← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21502

تسلية أهل المصائب

المنبجي

Полный текст (241 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عجلان، ثنا سالم بن عمير، عن سالم الهلالي، فذكره. وليحذر العبد أيضاً أن يدعو على نفسه، فإن النبي ﷺ قال لما مات أبو سلمة: «لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» . وليعلم أيضاً أن البكاء يضر الحي والميت، فإن الحي يخاف على عينيه، كما قال الله تعالى في قصة يعقوب ﵇: ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ ، والميت لا يستريح به، فقد ذكر الحافظ أبو شجاع شيرويه الديلمي بإسناده، عن علي بن الحسين، قال بينا داود الطائي جالساً مع أصحابه يوماً، إذ غفا وهو معهم، ثم انتبه، فقال: أتدرون ما رأيت في نومتي هذه؟ دخلت الجنة، فرأيت فيها صبياناً يلهون بالتفاح، يناول بعضهم بعضاً، وصبي ناحية عنهم جالس حزين يرى الانكسار عليه بيناً، فقلت: ما بال ذلك الصبي لا يلهو معكم كما تلهون؟ قالوا: ذاك حديث عهد بالدنيا، وأمه تكثر البكاء عليه، فانكساره لكثرة بكاء أمه عليه، قال: فقلت: أين منزلهم؟ قالوا في قبيلة آل فلان، قال: فقلت من أبواه؟ قالوا: فلان وفلانة، قلت: فما اسمه؟ قالوا: فلان. فقال داود لأصحابه: فانطلقوا، قال: فانطلقوا فأتوا القبيلة، فسألوا عن أبويه، فلقيهما أو لقي أحدهما، فقال لهما ما رأى في منامه، فجعلت الأم على نفسها أن لا تبكي عليه أبداً. فصل ـ في البكاء والتأسف على من فرط في جانب الله تعالى والبكاء والأسف على من فرط في جنب الله، أو من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهو داخل تحت المشيئة، وعنده من الندامة كامثال الجبال، ومن الحسرات كعدد الرمال، فإن الصحة لا يعرف مقدارها على الحقيقة إلا المرضى، كما أن العافية لا يعرف مقدارها إلا المبتلى، فكذلك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى لأنهم قد ظهرت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، إذ ليس ينفق هنالك إلا عمل زكي، ولا يرتفع هناك إلا

стр. 37

عبد تقي، فالمقسر يود لو أنه رد فاستدرك ما فات، ونظر فيما فيه فرط، والمهمل العمل بالجملة، يكون تمنية الرجوع أكثر، وحرصه على العودة أشد، فالواجب اغتنام الصحة والفراغ، المغبون فيهما كثير الناس. وإنما يحصل للشخص الحزن والبكاء على ما أصيب به، لذهوله عما بين يديه من سكرات الموت وغصصه، والانفراد في القبر وحيداً ذليلاً مستوحشاً ثم مسائلة منكر ونكير ﵉، وطول مكثه تحت الثرى، إما منعماً وإما معذباً، ثم من بعد ذلك خروجه من قبره وقيامه لرب العالمين، ثم وقوفه الطويل في المحشر وما يرى من أهوال يوم القيامة، ثم حسابه بين يدي الله تعالى ووزن أعماله وتطاير الصحف والمحاسبة على مثاقيل الذر، وأنه وجد ما عمل محصياً عليه، محرراً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه بين رجاء وخوف، إما لذات اليمين أو لذات الشمال. فلو استشعر المصاب هذه المصائب العظيمة التي بين يديه، وهو غافل عنها، غير مستعد لها، لشغلته عن مصابه بأحبابه، ولرجع إلى الصبر والرضا بما قدره وأمضاه، فإن قدر على نفع، نفع ميته به، وإلا فلا يؤذيه بما نهى الشرع عنه من الندب والنياحة ولطم الخدود وشق الجيوب، وغير ذلك من الأفعال والأقوال المكروهة، التي ذمها السلف والخلف، كما سنبينه بعد إن شاء الله، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة. فصل ـ في أن الحزن لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله ﷺ والحزن لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، لا في المصيبة ولا في غيرها، بل قد نهى الله عنه في كتابه وإن تعلق بأمر الدين. لكن منه محمود ومذموم كقوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون﴾ . وقوله: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ . وقوله تعالى في حق نبيه محمد ﷺ وأبي بكر: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ . وقوله تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ . ونحو ذلك من

стр. 38

الآيات كثير في القرآن. وما ذاك إلا لأن الحزن لا يجلب منفعة، ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، لكن لا يأثم به صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم ـ كما تقدم ذكره ـ من قول أو فعل، كما قال النبي ﷺ : «إن الله لا يؤاخذ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يؤاخذ بهذا ـ وأشار بيده إلى لسانه ـ أو يرحم» فدل على أنه لا يأثم إلا إذا اقترن به ما يجلب الإثم. ويؤيده أيضاً قوله ﷺ : «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» . قال مالك بن دينار: القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني علي بن مسلم، ثنا بشار، ثنا جعفر، ثنا إبراهيم بن عيسى، قال: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، ولما رأيته، حسبته حديث عهد بمصيبة. ثم ذكر بسنده عن مالك، قال: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك. ومنه قوله تعالى: ﴿وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن﴾ . فكل هذه الأدلة تدل على أنه لا ياثم به صاحبه، فالبكاء والحزن على الميت على وجه الرحمة والرقة حسن، ولا ينافي الرضا والصبر بخلاف البكاء عليه لفوت حظ الحي منه، فإذا اقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، فالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً. فهذا يثاب على ما في قلبه من الخير وبغض الشر، وتوابع ذلك. ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه، وكان حسب صاحبه الإثم عنه من جهة الحزن، وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله به ورسوله كان مذموماً عليه من تلك الجهة، إن كان محموداً من جهة أخرى، فإنه إن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه لم ينفع الحزن. فالعاقل يدفعه عن نفسه، ولا يضم إلى مصيبته أخرى، وليعلم أنه سيسلو بعد حين، والله أعلم.

стр. 39

الباب الثالث ـ في تحريم الندب والنياحة وشق الثياب الندب: اسم للبكاء على الميت وتعداد محاسنه، قاله الجوهري، والاسم الندبة بالضم، وقيل تعداد شمائل الميت، فيقال: واكريماه واجبلاه والهفاه. والنوح: قال القاضي عياض: هو اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، وذكر في المغني أنه تعداد محاسن الميت بلفظ النداء، إلا أنه يكون بلفظ الواو، وربما زيد فيه الألف والهاء مثل قولهم: وا رجلاه وا جبلاه وا انقطاع ظهراه، ونحوه. وقال غيره: قال أهل اللغة: النياحة: اسم لاجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، كما ذكر القاضي عياض، والتناوح: التقابل. ثم استعمل في صفة بكائهن بصوت ورنة وندبة. واعلم ـ رحمك الله ـ أن المطلوب في المصيبة السكون والصبر، والرضا بقضاء الله تعالى، والحمد والاسترجاع، والصدقة عن المصاب به والدعاء له، وأما الندب والنياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود، وقول المنكر، كل هذا ينافي ما ذكر. وقد نص الإمام أحمد ﵀ على تحريم الندب والنياحة، قال في رواية حنبل: النياحة معصية. وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوح حرام. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لاتجوز للرجال ولا للنساء. وقال أبو الخطاب ﵀ في الهداية: ويكره الندب والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والتحفي. وهذا قول ضعيف مصادم لما ورد من السنة.

стр. 40

وذكر الشيخ في المغني قال: حرب عن أحمد كلاماً فيه احتمال إباحة النوح والندب، قال: واختاره الخلال وصاحبه، لأن واثلة بن الأسقع، وأبا وائل كانا يسمعان النوح ويبكيان، ثم قال: وظاهر الأخبار تدل على التحريم. انتهى كلامه. واستنادهم في ذلك لآثار مروية عن بعض الصحابة والسلف، لا ترد ما ورد في الصحيح والمسانيد. فإنهم قالوا: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: إنما كانا يسمعان النوح ويبكيان. قالوا: وقد ورد في الصحيح من «حديث أم عطية، قالت: لما أنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين﴾ إلى قوله: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ كان منه النياحة، فنهانا عن النياحة فقبضت امراة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فإنما أريد أن أجزيها، قال: فما قال لها شيئاً فذهبت فانطلقت، ثم رجعت فبايعها» . وفي لفظ الصحيح «قالت أم عطية: يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي أن أسعدهم فقال: إلا آل فلان» . والجواب عن ذلك: أن المرأة التي سكت عنها ذلك خاص بها لوجهين: أحدهما: أنها حديثة عهد بالإسلام، فربما كان فيه تنفير لها عنه. الثاني: أنه قال لغيرها لما سألته ذلك، قال: «لا إسعاد في الإسلام» . فإطلاقه لها، وحجره على غيرها، يدل على الخصوص. وعلى الرواية الأولى: أن امرأة قبضت يدها، ولم تبايع إلا بعد الإسعاد، فلا إشكال، وقد حكى بعض المبايعات القصة ولم تستثن أحداً، فما ورد في سنن أبي داود من حديث أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً، ولا ننبش شعراً.

стр. 41

فصل ـ فيما ورد من تحريم ذلك، وما ورد من الوعيد عليه عن «عبد الله بن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» . رواه البخاري ومسلم. وعن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «وجع أبو موسى وجعاً، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: إني بريء ممن برئ منه محمد ﷺ ، إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة» . رواه البخاري ومسلم عن الحكم بن موسى، إلا أن البخاري لم يذكر أنه حدثه به، بل قال: قال الحكم بن موسى فهو عنده معلق. قوله: الصالقة يعني التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة التي تشق ثوبها. «وعن أم عطية، قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة، أن لا ننوح» ، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة، أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى. رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن، أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال: لا إسعاد في الإسلام» رواه الإمام أحمد. «وعن أبي مالك الإشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» انفرد باخراجه مسلم.

стр. 42

«وفي حديث جابر في قصةابراهيم ابن النبي ﷺ وقد تقدم، وفيه: ألم تنه عن البكاء؟ قال: لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجه وشق جيوب ورنة شيطان» .. الحديث رواه الترمذي. وكذلك تقدمت قصة قتل زيد بن حارثة وأصحابه، «من حديث عائشة، قالت: لما جاء رسول الله ﷺ قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا أنظر من صائر الباب [شق الباب] فأتى رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره أن يذهب فينهاهن، فذهب، فأتاه فذكر أنهن لم يطغنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب، ثم أتاه، فقال: والله لقد غلبننا يا رسول الله، قالت: فزعمت أن رسول الله ﷺ قال: اذهب فاحث في أفواههن التراب قالت عائشة: فقلت: أرغم أنفك، والله ما تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ ، وما تركت رسول الله ﷺ من العناء» . رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه. «وعن عبيد بن عمير، عن أم سلمة، قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غريبة، لأبكينه بكاءً يتحدث عنه، فكنت قد تهيات للبكاء عليه إذا أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال: أتريدين أن يدخل الشيطان بيتاً أخرجه الله منه مرتين؟» فكففت عن البكاء فلم أبك. انفرد بإخراجه مسلم. «وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : النياحة على الميت من أمر الجاهلية، فإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سربال من قطران، ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار» رواه ابن ماجة من رواية عمر بن راشد اليمامي، وقد ضعفه غير واحد. وقد روي في صحيح مسلم بأتم من هذا وأبين. «وعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة ثوبها، والداعية

стр. 43

بالويل والثبور» . رواه ابن ماجة. والثبور: الهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿دعوا هنالك ثبوراً﴾ ، أي صاحوا: وا هلاكاه. «وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة» . رواه أبو داود من رواية عطية العوفي وقد تكلم فيه. فصل ـ فيما ورد من عذاب الميت بالنياحة «عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» ، وفي رواية: «يعذب بما نيح عليه» . ولم يذكر في قبره رواه البخاري ومسلم. «وعن المغيرة بن شعبة، قال: بعث النبي ﷺ يقول: إنه من ينح عليه يعذب بما نيح عليه» رواه البخاري ومسلم. «وعن أسيد بن أبي أسيد عن موسى بن أبي موسى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: وا عضداه! وا ناصراه! وا كاسباه! جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها؟» فقلت: سبحان الله! يقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ، فقال: أحدثك عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ ، وتقول هذا فأينا كذب؟ فو الله ما كذبت على أبي موسى، ولا كذب أبو موسى على رسول الله ﷺ . رواه الإمام أحمد. «وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعدة من النار» سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ينح عليه يعذب بما نيح عليه» رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم.

стр. 44

وعن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا وا كذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا وقد قيل لي: أنت كذلك؟ ! فلما مات لم تبك عليه. رواه البخاري. وروى الترمزي في جامعه «عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم فيقول وا جبلاه، وا سيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟» قال الترمذي: حديث حسن غريب. قوله: «يلهزانه» ، اللهز: الدفع بجميع اليد في الصدر. فصل ـ في أن البكاء لا ينفع الميت بل ينفعه العمل الصالح وليعلم أن البكاء المجرد، ليس فيه منفعة للميت البتة وإنما ينفعه عمله، كما في صحيح البخاري ومسلم، من حديث «أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: يتبع الميت ثلاث، أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» . وفي الصحيح: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» . فلا منفعة للميت بالبكاء والانزعاج. قال أبو الفرج بن الجوزي: أما بعد، فإني رأيت عموم الناس، ينزعجون لنزول البلاء، انزعاجاً يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت! وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ والكبير إلا الهرم؟ والموجود سوى العدم؟! كما قيل: على ذا مضى الناس، اجتماع وفرقة ... ... وميت ومولود وبشر وأحزان وما أحسن ما روي عن بعض السلف، أن رجلاً جاءه وهو يأكل طعاماً، فقال له: لقد مات أخوك، أعظم الله أجرك فيه، فقال: اقعد وكل، فقد علمت

стр. 45

ذلك، فقال: من أعلمك وما سبقني إليك أحد؟ قال: قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ . ثم قال: ولعمري، إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذ الطبع مجبول على الجزع من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكليف، كمن يخرق ثيابه ويلبس الثياب المرذولة عند موت قريبه، ويلطم وجهه، ويعترض على القدر، وهذا، ومثله، وأكثر منه، لا يرد فائتاً، لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العقوبة، مع ما يفوته من الأجر والثواب. قال بعض الحكماء: إذا كان الصبر محموداً عند المصائب، ومرغوباً فيه عند حلول النوائب، فالجزع مذموم بكل مقال، وصاحبه ملوم في كل حال، فتعجل المحمود عند العقلاء أحسن، وتجنب المذموم من الخصال أزين. فصل ـ في بيان أن الله سبحانه هو الفعال لما يريد وفي بعض ما تقدم من أحاديث النهي هذه، كفاية لمن تدبرها، وكيف لا تكون هذه الخصال القبيحة منهياً عنها، وهي مشتملة على التسخط على الرب ، الفعال لما يشاء، الحكم بما يريد، المتصرف في عبيده بما يختار من موت وغرق وحرق، وغير ذلك مما قضاه وقدره وأمضاه، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون؟! بل فعل النوح، وشق الثياب، ولطم الخدود، وخمش الوجوه، ونبش الشعر ونتفه، والتحفي، وتسويد الوجه والبدن، والدعاء بالويل والثبور، وغير ذلك من الأقوال والأفعال المنكرة التي ورد الشرع بالنهي عنها، وذم فاعلها، وأن فاعلها شرع في الدين ما لم يأذن به الله ولا رسوله، هو مناف للرضا والصبر، ويضر بالنفس والبدن، ولا يرد من قضاء الله وقدره شيئاً. وقد بلغني عن أناس أعرفهم، أصيبوا بمصيبة، أزعجوا أنفسهم لأجل مصابهم ببعض ما ذكر، فأورثهم ذلك مرض وحمى، فإذا استسلم المصاب وانقاد، ووكل الأمر لمن بيده الخلق والأمر، وعلم أن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسل، فتبع الرسول

стр. 46

صلى الله عليه وسلم فيما أمره به، وفيما نهاه عنه، وكان مما جاء به تحريم هذه الأفعال والأقوال المنكرة التي تقدم ذكرها: بل «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول ما يسخط ربنا» . فإذا سمع المصاب ذلك، فأطاع وانقاد، حصلت له السعادة الأبدية باتباعه الرسول في أقواله وأفعاله، لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.. ﴾ الآية. فصل ـ فيما يفعله الإنسان إذا أحس بدنو أجله والذي ينبغي أولاً، لمن غاب على الظن أنه يصاب بالموت في مرضه، أن يعامل بأحسن المعاملات، بما ينفعه في قبره ويوم معاده، فيذكره الآخرة، ويأمره بالوصية والتوبة، ويلقنه شهادة أن لا إله إلا الله، لتكون آخر كلامه. ويكون قبل ذلك قد نهى من لطم الخدود وشق الثياب وتمزيقها، ونتف الشعر، ورفع الصوت بالندب والنياحة، وغير ذلك من قول وفعل منكر، ويكون مع ذلك، في هذه الحالة، رجاؤه بالله أكثر من خوفه، وهو كثير الحمد والاسترجاع والرضا عن الله . وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده، «عن محمد بن مسلمة، قال: بلغني أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أوصني ولا تكثر علي، قال: لا تتهم الله في شيء قضاه لك» . وروى أيضاً بإسناده، «قال لعائشة ﵂: ما كان أكثر كلام رسول الله ﷺ في بيته إذا خلا؟ قالت: كان أكثر كلامه إذا خلا في بيته: ما يقضى من أمر يكن» . فهذا رسول رب العالمين يقول هذه المقالة، وهو أعرف الخلق، وأعلمهم بالله، فإذا وطن العبد نفسه على أن ما يقضي من أمر يكن لا محالة، فإتعاب النفس والبدن في ما لا يجدي شيئاً ليس من حصافة العقل، ويعلم أن الدنيا موضوعة على الكدر، فالبناء إلى نقض، والجميع إلى تفريق، ومن رام بقاء ما لا يبقى كان

стр. 47

كمن رام وجود ما لا يوجد، فلا ينبغي أن يطلب من الدنيا ما لم توضع له. فصل ـ في قول النبي ﷺ : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " فصل ـ في قول النبي ﷺ : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه وأما قوله ﷺ : «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» و «إن الميت يعذب بالنياحة عليه» وقد تقدمت هذه الأحاديث، فاختلف السلف والخلف في ذلك. فقالت طائفة: الله يتصرف في خلقه بما يشاء، وأفعال الله لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه، والتعذيب بما هو منسوب إليه، لأن الله تعالى خالق الجميع، والله تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل عملوه. وقالت طائفة اخرى: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ وقد أنكرتها عائشة ﵂ واحتجت بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ثم أحاديث لم نذكرها بعد، وهي مما استدلت بها عائشة ﵂. ومنها «عن عروة، قال: ذكر عند عائشة، أن ابن عمر ﵄ يرفع ذلك إلى النبي ﷺ : إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله. فقالت: ذهل إنما قال النبي ﷺ : إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن» ، وذلك مثل قول النبي ﷺ «قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بعض المشركين، فقال ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، وقد ذهل، إنما قال: إنهم ليعلمون أن ما كنت أقوله لهم حق. ثم قرأ: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ يقول: تبوؤوا مقاعدهم من النار» . رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه. هكذا ساقه بطوله الحافظ الضياء. «وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: توفيت بنت لعثمان بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضر ابن عمر وابن عباس، إني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الأخير فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لابن عباس: ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله ﷺ قال: إن الميت ليعذب ببكاء

стр. 48

أهله عليه! فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك. ثم حدث قال: صدرت مع عمر من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب، حتى إذا ظل سمرة، قال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا صهيب، فأخبرته، فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب، فقلت له: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، وا صاحباه، فقال عمر: يا صهيب، أتبكي علي وقد قال رسول الله ﷺ : إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه؟ ! قال ابن عباس: فلما مات عمر، ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ قال: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه. وقالت: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ ، قال ابن ملكية: والله ما قال ابن عمر شيئاً» . رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم. وفي صحيح البخاري ومسلم، «أن عائشة ﵂ ذكر لها أن عمر وابنه عبد الله يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. قالت إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين، ولا متهمين، ولكن السمع يخطىء، وفي لفظ قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي وأخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها» . وقالت طائفة أخرى: قوله: إن الميت ليعذب بنوح أهله، محمول على من أوصى به، أو كانت من عادتهم ذلك ولم ينههم، يعني يوصي قبل موته أن لا يحدثوا قولاً ولا فعلاً منكراً. وهذا كان مشهوراً عند العرب، وهو كثير في أشعارهم كقول طرفة: إذا مت فانعني بما أنا أهله ... ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

стр. 49

وقال لبيد: فقوما فقولابالذي قد علمتما ... ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر وقولا: هو المرء الذي لا حليفه ... ... أضاع، ولا خان الصديق، ولا غدر وقالت طائفة أخرى: وهو محمول على سنته وسنة قومه البكاء والنوح، وقد اشتهر أن هذا معروف منهم، فإذا لم ينههم دخل في الوعيد، لأن ترك نهيه عن البكاء دليل على رضائه به منهم. وهذا قول عبد الله بن المبارك، وهذا القول والذي قبله هو قول واحد، وقد حكى بعض أهل العلم: أن هذين القولين متباينان ولم يظهر لي ذلك، والله أعلم. وقال أبو البركات ابن تيمية ﵀: هذا القول هو أصح الأقوال كلها وأرجحها، لأنه إذا غلب على ظنه فعلهم له، ولم يوصهم بتركه، فقد رضي به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه، فأما إذا أوصاهم بتركه، فخالفوه، فالله أكرم من أن يعذبه بذلك. وقال العلام ابن المقيم ﵀: وقد حصل بهذا القول إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد، وإنكار عائشة ﵂ لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه، فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد جداً، خصوصاً بحق خمسة من أكابر الصحابة، وقد تقدم ذكره عن أكثر من خمسة من الصحابة. وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال مارواه عن هؤلاء الصحابة في أوقات أخر، ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: «إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» ، فإذا لم يمتنع زيادة الكافر عذاباً بفعل غيره، مع كونه مخالفاً لظاهر الآية، لم يمتنع ذلك في حق المسلم، إن الله سبحانه، كما لا يظلم عبده المسلم، لا يظلم الكافر، والله تعالى أعلم. فصل ـ في أن ما أورده من الأحاديث لا يخالف قواعد الشرع واعلم ـ رحمك الله ـ أن هذه الحاديث، لا تحتاج إلى شيء من هذه التعسفات، وليس فيها بحمد الله إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد

стр. 50

الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت ليعاقب ببكاء أهله عليه أو بنوح أهله عليه، وإنما قال: إنه ليعذب بذلك. ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص. وقد «قال النبي ﷺ : السفر قطعة من العذاب» . وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، ويحصل للميت الألم في قبره بمجاورة أهل البدع والفسق والعصيان، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره. ونص الإمام أحمد، على أن الموتى يتأذون بفعل المصيبة عندهم، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، من لطم الخدود، وتمزق الثياب، وخمش الوجوه وتسويدها، وقطع الشعر ونتفه، ودعا بدعوى الجاهلية، وكل هذا موجود في غالب جهال أهل زماننا، فإذا وجدت هذه الأفعال والأقوال على هذا الوجه، حصل للميت الألم في قبره بذلك، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذا معنى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية. فصل ـ في وسوسة الشيطان للمريض ولأقاربه وأهله قد يستحوذ الشيطان على المريض، فيوسوس له بأنك ستفارق المحبوبات، وتخرج من الدنيا إلى مكان فظيع موحش، وتلقى بين أطباق الثرى، وكيف يؤلمك؟ ! فربما أسخطه على ربه، وكرهه لقاء الله . وربما أنطقه بكلام يتضمن نوع إعراض وتسخط. ثم يوسوس لأقاربه، بأنه لا بد أن يفوتكم من بره وإحسانه ما يزيد عن الوصف، أو أنه كان قد نشأ منشأحسناً، وقد بدأ يترقى إلى المناصب العالية، فيهيج هؤلاء على البكاء المحرم، وفعل ما لا يجوز فعله، ويهيج المريض على الحزن على فراق الدنيا. فينبغي لكلا الطائفتين، أن يتداووا بالأدوية الشرعية، وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية من الأدوية الإلهية فلا حاجة إلى تكرارها، ولكن يجاب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن الأغلب فيمن يفارقه أنه يؤثر فراقه خصوصاً إن كان شيخاً

стр. 51

كبيراً أو أنه شاب أو كهل يحجر على من ذكرته من قرابة أو ولد ونحوه، أو له خلق شديد، وأخص منه إن كان ذا مال وقد رأيت في زماننا من كان من أصحاب الأموال وهو محسن لأهله وأقاربه، فمرض فأوصى بوصايا لأقاربه لمن ليس بوارث في الحال، فلما مات خلف مالاً جزيلاً، فاشتغل الوارث وغيره بالمال عن الحزن عليه، فأخذوا في الخصام عليه وتفرقته. فهذا، وهو محسن إليهم بماله، وما أخذوه فهو سريع الذهاب، وأما بره إليهم لو بقي حصل لهم أضعاف ذلك. فلا ينبغي للعبد أن يحزن لفراق من لا يحزن لفراقه. وذكر أبو القاسم بن عساكر، قال: أنشدني محمد بن الأشعث لنفسه، في ذم الحزن من حيث هو: قلم القضاء جرى بكل مكون ... ... يا صاحب الأحزان ماذا تحزن! إن كان سخطك ليس يجلب راحة ... ... فرضاك بالبلوى أحق وأحسن والثاني الرجاء لملاقاة من هو أحب إليه منه، وما من مؤمن يموت فيؤثر الرجوع إلى الدنيا ولو أنها جميعها له إلا الشهيد. فإنه يحب الرجوع ليقاتل مرة أخرى، لما يرى من عظم أجر الشهادة، كما سيأتي ذكره بعد. «وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: ما من نفس مؤمنة مسلمة يقبضها ربها تحب أن تعود إليكم وأن لها الدنيا وما فيها» . فصل ـ فيما ذكر في النعي والمناداة على الميت وهو إعلام الناس بموت الشخص، على ما يفعله أهل زماننا بالكبير أو بالمشهور، ويرسلون منادياً يعلم الناس به. قال العلامة ابن القيم في الهدي: «وكان من هديه ﷺ ترك نعي الميت، بل كان ينهىعنه ويقول: وهو من عمل الجاهلية» . انتهى كلامه. وقال الحافظ ضياء الدين ﵀ في أحكامه: باب كراهة النعي، وساق في الباب ثلاثة أحاديث، منها: «عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 52

قال: إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية قال عبد الله: أذان بالميت» . رواه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. «وعن حذيفة، قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي» . رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي، وهذا لفظه، وحسنه. «وعند ابن ماجة: كان حذيفة إذا مات له الميت، قال: لا تؤذنوا به أحداً إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين ينهي عن النعي» . وروى أحمد أيضاً هذه الزيادة كما رواها ابن ماجة، ولكن لم يقل بأذني هاتين. وقال سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكان النعي يكره؟ قال: نعم: قال إبراهيم: إذا توفي الرجل، يركب رجل دابته، ثم صاح في الناس: أنعى فلاناً. وبإسناده إلى ابن عون قال: سمعت بالكوفة، أن شريحاً كان لا يؤذن بجنازة أحد، فذكرت ذلك لمحمد بن سرين، فقال: إن شريحاً كان مكياً، ما أعلم به بأساً أن يؤذن الرجل صديقه، ويؤذن الرجل جمعه. وذكر بإسناده، حدثنا حماد عن إبراهيم، أنه قال: لا بأس إذا مات الرجل، أن يؤذن صديقه وأصحابه، إنما يكره أن يكون في المجلس، فيقال: أنعي فلاناً، فعل الجاهلية. وقد روى الترمذي، «عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيها فيقول: وا جبلاه، وا سنداه، أو نحو ذلك، إلا وكل الله به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟» قال الترمذي: حديث حسن. والمقصود أن هذه الأحاديث دالة على النهي، وأنه من فعل الجاهلية، لكن الأحاديث التي ذكرناها، منها ما يدل على أن النعي إعلام الناس بأن فلاناً قد

стр. 53

مات، ومنها ما يدل على أن النعي هو تعداد صفات الميت، فالظاهر أن كلاهما نعي، والله أعلم. وما يفعله الناس اليوم في زماننا، من إعلام الناس بالميت، والمناداة له، فهو من البدع المنهي عنها، كما وردفي الحديث، فإنه مفض إلى تأخير الميت، لأجل اجتماع الناس له، تأخيراً زائداً عن الحد، ويتركون السنة التي من شأنها الإسراع بالجنازة. كما «ثبت في سنن أبو داود: أن أبا طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني أرى طلحة قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم، أن تحبس بين ظهراني أهله» . وإن كان المراد النعي الذي هو تعداد صفات الميت، فيقال: الذي ينبغي أن يقال: لا بأس بالكلمات اليسيرة إذا كانت صدقاً، لا على وجه النوح والتسخط، فلا يحرم، ولا ينافي الصبر، ولا يكون من المنهي عنه، بل قد نص الإمام أحمد ﵀ أن الكلمات اليسيرة من الصدق لا تنافي الصبر الواجب. يؤيد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري «من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: وا كرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، فلما دفن رسول الله ﷺ قالت فاطمة: أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ ؟» «وعن أنس أيضاً أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يده على صدغيه، وقال: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفياه» رواه الإمام أحمد. «وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات» . رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ لهما قال: «استغفروا لأخيكم» . وقد تقدم قول النبي ﷺ : «وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» . وهذا ونحوه من الأقاويل التي تقدمت، ليس تسخط على الرب ﵎ بما قضاه وقدره، ولا ينافي الصبر الواجب، ولا يأثم به قائله، والله أعلم.

стр. 54

الباب الرابع ـ فيمن أصيب بفقد ثلاثة من الولد فأكثر والبشارة له بذلك قال البخاري: باب فضل من مات له ولد فاحتسب، وقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ . «حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم من الناس يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» ورواه مسلم من وجه آخر عن أنس. قوله: «لم يبلغوا الحنث» أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث. وروى البخاري من حديث «سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار، إلا تحلة القسم» ورواه مسلم من هذه الطريق أيضاً. قال العلماء: تحلة القسم ما ينحل به القسم وهو اليمين. وجاء مفسراً في الحديث أن المراد به قوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ . وبهذا قال أبو عبيد وجمهور من العلماء. والقسم مقدر أي: والله إن منكم إلا واردها. وقيل: المراد قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ . وقال ابن قتيبة: معناه تقليل مدة ورودها، قال: وتحلة القسم في هذا في كلام العرب، وقيل تقديره: ولا تحلة القسم، أي لا تحلة أصلاً، ولا قدراً

стр. 55

يسيراً تحلة القسم. والمراد بقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ : المرور على الصراط، وهوعلى جهنم. وقيل الوقوف عندها، أعاذنا الله وإياكم منها. وروى مسلم أيضاً هذا الحديث، معنى تحلة القسم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به. ورواه أيضاً من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به. ورواه أيضاً «حدثنا يحيى بن يحيى، قرأت على مالك، عن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار، إلا تحلة القسم» . ورواه الترمذي من حديث مالك به، وقال: حسن صحيح. قال الترمذي: وفي الباب: عن معاذ وعمر وكعب بن مالك وعتبة بن عبيد وأم سليم وعائشة وأنس وأبي ذر وابن مسعود وأبي ثعلبة الأشجعي وابن عباس وعتبة بن عامر وأبي سعد وقرة بن إياس. وقال الإمام أحمد: «حدثنا إسحاق، أخبرنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله الجنة وآباءهم، بفضل رحمته. قال: يقال لهم ادخلوا الجنة. قال: يقولون حتى يجيء أبوانا. قال: ثلاث مرات، فيقولون مثل ذلك. قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم» . وروى البخاري من «حديث ذكوان، عن أبي سعيد، أن النساء قلن للنبي ﷺ : اجعل لنا منك يوماً، فوعظهن، وقال: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كن لها حجاباً من النار، قالت امرأة: واثنان. قال: واثنان» . وقال شريك «عن ابن الأصبهاني: ثنا أبو صالح، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال أبو هريرة: لم يبلغوا الحنث» . وقد روى الحديث محمد بن سيرين وأبو رزين وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وأخرج مسلم «حديث أبي سعيد من حديث شعبة به، وعنده: فقالت امرأة:

стр. 56

واثنين واثنين واثنين يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : واثنين واثنين واثنين» ، وهذا الذي علقه البخاري، عن شريك، عن ابن الأصبهاني، قد رواه هو ومسلم من «حديث غندر، عن شعبة، عن ابن الأصبهاني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وقال فيه: لم يبلغوا الحنث» . وقال عثمان بن إبراهيم المؤذن: «حدثنا عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمين، يموت لهما ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة، قال: يكونون على باب من أبواب الجنة، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم» ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن عوف الأعرابي. وروى مسلم في صحيحه «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو اثنين» . وروى الإمام أحمد في مسنده «عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب النساء فقال: ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة إلا أدخلها الله الجنة فقالت أجلهن امراة: يا رسول الله وصاحبة الاثنين؟ فقال: وصاحبة الاثنين في الجنة» . وروى أحمد أيضاً، «من حديث أم سليم بنت ملحان، وهي أم أنس بن مالك، قالت: قال رسول الله: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله الجنة، بفضل رحمته، قالها ثلاثاً: قلت: يا رسول الله واثنان؟ قال: واثنان» . وروى المثنى «عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أم مبشر، أن رسول الله ﷺ قال: من هلك له ثلاثة من الولد، فصبر واحتسب، أدخل الجنة، فقلت: يا رسول الله، واثنان؟ ! قال: واثنان» . وروى مسلم في صحيحه، «من حديث طلق بن معاوية، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتت امرأة بصبي لها، فقالت: يا نبي الله، ادع الله، فلقد دفنت ثلاثة، فقال دفنت ثلاثة؟ قالت نعم، قال: لقد احتظرت بحظار شديد

стр. 57

من النار» . وقال البخاري في تاريخه قال علي بن هاشم: «حدثني نصر بن عمر ابن يزيد بن قبيصة، قال: حدثني أبي عن قبيصة بن برمة، قال: كنت عند النبي ﷺ جالساً، إذ أتته امراة، فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، فإنه ليس يعيش لي ولد. قال: وكم مات لك؟ قالت ثلاثة. قال: لقد احتظرت من النار بحظار شديد» . وقال سعيد بن منصور: «حدثنا عبيد بن زياد، ثنا أبي، عن زهير ابن أبي علقمة، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ في ابن لها مات، وكان القوم عنفوها، فقالت: يا رسول الله، قد مات لي ابنان، منذ دخلت في الإسلام، سوى هذا. قال: لقد احتظرت من النار حظاراً شديداً» . قال جماعة من الحفاظ: إسناد صحيح، لكن لا صحبة لزهير هذا، فيكون مرسلاً. «أما قوله ﷺ : لقد احتظرت بحظار شديد من النار» ، أي امتنعت بمانع وثيق، وأصل الحظر: المنع، وأصل الحظار، بكسر الحاء وفتحها: ما يجعل حول البستان وغيره من القبضان وغيرها كالحائط. وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة. وقد نقل جماعة من العلماء إجماع المسلمين على ذلك. قال الماوردي: أما أولاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فالإجماع محقق في الأطفال على أنهم بالجنة. وأما أطفال من سواهم من المسلمين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة. قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ وتوقف بعض المتكلمين منهم وأشار أنه لا يقطع لهم كالمكلفين، وهو خطأ. ولكنهم مستندون إلى «حديث عائشة ﵂ في الصحيح: توفي صبي من الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» . وفي

стр. 58

الحديث الآخر: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم القيامة كافراً» أجاب العلماء عن ذلك بأن النبي ﷺ : إنما نهى عائشة عن المسارعة إلى القطع، من غير أن يكون عندها دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: أعطه إني لأراه مؤمناً، قال: أو مسلماً. قال النووي: ﵀ في شرح مسلم: فيحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما علم قال ذلك في قوله ﷺ : «مامن مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» وغير ذلك. انتهى كلامه. وقد تقدم عدة من الأحاديث تدل على ذلك كما سيأتي ما هو أتم من ذلك وأبين. وما ورد من الأحاديث في الثلاثة من الولد ثم سئل عن الاثنين فقال: واثنين، فمحمول على أنه أوحي إليه عند سؤال الاثنين، وكذلك عند سؤال الواحد في بعض الألفاظ، والله تعالى أعلم. وروى الإمام أحمد بإسناده، «عن شرحبيل بن شفعة، قال: سمعت عتبة بن عبد السلمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل» رواه ابن ماجة، من حديث جرير بن عثمان الحمصي به. وروى أحمد، «من حديث المغيرة، ثنا جرير، ثنا شرحبيل بن شفعة، عن بعض الصحابة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: يقال للولدان يوم القيامة ادخلوا الجنة، فيقولون: ربنا حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيقول الله تعالى: ما لي أراغكم محبنطين ادخلوا الجنة أنتم وآبائكم» . وروى الإمام أحمد أيضاً، «عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن ابن سيرين: بينا امرأة كانت تأتينا، يقال لها مارية، كانت ترزأ في ولدها، فلقيت عبد الله بن معمر القرشي، ومعه رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فحدث ذلك الرجل أن امراة أتت النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يبقيه لي، فقد مات لي قبله ثلاثة فقال: مذ أسلمت؟ قالت: نعم، فقال: جنة حصينة» . وروى أيضاً، منفرداً به، لكنه من

стр. 59

«حديث ابن لهيعة، عن أبي عشانة، أنه سمع عقبة بن عامر، يقول عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: من أثكل ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة» . وروى أيضاً في مسنده، «من حديث صعصعة بن معاوية، قال: أتينا أبا ذر، قلت: مالك؟ قال لي عملي، قلت: حدثني، قال: نعم! قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من أولادهما، لم يبلغوا الحنث إلا غفر لهما» . ورواه النسائي، عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر ابن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن صعصعة. وثم طريق أخرى «عن أبي ذر حدثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا قرة، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله، ابتدره حجبة الجنة، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد، لم يبلغوا حنثاً، إلا أدخلهم الله الجنة، بفضل رحمته إياهم» . فصل ـ فيمن أصيب بأربعة من الأولاد قال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: «حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثني بشر بن المفضل، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس، عن الحارث بن أقيس قال: قال رسول الله ﷺ ما من مسلمين يموت بينهما أربعة أولاد، إلا أدخلهم الله الجنة. قالوا: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قالوا: يا رسول الله واثنان؟ قال واثنان، وإن من أمتي لمن يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها، وإن من أمتي لمن يدخل بشفاعته الجنة أكثر من بمصر» . وروى ابن ماجة منه، «وإن أمتي....إلخ» ، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحيم بن سلمان، عن داود بن أبي هند به.

стр. 60

وروى داود بن أبي هند «عن عبد الله بن قيس الأسدي، عن الحارث ابن أقيس، قال: كنا عند أبي بردة ليلة، فحدث ليلته عن النبي ﷺ يقول: ما من مسلمين، يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما الله الجنة، بفضل رحمته، قالوا: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قالوا واثنان؟ ؟ قال: واثنان» . وذكر تمام الحديث. وقد ذكر بعضهم أنه رواه الإمام أحمد ولكني لم أره. وروى النسائي «من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، حدثني عمران بن نافع، عن حفص بن عبيد الله عن جده أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة» . وروى الهيثم بن جميل، «عن الأحوص، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال توفي للزبير ولد، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله سخ أنفسنا عن أولادنا، فقال: من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حجاباً من النار» . وروى عبد الحكيم بن منصور، «عن يونس، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن الزبير بن العوام، عن النبي ﷺ ، قال: من مات له ثلاثة من الأولاد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حجاباً من النار» . وروى الإمام أحمد، «من حديث لقمان بن عامر عن أبي أمامة، عن عمرو بن عنبسة، قال: قلت له: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا زيادة، قال: سمعته يقول: من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله، بلغ به العدو، أصاب أو أخطأ، كان له بعدل رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله، فإن للجنة ثمانية أبواب، يدخله الله من أي باب شاء منها» وكذا رواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر، عن أنس، عن أبي طيبة، عن عمرو بن عنبسة السلمي فذكر نحوه. ورواه الوضين عن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن أبي عائد، عن عمرو بن عنبسة به.

стр. 61

وقال عبد الرزاق: «سمعت هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن يزيد ابن أبي بكرة، حدثتني حبيبة ـ يعني بنت سهيل، ويقال بنت أبي سفيان ـ، أنها كانت عند عائشة ﵂ فجاء النبي ﷺ فقال: ما من مسلمين يموت لهم ثلاثة من الولد، إلا أدخلهم الله الجنة، بفضل رحمته إياهم» . وكذا روى محمد بن عبد الله الأنصاري، «عن أبان بن صمعة، عن محمد بن سيرين، عن يزيد بن أبي بكرة، عن حبيبة، أنها كانت في بيت رسول الله ﷺ ، فجاء فجلس، فقال: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أطفال، لم يبلغوا الحنث، إلا جيء بهم يوم القيامة، حتى يوقفوا على باب الجنة، فيقال: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، قال ابن سيرين: فلا أدري في الثانية أوالثالثة، فيقال: لهم ادخلوا أنتم وآ باؤكم» . فقالت عائشة: أسمعت؟ قالت: نعم. وقال الترمذي: وروى «الأبار ـ قلت: هو أبو حفص، اسمه عمر بن عبيد الرحمن ـ عن الأعمش، عن زر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي أبزى، عن أبيه، عن محمد بن وهب أن النبي ﷺ ، قال لامرأته: هل لك من فرط؟ قالت ثلاثة. قال: جنة حصينة» وروى عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة، «عن يزيد بن الحكم، عن عثمان بن أبي العاص، أن النبي ﷺ قال: لقد استجن بجنة ححصينة من النار، رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام» . وعن أم ذر، قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان، فيريان النار أبداً» ، وقد مات لنا ثلاثة من الولد، رواه الحافظ أبو موسى المديني. وقال مالك في الموطأ «عن محمد بن ابي بكر، عن أبيه، عن أبي النضر السلمي، أن رسول الله ﷺ قال: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم، إلا كانوا له جنة من النار، فقالت امراة منهن: يا رسول الله، أو اثنان، قال: أو

стр. 62

اثنان» . قال أبو عمر بن عبد البر: هكذا رواه القعنبي ويحيى بن يحيى، عن مالك. وقال الآخرون: عن مالك باسناده عن أبي النصر. قال: وهذا مجهول في الصحابة والتابعين. انتهى كلامه. قلت: كذا قال ابن عبد البر، وليس بمجهول كما قال، فإن مسلم ﵀ قال: في كتاب الكنى والأسامي: أبو النضر عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية، وروى عنه عامر بن خصيف، فهو تابعي. وروى إسماعيل بن يحيى التيمي، «عن موسى الجهني، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : من قدم ثلاثة من ولده صابراً محتسباً، حجبوه ـ بإذن الله ـ من النار» . وروى البخاري في تاريخه من طريق أبان بن صمغة، «عن ابن سيرين، حدثتنا حبيبة خادمة عائشة، أنها كانت في بيت عائشة قاعدة، فدخل رسول الله ﷺ فقال: ما من مسلمين، يموت لهما ثلاثة أطفال، إلا أدخلها الله الجنة» . وفي الأربعين لنصر بن عبد الرزاق: ذكر «عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، قال: إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي، قد احتوشته ملائكة، فجاءه وضوءه فاستنقذه، ورأيت رجلاً من أمتي، خف ميزانه، فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه» وهومقتطع من حديث طويل يأتي. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من دفن من صلبه ثلاثة من الولد، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين» رواه بسنده الحافظ ابن عساكر. قلت: وهذه الأحاديث ـ على اختلاف ألفاظها واتفاق معانيها غالباً، وسيأتي بعد ذلك ما هو مثلها، وما هو أتم وأبين إن شاء الله ـ كلها تدل على أنها وقعت من النبي ﷺ في مجالس متعددة، ويدل على اهتمامه واعتنائه ورحمته وشفقته بأمته، إذ كل حديث من هذه الأحاديث، فيه تسلية للأمة عن أولادها،

стр. 63

بل تدل بفحوى الخطاب على أن الشارع ﷺ أراد تسلية الوالدين عن أولادهما بما أعد الله لهما من الثواب الجزيل على المصيبة، والصبر عليها، فإن اتفق مع ذلك الرضى بها، وكتمانها على الخلق، وطلبها وتلقيها بالقبول، كان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 64

الباب الخامس: فيمن أصيب بفقد ولدين والاحاديث الواردة فيه قال مسلم في صحيحه: «حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه أبي السليل بن نفير، عن أبي حسان ـ وهو خالد بن علان ـ، قال: قلت لأبي هريرة ﵁: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، قال: صغارهم دعاميص الجنة، فيلقى أحدهم أباه ـ أو قال: أبويه ـ بثوبه ـ أو قال: بيده ـ كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى ـ أو قال ينتهي ـ حتى يدخله وإياه الجنة» ورواه الإمام أحمد. «أما قوله ﷺ : صغارهم دعاميص الجنة» هو بالدال والعين والصاد المهملات، وأحدهم دعموص، بضم الدال أي صغار أهل الجنة. قال الشاعر: إذا التقى البحران عم الدعمو ... ... ص نفى أن يسبح أو يغوص وأصل الدعموص: دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي هذا الصغير في الجنة لا يفارقها. وأما قوله: صنفة ثوبك هي بفتح الصاد وكسر النون، وهي طرفه، ويقال لها أيضاً: صنيفة. «وأما قوله: فلا يتناهى ـ أو قال ينتهي ـ حتى يدخله الله وإياه الجنة» : يتناهى وينتهي بمعنى واحد، أي لا يتركه والله تعالى أعلم. وقال أبو يعلى الموصلي: «حدثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا ابن فضيل، ثنا بشير بن مهاجر، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه أن امرأة من الإنصار، مات ابن لها فجزعت عليه، فأتاها، فأمرها رسول الله ﷺ بتقوى الله والصبر. قالت: يا رسول الله، إني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي ولد غيره. فقال رسول الله ﷺ : الرقوب التي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرىء مسلم، ولا امرأة مسلمة، يموت لها ثلاثة من

стр. 65

الولد، إلا أدخلها الله الجنة، فقال عمر بن الخطاب ﵁ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، واثنان؟ قال: واثنان» . ورواه البزار في مسنده «عن أحمد بن عمر، عن جعفر بن عون، عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه به، وعنده: فقالت: يا رسول الله، كيف لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟ ! فقال إنما الرقوب التي يعيش ولدها. وعنده: فقال عمر، وهو على يمين رسول الله ﷺ : واثنان؟ قال واثنان» . وهو على شرط مسلم. وقال الإمام أحمد: «ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا عبد الله بن عثمان، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، أن أبا ذر ﵁ حضره الموت وهو بالربذة، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت أبكي أنه لا يد لي بنعشك، وليس عندي ثوب يسع لك كفناً، فقال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم، وأنا عنده في نفر، يقول: ليموتن رجل منكم مسلم، بفلاة من الأرض، يشهده عصبة من المؤمنين. وكل من كان في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبقى منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق، فإنك سوف ترين ما أقول، فإني ـ والله ـ ما كذبت ولا كذبت، قالت وأن ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق فبينما هي كذلك، إذ هي بقوم، تجذبهم رواحلهم، كأنهم الرخم، فأقبل القوم، حتى وقفوا عليها، فقالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين، تكفنوه وتؤجرون فيه. قالوا: من هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا أسياطهم في نحورها يبتدرونه. فقال: أبشروا، أنتم النفر الذين قال رسول الله ﷺ فيكم ما قال، أبشروا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرأين مسلمين، هلك بينهما ولدان أو ثلاثة، فاحتسبا وصبرا، فيريان النار أبداً ثم قال: قد أصبحت اليوم وحيث ترون، ولو أن ثوباً من ثيابي يسعني، لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم، لا يكفنني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً، فكل القوم كان قد نال من ذلك شيئاً، إلا فتى من الأنصار، كان من القوم، قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي، واحد ثوبي هذين اللذين علي، قال: أنت صاحبي فكفني» تفرد به أحمد.

стр. 66

وقال أحمد: «ثنا حماد بن مسعدة، ثنا جريح، عن أبي الزبير، عن عمرو بن نبهان، عن أبي ثعلبة الأشجعي، قال: قلت: مات لي ـ يا رسول الله ـ ولدان في الإسلام، فقال: من مات له ولدان في الإسلام، أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهما» . قال فلما كان بعد ذلك، لقيني أبو هريرة. فقال: أنت الذي قال لرسول الله ﷺ في الولدين ما قال؟ قلت: نعم. قال: لأن يكون ما قاله لي، أحب إلي مما غلقت عليه حمص وفلسطين. وروى الإمام أحمد أيضاً في مسنده «عن ابن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب النساء، فقال لهن: ما منكن امرأة، يموت لها ثلاثة، إلا أدخلها الله الجنة، فقالت: أجلهن امرأة يا رسول الله وصاحبة الاثنين في الجنة؟ قال: وصاحبة الاثنين في الجنة» . «وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله، قال اجتمعن في يوم كذا وكذا، فاجتمعن، فأتاهن رسول الله ﷺ يعلمهن مما علمه الله، ثم قال: ما منكن من امرأة، تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة، إلا كانوا لها حجاباً من النار فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ : واثنين واثنين واثنين» رواه البخاري ومسلم ولفظه لمسلم. «وعن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: أوجب الثلاثة، قال معاذ: وذو الاثنين يا رسول الله، قال: وذو الاثنين» رواه الإمام أحمد. «عن ذكوان بن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النساء قلن: غلبنا عليك الرجال ـ يا رسول الله ـ فاجعل لنا يوماً نأتيك فيه، فواعدهن ميعاداً، فأمرهن ووعظهن وقال: ما منكن امرأة، يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار. فقالت امرأة: واثنين، فإنه مات لي اثنان، فقال: رسول الله ﷺ : واثنين» . هذا لفظ البخاري، وقد تقدم لفظ مسلم ورواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة وابن مسعود، وقد تقدم.

стр. 67

الباب السادس ـ فيمن أصيب بفقد ولد واحد قال الإمام أحمد: «حدثنا يحيى بن اسحاق، ثنا حماد بن مسلم، عن أبي سنان، قال: دفنت ابنا لي، فإني لفي القبر، إذ أخذ بيدي أبو طلحة فأخرجني، فقال: ألا أبشرك؟ قال: قلت: بلى، قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد» . وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن أبي سنان عيسى بن سنان، عن أبي طلحة الخولاني به. وقال: حسن غريب. «ورواه ابن حبان، ورواه أبو القاسم بن عساكر، ولفظه: إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: استرجع وحمدك. قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» . ورواه البيهقي، موقوفاً على أبي موسى، ولفظه: قال: «إذا قبض الله ولد الرجل قال: والله أعلم بما قال العبد، قال: فيقال للملائكة: أقبضتم ولد فلان» ؟ فذكر نحوالذي قبله. وقال أحمد: «حدثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام، عن محمد بن أبي محمد مولى لعمر بن الخطاب، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من أولادهما، لم يبلغوا ـ الحنث ـ إلا كانوا لهما حصناً حصيناً من النار فقال أبو ذر: مضى لي اثنان يا رسول الله، قال: واثنان فقال: أبي بن كعب ـ أبو المنذر وسيد القراء ـ: مضى لي واحد يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وواحد، وذلك في الصدمة الأولى» ، ورواه

стр. 68

الترمذي وقال: غريب، وابن ماجة، جميعاً عن نصر بن علي، عن إسحاق بن يوسف، عن العوام بن حوشب، عن أبي محمد مولى عمر بن الخطاب، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعاً، فذكره. وأبو عبيدة لم يسمع عن أبيه. وقال الإمام أحمد في مسنده: «حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التميمي، عن الحارث بن سويد، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ما تعدون فيكم الرقوب؟ قلنا: الذي لا ولد له، قال: لا، ولكن الرقوب، الذي يقدم من ولده شيئاً» . ورواه مسلم «من حديث الأعمش. ورواه البيهقي، ولفظه: أن امرأة قالت: أنا رقوب لا يعيش لي ولد، فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها، أما تحبين أن ترينه على باب الجنة، وهويدعوك إليها؟ قالت: بلى! قال: فإنه كذلك» . وقال الإمام أحمد: «حدثنا وكيع، ثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ : أتحبه؟ فقال: يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه. ففقده النبي ﷺ ، فقال: ما فعل ابن فلان؟ قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ ، فقال رجل: يا رسول الله أله خاصة أو لكلنا؟ قال: بل لكلكم» ورواه النسائي، من حديث شعبة، بمثله. وفي رواية أخرى، «من حديث هلال بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن خالد بن ميسرة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كان نبي الله ﷺ إذا جلس جلس إليه نفر من أصحابه، ومنهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة بذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ فقال: ما لي لا أرى فلاناً؟ فقالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ ، فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه، ثم قال: يا فلان، أيما كان أحب إليك، أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من

стр. 69

أبواب الجنة، إلا وجدته قد سبقك إليه، يفتحه لك؟ قال: يا رسول الله، بل يسبقني إلى باب الجنة، يفتحها لي أحب إلي. قال: فذلك لك» رواه النسائي، وهذا لفظه. ورواه الإمام أحمد والبيهقي، وهذا لفظه. «ورواه الإمام أحمد والبيهقي، وزادا: فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم» . فذكر مثل الذي قبله. «ورواه البيهقي من طرق أخرى، وفيه: فقام رجل من الأنصار، فقال: يا نبي الله، جعلني الله فداك، أهذا لهذا خاصة، أو من هلك له طفل من المسلمين كان ذلك له؟ قال: بل من هلك له طفل من المسلمين كان ذلك له» . وقال الإمام أحمد: «حدثنا يحيى بن إسحاق من كتابه، أنبأنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حسان بن كريب، أن غلاماً منهم توفي، فوجد عليه أبوه أشد الوجد، فقال: حوشب صاحب النبي ﷺ : ألا أخبرك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، يقول في مثل ابنك؟ إن رجلاً من الصحابة، كان له ابن قد دب أو أدرك، وكان يأتي مع أبيه إلى النبي ﷺ ، ثم توفي، فوجد عليه أبوه قريباً من ستة أيام، لا يأتي النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : لا أرى فلاناً! فقالوا: يا رسول الله، إن ابنه توفي، فوجد عليه، فقال رسول الله ﷺ : يا فلان، أتحب لو أن ابنك عندك الآن، كأنشط الصبيان نشاطاً؟ أتحب أن ابنك عندك أجرى الغلمان جرية؟ أتحب أن ابنك عندك كهلاً كأفضل الكهول، أو يقال لك: ادخل الجنة ثواب ما أخذ منك؟» وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق، عن أنس بن مالك، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وغيرهما. وروى الطبراني في معجمه «من حديث إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الزرقي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً من الأنصار، كان له ابن، يروح إذا راح إلى النبي ﷺ ، فسأل عنه، فقال: أتحبه؟ فقال: يا نبي الله، نعم، أحبك الله كما أحبه. فقال: إن الله أشد لي حباً منك له. فلم يلبث أن مات ابنه ذاك، فراح إلى نبي الله، وقد أقبل بثه، فقال له نبي الله: أجزعت؟ قال: نعم!

стр. 70

قال: أو ما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟ ، قال: بلى يا رسول الله» . هذا حديث غريب. وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده «من حديث ابن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتعاهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها، فجزعت عليه، فأتاها، فأمرها ﷺ بتقوى الله والصبر، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي ولد غيره، فقال رسول الله ﷺ : الرقوب التي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرئ مسلم، ولا امرأة مسلمة، يموت لها ثلاثة من الولد، إلا أدخلهما الله الجنة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، واثنان؟ قال: واثنان» . «ورواه البزار في مسنده ولفظه: فقالت: يا رسول الله، كيف لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد. فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها. فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها.. » وذكر تمام الحديث. ورواه أحمد، «عن حديث معاذ بن جبل، وفيه قال: واثنان؟ قال: واثنان. قالوا: وواحد؟ قال: وواحد» . وقد تقدم. «وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: قال الله : ما لعبدي المؤمن جزاء، إذا قبضت صفيه من المال والولد، فصبر، إلا أن أدخله الجنة» رواه ابن عساكر، وإسناده فيه ابن لهيعة، والكلام فيه معروف. وروى أيضاً، «من حديث المنهال بن خليفة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً من أهل الأساطين، معروفاً بذلك، ففقده النبي ﷺ ، فقال: ما فعل فلان؟ فقالوا: ابنه شكا وهو يمرضه، فأرسل إليه رسول الله ﷺ يسأله عن ابنه، فوجده قد مضى، وجاء الرجل مع رسول رسول الله ﷺ إلى رسول الله

стр. 71

صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله ﷺ : ما حسبك عنا؟ قال: إني كنت أمرضه حتى مضى. فقال رسول الله ﷺ : أتحبه؟ قال: نعم، قال: أجزعت عليه. قال: نعم، شديداً قال: فما يسرك أن يكون باركاً على باب من أبواب الجنة، يقول: يا أبه أنا ذا فأتني؟ ! قال بلى يا نبي الله، فقال المسلمون عند ذلك: يا رسول الله فمن أصابه منا مصيبة كان ذلك له. قال: نعم، إذا صبر واحتسب» . وروى ابن أبي الدنيا، في كتاب الأمراض والكفارات، «عن محمد بن خالد بن السلمي، عن أبيه عن جده ـ وكانت لجده صحبة ـ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذاسبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبره، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله » . وروى أيضاً، بإسناده، «عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في جسده، وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» . ورواه الترمزي ومالك في الموطأ. «وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: إذا وجهت إلى عبدي مصيبة، في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً، أو أنشر له ديوناً» . رواه ابن عدي في الكامل. فصل ـ في بشارة من مات ولده وصبر قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين، ثنا داود بن المحبر، ثنا سوادة بن الأسود، قال سمعت أبا خليفة العبدي، قال مات ابن لي صغير، فوجدت عليه وجداً شديداً، وارتفع عني النوم، فو الله، إني لذات ليلة في بيتي على سريري، وليس في البيت أحد غيري، وإني لمفكر في ابني إذ ناداني مناد من ناحية الباب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبا خليفة، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله، قال:

стр. 72

ـ ورعبت رعباً شديداً ـ قال: فتعوذ، ثم قرأ آيات من آخر سورة آل عمران، حتى انتهى إلى هذه الآية: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ ، قال يا أبا خليفة، قلت: لبيك، قال: ماذا تريد؟ تريد أن تخص بالحياة في ولدك دون الناس؟ ! أنت أكرم على الله أم محمد ﷺ ، وقد مات ابنه إبراهيم؟ و «قال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب» ، أم ماذا تريد؟ تريد أن يرتفع الموت عن ولدك، وقد كتب على جميع الخلق؟ أم ماذا تريد؟ تريد أن تسخط على الله في تدبير خلقه؟ والله، لولا الموت، ما وسعتهم الأرض، ولولا التأسي، ما انتفع المخلقون بعيش، ثم قال: ألك حاجة؟ قلت: من أنت، رحمك الله؟ قال: امرؤ من جيرانك من الجن. قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عبدوس، ثنا أبو هاشم، ثنا محمد بن كاسة، قال: لما مات ذر بن عمر بن ذر، وكان موته فجاة، أتاه أهل بيته يبكونه، فقال: ما لكم؟ إنا ـ والله ـ ماظلمناه، ولا قهرنا، ولا ذهب لنا بحق، ولا أخطىء بنا، ولا أريد غيرنا، ومالنا على الله متعب، فلما وضعه أبوه في قبره، قال: رحمك الله يا بني، لقد كنت بي باراً، ولقد كنت عليك حدباً وما بي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعز، ولا أبقيت علينا من ذل، وقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر، لولا هول المطلع ومحشره، لتمنيت ما صرت إليه، فليت شعري ـ يا ذر ـ ماذا قيل لك؟ وماذا قلت؟ ثم قال: اللهم وعدتني الثواب بالصبر على ذر، اللهم فعلى ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر صلة مني فلا تعرنه قبيحاً، وتجاوز عنه، فإنك أرحم به مني، اللهم قد وهبت له إساءته إلي، فأنت أجود مني وأكرم، فلما ذهب لينصرف، قال، انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك. ورواها من وجه: أن ذراً لما مات قال أصحابه: الآن يضيع الشيخ ـ يعني والده ـ فإنه كان باراً به، فسمعها الشيخ، فبقي متعجباً، ثم التفت إليهم وقال:

стр. 73

أضيع والله حي لا يموت؟ ! ثم سكت حتى دفن، فلما واروه في التراب، وقف على قبره ليسمعهم، فقال: رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرني أن أكون المقدم قلبك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، ثم رفع رأسه، وقال اللهم قد وهبت حقي فيما بيني وبينه له، اللهم فهب حقك فيما بينك وبينه له. وساق نحواً من القصة الأولى، فبقي القوم متعجبين مما جاء منهم، ومما جاء منه من الرضا والتسليم. وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلاً جزع على ولده، وشكا ذلك إلى الحسن، فقال له: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم! كانت غيبته أكثر من حضوره؟ قال: نعم، قال فأنزله غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبة خير لك فيها نفعاً أعظم من هذه. قال: يا أبا سعيد، هونت علي وجدي على ابني. وعن سلمة، قال: لما مات ابن عمر بن عبد العزيز، كشف أبوه عن وجهه، وقال: رحمك الله يا بني، فقد سررت بك يوم بشرت بك، ولقد عمرت مسروراً بك، وما أتت علي ساعة، أنا فيها أسر من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة. وقال أبو الفرج بن الجوزي: قال أبو الوفاء بن عقيل: مات ولدي عقيل وكان قد تفقه وناظر وجمع أدباً حسناً، فتعزيت بقصة عمرو بن عبد ود الذي قتله علي بن أبي طالب. فقالت أمه ترثيه: لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... ... ما زلت أبكي عليه دائم الأبد لكن قاتله من لا يقاد به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد فأسلاها وعزاها جلالة القاتل. فنظرت إلى قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان القتل والمقتول لجلالة القاتل وعظمه.

стр. 74

فصل ـ في الثواب على الولد الصغير والشيخ البالغ وفي الأحاديث والآثار أكثر ورودها في الولد الذي لم يبلغ الحنث، ولكن الولد الصالح البالغ، أشد مصيبة من والديه، وأكثر حزناً وجزعاً، منهما على الولد الصغير، خصوصاً إذا كان قد برز في العلم، أو له بر وإحسان إلى والديه وأقاربه وأصحابه، أو له صفات جميلة وأفعال حميدة. وأين يقع الولد الصغير موقع الكبير في النفع لوالديه ولغيرهما، إذا كان متصفاً بما ذكر؟ فهل يستريب عاقل أن الحزن عليه أشد؟ فكذلك أجره أعظم وأكثر. فإن قيل: البالغ قد جرى عليه القلم وهو من المكلفين، فنهايته يخلص نفسه، يعتقها أو يوبقها. قيل: الجزاء على الكبير إنما يحصل على الصبر على المصيبة والاسترجاع والحمدلة، بل هو داخل في «قول النبي ﷺ : ادخل الجنة ثواب ما أخذ منك» . وروى ابن منده، «من حديث ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة النسائي، عن حسان بن كريب، أن غلاماً منهم توفي بحمص فوجد عليه أبوه، فقال له حوشب صاحب رسول الله ﷺ : ألا أخبرك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول في مثل ابنك: إن رجلاً من الصحابة كان له ابن قد أدرك، وكان يأتي مع أبيه إلى رسول الله ﷺ ، ثم توفي، فوجد عليه قريبا من ستة أيام ... » الحديث، وهذا الحديث ذكر فيه أنه أدرك، وذكر فيه دخول الجنة ثواب ما أخذ منه، وقد تقدم من رواية الإمام أحمد، لكن لم يذكر في روايته أنه أدرك. وقد روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر بإسناده، «عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : من مات له ابن أو ولد، سلم أو لم يسلم، رضي أو لم يرض، لم يكن له ثواب دون الجنة، وفي لفظ آخر: من مات له ابن، صبر أو لم يصبر، احتسب أو لم يحتسب، لم يكن له ثواب إلا الجنة» . وقد روى ابن

стр. 75

عساكر، هذا الحديث، بعدة طرق، وإن كان قد تكلم في بعضها، أو في أكثرها، ففيها بشارة عظيمة لأكثر الناس في زماننا هذا، لأن بموت الولد، في غالب أهل زماننا، يحصل لوالديه جزع وهلع وعدم تصبر، وما ذاك إلا لقلة الزواجر الشرعية، فإن الوعد والوعيد يحصل للعبد به تسلية عظيمة، فنسأل الله تعالى أن لا يمتحنا وإن امتحننا أن يثبتنا. وقال أبو القاسم بن عساكر: «أخبرنا أبو العز أحمد بن عبد الله العكبري ببغداد أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد الوراق، أنبأ أبو حفص عمربن أيوب السقطي، ثنا أبو الوليد بشر ابن الوليد القاضي، ثنا الفرج بن فضالة، ثنا هلال أبو جبلة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً، ونحن في صفة بالمدينة، فقام علينا فقال: إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي، أتاه ملك الموت لقبض روحه، فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاًمن أمتي، قد احتوشته الشياطين، فجاء ذكر الله ، فطرد الشياطين عنه، ورأيت رجلاً من أمتي، قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته، فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي، يلتهب عطشاً، كلما دنا من حوض منع منه وطرد، فجاءه صيامه شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من أمتي، ورأيت النبيين حلقاً حلقاً، كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسله من الجنابة، فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي، من بين يديه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، وهو متحير، فجاءه حجته وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلاً من أمتي، يتقي بيده وهج النار وشررها، فجاءته صدقته، فصارت سترة بينه وبين النار، وظلاً على رأسه، ورأيت رجلاً من أمتي، يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لرحمه، فقالت: يا معشر المؤمنين، إنه كان وصولاً لرحمه، فكلموه، فكلمه المؤمنين وصافحوه، وصار فيهم، ورأيت رجلاً من أمتي، قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،
следующие страницы →