Полный текст (180 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومنها: أن يسئل عما يظن به أنه طرفا ضد ليس بينهما متوسط، وليس الأمر كذلك. فإذا رفع له المجيب الشنيع منهما إلى جنب المحمود، سلم له المحمود، وذلك أن الشنيع منهما يظهر قبحه كثيراً عندما يوضع بجنب الضد الآخر. وكذلك المحمود يظهر حمده أكثر. مثل أن يسئل: هل ينبغى أن يطيع الآباء فى كل شىء، أو يعصيهم فى كل شىء؟ فإنه إذا قال: ليس ينبغى أن يعصى الآباء فى كل شىء، ألزمه عند ذلك أنه يجب أن يطيع الآباء فى كل شىء. وكذلك إذا سأل: هل المحرم الشراب الكثير، أم القليل؟ فأجاب هو بأن الكثير محرم، ألزمه من ذلك أن يكون القليل غير محرم. وأكثر ما يعرض التغليط فى السؤال ويظن به أنه قد انعقد التغليط، وقد ثبت، بأن يسئلوا عن
стр. 107
أمور ليس بينها اتصال وبين النتيجة. فإذا سلمت لهم، أتوا بالنتيجة كأنها قد لزمت عن تلك الأمور، ويوهمون أن ذلك شىء قد فرغ منه، وأن الخصم قد بكت وانقطع. فإن هذا لا يقدر على حله ومقاومتهم فيه إلا العارف بطبيعة القياس، القليل الانفعال عن مباهتتهم ومجاهرتهم بأنهم قد ألفوا القياس من غير أن يؤلفوه. وإنما كانت الحيلة معهم فى هذا الموضع عسيرة إلا على الحكماء، لأن أكثر السامعين لا يعرفون طبيعة القياس.
ومن حيل السائلين أنهم إذا سألوا عن مقدمة كاذبة ليبكت منها المجيب إذا سلمها، اضطروه إما أن يسلمها ويسوقوه إلى الشنيع، أو إلى أن يسلم المقدمة أو القول المركب من المقدمات بحال يمكن فيها أن يحرف فيلزم عنها التبكيت.
وربما نفعهم فى هذا استعمال الاستدراجات التى تستعمل فى الخطابة مع السامعين، أعنى ليسلموا الشىء بالجهة التى بها يظن أنهم قد سلموا المطلوب
стр. 108
منهم، فيحرفونه، ويعقدون عليهم التبكيت، مثل أن يسلموا الشىء مطلقاً، فيحرفونه ويضعونه بشرط ما.
ومن حيل المجيب أنه إذا لزمه التبكيت، أو قارب أن يلزمه، أوهم أنه سائل، وأنه ليس بمجيب. وهذا كثيراً ما يفعله الناس بالطبع عند المناظرة التى يقصد بها الغلبة.
ومن الحيل للسائل أنه إذا سأل عن مقدمات كثيرة، فسلم المجيب بعضها ولم يسلم بعضاً، وكان ما لم يسلم منها يلزم عنها التبكيت لو سلمها، أن يأتى
стр. 109
بجميع تلك المقدمات دفعة ويردفها بالنتيجة. فإن المجيب قد يعرض له أن يتحير، لأنه كثيراً ما ينسى التى سلم من التى لم يسلم.
ومن الحيل لهم أن يخلطوا فى المقدمات التى تنتج التبكيت ما ليس له غناء فى إنتاج التبكيت، فتخفى لذلك المقدمات الكاذبة على المجيب. لكن المجيب إذا كان له شعور، لم يكن هذا معه ومنه من ذلك.
فمن الحيلة للسائل أن يتطرق إلى إدخال ما ليس له غناء فى إنتاج النتيجة بين ما له فى ذلك غناء بوصلة تقيم عذره فى ذلك، مثل أن يذكر الأمور اللاحقة لتلك المقدمة، والأمور المتقدمة عليها، والمقارنة لها.
стр. 110
ومن الحيلة للسائل إذا أعياه ان ينتج عليه الكاذب الذى يقصد إنتاجه أن ينصرف إلى إبطال نقيضه وينقل الكلام إليه، إن كان يروم من أول الأمر إثبات شىء معين، أو أن ينصرف إلى إثبات نقيضه، إن كان يروم إبطال وضع موجب.
ومن الحيلة لهم أنهم ربما تركوا السؤال عن المقدمات، وأتوا بالقياس مع النتيجة كأنه شىء قد سلمه المجيب. فإن حيرة المجيب تكون حينئذ أشد، لأنه ينبغى له حينئذ أن ينظر فى جميع مقدمات القياس وفى شكله، فيرد على ذهنه أكثر من شىء واحد مما يجب أن ينظر فيه، فربما تحير، أو خفى عليه الجزء الكاذب بما هنالك من الجزء الصادق.
стр. 111
فقد تبين من هذا كم هى المواضع المغلطة النافعة فى أغراض المشاغبين الخمسة، وكيف ينبغى أن يسئل السائل بها، وهما الجزءان الأولان من هذا الكتاب بحسب غرض أرسطو.
والذى بقى من ذلك أمران: أحدهما: كيف يجيب المجيب؟.
والثانى: كيف ينقض تلك المواضع الثلاثة عشر؟.
وكلا هذين الأمرين نافعان عند الحكماء بالذات، ولذلك كان الكلام فى هذين الجزأين كأنه من غير هذه الصناعة، بل من صناعة الجدل، أو من صناعة - كما يقول أبو نصر - متوسطة بين الجدلية والسوفسطائية.
وأما الجزءان الآخران فينفعان الحكماء بالعرض من جهة أنهما خاصان بهذه الصناعة. وانتفاعهم بها يكون من جهة أنها تفيدهم التحفظ منها فقط، لأن من علم الشر، كان أحرى ألا يقع فيه. وربما نفعهم بالذات فى استعمال المخاطبة الامتحانية العامة، على ما تقدم.
стр. 112
فأول وصايا المجيب: أنه إذا سأله السائل عن مقدمة مشتركة الاسم فينبغى أن يقسم ذلك الاسم إلى جميع المعانى التى يقال عليها، ويعرفه أى من تلك المعانى هو الصادق، ومن غير الصادق. ولذلك يجب أن تكون له قدرة على تقسيم الاسم المشترك. وقد قيل فى القوانين التى بها يمكن ذلك فى كتاب الجدل.
وثانياً: أن يتأمل الأمر فى نفسه، وحينئذ يجاوب. ولذلك يجب أن تكون له قدرة على تمييز الشىء، إذا فكر مع نفسه. لأن كثيراً من الناس يغلط فى الشىء إذا نظر فيه مع نفسه، ولا يغلط، إذا نظر فى الشىء مع غيره، وذلك لحسن ظنه بنفسه. وأكثر ما يعرض له ذلك من قبل المدح.
والوصية الثالثة: ألا يطول الكلام مع السائل، بل يبادر إلى قطعه سريعاً من غير أن يتوانى فى مراجعته. فإنه إذا توانى فى ذلك وطول معه الكلام، لقلة عثوره سريعاً على القبح والغلط الذى فى قوله، عرض له، إذا انقطع السائل، أن يظن أن انقطاعه لم يكن من قبل أن ما رام إثباته كذب، بل من قبل ضعفه. وهكذا، فيما أحسب، يجب أن يفهم هذا الوضع.
стр. 113
وليس يحصل هذا المعنى للمجيب، أعنى أن يسرع فى الجواب بإظهار ما فيه من الضلالة، بمعرفة المواضع المغلطة التى ذكرت فى هذا الكتاب، وبمعرفة الوصايا التى تخص المجيب والقوانين التى أعطيت هاهنا فى نقض المواضع المغلطة، دون أن يكون مع ذلك قد ارتاض فى استعمالها كثيراً، حتى حصلت له الملكة التى بها يقدر أن يفعل بسرعة. فإنه كما أن السرعة والبطء فى جميع الصنائع إنما تحصل من قبل الملكة الحاصلة عن الارتياض، لا من قبل معرفة أجزاء تلك الصناعة فقط، كذلك الأمر فى العمل عن هذه القوانين. ومثال ذلك: أن إجادة فعل الكتابة وإتقانه ليس يحصل عن معرفة الحروف، وإنما يحصل عن الارتياض التام فى تصور الحروف.
стр. 114
قال: وكما أن فى صناعة الجدل قد يتعسر على السائل النقيض والإبطال، كذلك قد يعرض مثل ذلك فى المباكتات السوفسطائية. وذلك يعرض إذا لزم عن المقدمات الكاذبة التى وضعها المشاغب نتيجة صادقة، وأوهم أن اللازم عنها نتيجة أخرى وهى كاذبة. فإنه إذا كان القول السوفسطائى بهذه الصفة عسر على المجيب نقضه بالحق، وتعريف كذب المقدمات التى وضع فيه المشاغب، لأمرين:
أحدهما: إنْ قَصَدَ نقض تلك النتيجة الكاذبة بتعريف ما فى تلك المقدمات من الكذب، كان ذلك نقضاً سوفسطائياً أو مشاغبياً، لأن تلك النتيجة لم تلزم عن تلك المقدمات.
والثانى: لأن لا يظن به أنه إنما يقصد بذلك إبطال النتيجة الصادقة، وأنه يرى أن لا يكون عن المقدمات الكاذبة إلا نتيجة كاذبة. فلذلك يجب على المجيب فى هذه الحال ألا يتعرض لنقض القياس بأن يعرف الكذب الذى فى مقدماته
стр. 115
من قبل اشتراك الاسم، أو من قبل المشاغبة، أو من غير ذلك من الأشياء المغلطة. ولا يظن به أنه يتعرض ذلك. لكن يرد عليه بأن يقول له إن هذه النتيجة ليست هى النتيجة الصادقة التى لزمت عن هذا القياس، وإنما تشبهها، أو ليست بلازمة أصلا عنه.
قال: وقد يجوز للمجيب أن يسلم المقدمات المشتركة الأسماء إلى أن ينتج إلى أن ينتج السائل عليه النتيجة الكاذبة، فيقول له: إن تلك المقدمات التى سلمتها إنما أردت منها كذا، دون معنى كذا. والمعنى الذى أنكره الآن منها ما سلمته فقط. وإنما كان له هذا الفعل لأنه ليس بمعروف، ولا بين، أنه قد سلم المعنى الكاذب الذى هو أحد ما يدل عليه بذلك اللفظ المشترك من قبل تسليمه اللفظ المشترك. وربما كان له هذا أنفع لمكان الغلط، لأنه لو قسم ما يدل عليه الاسم
стр. 116
المشترك، أو اللفظ المشاغب، ثم غلط فسلم واحداً منها على أنه صادق، وهو كاذب، لم يكن له أن يرجع فى ذلك.
فإذن من فعل هذ الفعل من المجيبين وأجاب فى الأسماء المشتركة والألفاظ المشاغبية بنعم أو لا، فقد فعل فعلا يجوز له. لكن لما كان من لم يعلم هذا الذى قلنا قد يظن أنه إذا سلم الاسم المشترك أنه قد سلم جميع المعانى التى يقال عليها ذلك الاسم. وإن كان لا يلزم ذلك. فربما مانعه من التقسيم بعد إنتاج النتيجة، ورأى أنه قد بكته فيحتاج معه إلى بيان أنه لم يبكته. فلذلك الأحزم له، أعنى للمجيب، إذا سأل السوفسطائى باسم مشترك، أو لفظ مشاغبى، أن يقسم المعانى الكثيرة التى يدل عليها ذلك اللفظ، ويجيب فى واحد واحد بنعم أو لا. وإذا تعسر السائل، وظن أنه قد يكون تبكيت من قبل ذلك اللفظ المشترك الذى جاء به، أو من قبل المشاغبة، وأنكر أن يكون مشتركا، فالحيلة المخلصة معه أن يضع اسما لذلك المعنى الذى يزعم المجيب أنه كاذب، وأنه غير المعنى الصادق الذى يدل عليه ذلك اللفظ.
قال: وما كان يرى بعض الناس من أن الحيلة فى هذا أن يقرن لفظ) هذا (إلى الاسم، فإن) هذا (إن كان إشارة لما فى النفس من ذلك المعنى، فتلك الإشارة مشتركة. لأن جميع تلك المعانى التى يدل عليها اللفظ هى حاضرة فى الذهن. إلا أن تكون لفظة) هذا (يقرنها بمشار إليه محسوس. وإذا كان ذلك، فقد استغنى عن اللفظ والتسمية بالإشارة.
стр. 117
قال: وكذلك إذا كان السؤال مرسلا، وهو إنما يصدق بتفصيل، فليس ينبغى أن يجاب بنعم أو لا. حتى إذا تم التبكيت، قال: إنما أردت بقول نعم ذلك المعنى المقيد، لا المطلق، فإن ما يلحق فى ذلك إذا أجاب عن الاسم المشترك بنعم أو لا، دون أن يقسم المعانى التى يقال عليها الاسم المشترك، هو بعينه يلحق فى هذا، وفى جميع المواضع التى إذا قسم لم يعرض له مباكتة، ولا يظن أنه عرضت له. فمن أجل أنه معروف بنفسه، إذا قسم المجيب المشاغبة، وسلم منها ما سلم، هل بكت أو لم يبكت. فهو إذا أجاب عن المرسلة بقول مطلق فهو مخطىء، لأنه يعرض نفسه أن يشك فيه هل بكت أم لا، وإن لم يبكت فى الحقيقة.
وكثيراً ما يعرض للمجيب أن يتشاغل عن القسمة لكثرة المعانى التى يتضمن ذلك القول المرسل، ولما يعرض له عند ذلك من تعسر السائل وقلة موافقته على التقسيم الذى استعمله فيه، فيتساهل ويجيب فيها بجواب مطلق. فإذا عقد السائل عليه التبكيت، فشرع المجيب أن يفصل له ذلك القول، ويعرفه
стр. 118
أنه لا يلزمه من ذلك ما ظن أنه يلزمه، لم يوافقه السائل على ذلك، إذا لم يعلم أن الغلط دخل من ذلك الموضع الذى عرفه به المجيب، ولا وافقه على أن ذلك الموضع مغلط. فيعرض فى المجيب شك هل بكت أو لم يبكت. فلذلك أيضاً ليس ينبغى أن يتشاغل عن القسمة فى المواضع التى يدخل الخلل فيها من قبل إغفال القسمة.
وكما أنه ليس يجب أن يجيب عن مسألتين بجواب واحد، فكذلك ليس يجب أن يجيب أحد عن الاسم المشترك بجواب واحد. فإنه لا فرق بين أن يجاب عن مسائل كثيرة بجواب واحد، كانت تلك المسائل يدل عليها بلفظ واحد أو بالفاظ كثيرة. فإن الاسم المشترك هو سؤال عن مسائل كثيرة بلفظ واحد.
стр. 119
وكذلك من لم يجب عن مسئلتين فما فوقها بجواب واحد واعتاد ذلك فليس يقع له غلط من قبل الاسم المشترك والمشاغبة اللفظية. ولا أيضاً يجب على المجيب أن يجيب عن الاسم المشترك بجواب واحد، إذا كانت جميع المعانى التى تقال عليها تلك القضية المشتركة صادقة. فإنه لو كلف المجيب أن يجيب عن الجوابين فما فوقهما بجواب واحد، إذا كانت كلها تشترك فى نعم أو لا، لكلف إذا سئل عن ألف مسئلة أو ألوف من المسائل ألا يجيب عنها حتى يتأملها. فإن اشترك فى نعم أو لا، أجاب فيها بجواب واحد. وإن لم تشترك، فصل. وهذا شىء معلوم أنه لا يكلفه المجيب. فلذلك ليس يجب على المجيب أن يجيب عن الاسم المشترك بجواب واحد، ولو كانت جميع القضايا المعنوية التى يتضمنها الاسم المشترك كلها صادقة. وإنما يجب عليه أن يجيب عما سئل. وهو لم يسئل إلا عن واحد. لأنه ليس فى ضمير السائل، إذا سأل بالاسم المشترك، إلا معنى واحد. ولو كان فى ضمير السائل جميع المعانى التى يتضمنها الاسم المشترك، لكان قد كلف المجيب أن يجيب بجواب واحد عن مسائل كثيرة.
стр. 120
قال: ولأن من المشهور أنه قد لا تكون هنالك مباكتة، ويظن أن هناك مباكتة، وأنه قد لا يكون هنالك نقيض، ويظن أن هنالك نقيضاً، وأنه يجب أن يراجع هذا الظن، فمتى سلم المجيب جميع ما يسلمه للسائل على أنه يظن ذلك ظناً، كان له، إذا بكته، أن يراجع فيما سلم، ويقول: له إنما سلمت تلك المقدمات، وأنا أظنها، رجاء أن تكون من جنس المضنونة الصادقة. فأما الآن فقد ظهر أنها من جنس المضنونة الكاذبة. ومتى فعل المجيب هذا. لم تتم عليه مباكتة، ولا أنتج الخصم عليه شنيعاً.
ولذلك ما يجب عليه أكثر ذلك، إذا سلم مقدمة ناقصة الحمد، أن يسلمها على جهة الظن. فإنه ليس يقدر السائل أن يشنع عليه، إذا كان تسليمه لها على جهة الظن.
стр. 121
قال: فأما إذا سأل السائل على جهة المصادرة، فكان ذلك بيناً ومعروفاً عند المجيب، فينبغى أن يبادر ويعرفه أن ذلك الذى وضع هو مطلوبه، وإن خفى ذلك عليه حتى ينتج المطلوب نفسه. وأما الآن فقد ظهر أنه المطلوب. فأنت، يا هذا، لم تؤلف قياساً، ولا عملت شيئاً. وهبك أنى سهوت فسلمت ذلك، فما الذى تنتفع أنت به، إذ قد ظهر أنك لم تعمل شيئاً، ولا ألفت قياساً. فإن استعمل المصادر مكان موضوع المطلوب جزئيات على طريق الاستقراء، إلا أنه لم يأخذ كلى ذلك الموضوع من حيث يدل عليه اسمه، حتى يقول مثلا: إن كل حيوان يحرك فكه الاسفل، لأن جميع الحيوانات هكذا هى، بل قال مثلا إن كل حيوان يحرك فكه الاسفل، لأن الإنسان والقرد وما أشبهه من سائر الحيوانات تحرك فكها الاسفل، فللمجيب حينئذ إن سلم له هذا ثم أنتج عليه: أن كل حيوان يحرك فكه الاسفل، أن يقول له: لم أرد بتسليمى أن حكم ما أشبه الإنسان والقرد فى ذلك هو حكم جميع الحيوانات، لأنه لو كان ذلك، لكنت
стр. 122
سلمت المطلوب بعينه، بل إنما أردت نوع كذا من الشبه، ولم أرد نوع كذا.
стр. 123
قال: وأما الأسماء التى تقال حقيقة فى موضع، ومجازاً فى موضع آخر، فإنه قد يعرض فيها مغالطة. وذلك أن صدق دلالة الاسم فى موضع الحقيقة، وارتفاع الاشتراك عنه يوهم صدقه فى موضع الاستعارة وارتفاع الاشتراك عنه. مثال ذلك أن يقول قائل: ماهو لشىء فهو ملك له، لأن ما هو لزيد فهو ملك له، والإنسان هو للحيوان، فالإنسان ملك للحيوان. فلذلك يجب على المجيب فى مثل هذا الموضع ألا يجيب عن هذه القضية مرسلة حتى يقسم، أعنى قول القائل:) إن ما هو لشىء، فهو ملك له
стр. 124
(.
قال:
وليس ينتفع المصادرون على مقابل المطلوب، ولا بالجملة: السائل عن النقائض والمتقابلات التى لا يكون الجزء الصادق منها معلوماً بنفسه، أو يكون معلوماً بشرط، فأهمل فى السؤال أخذ ذلك الشرط، لأنه إذا كان الجهل بالمتقابلين على السواء، فليس يسلم المجيب له النقيض الذى رام السائل أن يتسلمه منه، لأنه لا يظن به الصدق أكثر من مقابله. وكذلك أيضاً يعرض متى لم يكن واحد من المتقابلين مشهور الصدق ولا محموداً دون نقيضه، بل يكون كل واحد من الطرفين فى الشهرة والحمد على السواء، مثل قولنا: هل النفس مائتة، أو غير مائتة؟ فإن القوم الذين يقولون إنها مائتة مساوون فى الشهرة للقوم الذين يقولون إنها غير مائتة. ولذلك ليس يغلب على ظن السامع أحد هذين النقيضين بحسب الشهرة، فيسلمه.
стр. 125
وأما متى اتفق أن يكون أحد النقيضين معلوم الصدق بنفسه، أو معلوم الحمد دون نقيضه، أو اجتمع فيه الأمران جميعاً، فإنه قد ينتفع السائل بالمصادرة على مثل هذا. وذلك أن الجزء الصادق، لمكان شهرته فى الحمد، أو لمكان كونه صادقاً، معروف الصدق بنفسه، قد يغلط المجيب فيسلمه، ولا سيما إذا بدل المصادر اسم أحد جزأى المطلوب عند السؤال، أو اسم أحد جزأى مقابله، أعنى المحمول أو الموضوع، باسم آخر، ولم يأت بالمطلوب نفسه، أو بمقابله، إن كانت المصادرة على مقابله. لكن إذا سها المجيب فى مثل هذا فسلمه، فله أن يقول للسائل: إنك لم تصنع مبكتاً،، ولا عملت قياساً، وإن كنت قد سلمت أنا ذلك لك على ما تقدم.
стр. 126
القول في النقض
قال: وينبغي للمجيب في جميع المسائل أن يتقدم فيرد القول الكاذب، ويعرف مع رده له من أي جهة عرض له الكذب. فإن هذا هو النقض المستقيم.
ولما كان الكذب يعرض في القيا س إما من جهة مقدماته، يعني أن تكون كلتاهما كاذبتين، أو تكون إحداهما هي الكاذبة، وإما من جهة تأليفه او شكله أو من كليهما معاً، فالنقيض المستقيم إنما يتأتي للمجيب إذا قسم القول السوفسطائي إلى كل واحد من هذين القسمين، ونظر في أيهما عرض الكذب. فإن كان الكذب في كليهما عرف به. وهذا النوع من القياس السوفسطائي الذي يمكن نقضه بوجهين، فهو أسهل، أعني الفاسد الصورة والمادة. وإن كان في أحدهما عرف به أيضاً. أما إن كان في الشكل، عرف أنه غير منتج. وأما في المقدمات، فبأن يرفع ما وضع السائل. وهذان النوعان من القياس إنما يمكن نقضهما بجهة واحدة. وإذا كان هذا هكذا،
стр. 127
فينبغي لمن أراد نقض الأقاويل القياسية أن ينظر أولاً هل ذلك القول قياس حقيقي، أو يظن أنه قياس، وليس بقياس، وذلك بالنظر إلى شكله، وإلى مقدماته. فإن لم يبن ذلك فيهما، أعني هل هي صادقة، أو كاذبة. فإن كانت كاذبة، قسم القياس إلى مادته وصورته، ونظر في الكاذب منهما، إذ قد تبين أن النتيجة الكاذبة تكون ولا بد عن كذب في القياس إما من قبل صورته، وإما من قبل مادته. وفرق كبير بين سهولة تبيين الكذب في مقدمات القياس في وقت السؤال بها وبين تبيينه في النتيجة. وذلك أن تبيينه في النتيجة سهل، لأنه ليس هنالك سؤال يضطرنا إلى الجواب على البديهة. ةتبيين الشيء مع الفكرة أسهل من تبيينه على البديهة.
стр. 128
قال: واما التبكيتات التي تعرض من قبل اشتراك الاسم ومن قبل المشاغبة اللفظية، فإن منها ما يعرض الغلط فيه، أو المغالطة، من قبل الاسم المشترك المأخوذ في المقدمات، ومنها ما يعرض من قبل الاسم المشترك المأخوذ في النتيجة، أعني إذا لم يفهم أنه يدل على كثير. مثال ذلك أن من سلم أن الساكت يتكلم، والمتكلم غير ساكت، وظن أنه قد لزمه التبكيت، وهو أن أن الساكت غير ساكت، فليس سبب تبكيته في هذا هو جهله بالاشتراك الذي في المقدمة القائلة إن الساكت يتكلم، وذلك أنه إنما فهم منها المعنى الصادق فسلمه، وهو أن الساكت له قدرة على الكلام؛ ولا أيضاً سبب تبكيته جهله بالاشتراك الذي في المقدمة الثانية وهو أن المتكلم غير ساكت. فإنه إنما فهم منها المعنى الصادق فسلمه. ولكن سبب تبكيته هو جهله بالاشتراك الذي في النتيجة وهو أن الساكت غير ساكت. فإنه لو شعر بالاشتراك الذي في هذه النتيجة، لقسم، فقال: الساكت قد يصدق عليه أنه غير ساكت من جهة أن له قدرة على أن لا يسكت وأن يتكلم فيما بعد.
وأما من سأل فقال: أليس ما يعلم الإنسان ليس بعلم، وما ليس يعلم فليس له علم بشيء، فالإنسان إذن ليس له علم بما يعلم، فتم على المجيب هذا التبكيت بأن سلم له هذه المقدمات. فإنما عرض له التبكيت من قبل الاشتراك
стр. 129
الذي في تأليف المقدمة القائلة: إن ما يعلم الإنسان ليس يعلم. وذلك أن هذه المقدمة إنما يسلمها من لم يشعر بأن المضمر الذي في) يعلم (مرة يعود على المعلوم، ومرة على العالم. فإذن سبب التبكيت هاهنا إنما هو الاشتراك الذي في المقدمة، لا الاشتراك الذي في النتيجة، بخلاف الموضع الأول.
قال: وهذه المسائل التي يكون التبكيت فيها من قبل الكثرة التي يدل عليها الاسم المشترك أو اللفظ المشاغبي إنما ينعقد التبكيت فيه متى كان القول نفسه يلزم عنه نقيضه.
стр. 130
وليس يعرض هذا في قياس الخلف في كل المسائل. وذلك أن قياس الخلف منه ما يكون الكاذب اللازم عنه نقيض ما وضع فيه، مثل أن يلزم من وضعنا أن الأعمى يبصر أن يكون الأعمى ليس بأعمى. ومنه ما يكون الكاذب فيه نقيضاً لمقدمة معلومة، إلا أنها لم توضع جزء قياس، مثل أن يلزم عن قولنا: إن الأعمى يتخيل الألوان. وذلك كذب. إلا أنه لم يرفع منه الذي وضعنا.
قال: والنقض لهذه المباكتات التي تكون من قبل اشتراك الاسم إما في المقدمات كما قلنا، وإما في النتيجة، فيكون بأن يتقدم النجيب عند السؤال فيقسم الاسم المشترك إلى أنحائه، ويعرف الصادق منها من غير الصادق بأن يسمى ذلك، فليزد الشرط الذي به تكون المقدمة صادقة على جهة الاستثناء، مثل إن سأله سائل: أليس للساكت أن يتكلم، فقال: نعم، له أن يتكلم، فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك. فيقول: لكن لا في حين سكوته. وكذلك إن أجاب بأنه ليس يتكلم، تدارك ذلك. فقال: لكن يتكلم في المستقبل. وكذلك إذا سئل:
стр. 131
أليس كل من علم شيئاً فليس يجهله. فقال: نعم. فإنه يجب عليه أن يزيد، فيقول: من الجهة التي علمه. فإذا فعل ذلك، لم تتم عليه المغالطة المشهورة التي كان القدماء يستعملونها. فإنهم كانوا يسئلون، أليس من علم شيئاً من الأشياء فهو لا يجهله أصلا؟ وأنت تعلم أن كل اثنين عدد زوج وكنت لا تعلم هذين الاثنين اللذين خبأت لك، قبل أن أظهرها لك. فأنت إذن تعلم الشيء وتجهله معاً. وإنما قلنا إنه إذا اشترط من جهة ما علمه أنه ليس تلزمه هذه المغالطة، لأنه يقول: علمتها بالعلم الكلي، ولم أعلمها بالعلم الجزئي. فإذن الذي علمت ليس الذي جهلت.
стр. 132
قال: ومن يعرف أن التغليط قد يعرض من المشاغبة التي تكون من قبل القسمة والتركيب، فقد يعرف أيضاً كيف النقض لهذه المغالطة، بأن يقول: إنه إذا قسمت، دلت على كذا؛ وإذا ركبت، دلت على كذا؛ وإن الدلالتين مختلفتان. وليس يلزم إذا قسمت وركبت أن تدل على شىء واحد. وقد لا يمتنع أن يجتمع فى اللفظ المشاغبة والمراء من قبل الانتقال من القسمة إلى التركيب، ومن قبل ما يعرض فى التركيب نفسه من الاشتراك، مثل قول القائل: أليس تعلم أن هذا يضرب؟ فإذا قال: نعم، قال: وبهذا كان يضرب؟ قال: نعم، قال فإذن أنت تعلم أن هذا كان يضرب، وبهذا كان يضرب، فإذن ما تعلم أن به يضرب فبذاك يضرب، والذى تعلم أن به يضرب هو علمك، فإذن بعلمك كان يضرب.
стр. 133
فإن هذا القول قد دخلته المغالطة من وجهين: أحدهما: أنه ما كان صادقاً فيه مفرداً لم يصدق مركباً. وذلك أن علمه بأن هذا يضرب كان صادقاً. وكونه أيضاً يضرب بهذا كان صادقاً، ولم يكن صادقاً أن يعلم أنه يضرب بهذا للذى كان يضرب. وأيضاً فان قوله:) وتعلم أن بهذا كان يضرب (قد يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى الآلة وإلى، العلم.
قال: والمغالطة التى تكون التغيير من من الإفراد إلى التركيب، أو بالعكس، ليس هو من نوع التى تكون من قبل اشتراك الاسم، على ما زعم بعض الناس من أن كل
стр. 134
مغالطة لفظية فهى من قبل اشتراك الاسم. وذلك أن اختلاف المفهوم فى اشتراك الاسم يعرض والاسم واحد بعينه. وأما ها هنا فإنما يتغير المفهوم بأخذ الاسم مرة مفرداً، ومرة مركباً، كما يختلف المفهوم من اللفظ الواحد بعينه عندما تقرن به علامة الرفع، أو علامة الخفض أو النصب. ويختلف الاسم الواحد المكتوب من حروف واحدة بعينها عند اختلاف النقط عليه.
قال:
وقد تبين أنه ليس كل ما ينقض من المغالطات اللفظية هو من قبل اشتراك الاسم من الأمثلة التى استعملها بعض الناس فى المغالطة، وأتى فى ذلك بأقوال مشهورة لأهل زمانه هى من باب المراء الذى من اشتراك التركيب، والذى من باب الجمع والإفراد. مثال ذلك قول القائل: أنا أرى بالعين الذى ترى. فإن مفهوم هذا اللفظ يختلف إذا جعلنا الضمير الذى فى) ترى (مرة راجعاً إلى العين، ومرة راجعاً إلى المخاطب. وهو بين أنه ليس هاهنا اختلاف مفهوم من قبل اشتراك الاسم.
وكذلك قول القائل: ألست تعلم السفن صقلية الآن لفضليتها ثلاثة سكانات؟ فإن) الآن (مرة تعود إلى السفن، ومرة إلى العلم.
ومثل ذلك: أليس سقراط حكيما فاضلا وإسكافا رديئاً؟ فهو إذن فاضل ردىء، وهذه المغالطة من باب إجراء المركب مجرى المفرد فى الدلالة.
стр. 135
ومن هذا أيضاً قول القائل: أليس للعلم الفاضل تعليم جيد، وهو جيد فى نفسه، وللعلم الردىء تعليم جيد، فالعلم الردىء جيد. وهذه المغالطة من إجراء المركب مجرى المفرد. وذلك أن المركب فى هذا المثال هو الصادق، والمفرد هو الكاذب.
стр. 136
ومن المثل المشهورة فى هذا الباب عند القدماء قول القائل: ألست تعلم أن كل ما هو ممكن لى أن أفعله فإنا أفعله، وممكن لى إذا لم أضرب بالعود أن أضرب به، فإذا أنا لم أضرب بالعود، فأنا أضرب بالعود.
قال: وهذا التغليط هو من باب إجراء المفرد مجرى المركب. وذلك أنه يصدق على فى الوقت الذى لا أضرب بالعود أنه يمكننى أن أضرب بالعود. ولا يصدق على مفرداً أنى أضرب بالعود، دون أن يقرن بأضرب لفظة) ممكن (. فإذن سبب هذا التغليط هو ألا يشعر باختلاف مفهوم لفظة) يضرب (إذا قرنت بالممكن، أو أطلقت إطلاقاً.
قال: وليس نقض هذا، كما ظن بعض الناس - أحسبه يشير به إلى أفلاطون - من أنه ليس كل ما يمكن لى فعله يكون وقت الإمكان فيه هو وقت الفعل، لأنه لو كان ذلك. لكان ممكناً أن أضرب إذا ضربت. فإن هذا النقض هو
стр. 137
خاص بهذا الموضع من جهة مادته، أعنى من جهة لفظ الممكن المستعمل فيه. والنقض الذاتى للأشياء التى هى نوع واحد من نوع واحد. وذلك إنما هو نقض عند تلك المسئلة بعينها. لا نقض لذلك النوع من المغالطة.
قال: وأما الغلط العارض من الإعجام، فالتبكيت لا يكون منه إلا أقل ذلك، كان ذلك فى المكتوب، أو فى اللفظ.
стр. 138
مثال ذلك فى اللفظ قول القائل: أليس البيت هو أين تحل، وأن ليس تحل سالبة أن تحل، فالبيت إذن سالبة.
وأما ما كان يعرض منها من قبل تفخيم الصوت وترقيقه فنقضه سهل. وذلك بأن يعرف بأنه ليس دلالة ذلك اللفظ، إذا فخم، هو دلالته، إذا رقق.
стр. 139
وأما التى شكل ألفاظها واحد، وهى فى مقولات مختلفة، فنقض التبكيتات الواقعة فيها يكون بأن يعرف من أى مقولة هو كل واحد منها، إذا كان عندنا معلوماً أجناس المقولات. والتبكيت يعرض فيها مثل قول القائل: يا هذا، أرأيت هل يمكن الشىء الواحد بعينه أن يكون يفعل وينفعل معاً؟ فإذا قال: لا. قال: وقد يمكن أن يبصر ويبصر إذا رأى نفسه. وأن يبصر هو مثل أن يضرب وأن يخرج، وبالجملة: ينفعل؛ وأن يبصر هو بمنزلة أن يضرب، وأن يخرج، وبالجملة يفعل. فإذا رأى المرء نفسه، فقد أمكن أن يوجد شىء واحد بعينه يفعل وينفعل معاً. وقد كان ذلك لا يوجد. هذا قبيح مستحيل. ونقض هذا هو قريب من النقض الذى للتبكيت الذى سببه اشتراك الاسم، وذلك بأن يعرف أن كل شكل يبصر، وإن كان كشكل يضرب، فهو يدل على الانفعال لا على الفعل. وذلك أنه يشبه المشترك من جهة الاتفاق فى صيغة اللفظ، كما أنه يشبه النغليط الذى يكون من أخذ مسئلتين فى مسئلة واحدة من جهة مخالفة يبصر ليضرب فى اللفظ، أعنى فى الحروف التى تركب منها. لكن الذى يسئل عن مسائل كثيرة سؤالا واحداً هو موافق بجهة ما للذى يسئل بالاسم المشترك، لأن هذا يسئل أيضاً عن مسائل كثيرة سؤالا واحداً. ولما كان هذا الاشتباه الذى بين الأقاويل المغلطة قد يوجد بأنحاء كثيرة من المغالطات اللفظية شبه المغالطات التى تقع من قبل اشتراك الاسم وليست منها؛ ولذلك ظن من ظن أن كل تغليط فهو من قبل الاسم المشترك.
стр. 140
ومثال ذلك من سأل، فقال: أليس من كان له شىء وألقاه فليس له. فإذا قال له: نعم، قال: أليس من كان عنده عشرة أكعب، فألقى كعباً منها أنه ليس له كعب، فإذا قيل: نعم، قال: أو ليس من له تسعة أكعب له أكعب، فإن من له أكعب ليس له أكعب.
وهذه المغالطة ليست من قبل اشتراك الاسم، وإنما هى من قبل أنه أخذ مطلقاً ما يصدق مقيداً. وذلك أن من ألقى كعبا من عشرة أكعب، صدق عليه أنه ليس له كعب واحد، لا أن ليس له كعب بإطلاق. ومن له تسعة أكعب، صدق عليه أن له تسعة أكعب، لا كعب بإطلاق. فإذن سبب هذا الغلط أن ما يصدق مع غيره، ظن أنه صادق إذا أخذ مفرداً. فهو من باب المباكتة التى تكون من قبل القسمة والتركيب، أو المطلق والمقيد.
стр. 141
ومما يشبه هذا أن يسئل السائل. فيقول: أليس ما أعطى المرء فهو ليس له؟ فإذا قيل له: نعم، سأل بسرعة: أليس ما للمرء فهو الذى يعطيه. فإذا أجاب المجيب بنعم، أنتج عليه: فإذن ما له ليس له.
وهذا التغليط أيضاً من باب الإفراد والقسمة. وذلك أن الشىء قبل أن يعطيه فهو له. فإذا أعطاه فليس له. فإذا أخذ) أن له (أو) ليس له (مطلقاً، عرض هذا التبكيت.
стр. 142
ونظير هذا قول من قال: أليس غير ممكن أن يبطش أحد بغير يد، ويبصر بغير عين، فإذا قيل نعم، قال: والأشل بغير يد وهو يبطش، والأعور بغير عين وهو يبصر، فإذن يبصر بغير عين، وليس يمكن أن يبصر بغير عين. وهذا إنما يصدق مقيداً، لا مطلقاً. وذلك أن الأعور يبصر بغير عين واحدة، لا بغير عينين، وكذلك الأشل يبطش بيد واحدة، لا بيدين.
قال: ومن الناس من نقض هذه المغالطات بأن ظنها من قبل اشتراك الاسم، فقال فى المثال الأول. إن الأعور لا يبصر، لكن يقال فيه إنه لا يبصر ليس مثل ما يقال فى الأعمى إنه لا يبصر، بل بمعنى أقل.
ومنهم من قال فى المثال الثانى: إن الذى أعطى كان كأنه ليس له، وما أخذ كان كأنه له. فإذن ما ليس له يقال على أوجه كثيرة، وكذلك ما له.
ومنهم من قال فى نقض ذلك: إنه قد يعطى المرء ما ليس له، وذلك أن من أعطى خمراً طيبة، فعندما أعطاها استحالت خلا فقد أعطى ما ليس له.
стр. 143
فكأنه ذهب إلى أن أمثال هذه المغالطات هى من باب اشتراك الاسم، وليس الأمر كذلك. لأن هذه وإن سلمتا أنها مناقضة، فإنما هى مناقضة جزئية بحسب عادة هذا التبكيت، لا بحسب الموضع الذى هذا التبكيت جزء منه. ولذلك من عرف طبيعة هذا الموضع ونقضه بحسب طبيعته، لم يمكن أن ينعقد عليه تبكيت.
ومن هذا الجنس من التبكيت قول القائل: يا هذا، أرأيت هذا المكتوب أليس صادقاً قولك إنه كتبه إنسان، وقولك إنك لم تكتبه أنت، وأنت إنسان، فإذن كتبه إنسان ولم يكتبه إنسان.
стр. 144
والنقض فى هذا أن يقال: كتبه إنسان هو غيرك، لا إنسان بإطلاق.
ومن هذا الجنس، أعنى الذى من الألفاظ، قول القائل: أرأيت ما يتعلم الإنسان فهو ما يتعلمه، وهو يتعلم الثقيل والخفيف، فالإنسان ثقيل وخفيف.
ووجه النقض لهذا أن يقال: إن لفظة) هو (إنما تصدق على العلم، لا على الإنسان.
стр. 145
ومن هذا القبيل قول القائل: ما يمشى الإنسان فهو يطأه، والإنسان يمشى فى النهار، فهو يطأ النهار.
ووجه النقض فيه أن يقال: أما المسافة التى يمشى فيها فهو يطأها، وأما الزمان الذى يمشى فيه فليس يطأه. والتقابل هاهنا من قبل اشتراك لفظة) فى (، فإن دلالتها على المكان غير دلالتها على الزمان.
ومثال آخر وهو قول القائل: هذا الإنسان هو الإنسان الخاص أو العام. فإن كان الخاص كان هذا الإنسان المشار إليه هو أنت لأن كليكما خاص، وليس هو أنت. وإن كان عاماً، كان جنساً، وليس المشار إليه بجنس، فهو جنس ليس بجنس.
ووجه النقض فى هذا أن يقال: إن الإنسان المشار إليه هو شىء ثالث غير الإنسان العام والخاص. وإن الإنسان إنما هو عام بالإضافة إلى أشخاص الناس، وهو خاص بالإضافة إلى إنسان إنسان من المشار إليهم. وأما المشار إليه فهو غير العام والخاص.
следующие страницы →