Полный текст (685 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨هـ?"
أراني أذكر "مولاي" إذا طلعت الشمس أو هبت الريح أو نجم أو لمع البرق أو عرض الغيث أو ذكر الليث أو ضحك الروض وأنى للشمس محياه وللريح رياه وللنجم حلاه وعلاه وللبرق سناؤه وسناه وللغيث نداه ونداه وفي كل صالحة ذكراه وفي كل حادثة أراه فمتى أنساه وأشده شوقاه: وعسى الله أن يجمعني وإياه.
" وكتب الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة ١٩٠٦م "
مازلت أدافع النفس عما تتقاضاني من شكوى أشواقها وفي الشكوى شفاء واستنزال أثر من لدنك تتعلل به مسافة البين إلى أن يمن الله باللقاء ومن دون إجابتها مشاده قد شغلت الذرع وشواغل قد أفرغ من دونها الوسع إلى ان اغلب جيش الوجد على معاقل الصبر وزاحم مناكب العدواء حتى ضرب أطنابه وبين الحجاب والصدر فاتخذت هذه الرقعة أزجيها إليك وفيها من وقر الشوق ما ينوء برسولها ومن رقة الصبابة ما يكاد يطير بها: أو يخلفها فيصافح الأعتاب قبل وصولها: راجياً لها أن تتلقى بما عهد في سيدي من الطلاقة والبشر وأن لا يضن عليها بما عودني من تمهيد العذر ويصلني من بعدها بأبنائه الطيبة عائدة عنه بما يكون للناظر قرة وللخاطر مسرة: إن شاء الله تعالى بمنه وكرمه.
стр. 37
" وكتب أيضاً "
وافاني كتابك العزيز فأهلاً بأكرم رسول جاء ببينات الإخلاص والوفاء مصدقاً لما بين يديه من ذمة الوداد والإخاء. يتلو علي من حديث الشوق ما شهد بصحته سقمي. وهتف مؤذنه في كل مفصل من جسمي ويذكرني من عهدك ما طالما أذكرينه البرق إذا لمع والبدر إذا طلع والقمري إذا سجع. وإنما عداني عنك ما أنا فيه من مجاذبة الشواغل ومساورة البلابل.
وفي القلب ما في القلب من شجن الهوى ... تبدّلت الحالاتُ وهو مقيمُ
وأنا على ما بي من غل البنان وشغل الجنان مازالت أبناؤك عندي لا يخطئني بريدها ولا ينقطع عني ورودها أهنئ النفس منها بما تتمنى لك من سلامة لا يرث لها شعار وإقبال لا يعترضه بإذن إدبار.
وقصارى المأمول في كرمك أن تعاملني بما سبق لك من جميل الصلة إلى أن يمن الله بالاجتماع ويغني بالعيان عن السماع (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: ١٧] .
" وكتب أبو العباس الغساني المتوفي سنة ٤٩٨ه ـ?"
سر إلى مجلس يكاد يسير شوقاً إليك. ويطير بأجنحة من جواه حتى يحل بيم يديك فلله در كما له إن طلعت بدراً بأعلاه. وجماله إن ظهرت غرة بمحياه. فهو أفق قد حوى نجوماً تتشوق إلى طلوع بدرها وقطر قد اشتمل على أنهار تتشوق إلى بحرها لنستمد منها إن مننت بالحضور وإلا فيا خيبة السرور.
стр. 38
" وكتب الصاحب بن عباد المتوفي سنة ٣٨٥ه ـ?"
مجلسنا يا سيدي مفتقر إليك معول في شوقه عليك ولقد توردت خدود بنفسجة وفتقت فأرة نارنجه وانطلقت ألسن الأوتار وقامت خطباء الأطيار وهبت رياح الأقداح ونفقت سوق الأنس والأفراح وقد أبت راحته أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك وأقسم غناؤه لا طيب حتى تعيه أذناك. ووجنات أترجه قد احمرت خجلاً لإبطائك. وعيون نرجسه قد حدقت تأميلاً للقائك ونحن لغيبتك كعقد ذهبت واسطته وشباب قد أخذت جدته وإذا غابت شمس السماء عنا فلا أن تدنو شمس الأرض منا. فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد ونحصل بك في جنة الخلد: فكن إلينا أسرع من السهم في ممره والماء إلى مقره لئلا يخبث من يومي ما طاب ويعود من نومي ما طار.
" وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٣ه ـ?"
كتابي وأنا بما يبلغني من صالح أخبار "السيد" مغتبط مسرور وبما يعرفه الزمان وأهله من اعتضادي به مصون موفور والله على الأولى محمود وعلى الأخرى مشكور، التطفل وإن كان محظوراً في غير مواطنه فإنه مباح في أماكنه وهو وإن كان في بعض الأحوال يجمع عاراً ووزراً فإنه في بعضها يجمع فخراً ورب فعل يصاب به وقته فيكون سنة وهو في غير وقته بدعة وقد تطفلت على "السيد" بهذه الأحرف أخطب بها مودته إليه وأعرض فيها مودتي عليه وأسأله أن يرسم لي في لساني وقلبي رسماً ويختم عليهما ختماً فقد جعلتها باسمه وقصرتهما على حكمه وسأضعهما
стр. 39
تحت ختمة وبرئت إليه منهما وصرت وكليه فيهما فهماً على غيره حمى لا يقرب، وبحيرة لا تحلب ولا تركب، ولما نظرت إلى آثار السيد على الأحرار ونشرت طراز محاسنه من أيدي القاصدين والزوار ورأيت نفسي غفلاً من سمة مودته وعطلاً من جمال عشرته حميتها من أن يحمي عليها ورد مورود ويحسر عنها ظل على الجميع ممدود: وعجبت من:
سحابٌ خطاني جوده وهو صيّبٌ ... وبحرٌ عداني سيلهُ وهو مفعمٌ
وبدرٌ أضاءَ الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضعُ رجلي منهُ أسودُ مظلم
" وكتب الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة ١٣٣٥ه ـ?"
مولاي: أما الشوق إلى رؤيتك فشديد وسل فؤادك عن صديق حميم وود صميم وخله لا يزيدها تعاقب الملوين وتألق النيرين إلا وثوقاً في العرى وإحكاماً في البناء ونماء في الغراس وتشييداً في الدعائم ولا يظنن سيدي أن عدم ازديادي ساحته الشريفة واجتلائي طلعته المنيفة لتقاعس أو تقصير فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير والسيد أطال الله بقاءه أجدر من قبل معذرة صديقه وأغضى عن ريث استدعته الضرورة.. وبعد فرجائي من مقامكم السامي أن لا تكون معذرتي هذه عائقاً لكم عن زيارتي: فلكم مننا طوقتمونيها ولكم فيها فضل البداءة وعلي دوام الشكران والسلام.
стр. 40
" وكتب المرحوم محمد بك دياب المتوفي سنة ١٣٣٩ه ـ?"
كتابي إليك: وقد أطال بي الانتظار وشوقي يجل عن الكيف والانحصار فشخصك دائم المثول أمام إنساني وعن سواك من الأخلاء ألهاني وأنساني فلله أيام قضيناها وليال من الدهر اختلسناها كان السرور فيها ضارباً خيامه والأنس ناشراً أعلامه طوي بساطها وكأن الأمر ما كان غير أنها زرعت بفؤادي شجرة الأشجان لكن عودها حليف أوبتك وتجددها رهين إشارتك فمتى يقرب المزار وتنجلي سحب الأكدار فاضرب لعودك أجلاً فالعود لاشك أحمد واكتب بقربك وصلا فالوصل اضمن للعهد: وعهدي من خلقك الوفاء وحسن الولاء فلا تجعل صفقة شوقي إليك خسراً بل هبني بعد العسر يسرا.
" وكتب وفا أفندي محمد المتوفي سنة ١٣١٩ه ـ?"
أما بعد، سلامي عمليك فهذا كتابي ينبئك عني وعن شوقي وعن ودي ولا أزيدك علماً أني ما كتبته من دواة ولا أجريت عليه فلماً ولكنها دموع وشوق سالت على القرطاس وجرت على حركات الخواطر والأنفاس وهبت عليه حرارة كبدي بالأشواق ووجدي بالفراق: فبينما عي عقيقة حمراء غذ صارت فحمة سوداء: ألا وإن كتابي هو قلبي ولساني أما تراه على رقته ولطف عبارته وصدق طويته بين يديك مقبلاً عليك ينشره الشوق ويطويه لا يخفى أمراً ولا يكتم عنك سراً وتلك صفات لساني وقلبي معك: فما الذي أبتغيه بعد وقد بعثت إليك بالأصغرين وما أنا إلا بهذين نعم أرجو بقاك ممتعاً بنعماك لأكون على الدوام محل
стр. 41
نظرك والسلام.
" وكتب مؤلف هذا الكتاب "
كتابي لديك يصف شوقي إليك ولا يخفى عليك فمذ فارقتني فرقت بين أنسي ونفسي بل بين روحي وجسمي ولا تعجب إذا كنت أغدو وأروح فالطير يمشي من الألم وهو مذبوح وإني أشكو إليك؟ من ألم الوحشة غراماً لا يشعر به إلا من ذاق حلو أنسك وعرف مقدار نفسك وساهد جمال لطفك وفي صفاتك ترويحاً لروحي وفي كرم خلقك تفريحاً لنفسي.
إذا وصف الناسُ أشواقهم ... فشوقي لوجهك لا يوصفُ
فعندي لك من المحبة والشوق والتلهف والتوق ما لايصفه الواصفون ولا يعبر عن حقيقته العارفون.
الشّوق فوق الذي أشكو إليكَ وهل ... تخفى عليك صباباتي وأشواقي
فيا شوقي إلى لقياك ووالهفي على جمال محياك قيدن أملي عن سواك وبهرت ناظري بنظرة سناك وكسرت جيش قراري وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري.
فؤادي والهوى سلمٌ وحربُ ... وسلواني أقام على الحياده
وشوقي كاملٌ ما فيهِ نقصٌ ... فلستُ عليهِ أطمعُ في الزّياده
فليت شعري ماذا أصنع في شوق أنا مدفوع إليه من صادق حبي بعوامل صادفت مني قلباً خالياً فتمكنت بالتعارف ولم تدع للسلوان سبيلاً.
عرفتُ هواهُ قبل أن أعرفَ الهوى ... فصادفَ قلباً خالياً فتمكَّنا
стр. 42
إي وربي إن شوقي إليك الظمآن إلى برد الشراب وحنيني لك حنين الشيخ إلى زمن الشباب، فما الأبل وقد حنت إلى أعطانها، والغرباء وقد أنت إلى أوطانها بأعظم مني حنيناً ولا أكثر أنيناً.
ولكنّ التفرُّق طالً حتى ... توقّدَ في الضُّلوع له حريقٌ
فكلما تخطر ببالي في أي وقت من الأوقات يمثل لي التذكر منك محاسن ولطائف تجذبني ميلاً إليك وتطربني شغفاً بك واغتباطاً بإخائك فلا عجب أن كان شوقي لرؤيتك عظيماً لأنه كما قيل (كم كرم الرجل حنينه إلى أوطانه وشوقه إلى إخوانه) .
يا خلاصَ الأسيرِ يا حصّة المّد ... نف يا زورة على غيرِ وعدِ
يا نجاةَ الغريقِ يا فرحةَ الأو ... بة ياقفلة أتتْ بعد بعدِ
ارضَ عنّي فدتكَ نفسيَ أنّي ... لك عبدٌ أذلُّ من كلّ عبدِ
ناشدتك الله أن ترفق بحالي وتعيد وصالي وارع الود القديم وأبدل شقاء محبك بالنعيم واغمد سيف ظلمك المسلوى (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: ٣٤] .
الفصل الثاني في التعارف قبل اللقاء
" كتب أبو منصور التيسابوري المتوفي سنة ٤٢٩ه ـ?"
نحن في الظاهر على افتراق وفي الباطن على تلاق نحن نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر إذا حصل القرب بالإخلاص لم يضر البعد بالأشخاص أنا أناجيك بخواطر قلبي وإن كان قد غاب شخصك عني إن أخطأتك يدي بالمكاتبة ناجاك سري بالمواصلة رب غائب بشخصه حاضر
стр. 43
بخلوص نفسه إن تراخى الالقاء فإننا نتلاقى على البعاد ونتلافى نظر العين بالفؤاد.
" وكتب أيضاً "
أنا أشتاقك كما تشتاق الجنان وإن لم تتقدم لها العينان أنا وإن كنت ممن لا يسعد بلقائك فقد اشتمل علي الأنس ببقائك والشوق إلى محاسنك التي سارت أخبارها ولاحت آثارها لازالت الأيام تكشف لي من فضلك والأخبار تعرض علي من عقلك ما يشوقني إليك وإن لم أراك ويزيدني رغبة في ودك وقد سمعت خبرك.
" وكتب الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة ١٣٣٥ه ـ?"
كما أن شغف الجنان بالحسن والإحسان تكون داعيته المشاهدة وتسريح الأنظار في محيا الكمال ومجلتي الجمال فترى العين من تلك الغرة ما يملؤها قرة فكذلك السماع يستدعي هذا الشغف فيتأثر الفؤاد بما يشنف الأذن مما تهديه إليه طرائف الأخبار حتى كأن حاستي السمع والبصر في ذلك صنوان بل أخوان في هيكل هذا الجثمان وقد يعلن السيد أطال الله بقاءه وأدام ارتقاءه أن ذلك الأمر (أي الشغف بالسماع) ليس بالحديث العهد ولا القريب الجدة بل هو أمر عرف قديماً أن يهدي السماع إلى سويداء القلب لاعج الحب سعره من الأنباء عرف شميم فتهيم بمجرد استنشاق ذلك الشميم حتى يقول الشاعر العربي (والأذن تعشق قبل العين أحياناً)
стр. 44
أجل والقدوة في هذا المعنى والأس لذلك المبني قوله (: "إني لأشم نفس الرحمن من قبل اليمن" لما أملته العناية الربانية والملك الروحاني على قلبه الشريف من نبأ القرني أويس ولم يكن رآه بعد.
الأوان محاسن السيد الأجل لما سارت بها الركبان وأثنى عليها كل لسان ما بين أخلاق أبهى من الروض النضير وأعراق أشهى من عذيب النمير قد احتلت من فؤادي لا أقول منزلاً رحيباً ولا وادياً خصيباً بل منزله شماء ودارة علياء وأوجاً بطوالعها السعيدة يسعد ويلوح بها من ذكراه كل حين فرقد فلم أنشب أن قدمت كتابي هذا لمولاي بين يدي اللقاء عله أن يسمح به الزمان وتسفر عنه الليالي والأيام ليتاح لي ري الفؤاد بما أرويه من حديث زيد الخيل الذي سماه رسول الله (زيد الخير وقال له ما وصف لي أحد فرأيته إلا وجدته دون ما وصف لي سواك وإن فيك خصلتين يحبهما الله (الحلم والأناة) مقتدياً بالإمام محمود جار الله في تقديم هذا الحديث الشريف على ما أنشده إياها الشريف بن الشجري أول ما لقيه وكانا قد تحابا بالسماع.
كانت مساءلةُ الرُّكبان تخبرنا ... عن جابر بن رباحِ أطيبَ الخبرِ
حتى اجتمعنا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
стр. 45
" وكتب حفني بك ناصيف المتوفي سنة ١٣٣٧ه ـ?"
يعلم الله ما عندي من الشوق إلى لقاء السيد وإن لم يكتحل بإثمد محاسنه النظر والشغف بسماع الحديث منه كما سمعته عنه فقد سبقت ذكرى محاسنه إلى السمع ووصل خبر لطائفة إلى النفس. وما المرء إلا ذكره ومآثره. وحسدت العين عليه الأذن وودت لو أنها السابقة إلى اجتلاء رقائقه وشهود حقائقه.
فللعين عشق مثل ما يعشق السمع. لا جرم أن ما تعارف من الأرواح ائتلف وما تناكر منها كما قيل اختلف. ونحن وإن بعدت بيننا الشقة ولم يسبق لنا باللقاء عهد فلحمة الدب تجمعنا ووحدة الوجهة تضمنا ولحمة الأدب أقوى من لحمة النسب وجامعة الوجهة فوق اجتماع الوجوه وقد رأيت أن أزدلف إليك بالمكاتبة وأترسل إلى شرف التعرف بالمراسلة حتى إذا لم يبق في الصبر على الافتراق مسكة ولبى الجسم دعوة الروح فاندفع إلى طلب الاجتماع أكون قد مهدت له سبيلاً ووطأت له طريقاً فلا تبهرني فرحة اللقيا ولا يغرني طرب الظفر "فمن فرح النفس ما يقتل ومن نشوة الراح ما يزهق الأرواح" فإن رأى السيد أن يكاتب عبده ويعتقه من رق الفرقة عجل بجواب هذا الكتاب ليعلم العبد أن نميقته صادفت قبولاً وأن وسيلته
стр. 46
اتخذت لي سيده سبيلاً قرب الله زمن اللقا وقصر أمد النوى حتى أنشد في الختام.
تطابقَ الخبرُ في علياك والخبرُ ... وصدّقَ السمعَ في أوصافكَ البصرُ
" وكتب أحمد أفندي سمير المتوفي سنة ١٣٢٩ه ـ?"
يعلم سيدي أن المودة لا تباع ولا تشترى وإنما هي نتيجة الاجتماع والتعارف وقد خلق الإنسان مضطراً إليهما لأن انتظام العمران عليهما موقوف ولهذا شهد العيان بأن المنفرد بأعماله المستبد بآرائه عرضة للخطأ مظنة لعدم الثقة: بخلاف ما إذا كان الاشتراك في الفكر قاعدة للعمل فلا بد أن الصواب يتمحض منه لضعف التفرد وقوة الاجتماع إذ لا جرم أن المرء كما قيل: "قليل بنفسه كثير بإخوانه" وقد سمعت عن السيد وقرأت من آثاره المأثورة ما حببه إلي وشاقتي للتعرف به لتشترك في منفعة تبادل الأفكار فإني لا أكتفي بمجرد السماع ولا أقول: "إن الأذن تعشق قبل العين" فإنما هي جارحة صغيرة ولكن كلي ميال إليه محب لاستجلاء مرآه عالم إني غذ دخلت إلى مودته من باب التلاقي لا أجد دهري.
يقرّب منّي كلَّ شخصٍ كرهنهً ... ويبعدُ عنّي منْ إليه أميل
فإن لم يتيسر أن يراني أو أراه فليسعدني ببضعة أسطر تضمن لي رضاه عن هذه المعرفة الترسلية لنتراءى بأعين الطروس قبل أعين الرؤوس ونتجاذب أحاديث المراسلة إن عزت المقابلة وقد وقفت عليه خالص ودي واخترته من بين رجال العصر سعيا لكسب المعالي بمعرفته (كُلّ
стр. 47
امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ) [الطور: ٢١] (لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ) [النجم: ٣٩] .
عن المرء لا تسألْ وسلْ عن قرينه ... فكلُّ قرين بالمقارنِ يقتدي
" وكتب الشيخ أحمد مفتاح المتوفي سنة ١٣٢٩ه ـ?"
لم أكن فيما أكتبه لك إلا سارياً في ليل التعارف على ضياء خلالك التي أملاها علي لسان المدح الذي شرق وغرب الأرض صيته وإني وإن لم أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة واجتناء مفاكهتك الغضة فقد دلني على الليث زئيره وعلى البحر خريره وعلى العقل أثره وعلى السيف إثره ولئن لم تجمعنا لحمة النسب فقد جمعتنا حرفة الأدب أو لم يضمنا قبل مصيف ومرتبع فالطيور على أشكالها تقع وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه: وهذه الرقعة وإن وصفت لك بعض ما أنا مطوي عليه من التهافت على رؤيتك والميل إلى صداقتك فقلما تنوب عن المشابهة أو تقضي حاجات في النفس طالما تردد صداها: زفي ظني أن سيدي يود ما أوده وعما قليل يسفر صبح اللقاء ونتجاذب أهداب المعرفة: ورأى من سيدي فوق ما توسمته وسمعته ويرى مني ما يرضيه والسلام.
" وكتب الشيخ طه محمود المتوفي سنة ١٣٢٥ه ـ?"
أيها السيد العزيز الجناب الغزير الآداب،
قد علمت ولا أزيدك علماً زادك الله ولا نقصك أن الإنسان كما اشتق اسمه من الأنس كذلك جبل عليه مسماه وأن المجتمع الإنساني عقد يتحلى
стр. 48
به صدر الزمان نظامه التآلف وواسطته التعارف: فهذان الأمران هما قطب المدار في هذه الدار لهذا العالم من لدن آدم وليس إلا بهما يحسن الحال وينعم البال وتدر ضروع المنافع وتتفجر عيون الفوائد ومن ثم كان أوفر الناس حظاً من مغنم الإنسانية من يألف ولا خير فيمن لا ولا ناهيك بخلق امتن الله به على عباده إذ قال عز من قائل: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ) [الحجرات: ١٣] .
ذلك "أيها السيد" هو الذي بعثني أن اكتب إليك أستفتح باب مودتك بمفتاح الترسل وأستصبح في سبيل صحبتك بمصباح التوسل لا أبالي بما ينسب إلي وينتقم علي ممن عسى أن يقول مالك ولهذا الفضول وكيف تتطفل على مأدبة أديبة لم تدع إليها وهل هذا منك إلا أشبه بالتبرج لغير خاطب: أيها المنتقد هون عليك ما تجد فلو علمت أن ظل الآداب شامل ودعوة المودة الجفلى لا يذاد عنها وأغل لأسرعت معي إلى الوغول ولم تر في التودد إلى أهل الفضل من فضول وأي عيب على النكرة في التحلي بحلية المعرفة ومصاحبة الأعلام أما سمعت قول القائل:
بصحبتكَ الكرامَ تعدُّ منهم ... وتأمنُ من ملمّات الزّمان
وكيف أضع نفسي بحيث يقول الأول:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
وشتان ما بين الرجلين رجل يهوى المكارم وبينها ويبتغي المناقب
стр. 49
وذويها ويقف نفسه على مسألة يعلمها وفضيلة يتحلى بها.
وآخر يبذل وجهه المصون في ملء الحقائب والبطون.
هذا: وقد رجوت أن أكون الرجل الأول بصحبتك "أيها السيد" فكم روى لنا من أحاديث فضائلك للصحاح وتلى علينا من آيات شمائلك الحسان ما أشخص إليك القلوب قبل قوالبها وأوفد عليك الأرواح قبل أشباحها وأعجلني أن أكتب إليك بهذا الرقيم ألتمس بالتعرف إلى جنابك الكريم ما ألتمس الكليم من صحبة ذي الوجه النضر أبي العباس الخضر وإني وإن كنت والحمد لله ممن آمنوا بالغيب وليس عندي في صدق هذه الآيات مرية ولا ريب: بيد أن للصحبة فضلاً لا ينكر وللمؤاخاة مزية لا يتمارى فيها اثنان.
فإذا ورد على السيد كتابي هذا وانشرح صدره "شرح الله صدره" إلى إجابة سؤلي وارتاحت نفسه إلى اصطناعي كتب إلى عبده بما يكون آية جلية على ارتياحه لتحقيق هذه الأمنية.
حتى أقول لوجه آمالي ابتهجْ ... لأولّينّك قبلةً لاترضاها
" وكتب الأستاذ محمود بك أبو النصر "
لإنسان العين وعين الإنسان: المودة "وصل الله بأجفان الأشواق أهدابها وفتح لنا أبوابها" أمر عزيز المرتقى على من يصطفى صديقه ويرعى حقوقه وإني اصطفيتك على الناس برسالتي هذه وعهدي بكرم سجاياك أن تصافحها براحة القبول وتتخذها فاتحة ود طارت إليك رياح فضلك بعدما مثلت آياته لك في القلوب معنى ظهرت في مرآه الأعين صورته.
стр. 50
فإن أبيت ودادي غيرَ مكترثٍ ... فعنكَ ما دمتُ حيَّا لا أرى بدلا
وحاشاك عن مثل ذلك الإباء ونحن وإن لم تحظ أشباحنا باللقاء فأرواحنا من قبل جنود وأعيننا شهود فإن أنت منحتني ولاء خالصاُ وإخاءً صادقاً (وإلا فهبني أمراً هالكاً) ولا إخالك ترضاه وإن كنت المتطفل على مائدة مودتك فلي نفس أديب لا ترى العز زإلا في الترامي على ذرا الكمال لازلت على مرقى الجلال والسلام.
" وكتب الفاضل السيد محمد الببلاوي "
سيدي إن مكارم الأخلاق ومعالي الهمم مما تسترق القلوب وتسترق العقول وتمتلك الأرواح وإن لم تتلاق الأشباح فإني مذ سرى إلي النسيم بأخلاقكم الغراء وابتسم لي ثغر هذا العصر عن آثاركم الزهراء وتواترت الأخبار بحبكم للفضل وأهله وارتياحكم للعلم وذويه وأنا مشغوف الفؤاد بالتعرف بسيادتكم مشغول البال بالتوسل إلى رياض مودتكم ولعلمي أن للصداقة حقوقاً وللمصاحبة شروطاً ربما صعبت على من حاولها وعزت على من أراد الوفاء بها كنت أرى الوحدة أولى والانفراد بي أسلم ولكن ما زلت تنمي إلى أحاسن شمائلكم المشرفة وتتوارد على مسامعي محاسن سيركم المطهرة فينمو الوجد ويزداد الشوق "والأذن تعشق قبل العين أحياناً" وما كنت أجد سبيلاً للتعرف ولا سبباً للتودد ولا متجسر نفسي على المراسلة ابتداء إلى أن رأيت سيدي قد اهتم للأدب فأعلى منارة ونظر للإنشاء فرفع مقداره ونصر دولته وأحيا صولته وأعاد شبابه وفتح لأدباء هذا العصر بابه فعلمت أن الدهر قد ساعدني والفرصة قد أمكنتني من مصافحة أملت ومصافات ما أردت من اجتناء ثمار سيدي والتعرف به
стр. 51
والتمسك بأهداب فضائله والتزود من آدابه فإن الأدب أحسن يستصبح بأنواره وأشرف ما يتسابق لاقتطاف أثماره ويحمد التطفل على موائده ويمدح التنافس في التقاط فرائد فوائده فجعلت طلب الانتظام في سلك أرباب الأقلام وسيلة لورود عذب وداده ونمير التعرف به فإن رأى سيدي أن يعد نفس حر في عداد معارفه ويقابل رسالته بما اشتهر من لطائفه حتى يتمتع بالرؤية الأبصار كما تمتعت المسامع بطيب الأخبار كنت مديم الشكر لأفضاله مستمر الثناء على كماله.
" وكتب الشيخ عبد الكريم سلمان المتوفي سنة ١٣٣٦ه ـ?"
أما بعد فهذه أول رسالة أكتبها إلى من لم تكن لي به جامعة جسمية ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية وهي وإن كانت في عرف غيري تعد هجوماً أو تحس فضولاً إلا أني أعتقد أنها أوفدت على كريم يكرم وفادتها ويتقبل به ما يهديه إليه من زعيم تحية وجليل إجلال ويجتلي من خلالها إرادة ود ورجاء ولاء وبغية فضل ورغبة في إخاء فيحلها منه محل القبول ويدرأ عنها وصمة الفضول: إن لسيدي آثاراً شاهدناها فاستفدناها ومآثر سمعناها فرويناها ولا مرية في أن ما غاب عنا منها أكثر مما وعينا وأوفى مما سمعنا ونحن والله يعلم طلاب كمال ومنتجعوا إفضال ورواد وما خصب من فيحاء العلوم وقد توسمنا في السيد أطال الله بقاه طلبتنا ووجدنا لديه ضالتنا قحثثنا إلى رحابه مطية المكاتبة ولنا أمل كبير في نوال المأمول لعله يجتح إلى مقابلة المثل بالمثل فيكتب
стр. 52
لأخيه بعض كليمات يعرف منها أنه قبل الإخاء ومال إلى مقتضى طبعه من الوفاء ولا أظن ذلك إلا وقد كان في أقرب ما يكون من الزمان فإن الأرواح ما تعارف منها ائتلف كما برهنه الأصحاب في معاشرتهم خلفاً عن سلف.
" وكتب مؤلف هذا الكتاب "
لقد سمعنا بأوصافٍ لكم كملتْ ... فسرَّنا ما سمعناهُ وأحيانا
من قبل رؤيتكم نلنا محبّتكم ... والأذن تعشقُ قبلَ العين أحياناً
سيدي ومولاي: لقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما يدعوني لخطب ودك ويرغبني في إخائك ويحببني في التوسل إلى معرفة جنابك وإن لم تجمعنا جامعة شخصية ولم تضمنا حفلة تعارف ذاتية إلا أن أحاديث فضائلك الصحاح أوفدت عليك الأرواح قبل الأشباح والولاء والإخلاص قبل الأجسام والأشخاص ولا غرابة في ذلك فإن من سنة الله في خلقه أن يؤلف بين الأرواح وأمثالها وإن لله ملائكة يسوقون الأشكال إلى أشكالها وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه.
إنّ القلوبَ لأجنادٌ مجنّدةٌ ... لله في الأرض بالأهواء تعترفُ
فما تعارفَ منها فهو مؤتلفٌ=وما تناكرَ منها فهو مختلفُ فلذا اصطفيتك لنفسي واخترتك لمودتي وأنسي نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر وإن بعدنا في الظاهر فرب غائب بنفسه حاضر بخلوص نفسه.
فإنْ أبيتَ ودادي غيرَ مكترثٍ ... فعنك ما دمت حياً لا أرى بدلا
وحاشاك عن مثل هذا الإباء والهجر والجفاء.
стр. 53
لكلّ امرئ شكلٌ من النّاس مثله ... وكلّ امرئ يهوى إلى من يشاكلهُ
ناشدتك الله أن تقبل مني الإخاء وتضمن لي الوفاء وأنا أرضى بك من الدنيا نصيباً وأختارك من العالمين حبيباً.
الفصل الثالث في رسائل الهدايا
" كتب سعيد بن حميد المتوفي سنة ١٠٥هـ? يوم النيروز إلى بعض أهل السلطان "
أيها السيد الشريف عشت أطل الأعمار بزياد من العمر موصولة بفرائضها من الشكر لا سينقضي حق نعمة حتى يجدد لك الأخرى ولا يمر بك يوم إلا كان مقصراً عما بعده موفياً عما قبله: إني تصفحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السادة والتمست التأسي بهم في الإهداء وإن قصرت بي الحال عن الواجب فوجدت أني: إن أهديت نفسي فهي ملك لك لاحظ فيها لغيرك. ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك فإن كنت أهديت منها شيئاً فإني لمهد مالك إليك. ونزعت إلى مودتي فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة فرأيت إن جعلتها هديتي أني لم أجدد لهذا اليوم الجديد براً ولا لطفاً ولم أميز منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصراً عن الحق والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك والإقرار بالتقصير عما يجب لك براً أتوسل به إليك وقلت في ذلك.
إن أهد مالاً فهو واهبهُ ... وهو الحقيقُ عليه بالشكرِ
أو أهد شكري فهو مرتهنٌ ... بجميل فعلكَ آخرَ الدّهرِ
стр. 54
والشمس تستغني إذا طلعتْ ... أنْ تستضيء بسنَّة الدّهر
" وكتب حنفي بك ناصف المتوفى سنة ١٣٣٧ه ـ?"
الهدية في نظر الأصيفاء جليلة وإن كانت في نفسها قليلة ومكانتها خطيرة وإن كانت يسيرة وسنة حسنة اجتمعت على فضلها الألسنة.
مضت الدّهورُ وأمرها مستحسنٌ ... وتعاقبتْ بمديحها الأيام
اللهم إلا أن لبست جلباب الرياء وولجت أبواب الارتشاء ولا مراء إن الأوداء من ذلك براء.
لا يبتغون سوى الوفاءِ وما لهم ... غيرُ البقاءِ على الصَّفاءِ مرام
وما زالت الهدية شعار الأصدقاء وعنون تذكار الولاء وكم جددت بين الأصحاب عهود التحاب.
وتعهّدت ودّا فعادَ شتيتهُ ... ولشملهِ بعد البدادِ نظامُ
قد وصلتني يد العصا فحبذا الإهداء وأهلاً بتلك اليد البيضاء وليست هذه أول أياديك علي ولا أكبر عارفة جاءت من ناديك إلي وقد أمنت بها النوب واعتضدت بها على تفريق شمل الكرب.
فإذا طغا بحر الهموم ضربتهُ ... بعصايَ فاجتازت به الأقدام
تنفلق بها من الأيام صخور فتنبجس منها عيون السرور وتلقف ما يصنع الأعداء فتذهب بسحر البغضاء وإذا اشتد هجير الوحشة نشرت ظلال أنسها أو عصى فرعون الدهر راعته ببأسها.
стр. 55
فكأنَّما أوصى الكليمُ لنا بها ... حتى يرى آياته الأقوامُ
وقد فكرت ماذا أقابل به طرفتك وأتلقى به تحفتك إلى أن هداني الله أن يد المنعم إنما تقابل بالأفواه ليعزز القبول بالقبل ويؤدي الرسم باللثم فأرسلت إليك فم سجارة وجعلته لهذا المعنى إشارة وقلت:
مولايَ كم فاضتْ يمينكَ بالنَّدى ... حتى غدوتُ غريقَ بحر الأنعمِ
والشكرُ أوجبَ أن أقبّلَ راحها ... فكنيتُ عن هذا بإهداءِ الفمِ
وقد علمت أن المنظر البهيج يتم بالتدريج فاخترت أن يكون مبدؤه كالليل إذا عسعس ومنتهاه كالصبح إذا تنفس إيذاناً بزوال الشرور بالسرور ورمزاً إلى الخروج من الظلمات إلى النور.
" وكتب الأستاذ محمود بك أبو النصر "
يا أيّها المولى الذي ... عمَّت أياديهِ الجميلهْ
اقبلْ هديّةَ منْ يرى ... في حقّكَ الدُّنيا قليلهْ
غرة وجه السعود وقرّة عين الوجود الأمير الجليل: يا جليل الفضائل إليك توجه الآمال ويا جميل الشمائل بساحتك تحط الرحال تلك هي الساحة الفيحاء والشيمة الحسناء والهمة العلياء واليد البيضاء والأعمال التي تضرب بها الأمثال كم من نعم أسديتها ومكارم أوليتها وعلوم أحييتها فأنت المصدر والمورد والمقصد والموعد: إليك أقدم تلك الهدية المرضية وأرفع ذلك الكتاب المستطاب مشفعاً في قبوله كرم سجاياك وعظم مزاياك وإني وإن كنت أعلم أن مقامك العلي يجل عن أن يرفع إليه مثله فقد عرفناك متواضعاً في علاك قريباً مع اعتلاك.
стр. 56
دنوتَ تواضعاً وعلوت مجداً ... فشأنك انخفاضٌ وارتفاعُ
كذاك الشّمس يبعدُ أن تسامى ... ويدنو الضّوءُ منها والشّعاعُ
وحاشاك أن أهدي للقمر نوراً أو للشمس ضياء أو أبعث ببنية القطر إلى ذلك البحر ولكنني أحببت أن يحظى بلثم بنانك وينال من كرمك وإحسانك وقد عهدناك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم وترتاح لإسداء الجميل كما يرتاح للكرم التنزيل وللشفاء العليل وما هون إلا من نور فكرك مقتبس فعساه يحظى بالقبول فأبلغ غاية المأمول والسلام.
" وكتب الأستاذ عبد الله بك الأنصاري "
المولى أدام الله وجوده ممتعاً بهدايا الأيام وتحف الأعوام طالما أوفد من الرفد إلي ووجه من الخيرات ما أفعم يدي حتى أصبحت وله الفضل والمنة أجر ذيول النعماء على غبراء البأساء واجتلي معارف السراء بعوارفه البيضاء التي لايوازيها ثناء وحمد ولا يوزازيها عطاء ورفد ولا يطاولها سماء وبحر ولا يغالبها بؤس وفقر وإن لي من آلاء السيد حفظه الله وأدام علاه ما اينع وأزهر وأورق وأثمر حدائق قامت لشكره عيدانها وسجدت لفضله أغصانها وترنمت طرباً وتمايلت عجباً بنفحات هي عرفه وبركات هي عرفه ولي أمل في جنابه وأنا سليل نعمته وعهدي بأخلاقه وأنا ابن مودته أن يمن بقبول ما أهديته وهو من مال نفسه وثمرة غرسه (باكورة تفاح) يرفعها إجلال وإعظام وتصحبها تحية وسلام.
стр. 57
" وكتب الشيخ أحمد مفتاح المتوفي سنة ١٣٢٩ه ـ?"
الهدية غمرك الله بالمعروف تتبسط يد المودة وتدر بها أخلاف القرب وتغرس بين المتحابين من الائتلاف بقدر ما تقطع بينهما من شجر الخلاف وما أنا فيما أهديه إليك إلا مستبضع تمراً إلى أرض خبير أو كالواهب الماء للبحر والضوء للبدر والملك لسليمان والمال لقارون والحلم لأحنف والذكاء لإياس والتفسير لابن عباس وما ذاك إلا كتاب كما تراه ضرب في الإحكام بسهم ووعى من الأحكام ما خلت منه مفعمات الأسفار وموجزات الرسائل (فهو كما قيل) كل الصيد في جوف الفرا.
تزين معانيهِ ألفاظهُ ... وألفاظهُ زائنات المعاني
على أني وإن تطفلت عليك وسقت لك هذا الكتاب مزدلفاً إلى جانبك الرحب ومقامك الأسنى فقد أصبت كبد الصواب ووضعته حيث يعرفه أهلوه ويتقبله من باذله عالموه علماً بأنك عماد العلوم وأساس الفضائل لا تغادر شاردة إلا وعيتها ولا نادرة إلا رويتها وإلا.
стр. 58
لو كان يهدى عليّ قدري وقدركمو ... لكنت أهدي لك الدُّنيا وما فيها
" وكتب مؤلف هذا الكتاب إلى أستاذه الحكيم الشيخ محمد عبده "
سيدي ومولاي أطال الله بقاك ورفع في الدارين علاك الهدية مفتاح باب المودة وعنوان تذكار المحبة يتسابق إليها كرام السجايا ويتسارع إلى إحياء شعائرها عشاق المزايا حرصاً على حفظ عهود الوداد والتآلف وإذهاباً لوحشة التقاطع والتحالف.
هدايا النّاس بعضهمْ لبعضٍ ... تولّد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في القلوب هوى وودا=وتكسوك المهابة والجلالا ولقد وجدتك إماماً حكيماً وفيلسوفاً عليماً تقدر الأعمال حق قدرها وتضع الأشياء في مواضعها سباقاً إلى نشر العلوم والمعارف في المشارق والمغارب.
يبقى الثّناء وتنفد الأموال ... ولكل دهرٍ دولة ورجال
ما نالَ محمدةَ الرّجال وشكرهم ... إلاّ الصّبور عليهم المفضال
فلذا أهديك كتابي (جواهر الدب في بلاغة لغة العرب) جمع فأوعى من الآداب والحكم ما خلت منه مفعمات الأسفار فهو بلا شك ولا مرا كل الصيد في جوف الفرا.
تزين معانيهِ ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني
стр. 59
على أني وإن تطفلت عليك ووضعت كتابي هذا بين يديك فقد ولجت الأمور من الأبواب وأصبت كبد الصواب حيث يعرف الفضل من الناس ذووه ويتقبله بقبول حسن عالموه.
شكراً وحمداً إن قبلت هديّتي ... وجعلت لي فضلاً على أقراني
فتنازلك بقبوله يكون الإقبال عليه جليلاً ويعجز لساني عن أن أشكرك جزيلاً والسلام.
стр. 60
الفصل الرابع في رسائل الاستعطاف والاعتذار
" وكتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة ٤٢٩ه ـ?"
الكريم إذا قدر غفر وإذا أوثق أطلق وإذا أسر أعتق قد هربت منك إليك واستعنت بعفوك عليك فأذقني حلاوة رضاك عني كما أذقتني مرارة انتقامك مني: الحر الكريم الظفر إذا نال أقال واللئيم إذا نال استطال قد هابك من استتر ولم يذنب من اعتذر تكلف الاعتذار بلا زلة كتكلف الدواء بلا علة مولاي يوجب الصفح عند الزلة كما يلتزم البذل عند الخلة مولاي يوليني صفيحة صفحة ويؤتيتي العفو من عفوه زللت وقد يزل العالم الذي لا أساويه وعثرت وقد يعثر الجواد الذي لا أجاريه لاتضيقن لاعني سعة خلقك ولاتكدرن علي صفو ودك مالي ذنب يضيق عنه عفوك ولا جرم يتجافى تجاوزك وصفحك: والسلام.
" وكتب عبد الله بن معاوية المتوفي سنة ١٥٨هـ? إلى أبي مسلم "
من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه (أما بعد) فقد أتاك الله حفظ الوصية ومنحك نصيحة الرعية وألهمك عدل القضية فإنك مستودع الودائع ومولى الصنائع فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك فالودائع عارية والصنائع مرعية وما النعم عليك وعلينا فيك بمنزور نداها ولا بمبلوغ مداها فنبه للتفكير قلبك واتق الله ربك وأعط من
стр. 61
نفسك من هو تحتك ما تحب أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة فقد أنعم الله عليك بأن فوض أمرنا إليك فاعرف لنا لين شكر المودة واغتفار مس الشدة والرضا بما رضيت والقناعة بما هويت فإن علينا من سمك الحديد وثقله أذى شديداً مع معالجة الأغلال وقلة رحمة العمال الذين تسهيلهم الغلظة وتيسيرهم الفظاظة ولإيرادهم علينا الغموم وتوجيههم إلينا الهموم زيارتهم الحراسة وبشارتهم الإياسة فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى ونشكو شدة البلوى فمتى تمل إلينا طرفاً وتولنا منك عطفاً تجد عندنا نصحاً صريحاً ووداً صحيحاً لايضيع مثلك مثله ولا ينفي مثلك أهله فارع حرمة من أدركت بحرمته واعرف حجة من فلجت بحجته فإن الناس من حوضك رواء ونحن منه ظماء يمشون في الإيراد ونحن نحجل في الأقياد بعد الخير والسعة والخفض والدعة والله المستعان وعليه التكلان.
" وكتب بدر الدين محمد بن حبيب الحلبي المتوفي سنة ٧٩٩ه ـ?"
رفقاً بمن ملك الوجد قياده وعطفاً على من أذاب الشوق فؤاده متيم أقلقه فرط صدودك ومغرم أغراه بحبك قول حسودك وسقيم لا شفاء له دون مزارك ومقيم على عهدك ولو طالت مدة نفارك إلى م هذا التنائي والنفور وعلام ياذا القد العادل تجور لقد تضاعفت الأسف والأسى وتطاول التعلل بعل وعسى.
هبني تخطّيتُ إلى زلّة ... ولم أكن أذنبتُ فيما مضى
أليسَ لي من بعدها حرمةٌ توجبُ لي منك جميلَ الرّضا
ولست ألوذ إلا بباب نعمك ولا أعتمد في محو الإساءة إلا على حلمك وكرمك وما جل ذنب يضاف إلى صفحك ولا عظم جرم يسند إلى
стр. 62
عفوك ومثلك من يقيل العثرات ويتجاوز عن الهفوات.
وكنت أظنُّ أن جبال رضوى=تزول وإن ودَّك لا يزول
ولكنّ القلوب لها انقلابٌ ... وحالاتُ ابن آدم تستحيل
طالما آنستني بقربك ودنوت مني مفارقاً ظباء سر بك وأنجزت وعودي وأطلعت نجوم سعودي.
وكنتُ إذا ما جئتُ أدنيت مجلسي ... ووجهكَ من ماء البشاشةِ يقطرُ
فمن ليَ بالعين التي كنتَ مرَّة ... إليَّ بها من سالف الدَّهر تنظر
قيدت أملي عن سواك وبهرت ناظري بنظرة سناك وكسرت جيش قراري وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري، أحوم حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال مكارمك ولطفك أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر، وإذا صدرت من عبده زلة أسبل عليها رداء العفو وستر، وإن شفيع المذنب إقراره ورفض خطيئته عند مولاه استغفار.
ومنْ كان ذا عذرٍ لديك وحجّةٍ ... عذريَ إقراري بأن ليس لي عذرُ
لهفي على عيش بسلاف حديثك سلف وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف وآها لأيام بطيب أنك مضت وبروق ليال لولا قربك ما أومضت.
كنتُ أعرفُ في الهوى مقدارها ... رحلتْ وبالأسف المبرّح عوضت
كيف السّبيلُ إلى إعادة مثلها ... وهيَ التي بالبعدِ قلبي أمرضت
فجد بالتداني واسمح بنيل الأماني وألن قلبك القاسي وعد عن التنائي
стр. 63
والتناسي وارع الود القديم وابدل شقاء محبك بالنعيم ولا تعدل عن منهاج المعدلة وسلم فقد أخذت حقها المسألة وأغمد سيف حيف صبرته مسلولاً وأوف (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: ٣٤] .
" وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة ٢٥٥ه ـ?"
ليس عندي أعزك الله سبب ولا اقدر على شفيع إلا ما طبعك الله عليه من الكرم والرحمة والتأميل الذي لايكون إلا من نتاج حسن الظن وإثبات الفضل بحال المأمول وأرجو أن أكون من الشاكرين فتكون خير معتب وأكون أفضل شاكر ولعل الله يجعل هذا الأمر سبباً لهذا الأنعام وهذا الأنعام سبباً للانقطاع إليكم والكون تحت أجنحتكم فيكون لا أعظم بركة ولا أنمى بقية من ذنب أصبحت فيه وبمثلك جعلت فداك عاد الذنب وسيلة والسيئة حسنة ومثلك من انقلب به الشر خيراً والغرم غنما من عاقب لقد أخذ حظه وإنما الأجر في الآخرة وطيب الذكر في الدنيا على قدر الاحتمال وتجرع المرائر: وأرجو أن لا أضيع وأهلك فيما بين كرمك وعقلك وما أكثر من يعفو عمن صغر ذنبه وعظم حقه وإنما الفضل والثناء العفو عن عظيم الجرم ضعيف الحرمة وإن كان العفو العظيم مستطرفاً من غيركم فهو تلاد فيكم حتى ربما دعا ذلك كثيراً من الناس إلى مخالفة أمركم فلا أنتم عن ذلك تنكلون ولا على سالف إحسانكم تندمون ولا مثلكم إلا كمثل عيسى ابن مريم حين كان لا يمر بملأ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شراً وأسمعهم خيراً فقال له شمعون الصفا: ما رأيت كاليوم
стр. 64
كلما أسمعوك شراً أسمعتم خيراً فقال كل امرئ ينفق مما عنده وليس عندكم إلا الخير ولا في أوعيتكم إلا الرحمة. وكل إناء بالذي فيه ينضح.
" وكتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء "
نبت بي غرة الحداثة فردتني إليك التجربة وقادتني الضرورة ثقة بإسراعك إلي وأن أبطأت عنك وقبولك لعذري وإن قصرت عن واجبك وإن كانت ذنوبي سدت علي مسالك الصفح عني فراجع في مجدك وسؤددك وإني لا أعرف موقفاً أذل من موقفي لولا أن المخاطبة فيه لك ولا خطة أدنا من خطتي لولا أنها في طلب رضاك والسلام.
" وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة ٧٤٠ه ـ?"
لو بغير الماء حلقي شرقٌ ... كنتُ كالغصّانِ بالماء اعتصاري
كيف يقدر أبقى الله السيد على الدوام من لا يهتدي إلى أوجه الداء وكيف يداري أعداءه من لايعرف الأصدقاء من الأعداء وكيف يعالج علة القرحة العمياء أم كيف يسري بلا دليل في الظلماء أم كيف يخرج الهارب من بين الأرض والسماء: الكريم غذ قدر غفر وإذا أوثق أطلق وإذا اسر أعتق ولقد هربت من السيد إليه وتسلحت بعفوه عليه وألقيت ربقة حياتي ومماتي بيديه فليذقني حلاوة رضاه عني كما أذاقني مرارة انتقامه مني ولتلح على حالي غرة عفوه كما لاحت عليها مواسم غضبه وسطوه وليعلم أن الحر كريم الظفر إذا نال أقال وإن اللئيم لئيم الظفر إذا نال استطال وليغتنم التجاوز عن
стр. 65
عثرات الأحرار ولينتهز فرص الاقتدار وليحمد الله الذي أقامه مقام من يرتجى ويخشى وركب نصابه في رتبة شاب الزمان ومجدها فتي وأخلق العالم وذكرها طري وليعتقد أنه قد هابه من استتر ولم يذنب إليه من اعتذر وإن من رد عليه عذره فقد أخرج إلى الشجاعة بعد الجبن وأخرج ذنبه إلى صحن اليقين من سترة الظن وفق الله السيد لما يحفظ عليه قلوب أوليائه وعصمه مما يزيد به في عدد جماجم أعدائه.
" وكتب بعضهم إلى رئيسه "
وجدت استصغارك لعظيم ذنبي أعظم بقدر تجاوزك عني ولعمري ما جل ذنب يقاس إلى فضلك ولا عظم جرم يضاف إلى صفحك ويعول فيه على كرم عفوك وإن كان قد وسعه حلمك فأصبح جليله عندك محتقراً وعظيمة لديك مستصغراً أنه عندي لفي أقبح صور الذنوب وأعلى رتب العيوب غير أنه لولا بوادر السفهاء لم تعرف فضائل الحلماء ولولا ظهور نقص بعض الأتباع لم يبن جمال الرؤساء ولولا إلمام الملمين لبطل تطول المتطولين بالصفح وغني لأرجو أن يمنحك الله السلامة بطلبك لها ويقيلك العثرات بإقالتك أهلها وما علمت أني وقفت منك على نعمة أتدبرها إلا وجدتها تشتمل على فائدة فضل تتبعها عائدة عقل.
" وكتب فقيد اللغة الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة ١٩٠٦ "
بم يعتذر إليك من لايرى لنفسه عذراً وكيف يستتر من عتبك من لايستطيع لذنبه ستراً بل كفاني من العتب تعنيف نفسي على ما ألقيت عليها من تبعة تقصيري وما حلت به من التفريط بينها وبين معاذيري والله
стр. 66
يعلم ما كان تقصيري شيئاً أردته ولا كان تفريطي أمراً قصدته ولكنها الأيام إن صاحبتها لم تصحب وإن عاتبتها لم تعتب فلقد عبرت بي هذه البرهة كلها وأنا بين شواغل لا يشغلها عني شاغل وبلابل قد اختلط حابلها بالنابل فنازعتها هذه النهزة اليسيرة أجدد فيها التذكرة إلى أن يمن الله بصلة الحبل واجتماع الشمل واستنزل أحرفاً من حظك يكتحل بها الناظر ويأنس إليها الخاطر متوقعاً بعد ذلك أن أبقى بين يدي مودتك مذكوراً وإلا يكون عجزي لديك شيئاً منظوراً وإن تجري بي على عادة حلمك إلى أن يجمع الله الشتيتين ويغني العين عن الأثر بالعين إن شاء الله تعالى والسلام.
" وكتب أيضاً "
وافاني كتابك العزيز والنفس نازعة إلى ما يزيل نفارها والقريحة تائقة إلى ما يشحذ غرارها فكان روضة باسمة الكمائم فائحة النسائم قد ردت على النفس انبساطها وأحيت البادرة فاستأنفت نشاطها فأنا منه ما بين وشي يخجل طراز العبقرية وزخرف دونه نضرة السابرية تناجيني منه رشاقة ألفاظ تفضح قدود الحسان وغضاضة أنفاس يغار منها ورد الجنان ورقة خطاب يشف
стр. 67
عن ود صفي ولطف خفي وكرم وفي عتب أعذب من الماء القراح وأرق من نسمات الصبا في الصباح حتى لقد جنب إلى تقصيري وشفع عند نفسي في قبول معاذيري على أن ما عندي من الولاء لا يعتريه معاذ الله وهن ولايخلقه تمادي زمن أو ترامي وطن ولكن صروف الأحداث قد قصرت الجهد جواد العزيمة عن القصد والله يعلم أني لو نزلت على حكم نوازل الدهر ولم أدافع طلائعها بما بقي من ساقة الصبر لما كان في همتي إلا كسر اليراع وهجر المحابر والرقاع وحسبي من العذر ما أعرفه من حلمك المألوف وما ألفته من كرمك المعروف.
والله أسأل أن يبقيك لي من الدهر نصيباً ويمتعني بلقائك قريباً بمنه وكرمه.
" وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة ٢٥٥ه ـ?"
أما بعد فنعم البديل من الزلة الاعتذار وبئس العوض من التوبة الإصرار فأنا لا عوض من إخائك ولا خلف من حسن رأيك وقد انتقمت مني في زلتي بجفائك فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك فإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك وغاية ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك وقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك.
" وكتبت زبيدة زوجة الرشيد المتوفاة سنة ٢١٦هـ? إلى المأمون "
كل ذنب يا أمير المؤمنين وإن عظم صغير في جنب عفوك وكل إساءة
стр. 68
وإن جلت يسيرة لدى حلمك وذلك الذي عودكه الله أطال مدتك وتمم نعمتك وأدام بك الخير ودفع عنك الشر والضير.
وبعد فهذه رقعة الولهى التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر وفي الممات لجميل الذكر فإن رأيت أن ترحم ضعفي واستكانتي وقلة حيلتي وأن تصل رحمي وتحسب فيما جعلك الله له طالباً وفيه راغباً: فافعل: وتذكر من لو كان حياً لكان شفيعي إليك.
" وكتب إليها المأمون جواب المواساة الآتي "
وصلت رقعتك يا أماه أحاطك الله وتولاك بالرعاية ووقفت عليها وساءني (شهد الله) جميع ما أوضحت فيها لكن الأقدار نافذة والأحكام جارية والأمور متصرفة المخلوقون في قبضتها لايقدرون على دفاعها والجنيا كلها إلى شتات وكل حي إلى ممات والغدر والبغي حتف الإنسان والمكر راجع إلى صاحبه.
وقد أمرت برد جميع ما أخذ لك ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا وجهه.. وأنا بعد ذلك لك علي أكثر مما تختارين والسلام.
" وكتب بعضهم "
إني وإن جنيت على نفسي وخرجت عن حد الأدب فيما يجب على العبد لسيده فإني عبد نعمتك وصنيع إحسانك وذنبي وإن عظم وضاق باب التوبة عن قبول المعذرة فالعفو عنه بعض حسناتك التي فطرت عليها والغضاء عني سر من أسرارك التي تميل إليها فاجعل العفو عني قربة إلى
стр. 69
مولى الموالي واترك العبد عتيق مكارم الأخلاق وإلا فضع سيف نقمتك في نحر عبد نعمتك وأنت حل من دم أراقه أهله أو آل أمره إلى وارث لايسعه إلا النزول عن المطالبة به: ألا وهو مقام جلالتكم السامي.
وحاشاك أن تعدم الصادق في خدمتك بهفوة لم يقصدها وذنب أقلع عنه.
وعلى كل فالعبد بين يديك وأمره منك وإليك فقد ألقي إليك مقاليد الأجل فافعل ما تشاء واتق الله .
" وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة ٢٥٥ه ـ?"
أعاذك الله من سوء الغضب وعصمك من سرف الهوى وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف ورجح في قلبك إيثار الأناة: فقد خفت أيدك الله أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء ومجانبة سبل الحكماء.
وبعد فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت المتوفي سنة ٥٤هـ?.
وإنّ امرأ أمسى وأصبحَ سالماً ... من النّاس إلا ما جنى لسعيدُ
وقال الآخر:
ومنْ دعا الناس إلى ذمّةِ ... ذمّوه بالحقّ وبالباطلِ
فإن كنت اجترأت عليك أصلحك الله فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال الذي يورث الإغفال والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان ﵀ "عمر كان خيراً لي منك أرهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني"فإن كنت لا تهب عقابي "أيدك الله" لخدمة فهبه لأ ياديك عندي فإن النعمة تشفع في النقمة وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة وإلا فافعل ذلك الحسن الأحدوثة وإلا فات ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد وتتجافى عن عقاب المصر حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر وذنبه ونسيان ومن لا يعرف الشكر إلا لك والأنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة: واعلم أيدك الله أن شين غضبك علي كزين صفحك عني وأن موت ذكرى مع انقطاع سببي منك كحياة ذكرك مع اتصال سببي بك واعلم أن لك فطنة عليم وغفلة كريم والسلام.
الكلام على الرسائل المتداولة
هذه الرسائل تتفرع إلى ثلاثة أقسام باعتبار الغرض المقصود: فأما أن تقصد بها أمور الكاتب: وأما أمور المكتوب إليه وأما غرضاً ثالثاً.
فالأول يشمل على الرسائل التجارية والطلب والشكر والاعتذار والثاني على رسائل النصح والملامة والإخبار والتهنئة والتعزية والأجوبة والثالث على رسائل الوصاة والشفاعات.
стр. 70
الفصل الثاني في رسائل الطلب
" وكتب إلى عبيد الله بن سليمان أبو العيناء المتوفي سنة ٢٨٢ه ـ?"
أنا أعزك الله وعيالي زرع من زرعك إن أسقيته راع وزكا وإن جفوته ذبل وذوى وقد مسني منك جفاء بعد بر وإغفال بعد تعاهد حتى تكلم عدو وشمت حاسد ولعبت بي ظنون رجال كنت بهم لاعباً مخرساً:
لاتهنّي بعدَ أن أكرمتني ... وشديدٌ عادةٌ منتزعه
" وكتب الوزير الخطير عبد الخالق باشا ثروت "
إليك يا من قد استأسر النفوس بكرمه واسترق الأحرار بجميل صنعه وأولى النعم والخيرات وأسدى المعروف والمبرات أرفع كتاباً تبعثه إلى ناديك العالي عوامل الحاجة وتزجيه إلى ساحتك دواعي الشدة آمل أن يكون تذكرة بأمري والذكرى تنفع المؤمنين وتذكرة بحالي (اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: ١٢٠] فقد كان سيدي رفع الله قدره وأعلى مرتبته وعدني ومثله من يتمسك من الوفاء بالعروة الوثقى ويقطع حبل الإخلاف بسيف الوفاء ويطرز خلعه الوعد بوشي العطاء أن يرسل لي من خيراته ويوليني من آلائه وحسناته ويضاعف لي من مننه ويزيدني من عطتئه ما أشد به أزري على الزمان وأطاول به نوائب الحدثان
стр. 71
فقد بارزني الدهر بسيوفه ورماني بسهامه وأناخ علي بكلاكله وقد أطال الأمد على حاجتي عند سيدي أطال الله بقاءه حتى طار غراب شبابها وصاح بجانب ليلها فخفت أن تكون هبت عليها ريح النسيان وعصفت بها عاصفة الحدثان فكتبت إلى سيدي ومولاي تلك الرقعة استعجل بها بره وأستدر بها ضرع عطائه علماً بأن التعجيل يكبر العطية وإن كانت صغيرة ويكثرها وإن كانت يسيرة فعسى أن يكون قد لاح نجم النجاح وهب نسيم الفلاح فيرسل سيدي إلى سحاب كرمه ويمطرني من غياث فضله فترف غصون آمالي بعد ذبولها وتضحك وجوه مطالبي بعد عبوسها وأملي في ذلك فسيح فإن سيدي من أكرم الناس نسباً وأشرفهم حسباً ومثله جدير بحفظ العهد وإنجاز الوعد: فإن رأى سيدي أن يخفف ثقل الحاجة عني ويرد ما سلبه الدهر مني بقطرة من بحر عطائه ومنة من بعض آلائه ويجبر ما كسره الفقر من جناحي ويرد عني النوائب التي لاتفتأ تتولاني عقدت لساني على مدحه ووقفت نفسي على شكره فيحرز من الله أجراً جزيلاً ومني شكراً جميلاً. إن شاء الله بمنه وكرمه.
" وكتب الفاضل أحمد بك رأفت "
السيد الكامل أدام الله علاءه وأطال بقاءه وجعله موئل الكرم ومسدي النعم قد غمرني بنعمائه وطوقني بآلائه حتى قصرت حمدي عليه وأمسكت لساني عن الشكر إلا إليه وكان من مننه علي وأياديه
стр. 72
البيضاء لدي أن وعدني أنه يقلدني في أول العام وظيفة عالية ومرتبة سامية فاخضل روض الأمل بعد ذبوله وبزغ كوكبه بعد أفوله واتسع نطاقه واستبشر القلب نبيل أمنيته والحصول على طلبته واشتد أزري على مقارعة كتائب الزمان وقوي جنائي على صد جيوش الحدثان ومازالت بي الأيام حتى حان أول العام وما تحقق الوعد أو أوفى العهد، ومثل السيد من إذا وعد وفى أو تعهد أوفى.
أفي دين ذي المعروف يجملُ أنني ... تنوءُ بيَ البؤسى ويثقلني العسرُ
وأنتَ الذي أعطى المكارمَ حقّها ... ولم يحك جدواك السَّحابُ ولا البحرُ
فعجّلْ فخيرُ البرّ يحمدُ عاجلاً ... وأوفِ فوعدُ الحرّ دين به الحرُّ
هذا ولكنني رجعت وحكمت العقل فعذرت السيد وحملت ذلك على أنه إنما لم يعجل بإنجازه وعده وإيفاء عهده إلا لتقليد عبده وظيفة أسمى ومرتبة أعلى عله يستدرك ما فات ويحسن إلى عبده فيما هو آت.
" وكتب الفاضل عبد العزيز بك محمد "
عهدي بالسيد الجليل أدامه الله مصدراً للمكارم تستق منه صفاتها ومظهراً للفضائل تتجلى فيه آياتها سباقاً إلى غايات المجد درا كالمطلب الحمد أريحيا لا يصبو إلا إلى إسداء المنن جواداً لايطمع طرفه في بث عوارفه إلى ثمن ما أمه أسير فاقة إلا وألفى لديه كهفاً منيعاً وجاهاً رفيعاً قصده ذو حاجة إلا وصدر عن مورد فضله
стр. 73
شادياً بثنائه معلناً بولائه وإن لي إلى السيد حاجة إن لم يسعف بقضائها فيا حسرة نفسي وطول شقائها وليست هذه بأول مرة استمحت فيها عالي مروءته واستمطرت صيب همته فإنه طالما طوقني قلائد نعمه وأرسل علي مدرار كرمه فليجر في هذه أيضاً على عادته ويقابلني بما عودني من كرامته: ومعاذ الله أن اسأله ما ليس في وسعه أن أستقضه شيئاً يحرص على منعه: ولكنني:
أريد بسطةَ كفّ أستعينُ بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والذي يكفلُ لي تلك البسطة أن يقلدني سيدي وظيفة مناسبة لحالتي حتى تكون لي درعاً أتقى بها مهانة الفقر وسيفاً أكف به عوادي الدهر ومالي والأقسام عليه في إنالتي هذه البغية بنفيس وقت قضيته في خدمة العلم واقتناء أبكاره وطويل عناء تحملته في مزاولة الأدب واكتشاف أسراره ونفس ارتاضت بالفضل وآثرت غصة الفقر على منة البذل ووله من سنيات الفضائل وعليات الفواضل وجليات المآثر وجليلات المفاخر ما لو أقسم به عليه في إنالة أعز المطالب لألزمه كرم سجاياه بر ذلك القسم وإجابة دواعي الهمم: وإنك لفاعل إن شاء الله تعالى.
" وكتب فقيد الأدب حسن أفندي توفيق المتوفي بلندن سنة ١٣٢٢ه ـ?"
كتابي إلى رب النعماء واليد البيضاء وقد أصبحت كما قال الحريري
стр. 74
خاوي الوفاض بادي الأنفاض لا أملك بلغة ولا أجد في جرابي مضغة قد التوى علي أمري وثقل من حاجتي ظهري مد الاحتياج إلى أطنابه وسربلني الافتقار إهابه والدنيا مكدرة بأحداثها وقصورها منمغضة بأجداثها نعيمها يضفو ولكن لا يصفو وأنت كما أعلم مفرج كريبي ومنقذي من شدتي، بطرفة من طرف رفدك ولمحة من لمحات برك فإن استدررت حلوبة مالك فقد لاذ غيري بجاهك ما يممت غيرك وكيف يقصد النهر من جاوز البحر ويحتاج إلى النجم من يسري في ضوء البدر فأستهز عطف جودك وأستمطر سحاب كرمك كيف وأنت قبلة المعروف: وملاذ الملهوف إليك تشد الرحال وبك تناط الآمال مال أولياؤك منك في ظل ممدود وهناء وسعود أفأنت الشمس عمت بالإشراق أو الغيث وغلى الاندفاق: لكن.
منْ قاسَ جدواك يوماً ... بالسُّحبِ أخطأ مدحك
فالسُّحبُ تعطي وتبكي ... وأنت تعطي وتضحك
نسب الكرم بك عريق وروض المجد أنيق أصل راسخ وفرع شامخ تهتز للمكارم اهتزاز الحسام وتثبت أمام الشدائد بثغر بسام.
تراه إذا ما جئتهُ متهلّلاً ... كأنّك تعطيه الذي أنتَ سائلهُ
حكمت الآمال في أموالك واستعبدت الأحرار بفعالك ينابيع الجود من أناملك تتفجر وربيع السماح بك ضاحك لايضجر فلا زلت
стр. 75
مولاي ممتعاً بشرف سجاياك وشيمك مستمداً الشكر من غراس نعمك ولازالت الأنام تنفع بتلك الشيم وتجني ثمار ذلك الكرم ودمت للمكارم بدر تم لا يناله خسوف وشمس فضل لا يحلقها كسوف: أطال الله لك البقاء كتطول يديك بالعطاء آمين.
следующие страницы →