهلة بيانها عن القرآن الكريم ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لارَيْبَ فِيه هُدًى لِلْمُتَّقينَ﴾
وكانت التالية لمفتتح هذه المرحلة هي سورة " آل عمران " وقد أثبت فيها أنَّ القرآن الكريم حقٌّ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بِيْنَ يَدَيْهِ﴾ (آل عمران:٣)
وأنّ السياق قد امتدَّ حتى آخر سورة " التوبة " التي هي آخر (الطول) والنازلة في شأن غزوة العُسْرَةِ: تَبُوك، وهي في غَزْوِ الرُّومِ، وكان انتهاءُ التلاوة فيها: ﴿يأيُّها الّذين آمنُوا قَاتِلُوا الّذِين يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّار وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقينَ﴾ إلى قوله ﴿فإنْ تَوَلَّوا فَقَلْ حَسْبِيَ اللهُ لاإِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العَظِيمِ﴾ (التوبة:١٢٣-١٢٩)
وابتدأ البيان من بعد هذه المرحلة بسورة (يونس) ﵇ التي هي أوَّل (المِئين) والمستهِلَّةِ بيانَها - أيضًا - عن القرآن الكريم:
стр. 52
﴿بسم الله الرحمن الرحيم الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (يونس:١-٢)
وكان مقصودها الأعظم " وصف الكتاب بأنَّه من عند اللهِ لما اشتمل عليه من الحكمة...."
وكانت التالية لها سورة " هود " مقصودها " وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة "
﴿بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبيرِ﴾ (هود:١)
وأن السياق قد امتدّ حتّى آخر سورة " الروم" النازلة في شأن الروم،وانتصار الفرس عليهم،ووعد الله بنصرالروم عليهم؛ ليفرح المؤمنون، وكان انتهاء التلاوة في هذه المرحلة قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كلِّ مثَلٍ وَلَئنْ جِئْتهُمْ بِآيِة لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الّّذِين لا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلايَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لايُوقِنُونَ﴾ (الروم:٥٨-٦٠)
وابتدأ البيان من بعد هذه المرحلة بسورة " لقمان" المستهلة بيانها أيضًا عن القرآن الكريم
﴿بسم اللهِ الرّحمن الحيم الم * تلك آياتُ الْكِتَاب الْحكِيمِ * هُدًى وَرَحْمةً للْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاة وَهُمْ بٍِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَّبِّهِمْ وَأُولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان:١-٥)
وكانت التالية لها سورة " السجدة " مقررة نفي الريب عن القرآن الكريم ومقرّرة أنّه تنزيل من ربّ العالمين:
стр. 53
﴿بِسْمِ اللهِ الرّحمنِ الرحِيمِ* الم * تَنْزِيلُ الكِتابِ لارَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالَمينَ) (السجدة:١-٢)
وتنتهي هذه المرحلة بانتهاء سورة " الفتح " التي هي آخر (المئين)
فأوَّلُ كلّ مرحلة حديث عن القرآن الكريم
وآخر كلّ مرحلة سورة من سور الجهاد وانتصار الحق (التوبة- الروم- الفتح)
وتأتي سور (المُفَصَّل) المفتتحة بسورة " الحجرات " - على مذهب البقاعي – (١) والمفصّل مَنْزِلُهُ مَنْزِلُ ملخَّص القرآن، فهي كالختام لمراحل السياق الكلّي للمعنى القرآنيّ الكريم.
يقول "البقاعيّ" في مفتتح تأويله البيان القرآنيّ في سورة (لقمان) :
«مقصودها إثبات الحكمة للكتاب اللازم منه حكمة منزله في أقواله وأفعاله، وقصّة لقمان المسمَّى بها السورة دليل واضح على ذلك كأنّه لمَّا أكمل ما أراد من أوَّل القرآن إلى آخر" براءة " التي هي سورة غزو الروم، وكان قد ابتدا القرآن بعد " أمّ القرآن " بنفي الرَّيب عن هذا الكتاب وأنَّه هدًى للمتّقين واستدلّ على ذلك فيما تبعها من السور، ثُمَّ ابتدأ سورة" يونس "بعد سورة غزو الروم بإثبات حكمته، وأتبع ذلك دليله إلى أنْ ختم سورة الروم، ابتدأ دورًا جديدًا على وجه أضخم من الأول فوصفه في أوّل هذه التالية للروم بما وصفه به في" يونس " التالية لغزو الروم، وذلك الوصف هو الحكمة، وزاد أنَّه هدى وهداية للمحسنين، فهؤلاء أصحاب النهايات، والمتقون أصحاب البدايات
стр. 54
ولمَّا أثبت في" آل عمران " [التالية للبقرة التي هي أوَّل المرحلة الأولى] أنّه أنزل بالحق أثبت في" السجدة " التالية للقمان التي هي أول المرحلة الثالثة] تنزيله ونفي الريب عن أنّه من عنده وأثبت أنّه الحقُّ واستمر فيما بعد هذا من السور مناظرًا في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكّر والتَّأمُّلِ والتَّدبُّر" (١)
ويقول في مفتتح تأويل سورة (الحجرات) :
«حاصل مقصودها مراقبة النبيّ ﷺ في الأدب معه؛ لأنَّها أوَّل المفصّل الذي هو ملخَّصُ القرآن، كما كان مقصود (الفاتحة) التي هي أوَّلُ القرآن مراقبة الله
وابتدئ ثاني المفصّل بحرف من الحروف المقطّعة، كما ابتدئ ثاني ما عداه [المئين والمثاني] بالحرف المقطَّعة» (٢)
كذلك يتبيّن تصاعد المعنى القرآني، وتصاعد المقاصد الكلية في السياق الكُلّي للقرآن الكريم، الذي هو أساس عظيم في فقه حركة المعنى القرآني على لاحب سياق التّرتيل، وهو باب من أبواب البلاغة الغنية العَلِيّة التي نفتقر إلى مزيد العناية به.
стр. 55
وهذا يضاف إلى منهاج آخر كثُر عند غير قليل من المفسرين: منهاج علاقة فاتحة السورة بخاتمة ما قبلها، وهو منهج جليل يضيف إلى منهاج تصاعد المقاصد وتناسل المعاني، ذلك أنَّ مقصود كلّ سورة إنَّما يستهل مفتتحها بالإعلان عنه في لطفٍ، ومن ثَمَّ تنادَى العلماءُ ببراعة استهلال السور القرآنية، ففاتحة كل سورة عنوان بليغ لطيف لما قام فيها من المقصد الأعظم والمعاني الكلية. (١)
***
وإذا ما كان النظر فى علاقة السورة بما قبلها وبما بعدها من السُّور يُبِّين موقع السورة على لا حب سياق المعنى الكليّ للقرآن الكريم، وكان ذلك النّظر قد لقى عناية كثيرة من أهل العلم، فإنَّ ثَمَّ صورةً هى أبعد مدى، وأوفر جدًى [جَدَا] (٢)
стр. 56
هى أن تنظر فى السور التى تقاربت فواتحها؛ لأنَّ فى تقارب الطوالع آية على تقارب المقاصد، ولا سيما أن قارئ كتاب الله يجدُ سُورًا قد تباعدت مواقِعُها فى السياق الترتيلى إلاَّ أنَّها تقاربت فواتِحُها ومطالِعُها وإذا ما كان الذكر الحكيم من عند رب العالمين فأدْنى النظر الظنُّ أنَّ من وراء ذلك ما يُغْرِي المَرْءَ باستبصاره واستنباط ما فيه من الهُدَى والرَّحمة.
صاحب القرآن الكريم يجِدُ خمسَ سورٍ قد استفتحت بحمد الله، وقد تباعدت مواقعها: سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ،وفاطر.
وقد اختلف مقتضى الحمد المذكور فى مفتتح كل، وهي جميعها مكية النزول:
- (أم الكتاب:) : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:١-٤)
- (الأنعام:) ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) ﴾
فُصِلَ بين سورة (أمّ الكتاب) وسورة (الأنعام) بأربع سور، وبين سورة (الأنعام) وسورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة، وبين سورة (الكهف) وسورة (سبأ) بخمسَ عشرة سورة، ولم يكن بين سورة (سبأ) وسورة (فاطر) فاصل، فليس لنا إلاَّ أن نعمد إلى السعي إلى تدبر واستبصار شيء من حكمة البيان القرآني على هذا الوجه من النّسق الترتيليّ، وأسلافنا الأماجد كان منهم سعْيٌ إلى ذلك:
يقول السعد التفتازانى (ت ٧٩٢) في مفتتح شرحه التلويح في أصول الفقه: الحمد يكون على النعمة وغيرها، فالله تعالى يستحق الحمد أولا بكمال ذاته وعظمة صفاته وثانيا بجميل نعمائه وجزيل آلانه ...
نعمة الله على كثرتها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولا، وإيجاد وإبقاء ثانيا ...
أشير في الفاتحة إلى جميع النعم، وفي "الإنعام " إلى الإيجاد وفى (الكهف) إلى الإبقاء اولاً، وفى (سبأ) إلى الإيجاد وفى (الملائكة) إلى الإبقاء ثانيًا. (١)
وهذا الذي قاله السعد فيه إجمال (٢)
стр. 59
،يعمد البرهان البقاعى (ت ٨٨٥ هـ) فى تفسيره (نظم الدور) إلى تفصيله مبينا احتواء سورة (أم الكتاب) على مقتضيات الحمد على كمال الذات وعلى جميع نعم الإيجاد والإبقاء.
فالحمد على كمال الذات قوله (الحَمْدُ للهِ) أى (أنه المستحق لجميع المحامد لا لشىء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات)
أما الإيجاد الأول في قوله : (رَبِّ العالَمينَ) فإنَّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية.
وأما الإبقاء الأول في قوله : (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أى المنعم بجلائل النعم ودقائقها التى بها البقاء.
وأما الإيجاد الثانى في قوله : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهو ظاهر (أى – لا يكون مالكا لهذا اليوم إلا إذا أوْجَدَ الخلق مرة ثانية كمثل ما أوجدهم فى الأول.)
وأما الإبقاء الثانى في قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إلى آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة) .
وأما سورة الأنعام فالحمد فيها على نعمة الإيجاد الأول: ولذلك برز فعل الخلق فى مطلعها: ﴿ ... خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾
ثم انتشر الحديث عن الخلق والإيجاد فى آياتها:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام:١٤)
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّعَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام:١٦٤)
فهذه السورة كثر فيها الدلالة على فعل الخلق والإيجاد، ولم يرد فى غيرها أن وصف الله نفسه بقوله (فالق) وقد ذكره مرتين متتاليتين كما أنَّه لم يرد اسمه البديع إلا فى هذه السورة: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:١٠١)
وفى سورة البقرة: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:١١٧)
وانظر كيف جعل فى آية (الأنعام) قوله ﴿وخلق كل شىء﴾ ولم يجعل ذلك فى سورة (البقرة) .
وإذا نظرت رأيت أن سورة (الأنعام) مكية، وقد نزلت جملة واحدة، كما عليه جمع من أهل العلم، وسورة (البقرة) مدنية، وقد نزلت في سنين عددًا (١)
ومنزل سورة الأنعام من السور المكية منزل سورة (البقرة) من السور المدنية: سورة الأنعام "نزلنت مبيّنَةً لقواعد العقائد وأصول الدين ... فغيرها من السور المكية المتأخر عنها نزولا مبنيٌّ عليها، وسورة البقرة قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الإنعام، فغير سورة (البقرة) من السور المدنية مبنيٌ عليها (٢)
стр. 63
فسورة الأنعام المكية عنيت بحمد الله على نعمة الإيجاد الأول الناظر إلى قوله في سورة الفاتحة ﴿ربِّ العَالمين﴾ ، وقد نظرت في مواقع كلمة ربّ في السياق القرآني، فرأيت أنه يَعظم وقوعها في الآيات المكية، وقد جاءت في سورة (الأنعام) أكثر من خمسين مرة..
ولو أنَّا جمعنا معجم كلمات سورة (الأنعام) وتبصرنا المفردات المتعلقة بالخلق والإيجاد الأول لتبين لنا غلبة معنى الإيجاد الأول على هذه السورة المكية المقررة معنى التوحيد الذي هو أساس الدين الذي ارتضاه الله لعباده.
وفى خاتمة السورة- أيضًا - تناغ وتاخٍ مع مطلَعِها المُعْلِنَ حمد الله على نعمة الإيجاد الأول:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّعَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (ي:١٦٤)
﴿وَهُوَالَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (ي:١٦٥)
فقد ختم السورة بما به ابتداءها فإن قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (ي:١٦٥)
هو من مَعْدِنِ قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام:٢)
стр. 64
وقوله ﷻ : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام:١٤)
وقوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام:١٦٤)
هما من معنى قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (الأنعام:١)
فدلَّ هذا كُلُّه على أن سورة (الأنعام) " تتكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيها من آدمى وغيره المشار إليه فى (الفاتحة) برب العالمين كما تقدم" (١)
فالتحميد في الأنعام فرد من أفراد تحميد (الفاتحة) تحقيقًا لكونها أمًّا (٢)
(وأما سورة الكهف) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته (الحمد لله) وعلى نعمة الإبقاء الأول: أى الإبقاء فى الأرض بنعمة الهداية وذلك الإبقاء إنَّما يكون بالكتاب المنزل وبالنبيّ المرسل ﷺ ، ولذلك استفتح السورة بهذين قائلا:
стр. 65
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً *﴾
فنصَّ على إنزال الكتاب على عبده مقدما قوله: (على عبده) تشريفا للرسول - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا - وتباينا لمنزلته، وإشارة إلى أنَّه الذى أسري بعبده ليريه من آياته، وأنّه أنزل عليه الكتاب هداية للناس إلى الحق استبقاء لهم فى الأرض دون إهلاك، ولم يجعل لكتابه عوجا، فهو المستقيم الذى لا عيب فيه مما يجعل أسباب البقاء متينة، فهو الهادي إلى كلِّ حقٍ وخير، وهو الكتاب القيم المهيمن على غيره والمقيم له ولكل من استمسك به. وغير خفِيّ أن " نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبيّ والكتاب " (١)
وقد نصّ عليهما في مفتتح السورة.
وقد كثر الحديث عن أسباب البقاء الأول فى الحياة الدنيا، فذكر قصة أهل الكهف الذين كتب الله لهم البقاء والعصمة من الهلاك بالفتنة فى دينهم كما انتظم بهم أمر من اطلع عليه من أهل زمانهم الذين كانوا على غير هُدى من الله فأسلموا لما عرفوا من أمرهم
стр. 66
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ (الكهف:٢١)
وجاء الأمر بتلاوة ما أوحى فيه الهدى والحفظ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (الكهف:٢٧)
والأمر بالصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشى يريدون وجه
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (الكهف:٢٨)
ففى ذلك تعاون على البر والتقوى الذين هما من أسباب البقاء الأول وذكر قصة صاحب الجنتين وصاحبه وما أحاط بصاحب الجنتين من فنائهما لعدم إيمانه واستمساكه بالهدى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) ﴾
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (الكهف:٤٦)
стр. 67
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)
وذكر من قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى ﵇ أحوال من حفظوا من الفناء والهلاك كحال أصحاب السفينة وحال الأبوين الصالحين بقتل غلامهما الطاغى الكافر استبقاء لهم على الإيمان والصلاح وحال الغلامين اليتيمين ابنى الرجل الصالح وبناء الجدار استبقاء لكنزهما.
وهذه الحلقة من قصة سيدنا " موسى" ﵇ لم تذكر فى غير سورة الكهف على الرغم من ذكر قصته ﵇ فى مواطن كثيرة من سور القرآن الكريم. (١)
стр. 68
وذكر من قصَّة ذى القرنين ما انتظم به من حال جميع أهل الأرض بما أقامه من الردم الحاجز بينهم وبين يأجوج ومأجوج فحفظ لهم البقاء الأول
﴿ ... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ (الكهف: من الآية٩٨)
هذا القصص مشير إلى أسباب البقاء الأول،ولم يذكر فى غير هذه السورة وهولم يذكر معها قصة (الروح) وجعلها فى سورة (الإسراء) :
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً﴾ (الاسراء:٨٥)
على الرغم من أنَّ سؤال الكافرين كان عن الثلاثة: أصحاب الكهف وذى القرنين والروح (١) فجاء حديثه عن الروح فى (الإسراء) لأنَّه به أليق وأنسب، وذكر قصة الكهف وذى القرنين هنا لما فيهما من دلالة على نعمة الإبقاء الأول بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم.
وقد ختم السُّورة بما هو دالٌّ على ذلك -أيضا - فكان متناغيًا متآخيًا مع ما استفتحت به إذ يقول : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف:١٠٩ -١١٠)
***
стр. 69
(وأما سورة سبأ) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته ﷻ (الحمد لله) وعلى نعمة الإيجاد الثانى بالبعث من القبور ويوم القيامة ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآ خِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقد جاء قوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ﴾ دون ذكر الأول، بينما جاء فى سورة "القصص": ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص:٧٠)
ولم يرد ما جاء فى سورة " سبأ "من اختصاص الآخرة بالذكر فى أى سورة أخرى.
وذكر علمه بما يلج فى الأرض وما يخرج وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهذا العلم الدقيق المحيط يستلزم القدرة على البعث وقد ذكر فى السورة ما يدل على التبديل والبعث فى مواطن عديدة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (سبأ:٣-٥)
ويبرز التعجيب من حال الذين كفروا في انكارهم الإيجاد الثاني:
стр. 70
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) ﴾
فمقصود السورة تقرير أمر الآخرة البعث والإيجاد الثاني للحساب " ولقصّة "سبَأٍ" التي سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد لما فيها من الآيات الشهودية المشهودة لاسيما عند العرب على قدرته على الإيجاد والإعدام للذات والصفات، والتحويل لما يريد من الأحوال، والتصرّف بالحكمةِ في الإعطاءِ والمنعِ ابتداءً وجزاءً لمن شكرأوكفر" (١)
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (سبأ:١٦)
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (سبأ:٢١)
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (سبأ:٢٦)
﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ) (سبأ:٣٠)
(وأما سورة فاطر) فإنَّ تسْتَهِلُّها بقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر:١) دالٌ دَِلالة بيّنة على نعمة الإبقاء الثاني يوم القيامة فقوله (يزيد في الخلق ما يشاء) يتجلى ظهوره لنا أعظم ما يتجلى في الجنة؛ "لأنَّه لا شىء يعدل ما فى الجنة من تجدد الخلق، فإنَّه لا يأكل منها شىء إلا عاد كما كان فى الحال، ولا يراد شىء إلا وجد فى أسرع وقت، فهى دار الإبداع والاختراع بالحقيقة، وكذا النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (النساء: من الآية٥٦) ." (١) فكانت جديرة باسم (فاطر) الدّال على كمال تحققه في الدّار الآخرة دار البقاء الثاني.
ومن أعظم ما يتجلى فيه معنى قوله : ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ هو الدار الآخرة: دار البقاء الأخير
وقد توالت فى السورة الآيات الدَّالة على ذلك الإبقاء الثانى:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (فاطر:٧)
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر:١٠)
بهذا تبين لنا كيف أنَّ كلَّ سورة منها قد اختصت بغيرما اختصت به الأخرى من مقتضِيات الحَمْدِ، وكيف أنّها رتبت ترتيبا مُحْكَمًا، فكانت (أمُّ الكتاب) جامعة للمحامد وكانت الأنعام للإيجاد الأول الذى يسبق الإبقاء الأوَّل الذى كانت له (الكهف) وكان الإيجاد الثانى بسورة (سبأ) وكانت آخر السور الخمس (فاطر) للنعمة العظمى والأخيرة (الإبقاء الثانى) . (١)
وبهذا يتبين لك عظيم دلالة الاستهلال على المقاصد المتصاعدة في السياق القرآنيّ، فلا يكون بِمَلْكِ أحد من العالمين أن يقدم سورة على أخرى ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (النساء: من الآية٧٨)
(بيان الفصل بين هذه السور)
قد يكون الالتفات إلى دلالة استهلال هذه السور بالحمد ميسّرًا، فينبعث القلب إلى التبصّر والتّدبّر، غير أن من اللطافةِ بمكانٍ فَصْلَ السياق الترتيلى بين سورة (الفاتحة) وسورة (الأنعام) بأربع سور: (البقرة،وآل عمران، والنساء، والمائدة) وهي جميعها مدنية بين مكيتين
стр. 75
وفصل بين سورة (الأنعام) وسورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة: الأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، وهي مكيّة خلا الأنفال والتوبة
وفصل بين سورة (الكهف) وسورة (سبأ) بخمس عشرة سورة مكية خلا: سورة: الحج، والنور، والأحزاب فإنها مدنية.
ولم يفصل بين سورتي (سبأ) و (فاطر) وهما معًا مكيَّتان.
حكمة الفصل وتركه من اللطافة، فيفتقِرُ المرءُ معها إلى مزيد من الاستبصار والتّدبر، وما قد ينتجه التَّدبر هو أقرب إلى لطائف الإشارات منه إلى جليّ الدَِّلالات مما يجعل مجال التغاير في فقهه مُتَّسِعًا:
فصل بين سورة الفاتحة وسورة الأنعام بأربع سور (البقرة – آل عمران –النساء-المائدة) وقد كثر فى هذه السور الحديث عن تهيئة الإنسان، ولذلك جاء الحديث عن قصة سيدنا آدم ﵇ قبل الإنزال إلى الأرض والحديث عن تعليمه الأسماء كلها والإيمان بالغيب الذي أعلاه الإيمان بالله والإيمان بالبعث، وتعليم التوحيد الذى أشارت إليه سورة (آل عمران) الذي هو سبب الاصطفاء، وتعليم الاجتماع على أهل الدين (حواء) الذى أشارت آية سورة (النساء) وتعليم الوفاء بالعهد (العهد بترك ألأكل من الشجرة) ذلك الوفاء الذي نصت عليه سورة (المائدة) . كل ذلك كان تعليمه للإنسان الأول في الجنّة قبل الإيجاد على الأرض.