← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21502

تسلية أهل المصائب

المنبجي

Полный текст (241 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله ﷺ : ما حسبك عنا؟ قال: إني كنت أمرضه حتى مضى. فقال رسول الله ﷺ : أتحبه؟ قال: نعم، قال: أجزعت عليه. قال: نعم، شديداً قال: فما يسرك أن يكون باركاً على باب من أبواب الجنة، يقول: يا أبه أنا ذا فأتني؟ ! قال بلى يا نبي الله، فقال المسلمون عند ذلك: يا رسول الله فمن أصابه منا مصيبة كان ذلك له. قال: نعم، إذا صبر واحتسب» . وروى ابن أبي الدنيا، في كتاب الأمراض والكفارات، «عن محمد بن خالد بن السلمي، عن أبيه عن جده ـ وكانت لجده صحبة ـ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذاسبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبره، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله » . وروى أيضاً، بإسناده، «عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في جسده، وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» . ورواه الترمزي ومالك في الموطأ. «وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: إذا وجهت إلى عبدي مصيبة، في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً، أو أنشر له ديوناً» . رواه ابن عدي في الكامل. فصل ـ في بشارة من مات ولده وصبر قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين، ثنا داود بن المحبر، ثنا سوادة بن الأسود، قال سمعت أبا خليفة العبدي، قال مات ابن لي صغير، فوجدت عليه وجداً شديداً، وارتفع عني النوم، فو الله، إني لذات ليلة في بيتي على سريري، وليس في البيت أحد غيري، وإني لمفكر في ابني إذ ناداني مناد من ناحية الباب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبا خليفة، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله، قال:

стр. 72

ـ ورعبت رعباً شديداً ـ قال: فتعوذ، ثم قرأ آيات من آخر سورة آل عمران، حتى انتهى إلى هذه الآية: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ ، قال يا أبا خليفة، قلت: لبيك، قال: ماذا تريد؟ تريد أن تخص بالحياة في ولدك دون الناس؟ ! أنت أكرم على الله أم محمد ﷺ ، وقد مات ابنه إبراهيم؟ و «قال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب» ، أم ماذا تريد؟ تريد أن يرتفع الموت عن ولدك، وقد كتب على جميع الخلق؟ أم ماذا تريد؟ تريد أن تسخط على الله في تدبير خلقه؟ والله، لولا الموت، ما وسعتهم الأرض، ولولا التأسي، ما انتفع المخلقون بعيش، ثم قال: ألك حاجة؟ قلت: من أنت، رحمك الله؟ قال: امرؤ من جيرانك من الجن. قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عبدوس، ثنا أبو هاشم، ثنا محمد بن كاسة، قال: لما مات ذر بن عمر بن ذر، وكان موته فجاة، أتاه أهل بيته يبكونه، فقال: ما لكم؟ إنا ـ والله ـ ماظلمناه، ولا قهرنا، ولا ذهب لنا بحق، ولا أخطىء بنا، ولا أريد غيرنا، ومالنا على الله متعب، فلما وضعه أبوه في قبره، قال: رحمك الله يا بني، لقد كنت بي باراً، ولقد كنت عليك حدباً وما بي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعز، ولا أبقيت علينا من ذل، وقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر، لولا هول المطلع ومحشره، لتمنيت ما صرت إليه، فليت شعري ـ يا ذر ـ ماذا قيل لك؟ وماذا قلت؟ ثم قال: اللهم وعدتني الثواب بالصبر على ذر، اللهم فعلى ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر صلة مني فلا تعرنه قبيحاً، وتجاوز عنه، فإنك أرحم به مني، اللهم قد وهبت له إساءته إلي، فأنت أجود مني وأكرم، فلما ذهب لينصرف، قال، انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك. ورواها من وجه: أن ذراً لما مات قال أصحابه: الآن يضيع الشيخ ـ يعني والده ـ فإنه كان باراً به، فسمعها الشيخ، فبقي متعجباً، ثم التفت إليهم وقال:

стр. 73

أضيع والله حي لا يموت؟ ! ثم سكت حتى دفن، فلما واروه في التراب، وقف على قبره ليسمعهم، فقال: رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرني أن أكون المقدم قلبك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، ثم رفع رأسه، وقال اللهم قد وهبت حقي فيما بيني وبينه له، اللهم فهب حقك فيما بينك وبينه له. وساق نحواً من القصة الأولى، فبقي القوم متعجبين مما جاء منهم، ومما جاء منه من الرضا والتسليم. وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلاً جزع على ولده، وشكا ذلك إلى الحسن، فقال له: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم! كانت غيبته أكثر من حضوره؟ قال: نعم، قال فأنزله غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبة خير لك فيها نفعاً أعظم من هذه. قال: يا أبا سعيد، هونت علي وجدي على ابني. وعن سلمة، قال: لما مات ابن عمر بن عبد العزيز، كشف أبوه عن وجهه، وقال: رحمك الله يا بني، فقد سررت بك يوم بشرت بك، ولقد عمرت مسروراً بك، وما أتت علي ساعة، أنا فيها أسر من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة. وقال أبو الفرج بن الجوزي: قال أبو الوفاء بن عقيل: مات ولدي عقيل وكان قد تفقه وناظر وجمع أدباً حسناً، فتعزيت بقصة عمرو بن عبد ود الذي قتله علي بن أبي طالب. فقالت أمه ترثيه: لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... ... ما زلت أبكي عليه دائم الأبد لكن قاتله من لا يقاد به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد فأسلاها وعزاها جلالة القاتل. فنظرت إلى قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان القتل والمقتول لجلالة القاتل وعظمه.

стр. 74

فصل ـ في الثواب على الولد الصغير والشيخ البالغ وفي الأحاديث والآثار أكثر ورودها في الولد الذي لم يبلغ الحنث، ولكن الولد الصالح البالغ، أشد مصيبة من والديه، وأكثر حزناً وجزعاً، منهما على الولد الصغير، خصوصاً إذا كان قد برز في العلم، أو له بر وإحسان إلى والديه وأقاربه وأصحابه، أو له صفات جميلة وأفعال حميدة. وأين يقع الولد الصغير موقع الكبير في النفع لوالديه ولغيرهما، إذا كان متصفاً بما ذكر؟ فهل يستريب عاقل أن الحزن عليه أشد؟ فكذلك أجره أعظم وأكثر. فإن قيل: البالغ قد جرى عليه القلم وهو من المكلفين، فنهايته يخلص نفسه، يعتقها أو يوبقها. قيل: الجزاء على الكبير إنما يحصل على الصبر على المصيبة والاسترجاع والحمدلة، بل هو داخل في «قول النبي ﷺ : ادخل الجنة ثواب ما أخذ منك» . وروى ابن منده، «من حديث ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة النسائي، عن حسان بن كريب، أن غلاماً منهم توفي بحمص فوجد عليه أبوه، فقال له حوشب صاحب رسول الله ﷺ : ألا أخبرك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول في مثل ابنك: إن رجلاً من الصحابة كان له ابن قد أدرك، وكان يأتي مع أبيه إلى رسول الله ﷺ ، ثم توفي، فوجد عليه قريبا من ستة أيام ... » الحديث، وهذا الحديث ذكر فيه أنه أدرك، وذكر فيه دخول الجنة ثواب ما أخذ منه، وقد تقدم من رواية الإمام أحمد، لكن لم يذكر في روايته أنه أدرك. وقد روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر بإسناده، «عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : من مات له ابن أو ولد، سلم أو لم يسلم، رضي أو لم يرض، لم يكن له ثواب دون الجنة، وفي لفظ آخر: من مات له ابن، صبر أو لم يصبر، احتسب أو لم يحتسب، لم يكن له ثواب إلا الجنة» . وقد روى ابن

стр. 75

عساكر، هذا الحديث، بعدة طرق، وإن كان قد تكلم في بعضها، أو في أكثرها، ففيها بشارة عظيمة لأكثر الناس في زماننا هذا، لأن بموت الولد، في غالب أهل زماننا، يحصل لوالديه جزع وهلع وعدم تصبر، وما ذاك إلا لقلة الزواجر الشرعية، فإن الوعد والوعيد يحصل للعبد به تسلية عظيمة، فنسأل الله تعالى أن لا يمتحنا وإن امتحننا أن يثبتنا. وقال أبو القاسم بن عساكر: «أخبرنا أبو العز أحمد بن عبد الله العكبري ببغداد أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد الوراق، أنبأ أبو حفص عمربن أيوب السقطي، ثنا أبو الوليد بشر ابن الوليد القاضي، ثنا الفرج بن فضالة، ثنا هلال أبو جبلة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً، ونحن في صفة بالمدينة، فقام علينا فقال: إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي، أتاه ملك الموت لقبض روحه، فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاًمن أمتي، قد احتوشته الشياطين، فجاء ذكر الله ، فطرد الشياطين عنه، ورأيت رجلاً من أمتي، قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته، فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي، يلتهب عطشاً، كلما دنا من حوض منع منه وطرد، فجاءه صيامه شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من أمتي، ورأيت النبيين حلقاً حلقاً، كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسله من الجنابة، فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي، من بين يديه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، وهو متحير، فجاءه حجته وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلاً من أمتي، يتقي بيده وهج النار وشررها، فجاءته صدقته، فصارت سترة بينه وبين النار، وظلاً على رأسه، ورأيت رجلاً من أمتي، يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لرحمه، فقالت: يا معشر المؤمنين، إنه كان وصولاً لرحمه، فكلموه، فكلمه المؤمنين وصافحوه، وصار فيهم، ورأيت رجلاً من أمتي، قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،

стр. 76

فاستنقذه من أيديهم، وأدخله في ملائكة الرحمة ورأيت رجلاً من أمتي، جاثياً على ركبتيه، وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه، فأخذ بيده فأدخله على الله ، ورأيت رجلاً من أمتي، قد هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله ، فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلاً من أمتي، خف ميزانه، فجاءه أفراطه، فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلاً من أمتي، قائم على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله ، فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي، قد هوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله ، فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قائماً على الصراط، يرعد كما ترعد السعفه في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله ، فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي، يزحف على الصراط ويحبو أحياناً، ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته علي، فأنقذته وأقامته على قدميه، ورأيت رجلا من أمتي، انتهى إلى أبواب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له أبواب الجنة، وأدخلته الجنة» . هذا الحديث قد ذكر جماعة من الحفاظ، أن لوائح الصحة ظاهرة عليه، وأن القلب يركن الى متنه، وقد أومأت إليه فيما تقدم وبكل حال، في هذا الحديث بشارة عظيمة للأمة عامة، وفيه تطيب خاطر الوالدين على الأطفال خاصة، سواء كان الطفل ولد قبل إسلام والده أو بعده، فإنه ﷺ ، قال: «رأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه» . ويؤيد ذلك، ما ثبت «أن النبي ﷺ قال: كل مولود يولد على الفطرة» . قال تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ . فالولدان الذين يتوفون على ما فطرهم الله عليه من التوحيد، هم من السعداء الذين يدخلون الجنة بلا عمل عملوه، ولا خير قدموه، بل برحمة الله لهم ومنته عليهم. بل أعظم من هذا، أنهم يشفعون في آبائهم، ولهذا يكونون في البرزخ في كفالة أبيهم إبراهيم الخليل ﵇ ـ

стр. 77

كما ثبت في الصحيح، في حديث المنام الطويل من حديث «سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ جاءه جبريل وميكائيل، فانطلقا به فأرياه عجائب، وفيه: والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس» وفي لفظ البخاري: «والولدان حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة، يبين ذلك: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ . ولهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه، فدل على إقامة الوجه للدين حنيفاً هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في نظائره مثل قوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ و ﴿سنة الله التي قد خلت﴾ ، فهو عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضماره دل عليه الفعل المتقدم، كأنه قال: كتب الله عليكم ذلك، وسن الله ذلك لكم. انتهى كلامه. وقد تكلمنا عن الأطفال، وأشبعنا الكلام فيهم، في كتاب مفرد، فمن رام كشفه فليطلبه، ولكن لا يليق التطويل بل ليس نحن بصدده بأكثر من هذا، فهذا تنبيه على الأطفال أنهم ولدوا على الفطرة، وقد ذكرنا في الفطرة نحواً من عشرة أقوال في الصنف المشار إليه، والله أعلم. فصل ـ في التأسي ببعض ما كان يفعله الصحابة والتابعون إذا نزلت بهم المصائب فقد ثبت في صحيح البخاري «عن أنس، قال: اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات وأبوه أبوطلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيأت شيئاً، وجعلت

стр. 78

ابنها في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة، قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة، قال: فبات، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج، أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي ﷺ ، ثم أخبره بما كان منها، فقال رسول الله ﷺ : لعل الله أن يبارك لهما في ليلتهما» فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن. «وفي لفظ أنها قالت لأهلها لما مات ولدها: لا يكلم لأبي طلحة أحد قبلي، فلما دخل، سأل عن الصبي، فقالت: إنه قد هدأ مماكان، وقدمت له طعاماً فأكل، ثم تصنعت له حتى واقعها، ثم قالت: يا أبا طلحة، أرأيت قوماً أودعوا قوماً وديعة، ثم طلبوها منهم، أفما يجب أن يؤدوها إليهم؟ قال بلى، قالت: فاحتسب ابنك. فغضب لما صنعت به، فلما كان الصباح، ذهب إلى رسول الله ﷺ ، يشكوها إليه، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما فجاءت بغلام حنكه رسول الله ﷺ وسماه عبد الله، وهو الذي كان من سلالته الإخوة القراء، والأول هو أبو عمير الذي كان رسول الله ﷺ يداعبه ويقول له: يا أبا عمير ما فعل النغير» أي ما فعل عصفورك. فهذه امرأة، قد تصبرت ورضيت، وتثبتت واحتسبت، فأخلف الله لها خيراً من الذي أصيبت به، فإذا نظر من أصيب بمصيبة، إلى امرأة قد فعلت عند المصيبة أمراً لا يكون إلا عند السرور والأفراح، فليتأس الشخص، وليتعلم أوصاف السابقين الأولين، ويعلم الرجال أولى بهذا الصنيع والصبر من النساء. ولم تصب امرأة في الوجود بما أصيبت به فاطمة ﵂ التي هي سيدة نساء أهل الجنة، فإنها أصيبت بموت أبيها رسول الله ﷺ ، ولم تقل في هذه الحال العظيمة إلا قولاً صدقاً محفوظاً عنها فإنها قالت: يا أبتاه، من ربه ما أدناه! يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه! يا أبتاه، أجاب رباً دعاه! يا أبتاه جنة الفردوس مأواه! فالذي ينبغي لنا، التأسي بسادات المسلمين من الرجال والنساء. مات لرجل من السلف ولداً، فعزاه سفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد، وآخرون، وهو في حزن شديد، حتى جاءه الفضيل بن عياض، فقال: يا هذا

стр. 79

أرأيت لو كنت في سجن وابنك، فأفرج عن ابنك قبلك، أما كنت تفرح؟ قال: بلى! قال: فإن ابنك، خرج من سجن الدنيا قبلك، قال فسري عن الرجل، وقال تعزيت. رواه الحافظ ابن عساكر. وقال مالك: إنه بلغه «عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما يزال المؤمن يصاب في ولده وخاصته، حتى يلقى الله وليست عليه خطيئة» . وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، من حديث أبي موسى الأشعري. والمقصود أن من سمع بهذا الحديث وكان قد أصيب بمصيبة حصل له تسلية. ومن التأسي بمن أصيب في نفسه، فصبر، وعزى نفسه، وتكلم بما حفظ عنه: لما حضرت معاوية الوفاة قال: أقعدوني، فأقعدوه، فجعل يذكر الله ويسبحه، ثم قال: الآن تذكر ربك يا معاوية، بعد الانحطام والانهزام؟ ألا كان ذلك وغصن الشباب ريان؟ ! وبكى حتى علا بكاؤه، ثم قال منشداً: هو الموت لا منجا من الموت، والذي ... أحاذر بعد الموت، أدهى وأفظع ثم قال اللهم يا رب ارحم الشيخ العاصي والقلب القاسي، اللهم أقل العثرة واغفر الزلة وجد بحلمك، على من لا يرجو غيرك، ولا يثق بأحد سواك، ثم قال لابنه: يا بني، إذا وافاني أجلي، فاعمد إلى المنديل الذي في الخزانة، فإن فيها ثوباً من أثواب رسول الله ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره، فاجعل الثوب مما يلي جسدي، واجعل أكفاني فوقه، واجعل القراضة في فمي وأنفي وعيني، فإن نفعني شيء فهذا، فإذا وضعتموني في قبري، فخلوا معاوية وأرحم الراحمين. ولما حضرت أبا هريرة ﵁ الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: يبكيني بعد السفر، وقلة الزاد، وضعف اليقين، والعقبة الكؤود التي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار. ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: اللهم أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت،

стр. 80

فإن غفرت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت، لا إله إلا أنت. وقال سليمان التيمي: دخلت على بعض أصحابنا وهو في النزع، فرأيت من جزعه ما ساءني، فقلت له: هذا الجزع كله، لماذا، وقد كنت بحمد الله على حالة صالحة؟ ! فقال: ومالي لا أجزع؟ ومن أحق مني بالجزع؟ والله، لو أتتني المغفرة من الله ، لأهمني الحياء منه فما أفضيت به إليه. ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، جعل يقول: والله لوددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها، ولم أل. وذكر محمد الطائي الهمذاني في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين، ذكر بإسناده إلى المزني، قال: دخلت على الشافعي ﵀ في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء فعلي ملاقياً، وبكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، فو الله ما أدري أروحي تسير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ! ثم بكى وأنشد: فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي، فلما قرنته ... بعفوك ربي، كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفومن الذنب، لم تزل ... ... تجود، وتعفو منة وتكرما فلولاك، لم يقو بإبليس عالم ... ... وكيف، وقد أغوى ضعيفك آدما؟ وقال بعض الصالحين لخادمه، وقد حضرته الوفاة: يا غلام، شد كتافي، وعفر خدي في التراب، ففعل الغلام به ذلك، ثم قال: دنا الرحيل، ثم قال: اللهم لا براءة لي من ذنب، ولا عذر أعتذر به، ولا قوة فأنتصر بها ثم قال: أنت لي، أنت لي، ثم صاح صيحة، فمات فسمعوا صوتاً يقول: اشتكى العبد لمولاه، فقبله. فصل ـ في البشارات الهائلة لمن أصيب بمصيبة وإن لم تكن في ولده ومن المطالب العالية، والبشارات الهائلة، لمن أصيب بمصيبة، وقد تقدم غالبه، ثم نذكر من لم يقدم من ولده شيئاً.

стр. 81

قال الإمام أحمد: «ثنا بهز ثنا حماد بن سلمة، ثنا يعلى بن عطاء، عن شيخ من أهل دمشق، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : خمس بخ بخ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يموت للرجل فيحتسبه» . وقد روي هذا الحديث بعدة طرق، «عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، عن الحشحاش العنبري وهو صحابي، بنحو من هذا، لكن بلفظ: بخ بخ لخمس، ما أثقلهن في الميزان» ، ورواه ابن سعد في الطبقات من «حديث سلام الاسود، ولفظه كما تقدم، وفيه والولد الصالح، يتوفى للمرء المسلم، فيحتسبه» ورواه ابن أبي عاصم. وقال أبو القاسم بن عساكر: قرأت على أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي، «عن أبي بكر أحمد بن علي الحافظ، أنبأ الحسن بن أبي بكر أنبأ أبو الحسين أحمد بن عثمان، ثنا ابن أبي العوام، ثنا أبي، ثنا إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثني أبي عن أبيه كهيل، عن هانئ ابن بنت الحضرمي، ثنا عبد الله بن عباس، قال: توفي ابن لصفية بنة عبد المطلب، فبكت عليه فقال لها رسول الله ﷺ : تبكين يا عمة؟ ! من توفي له ولد في الإسلام كان له بيت في الجنة» ، فسكتت. وفي صحيح البخاري «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفية من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة» . وقال الترمذي في جامعه: «حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وأبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، قالا: ثنا عبد ربه بن بارق، قال: سمعت جدي أبا سماك بن الوليد يحدث، أنه سمع عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من كان له فرطان من أمتي، أدخله الله بهما الجنة. فقالت عائشة ﵂: فمن كان له فرط من أمتك. قال: ومن كان له فرط يا موفقة. قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي» . قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق.

стр. 82

وقد روى عنه غير واحد من الأئمة. قال الحافظ الضياء: عبد ربه ابن بارق، تكلم فيه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: ما به بأس. وقد روينا في جزاء ابن عرفة مرفوعاً: الموت كفارة لكل مسلم. والمقصود أن من لم يصب في أولاده، أو لم يكن له أولاد، فالنبي ﷺ فرطه، لكن أهل المصائب أيضاً يشاركونهم في النبي ﷺ ، فيحصل لهم أجر من جهتين، وقد يحصل للشخص أجر من جهات عديدة من موت وحريق ونهب وغير ذلك، مما يكفر الله به السيئات ويرفع به الدرجات.

стр. 83

الباب السابع: في ذكر السقط وثوابه، وزيارة القبور قال الإمام أحمد: «حدثنا عفان، ثنا خالد الطحان، ثنا يحيى التميمي، عن عبد الله بن مسلم، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة، إذا احتسبته» . ورواه ابن ماجه أيضاً، والدرامي من حديث يحيى بن عبد الله التميمي به. «وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله: إن السقط، ليراغم ربه ، إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربه، ادخل أبويك الجنة» . رواه ابن ماجة. وروى ابن ماجة أيضاً، «من حديث يزيد بن رومان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي» . ورواه عبد الله بن الإمام أحمد. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة، نودي في أطفال المسلمين، أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم. ثم ينادي، أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: يا ربنا، ووالدنا معنا، فينادي فيهم الثانية، أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: يا ربنا، ووالدنا معنا. قال: فيتبسم الرب جل وعلا في الرابعة، فيقول: ووالداكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، فيدخلونهم الجنة، لهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم الذين في بيوتكم» . رواه ابن شاهين، والحافظ ابن عساكر في ذكر ثواب السقط.

стр. 84

وروي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، ثنا محمد بن أبي الوزير، ثنا خلاد بن منصور الواسطي، ثنا داود بن أبي هند، قال: رأيت في المنام، كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يدعون إلى الحساب، قال: فقربت إلى الميزان، فوضعت حسناتي في كفة وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فينا أنا كذلك مغموم، إذ أتيت بشيء كالمنديل، أو كالخرقة البيضاء، فوضعت مع حسناتي، فرجحت على السيئات، فقيل: تدري ما هذه؟ قلت: لا، قال: سقط كان لك، قلت: فإنه قد مات لي صبية ابنة لي: تيك ليست لك، لأنك كنت تتمنى موتها. وروى يزيد بن أبي مريم، عن أبيه عن سهل الحنظلية الأنصاري ـ وكان ممن بايع تحت الشجرة ـ وكان لا يولد له، أنه قال: لأن يولد لي ولو سقط، فأحتسبه، أحب إلي من الدنيا جميعاً. فصل ـ في زيارة القبور وحكمها زيارتها مستحبة، وهي تذكر الآخرة، وتفرح الموتى، بما يحصل لهم من الأحياء، من قراءة واستغفار ودعاء وصدقة ونحو ذلك، فزيارة القبور فيها نفع للأحياء والأموات، فالحي يذكر الآخرة، والموت الذي ما ذكر في قليل من متاع الآخرة إلا كثره، ولا في كثير من متاع الدنيا إلا قلله، ويقرأ على نفسه آيات الصبر وقصر الأمل مثل قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ... ﴾ . وقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ . وفي صحيح البخاري «من حديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» . وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.

стр. 85

فإذا تذكر ذلك، حصل له الخشوع والإقلاع، وتذكر من سلف من الأهل والأقارب، هذا في الزيارة النافعة، لا كما يفعل في زماننا هذا، من البدع في الزيارة يوم الخميس والسبت، فتتزين النساء، ويتبهرجن ويجلسن على القبور. وقد نهى في سنن أبو داود «من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص على جلده، خير له من أن يجلس على قبر. وقال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» . لكن اختلف العلماء في الجلوس ما هو؟ فأكثر العلماء على أنه الجلوس المعروف. وقال مالك: هو التغوط عليها. وروي في الموطأ: أن علياً كان يتوسد القبور ويضطجع عليها، وأن ابن عمر كان يجلس على القبور، وأن عثمان بن حكيم قال: أخذ خارجة ابن زيد بيدي فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت، أنه قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليها. والمقصود أن النساء يخرجن إلى المقابر، وتحضر الشباب الفسقة، فيجلسون على سكك المقابر، ويختلطون بهم في الغالب، وربما تصعد السوقة بملاذ المأكل وغيرها للبيع والشراء، وربما تحدثوا بما لا يليق. فهؤلاء، قبحهم الله تعالى، وأبعدهم عن بابه، وختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، لأنهم يشاهدون منازل الآخرة ـ يعني المقابر ـ وهم معرضون عما يراد بهم. وقد نص الإمام أحمد ﵀ على أن الموتى يتأذون بفعل المعصية عندهم. وفي زماننا هذا تفعل المعاصي في الترب، فيحصل للموتى الأذى بذلك، كما نص أحمد علىذلك لأنهم ـ رحمهم الله تعالى ـ قد تيقنوا شؤم عاقبة الذنب، وعاينوا عين اليقين، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. ونص الإمام أحمد: على أن الزيارة للقبور يوم الجمعة قبل طلوع الشمس، فإن الاموات يرون زائرهم. وقال الغزالي في إحياء علوم الدين: الزيارة تكون يوم الجمعة، ويوم السبت قبل طلوع الشمس.

стр. 86

ويستحب الإكثار من ذكر الموت، كما ثبت في الترمذي وحسنه «من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أكثروا ذكر هاذم اللذات» . ـ يعني الموت ـ. ويستحب للشخص، إذا دخل المقابر، أن يسلم على أهل المقابر، كما ثبت في صحيح مسلم «عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» . وفي صحيح مسلم «من حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا من المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» نسأل الله لنا ولكم العافية. وفي صحيح مسلم أيضاً، «من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين» الحديث. وروى الإمام أحمد، «عن أبن عباس ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» . ورواه الترمذي، وهذا لفظه، وقال: حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجة، «من حديث عائشة ﵂ ولفظه: السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» . «وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي، فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً» رواه مسلم.

стр. 87

وللإمام أحمد والنسائي: نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد فليزر، ولا يقول هجراً. «وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ استأذنت ربي، أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي» . رواه مسلم. وفي لفظ له: «زار قبرها، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي، أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» . «وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» . رواه الإمام أحمد. ورواه ابن ماجة، «من حديث ابن مسعود، وفيه: فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» . ورواه أحمد أيضاً، «من حديث أبي سعد مرفوعاً، وفيه: فزوروها، فإن فيها عبرةً» . وفيه دليل لمن جوز زيارة القبور للنساء. وللعلماء فيها ثلاثة أقوال: أحدها: تحريمها عليهن، لحديث لعن الله زوارات القبور. الثاني: يكره. والثالث: يباح، لما تقدم، فالنساء يدخلن في خطاب الرجال على الصحيح عند الأصوليين. «وعن عائشة ﵂ قالت: ألا أحدثكم عن رسول الله ﷺ وعني؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي، التي كان رسول الله ﷺ فيها عندي، وضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رويداً، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويداً، وجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري،

стр. 88

ثم انطلقت على أثره، حتى أتى البقيع، فقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف، فانحرفت، فأسرع، فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر، فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: مالك يا عائش حشياء رابيةً؟ قلت: لا شيء، قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ ! قلت: نعم! فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم! قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت، فناداني، فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي: السلام على أهل الديار، من المسلمين والمؤمنين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله للاحقون» رواه مسلم.

стр. 89

الباب الثامن: في تطييب خاطر الوالدين على الأولاد قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ وقد ذكر البغوي في تفسيره بإسناده، «عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: أن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ النبي ﵌: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ » . ففي هذه الآية والحديث، دليل على تطييب خاطر الوالدين على أطفالهم، وهذا الذي ينبغي، أن يطيبوا أنفسهم، ويقروا أعينهم، فإنهم، وإن كانوا كباراً، فهم من أهل التوحيد والإسلام، وإن كانوا صغاراً، فهم ممن: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، لأنهم ماتوا على الفطرة السليمة، وهم من السعداء الذين يدخلون الجنة بلا عمل عملوه، ولا خير قدموه، بل رحمة الله ومنته عليهم، ولهذا يكونون في برزخهم في كفالة أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، إمام الحنفاء ـ كما في دعاء الميت إذا كان صغيراً: واجعله في كفالة إبراهيم. وكما ثبت في صحيح البخاري «من حديث سمرة بن جندب ـ وقد تقدم ـ عن النبي ﷺ في حديث المنام قال فيه: فأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال وأولاد المشركين» ، و «في رواية للبخاري أيضاً والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله أولاد الناس» . «وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 90

رسول الله ﷺ : ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جزع؟ !، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ » الحديث: رواه البخاري ومسلم، ولفظه للبخاري. وقال أبو بكر القطيعي: «حدثنا بشر بن موسى، ثنا ابن خليفة، ثنا عون عن خنساء، قالت حدثتني عمتي، قالت: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة» . وكذلك رواه بندار، عن غندر، عن عوف، فذكر مثله وقال الفراء في كتاب معاني القرآن: عند قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين﴾ ، قال علي ﵁: هم الولدان. قال الفراء: وهو شبيه بالصواب، لأن الولدان لم يكتسبوا ما يرتهنون به. وفي قوله تعالى: ﴿يتساءلون * عن المجرمين﴾ ما يقوي أنهم الولدان، لأنهم لم يعرفوا الذنوب، فلهذا يقولون: ﴿ما سلككم في سقر﴾ ولكن روى العقيلي بإسناده عن علي ﵁ في قوله تعالى ﴿إلا أصحاب اليمين﴾ قال هم أطفال المسلمين، فظاهر هذه الرواية التخصيص بهذه الأمة، والرواية الأولى عامة في كل مولود. وقال البغوي في تفسيره ﴿إلا أصحاب اليمين﴾ : اختلفوا فيهم، فعن علي أنهم أطفال المسلمين، وهذا يوافق ما رواه العقيلي عنه، ولم يحك عنه خلافه، ثم قال: وعن ابن عباس ﵄ أنهم الملائكة. وقال مقاتل: هم الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق. وعنه أيضاً: هم الذين

стр. 91

أعطوا كتبهم بأيمانهم. وعنه أيضاً: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم. وقال الحسن: هم المسلمون المخلصون. وحكى القرطبي في تفسيره في هذه الآية الكريمة، أقوالاً كثيرة، ولم يذكر أنهم لا أطفال المسلمين ولا المشركين، إلا أنه ذكر في آخر كلامه عن الفراء أنه قال: هم الولدان، لأنهم لا يعرفون الذنوب. وقد حكيت قول الفراء قريباً، وأنه أسنده إلى علي ﵁ لكن حكى القرطبي في غير هذا الموضع: أن الأطفال إن ماتوا صغاراً فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال، لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ . ثم أعادهم في صلب آدم، بعد أن أقروا له بالربوبية، ثم يكتب العبد في بطن أمه، شقياً أو سعيداً، على الكتاب الأول. فصل ـ في معنى الفطرة التي نشأعليها كل مولود من بني آدم من ذكر وأنثى قال الله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وقال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» . وقد قدمنا في ذلك كلاماً مختصراً، ولكن نبين معنى الفطرة لغة وإعراباً. قال أبو البقاء في إعرابه: فطرة الله، أي: الزموا واتبعوا دين الله التي خلق الناس عليها. انتهى كلامه. وقال الطبري: فطرة الله مصدر، المعنى: فأقم وجهك، لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك. وقال النحاس: سميت الفطرة ديناً، لأن الناس يخلقون له. وفطر الناس عليها أي لها.

стр. 92

وكذلك معنى قول الزجاج. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فطرة الله، أضافها إليه على الوجه الممدوح، ولهذا نصبت على المصدر الذي دل عليه الفعل عند سيبويه، وقد تقدم كلامه ﵀ قريباً. وقال أبو عمر بن عبد البرفي التمهيد: الفطرة في كلام العرب البداءة. انتهى فصل ـ في اختلاف العلماء في معنى الفطرة وقد اختلف بعض العلماء والمفسرون، في المعنى المراد بالفطرة، على أقوال: أحدهما: أن المراد بالفطرة: الإسلام، قاله أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد، ولما ذكر ابن عبد البر النزاع في هذه المسألة في التمهيد قال: وقال آخرون: الفطرة ها هنا الإسلام، قال: وهو المعروف عند عامة الناس وأهل التأويل، ثم قال: وأما قوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ فقد أجمعوا على أن قالوا: دين الإسلام. وليس كما قال: فإن القرطبي وغيره من المفسرين ذكروا في الآية أقوالا كثيرة: قال القرطبي: وفي معنى الفطرة أقوال متعددة منها دين الإسلام، وهو المعروف عند عامة السلف، ثم قال: ومعنى هذا أن الطفل خلق سليماً من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه. وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا فهم في الجنة، أولاد مسلمين كانوا، أو أولاد كفار. وقال النقاش في تفسيره: وقد اختلف أهل التأويل والأخبار في الفطرة فقيل: على ملة إبراهيم ثم ذكر قريباً مما ذكره القرطبي وقد احتج من نصر هذا القول «بحديث أبي هريرة مرفوعاً ما من مولود يولد إلا على الفطرة» . واستدلال أبي

стр. 93

هريرة بالآية في تمام الحديث، و «بحديث عياض بن حمار بن المجاشعي مرفوعاً يقول: خلقت عبادي حنفاء» وفي بعض ألفاظه «حنفاء المسلمين» . ويؤيد هذا «مافي الصحيحين: خمس من الفطرة» . و «في صحيح مسلم: عشر من الفطرة» . ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، «من حديث عمار بن ياسر: خمس من سنن الإسلام» . و «في لفظ عشر من سنن الإسلام» . الثاني: أن المراد بالفطرة: البداءة التي بدأهم الله عليها، من أنهم ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة. وتقدم حكاية هذا القول، وأنه حكاه أبو عمر بن عبد البر. الثالث ـ ليس المراد بالفطرة عموم الناس، وإنما المراد بقوله: فطر الناس: المؤمنون، إذ لو فطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواماً للنار، كقوله تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس﴾ . الرابع ـ أن المراد بالفطرة الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم. واحتج من قال بهذا القول بقوله تعالى: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون﴾ وتقدم في بسط هذا الكلام له موضع آخر، وأنه في كتاب مفرد على الكلام في أطفال المشركين. والمقصود أن الولدان يتوفون على ما فطرهم الله عليه من التوحيد والإسلام، فهم من سعداءالآخرة، الذين استحقوا دخول الجنة بلا عمل عملوه، ولا خير قدموه، بل برحمة الله عليهم، ولطفه بهم: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ .

стр. 94

الباب التاسع: فيمن مات له طفل رضيع أنه يكمل رضاعه في الجنة قال الإمام أحمد: «ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل عن جابر الجعفي، عن عامر، عن البراء بن عازب ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهراً، وقال: إن له في الجنة من يتم رضاعه، وهو صديق» . ورواه أبو يعلى الموصلي. وجابر الجعفي: ضعيف. وقال البخاري: «حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت، أنه سمع البراء أنه قال: لما توفي إبراهيم ـ يعني ابن النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : إن له مرضعاً في الجنة» انفرد به البخاري. وإنما كان كذلك لأنه مات وهو مرضع ابن سبعة عشر شهراً، أو ستة عشر، وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: أقل، فالله تعالى أعلم بالصواب. وفي بعض الروايات: «إن ابني مات في الثدي، وإن له مرضعاً في الجنة» . فإذا كان هذا خاصاً به ﵇ فلا كلام، والأصل عدم الاختصاص، إلا أن يقوم دليل عليه، ولم نجده، وإن كان عاماً في حق أولاد المؤمنين ـ كما ذكر في بعض الآثار، ولا يحضرني الآن، ولكن متنه: «إن في الجنة شجرة تحمل الثدي يرتضع منها الولدان» ـ فهي بشارة عظيمة للمؤمنين في ولدانهم، وفيه تطييب خاطر الوالدين، والله تعالى أعلم. فصل ـ في شفاعة الأطفال الرضع لوالديهم «وقد روى المعافى بن الحسين، في كتاب أنس المنقطعين له في الأطفال الرضع، أن النبي ﷺ قال: يجيء أطفال المسلمين يوم القيامة، عند عرض

стр. 95

الخلائق للحساب، فيقول الله لجبريل: اذهب بهؤلاء إلى الجنة، فيقفون على أبواب الجنة، ويسألون عن آبائهم وأمهاتهم، فيقال إن آباؤكم وأمهاتكم ليسوا بأمثالكم، لهم ذنوب وسيئات يطالبون بها، فيصيحون صيحة واحدة عظيمة باكين، فيقول الله ، وهو أعلم: يا جبريل، ما هذه الصيحة؟ فيقول: إلهي، أنت أعلم بهم، هؤلاء أطفال المسلمين يقولون: لا ندخل الجنة حتى يدخل آباؤنا، فيقول الله : يا جبريل، تخلل الجمع، وخذ آباءهم وأمهاتهم، واجعلهم معهم في الجنة» .

стр. 96

الباب العاشر: في أنه يصلى على كل مولود مسلم ويدعى لوالديه وهذا الباب عظيم، لأن فيه بشارة عظيمة لكل من أصيب في أولاده، أو في واحد منهم، لأنه أمرنا رسول الله ﷺ ، أن نصلي عليهم، وأن ندعو لوالديهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وجمهور العلماء، على أنه يصلى على الطفل الصغير، وإن سقطاً قد نفخ فيه الروح، وذهب بعض السلف إلى أنه لا يصلى على الصغير ما لم يحتلم. وسنذكر ما يدفع هذا القول ويضعفه: قال البخاري: «حدثنا أبو اليمان، ثنا شعبة، قال ابن شهاب: يصلى على كل مولود يتوفى وإن لغية، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصة، وإن كانت أمه على غير دين الإسلام، إذا استهل صارخاً صلي عليه، ولا يصلى على من لم يستهل، من أجل أنه سقط. وأبو هريرة كان يحدث عن رسول الله، قال: ما من مولود إلا يولد على الفطرة ... » الحديث. وروى أبو داود، «عن عائشة ﵂ قال: مات إيراهيم بن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً ـ فلم يصلي عليه رسول الله ﷺ » . في إسناده محمد بن إسحاق، والكلام فيه معروف، وهويعضد من قال من السلف بعدم الصلاة على الأطفال، لكن الحديث فيه كلام. وقد رورى أبو داود أيضاً ضد هذه الرواية «من حديث البهي، قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ ، صلى عليه رسول الله ﷺ في المقاعد» . هذا مرسل. ـ والبهي ـ هذا اسمه عبد الله بن يسار، مولى مصعب بن الزبير، تابعي يعد من الكوفيين. وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد، «من

стр. 97

حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي صلى على إبنه إبراهيم..» الحديث. وقال الإمام أحمد أيضا: «حدثنا هاشم بن القاسم ثنا المبارك، أخبرني زياد بن خير، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها قريباً منها عن يمينها أو عن يسارها، والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» ورواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حسن صحيح. «ورواه ابن ماجة مرفوعاً، ولفظه: قال: الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها وعن يسارها، والطفل يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» فذكر ابن ماجة بدل السقط: الطفل. وروى ابن ماجة، «من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم» . «وعن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: الطفل لا يصلى عليه، ولا يورث ولا يرث حتى يستهل» رواه الترمذي من رواية إسماعيل بن مسلم المكي. قال الترمذي هذا حديث قد اضطرب الناس فيه، فروي مرفوعاً، وروي موقوفاً، وهو أصح من المرفوع. قال الحافظ الضياء: إسماعيل بن مسلم المكي قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وروى ابن ماجة «عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استهل الصبي صلي عليه وورث» . الاستهلال: هو رفع الصوت حين خروجه من الأحشاء، والله أعلم. وهو من رواية الربيع بن يزيد، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة قال الحافظ الضياء: وقيل: يصلى على الطفل إذا نفخ فيه الروح، استهل أو لم يستهل. قلت: وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، أنه يصلى عليه إذا نفخ فيه الروح، وهوأن يستكمل أربعة أشهر. قال الشيخ مجد الدين: وإن أسقط لدون أربعة أشهر، فلا يصلى عليه، لأنه ليس بميت، إذ لم ينفخ فيه الروح. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصلاة على السقط مالم ينفخ فيه الروح، مبنية على بعثه، وللعلماء فيه قولان، فإن

стр. 98

قلنا: إنه يبعث، صلي عليه، وإلا لم يصلى عليه، والله أعلم. انتهى كلامه. قال أحمد بن عبدة: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل: متى يصلى على السقط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه قد نفخ فيه الروح. ولكن «حديث المغيرة بن شعبة المتقدم، الذي رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه: والسقط يصلى عليه» و «في رواية ابن ماجة والطفل يصلى عليه» ، ولم يفرق بين أن يكون له أربعة أشهر أو أقل أو أكثر، لكن لم أعلم أن أحداً ذهب إلى الصلاة على السقط مطلقاً إلاسعيد بن المسيب، وهو ظاهر الحديث. لكن قيل: إن السقط ليس بميت، لأنه لم ينفخ فيه الروح. يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين «من حديث ابن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ... » الحديث، فإذا نفخ فيه الروح وجبت الصلاة عليه، وبعث يوم القيامة. وقد اختلف الناس في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه، ومنع صحة حديث عائشة وغيره من الأحاديث، كما قال الإمام أحمد وغيره، وهذه المراسيل من حديث البراء يشد بعضها بعضاً. ومنهم من ضعف حديث البراء لأجل جابر الجعفي وضعف هذه المراسيل، قال: حديث ابن اسحاق أصح منها. قال أبو يعلى الموصلي: «حدثنا عقبة بن مكرم، ثنا بشر بن أبي بكر، ثنا محمد بن عبيد الله الفزاري، عن عطاء، عن أنس، أن رسول الله ﷺ صلى على ابنه إبراهيم، فكبر عليه أربعاً» . وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي: «حدثنا محمد بن عمر ـ يعني الواقدي ـ، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن المنذر بن عبيد، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أمه سيرين، قالت: حضرت موت إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، فلما صحت أنا وأختي ما نهانا، فلما مات نهانا عن الصياح، وغسله الفضل بن عباس، ورسول الله ﷺ كإنسان، ثم حمل، فرأيت رسول الله ﷺ على شفة القبر،

стр. 99

والعباس إلى جنبه، وترك في حفرته الفضل وأسامة بن زيد، وأنا أبكي عند قبره، ما ينهاني أحد، وخسفت الشمس ذلك اليوم، فقال الناس: لموت إبراهيم، فقال النبي ﷺ : إنها لاتخسف لموت أحد ولا لحياته. ورأى رسول الله فرجة في اللبن، فأمر بها أن تسد، فقيل لرسول الله ﷺ ، فقال: أما إنها لاتضر ولا تنفع، ولكن تقر عين الحي، وإن العبد إذا عمل عملاً أحب الله أن يتقنه» ومات يوم الثلاثاء، لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، سنة عشر. وهكذا رواه الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أبيه، ثم قال: هذا حديث غريب. ثم ساقه من طرق أخرى، من حديث الزبير بن بكار حدثني محمد بن طلحة عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن عبد الرحمن بن حسان، فذكر نحوه. وفيه مدرج يوم وفاته وشهره وسنته، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه من كلام الواقدي. ولكن قيل: إن في بعض طرق هذا الحديث أنه صلى عليه، ولكن لم أره في هذين الطريقين، فالله تعالى أعلم بذلك. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: «حدثنا إبراهيم الشامي، ثنا حماد، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على صبي أو صبية، وقال: لو نجا أحد من ضمة القبر، لنجا هذا الصبي» . وقد روى أبو داود مرسلاً «عن عطاء بن أبي رباح، أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم، وهو ابن سبعين ليلة» . قال البيهقي ـ بعد أن ذكر مرسل البهي وقد تقدم ذكره، ومرسل عطاء هذا، وغيرهما من أحاديث الصلاة على الأطفال قال: فهذه الآثار، وإن كانت مراسيل، فبعضها يشد بعضاً، وقد أثبتوا صلاة رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وذلك أولى من رواية من روى أنه لم يصل ـ يعني حديث عائشة المتقدم المتصل وقد روي متصلاً أنه صلى عليه، من حديث البراء بن عازب ـ وقد تقدم ـ لكنه حديث لا يثبت، لأنه من رواية الجعد ولا يحتج بحديثه. وقال الخطابي وغيره: اختلف في السبب الذي لأجله لم يصل. قال بعضهم: إنما ترك الصلاة على ابنه، لأنه استغنى ببنوة رسول الله ﷺ عن الصلاة عليه التي هي شفاعة له كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه

стр. 100

وقال غيره: إنما لم يصل عليه، لأنه يوم مات إبراهيم ﵇ كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه، والله أعلم. رجعنا إلى كلام الخطابي: ثم إنه ذكر مرسل عطاء، وقال هذا أولى الأمرين وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالاً، وقد اعتل من لم ير الصلاة على الطفال بترك صلاة رسول الله ﷺ الصلاة على ابنه، واشتغاله بنفل صلاة الكسوف، والجواب ـ والله أعلم ـ عن ذلك: أن صلاة الكسوف كانت واجبة في حقه، لأنه لو لم يصلها لم نعلمها نحن، وأيضاً ولو لم يقع ذلك لم نعلم كيفية صلاة الكسوف، فصلاته كصلاة الكسوف على هذه الصفة، دليل على أن الله أوحى إليه أن يشرعها لنا على هذه الصفة، ويجب أن يبين كل ما أنزل إليه من ربه، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ .

стр. 101

الباب الحادي عشر: في استحباب اصطناع الطعام لأهل المصيبة وهذا الفعل من محاسن الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ : إن أهل الميت لا يتكلفون طبخ طعام لأحد من الناس، «بل أمره ﷺ للناس، أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت، ويرسلونه إليهم» ، هذا من أعظم مكارم الأخلاق والشيم، والحمل عن أهل الميت إعانة لهم، وجبراً لقلوبهم، لأنهم في شغل بمصابهم عن إصلاح طعام لأنفسهم، فكيف للناس والاهتمام بأمرهم؟ فإذا صنع الناس لهم الطعام المعروف، وحملوه إليهم، حصلت الراحة لأهل الميت من وجهين: أحدهما: ـ شغلهم بمصابهم، ثم بتجهيزه وغسله وتكفينه والصلاة عليه، وحمله ومواراته في حفرته، ثم بعد ذلك إذا تفرغوا من هذه الأمور، وحصل لهم سكون ودعة، فإن هذه كفاية لهم عن شغلهم بالناس. الثاني: ـ عدم الخسارة، فإن عدمها فيها تسلية لأهل الميت فإن في زماننا هذا، ما يتوارى الميت في حفرته، حتى يخسر عليه دراهم كثيرة، فلأن لا يجتمع عليه خسارتان أولى. وقد وردت السنة بصنع الطعام لأهل الميت، سواء فقد ميتهم في السفر أو في الحضر، وسواء حصلت عليه خسارة أم لم تحصل، فقد حصلت البشارة لمن صنع لهم طعاماً، وحمله إليهم، أنه اتبع سنة رسول الله ﷺ وامتثل أمره، فقد روى الإمام أحمد في مسنده «عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال جاء نعي جعفر ﵁ حين قتل، قال النبي ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم» . ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.

стр. 102

«وعن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر ﵁ رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعاماً» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وهذا لفظه. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: ما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها.

стр. 103

الباب الثاني عشر: في الذبح عند القبور وكراهة صنع الطعام من أهل المصيبة «عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا عقر في الإسلام» رواه الإمام أحمد في حديث طويل هذا منه. وأبو داود، وروى الترمذي نحوه. وقال حديث حسن صحيح غريب ورواه ابن حبان البستي، وفي رواية عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شيئاً. أما العقر عند القبور: هو الذبح عندها. وهذا الفعل عندها فإنه من فعل الجاهلية، وهو فعل محرم على هذه الأمة. «وقوله ﵊: لا عقر في الإسلام» . قال الخطابي: هو ما كان عليه أهل الجاهلية، من عقر الإبل على قبور الموتى، كانوا إذا مات الشريف الجواد، عقروا عند قبره، وكانوا يقولون: إن صاحب القبر كان يعقرها للأضياف، يقريهم أيام حياته، فيكافأ عليه بمثل صنيعه. انتهى كلامه. وقال قوم: كانوا يعقرون الإبل عند القبور، لتطعمها السباع والطير عند قبر الميت، فيدعى مطعماً حياً وميتاً. وقيل بل كان مذهبهم أن صدى الميت يصيب من ذلك الطعام، فجاء الإسلام فمحا ذلك كله. وأما هذه البدعة الخبيثة، فهي موجود قريب منها في غالب قرى البر، وهو أن الشخص الذي توفي في بلده، فإن أهل القرى التي حوله يأتون لأجل العزاء، فيذبحون لهم من مال الميت المنتقل إلى ورثته، من أيتام وصغار وغيرهما، بل قد يذبحون البقرة أو نحوها من بهيمة الأنعام، لا يكون للأيتام غيرها، على ماشاهدته وبلغني، فنسأل الله أن يقيض لهذه البدعة من ولاة أمور المسلمين من يبطلها. «حدثنا ابن هاشم، ثنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس

стр. 104

ـ ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا إسعاد ولا عقر في الإسلام» ، قد تقدم الكلام على العقر في الإسلام وقوله: لا إسعاد: فهو من إسعاد النساء في المناحات، وهوأن تقوم المرأة في المأتم وتقوم معها أخرى، فيقال قد أسعدتها وهو مسعد. و «يروى في حديث آخر أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني أفأسعدها؟ فقال: لا ونهى عن النياحة بالإسعاد» . وقال: إنها مأخوذة من وضع الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا في حاجة. وأما صنع أهل الميت طعاماً للناس فمكروه، لأن فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلاً لهم إلى شغلهم، وتشبيهاً بصنع أهل الجاهلية، فإنهم يتكلفون طبخ الطعام، كما يفعله أهل البر في زماننا وقد تقدم. فهذا من النياحة التي نهى عنها رسول الله ﷺ ، لما ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه، من النياحة. رواه ابن ماجة، ورواه سعيد بن منصور في سننه ولفظه: أن جريراً وفد على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هل يناح على ميتكم؟ قال: لا، قال: فهل تتجمعون عند أهل الميت وتجعلون الطعام؟ قال: نعم. قال: ذاك النوح. وقال الشيخ موفق الدين ﵀ في المغني: وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز، فإنهم ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم، فلا يمكنهم إلا أن يضيفوه. انتهى كلامه. قلت: وإذا دعت الحاجة إلى صنع الطعام من أهل الميت، لمن يفد من القرى ونحوها، إنما ذاك بشرط أن لا يكون من مال الأيتام، خصوصاً إذا لم يكن لليتيم سوى ذاك الحيوان. فأما وفود أهل البادية على أهل الميت في قريتهم، فالضيافة على أهل القرية، إما واجبة أو مستحبة، وليست على أيتام الميت، والله تعالى أعلم.

стр. 105

الباب الثالث عشر: في الثناء الحسن على الميت، وذكر محاسنه والسكوت عن مساويه واعلم أن من أطلق الله ألسنة الناس فيه بالخير، والثناء الحسن، والذكر الصالح، وغير ذلك من الأقوال الصالحة، غلب على الظن أنه من أهل الخير. وغير مستنكر إذا أحب عبداً أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء الحسن عليه، وفي قلوبهم المحبة له. قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً﴾ . «وثبت أن النبي ﷺ ، قال: إن الله، إذا أحب عبداً، دعا جبريل فقال: إن الله يحب فلاناً فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وذكر في البغضاء مثل ذلك. رواه البخاري ومسلم. وقد شاهدنا في عصرنا هذا، وبلغنا عن عصر غيرنا، أن أقواماً من العلماء وأهل الحديث والتجار والسوقة، كثر الثناء عليهم، وصرفت قلوب الناس إليهم، وحصلت الحفلة العظيمة في جنائزهم من كثرة المشيعين لها، وحضرها الألوف من الناس، وربما كثر الخلق في تشييع هؤلاء من الجن والملائكة، وربما سمع ضجة عظيمة من جهة السماء في حال حضور الناس في الجنازة، ولقد أخبرني شيخنا العلامة شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد الخطيب المقدسي، بالجامع المظفري. تغمده الله تعالى برحمته، قال لي: سمعت هذه الضجة من السماء مراراً لبعض الأموات كهيئة البشائر، ثم قال: وحدثني بها جماعة من أصحابنا، أنهم سمعوا ذلك في بعض جنائز المتهمين بالصلاح، والله تعالى أعلم بذلك. وذكر قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، ثنا محمد بن يزيد الرفاعي،

стр. 106

قال: مات عمرو بن قيس الملائي، في ناحية فارس، فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى كثرة، فلما دفن نظروا فلم يروا أحداً. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر بجنازة، فأثنوا عليها خيراً فقال رسول الله ﷺ : وجبت. ومر بجنازة، فأثنوا عليها شراً، فقال نبي الله ﷺ : وجبت. فقال عمر ﵁: فداك أبي وأمي يا رسول الله، مر بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقلت: وجبت، ومر بجنازة أثنوا عليها شراً فقلت: وجبت؟ ! فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض ... ثلاثاً» وفي لفظ وجبت وجبت ثلاثاً: رواه البخاري ومسلم. «وفي رواية للبخاري، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا: وجبت، ولهذا وجبت؟ قال: شهادة القوم المؤمنين شهداء الله في الأرض» . ولما مات الإمام أحمد بن حنبل، قال الهيثم بن خلف: دفنا أحمد بن حنبل، يوم الجمعة، بعد العصر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وما رأيت جمعاً قط أكثر من ذلك. وقال ابن أبي صالح القنطري: شهدت أربعين عالماً، ما رأيت جمعاً قط مثل هذا، ثم قال عبد الوهاب الوراق: ما بلغنا أن جمعاً في جاهلية ولا إسلام مثل الجمع في جنازة أحمد، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف، وأما النساء فهو من ستين ألف امرأة، وكلهم يشهدون له بالصلاح والولاية، ويرجون بالصلاة عليه البركة، ويثنون عليه بأنواع الخير، رحمة الله عليه. فصل: بشارة للمؤمن بعمله الصالح وفي الصحيح «أن النبي ﷺ قال: إذا رأيت الرجل، يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» وفي رواية ويحبه الناس عليه. قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير هي دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة، لقوله تعالى: ﴿بشراكم اليوم جنات﴾ ، وهذه البشرى

стр. 107

المعجلة، دليل على رضى الله تعالى عنه، ومحبته له، ومحبته إلى الخلق. «وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ . قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان» . وفي لفظ: فاشهدوا له بالخير. قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك﴾ الآية. رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وشهادة الناس له بعد الموت بالخير، هي الشهادة التي كانوا يشهدون له بها في حال الحياة، والله تعالى أعلم. فصل: في الكف عن ذكر مساوي الأموات «عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» . رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. «وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا موتانا، فتؤذوا أحياءنا» . رواه أحمد. «وعن أبي رافع ـ أسلم، مولى رسول الله ﷺ قال: من غسل ميتاً، فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. قال ابن السماك: إنما سيفك بين لحييك، تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور، حتى تعاطيت أهل القبور، أما أهل القبور، فما ترى لهم وقد جرى البلاء على وجوههم، وأنت هاهنا تنبشهم، ويحك! ما عندك من نبشهم إلا أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم. إنه لينبغي لك أن تترك القول في أخيك، لخلال ثلاث: أما الأولى: فلعلك تذكره لأمر هو فيك، والثانية

стр. 108

لعلك تذكره لأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك! أما تسمع إذ يقال: ارحم أخاك، واحمد الذي عافاك؟ ! . وفي أبي داود، في الأدب، والترمذي في الجنائز، «من حديث معاوية ابن هشام، عن عمران بن أنس المكي، عن عطاء، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم» . وقد «روى أبو داود مرفوعاً، أن النبي ﷺ قال: من عير أخاه بذنب قد تاب منه، لم يمت حتى يفعله» . وأما من جهة الأموات، فقد «روى ابن أبي الدنيا بإسناده، أن النبي ﷺ قال: لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار، فحسبهم ما هم فيه» .

стр. 109

الباب الرابع عشر: في فرح العبد وتسليته بكونه من أمة محمد ﷺ أن لله علينا من النعم ما لا يحصيها إلا الله تعالى الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام، فإن كل نبي من الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ فضل بشيء، فنبينا فضل به وزاد عليه، وهو أول من تنشق عنده الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة. وقد ثبت في صحيح مسلم «عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً» . «وعن أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: يأتي معي من أمتي يوم القيامة مثل السيل والليل، فيحطم الناس، فتقول الملائكة: لما جاء مع محمد أكثر مما جاء مع سائر الأنبياء» رواه البزار. «وعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» . رواه الترمذي. «وعن الطفيل بن أبي، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر» . ورواه الترمذي. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعين ألفاً» . رواه مسلم. «وعن الحذيفة بن اليمان ﵁ قال: غاب عنا رسول الله ﷺ يوماً، فلم يخرج، حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج، سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت، فلما رفع قال: إن ربي ، استشارني في أمتي، ماذا أفعل بهم؟ قلت: ما شئت يا رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية، فقلت له: كذلك، ثم استشار في

стр. 110

الثالثة، فقلت له: كذلك، فقال: إني لم أخزك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة زمراً من أمتي سبعون ألفاً، مع كل ألف في سبعون ألفاً، ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلي ربي : ادع تجب، وسل تعطه، فقلت لرسوله: أو معطني ربي سؤلي؟ قال: ما أرسل إليك إلا ليعطيك، وقد أعطاني ربي، غير فخر، أنه غفر لي من ذنبي ما تقدم وتأخر، وشرح صدري، وأعطاني أن لا تجوع أمتي، ولا تغلب، وأنه أعطاني الكوثر، ونهر في الجنة، يسيل من حوضي، وأنه أعطاني العزة والنصرة والرعب، وأنه أعطاني بأني أول الأنبياء دخولاً إلى الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد شكراً إلا هذه السجدة» رواه أبو بكر الشافعي. وقوله: «ولا تجوع أمتي» أي لا تجوع كلها، فإن جاعت في أرض، شبعت في أخرى وكذلك: «لا تغلب» أي كلها، فإن غلبت في موضع، غلبت في موضع آخر، والله أعلم.
следующие страницы →