← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقد بارزني الدهر بسيوفه ورماني بسهامه وأناخ علي بكلاكله وقد أطال الأمد على حاجتي عند سيدي أطال الله بقاءه حتى طار غراب شبابها وصاح بجانب ليلها فخفت أن تكون هبت عليها ريح النسيان وعصفت بها عاصفة الحدثان فكتبت إلى سيدي ومولاي تلك الرقعة استعجل بها بره وأستدر بها ضرع عطائه علماً بأن التعجيل يكبر العطية وإن كانت صغيرة ويكثرها وإن كانت يسيرة فعسى أن يكون قد لاح نجم النجاح وهب نسيم الفلاح فيرسل سيدي إلى سحاب كرمه ويمطرني من غياث فضله فترف غصون آمالي بعد ذبولها وتضحك وجوه مطالبي بعد عبوسها وأملي في ذلك فسيح فإن سيدي من أكرم الناس نسباً وأشرفهم حسباً ومثله جدير بحفظ العهد وإنجاز الوعد: فإن رأى سيدي أن يخفف ثقل الحاجة عني ويرد ما سلبه الدهر مني بقطرة من بحر عطائه ومنة من بعض آلائه ويجبر ما كسره الفقر من جناحي ويرد عني النوائب التي لاتفتأ تتولاني عقدت لساني على مدحه ووقفت نفسي على شكره فيحرز من الله أجراً جزيلاً ومني شكراً جميلاً. إن شاء الله بمنه وكرمه. " وكتب الفاضل أحمد بك رأفت " السيد الكامل أدام الله علاءه وأطال بقاءه وجعله موئل الكرم ومسدي النعم قد غمرني بنعمائه وطوقني بآلائه حتى قصرت حمدي عليه وأمسكت لساني عن الشكر إلا إليه وكان من مننه علي وأياديه

стр. 72

البيضاء لدي أن وعدني أنه يقلدني في أول العام وظيفة عالية ومرتبة سامية فاخضل روض الأمل بعد ذبوله وبزغ كوكبه بعد أفوله واتسع نطاقه واستبشر القلب نبيل أمنيته والحصول على طلبته واشتد أزري على مقارعة كتائب الزمان وقوي جنائي على صد جيوش الحدثان ومازالت بي الأيام حتى حان أول العام وما تحقق الوعد أو أوفى العهد، ومثل السيد من إذا وعد وفى أو تعهد أوفى. أفي دين ذي المعروف يجملُ أنني ... تنوءُ بيَ البؤسى ويثقلني العسرُ وأنتَ الذي أعطى المكارمَ حقّها ... ولم يحك جدواك السَّحابُ ولا البحرُ فعجّلْ فخيرُ البرّ يحمدُ عاجلاً ... وأوفِ فوعدُ الحرّ دين به الحرُّ هذا ولكنني رجعت وحكمت العقل فعذرت السيد وحملت ذلك على أنه إنما لم يعجل بإنجازه وعده وإيفاء عهده إلا لتقليد عبده وظيفة أسمى ومرتبة أعلى عله يستدرك ما فات ويحسن إلى عبده فيما هو آت. " وكتب الفاضل عبد العزيز بك محمد " عهدي بالسيد الجليل أدامه الله مصدراً للمكارم تستق منه صفاتها ومظهراً للفضائل تتجلى فيه آياتها سباقاً إلى غايات المجد درا كالمطلب الحمد أريحيا لا يصبو إلا إلى إسداء المنن جواداً لايطمع طرفه في بث عوارفه إلى ثمن ما أمه أسير فاقة إلا وألفى لديه كهفاً منيعاً وجاهاً رفيعاً قصده ذو حاجة إلا وصدر عن مورد فضله

стр. 73

شادياً بثنائه معلناً بولائه وإن لي إلى السيد حاجة إن لم يسعف بقضائها فيا حسرة نفسي وطول شقائها وليست هذه بأول مرة استمحت فيها عالي مروءته واستمطرت صيب همته فإنه طالما طوقني قلائد نعمه وأرسل علي مدرار كرمه فليجر في هذه أيضاً على عادته ويقابلني بما عودني من كرامته: ومعاذ الله أن اسأله ما ليس في وسعه أن أستقضه شيئاً يحرص على منعه: ولكنني: أريد بسطةَ كفّ أستعينُ بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي والذي يكفلُ لي تلك البسطة أن يقلدني سيدي وظيفة مناسبة لحالتي حتى تكون لي درعاً أتقى بها مهانة الفقر وسيفاً أكف به عوادي الدهر ومالي والأقسام عليه في إنالتي هذه البغية بنفيس وقت قضيته في خدمة العلم واقتناء أبكاره وطويل عناء تحملته في مزاولة الأدب واكتشاف أسراره ونفس ارتاضت بالفضل وآثرت غصة الفقر على منة البذل ووله من سنيات الفضائل وعليات الفواضل وجليات المآثر وجليلات المفاخر ما لو أقسم به عليه في إنالة أعز المطالب لألزمه كرم سجاياه بر ذلك القسم وإجابة دواعي الهمم: وإنك لفاعل إن شاء الله تعالى. " وكتب فقيد الأدب حسن أفندي توفيق المتوفي بلندن سنة ١٣٢٢ه ـ?" كتابي إلى رب النعماء واليد البيضاء وقد أصبحت كما قال الحريري

стр. 74

خاوي الوفاض بادي الأنفاض لا أملك بلغة ولا أجد في جرابي مضغة قد التوى علي أمري وثقل من حاجتي ظهري مد الاحتياج إلى أطنابه وسربلني الافتقار إهابه والدنيا مكدرة بأحداثها وقصورها منمغضة بأجداثها نعيمها يضفو ولكن لا يصفو وأنت كما أعلم مفرج كريبي ومنقذي من شدتي، بطرفة من طرف رفدك ولمحة من لمحات برك فإن استدررت حلوبة مالك فقد لاذ غيري بجاهك ما يممت غيرك وكيف يقصد النهر من جاوز البحر ويحتاج إلى النجم من يسري في ضوء البدر فأستهز عطف جودك وأستمطر سحاب كرمك كيف وأنت قبلة المعروف: وملاذ الملهوف إليك تشد الرحال وبك تناط الآمال مال أولياؤك منك في ظل ممدود وهناء وسعود أفأنت الشمس عمت بالإشراق أو الغيث وغلى الاندفاق: لكن. منْ قاسَ جدواك يوماً ... بالسُّحبِ أخطأ مدحك فالسُّحبُ تعطي وتبكي ... وأنت تعطي وتضحك نسب الكرم بك عريق وروض المجد أنيق أصل راسخ وفرع شامخ تهتز للمكارم اهتزاز الحسام وتثبت أمام الشدائد بثغر بسام. تراه إذا ما جئتهُ متهلّلاً ... كأنّك تعطيه الذي أنتَ سائلهُ حكمت الآمال في أموالك واستعبدت الأحرار بفعالك ينابيع الجود من أناملك تتفجر وربيع السماح بك ضاحك لايضجر فلا زلت

стр. 75

مولاي ممتعاً بشرف سجاياك وشيمك مستمداً الشكر من غراس نعمك ولازالت الأنام تنفع بتلك الشيم وتجني ثمار ذلك الكرم ودمت للمكارم بدر تم لا يناله خسوف وشمس فضل لا يحلقها كسوف: أطال الله لك البقاء كتطول يديك بالعطاء آمين.

стр. 76

الفصل الثالث في رسائل الشكر " كتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة ٤٢٩ه ـ?" الشكر ترجمان النية ولسان الطوية وشاهد الإخلاص وعنوان الاختصاص عندي من إنعامه وخاص بره وعامه ما يستغرق منه الشكر ويستنفذ قوة شكر الأسير لمن أطلقه والمملوك لمن أعتقه شكر كأنفاس الأحباب في الأسحار أو أنفاس الرياض غب الأمطار. " وكتب الحسن بن وهب المتوفي سنة ٤٧٢ه ـ?" من شكرك على درجة رفعته إليها أو ثروة أقدرته عليها فإن شكري لك على مهجة أحييتها وحشاشة أبقيتها ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه فلكل نعمة من نعم الدنيا حد تنتهي إليه ومدى تقف عنده وغاية من الشكر لايسمو إليها الطرف خلا هذه النعمة التي فاقت الوصف وأطالت الشكر وتجاوزت قدره (وأنت من وراء كل غاية رددت عنا كيد العدو وأرغمت

стр. 77

أنف الحسود) فنحن نلجأ منك إلى ظل ظليل وكنف كريم فكيف يشكر الشاكر وأين يبلغ جهد المجتهد. " وكتب الأمير أبو الفضل الميكالي المتوفي سنة ٤٣٦ه ـ?" فأما الشكر الذي أعارني رداءه وقلدني طوقه وسناءه فهيهات أن ينتسب إلا إلى عادات فضله وأفضاله أو يسير إلا تحت رايات عرفة ونواله وهو ثوب لايحلى بذكره طرازه واسم له حقيقته ولسواه مجازه ولو انه حين ملك رقي بأياديه وأعجز وسعي عن حقوق مكارمه ومساعيه خلي لي مذهب الشكر وميدانه ولم يجاذبني زمامه وعنانه لتعلقت في بلوغ بعض الواجب بعروة طمع ونهضت فيه ولو على وهن وطلع ولكنه يأبى إلا أن يستولي على أمد الفضائل ويتسنم ذرا الغوارب منها والكواهل فلا يدع في المجد غاية إلا سبق إليها فارطا وتخلف سواه عنها حسيراً ساقطاً لتكون المعالي بأسرها مجموعة في ملكه منظومة في سلكه خالصة له من دعوى القسم وشركه. " وكتب أستاذي الحكيم الشيخ محمد عبده إلى حافظ بك إبراهيم " لو كان بي أن أشكرك لظن بالغت في تحسينه أو أحمدك لرأي لك فينا

стр. 78

أبدعت في تزيينه لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك لكنك لم تقف بعرفك عندنا بل عممت به من حولنا وبسطته على القريب والبعيد من أبناء لغتنا زفقت إلى أهل اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة العربية سحرت قومها وملكت فيهم يومها ولا تزال تنبه منهم خامداً وتهز فيهم جامداً بل لا تنفك تحيي من قلوبهم ما أماتته القسوة وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة حكمة أفاضها الله على رجل منهم فهدى إلى التقاطها رجلاً منا فجردها من ثوبها الغريب وكساها حلة من نسج الأديب وجلاها للناظر وحلاها للطالب بعدما أصلح من خلقها وزان من معارفها حتى ظهرت محببة إلى القلوب رشيقة إلى مؤانسة البصائر تهش للفهم وتبش للطف المذوق وتسابق الفكر إلى موطن العلم فلا يكاد يلحظها الوهم إلا وهي من النفس في مكان الإلهام. حاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجم مبلغك فوقف العجز بأغلبهم عند مبتدأ الطريق ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده ولكنه لم يعن بأن يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها ويرد ما سلبه المعتدون عليها من متانة التأليف وحسن الصياغة وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه: أما أنت فقد وفيت من ذلك ما لا غاية لمريد بعده ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح "ابن المقفع" كانت من طيبات الأرواح، فظهرت لك اليوم في صورة أبدع ومعنى أنفع ولعلك قد سننت بطريقتك في التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله بعد ظهور

стр. 79

كتابك ويحملها الزمان إلى أبناء ما يستقبل منه فتكون قد أحسنت إلى الأبناء كما أجملت في الصنع مع الآباء وحكمت للغة العربية أن لا يدخلها بعد من العجمة ما هو الأسماء الأماكن والأشخاص لا أسماء المعاني والأجناس: ومثلي من يعرف قدر الإحسان إذا عم ويعلي مكان المعروف إذا شمل ويتمثل في رأيه بقوله: ولو أ'ني حبيتُ الخلدَ فرداً ... لما أحببت بالخلدِ انفرادا فلا هطلت علي ولا بأرضي ... سحائبُ ليسَ تنتظم البلادا فما أعجز قلمي عن الشكر لك وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء. " وكتب أيضاً في الشكر مع المودة إلى بعض أصحابه " لك في قلوبنا من المودة ما يزكيه سناؤك وفي مناطقنا من الحمد ما يوجبه كمالك وفي صدورنا من الإجلال ما يرفعه بهاؤك وما بيننا من المودة لا تحده منه ولا تخلق له جده نعيذه من حاجة للتجديد واستدعاء للمزيد فلا المواصلة تربيه ولا المجاهلة توهيه: نعم إن ما يحفظ لك في الأنفس هو تجلي فضلك ومثال علائك ونبلك وذلك الخالد بخلود الأرواح الباقي في تفاني الأشباح. وبعد فقد تلقيت منك كتاباً يبوح بسر المحبة وبنشر طي الصداقة فيه تبيان وجدانك مما وجدنا وتأثرك على ما فقدنا فكان نبأ عما نعلم وقضاء بما نحكم ولكن شكرنا لك فضل المراسلة وأريحية المجاملة والله يتولى إيفاءك مثوبة تكافئ وفاءك. " وكتب أيضاً في الشكر لآخر " لو كان في الثناء وملازمة الدعاء وحفظ الجميل والقيام بالخدمة جهد

стр. 80

المستطيع ما يفي بشكر من يفتتح باب المحبة ويبدأ بصنائع المعروف لكنت والحمد لله من أقدر الناس عليه ولكن أني يكون في ذلك وفاء والمحبة سر نظام الأكوان والإحسان قوام عالم الأمكان والقائم على كنه جميعه قيوم السموات والأرض والمفتتحون لأبواب العرف على هذه النسبة الجليلة منه فليس لي إلا أن ألجأ إلى الله في مكافأة فضيلتكم على ما كان منكم أيام الإقامة بينكم ثم أسلي نفسي عن عجزي بما أتخيل أن كرمكم سيروي: سيكفي الكريم إخاءُ الكريم ... ويقنع بالودّ منه توالا وبعد هذا أرجو عفوكم عن التقصير في المبادرة إلى المكتبة لأني شغلت بما شغلني عن نفسي ولكن زالت العوارض والحمد لله: وفاتني لهذا العذر تهنئتكم بالعيد: وإنما للمؤمن في كل يوم بربه عيد فنهنئكم برضاء الله عنكم وتقبله صالح الأعمال منكم: وسلامي على نجلكم ومن يتمنى إليك. الفصل الرابع في رسائل النصح والمشورة " كتب بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة ٣٩٨ ه ـ?" اسمعْ نصيحةَ ناصحٍ ... جمعَ النصيحة والمقه إياك واحذرْ أن تكون ... ن منْ الثقاتِ على ثقة صدق الشاعر وأجاد وللثقات خيانة في بعض الأوقات: هذه العين تريك السراب شراباً وهذه الأذن تسمعك الخطأ صواباً فلست بمعذور إن وثقت بمحذور وهذه حالة الواثق بعينه السامع بأذنه وأرى فلاناً يكثر غشيانك وهو الدنيء دخلته الرديء جملته السيء وصلته الخبيث كلته وقد قاسمته في زرك وجعلته موضع سرك

стр. 81

فأرني موضع غلطك فيه حتى أريك موضع تلافيه أفظاهره غرك أم باطنه سرك. يا مولاي يوردك ثم لا يصدرك ويوقعك ثم لا يعذرك فاجتنبه ولا تقربه وإن حضر بابك فاكنس جنابك وإن مس ثوبك فاغسل ثيابك وأن لصق بجلدك فاسلخ إهابك ثم أفتتح الصلاة بلغته وإذا استعذت بالله من الشيطان فأعنه. " وكتب الاسكندر المقدوني إلى أستاذه الحكيم أرسطو " " يستشيره فيما يفعله بأبناء ملوك فارس بعد أن قتل آباءهم وتغلب على بلادهم " عليك أيها الحكيم منا السلام أما بعد فإن الأفلاك الدائرة والعلل السماوية وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين فإنا مضطرون إلى حكمتك غير جاحدين لفضلك والاجتباء لرأيك لما بلونا من أجداء ذلك علينا وذقنا من جنى منفعته حتى صار ذلك وبنجوعه فينا وترسخه في أذهاننا كالغذاء لنا فما ننفك نعول عليه ونستمد منه استمداد الجداول من البحار وقد كان مما سبق إلينا من النصر وبلغنا من النكاية في العدو ما يعجز القول عن وصفه والشكر على الإنعام به وكان ذلك أنا أرض سورية والجزيرة إلى أرض بابل وفارس فلما نزلنا بأهلها لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم يرأس ملكهم هدية وطلباً للحظوة عندنا

стр. 82

فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة أرعوائه ووفائه ثم أمرنا بجمع من كان هنالك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم، فرأينا رجالاً عظيمة أجسامهم وأحلامهم حاضرة ألبابهم وأذهانهم رائعة مناظرهم ومناطقهم دليلاً على أن وراء ذلك ما لم يكن معه سبيل إلى غلبتهم لولا أن القضاء أدالنا منهم وأظهرنا عليهم ولم نر بعيداً من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم وتجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم لتسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم فرأينا أن لا نعجل ببادرة الرأي في قتلهم دون الاستظهار بمشورتك فيهم فارفع إلينا رأيك في ما استشرناك فيه بعد صحته عندك وتقليبك إياه بجلي نظرك. والسلام على أهل اللام فليكن علينا وعليك. " وكتب أرسطو المتوفى قبل الميلاد سنة ٣٢٢ إلى الاسكندر المقدوني " إن لكل تربة ولا محالة قسماً من كل فضيلة وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة وإنك إن تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء منهم على أعقابهم وتورث سفلتهم منازل عليتهم وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم ولم تبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم من غلبة السفلة وذل الوجوه وأحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة فإنهم إن نجم

стр. 83

منهم ناجم على جندك وأهل بلادك دهمهم ما لا روية فيه ولا منفعة معه فانصرف على هذا الرأي إلى غيره وأعمد إلى من قبلك من العظماء والأحرار فوزع بينهم مملكتهم وألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناحية وأعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه فإن المتسمي بالملك لازم لاسمه والمعقود له التاج لا يخضع لغيره ولا يلبث ذلك أن يوقع بين كل ملك وصاحبه تدابراً وتغالباً على الملك وتفاخراً بالمال والجند حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وتعود بذلك حربهم لك حرباً بينهم ثم لا يزدادون بذلك بصيرة إلا أحدثوا هنالك استقامة لك فإن دنوت منهم كانوا لك وإن تأيت عنهم تعززوا بك حتى يثبت كل منهم على جاره باسمك وفي ذلك شاغل لهم عنك وأمان لأحداثهم بعدك (وإن كان لا أمان للدهر) وقد أديت للملك ما رأيته خطأ وعلي لاحقاً: والملك أبعد روية وأعلى عيناً في استعان بي عليه. والسلام الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء فليكن على الملك. " ومن رسالة للإمام علي المتوفى سنة ٤٠ ه ـ?" دع الإسراف مقتصداً واذكر في اليوم غداً وامسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين أو تطمع وأنت متمزغ في نعيم تمنعه الضعيف والأرملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين. وإنما المرء مجزيء بما أسلف وقادم على ما قدم: والسلام.

стр. 84

" وكتب أيضاً كرم الله وجهه إلى عبد الله بن عباس ﵄ " أما بعد فإن المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وليكن أسفك على ما فات منها وما نلت من دنياك فلا تكثر فيه فرحاً وما فاتك منها فلا تأسف عليه جزعاً وليكن همك فيما بعد الموت. " وكتب بطل الوطنية السيد عبد الله النديم المتوفى سنة ١٣١٤ ه ـ?" لا حول ولا قوة بالله اشتبه المراقب باللاه واستبدل الحلو بالمر وقدم الرقيق على الحر وبيع الدر بالخزف والخز بالخشف وأظهر كل لئيم كبره (إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) [آل عمران: ١٣] سمعاً سمعاً فالوشاة إن سمعوا لا يعقلوا (وّيُحِبّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ) [آل عمران: ١٨٨] فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر و (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: ١١٨] وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر (وَلَقَدْ جَآءَهُم مّنَ الأنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) [القمر: ٤] عجبت لهم وقد دخلوا دارنا (وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف: ١٠٥] (فَلَمّآ أَحَسّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ) [الأنبياء: ١٢] فقابلوهم بنبال الطرد في الأعناق (حَتّىَ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدّواْ الْوَثَاقَ) [محمد: ٤] أيدخلون بما لا ينفع في بيوت أذن الله أن ترفع سيعلمون مقام الهبوط والعروج (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [ق: ٤٢] ويقولون إذا لم يجدوا ملاذاً (يَوَيْلَنَا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مّنْ هََذَا) [الأنبياء: ٩٧] فإنهم عزموا على الإقامة مدة ولو أرادوا الخروج لأعدوا لهم عدة وأنت يا عزيز العليا ووحيد الدنيا

стр. 85

بيتت لك فعلهم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ) [آل عمران: ١٥٩] ولكنهم طمعوا في عميم طولك (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: ١٥٩] أتراهم يعقلون كلامك أم يفهمون (لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر: ٧٢] لهم قلوب لا يدرون بها للحسد قرار لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً) [الكهف: ١٨] وأني قد شيدت لك بقلبي حصناً صعباً (فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً) [الكهف: ٩٧] نسيت بالعاذل جميل الصوت وأنكره ما أنسانبه إلا الشيطان أن أذكره رميت أيها العاذل بسيف الغدر في نحرك أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك فإن لم ترجع عن السحر وفعله فلنأتينك بسحر مثله كيف يسعى العاذل بين النديم وإلفه (وَقَدْ خَلَتِ النّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الأحقاف: ٢١] فيا سادتي دعوني من المعجب والمطرب (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [البقرة: ١٧٧] واجعلوا سيف ثباتكم للعذال مسلولا (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [الإسراء: ٣٤] فإنهم قالوا كذب النديم أو بطر سيعلمون غداً من الكذاب الأشر وها قد صار أمر الحزبين عندك جلياً أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً أتظن عهد العذل عند غضبك لا ينكث مثله كمثل الكلب إن تحمل

стр. 86

عليه يلهث على أنه لكم عدو كبير ففروا إلى الله إني لكم منه نذير فإنه جمع لقتالك الأولاد والأحفاد وآخرين مقرنين في الأصفاد تركوا أمر الله واشتغلوا بما يرضونه فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه: وطني أن وصل إليك كتابي أنهم يطرون ويردعون (وَحَرَامٌ عَلَىَ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] أيعجبك إذا مشى هذا اللاه ثاني عطفه (لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللهِ) [القمان: ٦] وإنك وإن فرحت بعلم ما يجهلون قد نعلم إنه لحزنك الذي يقولون: فإن قلت إن اجتماعي بهم لأجل الصدقة أو شيء من هذا القبيل (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السّبِيلِ) [التوبة: ٦٠] على أنه لا تحل الصدقة لذميم (هَمّازٍ مّشّآءِ بِنَمِيمٍ) [القلم: ١١] وطباعهم كما تعلم منكرة مستقذرة (كَأَنّهُمْ حُمُرٌ مّسْتَنفِرَةٌ فَرّتْ مِن قَسْوَرَةٍ) [المدثر: ٥٠ ٥١] وقد قال (وفائي) خاطب عزيزك هذه المرة وإن لم يعمل فيك فكرا (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزّكّىَ أَوْ يَذّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَىَ) [عبس: ٣ ٤] فقال (لساني) إن الود هو الرسول المأمون (فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي إِنّيَ أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ) [القصص: ٣٤] فقلت سيروا مع المحبة ذات

стр. 87

الفتوة (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوّةٍ) بالنحل: ٩٢] وقولوا له عند الغاية قد جئناك بآية ولا تهابوا الجيش وإن كبر سيهزم الجمع ويولون الدبر ولا تظنوا من ظاهر الأمر حلول البلوى (إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىَ) [الأنفال: ٤٢] بل قاتلوهم قتال المستشهدين (وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللهَ مَعَ الْمُتّقِينَ) [التوبة: ١٢٣] وإذا اشتبك القتال فليدب كل منكم على مولاه (وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ) [الأنفال: ٦١] فسيروا ودعوا الأولاد والجنة (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ) [آل عمران: ١٣٣] ولا تسألوا عن الميرة من أصله (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ) [التوبة: ٢٨] فإن الله قد أثاركم لقتال العذال العائبين (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ) [آل عمران: ١٢٧] واحملوا عليهم فإنهم متى طعنوا في جنوبهم رضوا أن يكونوا مع الخوالف (وَطَبَعَ اللهُ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ) [التوبة: ٩٣] ولا تدبروا إذا رأيتموهم قدامكم (إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: ٧] وإن أخذتم أسرى فقاتلوا أنصارها (فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَآءً حَتّىَ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤] فإن أطعتم رفعتم وأصلح الله بالكم (وَإِن تَتَوَلّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم) [محمد: ٣٨]

стр. 88

وسأتلوا في خطبتكم عند قدومكم سالمين (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٤٥] . " وكتب أستاذي الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده المتوفى سنة ١٣٢٣ ه ـ?" عرض لي ما منعني من قراءة الجرائد نحو أسبوع وكنت أسمع فيه بحادثة (ميت غمر) من بعض الأفواه أظنها من الحوادث المعتاد وقوعها حتى تمكنت من مراجعة الجرائد ليلة الخميس الماضي فإذا لهب ذلك الحريق يأكل قلبي أكله لجسوم أولئك المساكين سكان (ميت غمر) ويصهر من فؤادي ما يصهره من لحومهم حتى أرقت تلك الليلة ولم تغمض عيناي إلا قليلاً وكيف ينام من يبيت يتقلب في نعم الله وله هذا العدد الحم من أخوة وأخوات يتقلبون في شدة البأساء فأردت أن أبادر بما أستطيع من المعونة وما أستطيعه قليلاً لا يغني من الحاجة ولا يكشف البلاء ثم رأيت أن ادعوا جمعاً من أعيان العاصمة ليشاركوني في أفضل أعمال البر في أقرب وقت وكان ذلك يوم السبت فحضر منهم سابقون وتأخر آخرون وكتب بعضهم يعتذرون فشكر الله سعي من حضر وجزى خيراً من اعتذر وغفر لمن تأخر.. على أنه ليس الحادث بذي الخطب اليسير فالمصابون خمسة آلاف وبضع مئين منهم الأطفال الذين فقدوا عائليهم والتجار والصناع الذين هلكت آلاتهم ورؤوس أموالهم ويتعذر عليهم أن يبتدئوا الحياة مرة أخرى إلا بمعونة من إخوانهم وإلا اصبحوا متلصصين أو سائلين والذين

стр. 89

فقدوا بيوتهم ولا يجدون ما يأوون إليه ولا مال لهم يقيمون ما يؤويهم من مثل بيوتهم المتخربة لهذا رأيت ورأى كل من تفكر في الأمر أن يجمع مبلغ وافر يتمكن به من تخفيف المصاب عن جميع أولئك المنكوبين. " وكتب أيضاً في الغرض المذكور " قد بلغكم ولا ريب من أخبار الجرائد ما عليه أهل (ميت غمر) بعد الحريق الذي أصاب مدينتهم فهم بلا قوت ولا ساتر ولا مأوى فليتصور أحدكم أن الأمر نزل بساحته أفما كان يتمنى أن يكون جميع الناس في معونته فليطالب الآن كل منا نفسه بما يطالب به الناس لو نزل به ما نزل بهم ولينفق مما له ما يدفع الله به عنه مكروه الدهر.. فأرجو من همتكم أن تدفعوا شيئاً من مالكم في مساعدة إخوانكم وان تبذلوا ما في وسعكم لحث من عندكم على مشاركتكم في هذا العمل: والسلام. الفصل الخامس في رسائل الملامة والعتاب " كتب بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة ٣٩٨ ه ـ?" لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرني أني خطرتُ ببالكِ الأمير أطال الله بقاءه في حالي بره وجفائه متفضل وفي يومي إدنائه وإبعاده متطول وهنيئاً له من حمانا ما يحله ومن عرانا ما يحله ومن أعراضنا ما يستحله: بلغني انه أدام الله عزه استزاد صنيعه فكنت أظنني

стр. 90

معجباً عليه مساء إليه فإذا أنا في قرارة الذنب ومثارة العتب وليت شعري أي محظور في العشرة حضرته أو مفروض من الخدمة رفضته أو واجب في الزيارة أهملته وهل كنت إلا ضيفاً أهداه منزع شاسع وأداه أمل واسع وحداه فضل وإن قل وهداه رأي وإن ضل ثم لم يلق إلا في آل ميكال رحله ولم يصل إلا بهم حبله ولم ينظم إلا فيهم شعره ولم يقف إلا عليهم شكره: ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة ولا زادت مرمة إلا نقصت صيانة ولا تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة ولم تزل الصفة بنا حتى صار وابل الأعظام قطرة وعاد قميص القيام صدره ودخلت مجلسه وحوله من الأعداء كتيبه فصار ذلك التقريب ازورارا وذلك السلام اختصاراً والاهتزاز إيماء والعبارة إشارة وحين عاتبته آمل إعتابه وكاتبته أنتظر جوابه وسألته أرجو إيجابه أجاب بالسكوت فما ازددت له إلا ولاء وعليه ثناء ولا جرم إني اليوم أبيض وجه العهد واضح حجة الود طويل لسان القول رفيع حكم العذر وقد حملت فلاناً من الرسالة ما تجافى القلم عنه والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقاً إن شاء الله .

стр. 91

" وكتب أيضاً إلى القاسم الكرجي المتوفى سنة ٤٤٠ ه ـ?" بالتحمل أحاسب مولاي أيده الله على أخلاقه ضناً بما عقدت يدي عليه من الظن به والتقدير في مذهبه: لولا ذلك لقلت في الأرض مجال إن ضاقت ظلالك وفي الناس واصل إن رثت حبالك واأخذه بأفعاله: فإن أعارني أذناً واعية ونفساً مراعية وقلباً متعظاً ورجوعاً عن ذهابه ونزوعاً عن هذا الباب الذي يقرعه ونزولاً عن الصعود الذي يفرعه فرشت لمودته خوان صدري وعقدت عليه جوامع خصري ومجامع عمري وغن ركب من التعالي غير مركبه وذهب من التغالي في غير مذهبه أقطعته خطة أخلاقه ووليته جانب إعراضه. ولا أذودُ الطير عن شجرٍ ... قد بلوت المرّ من ثمره فإني وإن كنت في مقتبل السن والعمر قد حلبت شطري الدهر وركبت ظهري البر والبحر ولقيت وفدي الخير والشر وصافحت يدي النفع والضر وضربت إبطي العسر واليسر وبلوت

стр. 92

طعمي الحلو والمر ورضعت ضرعي العرف والنكر فما تكاد الأيام تريني من أفعالها غريباً وتسمعني من أحوالها عجيباً ولقيت الأفراد وطرحت الآحاد فما رأيت أحداً إلا ملأت حافتي سمعه وبصره وشغلت حيزي فكره وأثقلت كتفه في الحزن وكتفه في الوزن وود لو بادر القرن صحيفتي أو لقي صفيحتي فما لي صغرت هذا الصغر في عينه وما الذي أزرى بي عنده حتى احتجت وقد قصدته ولزم وقد حضرته. أنا أحاشيه أن يجهل قدر الفضل أو يجحد فضل العلم أو يمتطي ظهر التيه على أهليه وأسأله أن يختصني من بينهم بفضل إعظام إن زلت بي مرة قدم في قصده وكأني به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحفة والرتبة المتحيفة وهو في جنب جفائه يسير فإن أقلع عن عادته ونزع عن شيمته في الجفاء فأطال الله بقاء الأستاذ الفاضل وأدام عزه وتأييده. " وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى بالبصرة سنة ٢٥٥ ه ـ?" والله يا قليب لولا أن كبدي في هواك مقروحة وروحي مجروحة لساجلتك هذه القطيعة وماددتك حبل المصارمة وأرجو أن الله تعالى يديل صبري من جفائك فيردك إلى مودتي وأنف القلى راغم

стр. 93

فقد طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند الالتقاء والسلام. " وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفى سنة ٧٤٠ ه ـ?" كتابي وقد خرجت من البلاد خروج السيف من الجلاء وبروز البلد من الظلماء وقد فارقتني المحنة وهي مفارق لا يشتاق إليه وودعتني وهي مودع لا يبكي عليه والحمد لله تعالى على محنة يجليها ونعمة ينيلها ويواليها كنت أتوقع أمس كتاب مولاي بالتسلية واليوم بالتهنية فلم يكاتبني في أيام البرحاء بأنها غمته ولا في أيام الرخاء بأنها سرته وقد اعتذرت عنه إلى نفسي وجادلت عنه قلبي فقلت أما إخلاله بالأولى فلأنه شغله الاهتمام بها عن الكلام فيها وأما تغافله عن الأخرى فلأنه أحب أن يوفر علي مرتبة السابق إلى الابتداء ويقتصر بنفسه على محل الاقتداء لتكون نعم الله سبحانه علي موفورة من كل جهة ومحفوفة بي من كل رتبة فإن كنت أحسنت الاعتذار عن سيدي فليعرف لي حق الإحسان وليكتب إلي بالاستحسان وإن كنت أسأت فليخبرني بعذره فإنه أعرف مني بسره وليرض مني بأني حاربت عنه قلبي واعتذرت عن ذنبه حتى كأنه ذنبي وقلت يا نفس اعذري أخاك وخذي منه ما أعطاك فمع اليوم والعود أحمد. " وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر المتوفى سنة ٨٠ ه ـ?" أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك وذلك أنك ابتدأتني بلطف عن غير حبرة ثم أعقبته جفاء من غير ذنب فأطمعتني أولك

стр. 94

في إخائك وأيأسني آخرك من وفائك فسبحان من لو شاء لكشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك فاجتمعنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف والسلام. " وكتب صديقي الأوفى زعيم الوطنية الشيخ عبد العزيز جاويش " سيدي: مالي أراك كمن نسي الخليط وتجرد في الصحبة عن المحيط والمحيط فإذا ما صادفتك صدفت أو أنصفتك ما نصفت أتظن أني قعيدة بيتك أو رهين كيتك وذيتك فوحقك إذا آنست من يدي مللا أو من قدمي كللا لنجزتها البتات وكلت بنقصها الذات ولو أني آنست من الزاد فترة أو من الشراب عسرة لطعمت الطوى وأستقيت الجوى فكيف أداعب وتصاعب وأحالف وتخالف وأواصل وتفاصل وأجالب وتجانب لبئست مطيتك التي اقتدعت وشرعتك التي شرعت فوالله لولا أن الحب حادث لا يتقي بالتروس ومعنى لا يدب إلا في النفوس وسهام لا ترمى إلا من قسي الحواجب ونحو أوله المعية وآخره الجوازم لما افترست الظباء الصيد الأسود ولا ملكت الأحرار العبيد ولولا أني كرعت من صابه والتحفت ببردة أوصابه لتعوذت منك (بسورة الفلق) ونبذتك نبذ الرداء الخلق ولهان علي أن أدعك أو أسمعك.

стр. 95

تمرَّون الديارَ ولن تعوجو ... كلامكمو عليّ إذاً حرامُ غير أن لي نفساً شبت على الحب فلم أفطمها وتقادعت على ناره فلم أعصمها حتى بلغ السيل الزبى وتبددت النفس أيدي سبا إلا حشاشة غفل عنها الوجد وبقية رمق ألفيتها من بعد وكلما رأيت منك الشطط واعتساف الخطط عمدت إلى أن اثني من رسنها وأذود عن عطنها وشخصت إلى المكافحة والمكافأة وأن لا أكليك إلا مثلاً ولا أسقيك إلا وشلا ولا أزيدك إلا فشلا. ولست أجزيك الجزاء الذي ... على وفاءِ الصنع لا يخسه وليس يبكي صاحباً من إذا ... أهين لا يبكي على نفسه على أني بالرغم أصبح في نهار أحلك من ليل وأمسي في ليل أشق على النفس من ويل. وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي فإن تخلصت من لقائك فإلى الشقاء وإذا لجأت من عسفك فإلى العناء وإذا استجرت بفراقك فقد استجرت بالنار من الرمضاء وكأنك لم تدر أن دولة الحسن سريعة التقويض وأنه لابد من هبوط القمر إلى الحضيض ولسوف تبلى

стр. 96

بعارض بيد أنه غير ممطر وبساعة مقبلك فيها مدبر وستصبح عما قريب قد عفت رسومك ولم تجد في سوق الصحبة من يسومك والعاقل من لا يختال بنفسه ولا يبني على غير أسه فإنك ما نضت لؤلؤة مبسمك ولا نضرت صورة معصمك ولا شئت فخلقت كما تشاء ولا اتخذت عند الله عهداً وهذا الوفاء ولكن مثلك من أفرغه الله في القالب الذي اختار وجعله مرتع النفوس ومسرح الأبصار وغني أبها العزيز قد تقدمت إليك. ولي أملق قطعتُ به الليالي ... أراني قد فنيت به وداما فلا تحرمني من سائغ العفو وسابغه ولا تجعلني (كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) [الرعد: ١٤] . فأشدُ ما لقيتُ من ألم الجوى ... قربُ الحبيب وما إليه وصولُ كالعيسِ في البيداء يقتلها الظما ... والماءُ فوق ظهورها محمولُ فاعمل في يومك لغدك واستجز غيرك ببسط يدك ولا تأخذني بجرم الجاني المتلبس ولا تبتغ مني صحيفة المتلمس بيد أني أنشدك الذي بلى العاشق بالمعشوق وكلفه في الحب بيض الأنوق وسهد طرفه بنواعس العيون وخول للحسن (إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: ٨٢] كما قرن الهوى بالنوى والقلب بالجوى وقضى على المحب ونشر العشق فلم يحتجب ما الذي أغرى إلى الإعتكاف وعدم الإنصاف

стр. 97

ألين الأعطاف أم فتور الأجفان أم تكسر الكلام أم هيف القوام؟ لقد شددت أزرك والله بضعاف واستمنت تلك العجاف وهل حدا إلى قطيعتي بك أني خشن الملمس رث الملبس ولم أمنح كما منحت نضرة ولم ألبس برقع البياض والحمرة فأعلم أنك إن تظرتني بعين الرضا ورحمت فؤاداً يتقلب منك على جمر الغضا فستجدني صديقك الذي لا يبطره الوفاء ولا يثنيه الجفاء املك لك من لسان وأطوع لأمرك من بنان: أكتب فأين لعبد الحميد الكاتب قلمي وأشعر فأين الشعراء إلا تحت علمي وأبذل فأين حاتم من كرمي وأحلم فأين أحنف من حلمي. وحسبك فخراً أن يجود بنفسه ... على رغب منْ ليس يأملُ في الشكر ومن يحتمل في الحب ما فوق كاهلي ... فحسبك حلماً أن يقيمَ على الهجرِ فإن أصخت إلى الداعية ووعيت كلمات لا تسمع فيها لاغية فإليك الجزاء وعلي الوفاء وإلا فالفرار إلى الموت أمرٌ يسير والقبر للعشاق قليلٌ من كثير.

стр. 98

" وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى سماحة السيد توفيق البكري " كتابي إلى السيد السند ولا أجشمه الجواب عنه فذلك ما لا انتظره منه وإنما أسأله أن ينشط إلى قراءته ويتنزل إلى مطالعته

стр. 99

وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه أو يزكيها ويحكم عليها أو لها. فقد تنفعُ الذكرى إذا كان هجرُ همو ... دلالا فأما إن ملالاَ فلا نفعاً زرت السيد ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه كحرصي على بقائه وكلفي بشهوده كشغفي بوجوده فقد بعد والله عهد هذا التلاق وطال أمد الفراق وتصرم الزمان وأنا من رؤيته في حرمان فسألت عنه فقيل لي أنه خرج لتشييع زائر وهو عما قليل حاضر فانتظرت رجوعه وترقبت طلوعه ولم أزل أعد اللحظات وأستطيل الأوقات حتى بزغت الأنوار وارتج صحن الدار وظهر الاستبشار على وجوه الزوار وجاء السيد في مركبه وجلالة محتده ومنصبه فقمنا لاستقباله وهينمنا بكماله فمر يتعرف وجوه القوم حتى حازاني وكبر على عينه أن يراني فغادرني ومن على يساري وأخذ في السلام على جاري وجر السلام الكلام وتكرر القعود والقيام وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة ومر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات. تمرّون الديارَ ولن تعرجوا ... كلامكمو عليَّ إذنْ حرام وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر أن عهدي لديه لا يحفر فإذا أنا لست في العير ولا في النفير وغيري عند السيد كثير وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير. ومن مدتِ العليا إليه يمينها ... فأكبر إنسان لديه صغيرُ

стр. 100

ولا أدعي أني أوازي السيد صانه الله في علو حسبه أو أدانيه في علمه وأدبه أو أقاربه في مناصبه ورتبه أو أكاثره في فضته وذهبه وإنما أقول ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار وشهود الأواني على مائدة الإفطار وبين من يزوره للسلام وتأييد جامعة الإسلام وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصاً للخلاص ومن يتردد إجابة لدعوة الإخلاص وأن لا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد وقناص الشوارد بنقاء الموالد ورواد الطرف بأرباب الحرف. فما كلُ منْ لقيتَ صاحبُ حاجةٍ ... ولا كل من قابلت سائلك العرفا فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الجناس فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس وإلا فلماذا يطوف على بعض الضيوف ويحييهم بصنوف من المعروف ويتخطى الرقاب "لصروف" ويخترق لأجله الصفوف فإن زعم السيد أنه اعلم بتصريف الأقلام فليس بأقدم هجرة في الإسلام وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه. ولا أرومُ بحمد الله منزلة ... غيري أحقُ بها مني إذا راما وإنما أصونُ نفسي عن المهانة والضعة ... ولا اعرّضها للضيق وفي الدنيا سعة وأكرم نفسي أنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدي فلا يصعر السيد من خده فقد رضيت بما ألزمني من بعده ولا يغض من عينه فهذا فراقٌ بيني وبينه وليتخذني صاحباً من بعيد ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.

стр. 101

كلانا غنيّ عن أخيه حياتهُ ... ونحن إذا متنا أشدُ تغانيا ومن يعلى السيد السلام على الدوام ومبارك إذا لبس جديداً وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيداً ومرحى إذا أصاب وشيعته السلامة إذا غاب وقدوماً مباركاً إذا آب وبالرفاء والبنين إذا أعرس وبالطالع المسعود إذا أنجب ورحمه الله إذا عطس ونوم العافية إذا نعس وصح نومه إذا استيقظ وهنيئاً إذا شرب وما شاء الله كان إذا ركب ونعم صاحبه إذا انفجر الفجر وسعد مساؤه إذا أذن العصر وبخ بخ إذا نثر ولا فض فوه إذا شعر وأجاد وأفاد إذا خطب وأطرب واغرب إذا كتب وإذا حج البيت فحجاً مبروراً وإذا شيع جنازتي فسعياً مشكوراً: والسلام.

стр. 102

الفصل السادس في رسائل الشكوى " كتب الأمير أبو الفضل الميكالي المتوفى سنة ٤٣٦ ه ـ?" إنما أشكو إليك زماناً سلب ضعف ما وهب وفجع بأكبر مما متع وأوحش فوق ما آنس وعنف في نزع ما البس فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع حتى جرعنا مرارة الفراق ولم يمتعنا بأنس الالتقاء حتى غادرنا رهن التلهف والاشتياق والحمد الله تعالى على كل حال يسوء ويسر ويحلو ويمر ولا أيأس من روح

стр. 103

الله في إباحة صنع يجعل ربعه مناخي ويقصر مدة البعاد والتراخي فألاحظ الزمان بعين راض ويقبل إلي حظي يعد إعراض وأستأنف بعزته عيشاً عذب الموارد والمناهل مأمون الآفات والغوائل. " وكتب عبد الحميد بن يحيى المقتول سنة ١٣٢ إلى أهله وهو مهزم مع مروان" أما بعد، فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها ومن عضته بناتها ذمها ساخطاً عليها وشكاها مستزيداً لها وقد كانت أذاقتنا أفاويق اسحليناها ثم جمحت بنا نافرة ورمحتنا مولية فملح عذبها وخشن لينها فأبعدتنا من الأوطان وفرقتنا عن الإخوان فالدار نازحة والطير بارحة وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعداً وإليكم وجدا فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم نرجع إليكم بذل الإسار والذل شر جاز

стр. 104

نسأل الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين. " وكتب أستاذي الحكيم الشيخ محمد عبده وهو مسجون بسبب الحوادث العرابية" تقلّدتني اللّيالي وهي مدبرةٌ ... كأنني صارمٌ في كفّ منهزم عزيزي (هذه حالتي) اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى واعترضت ما بين المشرق والمغرب وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس إذ تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية أو الإنسانية فأصبحت قلوب الثقلين (كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدّ قَسْوَةً) [البقرة: ٧٤] فتبارك الله أقدر الخالقين انتثرت نجوم الهدى وتدهورت الشموس والأقمار وتغيبت الثوابت النيرة وفر كل مضيء منهزماً من عالم الظلام ودارت الأفلاك دورة العكس ذاهبة بنيراتها إلى عوالم غير عالمنا هذا فولى معه آلهة الخير أجمعين وتمحضت السلطة لآلهة الشر فقلبوا الطباع وبدلوا الخلق وغيروا خلق الله وكانوا على ذلك قادرين. رأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه في ليلة

стр. 105

داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء فتكاثف ركاماً ركاماً لا أرى إنساناً ولا أسمع ناطقاً ولا أتوهم مجيباً أسمع ذئاباً تعوي وسباعاً تزأر وكلاباً تنبح كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب والتف على رجلي تنينان عظيمان وقد خويت بطون الكل وتحكم فيها سلطان الجوع ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين. تقطع الأمل وانفصمت عروة الرجاء وانحلت الثقة بالأولياء وضل الاعتقاد بالأصفياء وبطل القول بإجابة الدعاء وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء وجميع العالمين. سقطت الهمم وخربت الذمم وغاض ماء الوفاء وطمست معالم الحق وحرقت الشرائع وبدلت القوانين ولم يبق إلا هوى يتحكم وشهوات تقضى وغيظ يحتدم وخشونة تنفذ "تملك سنة القدر" و (اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف: ٥٢] . ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه ومقذوفات من التهم وسواقط من اللمم ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة ويغشوا بها أعين الناظرين لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه أو لمستور يكشفونه أو لحق خفي

стр. 106

فيهرونه أو خرق بدا فيرقعونه أو نظام فاسد فيصلحونه كلا: بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوا غير مخطئين، وقد وجدوا لذلك أعواناً من حلفاء الدناءة وأعداء المروءة وفاسدي الأخلاق وخبثاء الأعراق رضوا لأنفسهم قول الزور وافتراء البهتان واختلاق الإفك وقد تقدموا إلى مجلس التحقيق بتقارير محشوة من الأباطيل ليكونوا بها علينا من الشاهدين، كل ذلك لم تأخذني فيه دهشة ولم تحل قلبي وحشة بل أنا على أتم أوصافي التي تعلمها غير مبالٍ بما يصدر به الحكم أو يبرمه القضاء، عالماً بأن كل ما يسوقه القدر وما ساقه من البلاء فهو نتيجة ظلم لا شبهة للحق فيه، لأن الله تعالى يعلم كما أنت تعلم أنني بريء من كل ما رموني به، ولو أطلعت عليه لوليت منه رعباً وكنت من الضاحكين. نعم حنقني الغم وأحمى فؤادي الهم وفارقني النوم ليلة كاملة عند ما رأيت اسمك الكريم واسم بقية الأبناء والأخوان المساكين تنسب إليهم أعمال لم تكن وأقوال لم تصدر عنهم لقصد زجهم في المسجونين. لكن اطمأن قلبي وسمن جأشي عندما رأيت تواريخ التقارير متقادمة ومع ذلك لم يصلكم شرر الشر فرجوت أن الحكومة لم ترد أن تفتح باباً لا يذر الأحياء ولا الميتين. قدم فلان وفلان تقريرين جعلا تبعات الحوادث الماضية على عنقي ولم يتركا شيئاً من التخريف إلا قالاه وذكرا أسماءكم في أمور أنتم جميعاً أبعد الناس عنها، لكن لا حرج عليهما فإني لأراهما من المجانين، ولم أتعجب من

стр. 107

هذين الشخصين إذ يعملان مثل هذا الذنب القبيح ويرتكبان هذا الجرم، الشنيع ولكن أخذني العجب "كل العجب غاية العجب بالغ ما شئت في عجبي"، إذ أخبرني المدافع عني بتقرير قدمه فلان الذي أرسلت إله السلام وأبلغته سروري عندما سمعت باستخدامه، وأنا في هذا السجن رهين. إلى هذا الوقت لم يصلني التقرير ولكن سيصل إلي إنما فيما بلغني أنه شهادة بأقبح شيء لا يشهد به إلا عدو مبين: هذا اللئيم الذي كنت أظن أنه يألم لألمي ويأخذه الأسف لحالي ويبذل وسعه إن أمكنه في المدافعة عني فكم قدمت له نفعاً ورفعت له ذكراً وجعلت له منزلة في قلوب الحاكمين: كم سمعني أقاوم هجاء الجرائد وأوسع محرريها لوماً وتقريعاً وأهزأ بتلك الحركات الجنونية وكان هو علي في بعض أفكاري هذه من اللائمين: كان ينسب فلاناً لسوء القصد اتباعاً لرأي فلان وأعارضه أشد المعارضة، ثم لم أنقض له عهداً ولم أبخس له ودا وحقيقة كنت مسروراً لوجوده موظفاً فما باله أصبح من الناكثين: آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد حفظه للولاء، ما أغيره على حقوق الأولياء، ما أثبته على الوفاء، ما أرقه على الضعفاء، ما أشد اهتمامه بشؤون الأصدقاء، ما أعظم أسفه لمصائب من بينهم وبينه أدنى مودة، وإن كانوا فيها غير صادقين، ما أبعد هذا القلب من الإيذاء ولو للأعداء، ما أشده رعاية للود، ما أشده محافظة على العهد ما أعظم حذره من كل ما توبخ عليه الذمم الظاهرة، ما أقواه على العمل الحق، والقول الحق، لا يطلب عليه جزاء، وكم اهتم بمصالح قوم وكانوا عنها غافلين، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم هو الذي سر قلوبهم بالترقية وملأها فرحاً بالتقدم

стр. 108

ولطف خواطرهم بحسن المعاملة وشرح صدورهم بلطيف المجاملة ودافع عنهم أزماناً "خصوصاً هذا اللئيم" أفنشرح الصدور وهم يحرجون ونشفي القلوب وهم يؤلمون ونفرحها وهم يحزنون؟ تالله (قَدْ ضَلّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: ١٤٠] هذا القلب ذاب معظمه من الأسف على ما يلم بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم، وما بقي من هذا القلب فهو في خوف على من يعرفهم على عهد مودته، فإن تسللوا جميعاً بمثل هذه العمال اصبحوا من مودته خالين واتخذوه وقاية لهم من المضرة وجعلوه ترساً يعرضونه لتلقى سهام النوائب التي يتوهمون تفويقها إليهم كما اتخذوه قبل ذلك سهماً يصيبون به أغراضهم فينالون منها حظوظهم فقد أراحوا تلك البقية من الفكر فيهم، والله يتولى حسابهم (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: ٦٢] ، آه ما أظن أن تلك البقية تستريح من شاغل الفكر في شؤون الأحبة وإن جاروا في تصرفهم. إن طبيعة هذا القلب لطبيعة ناعم الخز إذا اتصل بذي الود وإن كان خشناً فصعب أن ينفصل ولو مزقته خشونته، وإن هذا القلب في علاقة مع الأوداء كالضياء مع الحرارة أيما حادث يحدث وأيما كيماوي يدقق لا يجد للتحليل بينهما سبيلاً، وأظنك في العلم بثبوت تلك الطبيعة فيه كنت من المتحققين. " وكتب حافظ بك ابراهيم إلى الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده " كتابي إلى سيدي وأنا من وعده بين الجنة والسلسبيل ومن

стр. 109

تيهي به فوق النثرة والإكليل وقد تعجلت السرور وتسلقت الحبور وقطعت ما بيني وبين النوائب. وبشّرتُ أهلي بالذي قد سمعتهُ ... فما منحتي إلاّ ليالٍ قلائل وقلت لهم للشيخ فينا مشيئةٌ ... فليس لنا من دهرنا ما ننازلُ وجمعت فيه بين ثقة الزبيدي بالصمصامة والحارث بالنعامة فلم أقل ما قال الهذلي لصاحبه حين نسي وعده وحجب رفده. "يا دار عاتكة التي أتغزل" بل أناديه نداء الأخيذة في عمورية شجاع الدولة العباسية وأمد صوتي بذكر إحسانه مد المؤذن صوته في آذانه واعتمد عليه في البعد والقرب اعتماد الملاح على نجمة القطب. وقال أصيحابي وقد هالني النَّوى ... وهالهمُ أمري متى أنتَ قافل فقلت إذا شاء الإمامُ فأوبتي ... قريبٌ وربعي بالسَّعادة آهلُ

стр. 110

وهأنا متماسك حتى تنحسر هذه الغمرة وينطوي أجل تلك الفترة وينظر لي سيدي نظرة ترفعني من (ذَاتِ الصّدْعِ) [الطارق: ١٢] إلى (ذَاتِ الرّجْعِ) [الطارق: ١١] وتردني إلى وكري الذي فيه درجت رد الشمس قطرة المزن إلى أصلها ورد الوفي الأمانات إلى أهلها. فإن شاءَ فالقربُ الذي قد رجوته ... وإن شاءَ فالعزُّ الذي أنا آملُ وإلاَّ فإني قافُ رؤبةَ لم أزل=بقيد النَّوى حتى تغولَ الغوائلُ فلقد حللت السودان حلول الكليم في التابوت والمغاضب في جوف الحوت بين الضيق والشدة والوحشة والوحدة: لا، بل حلول الوزير في تنور العذاب والكافر في موقف الحساب بين نارين نار القيظ ونار الغيظ. فناديت باسم الشيخ والقيظ جمرهُ ... يذيب دماغ الضّب والعقل ذاهل فصرت كأني بينَ روضٍ ومنهلٍ ... تدبُّ الصّبا فيه وتشدو البلابل واليوم أكتب إليه وقد قعدت همة النجمين وقصرت يد الجديدين. عن إزالة ما في نفس ذلك الجبار العنيد فلقد نما ضب ضغنه علي وبدرت بوادر السوء منه إلي فأصبحت كما سر العدو وساء الحميم وآلامي كأنها جلود أهل الجحيم كلما نضج منها أديم تجدد أديم وأمسيت وملك آمالي إلى الزوال أسرع من أثر الشهاب في السماء ودولة صبري إلى الاضمحلال
следующие страницы →