← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21502

تسلية أهل المصائب

المنبجي

Полный текст (241 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

للإنسان، بمعنى: وأن ليس عليه إلا ما سعى. قال الشيخ: وهذا من أرذل الأقول فإنه قلب لمعنى الآية، فإنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وتمامها ﴿وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ أفترى السعي الصالح لم يدخل في هذه؟ ! وبسط القول على هذا وبين فساده، وقد ذكرنا هذه الأقوال ورتبناها مبسوطة في إهداء القرب. فصل ـ في أن الدفن بجوار الصالحين يجلب نوال بركتهم ومما يستأنس به في وصول الثواب، أنه يستحب الدفن عند الصالحين، ليناله بركتهم، ونص الإمام أحمد، على أن الميت يتأذى بالمنكر عنده. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: جنبوا الميت جار السوء. وقالت عائشة ﵂: الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته. لكن: هذان الأثران، وإن كان فيهما ضعف، ففيهما دلالة على المسألة، فإن الميت إذا تأذى بالمنكر انتفع بالخير بطريق الأولى. وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي ﷺ ، قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» فالله تعالى أحكم وأعدل من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة. والله تعالى أعلم. فصل: في استحباب القراءة عند القبر وما ورد فيها تستحب القراءة عند القبر، لأنه قد صح، عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى إذا دفن، أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. والمشهور عن الإمام أحمد، أن القراءة في المقبرة وعند القبر لا تكره، اختاره أبو

стр. 177

بكر عبد العزيز، والقاضي، وجماعة من أصحابنا، ذكره بعض أصحابنا، وعليه عمل الناس في زمننا هذا. قال في المستوعب: ولا تكره القراءة على القبر. وكان أحمد ﵀ يكرهما، ثم رجع رجوعاً أبان به عن نفسه، وقال: يقرأ، بعد أن نهى عن ذلك. ومن أصحابنا من يتمسك بكراهته أولاً، ويجعل المسألة على روايتين. ثم قال بعد ذلك: فإن أهدي إليه الثواب نفعه، انتهى كلامه. وهذا مذهب الحنفية، لكن اختلف أصحابهم هل تستحب القراءة أم تباح؟ وجهان لهم. وروي عن الإمام أحمد أن القراءة لا تكره حال الدفن دون غيره. وروي عنه الكراهة مطلقاً، اختارها الإمام عبد الوراق وأبو حفص العكبري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الكراهة نقلها الجماعة عن الإمام أحمد وهي قول جمهور السلف، وعليها قدماء أصحابه كالمروزي وغيره. وقال ابن عقيل وابن المنجا ـ تعليلاً لرواية الكراهة ـ بأنها مدفن النجاسة كالحش ونحوه. انتهى كلامهما. وذكر بعض أصحابنا، عن الخلال، أنه قال: المذهب رواية واحدة، أن القراءة عند القبر لا تكره. انتهى. لكن القراءة على القبر، ليست من فعل النبي ﷺ ولا أصحابه، والله أعلم. فصل ـ فيما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل في استحباب الدعاء للميت عقب دفنه نص الإمام أحمد، على أنه يستحب الدعاء للميت عقب دفنه. ثم قال أحمد: قد فعله علي بن أبي طالب، والأحنف بن قيس، ويروى «عن عثمان بن عفان، أنه قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» . رواه أبو داود.

стр. 178

وروى الطبراني «من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقف على القبر، بعد ما يسوى عليه التراب، فيقول: اللهم نزل بك صاحبنا، وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عندالمسألة منطقة. ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به» ويروى أن علياً ﵁ كان يقول ـ إذا سوي على الميت التراب، عند شفير القبر، بعد ما يدفن ـ: اللهم عبدك وولد عبدك، نزل بك، وأنت خير منزول به، اللهم أوسع له مدخله، واغفر له ذنبه، فإنا لا نعلم إلا خيراً، وأنت أعلم به. رواه حرب الكرماني في مسائله. وكان أنس ﵁ إذا سوى على الميت قبره، قام عليه، فقال: اللهم، عبدك نزل بك، فارأف به وارحمه، اللهم، جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، وتقبل منه بقبول حسن، اللهم، إن كان محسناً فضاعف له الحسنات، أو قال: ـ فزد له في إحسانه ـ وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه. رواه الإمام أحمد، والطبراني، وغيرهما. وذهب الشافعي أيضاً إلى استحباب الدعاء عقب الدفن. وقال أكثر المفسرين، في قوله ، في حق المنافقين: ﴿ولا تقم على قبره﴾ : معناه بالدعاء والاستغفار بعد الفراغ من دفنه، وكذلك ذكر جماعة من المفسرين: لما هم النبي ﷺ بالاستغفار لعمه أبي طالب لما مات، وهم بعض الصحابة بالاستغفار لأبويه، أنزل الله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ الآية، فلولا أن ذلك نافع للمؤمنين كما تقدم، لم يكن لذلك معنى، بل لما نهى عنه المشركين، دل على وقوعه للمؤمنين ونفعه لهم. وقال محمد بن حبيب التمار: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي،

стр. 179

وقمنا ناحية، فلما فرغ الناس من دفنه جئنا إلى القبر، فجلس ووضع يده على القبر وقال: اللهم، إنك قلت في كتابك: ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ فقرأ إلى آخر السورة، اللهم، وإنا نشهد أن هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك، اللهم، فاقبل شهادتنا له، ودعا له، ثم انصرف. فصل ـ هل يصح إهداء ثواب نوافل العبادات للمسلم الحي ؟ وهذه مسألة لا تكاد تظفر بها في كتاب مشهور، لغرابتها، فذكر ابن تميم في كتابه، فذكر وصول الثواب إلى الميت، قال: وفي الحي وجهان. وذكر لي بعض فضلاء الحنفية، أن وصول القرب إلى الحي مذهبهم، والدليل على الوصول قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم﴾ ، «وأيضاً فإن الرسول ﷺ والمسلمون، مازال يدعو بعضهم لبعض عموماً وخصوصاً، لأحيائهم وأمواتهم، من غير نكير، ولأنه مشروع في دعاء الميت إلى يوم القيامة في قوله: اللهم اغفر لحينا وميتنا» . قال القاضي أبو يعلى: وليس يعرف عن الإمام أحمد رواية في الفرق بين الحي والميت، بل ظاهر قوله يعمهما، وقد دل عليه الكتاب والسنة في الدعاء والاستغفار للتساوي فلا فرق. وقال الشيخ شمس الدين بن عبد القوي في مجمع البحرين: هذا ليس له نكير، فهو إجماع، ولا شبهة لمن قال بعدم الجواز. انتهى كلامه. وقال ابن عقيل في المفردات: إن القراءة ونحوها لا تصل إلى الحي، فإنه يفتح مفسدة عظيمة، فإن الأغنياء يتكلمون عن الأعمال ببذل الأموال التي تسهل لمن ينوب عنهم، فيفوتهم أسباب الثواب بالاتكال على الثواب، وتخرج أعمال

стр. 180

الطاعات عن بابها إلى المعاوضات. انتهى كلامه. فلو قال قائل: نحن نلتزم ذلك، لوروده في الكتاب والسنة؟ ونقول: ذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 181

الباب الرابع والعشرون: في ذكر عمارة القبور وقد اشتغل بعض أهل زماننا، ممن أصيب بموت أقاربه، ببناء قبورهم وتبليطها وتجصيصها، وبناء التربة المحتوية على القبور وتحسينها وتزويقها ويزرعونها أنواع الرياحين، ويصعدون إليها في الغالب كل خميس بالأهل والأقارب وملاذ الأطعمة وأنواعها، ويظنون أن ذلك قربة وطاعة إلى الله عزو جل، وربما يقولون: في هذه الأمور تسلية لنا عن الموتى. وما علموا أن هذه الأمور من البدع المكروهة المنهي عنها، وأن من البدع تعظيم القبور وتبليطها وتجصيصها، وبناء القباب عليها، كل هذا من البدع الذي كرهه السلف والعلماء، وهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ . وقد روى أبو داود والترمذي «من حديث جابر: أن النبي ﷺ نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه» زاد الترمذي: وأن يكتب عليه وأن يوطأ. وحسنه وصححه. ولفظ أبو داود وأن يقعد عليه. وقد بعث النبي علي بن أبي طالب ﵁ أن لا يدع تمثالاً إلا طمسه، ولا قبراً مشرفاً إلا سواه. وعن الهياج الأسدي، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ اذهب، فلا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. رواه أبو داود والترمذي. فالسنة تسوية هذه القبور المشرفة المحجرة المطينة المجصصة. وكذلك، نهى رسول الله ﷺ أن يكتب عليه، ونهى عن اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، واشتد نهيه ﷺ حتى لعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة إلى القبور، حتى نهى أمته أن يتخذوا قبره مسجداً أو عيداً.

стр. 182

وكان رسول الله ﷺ يعظ الناس عند القبور، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري ومسلم «من حديث علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فجلس وجلسنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس، وجعل ينكت بمخصرته، وقال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا وسددوا وقاربوا، وكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ الآية: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ » . «وفي الصحيح أيضاً: أنه كان يقف عند الدفن ويقول: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» . فصل ـ في أن العمارة ليست من الظاهر بل عمارة الأحياء والأموات في الباطن وليعلم، أن عمارة الأحياء والأموات ليست من خارج، «فإن النبي ﷺ قال: إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» فعمارة القلب هي العمارة النافعة، والميت في قبره كذلك، ليست بزخرفة القبر ولا التربة ولا تزويقها، وإنما العمارة بالصدقة عن ساكنها وأفعال القرب عنه، وقد تقدم هذا في الباب الذي قبله. أما علم، أن القبر الذي يزخرف ظاهره، فإن باطنه مظلم ضيق، وقد طرح فيه، من هو أحب أقاربه إليه فريداً وحيداً، مستوحشاً من غير وسادة ولا تمهيد، وقد باشر الثرى وواجه البلى، وترك دنياه بالورى، ونبذ منها ما كان بيده بالعرا، مع حبيب تركه، وقرين أسلمه، فكل ما ذكرته لك يا أخي يفطم النفوس عن الشهوات، وتعلم أن عمارة البواطن أولى من عمارة الظواهر، وهي العمارة النافعة في يوم القارعة. فإذا بحثت عن الحقيقة، ونظرت

стр. 183

بعين البصيرة، علمت أنك عن قريب صائر إلى ما صار إليه، وقادم على ما قدم عليه، فإن العبد بينما هو يمرح في أمنيته، غافلاً عن يوم مصرعه، إذ هجمت عليه المنية، فهتكت أستاره، وكسفت أنواره، وطمست أعلامه وآثاره، فأخرجته من قصر مشيد وبيت حميد، مزخرف نضيد، إلى حفرة من الأرض، كحفرة أخيه أو ولده أو غيرهما، مظلمة ضيقة الجوانب، مملوءة من الرعب والفزع، فإما هي روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، أعاذنا الله منها. قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ الموعظة؟ قال: النظر في محلة الأموات. فإذا كانت القبور النظر إليها موعظة، وهي أول منازل الآخرة، وعبرة لأهل الدنيا، فلا ينبغي التزين ولا التزخرف، ولا ما يفعله غالب الأغنياء من الأمراء والتجار، وغيرهم، من ضرب الخام والخيام وغيرهما في الترب، ووضع البسط والفرش تحت ذلك وينامون عليها، وإخوانهم تحت ذلك، على التراب في حفرة ضيقة مظلمة، فأي موعظة تعظ هؤلاء بموتاهم؟ ! بل هذه غفلة، نسأل الله تعالى السلامة منها. فصل ـ في بكاء عثمان ﵁ على القبور «وكان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ ! فقال: إن رسول الله ﷺ ، قال: إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» . «وروى الترمذي في جامعه أن النبي ﷺ ، قال: ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه» وروى الترمذي أيضاً، «من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ مصلاه، فرأى ناساً كأنهم يكتشرون، فقال: أما إنكم لو

стр. 184

أكثرتم ذكر هاذم اللذات ـ يعني الموت ـ لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلاً، أما إن كنت لأحب من مشى على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم وصرت إلي، فسترى صنيعي بك، فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم، فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه، قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في بعض، قال: ويقيض له سبعون تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض، ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه، حتى يفضى به إلى الحساب» . «قال رسول الله ﷺ : إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار» . وروى الحاكم في كتاب الكنى، والقاسم بن أصبغ، «من حديث أبي الحجاج الثمالي، قال: قال رسول الله ﷺ : يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟ ما غرك بي يا ابن آدم؟ ! فإن كان مصلحاً، أجاب عنه مجيب القبر: فيقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: إني أعود عليه خضراً ويعود جسمه نوراً، وتصعد روحه إلى رب العالمين» . وقال مجاهد: أول ما يكلم ابن آدم حفرته، تقول أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الغربة! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم فما أعددت لي؟ ! وقال أبو الدرداء ﵁: ألا أخبركم بيوم فقري؟ يوم أدخل قبري! وكان جعفر الصادق ﵁ يأتي القبور ليلاً، ويقول: يا أهل القبور، ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون؟ ثم يقول: حيل والله بينهم وبين الجواب، وكأني

стр. 185

أكون مثلهم، وأدخل في جملتهم. ثم يستقبل القبلة حتى طلوع الفجر. وقال عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ لبعض جلسائه: يا فلان، لقد أرقت البارحة تفكيراً بالقبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره، لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتاً تجول الهوام فيه، ويجري فيه الصديد، وتخرقه الديدان، مع تغير الريح وتقطع الأكفان، وكان ذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب. ثم شهق شهقة خر مغشياً عليه. وقال بعض الحكماء: أربعة أبحر لأربع: الموت بحر الحياة، والنفس بحر الشهوات، والقبر بحر الندامات، وعفو الله بحر الخطيئات، فنسأل الله العظيم أن يجعل الله القبر خير بيت نعمره ونسكنه! فصل ـ في عدم استطاعة التمييز بين السعيد والشقي في القبر واعلم، أنه لو دخل شخص إلى المقابر المزخرفة، ليميز السعيد من الشقي، ما علم هذا من هذا، وما يعلمه إلا علام الغيوب، بل قد يكون قبراً من القبور قد درست أعلامه، وقد بقي ممشى للدولاب، وصاحبه في أعلى الجنان، وقد يكون قبراً مزخرفاً، وقد عليت عليه القباب والبشخانات الحرير، وصاحبه في نار جهنم، بل نقول: لو دخل الشيخ المقابر، لم يميز قبر الذكر من الأنثى، ولا الشيخ من الشاب، ولا الحر من العبد، فإذا كان هذا التمييز الذي يمكن الشخص العاقل أن يميز بين هؤلاء في الحياة الدنيا، قد أبهم علينا بعد الموت، فكيف نميز السعيد من الشقي؟ ويشبه هذا ما روي، أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها عدة ملوك، وبادوا، فقال الإسكندر: هل بقي من نسل أولئك الملوك، أحد؟ فقيل: ما بقي منهم إلا رجل واحد يأوي المقابر، فدعا به، فلما أحضره قال له: ما حملك على لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدت الكل سواء. قال له الإسكندر: هل لك أن تتبعني، فأجيز لك بشرف آبائك، إن كانت

стр. 186

لك همة عظيمة؟ فقال: إن لي همة عظيمة بشرط: إن كانت بغيتي عندك تبعتك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب ليس معه هرم، وغنى ليس معه فقر، وسرور ليس معه حزن. قال الإسكندر: ليس ذلك عندي ولا بيدي، فقال: أي خير أرجوه عندك، إن لم يكن عندك هذه الأشياء؟ فامض لشأنك، ودعني أطلب ذلك ممن يملكه، وهو عنده. ثم عاد إلى مكانه، ولم يلتف إلى الإسكندر. كان عطاء السليمي ﵀ إذا جن الليل خرج إلى المقابر، فيقول: يا أهل القبور، متم، فوا موتاه، وعانيتم أعمالكم، فوا عملاه، ثم يقول: غداً يكون عطاء في القبور، فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح. وقال سفيان الثوري: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار. ومر علي بن أبي طالب ﵁ بالمقابر، فوقف عليها قليلاً، فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى. ثم قال: يا أهل القبور، أما الزوجات فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندك، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى. ويروى، أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز ـ رحهم الله ـ فرآه قد تغير من كثرة العبادة، فجعل يتعجب من تغير لونه واستحالة صفته، فقال: له عمر: يا ابن أخي، وما تعجبك مني؟ ! فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث؟ وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين، وتقطعت الشفتان، وتقلصت عن الأسنان، وخرج الصديد والدود من المنخرين والفم، وانتفخ البطن فعلا على الصدر، لو رأيت ذاك مني فهو أعجب مما رأيته الآن.

стр. 187

واعلم ـ رحمك الله ـ أنه من علم مصيره إلى هذه الحفرة المظلمة الموحشة، لم يبالغ في تحسين ظاهرها، مع علمه بما يؤول صاحبها، إليه، مع ترافةجسمه وحسن منظره، ولين بدنه، فإنه عن قريب سيطرح في حفرة تتقطع فيها أوصاله، وتتغير فيها أحواله، ثم ينتن بعد ذلك، ويفر من رائحته من كان عنده من أحب الناس إليه إذا اطلع عليها. فإذا نظر العبد بعين بصره وبصيرته، إلى قبور المترفين من أهل الدنيا، رأى كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا أبداً في لذاتهم وطيب عيشهم، هم والله صرعى، قد حلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء، وأصابت الهوام، في أجسادهم، فأطيبهم وأنعهم من قد أمن من عذاب الله . قال ثابت البناني: دخلت المقابر، فلما أردت الخروج منها، إذا أنا بصوت يقول: يا ثابت، لا يغرنك صموت أهلها، فكم من نفس معذبة فيها! !

стр. 188

الباب الخامس والعشرون: في أن الله يثبت الذين آمنوا عند المسألة قال الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . قال أكثر المفسرين: هي كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله في الحياة الدنيا ـ يعني قبل الموت ـ وفي الآخرة يعني في القبر ـ. وذهب بعض المفسرين إلى أن قال: في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال، وفي الآخرة: عند البعث، والأول أصح. «عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: المسلم إذا سأل في قبره، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ وفي لفظ: نزلت في عذاب القبر. يقال له: من ربك؟ فيقول ربي الله ونبيي محمد، وذلك قول الله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية» . رواه البخاري ومسلم، ورواه أحمد مطولاً، وأهل السنن والمسانيد. وراه الإمام أبو داود في سننه بأتم من هذا، «من حديث البراء أيضاً، ولفظه: قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه وقال: استعيذوا بالله القبر، مرتين أو ثلاثاً. وذكر صفة قبض الروح وعروجها إلى السماء، ثم عودها إليه، إلى أن قال: وإنه ليسمع خفق نعالهم ـ إذا ولو مدبرين ـ حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وفي لفظ فيأتيه ملكان، فيجلسانه ويقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب ﷺ وآمنت به وصدقت؟ فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال: فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها. قال: ويفسح له مد بصره. قال: وإن الكافر، فذكر موته، قال: وتعاد روحه إلى جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له:

стр. 189

ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره، حتى تختلف عليه أضلاعه، قال: ثم يقيض له أعمى أبكم، معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبل لصار تراباً، قال: فيضربه بها ضربة يسمعها بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً، ثم تعاد فيه الروح» . ورواه الطبراني بأتم من هذا. فقد اشتمل هذا الحديث على فوائد، منها: التثبيت لأهل الإسلام والإيمان الذين آمنوا بالله، وما جاء من عند الله، وصدقوا به، وآمنوا برسوله واتبعوه، ومنها الإيمان بعذاب القبر، وإعادة الروح إلى الجسد، وغير ذلك من الأمور التي لا تحضرني كما سأذكره مفصلاً بعد إن شاء الله. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عند أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، قال: يأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة. قال: نبي الله ﷺ : فيراهما جميعاً، وذكر لنا، أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، يملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون. وأما المنافق أو الكافر، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما تقول الناس فيه! فقال: لا

стр. 190

دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه إلا الثقلين» . رواه البخاري ومسلم. وقد روي من حديث البراء وحديث أنس، في قبض الروح والمسألة، ونعيم صاحب القبر وعذابه، عن أبي هريرة، وحذيفة ابن اليمان، وغيرهما. فرواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه «من حديث أبي هريرة، ولفظه: أن لنبي ﷺ ، قال: إن الميت إذا وضع في قبره، إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمناً، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات والصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه، فيأتيان من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل شماله، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: ما قبلي مدخل، فيقال اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس قد أضاءت الغروب، فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول دعوني حتى أصلي: فيقال: إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه، أرايت هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ وما تشهد به عليه؟ قال: فيقول: محمد، أشهد أنه رسول الله، جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك تموت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرور اً، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدأ منه، فيجعل نسمة في النسيم الطيب، وهو طير يعلق من شجر الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . وذكر في الكافر ضد ذلك، إلى أن قال: يضيق عليه قبره، إلى أن تختلف أضلاعه، فتلك المعيشة الضنك التي قال الله تعالى: ﴿فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ » وهذا مختصر من الحديث.

стр. 191

ورواه مسلم في صحيحه، «من حديث أبي هريرة أيضاً، أن رسول الله ﷺ ، قال: إذا خرجت روح المؤمن، تلقاها ملكان يصعدانها ـ فذكر من ريح طيبها، وذكر المسك ـ قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، قال: وإن الكافر، إذا خرجت روحه، وذكر من نتنها وذكر اللعن، فيقول أهل السماء: روح جاءت من قبل الأرض، فيقال انطلقوا به إلى آخر الأجل، قال أبو هريرة: فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه على أنفه هكذا» . و «في رواية أخرى: فيقول عبدك فلان ـ يعني المؤمن ـ فيقول أرجعوه، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، فيأتيه آت، وفي لفظ فيأتيه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير، ففي الترمذي: فيقولان، وفي غيره: فيقول من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: ربي الله. وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينتهره، فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية، فيقول كما قال، فيقول له: صدقت، ثم يأتيه آت حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: أبشر بكرامة من الله ونعيم مقيم، فيقول: وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح، كنت والله سريعاً في طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله، فجزاك الله خيراً، ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار، فيقول: هذا منزلك، لو عصيت الله، أبدلك به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقول له: اسكن، وفي لفظ: فيقال له: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه. وإن الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد، فانتزعوا روحه، كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، وينزع نفسه مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل

стр. 192

ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج بروحه من قبلهم، فإذا عرج بروحه قالوا: رب، فلان عبدك، قال: أرجعوه، فإني عهدت إليهم، أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فإنه ليسمع خق نعال أصحابه، إذا ولوا عنه، قال: فيأتيه آت، فيقول: ما دينك؟ فيقول: لا أدري! فيقال: لا دريت ولا تليت، فيأتيه آت قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم، فيقول: وأنت بشرك الله بالشر، من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً في معصية الله، فجزاك الله شراً، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة فيصير تراباً، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة، يسمعه كل شيء إلا الثقلين، قال البراء: ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له له من فرش النار» . ورواه الإمام أحمد. وروى أحمد، والحافظ ابن منده، بإسناد حسن، «من حديث البراء أيضاً، بأتم ما تقدم من حديث أبي هريرة والبراء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فانتهينا إلى القبر، فجلس فجلسنا، كأن على أكتافنا فلق الصخر، وعلى رؤوسنا الطير، فأرم قليلاً ـ والإرمام السكوت ـ فلما رفع رأسه قال: إن المؤمن، إذا كان في قبل من الآخرة، ودبر من الدنيا، وحضره ملك الموت، فجلس عند رأسه، ونزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة، وحنوط من الجنة، فجلسوا منه مد الصبر، ثم يقول ـ يعني ملك الموت ـ: اخرجي أيتها النفس الطيبة ـ وفي رواية أيتها النفس المطمئنة ـ إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج نفسه، كما تسيل القطرة من في السقاء، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين، فيأخذها وفي رواية، فإذا أخذها ـ يعني ملك الموت ـ لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها إلى السماء، فيفتح له السماء، ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية، وفي لفظ: فلا يمرون منها على ملأ من

стр. 193

الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي يسمونه بها في الدنيا، فيشيعه من كل سماء مقروبها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، إلى العرش، فإذا انتهى إلى العرش، قال الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، وفي لفظ ـ إلى مضجعه ـ فإني وعدتهم، أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه إلى جسده، فيأتيه منكر ونكير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض بأشفارهما، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا، من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: صدقت، ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: صدقت، ثم يقال: من نبيك؟ فيقول: محمد رسول الله: فيقولان: صدقت، ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: جزاك الله خيراً، وفي لفظ فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى مقعده ومنزله منها، حتى تقوم الساعة، وإن العبد الكافر، إذا كان في دبر من الدنيا وقبل من الآخرة، وحضره الموت، نزلت عليه من السماء ملائكة، ومعهم كفن من نار، وفي لفظ ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، قال: فيجلسون منه مد بصره، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه، فيقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى غضب الله وسخطه، فتتفرق روحه في جسده كراهية أن تخرج، لما ترى وتعاين، فذكر خروجها كما تقدم، ونتن ريحها، ووضعها في تلك المسوح، ولعن الملائكة لها، وغلق أبواب السماء دونها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في سجين: في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ فيأتيه منكر ونكير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان

стр. 194

الأرض بأشفارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرد الخاطف، فيجلسانه، ثم يقولان: يا هذا، من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادى من جانب القبر: لا دريت، فيضربانه بمزربة من حديد، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ... » وذكر تمام الحديث كما تقدم. ورواه أبو داود أيضاً بطوله، بنحو هذه الرواية، وأبو حاتم، وابن حبان في صحيحه، وروى النسائي، وابن ماجة أوله، ورواه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني في صحيحه، وأما ابن منده، فرواه في كتاب الإيمان بطوله، وقال: هذا إسناد متصل مشهور، ولم أذكر سنده للاختلاف فيه. قال أبو عوانة: قال زاذان الكندي: سمعت البراء، وقال غيره: لم يسمعه من البراء، والله أعلم. وفي صحيح البخاري ومسلم، «عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أحدكم، إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» . ورواه الإمام أحمد أيضاً في مسنده. فصل ـ في أن النار والخضرة في القبر ليست كمثلها في الدنيا وليعلم أن النار والخضرة التي ورد ذكرهما في القبر: كما تقدم، ليست من نار الدنيا، ولا الخضرة زرع الدنيا، وإنما هي من نار الآخرة، ومن خضرها، وهما أبلغ وأشد من نار الدنيا وخضرها، فإن من قضى الله بعذابه، فإنه يحمى عليه ذلك التراب، وتلك الحجارة التي فوقه وتحته، أو اللبن، حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيالم يحسوا بذلك، ولم يروا إلا تراباً وحجارة ولبناً، بل قد يدفن شخصان: أحدهما إلى جانب صاحبه، هذا في حفرة من حفر النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا حر هذا يصل إلى هذا، ولا نعيم هذا يصل إلى هذا، وقدرة الرب أوسع وأبلغ وأعجب من ذلك، وكل

стр. 195

ذلك حتى يحصل للمؤمنين اجتهاد وخوف من الله تعالى، ومراقبته في السر والعلانية، فينتج من ذلك مضاعفة الأجر العظيم، والثواب الجزيل، لأن ما ذكرناه هو من الإيمان بالغيب، ويعلم المؤمن أن أمامه أهوال وعقبات ـ نسأل الله السلامة ـ وما ذكرته، وإن كان من المغيبات، قد يطلع الله بعض خلقه على ما يشاء من عجائب قدرته، كما في الصحيح «أن النبي ﷺ قال: لولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» . وفي الصحيح أيضاً: «أن النبي ﷺ مر بقبرين وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ... » الحديث المشهور. قال العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الروح ـ: حدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الوزير الحراني، أنه خرج من داره بعد العصر بآمد من بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس، توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة من نار مثل كور الزجاج، والميت في وسطه فجعلت أمسح عيني وأقول: أنا نائم أم يقظان؟ ! ثم التفت، فإذا سور المدينة، قلت: والله ما أنا نائم! ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب ذلك القبر، فقالوا رجل مكاس توفي، فإذا به توفي ذلك اليوم، انتهى ما ذكره. وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور وكتاب المنامات من هذا النوع شيئاً كثيراً عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، في الخير والشر، فمن رام المطالعة فليطلب ذلك من موضعه. ومما ذكر مرفوعاً، «أن رجلاً قال للنبي ﷺ : مررت ببدر، فرأيت رجلاً يخرج من الأرض، فيضربه رجل بمقمع حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج، فيفعل به ذلك، فقال رسول الله ﷺ : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة» .

стр. 196

فصل ـ في البرزح والبحث في ماهيته قال الله تعالى: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ فالبرزخ: اسم لما بين الدنيا والآخرة، وهذه الآية دالة عليه، وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وعذاب القبر ونعيمه: اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، فجعل الله الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، ولهذا جعل الله تعالى الأحكام الشرعية على ما يظهر من حركات الإنسان والجوارح، وإن كان في النفس خلاف ما ظهر منها. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا في نعيمها وعذابها، تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، فالأرواح في البرزخ هي المباشرة للنعيم والعذاب، ثم يسري إلى أبدانها، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري على أرواحها، فالأبدان في الدنيا ظاهرة، والأبدان خفية. وإذا أردت أن تعلم ذلك فخذ في نوم الشخص في الدنيا، فإنه ينعم في حال نومه أو يعذب، فهو يجري على روحه أصلاً، والبدن تبع لها، وقد يقوى التأثير في البدن حال النوم حتى يشاهد، وهذا ـ والله أعلم ـ غالب الناس يشاهد هذا في منامه. ولقد أخبرني الشيخ نصير المقدسي ـ وكان من صلحاء أهل مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر ـ قال لي: ثلاث ليال، أرى في النوم، كأن أناساً يستعملونني بالفاعل، وأخلف منهم خوفاً شديداً، فأعمل، ثم أصبح في هذه الأيام وأنا تعبان في غاية التعب، ثم قال لي: انظر إلى يدي، فنظرت، وإذا بكفيه شلافيط كبار، فكان ينزل الفجر يقرئ الناس، فامتنع في النزول في تلك الأيام، ثم أني أرشدته إلى ذكر يقوله عند النوم، لعله أن يصرف عنه ما يجد، وربما قص علي منامات لبعض الناس، يرى أنه

стр. 197

يأكل أو يشرب، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في حال نومه، ويبطش ويضرب في الهواء، أو يدافع عن نفسه، وربما صرخ بأعلى صوته، كأنه يقظان، وهو لا شعور له بشيء من ذلك، لأن الروح استعانت بالبدن، ولو دخلت فيه لاستيقظ، وإنما مثلت لك ذلك حتى تعلم صحة ما ذكرته لك في أول هذا الفصل، والله أعلم. فصل: في عرض أعمال الأحياء على أقاربهم الأموات وينبغي للعبد، إذا تفكر بعين بصيرته، وعلم ماله إلى هذه الحفرة، وما أعد له فيها، في العبادة، ويكثر من الأعمال الصالحة، ويعلم أن عمله يعرض على أقاربه من الأموات، كما ورد في الخبر، «من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا، وإن كان غير ذلك، قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا» . رواه الإمام أحمد في مسنده. وروى ابن أبي شيبة بإسناده «عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم، فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور» . فكان أبو الدرداء يقول: اللهم أعوذ بك أن أعمل عملاً أخزى به عند عبد الله بن رواحة، فنعوذ بالله من الافتضاح بين الأقارب الصلحاء أهل طاعة الله تعالى، ثم نعوذ بالله من الافتضاح غداً، بين يدي أحكم الحاكمين، على رؤوس الخلائق، بل نسأل الله تعالى التوفيق لما يحبه ويرضاه. قال مجاهد: إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده، لتقر بذلك عينه. فصل ـ في تلقين الصغار وما قيل في التلقين عموماً وأما تلقين الصغار، فقد قال الإمام أبو عمر وبن الصلاح: أما تلقين الطفل الرضيع، فما له مستند يعتمد عليه، ولا نراه، والله أعلم. وقال النووي ﵀: الصواب أنه لا يلقن الصغير، سواء كان رضيعاً أو أكبر منه، ما لم يبلغ، إذ يصير مكلفاً، والله أعلم.

стр. 198

وقال العلامة موفق الدين في المغنى: التلقين بعد الدفن لم أجد فيه عن أحمد شيئاً، ولا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله، فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة ... الحديث المعروف. قال: ما رأيت أحداً يفعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك، ثم قال بعد كلام: وقال القاضي أبو الحطاب: يستحب ذلك. ورويا فيه، «عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: إذا مات أحدكم، فسويتم عليه التراب، فليقم أحدكم عند رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة الثانية، فيستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً، يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته؟ ويكون الله حجيجه دونهما، فقال رجل يا رسول الله، فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فلينسب إلى حواء» رواه ابن ماجة أيضاً في كتاب ذكر الموت. فصل ـ في حياة الميت في قبره والخلاف في ذلك ومن غرائب ما ذكره أبو محمد بن حزم في كتابه في الملل والنحل. قال: وأما من ظن أن الميت يحيا في قبره يوم القيامة فخطأ، لأن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك، وكان قد ذكر قبل ذلك قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ وقوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ ثم قال: ولو كان الميت يحيا في قبره، لكان تعالى أماتنا ثلاثاً، وهذا باطل وخلاف القرآن، إلا من أحياه الله آية لنبي من الأنبياء، فصح بنص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى أجسادها إلا إلى أجل

стр. 199

مسمى ـ وهو يوم القيامة ـ وأخبر يوم بدر، إذ خاطب الموتى، أنهم قد سمعوا قوله قبل أن يكون لهم قبور، ولم ينكر على الصحابة قولهم قد جيفوا. واعلم أنهم سامعون قوله مع ذلك، فصح أن الخطاب والسماع لأرواحهم بلا شك، وأما الجسد فلا حس له. وقد قال تعالى ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ فنفى السمع عمن في القبور وهي أجساد، ولم يات قط عن رسول الله ﷺ في ذلك خبر صحيح، أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة، ولو صح ذلك عنه لقلنا به، وإنما هذه رواية شاذة عن المنهال بن عمرو وحده، وليس بالقوي، تركه شعبة وغيره. وقال جماعة من الحفاظ: ما جازت للمنهال شهادة في الإسلام قط. انتهى كلامه. فهذا مضمون ما ذكره. ومن اطلع على ما قدمته من أحاديث، وآمن بها وصدقها، فليحمد الله تعالى على التوفيق لذلك، فإنه لو لم تكن هذه الأحاديث، كان إجماع الناس من أمة محمد ﷺ على إعادة الروح في الجسد لأجل المسألة، فكيف وقد صح عن النبي ﷺ ؟ ! بل قد كفانا الرسول ﷺ أمر هذه المسالة وأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرح بإعادة الروح إليه، وما كان يليق بأبي محمد بن حزم أن يجازف هذه المجازفة، وأن يقول القول بهذا الخطأ: فجوابه مردود بالنصوص الصريحة المتقدم ذكرها، وهو «قوله ﷺ : فتعاد روحه في جسده» ، بل لقد قيل: إن هذا إجماع الأمة على هذا، وأنهم تلقوه بالقبول، وأنهم مجمعون على: من رد ذلك وأنكره، إنه مخطىء، وأن تصديق ذلك من الإيمان بالبعث. ولكن إن أراد ابن حزم أن الميت لا يحيا في قبره الحياة المعهودة في الدنيا، التي يقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه، ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس، فهذا صحيح، يشهد العقل بصحة ذلك، وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة، بل تعاد الروح إليه غير الإعادة المألوفة في الدنيا، لأجل المسألة والامتحان، كما وردت بذلك النصوص الصحيحة، فهذا حق، ونفيه خطأ بين، بل نفيه باطل قادح فيمن نفاه، بل قد ورد في سنن أبي داود مرفوعاً «أن النبي ﷺ قال: ما

стр. 200

من رجل يمر بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فسلم إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇» فهذه إعادة الروح إلى الجسد أيضاً غير الإعادة المألوفة في الدنيا لأجل رد السلام، بل لو سلم على الميت في الليل والنهار مراراً عديدة، عادت روحه لرد السلام ولا يلزم من ذلك أن يحيا الحياة المعروفة. وقوله: الحديث لا يصح، لتفرد المنهال بن عمرو به، فهذه مجازفة، فإن ما قيل فيه، قال أحمد تركه شعبة. هذا مضمون ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الكلام على الرجال، ولم يذكر أن أحداً رد شهادته، والحديث صحيح لا شك فيه، وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير المنهال، منهم عدي بن ثابت، ومحمد بن عقبة، ومجاهد، وغيرهم. قال العلامة بن القيم ﵀: الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، متغايرة الأحكام: أحدهما: تعلقها به في بطن الأم. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه، بل تعاد إليه وقت المسألة، وترد إليه أيضاً وقت سلام المسلم، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب إعادة البدن قبل القيامة. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد. وهو أكمل تعلقها به، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق البتة، إذ هو تعلق لا يقبل البدن موتاً ولا نوماً ولا فساداً، والله أعلم. انتهى كلامه. فهذا العلامة ابن القيم ﵀ قد كفانا مؤنة الرد بلا تكلف.

стр. 201

قال شيخ الإسلام ابن تيمية الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح قول طائفة من الناس، وأنكره الجمهور، وقابلهم آخرون فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن مسرة وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده، والله أعلم. انتهى كلامه.

стр. 202

الباب السادس والعشرون ـ في اجتماع الأرواح وهيئاتها، وأين محلها، والخلاف في ذلك قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي﴾ وقال الله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ وقوله: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ و «قوله ﷺ : ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح» . وأما قوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ و ﴿يقوم الروح والملائكة صفا﴾ فهل هو جبريل، أو ملك آخر؟ فيه خلاف للمفسرين. وأما كلام العلماء في هذا الباب، فقد ألف الناس فيه شيئاً كثيراً، لكن على غير هذا الترتيب، فنذكر نبذة يسيرة، جامعة لكلام غالب العلماء، في مستقر الأرواح بعد الموت إلى أن تقوم الساعة، هل هي في السماء أم في الأرض؟ وهل هي في الجنة أم في النار؟ وهل تنعم في أجسادها وتعذب، أم تودع في أجساد غير أجسادها؟ أم تكون مجردة، أو تعدم بالكلية، فلا يبقى لها وجود أصلاً؟ فقد نقلوا عن العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً متبايناً، ذهب كل طائفة إلى قول نصرته ورجحته على غيره، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وهذه المسألة إنما تعرف من جهة الشرع بالسمع. فمن العلماء من ذهب إلى أن أرواح المؤمنين والشهداء في الجنة، بشرط أن لا يحسهم عنها ذنب عظيم، كمظالم العباد ونحوها، فإذا كانوا خالين من ذلك تلقاهم ربهم بالعفو والرحمة. قال الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وجماعات من السلف. قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: إن أرواح المؤمنين

стр. 203

في الجنة، وأرواح الكفار في النار. وذهبت طائفة إلى أن أرواح المسلمين على أبواب الجنة، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها. وقال أبو عبد الله بن منده: وقالت طائفة من العلماء من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله ، ولم يزيدوا على ذلك. ثم قال: وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار في بئر برهوت ـ بئر حضرموت ـ. وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وحكى ابن المبارك، عن ابن جريج، فيما قرئ عليه، عن مجاهد قال: أرواح المؤمنين في الجنة، يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت. وقال صفوان بن عمر: سألت عامر بن عبد الله، هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ قال: إن الأرض التي يقول الله: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ قال: هي الأرض التي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقال هي الأرض التي يورثها الله المؤمنين في الدنيا. وقال كعب الأحبار: أرواح المؤمنين في عليين، في السماء السابعة وأرواح الكفار في سجين، في الأرض السابعة. وروي، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أرواح الأبرار في عليين، وأرواح الفجار في سجين، وعن عبد الله بن عمر نحوه. وذهب طائفة من العلماء، إلى أن أرواح المؤمنين في بئر زمزم. ولم أطلع على دليل يدل على هذا القول. ثم قال أرباب هذا القول: وأرواح الكفار في بئر برهوت.

стр. 204

وقال سليمان الفارسي: أرواح المؤمنين تذهب حيث شاءت، كما قال مالك ـ وقد تقدم ـ وأرواح الكفار في سجين. وقال ابن قتيبة: ذهب جماعة من العلماء، إلى أن أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم. ومنهم من ذهب من أهل السنة والجماعة، إلى أن أرواح المؤمنين والكفار في القبور، وأن الروح تنعم وتعذب في القبر إلى يوم القيامة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وأن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ولهذا نهى عن الجلوس على القبر، وأمر بالسلام عليهم، وقال: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة. وذهب جماعة من العلماء إلى أن محل الأرواح ومستقرها في سماء الدنيا، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ ليلة الإسراء، أنه رأى ليلة أسري به في السماء الدنيا آدم ﵇، وعن يمينه أرواح أهل السعادة، وعن شماله أرواح أهل الشقاوة. ومن هذا الباب ما ثبت في صحيح البخاري «من حديث سمرة بن جندب ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث الرؤيا، إلى أن قال فيه، فأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، فقيل يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين» . «وفي رواية له: والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس» ، فهذا الحديث ليس هو عام في جميع الأرواح، وإنما هو خاص بأرواح الصغار، وما رأيت أحداً ذهب إلى التفرقة بين أرواح الصغار والكبار لهذا الحديث، ولا أعلم أحداً قال به، والله أعلم.

стр. 205

فصل: فيما جاء في أرواح الشهداء وغيرهم وأمكنتها وقد أشرنا إلى بعضه فيما تقدم، ولو ذكرنا كل قول، وحجج من نصره وذهب إليه، لطال الكتاب وخرج عن موضوعه، ولكن نذكر ما يسره الله تعالى من الأحاديث، فمنها ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود ـ كذا وقع في نسخ معتمد عليها، ووقع في بعض النسخ عبد الله فقط، فمن الحفاظ من يقول عبد الله بن عمرو، ومنهم من يقول ابن مسعود، والله أعلم بالصواب ـ «أن النبي ﷺ قال في الشهداء: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل» . «وفي حديث قتادة لفظ غريب. قال: أرواح المؤمنين في صورة طير بيض» . قال القاضي عياض: في هذا الحديث ذكر أرواح الشهداء، وفي حديث مالك: إنما نسمة المؤمن، لم يذكر الشهداء، والنسمة تطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً، وتطلق على الروح مفردة، وهو المراد بها في هذا الحديث، والله أعلم. وفي الحديث دلالة على أن المراد بها الروح قطعاً، فإنه قال: حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة، ولكن تارةً في هذا الحديث ذكر نسمة المؤمن، وفي اللفظ الآخر أرواح الشهداء. وقد ورد في حديث ابن عمر، أن غير الشهداء إنما يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، كما رود في النظر، في قوله تعالى في حق آل فرعون: ﴿النار يعرضون عليها غدواً وعشياً﴾ . قال القاضي عياض أيضاً، في موضع آخر: وقيل: المراد جميع أرواح المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، فيدخلونها الآن بدليل عموم الحديث. كذا ذكره النووي في شرح مسلم. وقد «ورد بلفظ آخر في صحيح مسلم، أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها» . ليس فيه ذكر أجواف الطيور. وهذا إخبار منه ﷺ عن الشهداء المؤمنين. وذكر ابن منده بإسناده، «عن اسماعيل بن طلحة بن عبد الله، عن أبيه، قال:

стр. 206

أردت مالي بالغابة، فأدركني الليل، فآويت إلى قبر عبد بن عمرو بن حزم، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها، فجئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ذاك عبد الله، ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم، فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت، وعلقها وسط الجنة؟ فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك، حتى إذا طلع الفجر، ردت أرواحهم إلى مكانهم التي كانت» . وأخبر عن أرواح قوم فرعون، أنها تعرض على النار غدواً وعشياً قبل يوم القيامة، وليس للعقول في هذا مجال، فإنه يتصرف فيها كيف شاء، وغير مستحيل أن يصور هذا الجزء طائراً، أو يجعل في جوف طائر، أو في حواصل طير، أو في قناديل معلقة بالعرش. قال العلامة ابن القيم: وهذه حياة أرواح ورزقها، والأبدان قد تمزقت. وقد فسر رسول الله ﷺ هذه الحياة، بأن أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعه فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ يفعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا. قالوا: نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. وصح عنه ﷺ الحديث من غير وجه، وفي بعض الألفاظ تعلق من ثمر الجنة وتعلق ـ بضم اللام ـ: تأكل العلقة. «وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله على رسوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ » رواه الإمام أحمد.

стр. 207

ولا أعلم أحداً ذهب إلى أن هذا النعيم المذكور، مختص بالذين قتلوا في أحد، والله أعلم. فصل ـ في بيان مستقر الأرواح واختلاف مساكنها وذهب ابن حزم وجماعات، إلى أن مستقر الأرواح، حيث كانت قبل خلق أجسادها، قال ابن حزم: وهذا الذي أخبر الله تعالى به ونبيه ﷺ لا يتعداه، وهو البرهان الواضح، قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ فصح أن الأرواح خلقها الله تعالى جملة، و «كذلك أخبر ﷺ أن: الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» ، وأخذ الله وشهادتها له بالربوبية، وهي مخلوقة مصورة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب وماء، ثم أخرها حيث شاء وهو البرزخ، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولدة من المني. إلى أن قال ابن حزم: فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر، وأنها عارفة مميزة، فإذا توفاها الله تعالى، رجعت إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله ﷺ ليلة أسري به، عند سماء الدنيا، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر، وتعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة. ثم قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي، عن اسحاق بن راهوية هذا الذي ذكرنا بعينه. ثم قال: على هذا أجمع أهل العلم، انتهى كلامه. وذكر الأدلة على ذلك، ولم يذكر خلافاً، وقد تقدم ذكر الخلاف على ذلك، وما ذكره أبو محمد بن حزم، فهو يبنى على الأصل، وهو أن الأرواح هل خلقت قبل الأجساد، أو الأجساد

стр. 208

خلقت قبل الأرواح؟. فهذه المسالة للناس فيها قولان، حكاهما شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أحدهما: ما حكاه واختاره ابن حزم، ومحمد بن نصر المروزي، وقد تقدم، وذكرنا ما استدل به. والقول الثاني: وعليه عامة السلف والخلف، أن الأجساد خلقها متقدم على الأرواح، والأدلة متظاهرة من وجوه عديدة، ليس هذا محل ذكرها، فخلق أبي البشر الذي هو أصل الناس هكذا، فإنه أرسل جبريل، فقبض قبضة من الأرض، ثم خمرها حتى صارت طيناً، ثم صوره، ثم نفخ فيه الروح بعد تصويره، وهذه قصة مشورة، قد وردت من عدة طرق، تدل على أن الله سبحانه نفخ فيه من روحه بعد أن خلق جسده. وفي الصحيح: «أن النبي ﷺ قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح» الحديث المشهور. فنفخ الملك فيه الروح هو سبب حدوث الروح فيه، ولو كان للروح وجود قبل البدن، وهي حية عالمة ناطقة، لكانت ذاكرة في هذا العالم، شاعرة به ولو بوجه ما، ومن الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها، وهي بين ملأ من الأرواح، تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها الأول، وإذا كانت بعد المفارقة، تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل، وتعلم ما كانت عليه ههنا، مع أنها التبست بالبدن أموراً عاقها عن كثير من حالها، فلأن تشعر بحالها الأول، وهي غير معوقة هناك، بطريق الأولى. والله أعلم. فصل ـ " في قوله ﷺ : الأرواح جنود مجندة " وكيفية ذلك فصل ـ في قوله ﷺ : الأرواح جنود مجندة وكيفية ذلك «في قوله ﷺ : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . فمن العلماء كابن حزم، وابن نصر المروزي وغيرهما، يقول الأرواح مجموعة أو مجتمعة، وأنواع مختلفة، فهي خلقت مجتمعة، ثم فرقت في أجسادها، فمن وافقه نسميه إلفه، ومن باعده نافره وخالفه، وقال الخطابي وغيره: هو ما

стр. 209

خلقها الله عليه من السعادة والشقاوة في المبتدأ، فالأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت، بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار. انتهى كلامه. ومن هذا الباب احتج آدم وموسى، قال الحسن: معناه التقت أرواحهما في السماء، فوقع الحجاج بينهما. قال القاضي عياض: ويحتمل أنه على ظاهره، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما. وقد ثبت في حديث الإسراء أن النبي ﷺ اجتمع بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في السموات، وفي بيت المقدس، وصلى بهم، قال: فلا يبعد أن الله أحياهم. قال: ويحتمل أن قصة موسى جرت في حياة موسى وأنه سأل أن يريه آدم فحاجه، والله أعلم. فصل ـ هل الأرواح محدثة عند خلق البدان أم قديمة وهل الأرواح مخلوقة محدثة، كائنة بعد أن لم تكن، أم قديمة؟ وهي من أمر الله، ولا يكون أمر الله مخلوقاً ولا محدثاً، وقد أخبر أنه نفخ في آدم من روحه، فهذه الإضافة إليه، هل تدل على أنها قديمة أم لا؟ وما حقيقة هذه الإضافة؟ قال العلامة ابن القيم: وهذه مسألة زل فيها عالم، وضل فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين. فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق له ـ حتى نبعت نابعة ـ فمن قصر فهمه في الكتاب والسنة زعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر الله وأمره غير مخلوق، وبأنها أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وحياته وقدرته، وتوقف في ذلك آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة. انتهى كلامه. وقال الحافظ بن مندة، لما سئل عن الأرواح، هل هي مخلوقة أم لا؟ فقال: أن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلها من النفس، فقال بعضهم: الأرواح كلها مخلوقة، وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر، واحتجت «بقوله ﷺ : الأرواح

стр. 210

جنود مجندة فمن تعارف منها ائتلف» الحديث. والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة، وقال بعضهم: الأرواح من أمر الله، أخفى الله حقيقتها وعلمها عن الخلق، واحتجت بقوله: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ ، وقال بعضهم: الأرواح نور من نور الله تعالى، وحياة من حياته. واحتجت «بقوله ﷺ : إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نور» . انتهى كلامه. وقال محمد بن نصر المروزي: تأول صنف من الزنادقة ومن الروافض في روح آدم، ما تأولته النصارى في روح عيسى، وما تأوله قوم من أن الروح انفصل من ذات الله فصار في المؤمن، فقال صنف من الزنادقة، وصنف من الروافض: إن روح آدم غير مخلوق، وتأولوا قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ وقوله: ﴿ثم سواه ونفخ فيه من روحه﴾ ثم قال بعد كلام طويل: ولا خلاف بين المسلمين، أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكونها واخترعها. انتهى كلامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: روح الآدمي مخلوقة مبدعة، باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة. وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة، غير واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، وأبو محمد بن قتيبة وغيرهما، وذكر كلاماً طويلاً وبحثاً كثيراً يطول ذكره، والله أعلم. فصل ـ في دليل إضافة الروح إلى الله وتفسير تلك الإضافة من استدل بإضافة الروح إلى الله تعالى بقوله: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ ، فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله نوعان: أحدهما: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلو والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى موصوفها، صفات له غير مخلوقة، وكذلك وجهه ويده .

стр. 211

والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كبيت الله وناقة الله، ورسول الله، وروح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصاً وتشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره، كبيت الله، وإن كانت البيوت كلها ملكاً لله، وكذلك ناقة الله، والنوق كلها ملكه وخلقه، ولكن هذه إضافة إلى إلاهيته تقتضي محبته لها وتشريفه، بخلاف الإضافة العامةإلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه وإيجاده، هذا خلق الله، فالعامة تقتضي الخلق والإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار، والله يخلق ما يشاء ويختار، وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة، ولا من باب إضافة الصفات. فتأمل هذا الموضع فإنه ينفعك من التخلص من البدع، فقد ضل فيه خلق كثير، نسأل الله العصمة. فصل ـ عن موت الأرواح والأبدان فقد اضطربت مقالات الناس في هذا الباب، فقالت طائفة: تموت وتذوق الموت، لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت. قالوا: وقد دل القرآن عليه بقوله: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ و ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ . قالوا: وإن كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت. وقال في حق أهل النار: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ فالموتة الأولى هذه المشهودة، فهي للبدن، والأخرى للروح. وقال آخرون، لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان. قالوا: وقد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب، وقال

стр. 212

تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين﴾ الآية هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم وذاقت الموت. قال العلامة ابن القيم: والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً، فهي لا تموت، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب، كما صرح به في النصوص، حتى يردها الله في أجسادها، ثم ساق بعد ذلك النصوص الواردة في هذا المحل، انتهى كلامه. فصل ـ في عذاب القبر على الروح والبدن وهل عذاب القبر على الروح والبدن؟ أو على الروح دون البدن؟ أو على البدن دون الروح وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب، أم لا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ بعد أن سئل عن هذه المسألة فأجاب ـ: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما تكون الروح منفردة عن البدن، منعمة أو معذبة. وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام، وفي المسالة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث. قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا يقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان، ولكن يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من

стр. 213

القبور، لكن هؤلاء ينكرون عذاب الأبدان في البرزخ فقط، ويقولون إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ، فإن كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معاً. وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام وأهل الحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم، وابن مسرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول من يقر بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح. لكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على الروح فقط. والثاني: أنه عليها، وعلى البدن بواسطتها. الثالث: أنه على البدن فقط. وقد يضم إلى ذلك قول من يثبت عذاب القبر، ويجعل الروح هي الحياة، ويجعل الفساد قول منكر عذاب الأبدان مطلقاً، وقول من ينكر عذاب البرزخ مطلقاً، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك ينكرون معاد الأبدان. فهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان، وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد من أقوال أهل الإسلام، وإن كان قد يوافقهم عليه من هو متمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف. والقول الثالث الشاذ: قول من يقول أن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم، ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ، لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى، وأما الأحاديث الدالة على نعيم القبر وعذابه فهي كثيرة جداً، بل لو قيل أنها بلغت التواتر في المغالبة لم يبعد ذلك، فمنها ما تقدو من أحاديث مسألة منكر ونكير، وفيها كفاية، ومنها ما لم أحط به ولم أطلع عليه، ومنها ما اطلعت عليه واختصرته للتطويل، ومنها ما أذكره للتنبيه، فقد ثبت في الصحيحين «من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان

стр. 214

في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي في النميمة، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا» . «رواه أبو داود الطيالسي، لكن قال فيه: أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس» وباقيه كما ذكرته. «وثبت في صحيح مسلم في حديث طويل، قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن» الحديث. وفي صحيح مسلم أيضاً، وجميع السنن، «عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» . وفي الصحيحين: «عن أبي أيوب، خرج النبي ﷺ ، وقد وجبت الشمس، فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها» . وفي صحيح البخاري ومسلم: «عن عائشة، قالت: دخلت على عجوز من يهود المدينة، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت فكذبتها ولم أنعم أن أصدقها، فخرجت، ودخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله إن عجوز من عجائز يهود أهل المدينة، دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فقال: صدقت، إنهم يعذبون عذاباً يسمعه البهائم كلها قالت: فما رأيته بعد في صلاته إلا أن يتعوذ من عذاب القبر» . قال بعض أهل العلم: ولهذا السبب، يذهب الناس بالخيل إذا مغلت إلى قبور اليهود والنصارى، فإذا سمعت الخيل عذاب القبر، أحدث لها ذلك فزعاً وحرارة تذهب بالمغل.

стр. 215

والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب، وقد تقدم في أحاديث المسألة، ما هو أبلغ من ذلك، «في قوله: فلا يزال معذباً، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» ، وهذا صريح في أن البدن يعذب في القبر. وروى النسائي، «من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه» قال النسائي: ـ يعني سعد بن معاذ ـ. «وفي حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : للقبر ضغطة، لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ» . قال نافع: بلغني أنه شهد جنازته سبعون ألف ملك، لم ينزلوا إلى الأرض قط. «وفي لفظ: منديل من مناديل سعد، خير من الدنيا وما فيها» . فصل: في عذاب القبر حق قال المروزي: قال الإمام أحمد: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل. وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر! فقال: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها ونقر بها، كلما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به، إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره، قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ قلت له: وعذاب القبر حق؟ ! قال: حق، يعذبون في القبور، قل: وسمعت أبا عبد الله يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير، وأن العبد يسأل في قبره، ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ في القبر. وقال أحمد بن القاسم: قلت يا أبا عبد الله: نقر بمنكر ونكير، وربما يروى من عذاب القبر؟ ! فقال: سبحان الله! نعم، نقر بذلك ونقول به. قال العلامة ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم، أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ،
следующие страницы →