← Прочие науки

Прочие науки · id 21503

تلخيص السفسطة

ابن رشد الحفيد

Полный текст (180 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فمعرفتها إذن وحلها يكون لصناعة معلمة عامة، وتلك هى صناعة الجدل. ولذلك ما نرى أن الذى قيل من ذلك فى هذا الكتاب هو، من جهة، جزء من صناعة الجدل. فقد تبين من هذا أنه ليس لهذه الصناعة حل المغلطات الجزئية، ولا العامة، إلا من جهة أنها جزء من صناعة الجدل. لكن أرسطو لما نظر فى هذه الصناعة من جهة أنها جزء من صناعة الجدل، أعطى هاهنا القوانين التى بها تحل هذه المغلطات، وجعلها جزءاً من هذا الكتاب. قال: وليس الكلام ينقسم قسمين: فيكون منه ما يدل بحسب ضمير المتكلم واعتقاده، وهى الدلالة الى تخص المتكلم، ومنه ما يدل بنحو الاسم، وهى الدلالة التى تخص السامع، وأن الخطأ العارض من قبل دلالة المسموع، لا من قبل دلالة الضمير، بحسب ما اعتقد فى ذلك قوم - يشير به إلى أفلاطون.

стр. 72

قال: فإنه خطأ أن يظن أن اللفظ ينقسم هذين القسمين، بما هو لفظ، حتى يكون منه ما يدل بحسب ضمير المتكلم، ومنه ما يدل بحسب الاسم المشترك عند السامع. فإن اللفظ الواحد بعينه نجده مرة تكون دلالته بحسب ضمير المتكلم هى بعينها دلالته عند السامع.

стр. 73

فأما متى تكون دلالته بحسب مسموع الاسم، لا بحسب ضمير المتكلم، فعندما يسئل السائل المجيب عن مقدمة ما باسم مشترك، فيفهم المجيب من ذلك الاسم معنى واحداً من المعانى التى يدل عليها، فيلقاه السائل على معنى غير ذلك المعنى ويغالطه به، فإن دلالته بحسب المسموع عند السائل تكون غير دلالته بحسب ضمير المجيب واعتقاده. فأما إذا كان الاسم لا يفهم المجيب منه ولا السائل إلا معنى واحداً، فإن دلالته عند ضمير المتكلم هى دلالته عند السامع، وسواء كان الاسم مشتركاً يدل على كثيرين، أو كان واحداً، إذا لم يفهم منه السائل والمجيب إلا معنى واحداً، كانت دلالته بحسب المعنى الذى فى النفس هى دلالته بحسب المسموع. وقد يعرض للاسم أن يقال على معان كثيرة، وتكون الدلالتان فيه واحدة، أعنى دلالته من حيث هو مسموع، ودلالته من حيث يعبر به عن المعنى الذى فى النفس، وذلك إذا فهم السائل والمجيب من ذلك اللفظ جميع المعانى التى يقال عليها ذلك الاسم، مثل إن سأل سائل زينن فى اعتقاده أن الموجود واحد، مع أنه كثير عنده فى الحس، والسائل يفهم من لفظ الموجود والكثرة الذى يفهم

стр. 74

منها زينن، ومن معنى الواحد أيضاً المعنى الذى يفهمه منه زينن، فأجابه بأن الموجود واحد، فإن دلالة المسموع هى بعينها دلالة ما فى ضمير المتكلم. وأيضاً فإن قسمنا الألفاظ، فقلنا: إن منها بحسب الاسم، ومنها بحسب الضمير الذى هو المفهوم على ما تقتضيه القسمة الذاتية للشىء، حتى لا تكون قسمة متداخلة، فقد نفينا الدلالة عن اللفظ المسموع. لأن الدلالة للفظ إنما

стр. 75

هى على ما فى النفس والضمير. وإذا انتفت الدلالة التى بحسب الضمير، فلا يوصف حينئذ اللفظ بأنه مغلط، ولا بأنه غير مغلط، لأن هذين الوصفين إنما لحقا اللفظ من قبل أنه دال على ما فى النفس. فقسمتنا الألفاظ إلى ما هو دال على ما فى الضمير، وإلى ما هو دال بحسب المسموع هو شبيه بقسمة من قسمها إلى ما هو دال، وإلى ما هو مسموع فقط غير دال. واللفظ من حيث هو مسموع فلا مدخل له فى التغليط، ولا فى عدم التغليط. فهذا ما يلزم من الشناعة من قسم الألفاظ هذه القسمة، فأوجب لها الغلط من جهة المسموع.

стр. 76

على أن هؤلاء مختلفون: هل الغلط كله فى المعانى من جهة الاسم المشترك فقط، أو من جهة الألفاظ المسموعة فقط، سواء كان اللفظ اسماً مشتركاً أو غيره. فإن ضروب تغليط الألفاظ كثيرة. وذلك أن هؤلاء يرون أن التغليط فى القياس يكون من قبل الاشتراك فى التركيب. ويكون فى الأمور المفردة التى هى أجزاء القياس من قبل اشتراك الاسم المفرد، وكلهم يرون أن تغليط الاشتراك إنما هو من قبل اللفظ المسموع. ولذلك من قصر التغليط وجعله من قبل اشتراك الاسم المسموع، كما فعل أفلاطون، فهو فى غاية الخطأ. فإنه يظهر أن هاهنا مضللات كثيرة من الألفاظ، غير الاسم المشترك المفرد، ومن المعانى أنفسها، من غير أن يكون هنالك تغليط من قبل اللفظ. قال: وقد أساء أفلاطون فى التعليم حين رام أن يعلم التبكيتات السوفسطائية قبل أن يعلم القياس الصحيح ما هو، والنقيض الحقيقى ما هو. فان المباكتة

стр. 77

السوفسطائية إنما هى: إما قياس يظن به أنه قياس، وليس بقياس، أو نقيض يظن به أنه نقيض وليس بنقيض. والمغلطات تكون من قبل الغلط فى القياس، أو من قبل الغلط فى النقيض، أو من قبل الأمرين جميعاً. فمن لم يعلم ما هو القياس الصحيح والنقيض الصحيح فليس يمكنه أن يقف على تغليط أمثال هذه المواضع، وإن كان التغليط الواقع فيها من قبل الألفاظ فقط، كما يقولون. فمثال الغلط الواقع من قبل اللفظ فى النقيض قول القائل:) الساكت يتكلم، والمتكلم ليس بساكت، فالساكت ليس بساكت (، فإن هذين ليسا بمتناقضين. فإن الساكت بالفعل ليس ساكتاً فيما يستقبل. ومثال الغلط الواقع من قبل اللفظ فى شكل القياس قول من قال: إن الوزن دائرة، والدائرة شكل يحيط به خط واحد فى داخله نقطة، كل الخطوط

стр. 78

الخارجة منها إلى المحيط متساوية، فالوزن شكل بهذه الصفة. فإن المقدمتين المأخوذتين فى هذا القياس صادقتان، لكنهما لا تشتركان فى حد واحد، إلا فى اللفظ فقط. فمن لا يعلم أن القياس إنما يكون بأن تشترك المقدمتان فيه بحد واحد فى المعنى، لا فى اللفظ، لم يقف على وجه الغلط من قبل اللفظ فى هذا اللفظ فى هذا القول. ومثال ما وقع التغليط فيه من قبل اللفظ فى الوجهين جميعاً، أعنى فى النقيض وفى القياس، قول القائل:) الإنسان يعطى الشىء المعطى، والمعطى ليس له، فالإنسان يعطى ما ليس له (.

стр. 79

فإذا أخذ أن الإنسان يعطى ما ليس له، وأضاف إلى ذلك: أن ما ليس له يذم على إعطائه، أنتج من ذلك أن الإنسان يعطى ما يذم على إعطائه. فمن سلم هذا القياس، فقد غلط من قبل اللفظ فى موضعين: أحدهما: أنه أخذ) ما ليس له (الصادق على المعطى هو المناقض لما هو الصادق على المعطى. والثاني: أنه ظن أن) ما ليس له (المأخوذ محمولا فى المقدمة الصغرى هو بعينه) ما ليس له (الموضوع فى المقدمة الكبرى. وليس الأمر كذلك. فإن ما يعطى المرء هو له قبل أن يعطيه، وليس له بعد ما أعطاه. فإذن من لا يعرف القياس ولا النقيض لا ينتفع بمعرفة اشتراك الاسم. فإذن واجب على من رام أن يتعلم هذه الصناعة أو يعلمها أن يعلم ما هو القياس، وما هو النقيض. وسواء كان الغلط واقعاً من قبل اللفظ، كما يرى ذلك أفلاطون، أو من قبل الأمرين جميعاً، كما تبين قبل. قال: ويلزم من قال إن الخطأ إنما يعرض من قبل الاسم المسموع، لا من قبل المفهوم، أن يكون المهندس، إذا غلط فى التعليم، فظن أن المثلث المتساوى

стр. 80

الساقين ليس بمثلث، أن يكون غلطه من قبل الاسم المشترك المسموع، لا من قبل المفهوم. وهو بين أن الغلط إنما وقع منه بحسب المعنى الذى فى ضميره المفهوم. ولو سلمنا أن المثلث اسم مشترك لأن المعلم ليس فى حقه لفظ مسموع. وأيضاً إن كان الاسم يدل على كثيرين، وكان المجيب لا يفهم دلالة ذلك الاسم وعلى كم من معنى يدل، فهو إذاً جاوب، لم يجاوب بحسب أنه فهم معنى ما، وإنما سلم لفظاً لا يدرى ما يدل عليه. ولا يمكن أيضاً هذا المجيب أن يقسم المعانى التى يدل عليها ذلك اللفظ، ويستفهم السائل أى معنى من تلك المعانى هو الذى قصده. مثال ذلك: أنه إذا سأل سائل: هل الساكت يتكلم؟ وكان هذا يصدق على الساكت فيما يستقبل، ويكذب عليه فى حين سكوته، فإنه إن لم يفهم المجيب هذين المعنيين، فأجاب بأنه يتكلم مطلقاً، أخطأ؛ وإن أجاب بأنه لا يتكلم مطلقاً، أخطأ. فهذا الخطأ ليس هو من قبل أن ما فى ضمير المتكلم من ذلك مخالف لمفهوم السامع، لأن السامع لم يفهم منه شيئاً محصلا. فإذن ليس الألفاظ جنسين:

стр. 81

جنس يدل بحسب ما فى ضمير السائل وهو الذى يكون الصواب من قبله، وجنس يدل بحسب مفهوم السامع، ومنه يكون الغلط دائماً. ولا أيضاً جميع المغلطات تكون من قبل الألفاظ. فإنه قد تبين أنه هاهنا مغلطات من المعانى، مثل تغليط ما بالعرض، وغير ذلك من المواضع التى عددناها. ولا استعمال القسمة التى تحفظ المجيب من الغلط مع السائل فى جميع المواضع المغلطة على ما كان يذهب إليه أفلاطون فى جميع هذه الأشياء. لأنه إن سلم إنسان أن للمجيب أن يقسم المعانى التى يدل عليها الاسم المشترك، ويستفهم السائل عن المعنى الذى أراد من بينها، حتى لا يغلط فى الاسم المشترك، فماذا يقول فى الموضع الذى لا يشعر المجيب فيه بأن اللفظ مشترك، ولا يفهم له دلالة؟ فانه إن استفهمه عما يدل عليه اللفظ، عاد متعلماً، لا مجيباً. وكذلك إن قسم له السائل تلك المعانى، عاد معلماً، لا سائلا. وأيضاً إن جاز له، أى للمجيب، أن يستفهم السائل فى مثل هذا الموضع، أعنى فى الموضع الذى لا يفهم فيه دلالة الاسم المشترك حتى يبصره السائل، فكيف لا يجوز له أن يسأله عن وجه الغلط الذى لزمه من قلة شعوره بشروط القياس، مثل أن يسأل سائل: هل الآحاد التى فى الثنائية مخالفة للآحاد التى فى الرباعية؟ فإن قال: هى مخالفة لها، قال له: فالرباعية تخالف نفسها، لأنها إنما تركبت من الآحاد التى فى الثنائية. وإن قال: هى غير مخالفة، قال له: فالرباعية موافقة للثنائية ومساوية لها. فإن سبب التغليط فى هذا إنما هو الجهل بأن

стр. 82

المقدمتين اللتين يأتلف منهما القياس يجب أن تشترك بحد واحد فى المعنى، لا فى اللفظ. وهذا ليس يوقف عليه من المعرفة بطريق القسمة. فإن جاز له أن يستفهم عن الاسم المشترك فى الموضع الذى يجهل فيه أنه دال، فيجوز له أن يستفهم السائل فى الموضع الذى غلط فيه وجاز عليه الغلط من أجل أنه لم يعلم شروط القياس. ولذلك كان السائل يظن به أنه يجب أن يكون غير معلم، والمجيب يظن به أنه قد يجب أن يكون غير متعلم، لأن السائل يفحص لأن يعلم، والمتعلم قد علم. وبالجملة: فإن عقد القول الكاذب العام ثم حله، ليس للمبرهن، وإنما هذا للممتحن. وصناعة الامتحان العامة جزء من صناعة الجدل. وهذه الصناعة هى من جهة من صناعة

стр. 83

غير مبصرة ليس للمجيب فيها أن يسأل عما جهل، ولا للسائل أن يعلم. فإذن ليست القسمة نافعة فى حل الأقاويل المغالطية إلا عند المعلمين والمتعلمين فقط. ولو كانت نافعة، لم تكن فى كل موضوع، لأن مواضع الغلط كثيرة. القياس المغالطي قال: والقياس المغالطى منه مرائى ومشاغبى، ومنه سوفسطائى. والمشاغبى: هو القياس الذى يوهم أنه قياس جدلى، من غير أن يكون كذلك بالحقيقة، وهو الذى يتشبه صاحبه بصناعة الجدل، ويطلب به غاية صاحب الجدل، وهى الغلبة. والقياس السوفسطائى: هو الذى يتشبه صاحبه بالمبرهن، فيوهم أنه حكيم، من غير أن يكون كذلك. وهذا القياس أصناف:

стр. 84

منه ما يكون من الأمور الكاذبة الخاصة بجنس جنس، وهو الذى حله لصاحب تلك الصناعة، مثل ما فعل رجل من قدماء المهندسين يقال له بقراط. فإنه لما عمل مربعاً مساوياً للشكل الهلالى، ظن أنه وجد مربعاً مساوياً للدائرة، بأن ظن أن الدائرة تنقسم إلى أشكال هلالية حتى تفنيها.

стр. 85

فهذا الغلط هو خاص بصناعة الهندسة، وحله على المهندس. ومنه ما يكون من الأمور الكاذبة التى هى أعم من ذلك الجنس، مثل من زعم من المهندسين أنه إذا عمل مربعاً ثم قسم القوس التى تحيط بكل واحد من أضلاع المربع بنصفين، وأخرج منها خطين إلى طرفى الضلع، ثم قسم القوس المحيطة بذينك الخطين بنصفين، وأخرج، وفعل ذلك دائماً، فإنه ينتهى بذلك الفعل إلى أن تنطبق أضلاع الشكل المستقيم الخطوط الذى داخل الدائرة على محيط الدائرة، فيوجد شكل مستقيم الخطوط مساوياً للدائرة. فإن هذا جحد المبادىء

стр. 86

التى يستعمل المهندس وهو أن القسمة تمر فى الخطوط إلى غير نهاية، وأنه ليس ينطبق خط مستقيم على مستدير. فهذا القياس هو سوفسطائى من جهة تشبه بالمبرهن، وهو مشاغبى من جهة أن مقدماته الكاذبة عامة. ولذلك كان لصناعة الجدل حل أمثال هذه المقاييس. فعلى هذا يكون القياس المشاغبى هو القياس الكاذب الذى تكون نسبته إلى صناعة الجدل نسبة القياس الذى يضع رسوماً وأشكالا كاذبة إلى صناعة الهندسة. لكن الفرق بينهما أنه ليس لصناعة الجدل موضوع محدود، لا عام على ما عليه الفلسفة الأولى، ولا خاص على ما عليه الصنائع البرهانية الجزئية. وقد يظن أنه قد يكون نوع من القياس صادق، إلا أنه إذا استعمل فى الصنائع البرهانية على أنه خاص بذلك الجنس، نسب إلى صناعة السفسطة.

стр. 87

وذلك أن البراهين ليس من شرطها أن تكون مقدماتها صادقة فقط، بل وأن تكون مناسبة، وهى الخاصة بذلك الجنس. وذلك مثل ما ربع به بروسن الدائرة. فإنه لما عمل شكلا مستقيم الخطوط أعظم من كل شكل مستقيم الخطوط واقع فى الدائرة، وأصغر من كل شكل مستقيم الخطوط محيط بالدائرة، قال إن هذا الشكل هو مساو للدائرة، لأن الدائرة هى أصغر من كل شكل مستقيم الخطوط يحيط بها، وأعظم من كل شكل مستقيم الخطوط تحيط به. وإذا كان شيئان كلاهما أصغر من شىء واحد بعينه، وأكبر من شىء واحد بعينه، فهما متساويان. فإن هذا يوهم أنه برهانى، وليس ببرهانى. فهو مرائى.

стр. 88

فإذن لا يحيط علماً بأنواع القياسات المغلطة إلا من وقف على القياس الجدلى الصحيح والقياس البرهانى الصحيح، وهو الذى مقدماته، مع أنها صادقة، مناسبة. والصناعة البرهانية لما كانت تقتصر على إثبات أحد النقيضين، وهو الصادق، وإبطال النقيض الآخر الذى هو الكاذب. لم يضع مقدماتها من جهة السؤال. لأن المجيب قد يسلم ما ليس هو صادقاً. وأما صناعة الجدل فلما كانت معدة معرضة لأن تثبت كل واحد من النقيضين وتبطله كانت مقدماتها مأخوذة بالسؤال، ولم يكن قصدها تبيين شىء من الأشياء إلا إذا استعملت فى تبيين المبادىء الأول مع من يجحدها، على ما تبين فى كتاب الجدل. والصناعة الامتحانية الجدلية تستعمل من أجناس المقاييس السوفسطائية الجنس الذى يكون من المقدمات العامة الكاذبة التى ليست بخاصة بجنس من الأجناس، إذ كانت ليس لها موضوع خاص، لأنها جزء من صناعة الجدل. وليس صناعة الامتحان الجدلية، ولا بالجملة صناعة الجدل عند من يتعاطاها، كصناعة الهندسة، وغيرها من الصنائع البرهانية. فإن صناعة الامتحان الجدلية، والجدل نفسه، لما كان ليس لها موضوع خاص، وكانت المقدمات المشهورة مشتركة المعرفة للجميع أمكن أن يشارك العوام ومن لا علم له بصناعة الجدل والامتحان من عنده علم بهذه الصناعة، بخلاف الأمر فى صناعة الهندسة، أعنى أنه ليس يوجد أحد يشارك المهندس فى صناعته. لكنهم وإن شاركوا أهل هذه الصناعة، فمشاركتهم هى مشاركة يسيرة. ولما كانت صناعة الامتحان الجدلى تستعمل التبكيت العام المغالطى من جهة أنها

стр. 89

ليس لها موضوع محدود، وكانت هذه الصناعة، أعنى السوفسطائية، بهذه الحال، لأنه ليس لها جنس مخصوص، فبين أن معرفة المباكتات المغلطة تشترك فيها صناعة الامتحان الجدلى، وصناعة المشاغبية. ويتبين من هذا أنه ليس السوفسطائى الذى نت أهل هذه الصناعة هو الذى يبكت ويغلط المغالطة الخاصة بجنس جنس من أجناس العلوم البرهانية كما تقدم. وأيضاً فإن صناعة الجدل قد يجب عليها أن تعرف أصناف المباكتات المغلطة العامة ليتحفظ منها، كما يجب على صاحب صناعة صناعة من الصنائع الخاصة أن يعرف أصناف المغالطات التى فى تلك الصناعة. ولهذا كله وجب أن تشترك هاتان الصناعتان، أعنى الجدل والسفسطة. فأما من كم وجه وموضع تكون المباكتات السوفسطائية فقد تبين ذلك. لكن لما كان قصد هذه الصناعة ليس التبكيت المغالطى، بل وسائر تلك الأغراض التى قيلت، وكان أحد تلك الأغراض الذى هو ثان للغرض الذى

стр. 90

هو التبكيت هو سوق المخاطب إلى الكذب الشنيع، أو سوقه إلى الشك والحيرة، فقد ينبغى أن ننظر فى الأشياء التى بها تفعل هذه الصناعة هذا الفعل. وأول المواضع التى يقتدر بها السائل على سوق الكلام إلى التشنيع، هو ألا يجعل سؤاله للمخاطب على وضع محدود ويروم إبطاله بأن ينتج عن وضعه شنيعاً، كما يفعل السائل والمجيب فى الجدل، بل يجعل سؤاله لا على وضع محدود، بل كيف ما اتفق، وعلى غير وضع يتضمن المجيب نصرته. فإنه إذا كان الأمر بهذه الصفة، أمكن السائل أن يشنع فى وجود المقدمات التى يلزم عن وضعها شنيع ما، لأن المقدمات التى تفعل هذا، لا بالإضافة إلى وضع محدود، أغزر وأكثر من التى تفعلها بالإضافة إلى وضع محدود. وذلك أمر بين بنفسه، لأنه إذا رام أن ينتج الشنيع بحسب وضع محدود ضاق عليه وجود المقدمات التى تسوق إلى القول الشنيع بحسب ذلك الوضع، ولم يمكنه النقلة إلى مقدمات أخر، إذا لم يسلم الخصم تلك المقدمات التى بينها وبين الوضع مناسبة. ولذلك إذا سئل السائل المجيب عن أمثال هذه المقدمات كيف ما اتفق، أعنى التى تلزم عنها الشنعة، فتسلمها المجيب، أنتج عليه من حينه الشنيع. وإن امتنع من تسليمها - مثل أن يسئله موجبة، فيسلم سالبة؛ أو يسئله السالبة، فيسلم الموجبة - فإنه يمكن أن ينتقل معه فى السؤال إلى أن يعثر على ما يسوقه إلى التشنيع مما يسلمه. لكن المجيب فى هذه الحال هو أوضح عذراً، لأن له أن يقول إن هذا الشنيع لم يلزم مما سألت عنه أنت، وإنما هو شىء وقع فى أثناء القول، ولكن لا ينفك بهذا من أنه قد سلم شنيعاً، أو ما يلزم عنه شنيع. لأن

стр. 91

الموضع الذى من شأنه أن يسوق إلى الشنيع هو ألا يكون السؤال أو الجواب على وضع محدود. فمتى لم يشعر المجيب بتغليط هذا الموضع، ولم يتحفظ منه، تم عليه السوق إلى الشنيع، وإن تعسر فى موافقة السائل فى كثير مما يسئله. وقد تسهل موافقة المجيب للسائل إذا استعسر عليه بأن يخرج سؤاله مخرج سؤال المتعلم للمعلم، وهو مع هذا يضمر الغلبة، كما قيل فى كتاب الجدل. لكن إنما يكون هذا نافعاً فى بعض المواضع، دون بعض، على ما قيل هنالك. فإذن ملاك الأمر فى تبصير الكاذب الشنيع الذى يلحق من هذا الموضع والتحفظ منه إنما هو الشعور به، أعنى بهذا الموضع.

стр. 92

وموضع ثان: وهو أن يعمد إلى الأمور الشنيعة التى فى جنس جنس من أجناس العلوم فيحصيها وتكون عنده عتيدة. فإذا خاطب بعض من هو من أهل تلك الصناعة، ألزمه تلك الأمور الشنيعة التى فى صناعته. وكذلك أيضاً يجب عليه أن يحصى ما هو شنيع عند أمة أمة، أو عند الأ كثر، فيجد السبيل بذلك إلى الشنيع على الخصم. وأصل هذا كله أن يتعمد الشنيع الذى يخص تلك الأمة الذى المخاطب منها، أو أهل تلك الصناعة الذى المخاطب منها. والنقض الملائم لهذه المواضع الذى يبصر الكذب الذى فيها أولاً هو أن يعرف المجيب الخصم أن ما ألزمه من الشنيع أنه ليس يلزم مما سلمه. وإنما يمكن أن يفعل ذلك إذا أخذ السائل ما ليس بعلة للنتيجة على أنه علة. وأما متى لم يكن أخذ علة ما ليس بعلة، فليس يمكنه مناقضته.

стр. 93

لكن للمجيب بعد ذلك أن يتأمل ذلك الشنيع هل هو مما هو شنيع عند القول به، أو مما هو شنيع عبد الطبع. فإن كثيراً ما تتقابل المحمودات فى القول مع المحمودات بالطبع. لأن الجمهور يقولون كثيراً أحسن ما يكون من القول الذى ينحو نحو الجميل، وأعمالهم مصروفة إلى الأمور النافعة التى ليست بجميلة، مثل ما يقولون كثيراً: إن الموت مع صلاح الحال أفضل من الحياة مع الشر؛ وإنه أن يكون المرء مع العدل محتاجاً آثر من أن يكون غنياً بالجور، وهم مع هذا يؤثرون الحياة مع الشر، والغنى مع الجور. فيجب علينا متى ألزمنا الشنيع الذى بحسب القول أن نقابله بأنه محمود عند الطبع؛ وإن ألزمنا الشنيع بحسب الطبع قابلنا ذلك بأنه محمود بحسب الاعتقاد والقول. وقد يوجد هاهنا موضع واسع كثير المنفعة فى مقاومة هذا الجنس من القول: وهو أن المحمودات عند الشريعة كثيراً ما تضادها المحمودات عند الطبيعة. فينبغى للذى يشنع عليه بمقابل المحمود ى الشريعة أن يقابل ذلك بأنه

стр. 94

محمود عند الطبيعة. ومن شنع عليه بالمقابل المحمود عند الطبيعة أن يقابل ذلك بأنه محمود عند الشريعة. فإنه كثيراً ما تتضاد المحمودات بالطبع مع المحمودات بالشرع، فتنقض كل واحدة منهما من حمد صاحبتها. لكن المحمودات بالطبع هى محمودات من قبل صدقها، والتى بالشرع هى محمودات من قبل أنها المعمول بها عند الأ كثر، أى المشهور.

стр. 95

فقد تبين أنه كما أن لهؤلاء أن يناقضوا الأمور الشنيعة التى ينتجها عليهم التقابل من هذه المواضع، كذلك للسائلين أن يضطروا المجيب من المواضع التى ذكرناها، إما إلى التبكيت، وإما إلى الإقرار بالشنيع. وقد يكون من مفردات المسائل ما يتفق فيها أن يلزم السائل المجيب الشنيع بأى المتناقضين أجاب. والمواضع التى تفعل هذا هى التى تسوق المخاطب إلى الشك والحيرة، وهو الغرض الثالث من أغراض السوفسطائيين، مثل قول القائل: أىّ ينبغى أن نطيع أكثر: الحكماء أم الآباء؟ فإن قيل) الآباء (، قيل فمخالفة ما تقتضيه الحكمة واجبة. وإن قيل) الحكماء (، قيل فعصيان الوالدين إذن واجب. وكذلك هل ينبغى أن نؤثر ماهو عدل أم ما هو نافع. ومثل هل أن تظلم آثر من أن تظلم، أم الأمر بالعكس. وبالجملة: فإن هذا النحو من الحيرة يلحق جميع الأشياء التى تتضاد فيها آراء الحكماء مع آراء الجمهور

стр. 96

والأ كثر. مثال ذلك: أن الحكماء يرون أن الملوك السعداء هم العدول، والجمهور يرون أن السعداء هم المظفرون. وقد يمكن أن يقال إن التضاد الذى فى هذا الجنس هو راجع إلى التضاد الذى يلفى بين المحمودة بالطبيعة والمحمودة بالسنة، لأن الذى عند الحكماء والذى عند الطبيعة هو محمود من أجل أنه صادق، والذى عند الشريعة وعند الأ كثر هو محمود من أجل أنه مشهور، وأن عليه الأ كثر. فمن هذه المواضع ومن أشباهها ينبغى أن يطلب وجود هذه المقدمات الشنيعة، وهى التى يسميها أرسطو) الناقصة الإقرار (.

стр. 97

فأما من أين يمكن صاحب هذه الصناعة أن يلجىء المتكلم إلى التبكيت، أو إلى الهذر والتشنيع عليه بذلك، وهو الغرض الرابع، فذلك يعرض للذين ليس عندهم فرق، ولا اختلاف، بين أن يؤتى بالشىء من حيث يدل عليه اسم مفرد، أو من حيث يدل عليه بذلك الاسم مع بعض ما يدل عليه ذلك الاسم: إما على طريق اللزوم، وإما على جهة التضمين، حتى يأتى مجموع ذلك فى صورة القول المركب. وذلك يعرض كثيراً فى المضافات وفى حدود الأشياء التى قوامها فى موضوع ما، ويؤخذ ذلك الموضوع جزء حدها، فيعرض من ذلك إما أن يبكته ويلزمه الإقرار بالقول الكاذب، وإما أن يهذر فى كلامه. مثال ذلك فى المضاف أن يقول: إن كان ما يدل عليه قولنا) ضعف (هو ما يدل عليه قولنا) ضعف النصف (، لأن الضعف إنما هو ضعف للنصف، وكان النصف ضعفاً، فالضعف ضعف. فإما أن يقول إن الضعف ليس هو ضعفاً للنصف، وإما أن يقول إن الضعف هو ضعف، وذلك هذر. فإن الجزء لا يكون جزءاً عن نفسه.

стр. 98

ومثل أن يقول: إن كانت الشهوة إنما هى شوق إلى اللذيذ، والشوق إلى اللذيذ شهوة، فالشهوة إذن شهوة. وإنما عرض هذا من قبل أن هذين من المضاف. فإن الضعف إنما هو ضعف لشىء، والشهوة شهوة لشىء. وكذلك يعرض فى أمثال الأشياء التى وجودها فى النسبة. وأما الأشياء التى تلجىء المخاطب إلى الهذر فى حدودها، فليست هى من المضافات، وإنما هى من ذوات الكيفيات، وذلك أن الموضوعات لهذه يأخذونها مرة مع الحدود، ومرة فى الحد، فيعرض من ذلك أن يكرر الشىء الواحد مرتين. مثال ذلك أنهم يقولون: إما ألا يكون الأنف الأفطس هو الأنف العميق، وإما أن يكون الأنف الأفطس هو الأنف العميق،

стр. 99

فيكون الأنف هو الأنف. وذلك هذر. وكذلك إما ألا يكون الفرد هو العدد الذى ليس ينقسم بقسمين متساويين، وإما أن يكون الفرد هو العدد الذى ليس ينقسم بقسمين متساويين، فيكون العدد هو العدد. وذلك هذر.

стр. 100

وربما لحق الاسم المفرد مثل هذا من غير أن يؤخذ مركباً، مثل قول القائل:) يا هذا، هل يدل الضعف على شىء (. فإن كان دالا، فإما أن يدل على شىء ليس هو ضعفا، وإما أن يدل على ضعف. لكن إن دل على ضعف، كان الضعف نفسه ضعفاً، وذلك هذر، وإن دل على غير ضعف، فالضعف ليس بضعف.

стр. 101

قال: وأما سوق المجيب إلى أن يتكلم بكلام يظن به أنه مستحيل الدلالة، من غير أن يكون كذلك، فإنما كانت أكثره، إلا اليسير منه، من الألفاظ المشتركة الأشكال للمذكر والمؤنث. وما ليس بمذكر ولا مؤنث. وهذا خاص بلسانهم. فإنه كانت لهم أشكال خاصة بالمذكر والمؤنث، وأشكال لما ليس بمذكر ولا مؤنث. وهذه ربما دل بها عندهم على المذكر والمؤنث. وهذا هو الغرض الخامس من أغراض السوفسطائيين. وينبغى أن نتأمل فى لساننا المواضع التى يعرض فيها مثل هذا العرض. فإنه يشبه أن يكون هذا مشتركاً لجميع الألسنة، وهو المسمى عندنا عياً. والعىّ منه ما هو عىّ بالحقيقة، وهو الكلام المستحيل المفهوم، ومنه ما هو عىّ فى الظن وهو الذى ينبغى أن يفحص هاهنا عن مواضعه. قال: فقد تبين من هذا القول أجناس المواضع المغلطة فى غر ض غرض من الأغراض الخمسة السوفسطائية، وأنواع تلك الأجناس. والذى يقى من تمام هذه المعرفة هى ثلاثة أشياء:

стр. 102

أحدها: أن يقال كيف ينبغى لمن يريد العمل بهذه المغلطة أن يجيد السؤال. فانه ليس الفرق بين فعل هذه المواضع، إذا أجيد العمل بها، وإذا لم يجد، بيسير، وسواء كان ممتحناً أو مغالطياً. والثانى: كيف ينبغى أيضاً أن يجيد الجواب من كان مزمعاً أن يتحفظ من هذه المغالطات. والثالث: كيف ينبغى أن ينقص كل واحد من تلك المواضع الثلاثة عشر. فأما أولا: فإن التغليط يكون أبلغ إذا قصد تطويل الكلام عند استعمال تلك المواضع. فإنه يكون ما فيها من التغليط أخفى على السامع. وثانياً: أن يسئل مستعجلا، لا متثبطاً. فإنه إذا استعجل فى القول، كان التغليط الذى فيه أخفى وأحرى ألا يوقف عليه. وثالثاً: أن يغضب المجيب. فإنه إذا غضب، اختلط فهمه، فلم يفهم شيئاً. والغضب إنما يثيره أكثر ذلك أن يصرح ويعلن قصوره وقلة فهمه.

стр. 103

ومنها: أن يسئل عن المقدمات التى يروم المغالطة بها مبدلة الترتيب من موضعها من القياس، مخلوطة بالمقدمات المشهورة التى يلزم عنها نقض ما يروم إنتاجه على المجيب. فإن هذا الفعل مما يخفيها، فلا يفطن لها، فتسلم. وذلك أنه إن كانت المقدمات التى يروم المغالطة بها شنيعة غير محمودة الصدق، استترت بخلطها بالمشهورات. وإن لم تكن شنيعة، فقد يعلم من أى يروم تسليم الشنيع وحده، إذ كان مفرداً، إذ كان عسيراً ما يسلم. ومثال ذلك: من فعلة من يروم استعمال السموم بخلطها بالأغذية لتخفى. وأيضاً فإنه يخفى على المجيب من أيها يروم الإنتاج، فيتحير فى معرفة ما يسلم منها مما ليس يسلم.

стр. 104

ومنها: أن يسئل عن نقيض الشىء الذى يروم تسليمه، ليكون المجيب، إذا لم يسلم له ذلك وتعسر عليه، فقد سلم له الشىء الذى قصد تسليمه منه. ومنها: أن يسئل مصرحاً بطرفى النقيض كأنه لا يبالى بأيهما أجاب المجيب، فإنه بهذا الفعل يخفى على المجيب أى النقيضين يقصد تسليمه، فربما سلم مقصوده إذا لم يعلمه. ومنها: أنه إذا استعمل الاستقراء ألا يضع وجود الحكم لجزئيات الشىء الكلى الذى يروم تصحيحه على جهة السؤال، بل يضع جميع الجزئيات على أن وجود المحمول أمر واضح لها، وأنه مما لا يحتاج إلى سؤال فى وجود ذلك المحمول لجزئيات ذلك الشىء الذى يرام إثبات المحمول بكليته بالاستقراء. وإذا أتى بجملة تلك الجزئيات كأنه قد سلمها المجيب، فليتبع ذلك بتصحيح الكلية وهو وجود ذلك المحمول لكل ذلك الموضوع، من غير أن يسئل عن لزوم الكلية

стр. 105

من قبل وجود المحمول لجزئيات الموضوع. فإنه إذا فعل ذلك، ربما تعسر المجيب عليه، فلم ينتفع بالاستقراء الذى وضعه. وإذا كان ذلك الكلى له اسم، وخاف - إذا صرح باسمه - ألا يسلم له وجود الكلية، فينبغى أن ينقل الحكم من الجزئيات إلى الشبيه الموجود لها، لا إلى اسم ذلك الشىء الكلى المحيط بالجزئيات. واستعمال المثالات المتشابهة بالجملة يضلل كثيراً، لأنه ينقل الحكم من بعضها إلى بعض.

стр. 106

ومنها: أن يسئل عما يظن به أنه طرفا ضد ليس بينهما متوسط، وليس الأمر كذلك. فإذا رفع له المجيب الشنيع منهما إلى جنب المحمود، سلم له المحمود، وذلك أن الشنيع منهما يظهر قبحه كثيراً عندما يوضع بجنب الضد الآخر. وكذلك المحمود يظهر حمده أكثر. مثل أن يسئل: هل ينبغى أن يطيع الآباء فى كل شىء، أو يعصيهم فى كل شىء؟ فإنه إذا قال: ليس ينبغى أن يعصى الآباء فى كل شىء، ألزمه عند ذلك أنه يجب أن يطيع الآباء فى كل شىء. وكذلك إذا سأل: هل المحرم الشراب الكثير، أم القليل؟ فأجاب هو بأن الكثير محرم، ألزمه من ذلك أن يكون القليل غير محرم. وأكثر ما يعرض التغليط فى السؤال ويظن به أنه قد انعقد التغليط، وقد ثبت، بأن يسئلوا عن

стр. 107

أمور ليس بينها اتصال وبين النتيجة. فإذا سلمت لهم، أتوا بالنتيجة كأنها قد لزمت عن تلك الأمور، ويوهمون أن ذلك شىء قد فرغ منه، وأن الخصم قد بكت وانقطع. فإن هذا لا يقدر على حله ومقاومتهم فيه إلا العارف بطبيعة القياس، القليل الانفعال عن مباهتتهم ومجاهرتهم بأنهم قد ألفوا القياس من غير أن يؤلفوه. وإنما كانت الحيلة معهم فى هذا الموضع عسيرة إلا على الحكماء، لأن أكثر السامعين لا يعرفون طبيعة القياس. ومن حيل السائلين أنهم إذا سألوا عن مقدمة كاذبة ليبكت منها المجيب إذا سلمها، اضطروه إما أن يسلمها ويسوقوه إلى الشنيع، أو إلى أن يسلم المقدمة أو القول المركب من المقدمات بحال يمكن فيها أن يحرف فيلزم عنها التبكيت. وربما نفعهم فى هذا استعمال الاستدراجات التى تستعمل فى الخطابة مع السامعين، أعنى ليسلموا الشىء بالجهة التى بها يظن أنهم قد سلموا المطلوب

стр. 108

منهم، فيحرفونه، ويعقدون عليهم التبكيت، مثل أن يسلموا الشىء مطلقاً، فيحرفونه ويضعونه بشرط ما. ومن حيل المجيب أنه إذا لزمه التبكيت، أو قارب أن يلزمه، أوهم أنه سائل، وأنه ليس بمجيب. وهذا كثيراً ما يفعله الناس بالطبع عند المناظرة التى يقصد بها الغلبة. ومن الحيل للسائل أنه إذا سأل عن مقدمات كثيرة، فسلم المجيب بعضها ولم يسلم بعضاً، وكان ما لم يسلم منها يلزم عنها التبكيت لو سلمها، أن يأتى

стр. 109

بجميع تلك المقدمات دفعة ويردفها بالنتيجة. فإن المجيب قد يعرض له أن يتحير، لأنه كثيراً ما ينسى التى سلم من التى لم يسلم. ومن الحيل لهم أن يخلطوا فى المقدمات التى تنتج التبكيت ما ليس له غناء فى إنتاج التبكيت، فتخفى لذلك المقدمات الكاذبة على المجيب. لكن المجيب إذا كان له شعور، لم يكن هذا معه ومنه من ذلك. فمن الحيلة للسائل أن يتطرق إلى إدخال ما ليس له غناء فى إنتاج النتيجة بين ما له فى ذلك غناء بوصلة تقيم عذره فى ذلك، مثل أن يذكر الأمور اللاحقة لتلك المقدمة، والأمور المتقدمة عليها، والمقارنة لها.

стр. 110

ومن الحيلة للسائل إذا أعياه ان ينتج عليه الكاذب الذى يقصد إنتاجه أن ينصرف إلى إبطال نقيضه وينقل الكلام إليه، إن كان يروم من أول الأمر إثبات شىء معين، أو أن ينصرف إلى إثبات نقيضه، إن كان يروم إبطال وضع موجب. ومن الحيلة لهم أنهم ربما تركوا السؤال عن المقدمات، وأتوا بالقياس مع النتيجة كأنه شىء قد سلمه المجيب. فإن حيرة المجيب تكون حينئذ أشد، لأنه ينبغى له حينئذ أن ينظر فى جميع مقدمات القياس وفى شكله، فيرد على ذهنه أكثر من شىء واحد مما يجب أن ينظر فيه، فربما تحير، أو خفى عليه الجزء الكاذب بما هنالك من الجزء الصادق.
следующие страницы →