Полный текст (685 стр.). Показаны 666–685 · переход к 671.
стр. 666
وابتدر مسعاك واعلم أن من ... بادر الصيد مع الفجر قنص
واجتنب كل غبي مائق ... فهو كالغير، إذا جد قمص
إنما الجاهل في العين قذى ... حيثما كان، وفي الصدر غصص
واجتز من شئت تعرفه فما ... يعرف الأخلاق إلا من فحص
إن ذا الحاجة إن لم يغترب ... عن حماه مثل طير في قفص
وقال أبو اسحاق إبراهيم الغزي
بمسيره نقص الهلال، وزاد ... فاجعل كراك إذا اعتزمت سهادا
لولا أنصلات البيض من أغمادها ... مشحوذة لم تفضل الأغماد
وفضيلة الحيوان في حركاته ... لولا منافعة لكان جمادا
مالعمر إلا راحل، وأظنه أت ... خذ الشبيبة للمسافة زادا
لا تخلعن عن اللسان لجامه ... وتوق فرط جماحه المعتادا
فالله خص الاستماع بآلةٍ+مثنى وجارحة الكلام فرادى
وقال أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي
حاول جسيمات الأمور، ولا تقل ... إن المحامد والعلا أرزاق
وأرغب بنفسك أن تكون مقصراً ... عن غلاية فيها الطلاب سباق
لا تشفقن فإن يومك إن أتى ميقاته لم ينفع الإشفاق
وإذا عجزت عن العدو فداره ... وأمزج له إن المزاج وفاق
стр. 667
فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج، وطيعها الإحراق
стр. 668
عود بينك على الآداب في الصغر ... كيما تقربهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الآداب تجمعها ... في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ... ولا يخاف عليها حادث العبر
إن الأديب إذا زلت به قدم ... يهوى على فرش الديباج والسرر
الناس صنفان ذو علم ومستمع ... واع وسائرهم كاللغو والعكر
من لم يكن عقله مؤدبة ... لم يغنه واعظ من النسب
كم من وضيع الأصول في أمم ... قد سودوه بالعقل والأدب
لا تيأسن إذا ماكنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب الإبريز مختلط ... بالترب إذ صار إكليلاً على الملك
السبع سبع ولو كلت مخالبه ... والكلب كلب ولو بين السباع ربي
وهكذا الذهب الإبريز خالطه ... صفر النحاس وكان الفضل للذهب
لا يعجبنك أثواب على رجل ... دع عنك أثوابه وانظر إلى الأدب
стр. 669
فالعود لو لم تفح منه روائحه ... لم يفرق الناس بين العود والحطب
وليس يسود المرء إلا بنفسه ... وإن عد آباء كراماً ذوي حسب
إذا العود لم يثمر ولو كان شعبه ... من المثمرات اعتده الناس من حطب
قد ينفع الأدب الأحداث من صغر ... وليس ينفع بعد الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
стр. 670
الباب الثاني عشر في الصبر والتأني
تصبر ففي اللأواء قد الصبر ... ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب ... جميل الرضا يبقى لك الذكر والأجر
وثق بالذي أعطى ولاتك جازعاً ... فليس بحزم أن يروعك الضر
فلا نعم تبقى ولا نقم ولا ... يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر
تقلب هذا الأمر ليس بدائم ... لديه مع الأيام حلو ولا مر
اصبر على مضض الأدلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الطاعات في البكر
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبه محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يؤمله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح كل ما ارتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
عليك بإظهار التجلد للعدى ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا
أما تنظر الريحان بشمم ناضراً ... ويطرح في البيدا إذا ماتغيرا
صبراً على نوب الزما ... ن وإن أبى القلب الجريح
فلكل شيء آخر ... إما جميل أو قبيح
الدهر أدبني والصبر رباني ... والقوت أنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي قد كان ينهاني
إني رأيت الصبر خير معول ... رفي النائبات لمن أراد معولاً
ورأيت أسباب القناعة أكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبابي منزل جاوزته ... وجعلت منه غيره لي منزلاً
وإذا غلا شيء علي تركته ... فيكون أرخض مايكون إذا غلا
إذا ماأتاك الدهر يوماً بنكبة=فافرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً
فإن تصاريف الزمان عجيبة ... فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسراً
стр. 671
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويحمد منه الصبر مما يصيبه
فمن فيما يتقيه اصطباره ... لقد قل فيما يرتجيه نصيبه
أصبر قليلاً فبعد العسر تيسير ... وكل وقت له أمر وتدبير
وللمهيمن في حالتنا نظر ... وفوق تدبيرنا لله تدبير
اصبر ففي الصبر خيرٌ لو علمت به ... لكنت باركت شكراً صاحب النعم
وأعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً ... صبرت قهراً على خط بالقلم
كن حليماً إذا بليت بغيظ ... وصبوراً إذا أتتك مصيبة
فالليالي من الزمان حبالى ... مثقلات يلدان كل عجيبة
تصبر أيها العبد اللبيب ... لعلك بعد صبرك ماتخيب
وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءها فرج قريب
أيا صاحبي إن رمت أن لاتكسب العلا ... وترقى إلى العلياء غير مزاحم
عليك بحسن الصبر في كل حالة ... فما صابر فيما يروم بنادم
بنى الله للأخيار بيتاً سماؤه ... هموم وأحزان وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه ... وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
اصبر قليلاً وكن بالله معتصما ... لاتعجلن فإن العجز بالعجل
الصبر مثل اسمه في كل نائبة ... لكن عواقبه أحلى من العسل
إذا جرحت مساويهم فؤادي ... صبرت على الإساءة وانطويت
وجئت إليهم طلق المحيا ... كأني لا سمعت ولا رأيت
تأن ولا تضيق للأمر ذرعاً ... فكم بالنجح يظفر من تأنى
تأن فالمرء إن تأنى ... أدرك لاشك ما تمنى
стр. 672
الباب الثالث عشر في الصدق
الصدق عز فلا تعدل عن الصد ... واحذر من الكذب المذموم في الخلق
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد
ماأحسن الصدق في الدنيا لقائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس
الباب الرابع عشر في الكذب
لي حيلة فيمن ين ... م وليس في الكذب حيلة
من كان يخلق مايقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
نعم إنما النمام ذو ضرر ... لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر
نعم نعم إنما النام ذو ضرر ... لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر
أخو النميمة إن يسمع ينم ومن ... يكذب يقل ما يشا قولاً بغير أثر
لذاك لي حيلة في من ينم وما ... لي حيلة في كذوب ملء فيه شرر
لي حيلة في من ينم فإنني ... أطوي حديثي دونه وخطابي
لكنما الكذاب يخلق قوله ... ماحيلتي في المفتري الكذاب
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو فعله السوء أو من قلة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب
إياك من كذب الكذوب وإفكه ... فلربما مزوج اليقين بشكه
ولربما كذب امرؤ بكلامه ... وبصمته وبكائه وبضحكه
إذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذاباً ولو كان صادقاً
فإن قال لم تصغ له جلساؤه ... ولم يسمعوا منه ولو كلن ناطقاً
الباب الخامس عشر في التواضع
إن شئت أن تبني بناءً شامخاً ... يلزم لذا البنيان أسّ راسخ
إن البناء هو الكمال وأسه ال ... الصخريّ فهو الإتضاع الباذخ
стр. 673
تواضع لربّ العرش علك ترفع ... فما خاب عبد للمهيمن يخضع
تواضع تكن كالنجم لا لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع
إذا شئت أن تزداد قدراً ورفعة ... فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا
تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة ... فإن رفيع القوم من يتواضع
تواضع إذا ما كان قدرك عالياً ... فإن اتضاع المرء من شيم العقل
الباب السادس عشر في الكرم والكرماء
ونكرم ضيفنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
أبى الجود في الدنيا سواك لأنه ... تفرع من جود وأنت أبو الجود
وأضدادك الوادي لهم سال واستوت ... سفينة بحر العلم منك على الجودي
إن الكريم الذي لا مال في يده ... مثل الشجاع الذي في كفه شلل
والمال مثل الحصى مادام في يدنا ... فليس ينفع إلا حين ينتقل
لا تراني مصافحاً كفّ يحيى ... إن فعلت ضيعت مالي
لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال
لو أشبهتك بحار الأرض في كرم ... لأصبح الدر مطروحاً على الطرق
أو أشبه الغيث جوداً منك منهملاً ... لم ينج في الأرض مخلوق من الغرق
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكاً أبداً ... وهو إذا جاد دامع العين
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير وقت سخاء
فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء
الباب السابع عشر في البخل والبخلاء
يفنى البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهدمها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
стр. 674
إن هذا الفتى يصون رغيفاً ... ما إليه من ناظر من سبيل
في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل
شرابك مختوم وخبزك لا يرى ... ولحمك بين الفرقدين معلّق
نديمك عطشان وضيفك جائع ... وكلبك نباح وبابك مغلق
نوالك دونه شوك القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد
ولو أبصرت ضيفاً في منامٍ ... لحرّمت الرقاد على العباد
قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب
وذي حرص تراه يلم وفراً ... لوارثه ويدفع عن حِماه
ككلب الصيد يمسك وهو طاو ... فريسته ليأكلها سواه
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلا في الطمع
من راقب الله نزع ... عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
أصبحت أجوع خلق الله كلهم ... وأفزع الناس من خبز إذا وضعا
خبز البخيل لمكتوب عليه ألا ... لا بارك الله في ضيف إذا شبعا
إني أحذّركم من خبز صاحبنا ... فقد ترون اليوم بحلقي ما صنعا
إياك والحرص إن الحرص متعبةٌ ... فإن فعلت فراع القصد في الطلب
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم المرء ذو الأسفار والتعب
فاجزر فؤادك عن حرص وعن نصب ... فما وقّحك يأتي الرزق بالنصب
إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بُكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثنايا ... وضرب مثل وقعة يوم بدر
تغير إذا دخلت عليه حتى ... فطنت فقلت في المقال
علي اليوم نذر من صيام ... فأشرق وجهه مثل الهلال
رغيف في الحجاب عليه قفل ... وحراس وأبواب منيعة
رأى في بيته ضيفٌ رغيفاً ... فقال لضيفه هذا وديعة
стр. 675
ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعاً سخاؤه
رأى الصيف مكتوباً على باب داره ... فصحفه ضيفاً فقام إلى السيف
فقلنا له خيراً فظن بأننا ... نقول له خبزاً فمات من الخوف
" وقال أبو محمد إسحاق الموصلي المتوفى سنة ٢٣٥ هـ في ذم البخل "
وآمرة بالبخل قلت لها أقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
أرى الناس خلان الجود ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
الباب الثامن عشر في وصف الدنيا
أيا من عاش في الدنيا طويلاً ... وأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه في ما سيفنى ... وجمع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفواً ... أليس مصير ذاك الانتقال
إن لله عباداً فطنا ... طلّقوا الدنيا وعافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيّ وطنا
جعلوها لجّة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
عجبت للمرء في دنياه تطعمه ... في العيش والأجل المحتوم يقطعه
يمسي ويصبح في عشواء يخطبها ... أعمى البصيرة والآمال تخدعه
يغتر بالدهر مسروراً بصحبته ... وقد درى أنه للغير يجمعه
تراه يشفق من تضييع درهمه ... وليس يشفق من دين يضيعه
стр. 676
وأسوأ الناس تدبيراً لعاقبة ... من أنفق العمر في ما ليس ينفعه
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم
تأمل إذا ما نلت بالأمر لذّة ... فأفنيتها هل أنت إلا كحالم
فمن غافل عنه وليس بغافل ... ومن نائم عنه وليس بنائم
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسبق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غروراً وباطلاً ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهله ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنها ... حرام على نفس التقي ارتكابها
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه ... فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذارِ حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركمو مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
سألت عن الدنيا الدنية قيل لي ... هي الدار فيها الدائرات تدور
إذا أضحكت أبكت وإن أحسنت أست ... وإن أعدلت يوماً فسوق تجور
يا خاطب الدنيا الدّنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى أضحكت في يومها ... أبكت غداً تباً لها من دار
الباب التاسع عشر في السر
ولست بمبدٍ للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤول
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة ... والسر عند خيار الناس مكتوم
فالسر عندي في بيت له غلقٌ ... ضاعت مفاتيحه والباب مختوم
صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الرأي إلا الحذر
أسيرك سرّك إن صنته ... وأنت أسيرٌ له أن ظهر
كل علم ليس في القرطاس ضاع ... كل سر جاوز الإثنين شاع
стр. 677
إذا لم يكن في الورى صاحب ... وفيه ثلاث خصال حميدة
وفاءٌ وسرٌ وحفظ الولا=فصحبته قط ليست مفيدة
عليك بكتم السر في كل حالة ... فقد جاء في الأخبار من ألف حجّة
إذا دخل اثنان الحديث فسرّه ... يشيع وصمت المرء أعظم حكمة
الباب العشرون في اللسان
لا يعجبنك من خطيب خطيبة ... حتى يكون مع الكلام أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل
فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته بالرّجل تبرأ على مهل
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك أنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان
الصمت زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً
فإذا ندمت على سكوتك مرة ... فلتندمن على الكلام مرارا
إن القليل من الكلام بأهله ... حسنٌ وإن كثيره ممقوت
ما زل ذو صمت وما من مكثر ... ألا يزلّ ما يعاب صموت
إن كان ينطق ناطق من فضة ... فالصمت درّ زانه الياقوت
احفظ لسانك واستعذ من شره ... إن اللسان هو العدو الكاشح
وزن الكلام إذا نطقت بمجلسٍ ... فإذا استوى هناك حلمك راجح
والصمت من سعد السعود بمطلع ... تحيا به والنطق سعدٌ رابح
عود لسانك قول الخير تنج به ... في زلّة اللفظ أو من زلة القدم
واحذر لسانك من خل تنادمه ... إن النديم لمشتق من الندم
الباب الحادي عشر في المعاشرة
قال الإمام الشافعي ﵁
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا ... فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدالٌ وفي الترك راحة ... وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ... ولا كل من صافيته لك قد صفا
стр. 678
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ... فلا خير في ود يجيء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله ... ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشاً قد تقادم عهده ... ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها ... صديق صدوق صادق الوعد منصفا
صاف الكرام فخير من صافيته ... من كان ذا أدب وكان ظريفا
واحذر مؤاخاة اللئيم فإنه ... يبدي القبيح وينكر المعروفا
إن الكريم وإن تضعضع حاله ... فالخلق منه لا يزال شريفا
والناس مثل دراهم قلبتها ... فأصبحت منها فضّة وزيوفا
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فأبصر بعين منك أمراً فيعتمد
ولن يصبح الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
وما الغيّ إلا أن تصاحب غاوياً ... وما الرشد إلا أن تصاحب مرتشد
أخو الفسق لا يغررك منه تودّد ... فكل حبال الفاسقين مهين
وصاحب إذا ما كنت يوماً مصاحباً ... أخا ثقة بالغيب منك أمين
اجعل قرينك من رضيت فاعله ... واحذر مقارنة اللئيم الشائن
كم من قرين شائن لقرينه ... ومهجن منه لكل محاسن
وعينك إن أبدت إليك مساوياً ... من الناس قل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وكن متودّداً ... ولا تلق إلا بالتي هي أحسن
الباب الثاني والعشرون في القناعة
وأكل كسيرة في جنب بيتي ... أحب إلي من أكل الرغيف
ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لو لم يكن منك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن
стр. 679
قنعت بالقوت من زماني ... وصنت نفسي عن الهوان
خوفاً من الناس أن يقولوا ... فضل فلان على فلان
من كنت عن ماله غنياً ... فلا أبالي إذا جفاني
ومن رآني بعين نقص ... رأيته بالتي رآني
ومن رآني بعين ثم ... رأيته كامل المعاني
إذا المرء عوفي في جسمه ... وملكه الله قلباً قنوعا
وألقى المطامع عن نفسه ... فذاك الغني ولو مات جوعا
النفس تجزع أن تكون فقيرة ... والفقر خير من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت ... فجميع ما في الأرض لا يكفيها
إن القنوع نفيس النفس راشدها ... وهو الغني الذي يحيا بلا نصب
وذو المطامع مغرور ومفتقر ... ولو حوى ملك سلطان وعلم نبي
أفادتني القناعة كل عزّ ... وهل عز أعز من القناعة
ولقد طلبت رضا البرية جاهداً ... فإذا رضاهم غاية لا تدرك
وأرى القناعة للفتى كنزاً له ... والبر أفضل ما به يتمسك
الباب الثالث والعشرون في الحسد
تخلق الناس بالأدناس واعتمدوا ... من الصفات ألدها والمكر والحسدا
كرهت منظرهم من سوء مخبرهم ... فقد تعاميت حتى لا أرى أحدا
اصبر على كيد الحسو ... د فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
دع الحسود وما يلقاه من كمد ... يكفيك منه لهيب النار في كبده
إن لمت ذا حسد نفثت كربته ... وإن سكت فقد عذبته بيده
стр. 680
أيا حاسداً لي على نعمتي ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فأخزاك ربي بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب
إن شئت قتل الحاسدين تعمداً ... من غير مادية عليك ولا قود
وبغير سم قاتل وصوارم ... وعقاب رب ليس يغفل عن أحد
عظيم تجاه عيونهم محسودهم ... فتراهموا موتى النفوس مع الجسد
ذوب المعادن باللظى لكنما ... ذوب الحسود بحر نيران الحسد
الباب الرابع والعشرون في الحلم
إلا أن حلم المرء أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار حليم
فيا رب خب لي منك حلماً فإن ... ني أرى الحلم لم يندم عليه كريم
أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلماً ... وشر الناس من يهوى السبايا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
إذا كنت محتاجاً إلى الحلم أنني ... إلى الجهل في بعض الأحيان أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجمٌ ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خذناً وصاحباً ... ولكنني أرضى به حين أحرج
إذا كنت بين الحلم والجهل ناشئاً ... وخيرت أنى شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل
وقال الإمام الشافعي ﵁
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
ولست بهياب لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
فإن تدن منك مودتي ... وإن تنأ عني تلقني عنك نائيا
كلنا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
стр. 681
الباب الخامس والعشرون في الحماقة
لكل داءٍ دواءٌ يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
لا تيأسنّ من اللبيب وإن جفا ... واقطع حبالك من حبال الأحمق
فعداوة من عاقل متجمّل ... أولى وأسلم من صداقة أخرق
الباب السادس والعشرون في الوطن
قال ابن الرومي
ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرح الشباب منعماً ... بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
قد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسدٌ إن بان غودر هالكا
الباب السابع والعشرون في المال
إن الدراهم كالمرا ... هم تجبر العظم الكسيرا
لو نالهنّ تعليبٌ ... في صبحه أضحى أميرا
إن قلّ مالي فلا خلٌّ يصاحبني ... إن زاد مالي فكلّ الناس خلاني
فكم عدوٍّ لأجل المال صاحبني ... وكم صديق لفقد المال عاداني
لعمرك إن المال قد يجعل الفتى ... سرياً وإن الفقر بالمرء قد يزري
وما رفع النفس الدنية كالغنى ... ولا وضع النفس النفيسة كالفقر
وإذا ما رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدّينار
وابعثه فيما تشتهيه فإنه ... حجرٌ يليّن قسوة الأحجار
الناس أتباع من دامع له نعم ... والويل للمرء إن زلت به القدم
стр. 682
المال زينٌ ومن قلت دراهمه ... حي كمن مات إلا أنه صنم
لما رأيت أخلائي وخالصتي ... والكل مستتر عني ومحتشم
أبدو جفاءً وإعراضاً فقلت لهم ... أذنبت ذنباً فقالوا ذنبك العدم
فصاحة حسّان وخط ابن مقلةٍ ... وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس ... ونودي عليه لا يباع بدرهم
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلفٌ مغرم
فأرسل حكيماً ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدّرهم
أظهروا للناس زهداً ... وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلّوا ... وله حجوّا وزاروا
لو يرى فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا
المال يفرقُ بين الأم والولد ... فذاك أدنى نسيبٍ عند كل يد
عهدي به خادماً كالعبد نملكه ... فما لعيني تراه سيد البلد
مالٌ يميل إلى المرء من صغر ... وكلما شب شبّ الحبّ في الكبد
لو يجمع الله ما في الأرض قاطبة ... عند امرئ لم يقلّ حسبي فلا تزد
كلٌ يروح من الدنيا الغرور كما ... أتى بلا عدد منها ولا عُدّد
لو كان يأخذ شيئاً قبلنا أحد ... لم يبق شيء لنا من سالف الأمد
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه ... تملّكه المال الذي هو مالكه
إلا إنما مالي الذي أنا منفقٌ ... وليس لي المال الذي أنا تاركه
من كان يملك درهمين تعلّمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا
وتقدّم الإخوان فاستعموا له ... ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي يزهو بها ... لوجدته في الناس أسوأ حالا
إن الغنيّ إذا تكلّم بالخطا ... قالوا صدقت وما نطقت محالا
стр. 683
أما الفقير إذا تكلم صادقاً ... قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا
إن الدراهم في المواطن كلّها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحةً ... وهي السلاح لمن أراد قتالا
الباب الثامن والعشرون في السياحة والغربة
وإذا البلاد تغيّرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا
ليس المقام عليك فرضاً واجباً ... في بلدة تدع العزيز ذليلا
تنقّل فلذّات الهوى في التنقل ... ورد كل صافٍ ولا تقف عند منهل
ففي الأرض أحبابٌ وفيها مناهل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل
تغرّب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همٍّ واكتساب معيشةٍ ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
وإن قيل في الأسفار ذلٌ ومحنة ... وقطع الفيافي واكتساب الشدائد
فموت الفتى خير له من حياته ... بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد
ارحل بنفسك من أرض تضام بها ... ولا تكن لفراق الأهل في حرق
من ذل بين أهاليه ببلدته ... فالاغتراب له من أحسن الخلق
الكحل نوع من الأحجار منطرحاً ... في أرضه كالثرى ير أي على الطرق
لما تغرّب نال العزّ أجمعه ... وصار يحتمل بين الجفن والحدق
وقال الإمام الشافعي
ما في المقام الذي عقل وذي أدب ... من راحة فدع الأوطان واغترب
سافر تجد عوضاً عمّن تصاحبه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النّصب
إني رأيت وقوف المال يفسده ... إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
الأسدُ لولا فراق الغاب ما قنصت ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمةً ... لملّها الناس من عجم ومن عرب
والبدر لولا أفول منه ما نظرت ... إليه في كل حين عينٌ مرتقب
والتبر كالتُّرب ملقى في أماكنه ... والعود في أرضه نوعٌ من الحطب
стр. 684
فإن تغرّب هذا عز مطلبه ... وإن أقام فلا يعلو على رتب
إذا ما ضاق صدرك من بلاد ... ترحّل طالباً أرضاً سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذلّ ... وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرّجال قليل عقل ... بليد ليس يعلم ما طحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيمها ... وخلّ الدار تنعي من بناها
فإنك واجد أرضاً بأرضٍ ... ونفسك لم تجد نفساً سواها
ومن كانت منيته بأرضٍ ... فليس يموت في أرض سواها
إن قل نفعك في أرضٍ حللت بها ... سافر لتدرك قصداً أم ترى أملا
فالبيض لو لازمت أغمادها تلفت ... والشمس لو لم تسر ما حلت الحملا
وقال الحريري في الحث على السفر من مقامة له
لا تقعدن عن ضرّ ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر
وانظر بعينيك هل أرضٌ معطلة ... من النبات كأرض حفّها الشجر
فعد عما تشير الأغبياء به ... فأيُّ فضلٍ لعود ما له ثمر
وارحل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمي به المطر
وستنزل الريَّ من در السحاب فإن ... بلت يداك به فليهنك الظفر
بلاد الله واسعة فضاءً ... ورزق الله في الدنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم أرضٌ فسيحوا
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله وسعة الفضا ... طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
إذا ما كنت في قوم غريباً ... فعاملهم بفعل يستطاب
ولا تحزن إذا فاهوا بفحش ... غريب الدار تنبحه الكلاب
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجيء بمثلها طوراً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماء
ولا تقعد على كسل التمني ... تحيل على المقعد والقضاء
стр. 685
فإن مقادر الرحمن تجري ... بأرزاق الرّجال من السماء
مقدرة بقبض أو ببسط ... وعجز المرء أسباب البلاء
الباب التاسع والعشرون في الغدر
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه ... وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا ... تكن إلى أحدٍ منهم بمؤتمن
وزهّدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خِلاً تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدّهر إلا كان إحدى المصائب
أني بلوت الناس أطلب منهمو ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد
وقال علي بن الجهم وهو مسجون
قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث بألف غيله ... كبراً وأوباش السباع تردّد
والشمس لولا أنّها محجوبةٌ ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والبدر يدركه السّرار فتنجلي ... أيامه وكأنه متجدّد
والغيث يحسره الغمام فما يرى ... إلا وريقه يراع ويرعد
والزاعبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوةٌ تتوقد
والحبس ما لم تغشه لدنيةٌ ... شنعاء نعم المنزل المتودد
بيت يجدد للكريم كرامةً ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد
كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد
الباب الثلاثون في الختام بالدعاء
قال البحتري
حاطه الله حيث أمسى وأضحى ... وتولاه حيث سار وحلا
وقال ابن الرومي
لازلت نجماً يهدى ... بك في الضّلال ويستدل
ينبوع عزم يستقى ... منه الصوّاب وستمل
وقال الوزير المهلبي
أراني الله وجهك كل يوم ... صباحاً للتيمّن والسرور
وأمتع مقلتيّ بصفحتيه ... لأقرأ الحسن من تلك السطور
وقال آخر
بقيت مدى الدنيا وملكك راسخٌ ... وطودك ممدودٌ وبابك عامر
يودّ سناك البدر والبدرُ زاهرٌ ... ويقفو نداك البحر والبحر غامر
وهنّئت أياماً توالت سعودها ... كما تتوالى في العقود (الجواهرُ)