Полный текст (241 стр.). Показаны 211–241 · переход к 216.
стр. 211
والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كبيت الله وناقة الله، ورسول الله، وروح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصاً وتشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره، كبيت الله، وإن كانت البيوت كلها ملكاً لله، وكذلك ناقة الله، والنوق كلها ملكه وخلقه، ولكن هذه إضافة إلى إلاهيته تقتضي محبته لها وتشريفه، بخلاف الإضافة العامةإلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه وإيجاده، هذا خلق الله، فالعامة تقتضي الخلق والإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار، والله يخلق ما يشاء ويختار، وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة، ولا من باب إضافة الصفات.
فتأمل هذا الموضع فإنه ينفعك من التخلص من البدع، فقد ضل فيه خلق كثير، نسأل الله العصمة.
فصل ـ عن موت الأرواح والأبدان
فقد اضطربت مقالات الناس في هذا الباب، فقالت طائفة: تموت وتذوق الموت، لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت.
قالوا: وقد دل القرآن عليه بقوله: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ و ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ .
قالوا: وإن كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت.
وقال في حق أهل النار: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ فالموتة الأولى هذه المشهودة، فهي للبدن، والأخرى للروح.
وقال آخرون، لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان.
قالوا: وقد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب، وقال
стр. 212
تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين﴾ الآية هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم وذاقت الموت.
قال العلامة ابن القيم: والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً، فهي لا تموت، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب، كما صرح به في النصوص، حتى يردها الله في أجسادها، ثم ساق بعد ذلك النصوص الواردة في هذا المحل، انتهى كلامه.
فصل ـ في عذاب القبر على الروح والبدن
وهل عذاب القبر على الروح والبدن؟ أو على الروح دون البدن؟ أو على البدن دون الروح وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب، أم لا؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ بعد أن سئل عن هذه المسألة فأجاب ـ: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما تكون الروح منفردة عن البدن، منعمة أو معذبة.
وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام، وفي المسالة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث.
قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا يقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان، ولكن يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من
стр. 213
القبور، لكن هؤلاء ينكرون عذاب الأبدان في البرزخ فقط، ويقولون إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ، فإن كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معاً.
وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام وأهل الحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم، وابن مسرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول من يقر بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح.
لكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه على الروح فقط.
والثاني: أنه عليها، وعلى البدن بواسطتها.
الثالث: أنه على البدن فقط.
وقد يضم إلى ذلك قول من يثبت عذاب القبر، ويجعل الروح هي الحياة، ويجعل الفساد قول منكر عذاب الأبدان مطلقاً، وقول من ينكر عذاب البرزخ مطلقاً، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك ينكرون معاد الأبدان.
فهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان، وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد من أقوال أهل الإسلام، وإن كان قد يوافقهم عليه من هو متمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف.
والقول الثالث الشاذ: قول من يقول أن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم، ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ، لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى، وأما الأحاديث الدالة على نعيم القبر وعذابه فهي كثيرة جداً، بل لو قيل أنها بلغت التواتر في المغالبة لم يبعد ذلك، فمنها ما تقدو من أحاديث مسألة منكر ونكير، وفيها كفاية، ومنها ما لم أحط به ولم أطلع عليه، ومنها ما اطلعت عليه واختصرته للتطويل، ومنها ما أذكره للتنبيه، فقد ثبت في الصحيحين «من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان
стр. 214
في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي في النميمة، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا» .
«رواه أبو داود الطيالسي، لكن قال فيه: أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس» وباقيه كما ذكرته.
«وثبت في صحيح مسلم في حديث طويل، قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن» الحديث.
وفي صحيح مسلم أيضاً، وجميع السنن، «عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» .
وفي الصحيحين: «عن أبي أيوب، خرج النبي ﷺ ، وقد وجبت الشمس، فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها» .
وفي صحيح البخاري ومسلم: «عن عائشة، قالت: دخلت على عجوز من يهود المدينة، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت فكذبتها ولم أنعم أن أصدقها، فخرجت، ودخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله إن عجوز من عجائز يهود أهل المدينة، دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فقال: صدقت، إنهم يعذبون عذاباً يسمعه البهائم كلها قالت: فما رأيته بعد في صلاته إلا أن يتعوذ من عذاب القبر» .
قال بعض أهل العلم: ولهذا السبب، يذهب الناس بالخيل إذا مغلت إلى قبور اليهود والنصارى، فإذا سمعت الخيل عذاب القبر، أحدث لها ذلك فزعاً وحرارة تذهب بالمغل.
стр. 215
والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب، وقد تقدم في أحاديث المسألة، ما هو أبلغ من ذلك، «في قوله: فلا يزال معذباً، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» ، وهذا صريح في أن البدن يعذب في القبر.
وروى النسائي، «من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه» قال النسائي: ـ يعني سعد بن معاذ ـ.
«وفي حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : للقبر ضغطة، لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ» .
قال نافع: بلغني أنه شهد جنازته سبعون ألف ملك، لم ينزلوا إلى الأرض قط.
«وفي لفظ: منديل من مناديل سعد، خير من الدنيا وما فيها» .
فصل: في عذاب القبر حق
قال المروزي: قال الإمام أحمد: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل.
وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر! فقال: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها ونقر بها، كلما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به، إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره، قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ قلت له: وعذاب القبر حق؟ ! قال: حق، يعذبون في القبور، قل: وسمعت أبا عبد الله يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير، وأن العبد يسأل في قبره، ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ في القبر.
وقال أحمد بن القاسم: قلت يا أبا عبد الله: نقر بمنكر ونكير، وربما يروى من عذاب القبر؟ ! فقال: سبحان الله! نعم، نقر بذلك ونقول به.
قال العلامة ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم، أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ،
стр. 216
فكل من مات وهو مستحق العذاب، ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع، أو أحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور.
انتهىكلامه.
فصل ـ في أن البلي يختص البدن
ومما ينبغي أن يعلم أن البلي يختص هذا البدن المشاهد المركب، فإن هذا البدن ليس بشيء إنما هو آلة، والنظر إلى ما يؤذي الروح وينفعها.
وقد روى أبو الفرج بن الجوزي ﵀ بإسناده، قال: دخل عبد الله بن عمر ﵄ المسجد، وقد قتل عبد الله بن الزبير، فمال إلى أسماء أم ابن الزبير، فقال لها: اصبري، فإن هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله تعالى، ثم قال: وروينا عن ابن الزبير، أنه قال لأمه أسماء قبل قتله: يا أماه، إن قتلت فإنما [أنا] لحم لا يضر ما صنع بي.
وروى خالد بن معدان، قال: لما قتل هشام بن العاص يوم أجنادين، وقع على ثلمة فسدها، ولم يكن ثم طريق غيره، فلما انتهى المسلمون إليه، هابوا أن يوطئوه الخيل، فقال عمرو بن العاص: أيها الناس، إن الله قد استشهده ورفع روحه، وإنما هو جثة، فأوطئوه الخيل، ثم أوطأه هو، وتبعه الناس حتى قطعوه.
وإذا ثبت هذا، فإن الله تعالى إذا أتلف هذا البدن الترابي وأبلاه، المعرض للآفات، فإنه سيعيده بدناً لا يبلى، في حياة لا تنفد أبداً، وتبدل صعوبات التكليف بحسن الجزاء، ويعطيهم أجوراً باقية عن أعمال منقطعة، كما لا يبقى لمرارات الشعث والتكليف في أيام الإحرام، طعم عند أيام التشريق، والله تعالى الموفق.
стр. 217
الباب السابع والعشرون: في عد الشهداء وفضلهم وأنهم أرفع درجات من الصالحين
قال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ .
قال قتادة: قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : كيف يكون الحال في الجنة، وأنت في الدرجات العلى، ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ومن يطع الله﴾ في أداء الفرائض ﴿والرسول﴾ في السنن: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ ، أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالسهم.
فأعلى درجات بني آدم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وهذا ترتيب لا شك فيه، لأن الله تعالى رتبهم في الذكر، قدم الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل في المراتب والمنازل.
«وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: ما من نفس تموت، لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا، ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد» الحديث.
هذا من صرائح الأدلة في عظم فضل الشهادة.
«وعن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» .
رواه مسلم في صحيحه.
وفي صحيح مسلم أيضاً، «من حديث أنس، أن النبي ﷺ قال: من طلب الشهادة صادقاً أعطيها، ولو لم تصبه» .
стр. 218
ورواه الترمذي وصححه، «من حديث معاذ مرفوعاً، ولفظه: من سأل القتل في سبيله صادقاً في قلبه، أعطاه الله أجر الشهيد» .
ورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ.
«وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل! قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد ـ وفي رواية ـ وصاحب الهدم شهيد» .
«وعن جابر بن عتيك ﵁ أن النبي قال: الشهداء سبع، سوى القتل في سبيل الله : المطعون شهيد، والغريق شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، وصاحب الحريق شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد» .
رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وروى ابن ماجة بعضه.
قوله بجمع بضم الجيم وإسكان الميم ـ: وهي التي تموت حاملاً أو نفساء، كذا ذكره غير واحد من أهل العلم، والله أعلم.
وروى الإمام أحمد، والنسائي، «من حديث صفوان ين أمية، عن النبي ﷺ ، قال: الطاعون شهادة، والغرق شهادة، والبطن شهادة» .
وروى النسائي أيضاً، «من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: خمس، من قبض على شيء منهن فهو شهيد: المقتول في سبيل الله شهيد، والغريق في سبيل الله شهيد، والمطعون في سبيل الله شهيد والفناء في سبيل الله شهيد» .
وروى مالك في الموطأ، «عن جابر بن عبد الله ﵄ في قصة، أن النبي ﷺ قال: ما تعدون الشهادة فيكم؟ قالوا: القتل في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله» .
ثم ذكر نحو ما تقدم في السنن من حديث جابر بن عتيك.
стр. 219
وروى البخاري ومسلم «من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الشهداء خمس: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» .
قال العلامة اسماعيل التيمي الأصبهاني ـ مفسراً الحديث ـ قال: المطعون: الذي أصابه الطاعون، والمبطون الذي أصابه علة البطن.
انتهى.
وقال غيره من العلماء: للناس في تفسير علة البطن ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه الذي يموت بالاستسقاء.
والثاني: الذي يموت بالمغص الشديد ـ وهو الذي يسمونه القولنج ـ وهو مرض معروف.
والثالث: الذي يموت بالاسهال.
انتهى كلامه.
قلت: والقول الثالث هو الراجح عند أكثر أهل العلم، وبعضهم لم يحك غيره، ويحتمل ـ والله أعلم ـ أن الشهادة تعم الثلاثة أصناف المذكورة، وهو أبلغ في الكرم وسعة الفضل، والله أعلم.
ومما يؤيد هذا الاحتمال ما روى ابن حبان في صحيحه.
«من حديث سليمان بن مراد وخالد بن عرفطة، أن رسول الله ﷺ قال: من قتله بطنه لم يعذب في قبره» .
«وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل دون ماله فهو شهيد» .
رواه البخاري
وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي واللفظ له، «من حديث سعيد ابن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قيل دون أهله فهو شهيد» .
وروى النسائي مفرداً، «من حديث سويد بن مقرن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل دون مظلمته فهو شهيد» .
وروى الإمام أحمد، «من حديث ابن لهيعة، عن خالد بن أبي زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن إبراهيم بن عبد الله بن رفاعة، أن أبا محمد أخبره ـ وكان من أصحاب ابن مسعود ـ حدثه عن رسول الله ﷺ ، أنه ذكر عنده الشهداء، قال: إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته» .
«وروينا في خبر ابن عرفة مرفوعاً: أن الموت كفارة لكل مسلم» .
стр. 220
فصل: في تسلية المصاب
ومما ينبغي أن يعلم أن العبد، إذا نظر أو سمع ما تقدم في هذا الباب من تنوع الشهادة، وذكر تعدادها، حصل له تسلية بموت محبوبه، فإنه في الغالب لا بد أن يكون ناله نصيب منها، مع أني لم أحط بكل ما «ورد عن النبي ﷺ في تسمية الشهداء، وقد روي مرفوعاً: موت الغريب شهادة» .
وقد استقصينا في عد الشهداء في كتاب أحكام الطاعون.
ويكفي في البشارة ما تقدم قريباً، «من رواية الإمام أحمد مرفوعاً: إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش» ، وتقدم ما أعد الله للشهداء من حين الموت، وما لهم عند الله، وأن أرواحهم في حواصل طير خضر تأكل وتشرب في الجنة، وتسرح حيث شاءت، وكل هذا في دار البرزخ، فإذا دخلوا الجنة يوم القيامة بأجسادهم انتقلوا إلى نعيم أعلى من ذلك وأكثر منه.
قال أبو بكر القطيعي: «حدثنا بشر بن موسى، حدثنا ابن خليفة، حدثنا عوف، عن خنساء، قالت: حدثتني عمتي، قالت: قلت يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموؤودة في الجنة» وكذلك رواه بندار، عن غندر، عن عوف، فذكر مثله.
فانتقال العبد إلى الله وما عند الله، هو خير لعباده من هذه الدنيا التي خلقهم فيها، فينظر كيف يعملون، ويبتليهم بالمحن والمصائب، والشهادات، حتى يعلم الصابر منهم والجازع، ليجازي كل شخص بحسبه، فمنهم من يجازيه بالحنان، ومنهم من يجازيه بالنيران، وكل ذلك عدل منه ، لا يظلم مثقال ذرة، بل إن أدخل العبد الجنة فبرحمته وفضله، وإن أدخله النار، فبعدله وسلطانه: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ .
فله الحمد دائماً على كل حال.
فصل: في الشهادة المطلوبة: شهادة المعركة
والشهادة المطلوبة، شهادة المعركة على ما تقدم وكذلك شهادة الطاعون، فإنه قد رود في أحاديث وآثار في تمني الطاعون، ما وقع في قصة المغيرة ين شعبة أنه قال: اللهم ارفع عنا الرجز ـ يعني الطاعون ـ، فقال أبو موسى الأشعري ـ رضي
стр. 221
الله عنه ـ: أما أنا، فلا أقول هذا، ولكن أقول كما قال العبد الصالح أبو بكر الصديق ﵁ اللهم طعناً وطاعوناً في مرضاتك.
وقام أبو عبيدة خطيباً فقال: يا أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم: ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله العظيم أن يقسم له من حظه.
قال: فطعن، فمات.
وثبت في مسند الإمام أحمد، «أن النبي ﷺ قال: اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون» .
وغير ذلك من الأحاديث والآثار، التي لا تحضرني، وقد قررت ذلك في كتابنا المعروف ب أحكام الطاعون.
ولكنه لم يكن عندي حين ألفت هذا الكتاب، فإن قيل: الشهادة المطلوبة شهادة المعركة، وكذلك شهادة الطاعون، كما تقدم.
وقد ورد في بعض الأحاديث، «أن النبي ﷺ استعاذ من بعض ما عده شهادة، ففي مسند الإمام أحمد مرفوعاً: استعاذ من سبع موتات: من موت الفجأة، ومن لدغ الحية ومن السبع، ومن الغرق، ومن الحرق، ومن أن يخر على شيء، أو يخر عليه شيء، ومن الفرار من الزحف» .
«وفي المسند أيضاً مرفوعاً: اللهم إني أعوذ بك أن أموت هماً أو غماً، وأن أموت غرقاً، وأن يتخبطني الشيطان عند الموت» .
و «رواه النسائي، ولفظه: اللهم إني أعوذ بك من الهدم والتردي، والهم، والغم، والغرق، والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت بك لديغاً» .
وغير ذلك من الأحاديث.
يقال: لم يقل أحد من العلماء: إن كل شهادة مطلوبة، بل من وقع له أو لمحبوبه أو لغيره شيء، مما عده النبي ﷺ شهادة،، والشهيد ثلاثة أقسام:
أحدها: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المنقول في المعركة مخلصاً.
والثاني: شهيد في الدنيا والآخرة فقط، وهو المقتول في المعركة مرائياً.
والثالث: الشهيد في الآخرة فقط، وهو من أثبت له الشارع الشهادة، ولم يجر عليها أحكامها في الدنيا، كالغريق والحريق ومن به ذات الجنب، ونحوه، كما تقدم.
فإن قيل: لم سمي الشهيد شهيداً؟
قيل: قد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
стр. 222
أحدها: لأنه حي كما فصل تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ .
الثاني: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة.
الثالث: لأن الملائكة تشهده.
الرابع: لقيامه بشهادة الحق حتى قتل.
الخامس: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل.
السادس: لأنه شهد لله بالوجود والإلهية بالفعل لما شهد غيره بالقول.
السابع: لسقوطه بالأرض وهي الشاهد له.
الثامن: لأنه شهد له بوجوب الجنة.
التاسع: من أجل شاهده وهو دمه.
العاشر: لأنه شهد له بالإيمان وحسن الخاتمة.
فهذه عشر أقوال، من أماكن متفرقة، جمعت إليك رخيصة الأثمان، فهذه الأقوال في المخلص الذي قصد بجهاده وجه الله تعالى، والدار الآخرة، فإنه ، إذا علم قصد العبد وإخلاصه، أعانه وأغاثه، قال تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي، في جزء الثبات عند الممات، في هذا المعنى، عن علي بن الموفق، قال: سمعت حاتم الأصم يقول: لقينا الترك وكان بيننا جولة، فرماني تركي بسهم فقلبني عن فرسي، فنزل عن دابته، فقعدعلى صدري، وأخذ بلحيتي، وأخرج من خفه سكيناً ليذبحني، فوحق سيدي، ما كان قلبي عنده، ولا عند سكينه، وإنما كان قلبي عند سيدي، أنظر ماذا ينزل القضاء منه، فقلت: سيدي، قضيت علي أن يذبحني هذا؟ فعلى الرأس والعين، إنما أنا لك وملكك، فبينما أنا كذلك، وهو قاعد على صدري، إذا رماه بعض المسلمين بسهم،
стр. 223
فما أخطأ حلقه، فسقط عني، فقمت إليه، وأخذت السكين من يده، فذبحته بها.
فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند مليككم، حتى تروا عجائب لطفه.
ما لا ترون من الآباء والأمهات.
стр. 224
الباب الثامن والعشرون: في ذكر الصراط ودرجات الناس في المرورعليه
أما الصراط فهو جسر منصوب على متن جهنم، وهو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، ثبتنا الله وإياكم على المرور عليه.
وقد روى مسلم في صحيحه، «من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون، تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك: اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: فيأتون إبراهيم، فيقول إبراهيم ﵇: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى، كلمه الله تكليماً، فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى، كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى محمد، قال: فيأتون محمداً ﷺ ويؤذن له، ويرسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبي الصراط، يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق، يمر ويرجع في طرفة عين، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم ﷺ قائم على الصراط، يقول: رب سلم، رب سلم: حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجال فلا يستطع السير إلا زحفاً، قال: وفي حافة الصراط كلاليب معلقة، مأمورة، تأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفاً» .
«وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ، وذكر الصراط ومرور الناس عليه، قال: فيمر المؤمنين، كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» .
стр. 225
رواه مسلم.
«وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وذكر حديث الشفاعة: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم، اللهم سلم، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان ـ هل رأيتم شوك السعدان؟ ـ ثم قال: وإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم» الحديث.
فصل ـ في المرور على الصراط
قد سمعت ـ رحمك الله ـ فانظر إلى هذه الطريق الحرج، والمسلك الشاق، والقنطرة المضطربة، والعقبة الكؤود، التي لا تثبت عليها الأقدام، ولا تجوزها الأوهام، ولا يثبت عليه إلا من ثبته الله بالقول الثابت، وثبت قدماه يوم تزل الأقدام، ولعل من عنده تساهل وعدم توفيق، يسمع بالصراط، فيظن أن طريقه يشبه طريق الدنيا التي هي صعبة المسلك، وعرة ذات صعود ونزول، هيهات وما علم، والله إنه أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وعلى يمينه وشماله كلاليب وخطاطيف، فإذا كلفت المرور عليه وهو بهذه المثابة ـ وأعظم من ذلك أن جهنم تحتك، وقد أرعب قلبك من هول منظرها، وملأت أذنيك زفيرها ـ فهل تستطيع المرورأو النهوص أو الزحف؟ ! فإنه إذا اضطرب بك الصراط، والتهب السعير من تحتك التهاباً، ولم تجد إلى النجاة سبيلاً، ولا إلى الخلاص مقيلاً، فلا ينفعك في تلك الحال إلا سعي صالح مشكور، أو توبة نصوح من ذنب مغفور، فتخير الآن أي الأعمال أنجى لك؟ وأي الطرق معينة لك على سعيك لما ينفعك؟
وقالد روى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن وهب بن منبه، قال: وجدت في زبور داود ﵇: يا داود، هل تدري من أسرع الناس ممرا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي، وألسنتهم رطبة من ذكري.
стр. 226
الباب التاسع والعشرون: في ذكر سعة رحمة الله ومن مات على التوحيد
قال الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ وفي الصحيح «أن النبي ﷺ قال: يجيءيوم القيامة ناس من المسلمين، بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» .
وقد تقدم «في حديث أبي هريرة: لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة، خلفه الكافر في النار، لاستحقاقه ذلك بكفره» ، كما «ورد في الصحيح: هذا فكاكك من النار» .
وهذه بشارة عظيمة للمسلمين أجمعين، حتى قال الشافعي وعمر بن عبد العزيز ﵄ هذا الحديث أرجى حديث المسلمين، لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم.
وفي الصحيحين «من حديث أبي سعيد مرفوعاً، إلى أن قال فيه: فيقال أخرجوا من عرفتم.
يعني من النار ـ فتحرم صورهم عن النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً إلى أن قال: ثم يقال ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً» وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها﴾ الآية.
«فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، قال: فيخرجون كاللؤلؤ
стр. 227
في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله؟ الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقال: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تعط لأحد من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضائي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً» .
«وفي حديث أنس بن مالك وذكر فيه الشفاعة، مرة بعد مرة، وأنه ﷺ قال: في الآخرة، فأقول: رب، أي رب، أئذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: الله: وعزتي وجلالي، وعظمتي وكبريائي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» .
و «في رواية مسلم: ليس ذلك لك أو إليك» الحديث.
فصل ـ في رحمته وسعت كل شيء
«وقد أخبر الله تعالى: أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وقال: سبقت رحمتي غضبي، وغلبت رحمتي غضبي» ، فالجنة دار رحمته، والنار دار غضبه، فثبت أن الجنة ينشأ لها خلقاً في الآخرة، ويدخلها أيضاً من دخل النار أولاً، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً قط، وثبت أن النار لا يعذب أحد فيها بغير ذنب، فرحمته واسعة.
حتى إن جماعة من المفسرين، ذكروا قصة فرعون: قال جبريل: يا محمد، لو رأيتني، وأنا أدس الطين في في فرعون، مخافة أن يقول فرعون كلمة يرحمه الله بها، فهذا جبريل من أعظم رسل الملائكة، قد علم سعة رحمة الله، ففعل ذلك مخافة إدراك الرحمة له، مع أنه قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ .
فصل ـ في أن من مات موحداً داخل الجنة
ومما ينبغي أن يعلم، أن مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، أن من مات موحداً أدخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصي، كالصغير، والمجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة نصوحاً صحيحة
стр. 228
من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، ومن نشأ في عبادة الله ولم يقارف معصية أصلاً، كل هؤلاء يدخلون الجنة ولا يدخلون النار لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود.
والصحيح إن شاء الله تعالى على ما ذكره جماعة من العلماء، أن المراد بالورود، المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم، أجارنا الله من حرها وبردها.
وأما من مات من أهل المعاصي، أو له معصية كبيرة ولم يتب منها، فهو داخل تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه بمقدار ذنبه، أو القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه مطلقاً، فلا يخلد أحد في النار مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل، وهذا من أحسن ما يتسلى به من مات له قريب أو صاحب من أهل المعاصي، ومات وما يعلم هل تاب من المعاصي أم لا؟
قال أبو ذكريا النووي ﵀: وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به، على هذه القاعدة، وتواترت بهذه نصوص تحصل العلم القطعي بذلك.
انتهى كلامه.
ويؤكد ذلك ما ثبت في الصحيح، «من حديث عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» .
قال القاضي عياض: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان.
وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها.
وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، لكنه فاسق.
وقالت جماعة من العلماء: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له، وإن عذب، فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة.
قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: نحمله على أنه غفر له وخرج من النار بالشفاعة، ثم أدخل الجنة ويكون معنى قوله ﵇: دخل الجنة: أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب.
وهذا لا بد من تأويله، لما جاء في ظواهر كثيرة، من عذاب بعض العصاة.
انتهى كلامه.
ومن هذا الباب، ما ثبت في الصحيح، أن أبا الأسود الديلي، «حدثه أبو ذر،
стр. 229
قال: أتيت رسول الله ﷺ ، وهو نائم على قميص أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه، فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق.
ثلاث مرات.
ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر.
قال: فخرج أبو ذر، وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر» .
وفيه رد على الخوارج.
وعلى المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار.
«وفي رواية ل البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: أتاني جبريل، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق» .
وهو حديث أبي ذر.
وفي الصحيح «من حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار» و «في لفظ: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة» .
و «في رواية: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» و «في لفظ: من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة» .
«وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» .
«وعنه أيضاً مرفوعاً: من لقي الله، لا يشرك به شيئاً دخل الجنة» .
و «في رواية: ما من عبد، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا حرمه الله على النار» .
وزاد في صحيح البخاري ومسلم، «من حديث عبادة بن الصامت: على ما كان من عمل» .
وفي صحيح البخاري ومسلم، «من حديث أنس، أن نبي الله ﷺ ، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ، قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: يا معاذ قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: يا معاذ قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: ما من عبد، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار.
قال: أو لا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا» ، فأخبر بها عند موته تأثماً ـ يعني مخافة الإثم ـ.
وفي لفظ مسلم «من حديث
стр. 230
عبادة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار» .
«وعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ فذكره، قال: أسعد الناس بشفاعتي، من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه» .
رواه البخاري.
«وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً» .
رواه مسلم.
«وفي لفظ له: حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله» .
وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، وغالب هذه الأحاديث سردها مسلم في صحيحه في باب واحد، في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت.
لكن قال سعيد بن المسيب، عند سماعه هذه الأحاديث: إن هذا قبل نزول الفرائض والأمر والنهي.
وهذا القول عن سعيد بن المسيب ﵀ ليس بشيء.
وقال بعض العلماء: هو خطأ، لأن راوي أحد هذه الألفاظ أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، اسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة، كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها، فعلم ضعف هذا القول، والله تعالى أعلم.
وقال بعض العلماء: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها.
وهذا قول الحسن البصري.
وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، وهذا قول البخاري.
وقد تقدم في أول الباب حملها على ظاهرها، وأن مذهب السلف والخلف من الفقهاء وأهل الحديث، على أن من مات موحداً دخل الجنة، وإن كان من أهل المعاصي، وأنه داخل تحت المشيئة.
والله تعالى أعلم.
وعن أبي جعفر، قال: لما حضر أبا زرعة الموت، وعنده أبو حاتم، ومحمد بن مسلم، والمنذر بن شاذان، وجماعة من العلماء، هابوا أن يلقنوه الشهادة، فقال بعضهم
стр. 231
لبعض: تعالوا نذكر الحديث، فقال محمد بن مسلم: حدثنا الضحاك، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز، وقال أبو حاتم: حدثنا بندار، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز.
والباقون سكوت، فقال أبو زرعة: «ثنا بندار، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» .
ثم توفي في ساعته رحمة الله عليه.
وعن عبيد بن عياش، قال: لما مات النوار امراة الفرزدق، شهدها الحسن البصري، فلما سوي عليها التراب: وثب الفرزدق لينصرف، فقال للحسن: يا أبا سعيد، أما تسمع ما يقول الناس؟ قال: وما يقول الناس؟ قال: يقولون: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، يعنونك ويعنونني، فقال الحسن: ما أنا بخيرهم، وما أنت بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: يا أبا سعيد، شهادة أن لا إله إلا الله، فبكى الحسن، ثم التزم الفرزدق فقال: لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي.
стр. 232
الباب الثلاثون: في فضل الزهد في الدنيا والتسلية عنها والرغبة في الآخرة
قال الله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً﴾ فالاستمتاع بالدنيا قليل، ومتعتك بها قليل من قليل، وثواب الآخرة خير وأفضل لمن اتقى المعاصي وأقبل على الطاعات.
ومما ينبغي أن يعلم: أن هذا الباب من أنفع الأبواب لمن تدبره، فإن الدنيا دار قلعة وزوال، ومنزل نقلةو ارتحال، ومحل نائبه وامتحان، ومتاع غرور وافتتان، فلا ييأس على ما فات منها، ولا يفرح على ما وجد منها، ولا يجزع على ولد أو نفس تموت، ولا يحزن على أمر يفوت.
«عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» .
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنظر السماء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
رواه البخاري.
قال جماعة من العلماء في تفسير هذا الحديث: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تغتر بها، فإنها غرارة خداعة، ولا تتعلق إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله، وبالله فاستعن.
«وعن سهل بن سعد الساعدي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل، إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا،
стр. 233
يحبك الله، وازهد فيما عند الناس، يحبك الناس» .
رواه ابن ماجة وغيره بإسناد جيد.
ولوائح الصحة ظاهرة عليه.
«وعنه أيضاً، رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافر منها شربة ماء» .
رواه الترمذي، وقال حديث صحيح.
«وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً» .
رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وروى الترمذي أيضاً، «عن كعب بن عياض، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروى الترمذي، وحسنه وصححه، «عن عثمان، أن رسول الله ﷺ قال: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء» ـ قال ابن فارس في مجمله: وعاء الشيء جلفه ـ قال الترمذي: سمعت أبا داود يقول: سمعت النضر بن شميل يقول: الجلفة: الخبز ليس معه إدام.
وقال غيره: هو غليظ الخبز، وقال الهروي: والمراد به هنا وعاء الخبز، كالجوالق والخرج ونحوه، والله أعلم.
وفي صحيح مسلم، «عن عبد الله بن الشخير، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأ فنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» .
وفي صحيح البخاري ومسلم، من حديث أبي سعيد، قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: «إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» .
وفي صحيح مسلم، «عنه أيضاً، أن رسول الله ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة،
стр. 234
وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعلمون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» .
وفي مسلم أيضاً، «عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» .
وفي مسلم أيضاً، «من حديث جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، والناس كنفتية، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: تحبون أنه لكم؟ قالوا: والله، لو كان حياً كان عيباً أنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» .
قوله: كنفتيه أي من جانبيه.
والأسك الصغير الأذن.
«وعن شهر بن حوشب، عن عبادة بن الصامت، قال: أراه رفعه النبي ﷺ قال: يجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان منها لله ، وألقوا سائرها في النار» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وروي أيضاً، «عن عبادة بن العوام، عن هشام أو عوف، عن الحسن مرسلاً، أن النبي ﷺ قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة» .
واعلم، أنه من أحب دنياه، أضر بآخرته، ومن أحب آخرته، أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى.
«وعن الحسن مرسلاً، أن النبي ﷺ قالوا له: يا رسول الله، من خيرنا؟ قال: أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة» و «قال رسول الله ﷺ : من زهد في الدنيا، أسكن الله الحكمة قلبه، وأطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سالماً مسلماً إلى دار السلام» .
رواه ابن أبي الدنيا.
стр. 235
فصل ـ في العجب ممن يسعى لدار الغرور
ومن العجب كل العجب، يصدق بدار الخلود، وهو يسعى لدار الغرور، فمن أحبه الله حماه عن الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه عن الماء.
«وقد ورد في الحديث مرفوعاً: إن الله لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه منذ خلقها، لم ينظر إليها» .
وروى ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا: قال مالك بن دينار: قالوا لعلي ﵁: يا أبا الحسن، صف لنا الدنيا؟ قال: أطيل أم اقصر؟ قالوا: بل أقصر، قال: حلالها حساب، وحرامها النار.
وعنه أيضاً: قالوا: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا؟ قال: وما أصف لكم من دار؟ من صح فيها أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها النار.
وروي عن يونس بن عبيد، قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم، فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذ انتبه.
وقال الحسن بن علي: الدنيا ظل زائل.
وقال أبو سليمان الداراني: إذا كانت الآخرة في القلب: جاءت الدنيا تزحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب، لم تزحمها الآخرة، لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة.
وقال الأوزاعي: سمعت بلالاً بن سعيد يقول: والله لكفى به ذنباً، أن الله يزهد في الدنيا ونحن نرغب فيها، فزاهدكم راغب، ومجتهدكم مقصر، وعالمكم جاهل.
فصل ـ في أن شرور الدنيا كأحلام نوم
واعلم أن شرور الدنيا كأحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سررت يوماً أو أياماً ساءت أشهراً وأعواماً، وإن متعت
стр. 236
قليلاً منعت طويلاً، وما حصلت للعبد فيها سروراً إلا خبأت له أضعاف ذلك شروراً.
قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة وما ملىء بيت فر حاً إلا ملىء ترحاً.
قال ابن سيرين: ما من ضحك إلا يكون بعده بكاء.
وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتنا، ونحن من أعز الناس، وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس، حتى رأيتنا ونحن أذل الناس، وإنه حق على الله ، أن لا يملأ داراً حبرة، إلا ملأه عبرة.
وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت أصبحنا ذات صباح، وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا، وما في العرب أحد إلا يرحمنا.
وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوماً وهي في عزها، فقيل لها: ما يبكيك؟ فذكر أنها قالت: رأيت كثرة أهلي وسرورهم، وقلما املأت دار سروراً إلا املأت حزناً.
قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوماً فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس، إنا نجد في الكتب: أنه ليس من أهل بيت يعيشون في حبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وإن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه، ثم قالت:
فبينا نسوس الناس، والمر أمرنا ...
... إذ نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا، لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا أو تصرف
«وفي الحديث مرفوعاً: ما مثلي ومثل الدنيا، إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» .
رواه ابن أبي الدنيا
وروى أيضاً: قال عيسى ﵇: ويل لصاحب الدنيا، كيف يموت ويتركها؟ يأمنها وتغره، ويثق بها وتخذله، ويل للمغترين، كيف أرقهم ما يكرهون، وفارقهم ما يحبون، وجاءهم ما يوعدون، ويل لمن الدنيا همته، والخطايه عمله، كيف يفتضح غدا بذنبه؟ !
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن وهب بن منبه، قال عيسى ﵇: بحق أقول لكم، كما ينظر المريض إلى طيب الطعام ولا يلتذ من شدة الوجع، كذلك
стр. 237
صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها، مع ما يجد من حب الدنيا، إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك القلوب، إذا لم ترق بذكر الموت، ودأب العبادة، تقسو وتغلظ.
فصل ـ في اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً
«وثبت في الصحيح مرفوعاً: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً» .
قال أهل اللغة: القوت: ما يسد الرمق، وفيه دلالة على فضيلة التقليل من الدنيا، والاقتصار على القوت منها، والدعاء بذلك، والله أعلم، فإن الدخول في الدنيا، والميل إليها على خطر عظيم، «كما تقدم في الصحيح مرفوعاً: إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا» قال العلماء: في التحذير من الاغترار بالدنيا، والنظر إليها، والمفاخرة بها، فالدنيا، وإن أقبلت على الشخص من وجه حل، يخاف عليه الفتنة، والاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة، فإن وفق لإعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل، وصرفه في وجوه البر، كان من الفائزين، وإلا كان من الهالكين.
وقد ثبت في صحيح مسلم «عن المستورد بن شداد الفهري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ما الدنيا في الآخرة، إلا مثل مايجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما ترجع إليه» .
«وقال معاوية: سمعت ـ على هذا المنبر ـ رسول الله ﷺ يقول: إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم، كمثل الوعاء، إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله» .
وقال علي بن أبي طالب ﵁: من زهد في الدنيا، هانت عليه المصائب، ومن ارتقب الموت، سارع في الخيرات.
وقال الحسن البصري: والذي نفسي بيده، لقد أدركت أقواماً، كانت الدنيا عليهم أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه.
ثم علامة الشقاء قسوة القلب، وجمود العين، وطول الأمل، والحرص على
стр. 238
الدنيا.
وقال الفضيل بن عياش: علامة السعادة اليقين في القلب، والورع في الدنيا، والزهد في الدنيا، والحياء والعلم.
وقال الفضيل أيضاً: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالاً لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت أتجنبها كما يتجنب أحدكم الجيفة ـ إذا مر بها ـ أن تصيب ثوبه.
وقال أبو الهاشم الزاهد: خلق الله الداء والدواء، فالداء الدنيا، والدواء تركها.
فصل ـ في أن الدنيا دار ممر
حضر بعض الرؤساء صلاة الجمعة، وبه مرض لا يحتمل معه تطويل الخطبة، فصعد الخطيب المنبر، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلواته على أشرف النبياء والمرسلين، أما بعد: فإن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم، قبل أن تخرج منها أبدانكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
فما أبلغ هذه الخطبة وأفصحها، وأوجزها! فعمر الدنيا والله قصير، وأغنى غني فيها فقير، وكأني بك في عرصة الموت وقد استنشقت ريح الغربة قبل الرحيل، ورأيت أثر اليتم في الولد قبل الفراق، فتيقظ إذن من رقدة الغفلة، وانتبه من السكرة، واقلع حب الدنيا من قلبك، فإن العبد إذا أغمض عينه وتولى، تمنى الإقالة فقيل كلا.
قال أبو عمران الجوني: مر سليمان بن داود ﵉ في موكبه، والطير تظله، والجن والإنس عن يمينه وشماله، قال: فمر عابد من عباد بني إسرائيل، فقال: والله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكاً عظيماً! ! قال: فسمع سليمان كلمته فقال: تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود، وما أعطي ابن داود يذهب، والتسبيحة تبقى.
стр. 239
فصل ـ في أن هذه الدار رحلة
من بذل وسعه في التفكير التام، علم أن هذه الدار رحلة، فجمع للسفر رحلة ويعلم أن مبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطن الأمهات، ثم إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى الحشر، ثم إلى دار الإقامة الأبدية، فدار الإقامة هي دار السلام من جميع الآفات، وهي دار الخلود، والعدو سبانا إلى دار الدنيا، فنجتهد في فكاك أسرنا، ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى، وفي مثل هذا قيل:
فحي على جنات عدن فإنها ...
... منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
وليعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير ويقطع بالأنفاس، ويسير بالإنسان سير السفينة لا يحس بسيرها وهو جالس فيها، كما قيل:
إنما هذه الحياة متاع ... فالغوي الشقي من يصطفيها
مامضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
ولا بد له في سفره من زاد، ولا زاد إلى الآخرة إلا التقوى، فلا بد من تعب الشخص والتصبر على مرارة التقوى، لئلا يقول وقت السير: ارجعون، فيقال: كلا.
فليتنبه الغافل من كسل مسيره، فإن الله تعالى يريه في قطع مسافة سفره آيات يرسلها تخويفاً لعباده، لئلا يميلوا عن طريقهم المستقيم، ونهجهم القويم، فمن مالت به راحلته عن طريق الاستقامة، فرأى ما يخاف منه، فليرغب إلى الله بالرجوع إليه عما ارتكبه من السبل فيتوب من معصيته، ويبكي من قسوته، فإذا انتبه من رقدة كسله، علم أن الدنيا دار غرور طبعت على كدر.
كما روى ابن أبي الدنيا قال: أنشدني الحسن بن السكن:
حياتك بالهم مقرونة ... فما تقطع العيش إلا بهم
стр. 240
لذاذات دنياك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم
إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زلولاً إذا قيل تم
وكما قيل في المعنى:
حكم المنية في البرية جار ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ...
... صفواً من الأقذاء والأكدار
وقال بعض السلف: احذروا دار الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت، فإنهما يفرقان بين المرء وزوجه، والدنيا تفرق بين العبد وربه.
وذكر ابن أبي الدنيا هذا الأثر مرفوعاً، قال جعفر بن سليمان: سمعت مالكاً يقول: اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء ـ يعني الدنيا ـ.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده إلى الحسن البصري أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى منها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فكن كالمداوي جراحته، يحتمي قليلاً، مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء، مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة الحيالة الخداعة، التي ازينت بخدعها وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشرفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلية، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر على الأول مزدجر، ولا العارف بالله حين أخبر عنها مدكر، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد، فشغل فيها لبه حتى زالت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور، أشخصه إلى مكروه، قد وصل
стр. 241
الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر أما نيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر، ولقد عرضت على نبيك محمد ﷺ بمفاتيحها وخزائنها، فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختياراً، وبسطها لأعدائه اغتراراً.
جاءت الرواية أنه ﵎ قال لموسى ﵇: إذا رأيت الغني مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وفي آخر المخطوط التي تمت الطباعة وفقاً له ما يأتي بخط المؤلف:
علقها مؤلفاً محمد بن محمد بن محمد المنبجي الحنبلي كان الله له وسامحه بمنه وكرمه من نسخة أصله في رجب الفرد سنة سبع وسبعين وسبعمائة أحسن الله عاقبتها.
[تم]