← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21502

تسلية أهل المصائب

المنبجي

Полный текст (241 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الباب الأول ـ في المصيبة وحقيقتها وما أعد الله لمسترجعها قال الله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ . قال عمر بن الخطاب ﵁: نعم العدلان ونعمت العلاوة. ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ الآية. ذكره البخاري تعليقاً. وقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ . قال علقمة وجماعة من المفسرين: هي المصائب تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم والآيات في هذا الباب كثيرة. قال أهل اللغة: يقال مصيبة ومصابة ومصوبة. قالوا: وحقيقته الأمر المكروه يحل بالإنسان. وقال القرطبي: المصيبة كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه. يقال: أصابه إصابة ومصابة وصابة. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة بضم الصاد مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، وكأنهم شبهوا الأصل بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل، وعلى مصائب. والمصاب: الإصابة. قال الشاعر: أسليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحيةً ظلم وصاب السهم القرطاس يصيبه صيباً: لغة في أصابه. والمصيبة: النكبة ينكبها

стр. 2

الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر. و «روى عكرمة مرسلاً: إن مصباح النبي ﷺ انطفأ ذات ليلة، فقال: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: نعم! كل ما آذى فهو مصيبة» . وفي صحيح مسلم «من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر الله به من سيئاته» . والوصب: المرض ـ والنصب: التعب. وفي الصحيحين «عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» . وقال الإمام أحمد: «ثنا يونس، ثنا ليث ـ يعني ابن سعد ـ، عن يزيد ابن عبد الله، عن عمرو، بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله ﷺ ، فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولاً سررت به، قال: لا تصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم اؤجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به. قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت في مصيبتي وقلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منه ـ وفي لفظ: خيراً منها ـ ثم رجعت إلى نفسي وقلت: من أين خير لي من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي، استأذن علي رسول الله ﷺ ، وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة من أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل ما أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي، قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ .

стр. 3

فتزوجها رسول الله» ، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه: رسول الله ﷺ . وقد روي هذا الحديث بعدة طرق في الصحاح والمسانيد، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. ك عن فصل ـ في كلمة " إنا لله وإنا إليه راجعون " فصل ـ في كلمة إنا لله وإنا إليه راجعون وقد جعل الله كلمات الإسترجاع ـ وهي قول المصاب: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ملجأً وملاذاً لذوي المصائب، وعظمةً للممتحنين من الشيطان، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيج ما سكن، ويظهر ما كمن، فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة، فإن قوله: ﴿إنا لله﴾ توحيد وإقرار بالعبودية والملك، وقوله ﴿وإنا إليه راجعون﴾ إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا، فهو إيمان بالبعث بعد الموت وهو إيمان أيضاً بأن له الحكم في الأولى وله المرجع في الأخرى، فهو من اليقين، إن الأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه. وروى مسلم في صحيحه من «حديث أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ، اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها» الحديث. وروى مسلم أيضاً عن «أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات. قال: قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة» . فقلت، فأعقبني الله من هو خير لي منه: محمداً ﷺ . هكذا روي بالشك: إذا حضرتم المريض أو الميت هذا لفظ مسلم. وقد تقدم معنى هذا الحديث من طريق أخرى، «عن ابن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة

стр. 4

فيقول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ، اللهم اؤجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها» ، قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ ؟ قالت: ثم عزم لي فقلتها، فتزوجت رسول الله ﷺ . وروى مسلم نحوه من حديث سعد بن سعيد الأنصاري، أخي يحيى ابن سعيد، عن عمر بن كثير عن ابن سفينة، فذكر نحوه. والمقصود: أن هذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ ، إما بالخلف، كما أخلف الله تعالى لأم سلمة، بدل زوجها أبي سلمة، رسول الله ﷺ ، حين تبعت السنة، وقالت ما أمرت به ممتثلة طائعة، إن البر ـ له ـ والخير فيما قاله الله ورسوله، وإن الضلال والشقاء في مخالفة الله ورسوله، فلما علمت ﵂ أن كل خير في الوجود، إما عام وإما خاص، فهو من جهة الله ورسوله، وأن كل شر في العالم، أو كل شر مختص بالعبد، فسببه مخالفة الله ورسوله، فلما قالت هذه الكلمات، حصل لها مرافقة الرسول في الدنيا والآخرة. وقد يحصل العبد بكلمات الاسترجاع منزلة عالية وثواباً جزيلاً، كما في «حديث أبي موسى، وسيأتي ذكره، وفيه: فيقول الله تعالى لملائكته: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تبارك: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» . وقد تقدم الاسترجاع في المصيبة وأن قائله، عليه الصلوات من ربه والرحمة، وهو من المهتدين. وقول عمر: نعم العدلان ونعمت العلاوة، وأنه أراد بالعدلين الصلوات، والرحمة، وبالعلاوة الهداية، والله أعلم. وقيل: المراد استحقاق الثواب، وتسهيل المصاب، وتخفيف الحزن، ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ ، فالصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء. وقال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وظاهر الآيه ـ والله أعلم ـ أن الصلاة من الله غير الرحمة، فإنه تعالى عطف الرحمة على الصلاة فعلم التغاير.

стр. 5

فصل ـ في تسلية أهل المصائب بالعلاج الإلهي والنبوي فالإلهي: قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ وآيات الصبر كثيرة جداً. والنبوي، «قوله ﷺ : ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ، اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيراً منها» ، وقد تقدم. وأمثال ذلك من الأحاديث. وقد تضمنت هذه الكلمة: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ علاجاً من الله ورسوله لأهل المصائب. فإنها من أبلغ علاج المصائب وأنفعه للعبد في عاجله وآجله، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما وتسلى عن مصيبته. أحد الأصلين: أن يتحقق العبد أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله حقيقةً، وقد جعله الله عند العبد عارية فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير، وأيضاً: فإنه محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير، وأيضاً: فإنه ليس هو الذي أوجده من عدم، حتى يكون ملكه حقيقةً ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي. وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر، تصرف العبد المأمور المنهي، لا تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي. والثاني: أن مصير العبد ومرجعه الى الله مولاه الحق، ولابد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويأتي ربه يوم القيامة فرداً، كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات. فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله، ونهايته وحاله فيه

стр. 6

فكيف يفرح العبد بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا؟ . أم كيف يأسى على مفقود؟ ففكرة العبد في بدايته ونهايته من أعظم علاج المصائب، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾ ، ومن تأمل هذه الآية الكريمة وجد فيها شفاء أو دواء المصائب. وكل ما ذكرناه في هذا الفصل، فهو في هذه الآية، فتدبر ذلك. فصل: في النظر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر المصاب في كتاب الله وسنة رسول الله، فيجد أن الله تعالى أعطى ـ لمن صبر ورضي ـ ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي. ومن أنفع الأمور للمصاب: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت من أصيب، فمنهم من أصيب مرةً، ومنهم من أصيب مراراً، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت، حتى نفس المصاب، فيصاب، أسوة بأمثاله ممن تقدمه، فإنه إن نظر يمنةً فلا يرى إلا محنةً، وإن نظر يسرةً فلا يرى إلا حسرةً. وذكر أبو الفرج بن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد، قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب: أن ذا القرنين، لما رجع من مشارق الأرض، ومغاربها، وبلغ أرض بابل، مرض مرضاً شديداً، فلما أشفق أن يموت، كتب إلى أمه: يا أماه، اصنعي طعاماً، واجمعي من قدرت عليه، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، واعلمي هل وجدت لشيء قراراً باقياً، وخيالاً دائماً؟ ! إني قد علمت يقيناً، أن

стр. 7

الذي أذهب إليه خير من مكاني، قال: فلما وصل كتابه، صنعت طعاماً، وجمعت الناس، وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة، فلم يأكلوا، فعلمت ما أراد، فقالت: من يبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت، فعليك السلام حياً وميتاً. فإذا علم المصاب أنه لو فتش العالم، لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، فسرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً ساءت دهراً، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما ملأت داراً حبرةً إلا ملأتها عبرةً وما حصلت للشخص في يوم سروراً، إلا خبأت له في يوم شروراً. قال عبد الله بن مسعود ﵁: لكل فرحة ترحة، وما ملىء بيت فرحاً إلا ملىء ترحاً. وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء. فليعلم العبد أن فوت ثواب الصبر والتسليم هو الصلاة والرحمة والهداية في قوله تعالى: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ . وقد تقدم ذلك، فما ضمنه الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة في الحقيقة، والله أعلم. فصل ـ في أن مرارة الدنيا هي حلاوة في الآخرة ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر العبد بعين بصيرته، فيعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة في الآخرة، يقبلها الله تعالى، وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة في الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة، خير من عكس ذلك، فإن خفي عليك ذلك فانظر إلى قول الصادق المصدوق، وهو قوله ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» ، وكذلك قوله في الصحيح:

стр. 8

«يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب» ، الحديث. وهذا المقام تتفاوت فيه عقول الناس، وتظهر حقائق الرجال، فأكثر أهل زماننا يؤثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يتحمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد، فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب، والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة، وهذا حال النظر، الواقع على ظواهر أكثر أهل زماننا في أوائل أمورهم ومبادئها، وما ذاك إلا لحبهم هذه الحياة الدنيا. قال وهب بن منبه: كان عيسى ابن مريم ﵇ يقول: بحق أقول لكم، إن أشدكم حباً للدنيا أشدكم جزعاً على المصيبة. وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجل، ومحاورة العواقب والغايات، فله شأن آخر، فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم، والسعادة الأبدية والفوز الأكبر وما أعد الله لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والخسران والعذاب الدائم، ثم اختر أي القسمين أليق بك، وكل يعمل على شاكلته، وكل أحد يذهب إلى ما يناسبه وما هو الأولى به، وهذا نصح أخيك فيما يحسن بك ويسليك. فصل ـ في الاستعانة بالله والاتكال عليه والعزاء بعزائه ومن تسلية أهل المصائب: أن يستعينوا بالله ويتكلوا عليه، ويتعزوا بعزاء الله تعالى، ويمتثلوا أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويعلموا أن الله مع الصابرين، ويطلبوا استنجاز ما وعد الله به عباده على الصبر. و «في حديث أنس بن مالك، قال: ألا أحدثكم بحديث لا يحدثكم به أحد غيري؟ كنا عند رسول الله ﷺ جلوساً، فضحك، فقال: تدرون مما ضحكت؟

стр. 9

قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: عجبت للمؤمن، إن الله لا يقضي له قضاء إلا كان خيراً له» . وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: قال إبراهيم بن داود: قال بعض الحكماء: إن لله عباداً يستقبلون المصائب بالبشر، قال: فقال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم، ثم قال: قال وهب بن منبه: وجدت في زبور داود: يقول الله تعالى: يا داود، هل تدري من أسرع الناس ممراً على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم ربطة من ذكري. فالمؤمن الموفق ـ نسأل الله تعالى حسن التوفيق ـ من يتلقى المصيبة بالقبول، ويعلم أنها من عند الله لا من عند أحد من خلقه، ويجتهد في كتمانها ما أمكن. قال عبد العزيز بن أبي داود: ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان المصيبة وكتمان المرض وكتمان الصدقة. وقال بعض السلف: ثلاثة يمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال، والمصيبة والولاية. وقال عبد الله بن محمد الهروي: من جواهر البر، كتمان المصيبة، حتى يظن أنك لم تصب قط. وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر معه: الشكر مع العافية، والصبر مع المصيبة. فصل ـ ومن أعظم المصائب المصيبة في الدين ومن أعظم المصائب: المصيبة في الدين، فهي من أعظم مصائب الدنيا والآخرة، وهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا طمع معه. وقد حكى ابن أبي الدنيا عن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات وأشكره، إذ لم تكن أعظم مما هي، وإذ رزقني الصبر عليها، وإذ وفقني الاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب، وإذ لم يجعلها في ديني. ومن أعظم المصائب في الدين، موت النبي ﷺ ، لأن المصيبة به أعظم من

стр. 10

كل مصيبة يصاب بها المسلم، لأن بموته ﷺ انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة، وانقطعة النبوات، وكان موته أول ظهور الشر والفساد، بارتداد العرب عن الدين، فهو أول انقطاع عرى الدين ونقصانه، وفيها غاية التسلية عن كل مصيبة تصيب العبد، وغير ذلك من الأمور التي لا أحصيها. قال أنس بن مالك ﵁: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله ﷺ ، حتى أنكرنا قلوبنا. رواه ابن ماجه. وإذا أردت أن تعلم أن المصيبة به ﷺ أعظم من كل مصيبة حدثت في الدين، فانظر إلى ما روي «عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» . وهذا من رواية موسى بن عبيده، وقد أضعفه غير واحد من الأئمة. لكن روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده، «من حديث عطاء بن أبي رباح مرسلاً، أن رسول الله ﷺ قال: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب» ، رواه الحافظ أبو نعيم من هذه الطريق أيضاً، ومن طريق أخرى، عن مكحول مرسلاً، نحوه. ولقد أحسن أبو العتاهيه في نظمه موافقاً لهذا الحديث، حيث يقول: اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد أو ما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبة ... هذا سبيل لست عنه بأوحد فإذا ذكرت محمداً ومصابه ... فاجعل مصابك بالنبي محمد وفي رواية: وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد وإذا أردت أن تعلم تغير الأحوال بموت النبي ﷺ ، فاذكر قوله تعالى: ﴿وما

стр. 11

محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ الآية، ﴿أفإن مات﴾ شرط ﴿أو قتل﴾ عطف عليه، والجواب: ﴿انقلبتم﴾ ودخل ألف الاستفهام على حرف الجر، لأن الشرط قد انعقد به، وصار جملة واحدة، وخبراً واحداً، والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ يقال لمن عاد إلى ما كان عليه، انقلب على عقبيه، وقيل: المعنى فعلتم فعل المرتدين، ومنه انقلب على عقبيه، وقول أنس وقد تقدم. وروى ابن ماجه، من حديث أم سلمة ـ زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس، علىعهد رسول الله ﷺ ، إذا قام المصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁ فكان الناس، فإذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفي أبو بكر وكان ـ عمر ﵁ فكان الناس، إذا قام أحدهم يصلي، لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان ﵁ فكانت الفتنة، فتلفت الناس في الصلاة يميناً وشمالاً. وإسناده مقارب. والمقصود أن المصائب تتفاوت، فأعظمها المصيبة في الدين ـ نعوذ بالله من ذلك ـ هي أعظم من كل مصيبة يصاب بها الإنسان، يؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض الآثار، أن النبي ﷺ قال: «المسلوب من سلب دينه، والمحروم من حرم الأجر» . ثم بعد مصيبة الدين المصيبة في النفس، ثم في المال، أما المال فيخلفه الله تعالى وهو فداء الأنفس، والنفس فداء الدين، والدين لا فداء له. قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾ . فصل ـ في البشارة لمن تذكر المصيبة فاسترجع ومن أعظم البشارات لمن أصيب بمصيبة، فذكرها بعد مدة طويلة، فجدد لها

стр. 12

استرجاعاً وصبراً، ماله عند الله من الأجر كلما ذكرها واسترجع. قال الإمام أحمد في مسنده: «ثنا يزيد وعباد بن عباد، قالا: حدثنا هشام ابن أبي هشام، ثنا عباد ابن زياد، عن أمه، عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين ابن علي ﵄، عن النبي ﷺ قال: ما من مسلم ولا مسلمة، يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها ـ قال عباد: قدم عهدها ـ فيحدث لذلك استرجاعاً، إلا جدد الله له عنه ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها» ، ورواه ابن ماجة من حديث «فاطمة بنت الحسين أيضاً ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فليحدث استرجاعاً وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب» لكن في اسناده مقال. قال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة ـ يعني ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ـ ولو أعطي أحد لأعطي نبي الله يعقوب ﵇، ألم تسمع إلى قوله في فقد يوسف: ﴿يا أسفى على يوسف﴾ ، أولئك ـ أصحاب هذه الصفة ـ ﴿عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ . فصل ـ في الفرق بين تمتع الدنيا الفاني والآخرة الباقي ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر المصاب ويفرق بين أعظم اللذتين والتمتعين: تمتع الحياة الدنيا الفانية، وتمتع الدار الآخرة الباقية، وأدومهما لذة وتمتعاً بما أصيب به، ولذة تمتعه بثواب الله له على قوله وفعله من استرجاع وصبر ونحوه، فإن ظهر له الرجحان، فآثر الراجح، فليحمد الله على توفيقه له، وإن آثر المرجوح من كل وجه، فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه، أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه. وأي نسبة بين تمتعه بمحبوبه في هذه الدار التي قال الله تعالى في حقها من أولها إلى آخرها: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ ، وأي شيء حصل له من القليل؟ فمن آثر جزءاً قليلاً من قليل ينفد، على جزء كثير من

стр. 13

كثير لا ينفد، فقد اغتيل عقله. قال بعض الحكماء: يحسب الجاهل الشيء الذي هو لا شيء شيئاً، والشيء الذي هو الشيء لا شيء، ومن لا يترك الشيء الذي هو لا شيء، لا ينال الشيء الذي هو الشيء، ومن لا يعرف الشيء الذي هو الشيء، لا يترك الشيء الذي هو لا شيء، يريد الدنيا والآخرة، ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا. فصل ـ في أن يوطن الإنسان نفسه على توقع المصائب وأنها بقضاء الله وقدره ومما يسلي المصاب: أن يوطن نفسه على أن كل مصيبة تأتيه هي من عند الله وأنها بقضائه وقدره، وأنه لم يقدرها عليه ليهلكه بها، ولا ليعذبه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه، وشكواه إ ليه وابتهاله ودعاءه، فإن وفق لذلك كان أمر الله قدراً مقدوراً، وإن حرم ذلك كان ذلك خسراناً مبيناً. قال أبوالفرج بن الجوزي: علاج المصائب بسبعة أشياء: الأول ـ أن يعلم بأن الدنيا دار ابتلاء، والكرب لا يرجى منه راحة. قال الشاعر: وما استغربت عيني فراقا ًرأيته ... ... ولا علمتني غيرما القلب عالمه الثاني ـ أن يعلم أن المصيبة ثابتة. الثالث ـ أن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة. الرابع ـ النظر في حال من ابتلي بمثل هذا البلاء، فإن التأسي راحة عظيمة. قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي وهذا المعنى قد حرمه الله أهل النار، فإن المخلدين فيها كل واحد

стр. 14

محبوس وحده، فهو يظن أنه لم يبق في النار سواه. الخامس ـ النظر في حال من ابتلي أكثر من هذا البلاء فيهون عليه هذا. السادس ـ رجاء الخلف، إن كان من مضى يصح عنه الخلف كالولد والزوجة. قيل للقمان ﵇: ماتت زوجتك؟ قال: تجدد فراشي. قال الشاعر: هل وصل عزة إلا وصل غانية ... ... في وصل غانية من وصلها خلف السابع ـ طلب الأجر بالصبر في فضائله وثواب الصابرين وسرورهم في صبرهم، فإن ترقى إلى مقام الرضى فهو الغاية. انتهى كلامه، وقد تقدم معنى ذلك. وما يلحق بعلاج هذه السبعة أشياء وأمور أخر: الثامن ـ أن يعلم العبد كيف جرى القضاء فهو خير له. التاسع ـ أن تعلم أن تشديد البلاء يخص الأخيار. العاشر ـ أن يعلم أنه مملوك وليس للمملوك في نفسه شيء. الحادي عشر ـ أن هذا الواقع وقع برضى المالك، فيجب على العبد أن يرضى بما رضي به السيد. الثاني عشر ـ معاتبة النفس عند الجزع مما لابد منه، فما وجه الجزع مما لابد منه؟ ! الثالث عشر ـ إنما هي ساعة فكأن لم تكن. وهذه المعاني وقد تقدم ما يشبهها ويناسبها، ويأتي ما هو أتم من ذلك، وبالله التوفيق. فصل ـ في أن لا ننكر وقوع المصائب في الدنيا بجميع أنواعها ينبغي للعبد، أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها، ومن استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا مارستان المصائب، وليس

стр. 15

فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بالكدر، فكل ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب، وعمارتها وإن أحسنت صورتها خراب، وجمعها فهو للذهاب، ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين، لم يخل من وجل. فالعجب كل العجب، ممن يده في سلة الأفاعي، كيف ينكر اللسع؟ ! وأعجب منه، من يطلب من المطبوع على الضر النفع. قال بعض الأدباء: طبعت على كدر وأنت تريدها ... ... صفواً من الأقذاء والأكدار قال أبو الفرج بن الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى ذهب بصره، وموسى يقاسي فرعون ويلقي من قومه المحن، وعيسى بن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك، ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين يصابر الفقر، وقتل عمه حمزة وهو من أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عنه، وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ المؤمن منها. وقد قال النبي ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» ، فإذا بان بأنها دار ابتلاء وسجن ومحن، فلا ينبغي إنكار وقوع المصائب فيها. فصل ـ في المصائب المختصة بذات الإنسان ذكر أبو الفرج بن الجوزي: في المصائب المختصة بذات الإنسان. قال: رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارةً بالجزع والشكوى، وتارةً بالتداوي، إلى أن يشتد عليهم، فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلىالمصالح من وصية، أو فعل خير، أو تأهب للموت، فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها، أو عنده ودائع لا يردها، أو عليه دين أو زكاة، أو في

стр. 16

ذمته ظلامة لا يخطر له تداركها، وإنما حزنه على فراق الدنيا، إذ لا هم له سواه، وربما أفاق وأوصى بجور. انتهى كلامه. وسبب ذلك ضعف الإيمان كما قال تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم﴾ ، وأحدهم لا هم له إلا الدنيا، ولا يتأسف إلا عليها، والعين المتطلعة إلى الآخرة ضعيفة جداً، وقد عم هذا أكثر الخلق في زماننا، نعوذ بالله من الخذلان. فينبغي للمتيقظ أن لا يتأسف على ما فات، وأن يتأهب في حال صحته قبل هجوم المرض، فربما ضاق الوقت عن عمل، واستدراك فارط، أو وصية، فإن لم تكن له وصية في صحته فليبادر في مرضه، وليحذر الجور في وصيته، فإنه من المحرمات، فإنه يمنع المستحق ويعطي من لا يستحق، فيحتاج أن يحارب نفسه وشيطانه، فقد «روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت» ويعلم أنه مملوك لله وليس له في نفسه شيء. قال الشاعر: صرت لهم عبداً وما ... للعبد أن يتعرضا ويعلم أيضاً أن هذا الواقع من المصائب في نفسه وماله وولده، وقع برضى مالكه وخالقه، فيجب على العبد أن يرضى بما يرضي به السيد، ويعاقب نفسه إذا جزعت، ويقول لها: أما علمت أن هذا لابد منه؟ ! فما وجه الجزع؟ ! وإنما هي ساعة كأن لم يكن ما كان، ومن تلمح العواقب هان عليه مرارة الدواء، والله تعالى الموفق. قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود سوى العدم؟! قال الشاعر: على ذا مضى الناس: اجتماع، وفرقة ... وميت، ومولود، وبشر وأحزان

стр. 17

ثم قال: ولعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذ الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكليف كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه ويعترض على القدر، فإن هذا لا يرد فائتاً، لكنه يدل على خور الجازع، ويوجب العقوبة والسلام. فصل ـ في أن المصائب والمحن دواء للكبر والعجب وليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها، لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً، فمن رحمة أرحم الراحمين، أن يتفقده في الأحيان، بأنواع من أدوية المصائب، تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظاً لصحة عبوديته، واستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه. كما قيل: قد ينعم الله بالبلوى، وإن عظمت ... ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فلولا أنه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا وبغوا وعتوا وتجبروا في الأرض، وعاثوا فيها بالفساد، فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر ونهي، وصحة وفراغ، وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها، تمردت وسعت في الأرض فساداً مع علمهم بما فعل بمن قبلهم، فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟ ! ولكن الله ، إذا أراد بعبده خيراً، سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، ويستفرغ منه الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته، ورقاه أرفع ثواب الآخرة وهي رؤيته. فصل ـ في اعتراض المصاب على الأقدار ودلالته بعبادته قد يحصل للعابد الجاهل، مصيبة، من الجزع ما يسوء الناظر إليه، والسامع عنه، من الاعتراض على الأقدار، وما ذاك إلا لإدلاله بعبادته، فإنه قد شوهد أن خلقاً كثيراً من أهل الدين والخير، عند موت أحبابهم، جرى منهم أمور ينكرها العقال من الناس، فمنهم من خرق ثيابه، ومنهم من لطم خده، ومنهم من

стр. 18

اعترض على القضاء والقدر! قال ابن الجوزي: رأيت رجلاً كبيراً أعرفه قد قارب الثمانين، وهو من أهل الدين المحافظين على الجماعة، فمات ولد لابنته، فقال: ما ينبغي لأحد أن يدعو فإنه ما يستجيب، ثم قال: إن عاندنا فما يترك لنا ولداً، فعلمت أن صلاته وفعله للخيرعادة، لا أنه ينشأ عن معرفة إيمان، وهؤلاء الذين يعبدون الله علىحرف. ثم قال ابن الجوزي: حدثني خالي لعمي محمد بن عثمان قال: كنت مشداً بقرية التل، فسمعت عن شيخ قد جاوز الثمانين ولا يصلي، وقد كان قبل ذلك كثير الصلاة مع الجماعة وفعل الخير، ثم ترك ذلك، فدعوته وقلت: يا شيخ، لم لا تصلي؟ فقال: وكيف أصلي، وكان لي أولاد فماتوا، وكان لي غنم ففنيت؟ فأنا ما بقيت أصلي له ولا ركعة، فضربته، وطفت به البلد، فكان بعد ذلك يواظب على الجامع. انتهى ما ذكره. فلا شيء أنفع من العلم، لأن العالم، لو حصل له هلع شديد في مصيبته، يعلم أنها زلة منه، فيدري كيف يتنفس، والعابد الجاهل، كلما غاص إلى أسفل، يظن أنه صاعد إلى فوق. فإذا امتحن الشخص، ينبغي له أن يتداوى بالأدوية الشرعية، فإنه يقال: عند الامتحان يكرم الشخص أو يهان، أما علم لابد من الفرقة؟ وقد روى داود، «عن الحسن بن جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : قال جبريل: يا محمد عش ما عشت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» ، فنعوذ بالله من عدم الصبر عند المحنة، ونسأله الثبات في الأمر، فإنه والعياذ بالله يخاف على الشخص من سوء الخاتمة إذا سخط الأقدار. ونازع القضاء والقدر أهله، فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة.

стр. 19

فصل ـ في أن الأفضل إبدال الشكوى والأنين بذكر الله تعالى ينبغي للمصاب بنفسه، أو بولده، أو بغيرهما، أن يجعل في المرض مكان الأنين ذكره الله تعالى، والاستغفار والتعبد، فإن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يكرهون الشكوى إلى الخلق، وهي وإن كان فيها راحة، إلا أنها تدل على ضعف وخور، والصبر عنها دليل قوة وعز، وهي إشاعة سر الله تعالى عند العبد، وهي تأثر شماتة الأعداء ورحمة الأصدقاء. قال الشاعر: لا تشكون إلا صديق حالة ... تأتيك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده إلى إسماعيل بن عمرو، قال: دخلنا على ورقاء بن عمر وهو في الموت، فجعل يهلل ويكبر ويذكر الله ، وجعل الناس يدخلون عليه ويسلمون عليه، فيرد ﵈، فلما كثروا عليه، أقبل على ابنه فقال: يا بني، اكفني رد السلام على هؤلاء، لا يشغلوني عن ذكر ربي . وعن أبي محمد الحريري، قال: حضرت عند الجنيد، قبل وفاته بساعتين، فلم يزل تالياً وساجداً، فقلت له: يا أبا القاسم، قد بلغ ما أرى من الجهد، فقال: يا أبا محمد، أحوج ما كنت إليه هذه الساعة، فلم يزل كذلك حتى فارق الدنيا. وقد روي في حديث، أن إبليس لا يكون في حال أشد منه على ابن آدم عند الموت، يقول لأعوانه: دونكموه، فإنه إن فاتكم اليوم، لم تلحقوه. واعلم ـ رحمك الله ـ أن الأعمال بخواتيمها، فإنه ربما أضله في اعتقاده، وربما حيل بينه وبين التوبة، وغير ذلك مما هو محتاج إليه، وربما وقع منه الاعتراض على القضاء والقدر، فينبغي للمصاب بنفسه أو بغيره، أن يعلم أو يعلم بغيره، أنها صبر ساعة، فيتجلد ويحارب العدو جهد طاقته، فبصدقه تحصل له عليه الإعانة من الله، ويعلم أيضاً، أن التشديد عليه أو على غيره في النزع، هو في الغالب من كرامة العبد على الله ، فإن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل

стр. 20

والأمثل، وقوله ﷺ : «ما أشد مرارة الموت» ، وقول أبي عبيدة: اخنق خنقك، فوعزتك إنك تعلم أن قلبي يحبك. وقد روى الإمام أحمد، عن الوليد بن مسلم الأوزاعي، عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال: ما أحب أن يهون علي سكرات الموت إنه آخر ما يكفر عن المرء المسلم. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني معمر، حدثني شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يستحبون للمريض أن يجهد عند الموت. وبإسناده، عن ابن عباس، قال: آخر شدة يلقاها المؤمن عند الموت. كانت عائشة ﵂ تقول: مات فلان ولم يعالج. قال الحافظ بن ناصر: يعني أنه لم يعالج: أنه لم يحصل له في مرضه وعند موته ما يكون كفارة لذنوبه. و «عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵃ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في النزع، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرضى أو أمنه مما يخاف» . فمن خاف الله وحفظه في صحته، حفظه في مرضه، ومن راقب الله في خطر، حرسه الله في حركاته وسكناته. وفي «حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشده» . وفي قصة يونس ﵇ لما تقدم له عمل صالح. قال: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ ، ولما لم يكن لفرعون عمل خير قط، لم يجد وقت الشدة متعلقاً، فقيل له: ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ ، فمن ضيع الله في صحته فإنه يضيع في مرضه، والله أعلم.

стр. 21

فصل ـ في أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها وليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهوفي الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجذع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه. وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني، قال النبي ﷺ : «اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر» . فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور. قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، يريد بذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» . وقال الأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً، وإلا سلوت كما تسلو البهائم. بل يعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، بل يكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته، فلينظر أي المصيبتين أعظم، مصيبته العاجلة بفوات محبوبه، أو مصيبته بفات بيت الحمد في جنة الخلد؟ و «في الترمذي مرفوعاً: يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء» . وليعلم المصاب الجازع، وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته، فآخر أمره علىصبر الاضطرار، وهو غير محمود، ولا مثاب عليه، فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على

стр. 22

رغم أنفه. قال يحيى بن معاذ ابن آدم، مالك تأسف على مفقود لايرده عليك الفوت؟ مالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟ فإذا علم الجازع على المصيبة أن الجزع لا يرد ما فات، وأنه يسر الشامت، فأي عقل لمن لم يتفكر في العاقبة، ويذكر مآله إلى مصيبة أصابت غيره أنها تصيبه في نفسه، وأنه أمر لابد منه فليستعد له. وكانت امرأة من العابدات بالبصرة، تصاب بالمصائب فلا تجزع، فذكروا لها ذلك، فقالت: ما أصاب بمصيبة فأذكر معها النار، إلا صارت في عيني أصغر من الذباب. ومما يسلي العبد قول بعض الحكماء: قد مات كل نبي، ومات كل نبيه وفقيه وعالم، فلا تجزع، ولا يوحشنك طريق الخلائف فيها. وقال بعض السلف، وقد سأله رجل، فقال: عظني، فقال: انظر منك إلى آدم. هل ترى عيناً تطرف؟ فقال: حسبك. ، فصل ـ في أن من سلم أمره في مصيبته واحتسب لله عوضه خيراً منها ومما يسلي أهل المصائب: أن المصاب إذا صبر واحتسب، وركن إلى كريم، رجاء أن يخلف الله تعالى عليه، ويعوضه عن مصابه، فإن الله تعالى لا يخيبه بل يعوضه، فإنه من كل شيء عوض إلا الله تعالى فما عوض، كما قيل: من كل شيء إذا ضيعته عوض ... ... وما من الله إن ضيعته عوض بل يعلم أن حظه من المصيبة ما يحدث له، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط. فاختر لنفسك خير الحظوظ أو شرها، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً كنت في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له جذعاً وتفريطاً في ترك واجب أو فعل محرم كنت في ديوان المفرطين، وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر

стр. 23

ورضى كنت في ديوان المغبونين، وإن أحدثت له اعتراضاً عليه وقدحاً في حكمته ومجادلةً في الأقدار، فقد قرعت باب الزندقة، وفتح لك وولجته فاحذر عذاب الله يحل بك، فإنه لمن خالفه بالمرصاد. وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله كنت في ديوان الصابرين، وإن أحدثت له رضى بالله ورضى عن الله وفرحاً بقضائه كنت في ديوان الراضين، وإن أحدثت له حمداً وشكراً كنت في ديوان الشاكرين الحامدين، وإن أحدثت له حمداً واشتياقاً إلى لقائه كنت في ديوان المحبين المخلصين. وفي مسند الإمام أحمد والترمذي، من حديث «محمود بن لبيد، أن النبي ﷺ قال: إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي الله فله الرضى، ومن سخط فله السخط» زاد الإمام أحمد: ومن جزع فله الجزع. فأنفع الأدوية للمصاب موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له، وإن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب، ثم سخط ما يحبه، وأحب ما يسخطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وأسخط عليه محبوبه. قال أبو الدرداء ﵁: إن الله إذا قضى قضاءً أحب أن يرضى به. وكان عمران بن حصين ﵁ يقول في مرضه: أحبه إلي أحبه إليه. وقال بعده أبو العالية: وهذا دواء المحبين وعلاجهم لأنفسهم. ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به، فانظر هذه الطرائق واختر وفقنا الله وإياك لما يحب. فصل ـ فيمن طلب المصائب وفرح بها رجاء ثوابها روى ابن أبي حاتم بإسناده في تفسيره عن خالد بن يزيد، عن عياض، عن عقبة أنه مات له ابن يقال له: يحيى، فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش، فاحتسبه، فقال والده: وما يمنعني أن أحتسبه وكان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات؟! فهذا رجل صابر راض محتسب، ما أحسن فهمه وحسن تعزيته لنفسه، وثقته بما أعطاه الله من ثواب الصابرين.

стр. 24

وعن ثابت قال: مات عبد الله بن مطرف، فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا، فقالوا: يموت عبد الله وتخرج في مثل هذه مدهناً؟ قال: أفأستكين لها وقد وعدني ربي ﵎ عليها خصالاً، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها؟ ! قال تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ ، أفأستكين لها بعد ذلك؟ ! ثم قال ثابت قال مطرف: ما شيء أعطي به في الآخرة قدر كوز من ماء إلا وددت أنه أخذ مني في الدنيا. رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد. وعن محمد بن خلف، قال: كان لإبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة، حفظ القرآن، ولقنه من الفقه جانباً كبيراً، قال: فمات، فجئت أعزيه، فقال: كنت أشتهي موت ابني هذا، قال: فقلت له: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا، في صبي قد أنجب، ولقنته الحديث والفقه؟ ! قال: نعم رأيت في منامي، كأن القيامة قد قامت، وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء، يستقبلون الناس فيسقونهم، وكان اليوم يوماً حاراً، شديداً حره، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: ليس أنت أبي، قلت: فأي شيء أنتم؟ قال: فقال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباؤنا، فنستقبلهم فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته. وروى البيهيقي بإسناده، عن ابن شوذب: أن رجلاً كان له ابن لم يبلغ الحلم، قال: فأرسل إلى قومه: إن لي حاجة! قالوا: نعم، وما هي؟ قال: إني أريد أن أدعوا على ابني هذا أن يقبضه الله تعالى وتؤمنون على دعائي، فسألوه عن ذلك، فأخبرهم أنه رأى في منامه كأن الناس جمعوا ليوم القيامة، فأصاب الناس عطش شديد، فإذا الولدان قد خرجوا من الجنة، معهم الأباريق، فأبصرت ابن أخ لي، فقلت: يا فلان، اسقني، قال: يا عم، إنا لا نسقي إلا الآباء، قال: فأحببت

стр. 25

أن يجعل الله ولدي هذا فرطاً لي، فدعا، فأمنوا على دعائه، فلم يلبس الغلام إلا يسيراً حتى مات. وقد روى ابن عساكر بإسناده، عن سهيل بن الحنظلية الأنصاري ـ وكان لا يولد له ـ فقال: لأن يولد لي ولو سقط، فأحتسبه أحب إلي من أن يكون لي الدنيا بأجمعها. وكان ابن الحنظلية ممن بايع تحت الشجرة. وذكر ابن عساكر أيضاً، عن الليث بن سعد، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن أبناً لعياض بن عقبة، حضرته الوفاة، وكان عياض غائباً، فقالت أم الغلام: لو كان أبو وهب حاضراً لقرت عينه، فلما حضرت وفاة عياض ابن عقبة قال لأخيه أبي عبيد: يهنأك الظفر، قد كنت أرجو أن تكون قبلي فأحتسبك. وقال أبو مسلم الخولاني ﵀: لأن يولد لي مولود يحسن الله نباته، حتى إذا استوى على شبابه، وكان أعجب ما يكون إلي، قبضه الله تعالى مني، أحب إلي من أن تكون الدنيا وما فيها لي. وروي عن الإمام القفال، قال: كان في جواري رجل يأبى التزويج، فلما كان في بعض الليالي، استيقظ من نومه في الليل ونادى: زوجوني زوجوني، فسئل عن ذلك، فقال: لعل الله يرزقني ولداً يقبضه قبل البلوغ وقبل موتي، قيل وكيف ذلك؟ قال: رأيت في المنام، كأن القيامة قد قامت، والخلق في الموقف، وأنا معهم، وقد كظني العطش، وإذا قد ظهر أطفال بأيديهم أباريق من فضة، مغطاة بمناديل من نور، يتخللون الجمع ويسقون واحداً بعد واحد، فمددت يدي إليهم، وقلت لبعضهم: اسقني، فقد أجهدني العطش، فنظر إلي شزراً وقال ليس لك فينا ولد، وإنما نسقي أباءنا وأمهاتنا، فقلت من أنتم؟ قالوا: أطفال المسلمين. وقال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه، فقال يابني، كيف تجدك؟ قال: تجدني في الحق، قال: يا بني، لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبه، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن أكون ما أحبه.

стр. 26

وروى ابن أبي شيبة، باسناده عن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم، كان في غزاة له ومعه ابن له، فقال له أي بني، تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمعت النساء، فقامت امرأته معاذة العذرية، فقالت للنساء: مرحباً، إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحباً بكن، إن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن. و «عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً قال الأنبياء، قلت: ثم من؟ قال الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالرخاء» . رواه ابن ماجه من حديث طويل. وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد وابن ماجه في سننه عن «أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولابإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا، أن تكون بما في يد الله، أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة، إذا أصبت بها، أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك» . وقال ابن الجوزي: ثنا ابن ناصر، أنبأ جعفر بن أحمد، ثنا أبي، ثنا هاشم، عن ابن المبارك، عن الحسن، ثنا أبو الأحوص، قال: دخلنا على ابن مسعود ﵁ وعنده بنون له ثلاثة، غلمان كأنهم الدنانير فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال: كأنهم يغبطونني؟ قلنا: إي والله، لبمثل هؤلاء يغبط المسلم، فرفع رأسه إلى سقف البيت، وقد عشش فيه خطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده، لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه، ثم قال: ما أصبحت على حال، فتمنيت أني على سواها. وروى هناد بن السري في الزهد، عن كثير بن تميم الداري، قال: كنت جالساً مع سعيد بن جبير فطلع عليه ابنه عبد الله بن سعيد، وكان به من الفقه، فقال: إني لأعلم خير حالاته، فقالوا: وما هو؟ قال: أن يموت فأحتسبه.

стр. 27

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن سفيان، قال: سمعت سفيان يقول: ما في الأرض أحب إلي من سعيد، وما في الأرض أحد يموت أحب إلي منه، فمات، فرأيته يبكي، قلت: قد كنت تمنى موته! قال: أذكر قوله: آه جنبي. وفي تاريخ الرقة للحراني: ثنا أحمد بن بديع، ثنا أبي، قال: سمعت عمر بن ميمون بن مهران يقول: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة، فلقي أبي شيخاً فعانقه أبي، ومع الشيخ فتى قريباً مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني فقال: كيف رضاك عنه؟ قال ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه إلا واحدة، قال: وما هي؟ قال: كنت أحب أن يموت وأوجر فيه! قال: ثم فارقه أبي، قال: فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ قال: هذا مكحول. والمقصود أن هذا المقام مقام عظيم شريف لمن يطلب المصيبة ويفرح بها نظراً إلى ثوابها، وما يفعل ذلك أحد حتى يعلم من نفسه القوة والصبر والجلد والركون إلى دعوى النفس، وما أكثر ما تخلف الوعد وتنقد العهد فإن الغالب متى ما أظهرت الدعوى وكلت إليها، وطولبت بتصحيح دعواها فتقصر عند الحقيقة وتميل عن تقويم الطريقة. وكان سحنون ﵀ يقول: قد رضيت ما تقضيه، فابتلني بما شئت، فابتلاه الله بحصار البول، فما صبر، فكان يدور على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب. فالطريقة الكاملة، قوله ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية» . واعلم أن النية في طلب الولد وفقده وقصد بقائه، إذا صحت النية حصل الثواب الجزيل على النيتين جميعاً، لأن الأعمال بالنيات، فإنه ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ، إلا عبد الله بن عمر فإني أحب أن يبقى في الناس. يأيد ذلك ما ثبت «في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . وفي حديث أنس مرفوعاً: سيع يجري أجرها للعبد بعد موته،

стр. 28

فذكر منها: أو ترك ولد يستغفر له بعد موته. وهذا عبد الله بن عمر ﵄ قد سماه النبي ﷺ الرجل الصالح أو العبد الصالح، ولا شك أن العبد، إذا حصل له أجر مستمر بعد موته، هو أولى من حصول أجر في حياته ثم ينقطع بالموت، فإن العبد من أحوج الناس بعد موته إلى الحسنات وبموته قد انقطع عمله إلا ما أخبر به الصادق المصدوق في هذا الحديث المتقدم، فطلب الولد وبقاؤه أنفع للعبد فيما فهمت، ولكن أولئك لما خالط قلوبهم قوة الإيمان والتصديق بالقضاء والقدر، والرضى به، برزوا بالقول، وقل من يصبر على تحمل البلوى عند الحقيقة، والله أعلم.

стр. 29

الباب الثاني ـ في البكاء على المصيبة وما ذكر العلماء في ذلك البكاء أصله بكي على فعول، قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإن قصرت أردت الدموع وخروجها، وبكيت الرجل وبكيته إذا بكيت عليه. قال الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل هذا من جهة اللغة، وهو رقة ورحمة في قلوب عباد الله، فالبكاء على الميت في مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة: جوازه قبل الميت وبعده، واختاره أبو اسحق الشيرازي، وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح. واحتجوا بحديث «جابر عن عتيك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب، فصاح به رسول الله ﷺ ، فلم يجبه، فاسترجع، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال: رسول الله ﷺ : دعهن، فإذا وجب، فلا تبكين باكية، قالوا: وما الواجب يا رسول الله؟ قال: الموت» . رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجة. قالوا: وفي الصحيحين «من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وهذا إنما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يسمى ميتاً. «وعن ابن عمر أيضاً، أن رسول الله ﷺ لما قدم من أحد، سمع نساءً من بني عبد الأشهل، على هلكاهن يبكين، فقال رسول الله ﷺ : لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال:

стр. 30

ويحهن إنهن ههنا يبكين؟ ما أثقلهن! مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» رواه الإمام أحمد وابن ماجة. وهذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة، والفرق بين ما قبل الموت وبعده، أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه حذراً، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء، فلا ينفع البكاء. احتج أصحابنا ومن قال بقولهم، ممن جوز البكاء قبل الموت وبعده، قال «جابر بن عبد الله: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، فجعلوا ينهوني، ورسول الله ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ : تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» ، متفق عليه. «وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عباده شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه، فوجده في غاشية، فقال: قد قضى؟ قالوا لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله بكوا، فقال: ألا تسمعون، أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا ـ وأشار إلى لسانه ـ أو يرحم» رواه البخاري، وهذا لفظه، «ومسلم وعنده: وجده في غشية فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله.. » الحديث، وهو من رواية يونس بن عبد الأعلى. «وعن أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً أو ابناً لها في الموت، فقال الرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها لتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها. قال: فقام النبي ﷺ ، وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت،

стр. 31

وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع، كأنها في شنة، ففاضت عيناه، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» رواه البخاري ومسلم. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنتاً لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عيناه تدمعان، قال: فقال: هل منكم من رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها» رواه البخاري. «وعن أنس أيضاً قال: قال: رسول الله ﷺ : ولد لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم فذكر الحديث، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، وفي لفظ: فأخذه فوضعه في حجره، وقال: يا بني، لا أملك لك من الله شيئاً، فقال عبد الله بن عوف وأنس: يا رسول الله أتبكي وتنهى عن البكاء؟ فقال: يا بن عوف، إنها رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» رواه البخاري ومسلم بدون زيادة الألفاظ، وفيه دليل على البكاء قبل الموت. «وعن أنس أيضاً ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» رواه البخاري. و «عن ابن عباس ﵄، قال: ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال: مهلاً يا عمر، ثم إياكن ونعيق الشيطان. ثم قال: إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن

стр. 32

الشيطان» رواه الإمام أحمد. وعن عائشة ﵂ أن سعد بن معاذ، لما مات، حضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ قالت: فو الذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي. رواه الإمام أحمد. و «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي ﷺ دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب» رواه ابن ماجه. و «عن أسماء بنت يزيد، قالت: لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكي رسول الله ﷺ ، فقال: ـ إما أبو بكر وإما عمر ـ: أنت أحق من عظم لله حقه! فقال رسول الله ﷺ : تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعد جامع، وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ما وجدنا، وإنا بك لمحزنون» رواه ابن ماجه. وفي لفظ: «أتبكي، أو ما نهيتنا عن البكاء؟ قال: ليس عن البكاء نهيت ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ورنة شيطان، وصوت عند مصيبة، لطم وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، وهذه رحمة، ومن لايرحم، يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وسبيل لابد نأتيه، وأن آخرنا سوف يلحق بأولنا، لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون» . وقال الإمام أحمد: «حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، ﵄ قال: ماتت زينب ابنة رسول الله ﷺ ، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، ثم قال: مهلاً يا عمر ثم قال: ابكين، وإياكن ونعيق الشيطان، ثم إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله » ، وذكر تمام الحديث وقد تقدم. وروى الإمام أحمد أيضاً بسنده، «عن ابن عباس ﵄ قال: ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ فقال: الحقي سلفنا الخير عثمان بن مظعون وبكت

стр. 33

النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي ﷺ لعمر: دعهن يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان، ثم قال رسول الله ﷺ : مهما يكن من القلب والعين، فمن الله والرحمة، ومهما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان وقعد رسول الله ﷺ على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي ﷺ يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها» . فقد ثبت في حديث موت زينب ورقية بنتي رسول الله ﷺ البكاء بعد الموت. وقد جاء في آثار جمة «أنه ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله» . وصح «عنه ﷺ أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه» . وتقدم قصة جعفر وعبد الله بن رواحة وأصحابهما. وكذلك صح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قبل النبي ﷺ وهو ميت، وبكى وأبكى. وكذلك بكى علي على النبي ﷺ . فهذه الأحاديث كلها دالة على جواز البكاء قبل الموت وبعده من غير كراهة، وما ذكره أصحاب الشافعي ومن قال بقولهم من الكراهة بعد الموت مستدلين بما تقدم من أحاديث النهي، فكلها محمولة على البكاء الذي معه ندب ونياحة. ويؤيد ذلك ما يأتي ذكره: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» ، وفي لفظه: «يعذب بما نيح عليه» . وأما من ادعى النسخ في حديث حمزة فلا يصح، لأن معناه لا تبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد. ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد، منها حديث أبي هريرة، لأن إسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة، ومنها البكاء على جعفر وأصحابه، وكان استشهادهم في السنة الثامنة، وكذلك البكاء على زينب بنت رسول الله ﷺ ، كان في الثامنة أيضاً، والبكاء على قبر أمه ﷺ كان عام الفتح. وأما قولهم: إنما جاز قبل الموت حذراً بخلاف ما بعد الموت. جوابه: أن كان الباكي، قبل الموت، يبكي حزناً، وحزنه بعد الموت أشد، لأنه قبل الموت ربما يرتجى، وبعده فقد فقدت الرجوى، فبكى لفراق لا عودة بعده في

стр. 34

الدنيا، وهذا معنى قوله ﷺ : «أن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يسخط الرب» ومنها: قال البخاري: قال عمر: دعهن يبكين على أبي سلمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع: التراب على الرأس. واللقلقة: الصوت. «حدثنا إسحاق بن منصور، عن أبي رجاء عبد الله بن واقد، عن محمد بن مالك، عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر، فاستدرت، فاستقبلته، فإذا هو يبكي حتى بل الثرى، ثم قال: إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا» رواه الإمام أحمد. فصل ـ فيما روي على النبي ﷺ في البكاء على الميت وقد ذكر بعض العلماء أن البكاء الذي روي عن النبي ﷺ أنه فعله وأباحه، أو أمر به للاستحباب، هو البكاء الذي هو دمع العين ورقة القلب ورحمته، والذي نهى النبي ﷺ عنه، وهو البكاء ـ بالمد ـ الذي يستلزم الصراخ والندب والعويل. ويشهد لهذا قوله: «ما كان من العين والقلب فمن الله ، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان، ونهى عن رنة الشيطان» وهو رفع الصوت عند المصيبة. قلت: هذا وإن كان حسناً، يعكر عليه وما حكيناه عن الجوهري: إن البكاء يمد ويقصر، فهو لغتان، فلا فرق فيه بين المد والقصر، والله أعلم. فصل ـ في التحذير مما يتفوه به المصاب من ألفاظ التظلم والشكوى وليحذر العبد كل الحذر، أن يتكلم في حال مصيبته وبكائه، بشيء يحبط به أجره، ويسخط به ربه، مما يشبه التظلم، فإن الله تعالى عدل لا يجور وعالم ل يضل ولا يجهل، وحكيم أفعاله كلها حكم ومصالح، ما يفعل شيئاً إلا لحكمة، فإنه سبحانه له ما أعطى، وله ما أخذ، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهو الفعال لما يريد، والقادر على ما يشاء، له الخلق والأمر. بل إنما يتكلم بكلام يرضي به ربه ويكثر به أجره، ويرفع الله به قدره. وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده قال: حدثني يونس بن محمد المكي، قال: زرع رجل من أهل الطائف زرعاً، فلما بلغ، أصابته آفة فاحترق، فدخلنا عليه لنسليه

стр. 35

عنه، فبكى وقال: والله ما عليه أبكي ولكن سمعت الله تعالى يقول: ﴿كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾ . فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني. قال أبو العرب: لما أمر عبد الله بن زياد بالبلجاء أن يمثل بها، جاؤوا ومعهم الحديد والحبال، فقالت: إليكم أتكلم بكلام يحفظه عني من سمعه قال: فحمدت الله وأثنت عليه، ثم قالت: هذا آخر يومي من الدنيا، وهو غير مأسوف عليه، وأرجو أن يكون أول أيامي من الآخرة، وهو اليوم المرغوب فيه، ثم قالت: والله، إن علمي بفنائها هو الذي زهدني في البقاء فيها، وسهل علي بلواءها، فما أحب تعجيل ما أخر الله، ولا تأخير ما عجل الله، والحمد لله على السراء والضراء، وعلى العافية وعلى البلاء، ثم قالت: كنت أؤمل في الله ما هو أكثر من هذا قال: ثم إنهم قطعوا يديها ورجليها، فجعل الدم لا يرقأ، فقالت: حياة كريمة، وميتة طيبة، لأني نلت ما أملت ـ يا نفس ـ من جزيل ثواب الله، فقد نلت سروراً دائماً لا يضرك معه كدر. وهي حين قطعوا يديها ورجليها، فلم تتكلم، فقيل لها ذلك، فقالت: شغلني هول المطلع عن ألم حديدكم هذا. ثم أتوا بالنار، لتكوى بها، فلما رأتها صرخت، فقيل لها: لقطع اليدين والرجلين لم تنطقي، فلما رأيت النار صرخت؟ فقالت والله ليس من ناركم صرخت، ولا على دنياكم أسفت، ولكنني ذكرت بها النار الكبرى، فكان الذي رأيتم من ذلك. قال: فأمر بها، فسملت عيناها، فقالت اللهم قد طال في الدنيا حزني، فأقر في الآخرة عيني ثم قالت: لئن كنت على بصيرة من أمري إن هذا لقليل في جنب ما أطلب من ثواب الله. قال: فما تكلمت بغيرها حتى ماتت رحمها الله تعالى. وكانت البلجاء من شيعة علي ﵁ وكان قد بلغ الحسن بن علي أن ابن زياد يتتبع شيعة علي فيقتلهم، فقال: اللهم اقتله وأمته حتف أنفه. والإسناد: قال أبو العرب: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن جابر بن خداش بن

стр. 36

عجلان، ثنا سالم بن عمير، عن سالم الهلالي، فذكره. وليحذر العبد أيضاً أن يدعو على نفسه، فإن النبي ﷺ قال لما مات أبو سلمة: «لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» . وليعلم أيضاً أن البكاء يضر الحي والميت، فإن الحي يخاف على عينيه، كما قال الله تعالى في قصة يعقوب ﵇: ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ ، والميت لا يستريح به، فقد ذكر الحافظ أبو شجاع شيرويه الديلمي بإسناده، عن علي بن الحسين، قال بينا داود الطائي جالساً مع أصحابه يوماً، إذ غفا وهو معهم، ثم انتبه، فقال: أتدرون ما رأيت في نومتي هذه؟ دخلت الجنة، فرأيت فيها صبياناً يلهون بالتفاح، يناول بعضهم بعضاً، وصبي ناحية عنهم جالس حزين يرى الانكسار عليه بيناً، فقلت: ما بال ذلك الصبي لا يلهو معكم كما تلهون؟ قالوا: ذاك حديث عهد بالدنيا، وأمه تكثر البكاء عليه، فانكساره لكثرة بكاء أمه عليه، قال: فقلت: أين منزلهم؟ قالوا في قبيلة آل فلان، قال: فقلت من أبواه؟ قالوا: فلان وفلانة، قلت: فما اسمه؟ قالوا: فلان. فقال داود لأصحابه: فانطلقوا، قال: فانطلقوا فأتوا القبيلة، فسألوا عن أبويه، فلقيهما أو لقي أحدهما، فقال لهما ما رأى في منامه، فجعلت الأم على نفسها أن لا تبكي عليه أبداً. فصل ـ في البكاء والتأسف على من فرط في جانب الله تعالى والبكاء والأسف على من فرط في جنب الله، أو من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهو داخل تحت المشيئة، وعنده من الندامة كامثال الجبال، ومن الحسرات كعدد الرمال، فإن الصحة لا يعرف مقدارها على الحقيقة إلا المرضى، كما أن العافية لا يعرف مقدارها إلا المبتلى، فكذلك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى لأنهم قد ظهرت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، إذ ليس ينفق هنالك إلا عمل زكي، ولا يرتفع هناك إلا

стр. 37

عبد تقي، فالمقسر يود لو أنه رد فاستدرك ما فات، ونظر فيما فيه فرط، والمهمل العمل بالجملة، يكون تمنية الرجوع أكثر، وحرصه على العودة أشد، فالواجب اغتنام الصحة والفراغ، المغبون فيهما كثير الناس. وإنما يحصل للشخص الحزن والبكاء على ما أصيب به، لذهوله عما بين يديه من سكرات الموت وغصصه، والانفراد في القبر وحيداً ذليلاً مستوحشاً ثم مسائلة منكر ونكير ﵉، وطول مكثه تحت الثرى، إما منعماً وإما معذباً، ثم من بعد ذلك خروجه من قبره وقيامه لرب العالمين، ثم وقوفه الطويل في المحشر وما يرى من أهوال يوم القيامة، ثم حسابه بين يدي الله تعالى ووزن أعماله وتطاير الصحف والمحاسبة على مثاقيل الذر، وأنه وجد ما عمل محصياً عليه، محرراً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه بين رجاء وخوف، إما لذات اليمين أو لذات الشمال. فلو استشعر المصاب هذه المصائب العظيمة التي بين يديه، وهو غافل عنها، غير مستعد لها، لشغلته عن مصابه بأحبابه، ولرجع إلى الصبر والرضا بما قدره وأمضاه، فإن قدر على نفع، نفع ميته به، وإلا فلا يؤذيه بما نهى الشرع عنه من الندب والنياحة ولطم الخدود وشق الجيوب، وغير ذلك من الأفعال والأقوال المكروهة، التي ذمها السلف والخلف، كما سنبينه بعد إن شاء الله، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة. فصل ـ في أن الحزن لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله ﷺ والحزن لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، لا في المصيبة ولا في غيرها، بل قد نهى الله عنه في كتابه وإن تعلق بأمر الدين. لكن منه محمود ومذموم كقوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون﴾ . وقوله: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ . وقوله تعالى في حق نبيه محمد ﷺ وأبي بكر: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ . وقوله تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ . ونحو ذلك من

стр. 38

الآيات كثير في القرآن. وما ذاك إلا لأن الحزن لا يجلب منفعة، ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، لكن لا يأثم به صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم ـ كما تقدم ذكره ـ من قول أو فعل، كما قال النبي ﷺ : «إن الله لا يؤاخذ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يؤاخذ بهذا ـ وأشار بيده إلى لسانه ـ أو يرحم» فدل على أنه لا يأثم إلا إذا اقترن به ما يجلب الإثم. ويؤيده أيضاً قوله ﷺ : «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» . قال مالك بن دينار: القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني علي بن مسلم، ثنا بشار، ثنا جعفر، ثنا إبراهيم بن عيسى، قال: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، ولما رأيته، حسبته حديث عهد بمصيبة. ثم ذكر بسنده عن مالك، قال: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك. ومنه قوله تعالى: ﴿وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن﴾ . فكل هذه الأدلة تدل على أنه لا ياثم به صاحبه، فالبكاء والحزن على الميت على وجه الرحمة والرقة حسن، ولا ينافي الرضا والصبر بخلاف البكاء عليه لفوت حظ الحي منه، فإذا اقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، فالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً. فهذا يثاب على ما في قلبه من الخير وبغض الشر، وتوابع ذلك. ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه، وكان حسب صاحبه الإثم عنه من جهة الحزن، وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله به ورسوله كان مذموماً عليه من تلك الجهة، إن كان محموداً من جهة أخرى، فإنه إن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه لم ينفع الحزن. فالعاقل يدفعه عن نفسه، ولا يضم إلى مصيبته أخرى، وليعلم أنه سيسلو بعد حين، والله أعلم.

стр. 39

الباب الثالث ـ في تحريم الندب والنياحة وشق الثياب الندب: اسم للبكاء على الميت وتعداد محاسنه، قاله الجوهري، والاسم الندبة بالضم، وقيل تعداد شمائل الميت، فيقال: واكريماه واجبلاه والهفاه. والنوح: قال القاضي عياض: هو اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، وذكر في المغني أنه تعداد محاسن الميت بلفظ النداء، إلا أنه يكون بلفظ الواو، وربما زيد فيه الألف والهاء مثل قولهم: وا رجلاه وا جبلاه وا انقطاع ظهراه، ونحوه. وقال غيره: قال أهل اللغة: النياحة: اسم لاجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، كما ذكر القاضي عياض، والتناوح: التقابل. ثم استعمل في صفة بكائهن بصوت ورنة وندبة. واعلم ـ رحمك الله ـ أن المطلوب في المصيبة السكون والصبر، والرضا بقضاء الله تعالى، والحمد والاسترجاع، والصدقة عن المصاب به والدعاء له، وأما الندب والنياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود، وقول المنكر، كل هذا ينافي ما ذكر. وقد نص الإمام أحمد ﵀ على تحريم الندب والنياحة، قال في رواية حنبل: النياحة معصية. وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوح حرام. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لاتجوز للرجال ولا للنساء. وقال أبو الخطاب ﵀ في الهداية: ويكره الندب والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والتحفي. وهذا قول ضعيف مصادم لما ورد من السنة.

стр. 40

وذكر الشيخ في المغني قال: حرب عن أحمد كلاماً فيه احتمال إباحة النوح والندب، قال: واختاره الخلال وصاحبه، لأن واثلة بن الأسقع، وأبا وائل كانا يسمعان النوح ويبكيان، ثم قال: وظاهر الأخبار تدل على التحريم. انتهى كلامه. واستنادهم في ذلك لآثار مروية عن بعض الصحابة والسلف، لا ترد ما ورد في الصحيح والمسانيد. فإنهم قالوا: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: إنما كانا يسمعان النوح ويبكيان. قالوا: وقد ورد في الصحيح من «حديث أم عطية، قالت: لما أنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين﴾ إلى قوله: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ كان منه النياحة، فنهانا عن النياحة فقبضت امراة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فإنما أريد أن أجزيها، قال: فما قال لها شيئاً فذهبت فانطلقت، ثم رجعت فبايعها» . وفي لفظ الصحيح «قالت أم عطية: يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي أن أسعدهم فقال: إلا آل فلان» . والجواب عن ذلك: أن المرأة التي سكت عنها ذلك خاص بها لوجهين: أحدهما: أنها حديثة عهد بالإسلام، فربما كان فيه تنفير لها عنه. الثاني: أنه قال لغيرها لما سألته ذلك، قال: «لا إسعاد في الإسلام» . فإطلاقه لها، وحجره على غيرها، يدل على الخصوص. وعلى الرواية الأولى: أن امرأة قبضت يدها، ولم تبايع إلا بعد الإسعاد، فلا إشكال، وقد حكى بعض المبايعات القصة ولم تستثن أحداً، فما ورد في سنن أبي داود من حديث أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً، ولا ننبش شعراً.
следующие страницы →